. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دليلنا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن المشار إليه ضمير [١/ ١٦٧] منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزء منه؛ فأشبه مفعولا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول؛ فإن لم يساوه في وجوب الاتصال فلا أقل من كون اتصاله راجحا.
الوجه الثاني: أن الوجهين مسموعان فاشتركا في الجواز إلا أن الاتصال ثابت في النثر والنظم. والانفصال لم يثبت في غير استثناء إلا في نظم؛ فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال.
ومن الوارد منه متصلا في النظم دون ضرورة قول الشاعر:
٢٥٤ - كم ليث اغترّبي ذا أشبل غرثت ... فكانني أعظم اللّيثين إقداما (١)
فقال: كانني مع تمكنه من أن يقول فكنته أعظم الليثين، على جعل أعظم بدلا من الضمير ومفسرا له (٢) كما قالوا: اللهمّ صلّ عليه الرّؤوف الرّحيم. -
стр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الوارد منه في النثر قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ «إيّاك أن تكونيها يا حميراء» (١)، وقوله ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» (٢).
ومن ذلك قول بعض العرب عليه رجل ليسني، وقال سيبويه: «وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنّهم يقولون: ليسني، وكذلك كانني» (٣).
هذا نصه، ولم يحك في الانفصال نثرا إلا قولهم في الاستثناء: «أتوني ليس إيّاك، ولا يكون إيّاك» (٤). وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة؛ لأن ليس و (لا يكون) فيه واقعان موقع إلا؛ فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يقاس على ذلك ما ليس مثله.
والاتصال في قوله:
٢٥٥ - [عددت قومي كعديد الطّيس] ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي (٥)
من الضرورات؛ لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناء لكان الاتصال أولى من الانفصال كما تقرر. انتهى كلام المصنف واستدلاله (٦).
وقد تكلم الشيخ هنا في جانب المصنف بكلام غير مناسب، وجعله مكابرا ومكاذبا لسيبويه، واعتذر عنه بأنه «قليل الإلمام بكتاب سيبويه، وأنه يلمح شيئا -
стр. 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه ببادئ النّظر، فيستدل به من غير تتبّع لما قبله ولما بعده. وكم شيء فاته من علم سيبويه لقلّة إلمامه به» انتهى كلام الشيخ (١).
ولم يرد على المصنف بشيء غير أنه قال: إن سيبويه يقول: إنّ كلام العرب على الانفصال، وإنّ الاتّصال قليل.
والمصنف لم يجهل أن سيبويه قال ذلك، ولو جهله لم يصرح في الشرح بخلافه؛ حيث قال: «خلافا لسيبويه ومن تبعه». ولكن هذه عادة الشيخ مع المصنف.
٢٥٦ - وهبني قلت هذا الصّبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضّياء (٢)
ولقد أجاد القائل في قوله:
٢٥٧ - لا تضع من عظيم قدر وإن كن ... ت مشارا إليه بالتّعظيم
فالشّريف الكريم ينقص قدرا ... بالتّحري عن الشّريف الكريم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتّحريم (٣)
[١/ ١٦٨] وقد علم مما تقدم أن الاتصال يختار في بابين وهما باب أعطيتكه وباب كنته، وأن الانفصال يختار في أربعة أبواب، وهي باب خلتكه، وباب فراقيها، وباب منعكه، وباب معطيكه (٤). -
стр. 529
[فصل الضمير الواجب الاتصال]
قال ابن مالك: (ونحو: ضمنت إيّاهم الأرض، ويزيدهم حبّا إليّ هم - من الضّرورات).
ــ
وجعل المصنف خلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهما في باب الإخبار كهاء أعطيتكه (١)، فيكون الاتصال فيه مختارا. ومثال ذلك: الذي أعطيته زيدا درهم، هذا على الاتصال؛ وإن جئت به منفصلا مراعاة للترتيب الأصلي قلت:
الذي أعطيت زيدا إياه درهم، والاتصال رأي أبي عثمان المازني. قال المصنف:
«وباختياره أقول؛ لأنّ الاتصال هو الأصل؛ فإذا أمكن بلا محذور، فلا عدول عنه عند مراعاة الأولى؛ فلو كان بدل الدرهم مفعول لا يعلم كونه ثانيا إلا بالتأخر نحو: أعطيت زيدا عمرا فأخبر عنه - تعيّن انفصاله لأن وصله بالفعل يوهم كونه أولا؛ فلو عضد بهذا قول غير المازنيّ (٢) لاعتضد، فيقال: إذا تعيّن الانفصال في بعض صور الإخبار فليلتزم في جميعها، ليجري الباب على سنن واحد كما فعل في غيره» (٣).
قال ناظر الجيش: لما اقتصر المصنف على ذكر مواضع انفصال الضمير، ومواضع اتصاله وانفصاله - علم أن ما سكت عنه يجب فيه الاتصال، فصار كأنه قال:
«وما عدا ما ذكر من مواضع وجوب الانفصال ومواضع جواز الأمرين - يجب اتصاله» ولهذا ساغ له أن يحكم بالضرورة على ما أنشده والضمير فيه منفصل.
أما ضمنت إياهم الأرض فمن قول الفرزدق:
٢٥٨ - بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير (٤)
-
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلولا الضرورة لقال ضمنتهم.
وأما يزيدهم حبّا فمن قول الشاعر:
٢٥٩ - وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم (١)
فهم الآخر فاعل يزيد. قال المصنف: «وظن بعضهم أنّ هذا جائز في غير الشعر؛ لأن قائله لو قال يزيدونهم لصح. فيجعل المتّصل وهو الواو فاعلا والمنفصل توكيدا، وهذا وهم؛ لأنّ ذلك جمع بين ضميرين متصلين لمسمى واحد أحدهما فاعل والآخر مفعول، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي» انتهى (٢).
قال الشيخ: الذي ظنه هذا الظّان صحيح، وما ردّ به المصنف فاسد؛ لأنه اعتقد أنّ الفاعل بيزيد هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل بيزيد عائد على قوم.
وهم المتصل بيزيد عائد على من سبق ذكره في الشّعر من الّذين فارقهم. فاختلف مدلول الفاعل والمفعول. انتهى (٣). -
стр. 531
[مفسّر ضمير الغائب وتقديمه]
قال ابن مالك: (فصل: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلّا بدليل، وهو إمّا مصرّح بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما أو بذكر ما هو له جزء أو كلّ أو نظير أو مصاحب بوجه ما).
ــ
والذي ذكره الشيخ حق، وقد كان وقع لي هذا عند قراءة هذا الموضع، ولكن لما ذكره الشيخ تعين إسناده إليه.
قال ناظر الجيش: ما دل على الحضور وهو ضمير المتكلم والخطاب مستغن عن المفسر [١/ ١٦٩] اكتفاء بالمشاهدة المقارنة الدالة على المراد به.
وأما ضمير الغائب فليس له مشاهدة مقارنة فاحتاج لذلك إلى مفسر.
والأصل أن يكون المفسّر مقدما على ما يفسره، ولا يكون مؤخرا إلا في أبواب محصورة (١)، فقول المصنف: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب يفهم منه شيئان:
أحدهما: أن ضمير الغائب لا بد له من مفسر، ويفهم منه أن ضمير الحضور مستغن عن ذلك.
والثاني: أن الأصل في المفسّر أن يكون مقدما على الضمير المفسّر.
وذكر المصنف والشيخ أن ضمير الحضور مفسر بالمشاهدة، والأمر في ذلك قريب والظاهر ما ذكرته (٢).
ثم إذا تقدم على الضمير شيئان صالح كل منهما للتفسير - فالمفسّر هو الأقرب نحو: أكرمت زيدا وعمرا في داره، فالضمير لعمرو لقربه.
ولا يكون المفسّر غير الأقرب، إلا إن دل على ذلك دليل، ومثّله الشيخ بقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ (٣)، -
стр. 532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالضمير في ذريته عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا على يعقوب صلوات الله عليهم أجمعين؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم (١).
قال المصنف: «جعلوا تقديم مفسر الغائب خلفا عمّا فاته من مقارنة المشاهدة؛ ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسر كما يتقدم الشعور بذات يصلح أن يعبر عنها بضمير حاضر.
واللائق بالمفسر لكونه كجزء المفسر (٢) في تكميل وضوحه أن يتصل به؛ فلذلك إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا، جعل للأقرب ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج» انتهى (٣).
ولكون الضمير لا يعود إلا على الأقرب، قال الشيخ: «استدلّ ابن حزم على تحريم جميع الخنزير لحما وشحما وجلدا وغيرها بقوله تعالى: فَإِنَّهُ رِجْسٌ (٤) بعد قوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير. فجعل الضمير في فَإِنَّهُ عائدا على الخنزير؛ لأنّه أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولا لأنه هو المعهود أكله لمن يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه» انتهى (٥).
ثم المفسّر قد يستغنى عن ذكره، ويدل عليه ما يفهم من سياق الكلام، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما.
والأكثر كونه مذكورا، وقد يستغنى عن ذكره بذكر ما يدل عليه مما بينه وبينه نسبة للجزئية أو الكلية أو غيرهما كما سيأتي. -
стр. 533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولنرجع إلى لفظ الكتاب:
وقوله: وهو إما مصرح بلفظه أي المفسّر، وذلك نحو: زيد لقيته.
وقوله: أو مستغنى عنه أي مستغنى عن لفظه بحضور معناه في الحس كقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي (١)، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (٢)، أو بحضور معناه في العلم، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٣)، ومنه قوله تعالى:
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٤)، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ (٥).
وقوله: أو بذكر [١/ ١٧٠] ما هو له جزء أي: أو مستغنى عنه بذكر ما صاحب الضمير جزؤه، فهذا عائد على صاحب الضمير، والضمير في له عائد على المذكور، وذلك كقول الشاعر:
٢٦٠ - أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر (٦)
-
стр. 534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر الفتى مغن عن ذكر النفس؛ لأنها جزؤه، فعاد إليها فاعل حشرجت، والضمير المجرور بالياء ومنه قولهم: «من كذب كان شرّا له» (١) فأضمروا في كان ضمير الكذب؛ لأنه جزء مدلول كذب، ومثله قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٢) فهذا عائد على العدل؛ لأنه جزء مدلول اعْدِلُوا.
ومنه قول الشاعر:
٢٦١ - وإذا سئلت الخير فاعلم أنّها ... حسنى تخصّ بها من الرّحمن (٣)
فأعاد الضمير إلى المسألة؛ لأنها جزء مدلول سئلت.
ومنه قول الشاعر:
٢٦٢ - إذا نهي السّفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى الخلاف (٤)
فالهاء من إليه عائد على السفه؛ لأنه جزء مدلول السفيه.
وقوله: أو كلّ أي: أو يذكر ما صاحب الضمير له أي للمذكور كل؛ فإن الجزء يدل على الكل كما يدل الكل على الجزء.
قال المصنف: ومن ذلك - والله أعلم - وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٥)؛ فإن الذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغنى ذكرهما عن ذكر الجميع، كأنه قيل: -
стр. 535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذين يكنزون أصناف ما يكنز ولا ينفقونها. ومن هذا أيضا قول الشاعر:
٢٦٣ - ولو حلفت بين الصّفا أمّ معمر ... ومروتها بالله برّت يمينها (١)
فأعاد الضمير إلى مكة؛ لأن الصفا جزء منها. وذكر الجزء مغن عن ذكر الكل في بعض الكلام.
ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢)؛ فيكون الضمير للدنيا وإن لم يجر ذكرها في هذه السورة؛ لأن ما جرى ذكره بعضها، والبعض يدل على الكل.
وقوله: أو نظيره أي: ويذكر ما هو نظير لصاحب الضمير، ومثّلوه بقولهم:
عندي درهم ونصفه أي ونصف (٣) درهم آخر، ومنه قول الشاعر:
٢٦٤ - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا (٤) ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد (٥)
أي: ونصف حمام آخر مثله في العدة. -
стр. 536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الآخر:
٢٦٥ - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب (١)
أي: قيد فحلنا.
وقوله: أو مصاحب بوجه ما:
قال المصنف: «وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضّمير بذكر ما يصاحبه بوجه ما» وذكر لذلك صورا ثلاثا (٢):
الأولى: الاستغناء بمستلزم عن مستلزم، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ (٣). فعفي يستلزم عافيا؛ فأغنى ذلك عن ذكره، وأعيدت الهاء من إليه عليه. ومن قول الشاعر [١/ ١٧١]:
٢٦٦ - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع
لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى ... وطير المنايا فوقهنّ أواقع (٤)
-
стр. 537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالحادي يستلزم إبلا محدوة، فأغنى ذلك عن ذكرهن، وأعاد ضمير فوقهن عليهن (١).
الثانية: الاستغناء بذكرها يصاحب صاحب الضمير ذكرا أو استحضارا، كذكر الخير وحده متلوّا بضمير اثنين مقصود بهما المذكور وضده، كقول الشاعر:
٢٦٧ - وما أدري إذا يمّمت أمرا ... أريد الخير أيهّما يليني (٢)
فأعاد الضمير على الشر أيضا وإن لم يذكر؛ لأنه يصاحب الخير في الذكر والاستحضار.
الثالثة: الاستغناء بذكر المصاحب في الاستحضار لا في الذكر، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ (٣). فهي عائدة على الأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال؛ فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.
ومثله قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (٤) أي من عمر غير المعمر، فأعيد الضمير على غير المعمر؛ لأن ذكر المعمر مذكر به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني. -
стр. 538
[مفسّر ضمير الغائب وتأخيره جوازا]
قال ابن مالك: (وقد يقدّم الضّمير المكمّل معمول فعل أو شبهه على مفسّر صريح كثيرا إن كان المعمول مؤخّر الرّتبة، وقليلا إن كان مقدّمها، وشاركه صاحب الضّمير في عامله).
ــ
ثم ها هنا تنبيهان:
ناقش الشيخ المصنف في تمثيله بقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي (١)، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (٢) لما لم يذكر مفسره، قال:
«فإنّ الضّمير في (هى) عائد على قوله: بِأَهْلِكَ سُوءاً (٣) والضّمير في اسْتَأْجِرْهُ عائد على موسى ﷺ . فالمفسّر في الاثنين مصرّح بلفظه» انتهى (٤).
الثاني: لم يجعل ابن عصفور الضمير في: عندي درهم ونصفه - عائدا على نظير المذكور كما قال المصنف؛ بل جعله عائدا على الدرهم المذكور باعتبار اللفظ، لا باعتبار المعنى، وكذا جعل الضمير في: نصفه فقد، وفي: ونحن
خلعنا قيده (٥).
قال ناظر الجيش: قد تقدم الإعلام بأن مفسر الضمير قد يؤتى به مؤخرا عن الضمير، وإن كان ذلك على خلاف الأصل (٦).
وينبغي أن يعلم أن الضمير منه ما يفسره ما بعده، فعلى هذا يكون تأخير المفسر في هذا القسم واجبا لا لأمر اقتضى وجوب تأخيره؛ بل لأن من الضمير ما وضعه أن يفسره ما بعده.
إذا تقرر هذا فيقال: إن تأخير المفسر منه واجب ومنه جائز.
وقد بدأ بذكر مواضع الجواز، وثنى بذكر مواضع الوجوب، وإذا عرفت مواضع -
стр. 539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسمين علم أن ما عداها باق على الأصل، فيمتنع فيه التأخير.
أما مواضع الجواز:
فاعلم أن المفسر [١/ ١٧٢] المؤخر إما أن يكون رتبته التقديم، وإما أن يكون رتبته التأخير، فهما قسمان:
أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: ويقدّم الضّمير المكمّل إلى قوله: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة؛ لأن المعمول الذي اتصل به الضمير إذا كان مؤخر الرتبة كان المفسر عن ذلك الضمير مقدم الرتبة. ومراده أنه يجوز تأخير المفسر كثيرا إذا كان الضمير مكملا معمول فعل، ورتبة ذلك المعمول التأخير عن المفسر المؤخر في اللفظ، ويدخل تحت هذه العبارة صور وهي:
ضرب غلامه زيد (١)، وغلامه ضرب زيد، وضرب غلام أخيه زيد (٢)، وغلام أخيه ضرب زيد، وما أراد أخذ زيد (٣)، وضرب جارية يحبّها زيد (٤).
لأن المضاف إليه يكمل المضاف، ومعمول الصلة يكمل الموصول، كما يكمل ما بفاعل أراد الممثل به، ومعمول الصفة يكمل الموصوف كما يكمل جارية بفاعل يحبها.
ونظير المثال الأول (٥) قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦).
ونظير الثاني (٧) قول العرب: في بيته يؤتى الحكم (٨)، وشتّى تؤوب -
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحلبة (١).
فإن: في بيته في موضع نصب بيؤتى، والهاء عائدة على الحكم، وقد تقدما على العامل والمفسر. وشتى حال من الحلبة، وفيها ضمير عائد عليهم، وقد تقدم على العامل والمفسر.
قال المصنف: «والكوفيّون لا يجيزون مثل هذا، وسماعه من فصحاء العرب صحيح؛ فهو حجة عليهم» (٢).
ونظير المثال الرابع (٣) قول الشاعر:
٢٦٨ - شرّ يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا (٤)
لأن شر يوميها ظرف لركبت.
ونظير المثال الخامس (٥) قول رجل:
٢٦٩ - ما شاء إن شاء ربّي والّذي هو لم ... يشأ فلست تراه ناشئا أبدا (٦)
-
стр. 541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفعل قولك: هند ضارب غلامه زيد من أجلها، ومررت بامرأة ضارب غلامه أخوها.
ولا أعلم ممّاذا احترز بقوله: صريح.
وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: قليلا إن كان مقدّمها، أي: ويقدم الضمير المكمل معمول فعل أو شبهه على مفسر صريح قليلا إن كان المعمول مقدم الرتبة؛ لأن المعمول المكمل بالضمير إذا كان مقدم الرتبة كان المفسر الذي أخر عن ذلك الضمير مؤخر الرتبة، أي: واقع في رتبته التي هو فيها.
ومراده: أن تقديم الضمير على مفسره إذا كان بهذه الحيثية يقل لما يلزم منه من عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ بخلاف القسم الأول؛ فإنه وإن عاد فيه الضمير على متأخر في اللفظ، فهو متقدم في الرتبة.
ومثال ذلك قول حسان بن ثابت ﵁ يرثي مطعم بن عدي:
٢٧٠ - ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا ... من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما (١)
[١/ ١٧٣] وقال غيره:
٢٧١ - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ... ورقّى نداه ذا النّدى في ذرا المجد (٢)
-
стр. 542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال آخر:
٢٧٢ - لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر (١)
وقال آخر:
٢٧٣ - لقد جاز من يعنى به الحمد إن أبى ... مكافأة الباغين والسّفهاء (٢)
وقال آخر:
٢٧٤ - وما نفعت أعماله المرء راجيا ... جزاء عليها من سوى من له الأمر (٣)
وأنشد ابن جني:
٢٧٥ - ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه ... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب (٤)
-
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنشد أيضا:
٢٧٦ - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار (١)
قال المصنف (٢): «والنّحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامه زيدا أسهل من جواز نحو: ضربوني وضربت الزّيدين، ونحو: ضربته زيدا على إبدال زيد من الهاء.
وقد أجاز الأول البصريون (٣) وأجيز الثاني بإجماع حكاه ابن كيسان (٤). -
стр. 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدا، من تقديم ضمير على مفسّر مؤخر الرتبة؛ لأن مفسر واو ضربوني معمول معطوف على عاملها، والمعطوف ومعموله أمكن في استحقاق التّأخر من المفعول بالنسبة إلى الفاعل؛ لأن تقديم المفعول على الفاعل يجوز في الاختيار كثيرا، وقد يجب (١)، وتقديم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت الزّيدين - أن يحكم بأولية جواز: ضرب غلامه زيدا لما ذكرناه.
وكذلك يلزم من أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفسر له غيره نحو: ضربته زيدا، واللهمّ صلّ عليه الرءوف الرحيم؛ لأن البدل تابع والتابع مؤخر بالرتبة، ومؤخر في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك؛ إذ لا يلزم تأخره» انتهى (٢).
وقال في شرح الكافية: الفعل المتعدّي يدلّ على فاعل ومفعول؛ فشعور الذهن بهما مقارن لشعوره بمعنى الفعل، فإذا افتتح كلام بفعل ووليه مضاف إلى ضمير - علم أن صاحب الضمير فاعل إن كان المضاف منصوبا، ومفعول إن كان المضاف مرفوعا، فلا ضرر في تقديم الفاعل المضاف إلى ضمير المفعول، كما لا ضرر في تقديم المفعول المضاف إلى ضمير الفاعل (٣).
قال الشيخ (٤): «وأجاز ذلك قبل أبي الفتح من الكوفيّين أبو عبد الله الطّوال» (٥).
قال الشيخ: «ولعمري إنه قد كثر مجيء ذلك في الشعر، فالأحوط جوازه في الشّعر دون الكلام. وقد رام بعض النحويين تأويل ذلك كله، والتأويل فيه بعد» -
стр. 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انتهى (١).
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفاعل في هذا القسم قولك: هند ضارب غلامه زيدا من أجلها [١/ ١٧٤].
وأما قول المصنف: وشاركه صاحب الضّمير في عامله - فهو قيد في جواز المسألة والمعنى، وشارك المعمول للفعل أو شبهه صاحب الضمير أي المفسر في عامله، أي: ويكون صاحب الضمير معمولا للعامل الذي عمل في المعمول المكمل بالضمير كالأمثلة المتقدمة (٢).
فلو لم تحصل المشاركة المذكورة لم يجز التقديم؛ نحو: ضرب غلامها جار هند؛ لأن هند مؤخر الرتبة من جهتين (٣). ولا تعلق لها بضرب بخلاف ضرب غلامها هندا؛ فإن صاحب الضمير في هذا المثال قد شارك المكمل بالضمير في عامله، وصاحب الضمير في المثال الأول وهو ضرب غلامها جار هند - غير مشارك له في العامل.
وهذا بخلاف ما إذا كان المعمول المكمل بالضمير مؤخر الرتبة؛ فإنه لا يشترط مشاركة صاحب الضمير له في العامل، فيجوز أن يقال: ضرب غلامها جار هند، ومنهم من منع التقديم في ذلك أيضا.
فعلى هذا إذا اتصل الضمير العائد على الفاعل بالمفعول، فقد يشارك الفاعل المفعول في العامل وقد لا يشاركه.
وإذا اتصل الضمير العائد على المفعول بالفاعل، فقد يشارك المفعول الفاعل في العامل، وقد لا يشاركه أيضا. فالصور أربع: -
стр. 546
[مفسّر ضمير الغيبة وتأخره لزوما]
قال ابن مالك: (ويتقدّم أيضا غير منويّ التّأخير إن جرّ بربّ، أو رفع بنعم، أو شبهها، أو بأوّل المتنازعين، أو أبدل منه المفسّر، أو جعل خبره، أو كان المسمّى ضمير الشّأن عند البصريّين [١/ ١٧٥]، وضمير المجهول عند الكوفيّين).
ــ
الأولى: ضرب غلامه زيد وهي جائزة بلا خلاف (١).
الثانية: ضرب غلامها بعل هند وفيها خلاف. فالمجيز يقول: لما عاد الضمير على ما أضيف إليه الفاعل، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد - كان بمنزلة عود الضمير على الفاعل.
والمانع نظر إلى تأخر مفسر الضمير لفظا ورتبة، مع عدم تعلق الفعل به، فمنع.
لكن الصحيح الجواز، وقد أفهمه كلام المصنف؛ لأنه لما قال: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة لم يعتد بالمشاركة، كما فعل في المسألة الثانية بل أطلق.
الثالثة: ضرب غلامه زيدا وقد علمت أنها ممنوعة (٢) إلا عند أبي الفتح والمصنف.
الرابعة: ضرب غلامها بعل هند، وهي ممنوعة بلا خلاف.
وقد تقدم ذكر علة المنع (٣).
وقال المصنف: «ومما حكم بجوازه لشبهه بضرب غلامه زيدا: ضربت جارية يحبّها زيدا، فتقدم يحبها وهو مسند إلى ضمير يعود إلى زيد، وإن كان متأخرا لفظا ورتبة؛ لأن يحبّها مكمل لجارية؛ إذ هو صفتها، فجاز تأخر مفسر ضميرها، كما جاز تأخّر مفسر الضمير المضاف إليه في نحو: ضرب غلامه زيدا» (٤).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المفسر الجائز التأخير شرع في ذكر المفسر الواجب التأخير. وأفاد قول المصنف ويتقدم أيضا غير منويّ التّأخير أن الضمائر
стр. 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التي يذكرها موضوعة على أن يفسرها ما بعدها، فرتبتها أن تكون مقدمة على المفسر.
وذكر أن الضمير يفسره ما بعده في ستة مواضع:
الأول: المجرور برب، مثاله قول الشاعر:
٢٧٧ - واه رأبت وشيكا صدع أعظمه ... وربّه عطبا أنقذت من عطبه (١)
الثاني: المرفوع بنعم أو شبهها يعني ببئس (٢) مثاله قول الشاعر:
٢٧٨ - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا (٣)
الثالث: المرفوع بأول المتنازعين (٤) مثاله قول الشاعر:
٢٧٩ - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل (٥)
-
стр. 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرابع: ما أبدل منه مفسره، كقوله: اللهمّ صلّ عليه الرّءوف الرّحيم (١)، حكاه الكسائي. وذكر ابن عصفور أن في ذلك خلافا، وأن الأخفش يجيزه وغيره يمنعه، وأن الصحيح الجواز (٢).
الخامس: ما جعل المفسر خبرا له، ومثال قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا (٣).
قال الزمخشري: «هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلّا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدلّ عليها ويبيّنها.
قال: ومنه: هي النّفس تحمل ما حمّلت، وهي العرب تقول ما شاءت» (٤).
قال المصنف: «وهذا من جيد كلامه، وفي تنظيره بهي النّفس وهي العرب - ضعف لإمكان جعل النّفس والعرب بدلين، وتحمل وتقول خبرين» انتهى (٥).
ومفسر هذه الخمسة مفرد. ولكل واحد منها موضع إن شاء الله تعالى (٦).
وأما السادس: فمفسره جملة كما سيأتي: وهو ضمير الشأن إن ذكر لفظه، -
стр. 549
[ضمير الشأن وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولا يفسّر إلّا بجملة خبريّة مصرّح بجزأيها؛ خلافا للكوفيّين في نحو: ظننته قائما زيد، وإنه ضرب أو قام).
ــ
نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١). وضمير القصة إن أنث لفظه، نحو: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (٢)، وهذا عند البصريين، وسماه الكوفيون ضمير المجهول؛ لأنه لا يدرى عندهم ما يعود عليه (٣). وإنما يفتتح المتكلم كلامه بالضمير المذكور إذا قصد أن يستعظم السامع حديثه قبل الأخذ فيه.
ولا خلاف في أنه اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل.
وزعم ابن الطراوة (٤) أنه حرف، وأنكر كونه اسما، وفي كلام الشيخ جنوح إلى مذهبه (٥) وليس هذا مما يتشاغل به (٦).
واعلم أن ضمير الشأن كما خالف بقية الضمائر في أنه لا يفسر بمفرد، خالفها أيضا في أنه لا يعطف عليه، ولا يؤكد، ولا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه (٧).
قال ناظر الجيش: شرط الجملة المفسّرة للضمير المذكور المخبر به عنه، أن تكون خبرية، فلا تكون إنشائية ولا طلبية، وأن يكون مصرحا بجزأيها، فلا يجوّز -
стр. 550
[أحكام أخرى تخص ضمير الشأن]
قال ابن مالك: (وإفراده لازم وكذا تذكيره ما لم يله مؤنّث، أو مذكّر شبيه به مؤنّث، أو فعل بعلامة تأنيث، فيرجّح تأنيثه باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشّأن).
ــ
البصريون حذف بعض الجمل المذكورة؛ لأنها مؤكدة له، ومدلول به على فخامة مضمونها. واختصارها مناف لذلك؛ فلا يجوز [١/ ١٧٦] كما لا يجوز ترخيم المندوب، ولا حذف حرف النداء قبله.
قال المصنف (١): «وبهذا يعلم أنّ ما أجازه الكوفيّون من: إنّه ضرب، وإنّه قام ونحوهما - غير مستقيم ولا سليم؛
لافتتاحه بمزيد الاعتناء بالمحدّث عنه، واختتامه بحذف ما لا بدّ منه» (٢).
وأما تجويزهم نحو: ظننته قائما زيد، على أن يكون الهاء ضمير الشأن - فمردود أيضا؛ لأن سامعه يسبق إلى فهمه كون زيد مبتدأ مؤخرا، وكون ظننت ومفعوليها خبرا مقدما، وذلك مفوت للغرض الذي لأجله جيء بضمير الشأن؛ لأن من شرطه عدم صلاحية الضمير لغير ذلك، حتى يحصل به من فخامة الأمر ما قصده المتكلم.
قال ناظر الجيش: لا يجوز أن يكون ضمير الشأن مثنّى ولا مجموعا؛ لأنه كناية عن الشأن في التذكير، وعن القصة في التأنيث، وهما مفردان، فوجب إفراد ما هو كناية عنهما، فيقال: إنه أخواك منطلقان، وإنها جاريتاك حسنتان، وإنه إخوتك صالحون، وإنها إماؤك مطيعات. ولا تؤنث إلا إذا وليه مؤنث، كقوله تعالى:
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣)، أو مذكر شبه به مؤنث نحو:
«إنّها قمر جاريتك» (٤)، أو فعل بعلامة تأنيث مسند إلى مؤنث، كقوله تعالى: -
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (١).
ومثله قول الشاعر:
٢٨٠ - على أنّها تعفو الكلوم وإنّما ... يوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي (٢)
فهذا وأمثاله التأنيث فيه أجود من التذكير؛ لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ مع كون التأنيث لا يختلف؛ إذ القصة والشأن بمعنى واحد، والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب:
٢٨١ - وإلّا يكن لحم غريض فإنّه ... تكبّ على أفواههنّ الغرائر (٣)
وكما قال غيره:
٢٨٢ - نخلت له نفسي النّصيحة إنّه ... عند الشّدائد تذهب الأحقاد (٤)
-
стр. 552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يشبه به مؤنث فضلة أو كالفضلة - لم يكترث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقوله تعالى:
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ (١).
وكقول الشاعر:
٢٨٣ - ألا إنّه من يلع عاقبة الهوى ... مطيع دواعيه يبؤ بهوان (٢)
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما ولي الضمير من مؤنث شبه به مذكر، نحو «إنّه شمس وجهك» ولا بتأنيث فاعل فعل ولي الضمير بلا علامة تأنيث، نحو «إنّه قام جاريتك» هذا كله كلام المصنف (٣).
وقال الشيخ (٤): «أصحابنا ذكروا أن ضمير الأمر أو القصة يجوز أن يأتي بعدهما المذكّر والمؤنث، فتقول: هو زيد قائم، وهي زيد قائم، وهي هند ذاهبة، وهو هند ذاهبة [١/ ١٧٧] قال: وأما الكوفيون فزعموا أن المخبر عنه إن كان مذكرا فالضمير ضمير أمر، أو مؤنثا فالضمير ضمير قصة، ولا يجوز عندهم خلاف ذلك، وقد رد عليهم بقراءة من قرأ: أولم تكن لهم آية أن يعلمه علمؤا بنى إسرائيل (٥).
فآية خبر مقدم لأن يعلمه، وأن يعلمه هو المبتدأ، وهو مذكر، والضمير في تكن -
стр. 553
[حكم ضمير الشأن من بروزه أو استتاره]
قال ابن مالك: (ويبرز مبتدأ واسم ما، ومنصوبا في بابي إنّ وظنّ، ويستكنّ في بابي كان وكاد).
ــ
ضمير قصة (١) ويقول العرب: إنّه أمة الله ذاهبة (٢).
قال ناظر الجيش: ضمير الشأن لا بد أن يكون معمولا للابتداء، أو أحد نواسخه، وهي كان وإن وظن أو إحدى أخواتهن، والجملة بعده متممة لمقتضى العامل، وهو بمنزلة ضمير غائب تقدم ذكره؛ فلذلك يستتر مرفوعا بكان أو كاد أو إحدى أخواتهما، كما يستتر ما ارتفع بهما من ضمير غائب تقدم ذكره، ويبرز إذا كان مبتدأ أو اسم ما أو منصوبا بإن أو ظن أو إحدى أخواتهما، وبروزه مبتدأ كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٣).
وذكر صاحب البسيط خلافا في المبتدأ: هل يكون ضمير شأن أو لا؟ وذكر أن الفراء وأبا الحسن منعا ذلك (٤). وقد خرج قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يتكلمون في توحيد الله، فقيل لهم: هو أي التوحيد الله أحد.
الثاني: أن (أحد) بدل من اسم الله تعالى (٥). -
стр. 554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبروزه اسما لما كقول الشاعر:
٢٨٤ - وما هو من يأسو الكلوم وتتّقى ... به نائبات الدّهر كالدّائم البخل (١)
وبروزه في باب إن كقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ (٢).
وبروزه في باب ظن كقول الشاعر:
٢٨٥ - علمته الحقّ لا يخفى على أحد ... فكن محقّا تنل ما شئت من ظفر (٣)
واستكنانه في باب كان كقول الشاعر:
٢٨٦ - إذا متّ كان النّاس صنفان شامت ... وآخر مثن بالّذي كنت أصنع (٤)
-
стр. 555
[أسباب بناء الضمائر]
قال ابن مالك: (وبني المضمر لشبهه بالحرف وضعا، وافتقارا، وجمودا، أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني. وأعلاها اختصاصا ما للمتكلّم وأدناها ما للغائب، ويغلّب الأخصّ في الاجتماع).
ــ
واستكنانه في باب كاد، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (١) في قراءة حمزة وحفص؛ فإنهما قرءا يزيغ بالياء، فهو مستند إلى قلوب، والجملة التي من الفعل والفاعل خبر كاد، واسم كاد ضمير الأمر (٢).
قال ناظر الجيش: ذكر لبناء المضمر سببين:
أحدهما: شبه الحرف. والثاني: الاستغناء عن الإعراب لعدم الحاجة فيه.
وجعل شبهه للحرف في ثلاثة أمور: الوضع والافتقار والجمود.
ومراده أن كلّا من هذه الأمور مستقل بالعلية، كما أن مجموعها علة واحدة.
والمراد بشبه الحرف وضعا: كون بعض المضمرات على حرف واحد، كتاء فعلت وكاف حديثك. وعلى حرفين كنا، وما كان [١/ ١٧٨] من المضمرات على أكثر من حرفين فمحمول على غيره؛ لأن ما هو على أقل من ثلاثة منها فهو أصل أو كالأصل، وأيضا كأنهم قصدوا جري الباب على سنن واحد. -
стр. 556
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمراد بالافتقار: كون المضمر لا تتم (١) دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو ما يقوم مقامها؛ فأشبه بذلك الحرف؛ لأنه لا يفهم معناه بنفسه بل بضميمة.
والمراد بالجمود: عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى ياء التصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات (٢).
وأما الاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني: فالمراد به أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة فله تاء مضمومة في الرفع وفي غيره ياء، وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث؛ فأغنى ذلك عن إعرابه، لأن الامتياز حاصل بدونه.
قال الشيخ: «وهذا ليس بشيء؛ لأنّ المعاني الّتي جيء بالإعراب لأجلها هي الفاعليّة والمفعوليّة والإضافة، وليست هذه الأحوال التي عرضت للمضمر من التكلم والخطاب والغيبة تدلّ على شيء من المعاني الإعرابية؛ فلا يصح الاستغناء عنها بهذه الأحوال؛ لأنّها تدلّ عليها» انتهى (٣).
وما قاله حق أن لو كان اختلاف صيغ المضمر إنما هو للدلالة على التكلم وقسيميه؛ لكن الدال منه على التكلم للمرفوع منه صيغة، وكذا للمنصوب والمجرور أيضا. وكذا الدال على الخطاب والدال على الغيبة. والمضمر وإن انقسمت صيغه بالقسمة الأولى إلى الدلالة على التكلم والخطاب والغيبة، فهي منقسمة بالقسمة الثانية إلى ما هو للمرفوع وللمنصوب والمجرور، وقد اختلفت صيغه لاختلاف المعاني الثلاثة التي جيء بالإعراب لأجلها.
وأما قول المصنف: وأعلاها اختصاصا أي أعلى الضمائر، فقد تقدمت الإشارة إليه في أول باب المعرفة والنكرة حيث قال: -
стр. 557
[ضمير الفصل وأحكامه]
قال ابن مالك: (من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا، وعند الكوفيين عمادا، ويقع بلفظ المرفوع المنفصل مطابقا لمعرفة قبل - باقي الابتداء أو منسوخه - ذي خبر بعد، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللّام عليه).
ــ
وأعرفها ضمير المتكلم، ولكن ذكر هنا ليرتب عليها الحكم المذكور بعد، وهو قوله: ويغلّب الأخصّ في الاجتماع، والمراد بذلك أنك تقول: أنا وأنت فعلنا، وأنت وهو فعلتما، ولا يغلب غير الأخص، فيقال في الأول فعلتما وفي الثاني فعلا (١).
قال ناظر الجيش: الضمير المسمى فصلا عند البصريين، وعمادا عند الكوفيين كهو من قولك: حسبت زيدا هو الكريم.
فسمي فصلا للفصل به بين شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولانفصال السامع عن توهم الخبر تابعا.
وسمي عمادا لأنه معتمد عليه في تقرير المراد ومزيد البيان (٢).
وذكر التابع أولى من ذكر النعت [١/ ١٧٩]، لأن الضمير المشار إليه قد يقع بعد ما لا ينعت وقبل ما لا ينعت به، نحو: حسبتك أنت القائم، وحسبت القائم هو زيدا.
ولا بد من مطابقته لما قبله في حضوره وغيبته، وتذكيره وتأنيثه، وإفراده وتثنيته وجمعه.
ولا يكون ما قبله إلا معرفة إلا عند بعضهم، فإنه أجاز تنكيره كما سيأتي (٣). -
стр. 558
[استثناء من بعض أحكام الضمير]
قال ابن مالك: (وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربّما وقع بين حال وصاحبها، وربّما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر قائم مقام مضاف).
ــ
ولا يكون عند غير الأخفش إلا مبتدأ، وما كان مبتدأ ثم دخل عليه نواسخ الابتداء وإلى هذا كله الإشارة بقوله: مطابقا لمعرفة قبل، باقي الابتداء أو منسوخه.
وأما ما بعد الضمير فلا يكون إلا معرفة أو مضارعا لها في عدم قبول حرف التعريف، كحسبتك أنت مثله أو خيرا منه، ولو أوقع قبل نكرة فقبل حرف التعريف لم يجز.
قال سيبويه (١): «واعلم أن هذا لا يحسن أن يكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة مما قال ولم تدخله الألف واللام فضارع زيدا وعمرا نحو قولك: خير منك ومثلك وأفضل منك وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة أو ما ضارعها، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها، فلو قلت: كان زيد هو منطلقا كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعرفة أو ما ضارعها من النكرة، مما لا يدخله الألف واللام» انتهى (٢).
وقال المصنف: وقلت: مطابقا لمعرفة قبل، ذي خبر بعد ليعلم أنه لو قدم الخبر لاستغني عنه (٣).
قال ناظر الجيش: هذه ثلاث مسائل، وهي كالاستثناء من الضوابط الكلية المتقدمة.
أما الأولى: وهي وقوع ضمير الفصل بين نكرتين، فكالاستثناء من قوله:
لمعرفة قبل.
ومثاله: ما أظن أحدا هو خيرا منك، فإن أحدا بما فيه من العموم شبيه بالمعرف باللام الجنسية، وخيرا منك شبيه معرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه.
وحكى سيبويه «أن أهل المدينة يجيزون الفصل بين نكرتين كهاتين، وروي عن يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا» وقال سيبويه: «لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، -
стр. 559
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما أنّه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة» انتهى (١).
وقد ذكر عن جماعة من النحويين موافقة أهل المدينة في ذلك (٢).
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ (٣). قال:
فأربى في موضع نصب (٤).
وأما الثانية: وهي وقوع ضمير الفصل بين حال وصاحبها، فكالاستثناء من قوله: باقي الابتداء أو منسوخه، ومثال ذلك حكاية الأخفش عن بعض العرب أنه يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها، فيقول: ضربت زيدا هو ضاحكا (٥).
وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم: (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) (٦) بنصب أطهر.
قال الشيخ: «اختلفوا في دخولها بعد تمام الكلام نحو: هذا زيد هو خيرا -
стр. 560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منك، فأجاز عيسى (١) ذلك، وقرأ (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) بالنصب، وهذا لحن عند الخليل وسيبويه [١/ ١٨٠].
قالوا: ولو جاز هذا لجاز ضربت زيدا هو أفضل منك، قالوا: وهذا خطأ على كلّ علّة قيلت في المجيء بالفصل، وزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا» انتهى (٢).
وأما الثالثة: وهي وقوعه بلفظ الغيبة بعد حاضر، فكالاستثناء من قوله: مطابقا.
ومثاله قول الشاعر:
٢٨٧ - وكائن بالأباطح من صديق ... يراني إن أصبت هو المصابا (٣)
قال المصنف: «تقديره عند أكثرهم: يرى مصابي إن أصبت هو المصابا، فحذف المضاف إلى الياء وأقامه في اللّفظ مقامه، وطابق الفصل المحذوف لا الثّابت» انتهى (٤).
والظاهر أن معنى البيت أن المتكلم إذا أصيب، فإن صديقه يرى أنه نفسه هو -
стр. 561
[مسائل وأحكام أخرى لضمير الفصل]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم مع الخبر المقدّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصحّ، وإنّما يتعيّن فصليته إذا وليه منصوب وقرن باللّام، أو ولي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب).
ــ
المصاب لا أن الصديق يرى مصاب المتكلم هو المصاب (١).
وذكر الشيخ عن العكبري (٢) أنه قال: «هو توكيد للفاعل في يراني، وفصل به بين المفعولين، والأول محذوف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمضاف مصدر؛ أي يظنّ مصابي هو المصاب يحقر كلّ مصاب دونه» انتهى (٣).
وما قاله العكبري أقرب مما قاله المصنف.
قال ناظر الجيش: هذه أربع مسائل:
الأولى: أن ضمير الفصل لا يؤتى به مع الخبر المقدم بل يترك، قال المصنف:
«لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدّم الخبر؛ لأنّ تقدمه يمنع من توهمه تابعا؛ إذ التابع لا يتقدم على المتبوع.
فلو قدم المفعول الثاني في حسبت زيدا هو خيرا منك - لترك الفصل لعدم الحاجة إليه مع كونه في محلّه؛ فلأن يترك ولا يجاء به قبل الخبر المقدم أحقّ وأولى، فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائيّ من ذلك» انتهى (٤). -
стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو قال المصنف: ولا يؤتى به مع الخبر المقدّم - لكان أولى من قوله:
ولا يتقدّم. ومن فروع هذه المسألة أنه إذا تقدم مفعولا ظننت عليها جاز أن يأتي الفصل بينهما نحو: زيدا هو القائم ظننت. فإن توسطت ظننت بين المفعولين نحو:
زيدا ظننت هو القائم، قال الشيخ: ففي جواز ذلك نظر (١).
المسألة الثانية: هل لضمير الفصل موضع من الإعراب أو لا؟
وقد اختلف النحويون أولا في صيغ ضمير الفصل، فالأكثرون (٢) على أنها حروف وأنها تخلصت للحرفية، كما تخلصت الكاف التي في أكرمك للخطاب مع أسماء الإشارة في نحو ذلك. قال المصنف في شرح الكافية:
«وإذا لم يكن له موضع من الإعراب فالحكم عليه بالحرفية غير مستبعد» انتهى (٣).
وذهب الخليل (٤) ووافقه جماعة إلى أنها باقية على الاسمية.
ورجح ابن عصفور مذهب الأكثرين (٥) واستدل على الخليل بأنها لا موضع لها من الإعراب، قال: لو كانت أسماء لكان لها موضع من الإعراب.
وقد ردّ على ابن عصفور (٦) [١/ ١٨١] بأنه لا يلزم من كونها لا موضع لها من الإعراب نفي اسميتها؛ لأن ذلك نفي عارض من العوارض عنها، ونفي ما يعرض لا ينتفي به الأصل إنما ينتفي الشيء بانتفاء وضعه الذي أتى له. -
стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح: ما ذهب إليه الخليل من أنها أسماء ولا موضع لها من الإعراب؛ إذ لا يحتاج إلى ذلك في كل موضع؛ لأن حقيقة الاسمية ثابتة في كل منها، وهي الدلالة على المسمى مثل سائر الأسماء.
وإذا ثبت أنه من الأسماء فلا بعد في أن يكون ضميرا؛ إذ دلالته بكناية كسائر الضمائر.
ثم القائلون باسمية ضمير الفصل اختلفوا: هل له موضع من الإعراب أو لا؟
فالبصريون على أنه لا موضع له (١)، لأن الغرض به الإعلام من أول وهلة؛ ليكون الخبر خبرا لا صفة فاشتد شبهه بالحرف، إذ لم يجأ به إلا لمعنى في غيره، فلم يحتج إلى موضع من الإعراب، ولأنه لو كان له موضع من الإعراب لكان إياي أولى من أنا في نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ (٢)، ولكان إياه أولى من هو في نحو:
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً (٣).
والكوفيون يرون أن له موضعا من الإعراب، فله عند الكسائي ما لما بعده، وله عند الفراء ما لما قبله: فإذا قلت: زيد هو القائم فهو في موضع رفع على مذهبيهما، وإذا قلت: ظننت زيدا هو القائم فهو في موضع نصب، وإذا قلت: كان زيد هو القائم فهو عند الكسائي في موضع نصب، وعند الفراء في موضع رفع (٤).
وقد تبين أن مختار المصنف أن الفصل لا موضع له من الإعراب، لكن لم يشعر -
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلامه بحرفيته إلا ما نقلته عنه من شرح الكافية من أنه لا يستبعد القول بذلك إن قيل به. وأما كلامه في التسهيل فيشعر باسميته لقوله: من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا. فظاهر هذه العبارة أن صيغ الفصل عنده من المضمرات.
وإذا كان كذلك تعين القول باسميتها، ودل كلامه في الشرح على أن القائلين بأن له موضعا يجعلونه توكيدا لما قبله.
ورد عليهم بقول سيبويه (١): «لو كان كذلك لجاز مررت بعبد الله هو نفسه»، وبأنه قال (٢): «إن كان زيد لهو الظّريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين».
قال سيبويه (٣) «فالعرب تنصب هذا والنّحويّون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة ومعها اللّام». يعني بالصفة التوكيد.
ثم قال سيبويه (٤): «فصارت هو وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنّها لا تغيّر ما بعدها عن حالته قبل أن تذكر» انتهى.
وأشعر كلام سيبويه بأن الفصل لا موضع له من الإعراب.
المسألة الثالثة: في تعيين ذلك الضمير للفصلية:
وذكر أنه يتعين فصليته في صورتين:
إحداهما: إذا ولي ذلك الضمير منصوب وقرن الضمير باللام ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا، نحو: -
стр. 565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، وإن ظننت زيدا لهو الفاضل، وإن ظننتك لأنت الفاضل.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة لامتناع حمله [١/ ١٨٢] على غير الفصلية، وذلك لأن الابتدائية فيه تمتنع لنصب الواقع بعده، وكذا البدلية والتأكيد؛ لأن اللام المذكورة لا يفصل بها بين التابع والمتبوع، وإذا امتنع كونه مبتدأ وتابعا تعين كونه فصلا.
الصورة الثانية: إذا ولي ذلك الضمير منصوبا أيضا كما في الأولى ولم يقرن هو باللام، لكن ولي ظاهرا نحو: ظننت زيدا هو القائم، فقول المصنف: أو ولي معطوف على قوله: وقرن باللّام لا على قوله: وليه منصوب؛ لأن شرط تعينه للفصلية في الصورتين هو أن يليه منصوب. ثم لا بد مع هذا الشرط من أحد شيئين: وهو أن يقرن الضمير باللام أو يلي هو ظاهرا وإن لم يقرن بها.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة أيضا؛ لامتناع حمله على غير الفصلية.
أما منع الابتدائية فيه فظاهر لنصب ما بعده، وأما التوكيد فيه فممتنع أيضا؛ لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير، وأما البدل فذلك لعدم المطابقة في الإعراب.
واعلم أن المصنف يدخل عليه لكونه اقتصر في هذه الصورة الثانية على قوله:
أو ولي ظاهرا نحو: كان زيد هو القائم؛ لأنه قد ولي الضمير فيه منصوب، والضمير قد ولي ظاهرا، ومع هذا لا تتعين الفصلية في هذا المثال؛ إذ يجوز أن يكون الضمير بدلا من الظاهر الذي هو زيد لاتفاقهما في الإعراب، فكان الواجب أن يقول: وولي ظاهرا منصوبا؛ ليندفع عنه هذا الداخل.
أما غير هاتين من الصور التي يؤتى فيها بضمير الفصل، فلا يتعين ذلك الضمير فيها للفصلية، بل يجوز كونه فصلا وغير فصل؛ فنحو زيد هو القائم يجوز في هو أن يكون فصلا وغير فصل وأن يكون بدلا وأن يكون مبتدأ ثانيا.
وإن كان المبتدأ مضمرا نحو: أنت أنت القائم، جازت الأوجه الثلاثة (١) وزاد رابع وهو أن يكون توكيدا. -