[مسائل وأحكام أخرى لضمير الفصل]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم مع الخبر المقدّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصحّ، وإنّما يتعيّن فصليته إذا وليه منصوب وقرن باللّام، أو ولي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب).
ــ
المصاب لا أن الصديق يرى مصاب المتكلم هو المصاب (١).
وذكر الشيخ عن العكبري (٢) أنه قال: «هو توكيد للفاعل في يراني، وفصل به بين المفعولين، والأول محذوف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمضاف مصدر؛ أي يظنّ مصابي هو المصاب يحقر كلّ مصاب دونه» انتهى (٣).
وما قاله العكبري أقرب مما قاله المصنف.
قال ناظر الجيش: هذه أربع مسائل:
الأولى: أن ضمير الفصل لا يؤتى به مع الخبر المقدم بل يترك، قال المصنف:
«لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدّم الخبر؛ لأنّ تقدمه يمنع من توهمه تابعا؛ إذ التابع لا يتقدم على المتبوع.
فلو قدم المفعول الثاني في حسبت زيدا هو خيرا منك - لترك الفصل لعدم الحاجة إليه مع كونه في محلّه؛ فلأن يترك ولا يجاء به قبل الخبر المقدم أحقّ وأولى، فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائيّ من ذلك» انتهى (٤). -
стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو قال المصنف: ولا يؤتى به مع الخبر المقدّم - لكان أولى من قوله:
ولا يتقدّم. ومن فروع هذه المسألة أنه إذا تقدم مفعولا ظننت عليها جاز أن يأتي الفصل بينهما نحو: زيدا هو القائم ظننت. فإن توسطت ظننت بين المفعولين نحو:
زيدا ظننت هو القائم، قال الشيخ: ففي جواز ذلك نظر (١).
المسألة الثانية: هل لضمير الفصل موضع من الإعراب أو لا؟
وقد اختلف النحويون أولا في صيغ ضمير الفصل، فالأكثرون (٢) على أنها حروف وأنها تخلصت للحرفية، كما تخلصت الكاف التي في أكرمك للخطاب مع أسماء الإشارة في نحو ذلك. قال المصنف في شرح الكافية:
«وإذا لم يكن له موضع من الإعراب فالحكم عليه بالحرفية غير مستبعد» انتهى (٣).
وذهب الخليل (٤) ووافقه جماعة إلى أنها باقية على الاسمية.
ورجح ابن عصفور مذهب الأكثرين (٥) واستدل على الخليل بأنها لا موضع لها من الإعراب، قال: لو كانت أسماء لكان لها موضع من الإعراب.
وقد ردّ على ابن عصفور (٦) [١/ ١٨١] بأنه لا يلزم من كونها لا موضع لها من الإعراب نفي اسميتها؛ لأن ذلك نفي عارض من العوارض عنها، ونفي ما يعرض لا ينتفي به الأصل إنما ينتفي الشيء بانتفاء وضعه الذي أتى له. -
стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصحيح: ما ذهب إليه الخليل من أنها أسماء ولا موضع لها من الإعراب؛ إذ لا يحتاج إلى ذلك في كل موضع؛ لأن حقيقة الاسمية ثابتة في كل منها، وهي الدلالة على المسمى مثل سائر الأسماء.
وإذا ثبت أنه من الأسماء فلا بعد في أن يكون ضميرا؛ إذ دلالته بكناية كسائر الضمائر.
ثم القائلون باسمية ضمير الفصل اختلفوا: هل له موضع من الإعراب أو لا؟
فالبصريون على أنه لا موضع له (١)، لأن الغرض به الإعلام من أول وهلة؛ ليكون الخبر خبرا لا صفة فاشتد شبهه بالحرف، إذ لم يجأ به إلا لمعنى في غيره، فلم يحتج إلى موضع من الإعراب، ولأنه لو كان له موضع من الإعراب لكان إياي أولى من أنا في نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ (٢)، ولكان إياه أولى من هو في نحو:
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً (٣).
والكوفيون يرون أن له موضعا من الإعراب، فله عند الكسائي ما لما بعده، وله عند الفراء ما لما قبله: فإذا قلت: زيد هو القائم فهو في موضع رفع على مذهبيهما، وإذا قلت: ظننت زيدا هو القائم فهو في موضع نصب، وإذا قلت: كان زيد هو القائم فهو عند الكسائي في موضع نصب، وعند الفراء في موضع رفع (٤).
وقد تبين أن مختار المصنف أن الفصل لا موضع له من الإعراب، لكن لم يشعر -
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلامه بحرفيته إلا ما نقلته عنه من شرح الكافية من أنه لا يستبعد القول بذلك إن قيل به. وأما كلامه في التسهيل فيشعر باسميته لقوله: من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا. فظاهر هذه العبارة أن صيغ الفصل عنده من المضمرات.
وإذا كان كذلك تعين القول باسميتها، ودل كلامه في الشرح على أن القائلين بأن له موضعا يجعلونه توكيدا لما قبله.
ورد عليهم بقول سيبويه (١): «لو كان كذلك لجاز مررت بعبد الله هو نفسه»، وبأنه قال (٢): «إن كان زيد لهو الظّريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين».
قال سيبويه (٣) «فالعرب تنصب هذا والنّحويّون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة ومعها اللّام». يعني بالصفة التوكيد.
ثم قال سيبويه (٤): «فصارت هو وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنّها لا تغيّر ما بعدها عن حالته قبل أن تذكر» انتهى.
وأشعر كلام سيبويه بأن الفصل لا موضع له من الإعراب.
المسألة الثالثة: في تعيين ذلك الضمير للفصلية:
وذكر أنه يتعين فصليته في صورتين:
إحداهما: إذا ولي ذلك الضمير منصوب وقرن الضمير باللام ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا، نحو: -
стр. 565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، وإن ظننت زيدا لهو الفاضل، وإن ظننتك لأنت الفاضل.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة لامتناع حمله [١/ ١٨٢] على غير الفصلية، وذلك لأن الابتدائية فيه تمتنع لنصب الواقع بعده، وكذا البدلية والتأكيد؛ لأن اللام المذكورة لا يفصل بها بين التابع والمتبوع، وإذا امتنع كونه مبتدأ وتابعا تعين كونه فصلا.
الصورة الثانية: إذا ولي ذلك الضمير منصوبا أيضا كما في الأولى ولم يقرن هو باللام، لكن ولي ظاهرا نحو: ظننت زيدا هو القائم، فقول المصنف: أو ولي معطوف على قوله: وقرن باللّام لا على قوله: وليه منصوب؛ لأن شرط تعينه للفصلية في الصورتين هو أن يليه منصوب. ثم لا بد مع هذا الشرط من أحد شيئين: وهو أن يقرن الضمير باللام أو يلي هو ظاهرا وإن لم يقرن بها.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة أيضا؛ لامتناع حمله على غير الفصلية.
أما منع الابتدائية فيه فظاهر لنصب ما بعده، وأما التوكيد فيه فممتنع أيضا؛ لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير، وأما البدل فذلك لعدم المطابقة في الإعراب.
واعلم أن المصنف يدخل عليه لكونه اقتصر في هذه الصورة الثانية على قوله:
أو ولي ظاهرا نحو: كان زيد هو القائم؛ لأنه قد ولي الضمير فيه منصوب، والضمير قد ولي ظاهرا، ومع هذا لا تتعين الفصلية في هذا المثال؛ إذ يجوز أن يكون الضمير بدلا من الظاهر الذي هو زيد لاتفاقهما في الإعراب، فكان الواجب أن يقول: وولي ظاهرا منصوبا؛ ليندفع عنه هذا الداخل.
أما غير هاتين من الصور التي يؤتى فيها بضمير الفصل، فلا يتعين ذلك الضمير فيها للفصلية، بل يجوز كونه فصلا وغير فصل؛ فنحو زيد هو القائم يجوز في هو أن يكون فصلا وغير فصل وأن يكون بدلا وأن يكون مبتدأ ثانيا.
وإن كان المبتدأ مضمرا نحو: أنت أنت القائم، جازت الأوجه الثلاثة (١) وزاد رابع وهو أن يكون توكيدا. -
стр. 566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونحو كان زيد هو القائم، وكنت أنت القائم، مع رفع القائم في المثالين يتعين أن يكون الضمير مبتدأ، ونحو كان زيد هو القائم بنصب القائم يجوز الوجهان (١).
ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو إن زيدا هو القائم يجوز فيه الابتداء والفصل (٢)، ونحو إنّك أنت القائم يجوز فيه الوجهان (٣) ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو ظننت زيدا هو القائم، وظننتك أنت القائم بنصب القائم يجوز فيه الفصلية والتأكيد.
المسألة الرابعة: هو أن كثيرا من العرب (٤) يجعلون هذا الضمير مبتدأ، ويخبرون عنه بما بعده فيقرءون: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ (٥)، وتجدوه عند الله هو خير (٦) بالرفع.
قال سيبويه (٧): «بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا [١/ ١٨٣] كثيرا من العرب يقولون: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ -
стр. 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظَّالِمِينَ (١)» وأنشد:
٢٨٨ - تبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر (٢)
قال المصنف في شرح الكافية:
«البصريّون يلتزمون الرّفع في كلّ ما كان فيه الثّاني غير الأوّل، نحو: كان زيد هو القائمة جاريته؛ فإن قلت كان زيد هو القائم الجارية أجازوا النّصب» انتهى (٣).
ثم ها هنا أمران:
أحدهما: أن هؤلاء العرب المشار إليهم الملتزمين لابتدائية هذا الضمير والإخبار عنه بما بعده لا يعرفون ضمير الفصل، أي لا يستعملونه في أساليب كلامهم، وإذا نطقوا بكلام غيرهم وكان مشتملا على الضمير المذكور - رفعوا ما بعده إن لم يكن مرفوعا، وجعلوه خبرا عنه؛ حتى إنهم يعدلون في الصورتين اللتين تعينت الفصلية فيهما عن نصب ما هو بعد ذلك الضمير إلى رفعه.
والحاصل: أنهم لا ينطقون بالفصل أصلا. -
стр. 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: ذكر النحاة عند ذكرهم اشتراط تعريف الخبر تقسيما ينشأ عنه مسائل اختلف الأئمة فيها جوازا ومنعا فقالوا:
لم يشترط البصريون في تعريف الخبر شرطا؛ فالمضمر والعلم والمبهم والمعرف باللام (١) والمضاف إلى واحد منها في ذلك سواء.
وقال الفراء:
«إن كان معرفة بغير اللّام: لم يجز إلّا الرّفع، ولا يجوز أن يكون فصلا» (٢).
وأما إن كان معرفة باللام: فإن كان في باب ما فلا يجوز الفراء أن يكون فصلا نحو: ما زيد هو القائم.
وإن كان في باب ليس: فالرفع الوجه عند الفراء، نحو: ليس زيد هو القائم، ويجوز النصب. وأما البصريون (٣) فالنصب عندهم هو الوجه وأجازوا الرفع.
وإن كان في غير ليس: فإما أن يكون دخل على الخبر لام الفرق، أو فاء جواب أما، أو دخل على صيغة المضمر لا النافية أو إلا، أو كان في معنى ما دخل عليه إلا.
فإن دخلت لام الفرق، نحو: إن كان زيد هو للقائم فلا يجوز أن يكون فصلا، وينصب القائم عند الفراء، وهو الذي يقتضيه تعليل سيبويه، لأن الفصل إنما جيء به فرقا بين النعت والخبر، فيجب ألا يجوز النصب، لأن اللام لا تدخل في النعت، وعلى قول أبي العباس يجوز النصب؛ لأن الفصل عنده إنما يؤتى به ليدل على أن الخبر معرفة أو ما قاربها (٤).
وإن دخلت على الخبر فاء جواب أما نحو قولك: أمّا زيد هو فالقائم - فذهب سيبويه والفراء إلى أنه لا يجوز
الفصل؛ لأن دخول الفاء يدل على أنه ليس بنعت. -
стр. 569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى قول أبي العباس يجب أن يجوز (١).
وإن دخلت لا النافية على صيغة المضمر نحو قولك: كان عبد الله لا هو العالم ولا المقارب؛ فمذهب البصريين جواز الفصل والنصب؛ لأن (لا) لا تغير من هذا شيئا، ويفرق بها بين النعت والمنعوت لا اختلاف في ذلك.
وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز إلا الرفع فيهما جميعا (٢).
وإن دخلت (إلا) [١/ ١٨٤] على صيغة المضمر نحو: ما كان زيد إلّا هو الكريم؛ فذهب البصريون والفراء إلى أنه لا يجوز الفصل ولا النصب، وذهب الكسائي إلى جواز ذلك؛ لأن المعنى: ما كان زيد إلا الكريم.
وإن كان الكلام في معنى ما دخل عليه (إلا) نحو: إنّما كان زيد هو القائم؛ فهي عند الفراء كالمسألة التي قبلها (٣). والحجة في إجازتها أن النعت هنا يجوز.
* وإن لم يدخل على الخبر ولا على صيغة الضمير شيء مما ذكر فإما أن يكون الخبر جامدا أو مشتقّا:
إن كان جامدا: جاز أن يكون فصلا، نحو قوله تعالى: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ (٤)، وإن كان مشتقّا: فإما أن يرفع ضمير الأول أو سببيه:
إن رفع ضمير الأول: فإما أن يتقدم عليه ما ظاهره التعلق به من حيث المعنى أو لا يتقدم، نحو: كان زيد هو بالجارية الكفيل. فإن أردت يكون بالجارية في صلة الكفيل لم تجز المسألة بإجماع رفعت الكفيل أو نصبته. وإن أردت ألا تكون في صلة الكفيل، فمن النحاة من يجعل ذلك تبيينا، ومنهم من يقدره هو كفيل بالجارية الكفيل،
ومنهم من يجعل الكفيل بمنزلة الرجل، والرفع في الكفيل هو البين. فإن -
стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نصبت الكفيل لم تجز المسألة عند الفراء بوجه، وعلى أصول البصريين إذا جعلت الجارية تبيينا جاز النصب في هذا الوجه خاصة. وإن لم يتقدم جاز الفصل نحو: كان زيد هو الكفيل بالجارية، وظننت زيدا هو القائم، وكان زيد هو الحسن الوجه (١).
وإن كان رافعا السببي والضمير مطابق للاسم نحو: ظننت زيدا هو القائم أبوه، وهو القائمة جاريته، فلا يجوز فيه عند البصريين الفصل؛ بل يجب الرفع، وأجاز الكسائي الفصل والنصب. وفصل الفراء بين أن يكون خلفا (٢) فيوافق الكسائي، وغير خلف فيوافق البصريين.
وإن كان مخالفا نحو: كان زيد هي القائمة جاريته؛ فأجاز الكسائي النصب ومنع الفراء والبصريون هذه المسألة، فلا يجوز لا برفع ولا بنصب لتقدم المكني على الظاهر (٣).
وإذا عطفت بالواو: فإن لم يذكر الضمير بعدها نحو: كان زيد هو المقبل والمدبر جاز الوجهان: الرفع والنصب - وإن ذكر بعدها واختلف الخبران نحو: كان زيد هو القائم وهو الأمير، فلا يجوز في الأمير عند البصريين والفراء إلا الرفع، وأجاز هشام فيه النصب (٤).
وإن اتفقا نحو: كان زيد هو المقبل وهو المدبر، فالرفع في المقبل والمدبر عند البصريين فقط، وأجاز النصب الفراء وهشام (٥).
وإذا عطفت بلا وذكرت الضمير بعدها نحو: كان زيد هو القائم لا هو القاعد رفعت على قول البصريين، ونصبت على قول هشام - وإن لم يذكر نحو: كان زيد هو القائم لا القاعد جاز رفعهما ونصبهما بلا خلاف.
وإذا عطفت بـ (ولكن) نحو: ما كان زيد هو القائم ولكن هو القاعد رفعت القاعد في قول البصريين وأجاز هشام النصب (٦) [١/ ١٨٥].
واعلم أن فائدة الفصل عند الجمهور هو إعلام السامع أن ما بعده لا يكون نعتا مع -
стр. 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوكيد (١).
وقال السهيلي (٢): «فائدته الاختصاص، فإذا قلت: كان زيد القائم، كان إخبارا عن زيد بالقيام، واحتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه، وإذا قلت: كان زيد هو القائم أفاد اختصاصه بالقيام دون غيره، وعلى هذا معنى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) أنه المختص بالبتر دونك يا محمد، والآية نزلت في العاص بن وائل (٤).
وجعل من الاختصاص قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٥)، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٦)، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٧)، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٨).
لما كان ثم من يدعي أنه يضحك ويبكي، ويميت ويحيي ويفني ويغني، وأن الشعرى رب - أخبر تعالى عن نفسه بأنه هو المختص بذلك، وقال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ (٩) لما لم يدّع أحد الخلق لم يحتج إلى التخصيص» انتهى.
ولا يخفى (١٠) أن الخبر الواقع بعد ضمير الفصل لا يكون فعلا؛ فإدراجه ذلك في التمثيل ليس بجيد.
إلا أن الشيخ حكى أن الجرجاني حكى أن بعضهم أجاز أن يكون ما بعد صيغة الضمير الذي هو فصل فعلا مضارعا نحو: كان زيد هو يقوم (١١) وكذا في كلام -
стр. 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصحاب علم البيان ما يشعر بجواز ذلك. لكن قد تقدم النقل عن سيبويه بأن هو لا يكون فصلا حتى يكون ما بعده معرفة أو ما أشبه المعرفة، وبأنه قال: فلو قلت:
كان زيد هو منطلقا كان قبيحا (١).
وأما إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٢)، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٣)، فمحتمل ما قاله (٤) ووافق السهيلي في هذه الدعوى أصحاب علم البيان، فقالوا:
إنّ ضمير الفصل يفيد الاختصاص (٥).
ولنختم الكلام على الفصل بمسألة ذكرها الشيخ في ارتشاف الضرب (٦) له وهي:
«ما إذا اجتمع ضميران مع الفصل ولم يفصل بينهما، نحو: زيد ظننته هو إيّاه القائم؛ فمذهب سيبويه لا يجوز ذلك، وإن فصلت وأخّرت البدل جاز نحو: ظننته هو القائم إياه سواء كان الفصل بالمفعول الثاني كما مثّلنا أم بظرف معمول الخبر نحو: ظننته هو يوم الجمعة إيّاه القائم إذا جوّزنا معمول ذي أل أن يتقدم عليها، فإن كان أحدهما إضمارا والآخر ظاهرا جاز اتفاقا، نحو: ظننته هو نفسه القائم» (٧).
* * *
стр. 573
شرح التسهيل المسمى
«تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف
محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة ٧٧٨ هـ
دراسة وتحقيق:
• أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر)
• أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر)
• أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر)
• أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر)
• أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر)
• أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد الثاني]
стр. 574
الباب الثامن باب الاسم العلم
[تعريف العلم]
قال ابن مالك: (وهو المخصوص مطلقا تعليقا أو غلبة بمسمّى غير مقدّر الشّياع. أو الشّائع الجاري مجراه).
قال ناظر الجيش: المخصوص: مخرج لاسم الجنس؛ فإنه شائع غير مخصوص.
ومطلقا: مخرج للمضمرات؛ فإن كل واحد منها مخصوص باعتبار غير مخصوص باعتبار. وذلك أن لفظ أنا وضع ليخص به المتكلم نفسه. ولكل متكلم منه نصيب حين يقصد نفسه. فهو مخصوص باعتبار كونه لا يتناول غير الناطق به، وغير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل مخبر عن نفسه. وكذا اسم [١/ ١٨٦] الإشارة، فإن لفظ ذا وضع ليخص به مشار إليه مفرد مذكر قريب، فهو مخصوص باعتبار الحال والمحل، غير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل ما اتصف بالحال وحصل في المحل.
وتعليقا أو غلبة: بيان لصنفي الأعلام لا إخراج لشيء خيف دخوله، ولا إدخال لشيء خيف خروجه؛ لأن ما سواهما مغن لكن بإجمال.
والمراد بالتعليق: تخصيص الشيء بالاسم قصدا كتسمية المولود له ابن: زيدا.
والمراد بالغلبة: تخصيص أحد المشتركين أو المشتركات بشائع (١) اتفاقا كتخصيص عبد الله بابن عمر، ويثرب بالمدينة، ومصنف سيبويه بالكتاب.
وغير مقدّر الشّياع: مخرج للشمس والقمر ونحوهما؛ فإنهما مخصوصان بالفعل شائعان بالقوة.
ولما كان العلم نوعين: شخصي وجنسي وأشار إلى الشخصي بما تقدم - أشار إلى الجنسي بقوله: أو الشّائع الجاري مجراه أي الجاري مجرى المخصوص، فالمعنى:
العلم هو المخصوص أو الشائع الجاري مجرى المخصوص؛ فهو قسيم المخصوص لا قسم منه. وذلك نحو أسامة للأسد، وذؤالة للذئب، وشبوة للعقرب؛ فإنها أعلام في اللفظ إذ لا تضاف ولا يلحقها حرف التعريف ولا يصرف ذو سبب منها (٢) زائد على العلمية وهي باعتبار المعنى شائعة غير مخصوصة، إلا أنها تستعمل -
стр. 575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استعمال ذي الألف واللام المعهود، فيقال: هذا أسامة مفترسا كما يقال: هذا الأسد منظورا إليه، ويقال: أسامة شرّ من ذؤالة، فيقصد بها الشمول كما يقصد إذا قيل: «الأسد شر من الذئب». هذا كلام المصنف (١).
وفيه أبحاث:
الأول:
ناقش الشيخ المصنف في قوله: «المخصوص مخرج لاسم الجنس؛ لأن الجنس في الحدّ لا يؤتى به للاحتراز» (٢).
والجواب: أن المخصوص هنا فصل لا جنس؛ لأنه صفة لمحذوف، التقدير: وهو الاسم المخصوص. فالاسم جنس يشمل المعارف والنكرات، والمخصوص فصل يفصل المعارف عن غيرها. -
стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البحث الثاني:
يظهر من كلام المصنف أنه لم يخرج بقوله مطلقا من المعارف إلا المضمرات وأسماء الإشارة. ثم إنه قال: «إنّ كلّا من المضمرات وأسماء الإشارة مخصوص باعتبار، غير مخصوص باعتبار» وفي كلا الأمرين نظر.
أما الأول: فلأنه إذ ذاك يحتاج إلى ذكر قيد زائد في الحد يخرج به بقية المعارف إلّا أن يقول: إن بقية المعارف مساوية للضمير واسم الإشارة في أن لها تخصيصا باعتبار، وشياعا باعتبار آخر؛ وإنما استغنيت بذكرهما عن ذكر غيرهما، لكن عبارته تشعر بحصر المخرج فيهما.
وأما الثاني: فلإشعار كلامه بأن المضمرات وأسماء الإشارة كليات وضعا، وذلك يقتضي انحطاط رتبة المضمرات في التعريف عن رتبة العلم.
وقد تقدم له أن المضمر أعرف المعارف فيؤدي كلامه حينئذ إلى التدافع (١) والأولى أن يكون كلامه مطلقا فصلا يفصل العلم عن سائر المعارف؛ فإن كلّا منها مخصوص لا مطلقا بل بقيد. فالضمير [١/ ١٨٧] مخصوص بقيد الحضور أو الغيبة، واسم الإشارة بقيد الحضور، وذو الألف واللام بقيد العهد أو غيره من المعاني المفادة بها مع مصحوبها، وأمّا العلم فمخصوص بمسماه مطلقا، أي دون قيد، بل مجرد وضع اللفظ لذلك المعنى كاف في التخصيص.
وهذا الذي أشير إليه هو ما أفهمه كلامه في الكافية، حيث قال:
ما عيّن المعنى بلا قيد علم
وفي الألفية حيث قال: -
стр. 577
[تقسيم العلم إلى منقول ومرتجل]
قال ابن مالك: (وما استعمل قبل العلميّة لغيرها منقول منه، وما سواه مرتجل. وهو إمّا مقيس وإما شاذّ بفكّ ما يدغم أو فتح ما يكسر، أو كسر ما يفتح، أو تصحيح ما يعلّ، أو إعلال ما يصحّح).
ــ
اسم يعيّن المسمّى مطلقا (١)
البحث الثالث:
الظاهر أن قوله: غير مقدّر الشّياع غير محتاج إليه؛ لأنه إنما ذكره ليخرج نحو شمس وقمر كما تقدم، ولا شك أن الشمس والقمر لم يوضعا لأن يعينا مسماهما، بل على أنهما أسماء جنس وإن كان مسمى كل منهما واحدا بالشخص، فإنما هو من حيث إن الواقع في الوجود كذلك، وعلى هذا لم يدخل نحو شمس وقمر تحت قوله: وهو المخصوص بمسمّى فيحتاج إلى إخراجه بقوله: غير مقدّر الشّياع (٢).
قال ناظر الجيش: العلم يذكر له تقسيمات باعتبارات (٣):
فالأول: تقسيمه إلى منقول ومرتجل.
فأما المنقول: فهو ما كان موضوعا لشيء قبل ذلك، ثم جعل اسما لشيء آخر، وهذا هو مراد المصنف بقوله: وما استعمل قبل العلميّة لغيرها منقول منه.
والمرتجل: بخلافه أي الذي لم يكن موضوعا لشيء، بل اخترع للعلمية، -
стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا تعويل على قول من جعل الأعلام كلها منقولة، وأنكر المرتجل؛ إذ الواقع بخلافه (١).
ثم الواقع منقولا في كلام العرب اثنا عشر نوعا، وبيانه أن المنقول إما اسم أو فعل أو جملة فعلية.
أما الاسم فستة أقسام: لأنه إما صوت أو غير صوت، وغير الصوت إما صفة هي اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو صفة مشبهة - وإما غير صفة: فإما اسم عين أو اسم معنى (٢).
وأما الفعل فثلاثة: ماض ومضارع وأمر.
وأما الجملة الفعلية فثلاثة أقسام أيضا: لأن فاعلها إما ظاهر أو مضمر بارز أو مستتر، ولم ينقل من حرف ولا جملة اسمية.
أما الصوت فنحو ببّة وهو لقب عبد الله بن الحارث بن نوفل (٣) لقب به لأنه قال في صباه ببّة كما يقول الصبيان فسمي بذلك. قالت أمه بنت أبي سفيان ترقصه:
٢٨٩ - لأنكحنّ ببّة ... جارية خدبّة
مكرمة محبّة ... تجبّ أهل الكعبة (٤)
وأما اسم الفاعل فنحو: حارث وغالب واسم المفعول نحو منصور ومسعود، والصفة المشبهة نحو: سعيد وحسن، وأما اسم العين فنحو: ثور وأسد، وأما اسم -
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المعنى فنحو سعد وفضل، ومنه إياس مصدر آسه يؤوسه إياسا وأوسا إذا أعطاه (١).
وأما الفعل الماضي فنحو: شمّر وكعسب، الأول من شمر إزاره إذا رفعه أو شمر في الأمر خف. والثاني من كعسب إذا أسرع أو قارب الخطى.
وأما الفعل المضارع فنحو: تغلب ويشكر.
وأما الفعل الأمر فنحو: إصمت في قول الشاعر [١/ ١٨٨]:
٢٩٠ - أشلى سلوقيّة باتت وبات بها ... بوحش إصمت في أصلابها أود (٢)
[١/ ١٨٩] أشلى: أغرى، وسلوقيّة: نسبة إلى سلوق قرية باليمن تنسب إليها السيوف والكلاب، والضمير في باتت يرجع إلى سلوقية، وفي بات يرجع إلى الصائد. وإصمت فلاة بعينها نقل من فعل الأمر وسمي بها. وكأن إنسانا قال لصاحبه: اصمت ليسمع حسّا فسمي المكان بالفعل خاليا من الضمير، ولذا أعربه ولم يصرفه للتأنيث والتعريف.
غير أن المسموع في مضارع صمت ضم الميم، والرواية في البيت بكسرها، وذلك من تغيير الأعلام. وأما قطع الهمزة فلأن القاعدة أنه متى سمي بفعل وفيه همزة وصل -
стр. 580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قطعت؛ لأنه بصيرورته اسما يصير له حكم الأسماء. والوحش: الخلاء، وفي البيت تقديم وتأخير تقديره: باتت الكلاب بوحش إصمت وبات هو أيضا بها (١).
وأما الجملة الفعلية التي فاعلها ظاهر فنحو: برق نحره سمي به رجل نحره يبرق فغلب عليه، ونحو: شاب قرناها سميت به امرأة شاب جانبا رأسها، والقرن الخصلة من الشعر. قال الشاعر:
٢٩١ - كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصرّ وتحلب (٢)
والتي فاعلها ضمير بارز كقول الشاعر:
٢٩٢ - على أطرقا باليات الخيا ... م إلّا الثّمام وإلّا العصيّ (٣)
تروى هذه القصيدة مطلقة مرفوعة ومقيدة. وأطرقا: اسم بلد معروف.
قال الأصمعي (٤): «كأنّ ثلاثة قال أحدهم لصاحبه أطرقا أي اسكتا فسمّي -
стр. 581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المكان بذلك».
قال ابن عمرون (١): «ويروى أطرقا بضم الرّاء على أنّه جمع طريق، ويكون على أفعلا من العلوّ، ويكون باليات الخيام من صفة أطرقا ويروى بكسر الرّاء أيضا، ووجهه أنّه قصره من أطرقا كصديق وأصدقا. ولا شاهد فيه على هاتين الرّوايتين». انتهى.
والتي فاعلها ضمير مستتر كقول الشاعر:
٢٩٣ - نبّئت أخوالي بني يزيد ... ظلما علينا لهم فديد (٢)
سمي بيزيد: من المال يزيد لا من يزيد المال، والدليل على ذلك حكايته، ولو كان من يزيد المال ما أعرب (٣).
قال ابن الحاجب (٤) رحمه الله تعالى: «وقول بعضهم إنّما هو نبّئت أخوالي -
стр. 582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بني تزيد بالتاء تنطّع منهم وتبجّح؛ لأنّه قد علم أنّه في العرب تزيد بالتاء وإليه تنسب البرود التّزيدية وهو مردود بوجهين:
أحدهما: أن الرواية هنا بالياء.
والثاني: أن تزيد بالتاء مفرد لا جملة، قال الشاعر:
٢٩٤ - يعثرن في حدّ الظّبات كأنّما ... كسيت برود بني تزيد الأذرع (١)»
انتهى.
ومثل يزيد في الجملة تأبّط من تأبّط شرّا وذرّى من ذرّى حبّا، ومثله أيضا ما أنشد ثعلب:
٢٩٥ - بنو يدرّ إذا مشى ... وبنو يهرّ على العشا (٢)
وأنكر المصنف كون ببة منقولا من صوت، وقال: «الصّحيح أنّ ببّة منقول من قولهم للصبي السمين: ببّة، وقد
تببّب فهو ببّ وببّة إذا سمن» (٣) [١/ ١٩٠].
وأنكر النقل من فعل الأمر دون إسناد قال: «إلا إصمت اسم للفلاة الخالية؛ فإن من العلماء من زعم أنه منقول من الأمر بالصمت. وذلك عندي غير صحيح لوجهين: -
стр. 583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدهما: أن الأمر بالصمت إما أن يكون من أصمت، وإما أن يكون من صمت، فالذي من أصمت مفتوح الهمزة، والذي من صمت مضمومها ومضموم الميم. وإصمت بخلاف ذلك والمنقول لا يغير.
والثاني: أنه قد قيل فيه: إصمتة بهاء التأنيث، ولو كان فعل أمر لم تلحقه هاء التأنيث، وإذا انتفى كونه منقولا من فعل أمر ولم يثبت له استعمال في غير العلمية تعين كونه مرتجلا» انتهى (١).
أما كسر الميم فقد تقدم أن ذلك من تغير الأعلام، وأما قطع الهمزة فقال أبو الفتح ابن جني: «قطعها في إصمت لما سمّي به، وهو الّذي شجّع النّحاة على قطع هذه الهمزات إذا سمّي بما هي فيه.
وأمّا لحاق التّاء فليعلموا بذلك أنّه قد فارق موضعه من الفعليّة من حيث كانت هذه التّاء لا تلحق هذا المثال فعلا» (٢). -
стр. 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما المرتجل (١): فهو ما سوى المنقول كما تقدّم، وهو قسمان: مقيس وشاذ.
فالمقيس: ما سلك به سبيل نظيره من النكرات، والمراد بذلك أن يكون على قياس كلام العرب.
والشاذ: ما عدل به عن سبيل نظيره من النكرات، فهو ليس على قياس كلام العرب.
أما المقيس: فنحو غطفان وعمران وحمدان بالفتح وفقعس (٢) وحنتف (٣)؛ فإن نظائرها من النكرات: نزوان وسرحان وسكران وجعفر وعنسل (٤).
وأما الشاذ: فشذوذه يكون بأحد أوجه خمسة: إمّا بفكّ ما حقّه الإدغام نحو محبب (٥) فإنه مفعل من الحب. فالقياس يقتضي أن يكون محبّا بالإدغام؛ لأن ذلك حكم كل مفعل مما عينه ولامه صحيحان من مخرج واحد وليس كمهدد (٦)؛ لأنه ليس في الكلام تركيب م ح ب حتى تكون الباء الثانية للإلحاق.
وإمّا بفتح ما حقّه الكسر: نحو موهب (٧)؛ فإنه مفعل من وهب، فالقياس يقتضي أن يكون موهبا بكسر الهاء؛ لأن ذلك حكم كل مفعل فاؤه واو ولامه صحيحة، ومثله موظب (٨) وموألة (٩).
وإمّا بكسر ما حقّه الفتح: نحو معدي كرب؛ فإن القياس يقتضي أن يكون معدي لأن نظيره من النكرات المعتلة اللام يلزمه الفتح: كمرمى ومسعى ومولى.
ونحو ما حكاه قطرب من أن صيقل بكسر القاف اسم امرأة من نساء العرب؛ فإن القياس يقتضي أن تكون بفتح القاف لأن نظيره من النكرات الصحيحة العين يلزمه -
стр. 585
[تقسيم العلم إلى مفرد ومركب/ تقسيم المركب]
قال ابن مالك: (وما عري من إضافة وإسناد ومزج - مفرد. وما لم يعر مركّب. وذو الإضافة كنية وغير كنية. وذو المزج إن ختم بغير ويه أعرب غير منصرف، وقد يضاف، وإن ختم بويه كسر، وقد يعرب غير منصرف. وربما أضيف صدر ذي الإسناد إلى عجزه إن كان ظاهرا).
ــ
الفتح كهيثم (١) وضيغم وصيرف (٢).
قال بعض النحاة في معدي كرب: يحتمل أن يكون مفعولا من عدا، كمرعى من رعى وحذفت لامه.
وإمّا بتصحيح ما حقّه الإعلال: نحو مدين ومكوزة (٣)؛ فإن القياس يقتضي إعلالهما بقلب الياء والواو ألفا، كما فعل بنظائرها كمنارة ومهانة ومفازة.
ومما صحح وحقه الإعلال حيوة.
وإما بإعلال ما حقّه التصحيح: كداران (٤) وماهان (٥)؛ فإن القياس يقتضي تصحيحها وأن يقال فيها: دوران وموهان كما يقال في نظائرها من النكرات كالجولان [١/ ١٩١] والطوفان.
قال الشيخ - ما معناه -: إنّ العلم المنقسم إلى القسمين المذكورين هو ما كان علما بالتّعليق، أما ما علميته بالغلبة كابن عمر والثّريا فليس منقولا ولا مرتجلا (٦).
قال ناظر الجيش: هذا تقسيم ثان للعلم باعتبار آخر، وهو انقسامه إلى مفرد ومركب فالمفرد: ما كان من كلمة واحدة، والمركب: ما كان أكثر من ذلك.
ثم المركب ثلاثة أقسام: مركب الإضافة، ومركب الإسناد، ومركب المزج.
وبيان الحصر في الثلاثة أن الكلمتين قبل التسمية إما أن يكون بينهما ارتباط أو لا؛ -
стр. 586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كان بينهما ارتباط قبل ذلك: فلا يخلو أن يكون بينهما ارتباط حملي أو لا؛ فإن كان ارتباطا حمليّا فهو تركيب الإسناد، وإن كان غير حملي فهو تركيب الإضافة كغلام زيد، وإن لم يكن بينهما ارتباط قبل ذلك فهو تركيب المزج نحو: بعلبك ومعدي كرب، والمراد بتركيب المزج: تنزيل عجز المركب منزلة تاء التأنيث.
ثم ذو المزج قسمان: قسم مختوم بلفظ ويه كسيبويه وما شاكله.
وقسم مختوم بغير ذلك كالمثالين المتقدمين.
والعلم الذي هو كنية داخل في قسم المضاف. وإليه الإشارة بقوله: وذو الإضافة كنية وغير كنية. وحكم ما ختم بغير ويه: البناء.
قال الشيخ (١): «وهو القياس لاختلاط الاسم بالصّوت وصيرورتهما شيئا واحدا، فعومل معاملة الصّوت فبني ونون إذا نكّر». وذكر أن إعرابه إنما أجازه الجرمي ويظهر من قول المصنف: قد يعرب أن ذلك مسموع.
أما ما ختم بغير ويه ففيه للعرب ثلاثة استعمالات:
أحدها: إعرابه غير منصرف، وهذا هو الأكثر والأغلب.
ثانيها: إضافة صدره إلى عجزه وهو قليل.
ثالثها: وقد ذكره المصنف في باب ما لا ينصرف (٢): «تركيب الجزأين وبناؤهما تشبيها بخمسة عشر، وهو أقلّ ممّا قبله».
قال المصنف (٣): «وإذا كان المركّب جملة وثاني جزأيها ظاهر - فمن العرب من يضيف أوّل الجزأين إلى الثّاني فيقول: جاء برق نحره».
واحترز بقوله: إن كان ظاهرا من مثل تأبط، فلا يتوهم فيه الإضافة إلى الضمير المستكن.
قال الشيخ: «مقتضى كلام المصنّف انحصار المركّب في الثّلاثة الّتي ذكرها، -
стр. 587
[تقسيم العلم إلى اسم وكنية ولقب]
قال ابن مالك: (ومن العلم اللّقب، ويتلو غالبا اسم ما لقّب به بإتباع أو قطع مطلقا، وبإضافة أيضا إن كانا مفردين).
ــ
وثمّ أشياء كثيرة مسمّى بها فصارت أعلاما وهي مركّبة. وقد عريت من إسناد وإضافة ومزج، كما إذا سميت بما ركب من حرفين نحو: إنما، أو حرف واسم نحو:
يا يزيد، أو حرف [١/ ١٩٢] وفعل نحو: قد قام ونحو ذلك» (١). انتهى.
وما ذكره غير وارد على المصنف وغير لازم له أن يذكره؛ لأنه لم يقصد الإشارة إلى كل ما سمي به فجعل علما، إنما مراده ذكر العلم الذي استعملته العرب ووقع في كلامها، ولا شك أن الواقع من كلامهم إنما انقسم إلى الأقسام التي ذكرها (٢).
قال ناظر الجيش: هذا تقسيم ثالث للعلم باعتبار آخر، وهو انقسامه إلى اسم وكنية ولقب. وقوة كلام المصنف تفيد التقسيم المذكور لإفهام قوله: ومن العلم اللّقب أن الكلام الذي مر له في غيره.
وقد قال: وذو الإضافة كنية وغير كنية. فأشار إلى الكنية أيضا، فبقي الكلام فيما عدا ذلك في الاسم.
وبيان حصره بهذا الاعتبار في الثلاثة: «أنه إن كان مضافا مصدّرا بأب أو أمّ فهو الكنية كأبي بكر وأم كلثوم، وإن لم يكن كذلك: فإن أشعر برفعة المسمّى أو ضعته فهو اللّقب، كبطة وقفة وأنف الناقة، وإن لم يكن كذلك فهو الاسم كزيد وعمرو. -
стр. 588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا كلام الإمام بدر الدين ولد المصنف (١) وهو أحسن من كلام ابن عمرون حيث قال: «لأنه إمّا أن يقصد به التّعظيم أو التّحقير أو لا، فإن لم يقصد أحدهما فهو الاسم وإن قصد فهو اللّقب، ثم الاسم واللّقب إمّا أن يضاف إليهما أب أو أمّ أو لا.
فإن أضيف فهو الكنية لاقتضاء هذا التقسيم تداخل الأقسام (٢).
إذا تقرر هذا فقد ذكر المصنف لاجتماع اللقب مع الاسم حكمين:
أحدهما: بالنسبة إلى ما يكون مقدما منهما على الآخر.
وثانيهما: بالنسبة إلى كيفية إعراب الثاني (٣) ولم يتعرض المصنف إلى ذكر اجتماع الكنية مع اللقب، والظاهر أن حكم الكنية في ذلك حكم الاسم (٤).
أما الحكم الأول: فهو أن اللقب يؤخر عن الاسم، وقد ذكر لتعليل ذلك أمور:
منها: أن اللقب أشهر من الاسم.
ومنها: أن اللقب يقصد به التعظيم أو التحقير. فلو قدم وأضيف إلى الاسم لكان بعد نكرة، وتنكيره يزيل الغرض الذي قصد به بخلاف تنكير الاسم.
وهذه العلة قاصرة لعدم اطرادها فيما إذا كان بينهما تركيب (٥) إلا أن يقال: لما استقر ذلك حال كونهما مفردين أجريناه حال التركيب طردا للباب.
ومنها: ما ذكره المصنف (٦)؛ وهو أن اللقب في الغالب منقول من اسم غير إنسان كبطة وقفة وكرز (٧)؛ فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي وذلك مأمون بتأخيره، فلم يعدل عنه إلّا فيما ندر من الكلام كقول جنوب (٨) أخت عمرو ذي الكلب: -
стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٩٦ - أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلّغها ... عنّي حديثا وبعض القول تكذيب
بأن ذا الكلب عمرا خيرهم نسبا ... ببطن شريان يعوي حوله الذّيب (١)
[١/ ١٩٣] ومن هذا احترز المصنف بغالبا من قوله: ويتلو غالبا اسم ما لقّب به.
وأما الحكم الثاني: فهو إعراب الثاني بالنسبة إلى الأول: وذلك أن الاسم واللقب إما أن يكونا مفردين أو مركبين
أو أحدهما مفردا والآخر مركبا.
فإن وجد تركيب فيهما نحو: جاء عبد الله أنف الناقة، أو في أحدهما نحو:
جاء عبد الله بطة، وزيد أنف الناقة - وجب أحد أمرين:
إما إتباع اللقب للاسم على أنه عطف بيان أو بدل.
وإما قطعه عنه إما إلى الرفع وإما إلى النصب.
وامتنعت إضافة الأول إلى الثاني: ووجه الامتناع أن الإضافة تقتضي أن يكون ذلك اللفظ مضافا كان أو مضافا إليه مستقلّا بالمعنى، وإذا سمي بهما معا لم يكن أحدهما مستقلّا بمعنى؛ لأنهما قد نقلا وسمي بهما مضافين، فصار كل اسم منهما بمنزلة الجيم من جعفر، وذلك لا يجوز إضافته ولا الإضافة إليه لأنه ليس له معنى.
لا يقال: كون كل واحد منهما بمنزلة بعض الاسم يقتضي ألا يعرب؛ لأنا نقول: لما كانا في الأصل مضافا ومضافا إليه ونقلا وسمي بهما - بقي الإعراب على حاله نظرا إلى أصله، وهذا بخلاف الإضافة. -
стр. 590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن انتفى التركيب من الجانبين (١) وكان الاسم واللقب مفردين نحو: جاء سعيد كرز - وجبت إضافة الأول إلى الثاني عند البصريين، ولم يجز سيبويه غير ذلك (٢) وأما الكوفيون فنقل عنهم جواز الإتباع (٣).
وذكر ابن عمرون عن الزجاج أنه أجاز الإتباع وأنه قال: «هذا قياس وليس من كلام العرب». وأن الفراء أجاز
الإتباع أيضا، روى هذا ثابت قطنة (٤)، وقال:
سمعت أبا ثروان يقول: قد جاءكم يحي عينان لرجل ضخم العينين.
قال الفراء: «والإضافة أكثر».
قال ابن الحاجب (٥): «وقد جاء قيس الرّقيات بتنوين قيس وجعل الرّقيّات -
стр. 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عطف بيان أو بدلا».
واختار المصنف جواز الإتباع، ولهذا قال: بإتباع أو قطع مطلقا. يعني مركبين كانا أو مفردين أو مختلفين.
وعقب ذلك بقوله: أو بإضافة أيضا إن كانا مفردين. فالمفردان يشاركان غيرهما في الإتباع والقطع وينفردان بالإضافة.
قال المصنف: ولم يذكر سيبويه فيهما إلّا الإضافة؛ لأنها على خلاف الأصل (١) فبين استعمال العرب؛ إذ لا مستند لها إلّا السماع بخلاف الإتباع والقطع فإنهما على الأصل. وإنما كانت الإضافة على خلاف الأصل؛ لأن الاسم واللقب مدلولهما واحد؛ فيلزم من إضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى [١/ ١٩٤] نفسه؛ فيحتاج إلى تأول الأول بالمسمى والثاني بالاسم؛ ليكون تقدير قول القائل:
جاء سعيد كرز - جاء مسمى هذا اللقب، فيخلص من إضافة الشيء إلى نفسه.
والإتباع والقطع لا يحوجان إلى تأول. ولا يوقعان في مخالفة أصل، فاستغنى سيبويه عن التنبيه عليهما، وإنما يؤول الأول بالمسمى؛ لأنه المعرض للإسناد إليه والمسند إليه في الحقيقة إنما هو المسمى (٢). انتهى.
وبهذا الذي اعتذر المصنف به عن سيبويه - اعتذر ابن الحاجب عن الزمخشري، حيث اقتصر على ذكر الإضافة فقط (٣).
قال ابن الحاجب (٤):
«فعل الزمخشريّ ذلك إما اعتمادا منه على ظهور الوجه الآخر، فذكر الوجه المشكل خاصة، وترك ذلك الوجه الظاهر عنده، وإما لأنه مذهبه».
ثم قال: ووجه إشكاله أنهما اسمان لذات واحدة فتعذر إضافة أحدهما إلى -
стр. 592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآخر. وسبب الامتناع أن الإضافة لغرض تخصيص الأول أو تعريفه؛ فإذا كانا لشيء واحد تعذّر أن يخصص
أحدهما الآخر أو يعرفه، ووجه صحة الإضافة في هذا الكلام أمران:
أحدهما: أن اللفظ قد يطلق ويراد به نفس اللفظ، ويطلق ويراد به المدلول كما في ذات زيد؛ فالذات المدلول وفيه اللفظ، فكذلك تقول: إنّ زيدا قصد به ها هنا قصد الذات، وبطة قصد به قصد اللفظ، فكأنه قال: مسمّى هذا اللفظ الذي هو بطّة.
وبهذا الاعتبار تغيّر المدلولان فيه، فصحّت الإضافة، وصار بمثابة قولك: غلام زيد.
والوجه الآخر: أنّه لمّا توهم التّنكير في زيد عند قصد إضافته للاختصار - صار بمثابة قولك: كل أو غلام، فأضيف للتبيين أو للتعريف، كما أضيف كلّ وغلام، وهذا يشبه باب: زيد المعارك من أنه إضافة للعلم؛ إلا أنّ هذا لازم أو أولى، وذاك ضعيف باتّفاق» انتهى (١).
وقد تبعه في الاعتذار عن الزمخشري بما ذكر الشيخ جمال الدين بن عمرون، وهذا منهما يدل على أنهما يريان جواز الإتباع كما رآه المصنف.
واعلم أن الحكمين المذكورين في تقديم الاسم على اللقب وتبعية الثاني في الإعراب للأول أو غيرها مما تقدم ذكره - مخصوصان بما إذا جمع بين الاسم واللقب دون إسناد أحدهما إلى الآخر. نبه على ذلك المصنف وهو تنبيه جيد؛ فعرف من هذا أنه إذا جمع بينهما بإسناد كان تقديم كل منهما وتأخيره بحسب ما يقصده المتكلم من إيقاع النسبة.
وأما إعراب الثاني فيكون بحسب ما يقتضيه الإسناد في ذلك إلى التركيب (٢).
стр. 593
[أحكام العلم ذي الغلبة]
قال ابن مالك: (ويلزم ذا الغلبة باقيا على حاله ما عرّف به قبل، دائما إن كان مضافا، وغالبا إن كان ذا أداة).
قال ناظر الجيش: تقدم أن العلم نوعان: معلق وذو غلبة، وقصد المصنف الآن الإشارة إلى حكم مختص بالنوع
الثاني دون الأول.
وذلك أن العلم بالغلبة قبل التحاقه بالأعلام معرفة إما بالإضافة أو بالأداة؛ فأراد أن يبين حكمه بعد صيرورته علما وهو أن ما عرف به قبل العلمية من هذين الأمرين لازم عليه بعد علميته، أي لا ينفك المضاف عن إضافته، ولا ذو الأداة عن أداته؛ إلا إن عرض لذي الأداة في الاستعمال ما يوجب نزع الأداة منه؛ فإنها تنزع لذلك الموجب.
أما إذا لم يعرض [١/ ١٩٥] ما يوجب، فلا تنزع إلا قليلا نادرا.
وهذا الذي أشرت إليه هو معنى قوله في الألفية (١):
وقد يصير علما بالغلبة ... مضافا أو مصحوب أل كالعقبة
وحذف أل ذي إن تناد أو تضف ... أوجب وفي غيرهما قد تنحذف
ففهم منه أن الموجب لحذف الأداة من ذي الأداة شيئان: إما النداء، وإما الإضافة.
وأما إذا انتفيا فلا تحذف الأداة إلّا نادرا.
إذا عرف هذا فقول المصنف: ويلزم ذا الغلبة ما عرّف به قبل، دائما إن كان مضافا وغالبا إن كان ذا أداة: إشارة منه إلى أن ما كان معرفة قبل العلمية بالإضافة، ثم صار علما بالغلبة لا تفارقه الإضافة بحال، وإن ما كان معرفة بالأداة تلزم فيه الأداة بعد العلمية أيضا؛ إلا أن الأداة قد تفارقه؛ ولذلك قيد اللزوم عند ذكر الأداة بقوله:
غالبا. ثم إن المصنف استغنى عما أشار إليه في الألفية من حذف الأداة بموجب وهو النداء وبالإضافة بقوله: باقيا على حاله.
لأنه إنما يضاف إذا نكر، ومع التنكير لا يكون باقيا على حاله، وهو إنما تلزمه الأداة إذا كان باقيا على حاله.
وأما إذا نودي فقال المصنف: «إنّ حاله يتغيّر بقصد النّداء فيعرى من الأداة». -
стр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يظهر لي ما قاله المصنف من تغيير حاله بقصد النداء، فإن تم ما أشار إليه المصنف من أن حاله يتغير بالنداء كان قوله: باقيا على حاله وافيا بالمقصود، وإلّا كانت عبارة الألفية أسد وأولى.
ومما جعله المصنف مستفادا من قوله: باقيا على حاله: أنّ المضاف إليه ابن قد يقدر زوال اختصاصه فيتغيّر حال المضاف كقولك: ما من ابن عمر كابن الفاروق وابن خليفة الصّديق (١)، ولم يظهر لخروج هذه الصورة بهذا
التقييد وجه فيه فائدة؛ لأن المقصود من القيد المذكور أن ذا الغلبة يلزم ما كان قد عرف به من إضافة أو أداة.
ومفهومه: أنه إذا لم يبق على حاله لا يلزم ذلك كما تقرر في ذي الأداة.
ولا شك أن المضاف يلزمه الإضافة باقيا كان على حاله من التعريف، أو غير باق، فتغيره عن حالة التعريف بزوال اختصاص المضاف إليه إلى حالة التنكير تنفي بقاءه على حاله، لكن لا أثر لذلك في زوال إضافته؛ إذ الإضافة إليه باقية غير زائلة، إلا أن يقول المصنف: زالت الإضافة التي حصل بها التعريف وهذه إضافة أخرى، وفيه نظر.
لأن ابنا المضاف إلى عمر والمنكر ليس ابنا الذي هو مضاف إلى عمر والمعرف، إذ المضاف إلى عمر المعرفة لم ينكر.
وإذ قد تقرر ما قلناه فلنورد كلام المصنف لاشتماله على الأمثلة والشواهد وليطبق الواقف على هذا الموضع ما قررناه على ما ذكره المصنف.
قال رحمه الله تعالى (٢): «ذو الغلبة من الأعلام هو كلّ ما اشتهر به (٣) بعض ما له معناه اشتهارا تامّا. وهو على ضربين: مضاف كابن عمر وابن رألان، وذو أداة كالأعشى والنابغة. فحقّ ابن عمر وابن رألان أن يكون كلّ واحد [١/ ١٩٦] منهما على إطلاقه صالحا لكل واحد من أبناء أبيه؛ إلا أن الاستعمال جعل عبد الله مختصّا بابن عمر، وجابرا مختصّا بابن رألان (٤) حتّى إذا قصد غيرهما لم يفهم إلّا بقرينة. -
стр. 595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا الأعشى والنابغة حقّهما إذا أطلقا أن يصلحا لكلّ ذي عشى ونبوغ؛ إلا أنّ الاستعمال صرفهما عن الشّيوع وجعلهما مختصين، وإن عرض لشيء من هذا القبيل اشتراك اغتفر كما يغتفر في الأعلام المعلقة إما ردّا إلى التّنكير لحاجة تعرض كقول الراجز:
٢٩٧ - لا هيثم اللّيلة للمطيّ ... [ولا فتى مثل ابن خيبريّ] (١)
وكقول الراجز:
٢٩٨ - إنّ لنا عزّى ولا عزّى لكم (٢)
ومثله قول الشاعر:
٢٩٩ - إذا دبرانا منك يوما لقيته ... أآمل أن ألقاك غدوا بأسعد (٣)
-
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إما اتكالا على تكميل الوضوح بنعت أو ما يقوم مقامه كزيد القرشيّ والأعشى الهمذانيّ.
وقد يقدر زوال اختصاصه فيجرد ويضاف فيصير مختصّا كقولهم:
أعشى تغلب، وأعشى قيس، ونابغة بني ذبيان، ونابغة بني جعدة.
ومثله قول الشاعر:
٣٠٠ - ألا أبلغ بني خلف رسولا ... أحقّا أنّ أخطلكم هجاني (١)
وكذلك قول الآخر:
٣٠١ - ولو بلغت عوّى السّماك قبيلة ... لزادت عليها نهشل وتعلّت (٢)
وكذلك يقدّر زوال اختصاص المضاف إليه ابن فيتغيّر حال المضاف كقولك:
ما من ابن عمر كابن الفاروق وابن خليفة الصّديق؛ وإلى هذا أشرت بقولي: -
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باقيا على حاله؛ فإن هذه العوارض وما أشبهها غيّرت العلم ذا الغلبة عن حاله في المعنى، فجاز أن تغير حاله لفظا.
وأشرف بقولي أيضا إلى تغيّر الحال بقصد النّداء فيعرى من الأداة كقول النبي ﷺ في دعاء: «إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (١).
وكقول الشاعر:
٣٠٢ - يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع (٢)
والمراد بقولي: دائما أن إضافة المضاف من هذا القبيل دائمة غير زائلة ما لم يتغيّر حاله.
وأما المعرّف بالأداة فقد يجرّد منها وإن لم يتغير حاله وذلك قليل. ومنه ما حكى سيبويه من قول بعض العرب: هذا يوم اثنين مباركا فيه (٣).
وحكى ابن الأعرابي أنّ من العرب من يقول: هذا عيّوق طالعا. -
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والعيّوق من الأعلام التي علميتها بالغلبة. وزعم ابن الأعرابي أنّ ذلك جائز في سائر أسماء النّجوم». انتهى كلام المصنف (١).
ولكن في إفادته لمقصود الفصل بعض قلق، فلذلك أسلفت قبله ما تقدم ذكره.
ثم إن فيه أمورا يتنبه لها:
منها: أن ما أنشده من قول الراجز:
٣٠٣ - لا هيثم اللّيلة للمطيّ
ليس هيثم فيه علما بالغلبة، إنما هو من الأعلام المعلقة، ولكن مثّل به، ثم مثل بما هو علم غلبة ليفيد أن كلّا من النوعين قد ردّ إلى التنكير.
على أن في قوله: «إنّ العلم في صيرورته اسما للا [١/ ١٩٧] قد ردّ إلى التّنكير» نظرا لا يخفى (٢).
ومنها: أنه جعل لفظ الرحمن من الأعلام الغالبة وهو قول الأعلم الشنتمري والأصح أنه ليس علما وإنما هو من الصفات الغالبة.
ويستفاد من كلامه أنه موافق للأعلم في كون الرحمن علما بالغلبة.
ومنها: قوله: والمراد بقولي: دائما - أن إضافة المضاف من هذا القبيل دائمة غير زائلة ما لم يتغير حاله، وقد عرفت ما فيه فيما تقدم (٣).
ومنها: أنه استفيد من كلام سيبويه أن أسماء أيام الأسبوع أعلام بالغلبة. -
стр. 599
[أحكام العلم ذي الأداة]
قال ابن مالك: (ومثله ما قارنت الأداة نقله أو ارتجاله، وفي المنقول من مجرّد صالح لها ملموح به الأصل وجهان).
ــ
ونقل الشيخ عن أبي العباس أنها معارف بالأداة؛ فإذا زالت فيها زال التعريف، قال: «وهو باطل بما حكى سيبويه من نصب الحال عنها دون ألف ولام» (١).
ومن الأعلام الغالبة: النجم للثريا، والصعق لخويلد بن نفيل، والعقبة والبيت والمدينة (٢).
قال ناظر الجيش: أي ومثل ذي الغلبة. قال المصنف: «ويشارك ذا الغلبة المصاحب للأداة فيما نسب إليه ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان، أو ارتجاله كالسموأل واليسع؛ فلا يجرد هذان النوعان إلا لنداء أو غيره من العوارض التي يجرد لها الأعشى ونحوه من الأعلام الغالبة. بل هذان النوعان أحق بعدم التجرد؛ لأن الأداة فيهما مقصودة في التسوية قصد همزة أحمد وياء يشكر وتاء تغلب؛ بخلاف الأداة في الأعشى فإنها مزيدة للتعريف ثم عرض بعد زيادتها شهرة وغلبة أغنتا عنها؛ إلا أن الغلبة مسبوقة بوجودها وحاصله بمصاحبتها، فلم تنزع ما دام التعريف مقصودا، كما لا تنزع المقارنة للنقل أو الارتجال». انتهى كلامه (٣).
وفي قوله: ومثله ما قارنت إلى آخره - استدراك لطيف، وهو أنه من جملة أحوال ذي الغلبة المصاحب للأداة أنه قد تنزع منه الأداة دون سبب وهو قليل كما تقدم (٤) -
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك ممتنع في المنقول والمرتجل، وهو قد جعلهما مثله في الحكم.
وأشار بقوله: وفي المنقول من مجرد إلى آخره - إلى أنه إذا كان العلم منقولا من صفة أو مصدر أو اسم عين وكان عند التسمية به مجردا من التعريف جاز في استعماله علما أن يلمح به الأصل فتدخل عليه الأداة، وألا يلمح به فيستدام تجريده.
قال المصنف (١): وأكثر دخولها على منقول من صفة كحسن وعباس وحارس، ويلي ذلك دخولها على منقول من مصدر كفضل وقيس، ويليه دخولها على منقول من اسم عين كليث وخرنق (٢).
واحترز بصالح من النقول من فعل نحو يزيد ويشكر؛ فإنه لا تدخل عليه الأداة إلا لضرورة أو عروض تنكير (٣).
واعلم أن المصنف يرى أن لفظ الجلالة المعظمة من الأعلام [١/ ١٩٨] المرتجلة لا المنقولة؛ وقد تعرض في هذا الفصل لذكر هذه المسألة فأحببت إيرادها لنفاستها وما اشتملت عليه مباحثها من الفوائد.
قال المصنف: ومن الأعلام التي قارن وضعها وجود الألف واللام - الله تعالى المنفرد به، وليس أصله الإله كما زعم الأكثرون، بل هو علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها ما علم منها وما لم يعلم، ولذلك يقال لكل اسم سوى الله من الأسماء الكريمةهو من أسماء الله تعالى ولا ينعكس.
ولو لم يرد على من زعم أن أصل الله الإله إلا بكونه مدعيا ما لا دليل له - لكان ذلك كافيا؛ لأن الله والإله يختلفان في اللفظ والمعنى.
أما في اللفظ فلأن أحدهما في الظاهر الذي لا عدول عنه دون دليل معتل العين (٤).
والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادتين؛ وردّهما إلى أصل واحد -