. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كلام المصنف تناقض فإنه كلامه في أول هذا الكتاب اقتضى أن الكلام ينقسم إلى الثلاثة. وعلى ذلك بنى كلامه وقد تقدم لنا تقرير ذلك وتحريره (١).
فالمصنف الآن ماش على مقتضى كلامه المتقدم.
وقد أجاز هشام (٢) أن تكون جملة الصلة مصدرة بليت ولعل وعسى، وقد يستدل له بقول الشاعر:
٣١٥ - وإنّي لرام نظرة قبل الّتي ... لعلّي وإن شطّت نواها أزورها (٣)
وقد تؤول ذلك على إضمار القول أي قبل التي أقول لعلي، أو على إضمار خبر لعلي وجعل أزورها صلة للتي، والتقدير قبل التي أزورها وإن شطت نواها لعلى أبلغ ذلك وفصل بين الصلة والموصول بجملة الاعتراض التي
هي «لعلي أبلغ ذلك».
والمشهور أن عسى إنشاء لأنه ترج فهي نظيرة لعل لكن دخول الاستفهام عليها في نحو قوله تعالى: قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ (٤) ووقوعها خبرا لإنّ في قول القائل:
٣١٦ - [أكثرت في العذل ملحّا دائما] ... لا تلحني إنّي عسيت صائما (٥)
-
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد ينفي كونها إنشاء. وإذا انتفى ذلك صح وقوعها صلة.
وقد يستدل لذلك (١) بقوله:
٣١٧ - وماذا عسى الواشون أن يتحدّقوا ... سوى أن يقولوا إنّني لك عاشق (٢)
ويقول الآخر:
٣١٨ - وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... [إذا نحن خلّفنا حفير زياد] (٣)
-
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا إن جعلنا ذا في البيتين بمعنى الذي (١) والمانع يتأول ذلك كما تأول:
٣١٩ - وإنّي لرام نظرة قبل الّتي ... لعلّي ... البيت
الخامس: لم يشترط المصنف في جملة الصلة ألا تكون تعجبية مع أنها ليست إنشاء على قول الأكثرين فيحتمل أن يكون مذهبه امتناع الوصل بها وأهمل التعرض لذكره.
ويحتمل أن يكون مذهبه جواز الوصل كما هو رأي ابن خروف ومن وافقه (٢) فإنهم أجازوا ذلك، قالوا: كما جاز الوصف بها (٣) في قولك: مررت برجل ما أحسنه.
وقد اعتل المانعون لذلك بأن الصلة موضحة وخفاء السبب في التعجب ينافي ذلك. ولا يخفى ضعف هذا الاعتلال فإنه لا يلزم من خفاء السبب خفاء مضمون الجملة الواقعة الصلة.
السادس: قال المصنف: «المشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة (٤) وذلك غير لازم لأن الموصول قد يراد به معهود فتكون صلته معهودة كقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (٥).
ومنه قول الشاعر:
٣٢٠ - ألا أيّها القلب الّذي قاده الهوى ... أفق لا أقرّ الله عينك من قلب (٦)
-
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[١/ ٢١٥] وقد يراد به الجنس فتوافقه صلته كقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً (١).
ومنه قول الشاعر:
٣٢١ - فيسعى إذا أبني ليهدم صالحي ... وليس الّذي يبني كمن شأنه الهدم (٢)
وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته كقول الشاعر:
٣٢٢ - فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الّذي لاقيت يغلب صاحبه (٣)
وكقول الآخر: -
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٢٣ - وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأين الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر (١)
انتهى (٢).
والظاهر أن من شرط في الصلة أن تكون معهودة إنما يريد به صلة ما كان معهودا لا الصلة على الإطلاق، وقد قال النحاة من جملة الصلة أن تكون معلومة للمخاطب؛ لأن الموصول وضع صلة إلى وصف المعارف بالجمل، وقياس الصفات كلها أن تكون معلومة؛ لأن الصفات لم يؤت بها ليعلم المخاطب بشيء يجهله بخلاف الأخبار.
وأما حد الموصول الحرفي: فقد أشار إليه المصنف بقوله: ومن الحروف ما أوّل مع ما يليه بمصدر ولم يحتج إلى عائد.
قال (٣): فقولي: ما أول بمصدر يتناول صه ونحوه (٤) فإنه يؤول بمصدر معرفة إن لم ينون وبمصدر نكرة إن نون، ويتناول أيضا الفعل المضاف إليه نحو قمت حين قمت (٥) فإن معناه حين قيامك، ويتناول أيضا نحو هو من قوله تعالى: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٦) فإنه بمعنى العدل فاحترزت من هذه الأشياء ونحوها بقولي: -
стр. 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع ما يليه فإن هذه الأشياء مؤولة بمصادر لا مع شيء يليها بخلاف الحروف الموصولة فإنها تؤول بمصادر مع ما يليها من صلاحتها.
ولما كان الذي يوصف به مصدر ثم يحذف المصدر ويقام هو مقامه فيصدق عليه حينئذ أنه مؤول مع ما يليه بمصدر مع أنه ليس من الحروف الموصولة احترزت منه بعدم الاحتياج إلى عائد، فإن الذي الموصوف به مصدر على ما قدر (١) لا يستغني عن عائد ومثال ذلك قوله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا (٢) أي كالخوض الذي خاضوه فحذف الخوض وأقيم الذي مقامه، وحذف العائد إلى الذي لأنه منصوب متصل بفعل وحذف مثله كثير. هذا كلام المصنف (٣).
وفي قوله: إن صه مؤوّل بمصدر وكذا هو من قوله تعالى: هُوَ أَقْرَبُ [المائدة: ٨] نظر فإن صه نائب عن اسكت؛ لأنه اسم له واسكت له دلالة على المصدر ولا يؤول شيء منهما بمصدر.
وغاية ما ذكره المصنف من ترك التنوين إن أريد المصدر المعرف وذكره إن أريد المصدر المنكر أن تكون صه نائبا عنه ولا يلزم عن النائب من شيء أن يكون النائب مؤولا بذلك الشيء.
وأما هو من هُوَ أَقْرَبُ فهو عائد على المصدر فمدلوله مدلول المصدر [١/ ٢١٦].
وأما الذي في قوله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا مؤول مع ما يليه بمصدر لأنه نعت لمصدر محذوف فغير ظاهر أيضا؛ لأنه إذا قدر الذي صفة امتنع تأويله بالمصدر وإذا أول بالمصدر امتنع كونه صفة (٤) وإذا كان كما ذكرنا
فلا يكون في -
стр. 637
[الموصول من الأسماء وأنواعه - الموصولات الخاصة]
قال ابن مالك: (فمن الأسماء: الّذي والّتي للواحد والواحدة وقد تشدّد ياءاهما مكسورتين أو مضمومتين أو تحذفان ساكنا ما قبلهما، أو مكسورا ويخلفهما في التّثنية علامتها مجوّزا شدّ نونها وحذفها.
وإن عني بالذي من يعلم أو شبهه فجمعه «الّذين» مطلقا ويغني عنه الّذي في غير تخصيص كثيرا. وفيه للضّرورة قليلا. وربّما قيل: «اللّذون» رفعا وقد يقال: لذي ولذان ولذين ولتي ولتان ولاتي).
ــ
حد الموصول الحرفي احترازا عن شيء وإنما هو مبني عن شيء حقيقته وتمييزه من الموصول الاسمي.
فمعنى كلامه: أن الموصول الحرفي هو الذي يؤول مع ما يليه بمصدر. وأنه لا يحتاج إلى عائد بخلاف الاسمي فإنه لا تأويل فيه ولا بد له من العائد.
قال ناظر الجيش: لما ثبت أن الموصول ضربان: أحدهما من الأسماء والآخر من الحروف شرع في ذكر الأسماء فبدأ بالذي والتي لأنهما كالأصل لغيرهما فإن غيرهما إذا أشكل أمره يستدل على موصوليته بصلاحية موضعه للذي إن كان مذكرا وللتي إن كان مؤنثا (١). -
стр. 638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي الذي والتي ست لغات:
الأولى: ما بدأ به.
والثانية: حذف الياء مع بقاء الذال والتاء مكسورتين كقول الشاعر:
٣٢٤ - لا تعذل اللّذ لا ينفكّ مكتسبا ... حمدا ولو كان لا يبقي ولا يذر (١)
وقول الأخير:
٣٢٥ - شغفت بك اللّت تيّمتك فمثل ما ... بك ما بها من لوعة وغرام (٢)
والثالثة: حذف الياء وتسكين الذال والتاء كقول الشاعر:
٣٢٦ - فلم أر بيتا كان أحسن بهجة ... من اللّذ به من آل عزّة عامر (٣)
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٣٠ - وليس المال فاعلمه بمال ... وإن أرضاك إلّا للّذيّ
ينال به العلاء ويصطفيه ... لأقرب أقربيه وللقصيّ (١)
هكذا أنشده المصنف (٢) وأنشده غيره: «وإن أنفقته إلّا الّذيّ» «تنال به العلاء وتصطفيه» «لأقرب أقربيك وللقصيّ» (٣).
والخامسة: تشديد الياء مضمومة كقول الشاعر:
٣٣١ - أغض ما استطعت فالكريم الّذيّ ... يألف الحلم إن جفاه بذيّ (٤)
[١/ ٢١٧] ولم يذكر المصنف شاهدا على تشديد ياء التي. وقد قال الشيخ:
«إنه لا يحفظ ذلك في الّتي وإنّ مصنّفي كتب اللّغة لم يذكروا ذلك في كتبهم».
وذكر عن أبي موسى أن الياء المشددة في الذي تجري بوجوه الإعراب الثلاثة قال:
«فإن صحّ هذا عن العرب فلا يكون في إنشاد المصنّف دليل على أنّها مبنية على -
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكسر». انتهى (١).
وليس للقول بإعراب الذي وجه؛ إذ موجب البناء قائم ولا فرق بين الياء المشددة والمخففة.
واللغة السادسة: حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنة وبهذه اللغة قرأ بعض الأعراب، قال أبو عمرو بن العلاء: «سمعت أعرابيّا يقرأ بتخفيف اللّام يعني (صراط لذين) (٢)».
قال المصنف: «وقد استغنوا في التثنية بقولهم اللذان واللتان عن اللذيان واللتيان واللذيين واللتين فاعتبروا أخف اللغات وإن كانت أقل من الذي والتي، وذلك أن المفرد أخف من المثنى، وقد خفف جوازا بحذف الياء، فلما قصدوا التثنية وهي أثقل من الإفراد وأحوج إلى التخفيف التزم فيها من حذف الياء ما كان في الإفراد جائزا» انتهى (٣).
واقتضى كلامه: أن التثنية إنما وردت على الذي والتي بعد الحذف يعني حذف الياء منهما.
وكلامه في شرح الكافية يقتضي: أن التثنية واردة على الذي والتي دون حذف وأن الحذف إنما كان لأجل ألف التثنية ويائها فإنه قال (٤) «يقال اللّذان واللّتان واللّذين واللّتين في الموصول، وذان وتان وذين وتين في اسم الإشارة. وكان مقتضى الأصل أن يقال اللّذيان واللّتيان واللذيين واللتيين وذيان وتيان وذيين وتيين كما يقال -
стр. 642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شجيان وفتيان لأن ياء الذي والتي وألف ذا وتا لمّا لم يكن لهما حظ في الحركة أشبهتا عند ملاقاتهما ألف التثنية بألف المقصور إذا لقي ألف الندبة فوافقاها في الحذف، فكما يقال في النّدبة: وا موساه لا واموسياه قيل هنا: اللّذان وذان لا اللّذيان وذيان.
وأيضا فحذف ألف المقصور المثنى أولى من قلبه؛ لأن في حذفه تخلّصا من تصحيح حرف علّة متحرك بعد فتحة لكن عدل إلى القلب لئلّا يلتبس مثنى بمفرد حال الإضافة، واسم الإشارة لا يضاف فعومل بالحذف وحمل عليه الّذي والّتي لشبه يائهما في لزوم المدّ بالألف، ولأنهما لا يضافان فلما حذفت الياء والألف من الّذي والتي وذا وتا
في التّثنية وكان لهما حقّ في الثبوت شدّدوا النون من اللّذين واللّتين وذين وتين ليكون ذلك عوضا من الياء والألف». انتهى.
[١/ ٢١٨] والفرق بين ما ذكره في شرح التسهيل وشرح الكافية ظاهر (١).
وأما حذف النون في التثنية فقيل: هو لغة بني الحرث بن كعب وبعض بني ربيعة:
يقولون: هما اللّذا قالا ذلك، وهما اللتا قالتا ذلك.
وعليه قول الشاعر:
٣٣٢ - أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا (٢)
وقول الآخر:
٣٣٣ - وعكرمة الفيّاض فينا وحوشب ... هما فتيا النّاس اللّذا لم يعمّرا (٣)
-
стр. 643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الآخر:
٣٣٤ - هما اللّتا لو ولدت تميم ... لقيل فخر لهم عظيم (١)
ثم قال المصنف: «ولما كانت التثنية من خصائص الأسماء المتمكّنة ولحقت الّذي والّتي جعل لحاقها لهما معارضا لشبهها بالحروف فأعربا» (٢).
وهذا الكلام الذي ذكره أولا وثانيا مبناه على أن اللذين واللتين مثنيان حقيقة كما تقول الرجلان والمرأتان.
والذي عليه المحققون أن اللذان واللتان واللذين واللتين صيغ تثنية وليست مثناة لأمرين:
أحدهما: أن من شرط الاسم الذي يثنى أن يكون معربا وهاتان الكلمتان مبنيتان فلا يجوز الحكم عليهما؛ لأنهما مثنيان.
والثاني: أنهم قالوا لو كانت هذه تثنية صحيحة للزم تنكيرها؛ لأن الاسم لا يثنى حتى ينكر؛ ولذلك جاز أن يقال في تثنية زيد وعمرو الزيدان والعمران.
والموصولات لا يتصور تنكيرها؛ لأن موجب تعريفها لازم لها وهو الألف واللام على قول والصلة على قول، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى الاعتذار عن حذف ياء الذي والتي (٣). -
стр. 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما تشديد النون حالة التثنية: فقد قيل فيه إنه يجوز أن يكون للفرق بين ما صورته صورة المثنى من المبني وبين مثنى المعرب فلا يحتاج حينئذ إلى القول بأن التشديد عوض عن الياء المحذوفة.
وأشار المصنف بقوله: وإن عني بالّذي من يعلم أو شبهه إلى أن الذين جمع للذي إذا أريد بالذي من يعلم نحو إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا (١) أو شبه من يعلم نحو: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ (٢) نزلت الأصنام منزلة من يعلم لكونهم عبدوها من دون الله.
وأشار بقوله: مطلقا إلى أنه يكون بالياء في موضع الرفع والنصب والجر.
قال المصنف: لم يعرب أكثر العرب الذّين وإن كان الجمع من خصائص الأسماء لأن الّذين مخصوص بأولى العلم والذي عام فلم يجر على سنن الجموع المتمكّنة بخلاف اللذين واللّتين فإنهما جريا على سنن المبنيات المتمكنة لفظا ومعنى.
وعلى كلّ حال ففي الذي واللّذين شبه بالشّجيّ والشّجين في اللفظ وبعض المعنى.
فلذلك لم تجمع العرب على ترك إعراب الّذين بل إعرابه في لغة هذيل مشهور فيقولون نصر اللّذون آمنوا على اللّذين كفروا ومن ذلك قول بعضهم:
٣٣٥ - وبنو نويجية اللّذون كأنّهم ... معط مخدّمة من الخزّان (٣)
انتهى (٤) [١/ ٢١٩]. -
стр. 645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي عليه المحققون أن الذين صيغة جمع وليس بجمع لأن المبنيات لا تجمع كما أنها لا تثنى. ومجيء اللذون رفعا كمجيء اللذان رفعا واللذين نصبا وجرّا في المثنى، فلا تكون الواو في اللذون علامة جمع كما أن الألف في
اللذان لا تكون علامة تثنية (١).
ثم أشار المصنف بقوله: ويغني عنه الّذي إلى آخره إلى أنه إذا لم يقصد بالذي مخصص جاز أن يعبر به عن جمع حملا على من كقوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٢). فلو لم يكن المراد به جمعا لم يشر إليه بجمع ولا عاد إليه ضمير جمع ومن ذلك قوله تعالى: كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ (٣).
فلو لم يرد به جمع لم يضرب به مثل الجمع.
فإن قصد بالذي مخصص فلا محيص عن اللذين في التثنية والجمع ما لم يضطر شاعر كقوله:
٣٣٦ - أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا (٤)
-
стр. 646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الآخر:
٣٣٧ - وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (١)
هذا كلام المصنف (٢).
ومقتضاه أن النون حذفت من الموصولين في البيت الأول والثاني للضرورة. وإنما جعل ذلك ضرورة لأن المقصود بالموصول فيها مخصص، ولم يظهر لي كون ذلك ضرورة.
والذي كنت أفهمه من قوله: ويغني عنه الّذي في غير تخصيص كثيرا وفيه للضّرورة قليلا: أن الذي نفسه أعني الذي هو موضوع للمفرد قد يقع موقع الذين الذي هو موضوع للجمع كما يقتضيه التمثيل بقوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ (٣) وبقوله تعالى: كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ (٤). وكما يفهم من البيت الذي أنشده وهو: وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم، لا أن الذي في هذه الأمثلة أصلها الذين، فحذفت النون؛ لأن حذف النون من نحو الذين واللذين إنما هو لتقصير الصلة ولو كان الأصل هو الذين في الأمثلة المذكورة ما ساغ أن يقال:
ويغني عنه الذي؛ لأن الذي لم يغن عن الذين إنما هو الذين حذفت نونه لا غير، والحق أنهما يقصدان فتارة يقصد إيقاع الذي المحكوم بإفراده موقع الذين الذي هو جمع وتارة لا يقصد ذلك بل يقال: -
стр. 647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن النون من الذين حذفت فيصير لفظه حينئذ موافقا لما لم يحذف منه شيء وهو المفرد ولكن لا يقال فيه أوقع
الذي موقع الذين بل هو الذين نفسه حذفت منه النون وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي ظاهر ما قررته لأنه قال (١):
وموضع الّذين يكثر الّذي ... إن كان مفهوم الجزا به احتذي
أو كان مقصودا به الجنس وما ... خالف هذين فنزرا علما
نحو الّذي حانت بفلج وكذا ... ما كان مشبها لعمّيّ اللّذا
ثم مثّل في الشرح لما تضمن معنى الجزاء بقوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ (٢) الآية ولما المقصود به الجنس بقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً (٣) وبقوله تعالى: كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ (٤).
[١/ ٢٢٠] قال: فهذان النّوعان يستعملان كثيرا وما سوى ذلك قليل، وأنشد البيتين، أعني البيت الّذي أوله: وإنّ الذي حانت والبيت الذي أوله: أبني كليب وقال: أراد الّذين فحذف النون وكذا حذفها من اللّذان. انتهى.
فكلامه يعطي ما قلته؛ لكن إنشاده في شرح التسهيل: أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... البيت مستشهدا به في هذا الموطن - يقتضي أن مراده إنما هو حذف النون؛ لأن قول الشاعر إن عميّ اللذا ليس فيه سوى حذف النون من اللذا وليس فيه إيقاع الذي موقع اللذين وهو قد جعله ضرورة.
وإذا كان هذا مراده فهو غير ظاهر لأن حذف النون لتقصير الصلة لا ينكر (٥) وأشكل من ذلك إنشاده في شرح الكافية: وإنّ الّذي حانت ... البيت، وقوله:
أراد الذين، فحذف النون ثم قال: وكذلك حذفها من اللذان، وأنشد: أبني كليب ... البيت ويحتاج كلامه إلى تأمل.
فإن قيل: إنما تحذف لتقصير الصلة نون المثنى أو نون الجمع، وقد قلتم إن اللذين -
стр. 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذين ليسا بتثنية ولا جمع عند المحققين.
فالجواب: أن القائلين بأنهما ليسا بتثنية ولا جمع قائلون بأنهما صيغ تثنية وجمع. ولا شك أن صيغة اللذين صيغة المثنى وإن لم يكن الاسم مثنى حقيقة وصيغة الذين صيغة جمع وإن لم يكن الاسم مجموعا حقيقة، وإذا كان كذلك عوملت النون فيهما معاملتها فيما هو مثنى ومجموع حقيقة.
ثم إن المصنف لم يجعل حذف النون من الكلمتين في البيتين المذكورين ولا فيما أشبههما ضرورة. والظاهر أن المقتضي لإخراج ذلك من باب الضرورة ما قلناه.
ويستشهدون لجواز الحذف أيضا بقول القائل:
٣٣٨ - يا ربّ عبس لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا في من قعد
إلّا الّذي قاموا بأطراف المسد (١)
وبقوله (٢):
٣٣٩ - فبتّ أساقي القوم إخوتي الّذي ... غوايتهم غيّي ورشدهم رشدي (٣)
وبقول الآخر:
٣٤٠ - أولئك أشياخي الّذي تعرفونهم ... [ليوث سعوا يوم النّبي بفيلق] (٤)
стр. 649
[جمع الذي والتي]
قال ابن مالك: (وبمعنى الّذين «الأولى» و «الأولاء» و «اللّاء» و «اللّائين» مطلقا أو نصبا وجرّا و «اللّاؤون» رفعا وجمع «التي»: اللّاتي واللّائي واللّواتي وبلا ياءات واللّا واللّوا واللّواء واللّاءات مكسورا أو معربا إعراب أولات والأولى. وقد يرادف الّتي واللاتي ذات و «ذوات» مضمومتين مطلقا).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن الصيغتين المفيدتين معنى التثنية في الذي والتي وعلى صيغة الذين المفيدة معنى الجمع في الذي خاصة - شرع في ذكر بقية ما يفيد جمع الذي أيضا غير ما قدمه وذكر ما يفيد جمع التي ومجموع ما ذكره الآن خمسة عشر لفظا. فما ذكر أنه بمعنى الذي أربعة وهي: الأولى والأولاء واللّاء واللّائين وفي الحقيقة (١) هي ثلاثة لأن الأولاء هو الأولى لكنه مد. -
стр. 650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما ذكر أنه يفيد جمع التي أحد عشر (١) وهي اللّاتي واللّائي [١/ ٢٢١] واللّواتي وقد تحذف الياءات (٢) من الثلاثة فيقول: اللّات واللّاء واللّوات (٣) فهذه ستة وفي الحقيقة هي ثلاثة لأن ما حذفت ياؤه فرع ما تثبت الياء فيه والخمسة الأخر هي اللّا واللّوا واللّواء واللّاءات والأولى، وفي الحقيقة هي أربعة، فإن اللواء هي اللوا لكنه مد فالذي ذكره خمسة عشر بالعدد وبالحقيقة عشرة منها للذي ثلاثة وللتي سبعة.
واعلم أن الاشتراك بين جمعي الذي والتي وقع في كلمتين وهما الأولى واللاء فكل منهما مستعمل جمعا للذي، لكن استعمال الألى بمعنى الذين أكثر من استعمالها بمعنى اللاتي. ولهذا ذكرها في جمع الذي أولا وفي جمع التي آخرا.
واستعمال اللاء بمعنى اللاتي أكثر من استعمالها بمعنى الذين.
ثم إن المصنف حكم على بعض الألفاظ المذكورة بأنه جمع، وعلى بعض بأنه جمع للجمع، وعلى بعض بأنه اسم جمع فقال (٤): «والصحيح أن الّذين جمع للذي مرادا به من يعقل وأن اللّائين جمع اللّاء مرادف الذين، وأن اللّاءات جمع اللّاء مرادف اللّاتي وكذلك اللوائي واللّواتي هما معان للاء واللّاتي على حدّ قولهم في الهادي وهو العنق هواد وفي الهابي وهو الغبار هواب (٥)».
وأما اللاتي فيحتمل أن يكون اسما للجمع؛ لأنه ليس على قياس أبنية الجمع، ويحتمل أن يكون جمعا لأنه يتضمن حروف التي، ويغتفر كونه مخالفا لأبنية الجموع كما اغتفر في اللّتيّا كونه مخالفا لأبنية التصغير ولم يكن ذلك مانعا من كونه تصغيرا فذكر غير الذين خمسة ألفاظ ثم حكم على الباقي بأنه أسماء جموع فقال:
«وأما اللّاء والأولى وغيرهما من الموصولات الدّالة على جمع فأسماء جموع لأنها لا تتضمن حروف الواحد» هذا كلامه. -
стр. 651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد عرفت أن هذا على مختاره وأن غيره من المحققين لا يثبت الجمعية لشيء من هذه الألفاظ لكون مفرداتها مبنية والمبني لا يجمع كما أنه لا يثنى.
ثم قال المصنف (١): «وإثبات ياءات اللّاتي واللّائي واللّواتي هو الأصل وحذفها تخفيف وتجنب للاستطالة». قال: وقد بالغوا حتى حذفوا التّاء والياء من اللّاتي واللواتي فقالوا: الّلا والّلوا.
ثم قال: «والأظهر عندي أن الأصل في اللّوا اللّواء وفي اللّا اللّاء ثمّ قصرا».
إذا تقرر ما ذكرناه فلنرجع إلى لفظ الكتاب وإيراد الشواهد.
أما اللائي بمعنى الذين فشاهده قول الشاعر:
٣٤١ - رأيت بني عمّي الألى يخذلونني ... على حدثان الدّهر إذ يتقلّب (٢)
والأولاء فشاهده قول الآخر:
٣٤٢ - أبى الله للشّمّ الأولاء كأنّهم ... سيوف أجاد القين يوما صقالها (٣)
وأما اللاء بمعنى الذين فشاهده قول الآخر:
٣٤٣ - تروق عيون اللاء لا يطعمونها ... ويروى بريّاها الضّجيع المكافح (٤)
-
стр. 652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال آخر:
٣٤٤ - فما آباؤنا بأمنّ منه ... علينا اللّاء قد مهدوا الحجورا (١)
وأنشد المصنف بيتين آخرين وهما قول الشاعر:
٣٤٥ - أرحني من اللّائي إذا حلّ بينهم ... يمشون في الدّارات مشي الأرامل (٢)
وقول الآخر [١/ ٢٢٢]:
٣٤٦ - من اللائي يعود الحلم فيهم ... ويعطون الجزيل بلا حساب (٣)
فلا يقال إن اللائي في هذين البيتين بالياء وهو إنما ذكر أن الذي بمعنى الذين هو -
стр. 653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللاء بغير ياء لأن اللاء هو فرع اللاتي فلا فرق بين إثبات الياء وحذفها لأن الكلمة واحدة.
وأما اللائين فشاهده قول الشاعر:
٣٤٧ - وإنّا من اللّائين إن قدروا عفوا ... وإن أتربوا جادوا وإن تربوا عفّوا (١)
قال المصنف: و «اللاؤون» رفعا لغة هذيل ومنه قول بعضهم:
٣٤٨ - هم اللّاؤون فكوا الغلّ عنّي ... بمرو الشّاهجان وهم جناحي (٢)
ثم قال: «فقول القائل: وإنّا من اللّائين إن قدروا ... البيت المتقدم - يحتمل أن يكون (على لغة من يبني وأن يكون) (٣) على لغة من يعرب.
قال الشيخ: «ونسب المصنف لهذيل لغة «اللّاؤون» رفعا ولم ينسب «اللائين» مطلقا وكلاهما لغة هذيل» (٤).
وأما شواهد ما دل على جمع التي: فقد أنشد المصنف أبياتا (٥) منها قول الراجز:
٣٤٩ - جمعتها من أينق عكار ... من اللّوا شرفن بالصّرار (٦)
-
стр. 654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها قول الآخر:
٣٥٠ - وكانت من اللّا لا يعيّرها ابنها ... إذا ما الغلام الأحمق الأمّ عيّرا (١)
ومنه قول الآخر:
٣٥١ - فدومي على العهد الّذي كان بيننا ... أم أنت من اللّا ما لهنّ عهود؟ (٢)
وأما اللاءات فالمعروف فيها البناء على الكسر. وقد أنشد المصنف على إعراب اللاءات كما ذكر قول الشاعر:
٣٥٢ - أولئك إخواني الّذين عرفتهم ... وأخدانك اللّاءات زيّنّ بالكتم (٣)
-
стр. 655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنشد شاهدا على مجيء الألى بمعنى اللاتي قول الشاعر:
٣٥٣ - فأمّا الأولى يسكن غور تهامة ... فكلّ فتاة تترك الحجل أقصما (١)
وقد جاء بمعنى الذين وبمعنى اللاتي في بيت واحد مشهور وهو:
٣٥٤ - وتبلي الألى يستلئمون على الألى ... تراهنّ يوم الرّوع كالحدإ القبل (٢)
وأشار المصنف بقوله: وقد ترادف الّتي واللّاتي ذات وذوات مضمومتين مطلقا إلى ما ذكره في الشرح وهو أنه قال (٣): «روى الفراء عن بعض فصحاء العرب -
стр. 656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به. أراد التي أكرمكم الله بها فحذف الألف وحرك الباء بحركة الهاء، وأنشد في ذوات بمعنى اللاتي:
٣٥٥ - جمعتها من أينق موارق ... ذوات ينهضن بغير سائق (١)
أراد اللاتي ينهضن. وتاء ذات وذوات مضمومة أبدا. انتهى (٢).
وذكر الشيخ بهاء الدين بن النحاس: أنّ استعمال ذات وذوات هذا الاستعمال هو لغة طيئ (٣). ولم يتعرض المصنف إلى تثنية ذات المذكورة وقد تعرض إليها غيره وذكر ذلك صاحب المقرب فقال (٤): «وذات في لغة طيئ
وتثنيتها وجمعها عند بعضهم فتقول في تثنية ذات: ذواتا في الرّفع وذواتي في النّصب والخفض وفي جمعها: ذوات بضمّ التاء في الأحوال كلّها. أنشد الفرّاء ...» ثمّ ذكر البيت المتقدم الإنشاد.
стр. 657
[الموصولات المشتركة ومعناها]
[١/ ٢٢٣] قال ابن مالك: (وبمعنى الّذي وفروعه: من، وما، وذا، غير ملغى ولا مشار به بعد استفهام بما أو من، وذو الطّائيّة مبنية غالبا وأيّ مضافا إلى معرفة لفظا أو نية، ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه خلافا للكوفيّين، وقد يؤنّث بالتاء موافقا للتي. وبمعنى الّذي وفروعه: الألف واللّام خلافا للمازني ومن وافقه في حرفيّتها، وتوصل
بصفة محضة، وقد توصل بمضارع اختيارا ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارا).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن الموصولات التي هي نصوص في مدلولاتها شرع في ذكر الموصولات المشتركة وهي ست كلمات:
من - وما - وذا - وذو - وأيّ - والألف واللام.
ولا شك أن فروع الذي: اللذان والذين والتي واللتان واللاتي.
- فمن وما وما ذكر بعدهما: صالح لمواقعها كلها كقولك في من لمن قال:
مررت برجلين وبرجال وبامرأة وبنسوة: عرفت من مررت بهما ومن مررت بهم ومن مررت بها ومن مررت بهن. وكقولك في ما لمن قال: اشتريت كتابا وثوبين وعمامة وملاحف: عرفت ما اشتريته وما اشتريتهما، وما اشتريتها، وما اشتريتهن.
ــ
وأما ذا: فكقولك ماذا عملت أخير أم شر؟ وماذا أنفقت درهمين أم دينارين؟
وماذا صليت أنافلة أم فريضة؟ ومن ذا خطبت أهندا أم دعدا؟ التقدير ما الذي وما اللذان وما التي ومن التي. وكذا إذا قلت: من ذا جاءك أو جاءاك أو جاؤوك أي من الذي ومن اللذان ومن الذين.
والشرط في استعمال ذا موصولة: أن تقع بعد ما الاستفهامية أو من أختها، وألا تكون ملغاة، ولا يقصد بها الإشارة. أما إذا قصد بها الإشارة فأمرها واضح وهو أن يقال: ماذا فما استفهام مبتدأ وذا اسم إشارة خبر والاستفهام عنه.
وكذا إذا قلت من ذا. وهذا كلام تام.
ولك أن تنعته وتقول ماذا الكتاب ومن ذا الرجل.
وأما الإلغاء: فالمراد به أن ذا تلغى فتجعل مع ما مبتدأ واحدا فيصيران معا اسم -
стр. 658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استفهام. وحينئذ قال المصنف (١): «يحكم للموضع بما يستحقه أيّ الاستفهامية لو وقعت فيه ويظهر أثر ذلك في الجواب والتّفصيل يعني البدل التّفصيلي».
فالجواب كقولك: خيرا، لمن قال: ماذا صنعت، والتّفصيل كقولك: أخيرا أم شرّا.
فلو جعل ذا بمعنى الذي لكان الرفع أولى في الحالين كما قال الشّاعر:
٣٥٦ - ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (٢)
وعلى هذا تحمل قراءة أبي عمرو: قل العفو (٣) بالرفع وقراءة غيره بالنصب محمولة على الوجه الآخر.
وإنما كان الرفع في الجواب والتفصيل على الوجه الأول أولى؛ لأن ما في موضع رفع وكان النصب فيهما أولى على الوجه الثاني؛ لأن ما في موضع نصب فهذه ثلاثة معان لقولك ماذا (٤). -
стр. 659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر المصنف وغيره معنيين آخرين:
فقال:
وقد تكون ماذا في غير الاستفهام والإشارة اسما واحدا بمعنى الذي أو بمعنى شيء يعني إما أن يجعلا معا اسما موصولا أو نكرة موصوفة كقول الشاعر:
٣٥٧ - دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب ذكّريني (١)
[١/ ٢٢٤] أي دعي الذي علمت أو دعي شيئا علمت.
وقد أنكر الفارسي كونها في هذا البيت موصولا قال: لأنا لم نجد في الموصولات ما هو مركب ووجدنا في
الأجناس ما هو مركب (٢). قال المصنف (٣): وعندي أنّ جعل ماذا في البيت بمعنى الّذي أولى من جعله بمعنى شيء قال:
«ومثل هذا البيت في احتمال ماذا فيه معنى شيء ومعنى الّذي في غير استفهام قول جرير:
٣٥٨ - فلله ماذا هيّجت من صبابة ... على هالك يهذي بهند ولا يدري (٤)
-
стр. 660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم ها هنا ثلاثة أمور:
الأول: أنهم ذكروا في وقوع ذا الموصولة بعد من الاستفهامية خلافا لا يعتد به (١) والدليل على صحة ذلك قول أعشى ميمون (٢):
٣٥٩ - وغريبة تأتي الملوك كريمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها (٣)
وقول أمية بن أبي عائد الهذلي (٤): -
стр. 661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٦٠ - ألا إن قلبي لدى الظّاعنين ... حزين فمن ذا يعزّي الحزينا (١)
وقول ابن أبي كاهل (٢):
٣٦١ - ويحسب أنّ النّائبات تركنه ... ومن ذا الّذي عرّينه فهو وافر (٣)
غير أنه قد يمنع الاستدلال بهذا البيت لاستصعاب دخول موصول على موصول إلا أن يجعل الثاني توكيدا لفظيّا أو خبر مبتدأ.
الأمر الثاني: قد تقدم أن ذا تلغى فتركب مع ما وتصير الكلمتان واحدة أي تفيد معنى واحدا ولم يستدل على ذلك إلا بنصب الجواب أو البدل، ولا شك أن هذا الدليل ليس بقاطع لما عرفت من أن المطابقة ليست بواجبة.
وقد استدل على التركيب بثلاثة أشياء:
أحدها: قول العرب: عن ماذا تسأل بإثبات ألف ما لكونها توسطت ولا يصح -
стр. 662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موصولية ذا لأن حرف الجر لا يدخل على الجملة.
الثاني: قول الشاعر:
٣٦٢ - يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم ... لا يستفقن إلى الدّيرين تحنانا (١)
فلا يصح في ذا أن تكون موصولة لأن العرب لا تقول إلا: ما بالك، ولا تقول ما الذي بالك.
الثالث: قول الآخر:
٣٦٣ - وأبلغ أبا سعد إذا ما لقيته ... نذيرا وماذا ينفعنّ نذير (٢)
لأنه لو كانت ذا بمعنى الذي لم يؤكد الفعل بعدها بالنون؛ لأنه موجب وإذا لم يجعل بمعنى الذي كان الاستفهام مستوليا على الفعل بعدها فيسوغ توكيده.
قال المصنف (٣): «ويترجّح تركيبه إذا كان بعد ماذا الّذي كقول ابن الدّمينة (٤): -
стр. 663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٦٤ - فماذا الّذي يشفي من الحبّ بعد ما ... تشرّبه بطن الفؤاد وظاهره (١)
قال: «قد يجعل ذا في هذا البيت بمعنى الّذي والّذي بعدها توكيدا أو خبر مبتدأ مضمر كقول معاوية ﵁ (٢):
٣٦٥ - إن الّذين الأولى أدخلتهم نفر ... لولا بوادر إرعاد وإبراق (٣)
الأمر الثالث: قالوا لا يجوز عند البصريين أن يستعمل اسم إشارة إلا ذا، وزعم الكوفيون أن أسماء الإشارة كلها يجوز أن تستعمل موصولات [١/ ٢٢٥]، وجعلوا من ذلك قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (٤) فتلك عندهم موصولة وبيمينك صلة كأنه قيل: وما التي بيمينك يا موسى. ومما تمسكوا به قول الشاعر:
٣٦٦ - عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق (٥)
-
стр. 664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كأنّه قال: والذي تحملين.
وقد أجيب عن ذلك: بأن بيمينك في موضع نصب على الحال وكذا تحملين وطليق خبر اسم الإشارة (١).
- وأما ذو: فاستعمالها بمعنى الذي وفروعه لغة طيئ، قال حاتم (٢):
٣٦٧ - ومن حسد يجور عليّ قومي ... وأيّ الدّهر ذو لم يحسدوني (٣)
أراد: أي الدهر الذي لم يحسدوني فيه.
ويتميز بعضها من بعض بالعائد أو بما هي له كقول الشاعر: -
стр. 665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٦٨ - فإنّ الماء ماء أبي وجدّي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت (١)
أي التي حفرت والتي طويت.
وبناؤها هو المشهور، وبعضهم يعربها بالحروف كما تعرب ذو بمعنى صاحب لشبهها بها لفظا.
ويروى بالإعراب والبناء قول الشاعر:
٣٦٩ - فإمّا كرام موسرون عرفتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا (٢)
حكى ابن درستويه (٣) أن من طيئ من يقول: «جاءني ذو يقوم، ورأيت ذا يقوم، ومررت بذي يقوم» وحكاه غيره أيضا، وعن هذا احترز في الكتاب بقوله -
стр. 666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غالبا بعد قوله مبنية.
قال المصنف (١): «ومنهم - أي من طيئ - من يقول: رأيت ذات فعلت وذوات فعلن، بمعنى الّتي فعلت واللّاتي فعلن».
قال: «وقد تقدّم التنبيه على ذلك، وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتهما وجمعهما، وأظن حامله على ذلك قولهم: ذات وذوات بمعنى التي واللاتي فأضربت عنه لذلك». انتهى.
والذي ذكره ابن عصفور ذكره الأزهري (٢) وابن السراج.
وذكر ابن السراج: أن تثنية ذو وجمعها لا يجوز فيهما إلا الإعراب (٣)، وعلى ذلك مشى ابن عصفور في المقرب (٤).
وكل هذا إنما جاز في ذو الطائية تشبيها لها بذو التي بمعنى صاحب والشبه بها إنما هو لفظي لا معنوي.
- وأما أيّ: فقد خالف في موصوليتها ثعلب وزعم أنها لا تكون إلا استفهاما أو جزاء، والجمهور على خلافه لثبوت ذلك عند العرب (٥) قال: -
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٧٠ - إذا ما أتيت بني مالك ... فسلّم على أيّهم أفضل (١)
وقال آخر:
٣٧١ - أباهل لو أنّ الرجال تبايعوا ... على أيّنا شرّ قبيلا وألأم (٢)
وقال آخر:
٣٧٢ - فادنوا إلى حقّكم يأخذه أيّكم ... شئتم وإلّا فإيّاكم وإيّانا (٣)
وقال آخر:
٣٧٣ - أمّا النّساء فأهوى أيّهن أرى ... للحبّ أهلا فلا أنفكّ مشغوفا (٤)
وعلى ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ (٥).
قال سيبويه (٦): «وحدّثنا هارون (٧) أن ناسا وهم الكوفيّون يقرؤون: -
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا. وهي لغة للعرب جيدة نصبوها كما جرّوها حين قالوا «امرر على
أيّهم أفضل» [١/ ٢٢٦] فأجرى هؤلاء مجرى الّذي إذا قلت: اضرب الّذي أفضل» انتهى (١).
واعلم أن أيّا من الكلمات التي تلازم الإضافة موصولة كانت أو غير موصولة، وسيذكر أحكام غير الموصولة مستوفاة في فصل مفرد من فصول هذا الباب (٢) وهو الآن يذكر أحكام الموصولة لأن الكلام فيها وقد ذكر لها أربعة أحكام:
أحدها: إضافتها لفظا كقولك: أقصد أيهم هو أكرم أو نية كقولك سل منهم أيّا تلقاه ولم تكن الإضافة مختصة بالموصولة، بل أقسام أي كلها مشتركة في لزوم الإضافة فلم يذكر الإضافة لخصوصها، بل إنما ذكرها لكون المضاف إليه يلزم كونه معرفة إذا كانت أي موصولة بخلاف بقية الأقسام.
وقال الشيخ تابعا لابن عصفور: «وقد يضاف إلى النّكرة فيقال أي رجل عندك وأيّ رجال عندك وأيّ امرأة وأي امرأتين» انتهى (٣).
ويحتاج إثبات ذلك إلى دليل. ثم إن المصنف إنما مثل بالإضافة إلى الضمير.
وقال الشيخ: «إذا قلت يعجبني أي الرجال عندك يتبين بإضافة أي إلى الرجال -
стр. 669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو إلى ضميرهم أنّ الذي أعجبك مذكر عاقل، ويحتمل أنّ يكون مفردا أو مثنى أو مجموعا.
وكذلك يعجبني أي النساء عندك أو أيهنّ عندك فتبين أنّ أعجبك مؤنّث عاقل» (١).
ثانيها وثالثها: استقبال العامل فيها أي كونه مستقبلا، وتقديمه عليها لازم على قول غير لازم على قول.
ونسب المصنف القول بلزوم الأمرين إلى الكوفيين (٢) وهذا مستفاد من قوله:
ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه خلافا للكوفيين كأنهم يلتزمون ذلك.
وقال في الشرح (٣): «ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه كما لا يلزم مع غيره وقال الكوفيون بلزوم ذلك ولا حجة لهم إلا كون ما ورد على وفق ما قالوا كقوله تعالى:
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ ... (٤) الآية ونحو قول الشاعر:
٣٧٤ - فادنوا إلى حقكم يأخذه أيّكم ... البيت
انتهى.
أما لزوم استقبال العامل: فقد ذكروا أنه صحيح، ولهذا قال الشيخ (٥) مشيرا إلى كلام المصنف: «وهذا الذي اختاره ليس مذهب الجمهور، بل الجمهور ذهبوا إلى أن أيّا إذا كانت موصولة لم يعمل فيها الفعل الماضي لا يجوز أن يقال: أعجبني أيهم قام.
قالوا: وسبب ذلك أنها وضعت على الإبهام والعموم، فإذا قلت: يعجبني أيهم يقوم فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان، فلو جعلت معمولة للفعل الماضي أخرجها ذلك عما وضعت له من العموم، ألا ترى أنك إذا قلت أعجبني أيهم خرج لم يقع إلا على الشخص الذي خرج.
وسئل الكسائي في حلقة يونس: هل يجوز أعجبني أيهم قام فمنع من ذلك فسئل عن العلة المقتضية لذلك فقال: أيّ هكذا خلقت (٦). -
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: فلم يلح له الوجه الذي لأجله امتنع ذلك، والمنقول عن الأخفش أنه يجوز فيها أن تكون معمولة للفعل
الماضي إلا أن ذلك قليل» (١).
وأما لزوم تقديمه: فيظهر من كلام غير المصنف (٢) أن التقديم لازم، أعني تقديم العامل، ويؤيد ذلك قول المصنف: إن الوارد إنما ورد مقدما فيه العامل، [١/ ٢٢٧] ولكن الشيخ وافق المصنف في هذا الحكم على ما اختاره من القول بعدم لزوم التقديم فإنه قال (٣): «أيّ الموصولة كغيرها من الأسماء يعمل فيها العامل متقدما ومتأخّرا نحو أحبّ أيّهم قرأ وأيّهم قرأ أحبّ».
رابعها: أنها إذا أريد بها التي فقد تؤنث بالتاء وإلى ذلك الإشارة بقوله: وقد تؤنّث بالتّاء موافقا للّتي أي حال كونه موافقا للتي.
قال المصنف: «وتقول في أيّ قاصدا معنى الّتي: عليك من النّساء بأيّهن يرضيك وبأيّتهنّ ترضيك.
قال الشاعر:
٣٧٥ - أما النّساء فأهوى أيّهن أرى ... للحب أهلا فلا أنفكّ مشغوفا (٤)
وقال آخر:
٣٧٦ - إذا اشتبه الرّشد بالحادثا ... ت فارض بأيّتها قد قدر (٥)
انتهى (٦).
والذين ذكروا أن أيّا الموصولة قد تؤنث بالتاء ذكروا أيضا أنها قد تثنى وتجمع وأن -