. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألا ترى أن كل واحد منهما منصوب على معنى في؟ فإنك إذا قلت: جاء زيد ضاحكا، فكأنك قلت: جاء زيد وقت ضحكه. ولذلك أكثر ما تجيء هذه الحال السادة مسد الخبر مفردة لا جملة؛ لأنها إذ ذاك تشبه الظرف.
إلا أن الجملة لما كانت بتقدير المفرد حملت في النيابة عن خبر المبتدأ على الحال المفردة، وذلك لأن الحال عوض منه كما ذكرنا. والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان؛ لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى كما أن الزمان توقيت للفعل، وذلك قدر سيبويه الحال بإذ في قوله تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (١) فقال: «إذ طائفة في هذه الحال» (٢).
ولأن المبتدأ هنا حدث، وظرف الزمان مختص بالإخبارية عن الحدث دون الجثة فهو أخص به من ظرف المكان (٣).
ومنها: لما قدرت إذ [١/ ٣١٧] وإذا دون غيرهما؟ قال شيخنا ﵀: ما ولي الظروف إن أردت الماضي إذ؛ لأنها تستغرق الماضي، وإن أردت المستقبل إذا لأنها تستغرق المستقبل أيضا (٤).
ومنها: لم قدر بعد الظرف فعل؟ ولم كان كان التامة دون غيرها؟ ولما لم يقدر نصب قائم على الخبر لكان؟
وذلك لأن الظرف لا بد له من فعل أو معناه؛ ليكون ظرفا له، والحال لا بد لها أيضا من عامل، والأصل في العمل الفعل، وقدرت كان تامة لتدل على الحدث المطلق الذي يدل الكلام عليه، ولم يعتقد في قائم الخبرية للزومه التنكير (٥).
قال رحمه الله تعالى (٦): ودخول واو الحال عليها على ما سيجيء يقوي جانب الحالية لا الخبرية، ولا يلتفت إلى قول من يجوز دخول الواو على أخبار كان -
стр. 877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأخواتها إذا كان الخبر جملة، والضمير في كان فاعلها وهو يعود إلى زيد.
ومنها: هل يجوز تقدم هذه الحال على المصدر؟
منع ذلك الكسائي والفراء وهشام (١) إن كانت الحال من ظاهر، كما منعوا في نحو: جاء زيد راكبا - أن تقول: راكبا جاء زيد، فتقدمها. وسبب ذلك أن مبنى الحال عندهم على الشرط، فبطل: راكبا جاء زيد من حيث لم يجز: إن تركب جاء زيد.
فإن كانت من مضمر جاز التقديم عند الكسائي وهشام. ومن أخذ بمذهبهما فلا يجوز تقديمها إذا لم تقع خبرا، ويجوز عندهم: مسرعا قيامك كما يجوز مسرعا قمت؛ لأن الحال لمكنيّ، ولا ينكر تقدم مضمر على مضمر كما ينكر تقدم مضمر على ظاهر.
وأبطل الفراء: مسرعا قيامك ومبادرا ركوبك، وأجاز: مسرعا قمت ومبادرا ركبت؛ لأن الحال المكني يجوز تقدمها إذا لم تكن رافعة، فإذا رفعت منعت التقدم والتوسط ولزمت التأخر عنده؛ لأنها عنده مبنية على الشرط، والشرط يقع آخرا لا أولا، فيقال: شكرتك إن أنصفت، ولا يقال: إن أنصفت شكرتك؛ لأن الشرط إنما يتلقى بالفاء أو إذا أو بالفعل، ولا يتلقى بالاسم المفرد.
واحتج الكسائي وهشام على جواز: مبادرا ركوبك، بأن الحال مبنية على الوقت من حيث كانت في معناه، والوقت يرفع متقدما ومتأخرا، فيقال: قيامك يوم الخميس، ويوم الخميس قيامك.
قلت: جميع ما ذكروه مبني على ما تقدم من أقوالهم، وقد تقدم إفسادها، ولا نقل عندي عن مذاهب البصريين في ذلك، بل مقتضى قولهم جواز تقديم الحال إن قدر الخبر متقدما على المصدر (٢)، ووجوب تأخيرها إن قدر الخبر مؤخرا؛ لأن العامل عندهم في الحال كان المقدرة، وهي مضاف إليها الظرف، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. -
стр. 878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن الدهان (١) في شرح الإيضاح: ولا يمتنع عندي في القياس: قائما ضربي زيدا؛ لأن خبر المبتدأ في هذه المسألة يتقدم على المبتدأ (٢).
ومنها: أنه لا يجوز أن يسد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ جثة؛ لأن الخبر المقدر لا يكون إلا ظرف زمان كما
تقدم، وظروف الزمان لا تكون أخبارا للجثة.
ومنها: هل يجوز لضمير المصدر أن يسد الحال مسد خبره؟
ذهب البصريون والكسائي إلى أن ضمير المصدر يجري مجراه في ذلك [١/ ٣١٨] نحو قولك: أكلي التفاحة هو نضيجة. فأكلى مبتدأ والتفاحة مفعوله وهو مبتدأ، و (هو) ضمير المصدر الذي هو أكلي، ونضيجة حال سدت مسد خبر المصدر، والضمير وخبره خبر المصدر الذي هو أكلي.
وزعم الفراء أن ضمير المصدر كالجثة نحو زيد وعمرو لا يرفعه إلا ما يرفع زيدا وعمرا عن وكأن الذي حمله على ذلك كون الحال عنده بمنزلة الشرط. والشرط إنما يخبر به المصدر لا عن ضميره، وذلك باطل، وقد تقدم تبيين بطلانه (٣). -
стр. 879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن عصفور (١): وسواء في ذلك المصدر وغيره مما لم يكن جثّة؛ إلّا أنّ مجيء ذلك في المصدر أكثر كما ذكرته.
ومما يدل على مجيئه في غير المصادر قول الشاعر:
٥٥٢ - خيال لأمّ السّلسبيل ودونه ... مسيرة شهر للبريد المذبذب (٢)
فخيال مبتدأ، ولأم السلسبيل صفة له. ولا يكون خبرا؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بها إلا وصفها بالمجرور، والجملة التي هي: ودونه مسيرة شهر سادة مسد خبره؛ وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسيمة، فجرى مجرى المصادر (٣).
ومنها: أنه لا يجوز أن تسد الحال مسد خبر أن الناصبة للفعل وإن كانت بتأويل المصدر، ووجهه أن الحال إنما تسد مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرا لأن والفعل، وإلى ما ذكرنا من المنع ذهب الكسائي والفراء وهشام، وعلّلوه بأنها لما عملت في ما بعدها أشبهت الأدوات وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر.
وفي هذا التعليل نظر: فإن المصدر عامل في ما بعده، فالصحيح ما ذكرناه من التعليل. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 880
[رفع الحال المنصوبة على الخبرية]
قال ابن مالك: (ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون - جائز، وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع).
قال ناظر الجيش: أي: ورفع الحال المذكورة، وأشار بذلك إلى ما أجازه الأخفش من رفع قائم على الخبرية من قولهم: أخطب ما يكون الأمير (١) قائما، وليعلم قبل تقدم مذهبه أنّا إذا قلنا: أخطب ما كان أو أخطب ما يكون، فما مصدرية، والتقدير:
كون الأمير، وفي إضافة أخطب إلى الكون نوع تجوز؛ لأن أفعل التفضيل لا تضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليست الخطابة بعض الكون، ثم منهم من قدر مضافا محذوفا أي: أخطب أوقات كون الأمير لا لينتفي المجاز؛ فإن الخطابة ليست بعض الأوقات أيضا، لكن لما كانت الخطابة لا تقع إلا في الأوقات سهل ذلك تأولها بها.
ومنهم من لم يقدر شيئا محذوفا، وجعل أخطب كونا كما تقدم، ويترتب على الرأيين بحث: وهو أن من قدر المضاف وجعل أخطب زمانا لإضافته إلى الأوقات المحذوفة وجوز وقوع إذا غير ظرف - لم يجعل إذا متعلقة بمحذوف كما في: ضربي زيدا قائما بل جعل نفس الظرف مرفوعا على الخبرية لا معمولا للخبر، ويكون قد أخبر بزمان عن زمان.
قال الشيخ بهاء الدين ﵀: ولا يستنكر خروج إذا من الظرفية ورفعها؛ فقد جاءت مجرورة في قول الشّاعر [١/ ٣١٩]:
٥٥٣ - وبعد غد يا لهف نفسي في غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح (٢)
-
стр. 881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأبدل إذا من غد.
وأجاز المبرد (١) الرفع الصريح فيها، وذلك إذا قلت: إذا يقوم زيد إذا يقعد عمرو؛ فإذا الأولى مبتدأ والثانية خبر، وعلى هذا إذا ظهر الإعراب في الظرف يرتفع فتقول: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، وأما من لم يقدر مضافا محذوفا وجعل أخطب كونا - فإذا في موضع نصب متعلقة بمحذوف كما كان في ضربي زيدا قائما، وعلى هذا إذا قلت: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة نصبت اليوم.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأخفش رحمه الله تعالى أجاز الرفع في هذه المسألة كما تقدم. قال الشيخ (٢): «وتبعه المبرد والفارسي (٣) وهذا المصنف». انتهى.
وقال المصنف رحمه الله تعالى: «يلزم من ذلك - يعني ما أجازه الأخفش من الرّفع - ارتكاب مجازين:
أحدهما: إضافة أخطب مع أنه من صفات الأعيان إلى ما يكون وهو في تأويل الكون.
والثاني: الإخبار بقائم مع أنه في الأصل من صفات الأعيان عن أخطب ما يكون مع أنه في المعنى كون؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة وقد فتح بابها بأول الجملة (٤)، فعضّدت بآخرها مرفوعا». انتهى (٥).
قال الشيخ بهاء الدين (٦): «ووجّه ابن الدّهان رفع الأخفش قائما بأن جعل أخطب مضافا إلى أحوال محذوفة، أي: أخطب أحوال كون الأمير فلا مجاز في قائم حينئذ».
وقال الشيخ أثير الدين (٧): «قوله: فلا مجاز في قائم حينئذ - غير مسلم بل هو مجاز لأن قائما من صفات الأعيان لا من صفات الأحوال، والمطابق للإخبار عن أخطب -
стр. 882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحوال الأمير أن يقال القيام كما يقال: أحسن أحوال زيد السرور، ولا تقول السّارّ».
وقال الشيخ بهاء الدين (١): ويجوز أن تجعل ما بمنزلة شيء، والجملة التي هي يكون الأمير صفته والعائد محذوف خبر يكون الأمير، ويكون ناقصة كان أصلها:
أخطب أحوال يكون الأمير فيها قائما، وتكون ما للعموم والكثرة كقوله تعالى:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ (٢). ودليل وقوعها للجنس الإشارة إليها بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ (٣) وتكون ما حينئذ كناية عن الأحوال، فيتوجه ما قاله الأخفش.
وقال الشيخ أثير الدين: «ويكون الإخبار بقائم أيضا مجازا؛ إذ القائم من صفات الأعيان لا صفات الأحوال كما بيّنا» انتهى (٤).
وأشار المصنف بقوله: وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع - إلى نحو قول القائل: ضربي زيدا قائم، على تقدير: وهو قائم؛ وحق هذا أن يمنع مطلقا؛ لأنه شبيه بقولك: جاء زيد راكب؛ لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط، وهو أصعب، وإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى.
ومثال حذف المبتدأ مقرونا بالفاء قول الشاعر:
٥٥٤ - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم (٥)
أراد: فهو ظالم، هذا كلام المصنف (٦) [١/ ٣٢٠].
قال الشيخ (٧): «كان ينبغي أن لا يقول: دون ضرورة بل يقول: وفعل ذلك -
стр. 883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعد مصدر صريح ممنوع؛ فإن أدّت الضّرورة إلى رفعه خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة حالا جاز، قال: ولم يبين جهة الأصعبية، ونقول: بل هو في الشرط أسهل؛ لأنّ جواب الشّرط لا بد أن يكون جملة فلنا دليل على ما حذف.
وأما الحال السادة مسدّ الخبر ففيها خلاف: هل تقوم الجملة مقامها؟ كما سيأتي، فلا دليل منها على ما يحذف» انتهى (١).
واعلم أن ابن الدهان (٢) أجاز رفع قائم في: ضربي زيدا قائما - على الخبرية لا على المعنى الذي تقدم، بل على معنى أن تريد بقائم معنى ثابت دائما لا يتغير.
فيكون خبرا عن ضربي حقيقة، كما تقول: الأمر بيننا قائم، والحرب قائمة على ساق، وهذا كما تقول: ضربي زيدا شديد، ولا خلاف في جوازه (٣).
стр. 884
[إعراب الاسم المرفوع بعد لولا]
قال ابن مالك: (وليس التّالي لولا مرفوعا بها، ولا بفعل مضمر؛ خلافا للكوفيّين، ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحال المشار إليهما؛ خلافا لزاعمي ذلك).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وكان في بعض الصور المتقدمة خلاف - قصد الإشارة إليه هنا، وقد تقدم الكلام على مضمون قوله: ويغني فاعل المصدر المذكور إلى آخره، وعلى إغناء الحال عن الخبر في مسألة: ضربي زيدا قائما، وعلى واو المصاحبة أيضا في مسألة: كل رجل وضيعته؛ فلا حاجة لإعادته (١).
وأما المرفوع بعد لولا (٢) فتقدم أنه مبتدأ، وأن خبره محذوف وجوبا (٣) وذكر فيه هنا مذهبين آخرين:
أحدهما: أنه مرفوع بلولا، وهو رأي الفراء.
والثاني: أنه مرفوع بفعل مضمر، وهو رأي الكسائي، ونبه على خلافهما بقوله: خلافا للكوفيين (٤).
قال المصنف (٥): «والصحيح مذهب البصريين؛ لأنه إذا كان مبتدأ محذوف -
стр. 885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخبر كان نظير المقسم به في كونه مبتدأ محذوف الخبر للعلم به، وسد الجواب مسده؛ بل يكون أولى بصحة حذف الخبر؛ لأن في لولا إشعارا بالوجود المانع من ثبوت معنى الجواب، والوجود الذي يشعر به هو المفاد بالخبر لو نطق به، ففي حذف الخبر بعد لولا من العذر ما في حذف خبر المقسم به وزيادة» قال:
«وأما القولان فمردودان؛ لأنهما مستلزمان ما لا نظير له؛ إذ ليس في الكلام حرف يرفع ولا ينصب ولا حرف التزم بعده إضمار فعل رافع، ولا يقبل ما يستلزم عدم النظير مع وجدان ما له نظير».
وأيضا فإذا حكم على الواقع بعد لولا بالابتداء كان المحذوف من الجملة مؤخرا، وإذا حكم بفاعليته كان المحذوف منها مقدما، والأواخر بالحذف أولى من الأوائل» انتهى (١).
ومما رد به مذهب الفراء أن الحرف لا يعمل إلا إذا اختص، ولا خصوصية للو لا بقبيل دون قبيل فإنها كما دخلت على الاسم فيما تقدم، فقد دخلت على الفعل في قول الشاعر: [١/ ٣٢١].
٥٥٥ - ألا زعمت أسماء ألّا أحبّها ... فقلت بلى لولا ينازعني شغلي (٢)
وفي قوله أيضا: -
стр. 886
٥٥٦ - قالت أمامة لما جئت زائرها ... هلّا رميت ببعض الأسهم السّود
لا درّ درّك إنّي قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (١)
وقد أجاب الكوفيون عن ذلك بأن لولا الامتناعية لم تدخل على الفعل، وإنما هذه لو دخلت على لا الواقعة موقع لم، و (لا) تقع موقع لم بدليل قوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٢) ورد هذا الجواب بمنع أن لا واقعة موقع لم، والأصل عدم ذلك.
والفرق بينها وبين الآية الكريمةأن مجيء لكن بعدها في الآية الشريفة (٣) دل على أن المراد بها لم، ولا دليل هنا في البيت، فبقي على أصله.
واعلم أن دعوى عدم خصوصية لولا الامتناعية بالأسماء ممنوعة، وأما كون الفعل يليها واستشهادهم بما أنشدوه. فقد قال المصنف في قول الشاعر:
٥٥٧ - ولولا يحسبون الحلم عجزا ... لما عدم المسيئون احتمالي (٤)
إن التقدير: ولولا أن يحسبوا، فحذف أن ورفع الفعل والموضع موضع المبتدأ على تقدير أن كما قالوا: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (٥).
فكذا يكون التقدير في لولا ينازعني: لولا أن ينازعني شغلي. وأما هى في: لولا -
стр. 887
[الحال السادة مسد الخبر ووقوعها جملة]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلا؛ خلافا للفرّاء، ولا جملة اسميّة بلا واو، وفاقا للكسائي ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقا له أيضا).
ــ
حددت، فقد جعل المصنف أنها بمعنى لو لم، وأن المعنى لو لم أحد، وأنها حينئذ يلزم أن يليها الفعل.
قال: ومجيء لا بمعنى لم كثير، ومنه قول الراجز:
٥٥٨ - لاهمّ إنّ الحارث بن جبلة ... زنا على أبيه ثمّ قتله
وكان في جار له لا عهد له ... وأيّ شيء سيّئ لا فعله (١)، (٢)
فإذا كان كذلك فلا يثبت الرد على الفراء بعدم الخصوصية، ومما رد به مذهب الكسائي أن ما ذكره دعوى مجردة
من الدليل، فكيف يصار إليها مع أن الأصل عدم الإضمار؟ وسيأتي الكلام على لولا هذه، وعلى بقية المذاهب في الاسم الواقع بعدها في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى.
قال ناظر الجيش: اعلم أنهم اختلفوا: هل تقع هذه الحال السادة مسد الخبر جملة أو لا؟
فأما الجملة الفعلية فأجاز وقوعها حالا أبو الحسن والكسائي وهشام (٣)، ونقل ابن خروف عن سيبويه المنع (٤)، واختلف في النقل عن الفراء، فحكى ابن خروف عنه الجواز -
стр. 888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونقل المصنف عنه المنع، وكذلك ابن عصفور (١) قال الشيخ: «وهو الصّحيح» (٢).
قال المصنف (٣): «وإنما منع الفراء ذلك فرارا من كثرة مخالفة الأصل، وذلك أن الحال إذا سدت مسد الخبر فهو على خلاف الأصل، وإذا وقع الفعل موقع الحال فهو على خلاف الأصل؛ فلا ينبغي أن يحكم بجوازه؛ لأنه مخالفة بعد مخالفة، قال:
وهذا الذي اعتبره قد دأبت العرب على أنه غير معتبر بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة ثقلا - لجاز وقوعها قياسا على وقوع الجملة الاسمية، ومع ذلك فقد سمع عن العرب وقوع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة، ومن ذلك قول الشاعر أنشده سيبويه رحمه الله تعالى (٤).
٥٥٩ - ورأي عينيّ الفتى أباكا ... يعطي الجزيل فعليك ذاكا (٥)»
[١/ ٣٢٢] انتهى (٦).
قلت: وإنشاد سيبويه هذا البيت يدفع ما ذكره ابن خروف عنه من المنع إلا أن يكون سيبويه أتى به شاهدا لغير ذلك (٧). -
стр. 889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال ابن عصفور: «الّذي يمنعه الفراء الفعل المضارع المرفوع» (١) وعلله بأن النصب الذي في المفرد عوض من التصريح بالشرط والمستقبل المرفوع ليس في لفظه ما يكشف مذهب الشرط.
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: «وما ذكره ابن عصفور من التّعليل لمذهب الفرّاء يقتضي أنّ الفرّاء يمنع أيضا
الجملة الاسميّة؛ لأنها لا يظهر في لفظها النّصب أيضا. قال الشيخ بعد نقل الخلاف في هذه المسألة: «والصحيح الجواز لورود ذلك عن العرب» (٢) وأنشد البيت المتقدم، وقول الآخر:
٥٦٠ - عهدي بها في الحيّ قد سربلت ... بيضاء مثل المهرة الضّامر (٣)
وأما الجملة الاسمية فإما أن تكون مصحوبة بالواو أو لا.
إن صحبتها الواو فنقل ابن خروف أن مذهب سيبويه والأخفش المنع، قال (٤):
«مذهب سيبويه أنّ الحال لا تسدّ مسد الخبر إلّا إذا كانت منصوبة»، وكلام المصنف في الشرح يقتضي أنه لا خلاف في جواز ذلك، فإنه قال: «حكى ابن كيسان: مسرّتك أخاك قائما أبوه، ثم قال: فإن قلت: مسرتك أخاك هو قائما -
стр. 890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبوه، أو مسرتّك أخاك هو قائم - جازت المسألة عند الكسائي وحده؛ فإن جئت قبل هو بالواو جازت المسألة فى كل الأقوال» انتهى (١).
وقد ورد السماع بذلك، قال النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد» (٢). ومنه قول الشاعر:
٥٦١ - خير اقترابي من المولى حليف رضا ... وشرّ بعدي عنه وهو غضبان (٣)
وقول الآخر:
٥٦٢ - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم ... قبل التّفرّق ميسر وندام (٤)
وإن لم تصحب الجملة الاسمية الواو، فالمشهور من قول النحاة غير الكسائي المنع.
قال المصنف (٥): «والحامل لهم على ذلك أنّ الاستعمال لم يرد بخلافه فأفتوا بالتزامه، ولم ير الكسائي ذلك ملتزما بعد سدها مسدّ الخبر كما لم يكن ملتزما قبله، وبقوله أقول. وقد كان مقتضى الدّليل أن يكون حذف الواو هنا أولى؛ لأنه موضع اختصار؛ لكنّ الواقع بخلاف ذلك، وباب القيس مفتوح» انتهى.
وقال ابن عصفور: «إنّ الفراء منع حذف الواو، وإنّ المفهوم من مذهب -
стр. 891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البصريين جواز حذفها».
قوله: ويجوز إتباع المصدر المذكور، أشار به إلى ما أجازه الكسائي وحده من إتباع المصدر على وجه لا يقدح في البيان، كقولك: ضربي زيدا الشديد قائما، وشربي السويق كله ملتوتا، قال المصنف: «ومن منع احتجّ بكون الموضع موضع اختصار، وأنّ السّماع لم يرد فيه إتباع، ومن أجازه تبع القياس، ولم ير عدم السماع مانعا؛ لأن الحاجة داعية إلى استعمال ما منعوه في بعض المواضع، فإجازته توسعة ومنعه تضييق» (١).
وقد ذكر الشيخ فروعا تتعلق بمسألة ضربي زيدا قائما (٢):
الأول: أجاز السيرافي وابن السراج دخول كان الناقصة على هذا المصدر، فتقول:
كان ضربي زيدا قائما وقال ابن عصفور [١/ ٣٢٣]: «وهو قبيح لأنّ تعويض الحال من الخبر إنّما كون بعد حذفه، وحذف خبر كان قبيح». انتهى (٣).
وقد يقال، إنما يكون قبيحا إذا لم يسد غيره مسده، أما مع مسد الحال مسده فلا.
الثاني: إذا كنيت عن المصدر المذكور قبل ذكر الحال: نحو: ضربي زيدا هو قائما أجاز ذلك البصريون والكسائي. وإعراب هو الابتداء، وقائما حال سدت مسد خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وعند الكسائي يرتفع ضربي بالراجع من هو، ويرتفع هو بقائما وهو جار على مذهبه (٤)، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في كلام ابن النحاس.
الثالث: تقديم الحال على معمول المصدر: نحو: شربك ملتوتا السويق. أبطل ذلك الكسائي والفراء، وحكي عن البصريين الجواز، وهو مشكل؛ لأن فيه الفصل -
стр. 892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بين المصدر ومعموله بالحال التي سدت مسد الخبر (١).
الرابع: إذا كانت الحال بالواو فهل يجوز تقديمها على المصدر؟
أبطل ذلك الكسائي وهشام والفراء، وإن كان المصدر متعديا نحو قولك: وهو ملتوت شربي السويق. وإن كان لازما جاز ذلك عند الكسائي نحو: وأنت راكب حسنك، ولم يجز عند الفراء؛ لأن الحال لا ترفع مقدمة (٢).
الخامس: أجمعوا على إبطال: أكلك متكئا الطعام؛ لأن الطعام في صلة الأكل ومتكئ ساد مسد الخبر، والصلة لا تأتي بعد الخبر، وقد تقدم الخلاف في جواز نحو: شربك ملتوتا السويق، فينظر ما الفرق بين المسألتين (٣).
السادس: اختلفوا على جواز دخول إن وفاء أما، تقول: إن حسنك راكبا، وأما حسنك فراكبا (٤).
السابع: اتفقوا على منع: ما حسنك براكب؛ لأن الباء تغير نصب الحال فتفسد المسألة لذلك (٥).
الثامن: أجازوا: أما ضربيك فإنه حسنا - على أن الهاء ترجع إلى الضرب، وخبر إن حسنا، وحكم كان وظن حكم إن في هذا المعنى، فأجازوا: إن ضربيك فكان حسنا، وأما ضربيك فظننته حسنا على أن حسنا صفة للضرب. وأبطلها الفراء على أن حسنا صفة للياء والكاف. والكسائي يجيزهن كلهن (٦).
التاسع: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله وعهدي بزيد قديمين، وكذلك عبد الله والعهد بزيد قديمين، ولا يعلم أن الفراء أجاز شيئا من هذا، وأصحابه يردون على الكسائي وهشام ما جوزاه من هذه المسائل.
وقياس البصريين يقتضي المنع، ولا يجوز في قول الكسائي وهشام: عبد الله فالعهد بزيد قديمين، ولا يعطفان هنا إلا بالواو الجامعة (٧). -
стр. 893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العاشر: أجاز الكسائي والبصريون تقديم معمول الحال المذكور عليها بعد تمام المصدر وصلته نحو: ضربي زيدا فرسا راكبا أي: راكب فرسا، ومنع ذلك الفراء، قال: لأن راكبا لا يرد إلى الاستقبال، وما لم يرد إلى الاستقبال لم تقدم صلته عليه (١) [١/ ٣٢٤].
الحادي عشر: أجاز الزجاج: عبد الله أحسن ما يكون القيام، وقال: لا يجوز غيرها، ومنعها المبرد (٢).
الثاني عشر: أكثر ضربي زيد منعها الكوفيون وأجازها البصريون قبل، ولا خلاف يعلم في جواز: أكثر لبسي الكتان (٣).
الثالث عشر: أجاز ابن كيسان: أما ضربي زيدا فكان قائما نفسه نفسه؛ فيكون الأول لذكر زيد، والثاني لذكر الضرب. وحكى أبو جعفر النحاس أن ذلك جائز على مذهب البصريين والكسائي، وغير جائز على مذهب الفراء (٤).
الرابع عشر: علمي بزيد كان ذا مال منعها أبو علي (٥) أن يكون علمي مبتدأ، وبزيد متعلق به، وكان في موضع خبره واسمها مستتر فيها وهو عائد على متعلق علمي، وذا خبر كان من حيث إن جملة الخبر ليس فيها ما يربطها بالمبتدأ الذي هو علمي؛ لأن ذا مال ليس نفس العلم ولا منزلا منزلته.
وتجويز المسألة على وجوه:
منها: ما أجازه بعضهم من أن تكون من باب ضربي زيدا قائما، أي كائنا ذا مال، أو قد كان ذا مال، وذلك على تقدير الكوفيين فيما نقل عنهم أنهم يقدرون -
стр. 894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخبر متأخرا أي: علمي بزيد كان قائما واقع، أو على تقدير عضد الدولة (١) علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر إذا كان فلا يصح، ويمكن أن يكون بزيد خبر علمي أي: علمي ملتبس بزيد، أو واقع به ذا مال أي غنيّا، ويمكن أن تكون كان زائدة، ويكون المعنى: علمي بزيد ذا مال.
وزعم بعضهم أن التقدير: علمي بزيد إذ كان وحذف إذ للدلالة عليها وهو ضعيف؛ لأن العرب إنما حذفت هنا الفعل والظرف معا ولم تحذف أحدهما دون الآخر.
واختار الأستاذ أبو علي أن تكون كان ناقصة واسمها يعود على العلم، وذا مال حال تسد مسد خبر كان كما سد مسد خبر المبتدأ، وقد ردّ ذلك على أبي علي (٢).
الخامس عشر: لا يجوز وقوع المصدر موقع هذه الحال؛ لأنه لا يناسبه بينه وبين الزمان، وهم إنما عدلوا إلى الحال المشتقة للمناسبة، وهذه المناسبة لا تجوز إلا مع صورة الحال الأصلية، ولا تجوز في الحال لكونها كالظرف؛ لأنه لا يتجوز في الشيء الواحد مرتين.
стр. 895
[حذف المبتدأ جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]
قال ابن مالك: (ويحذف المبتدأ أيضا جوازا لقرينة، ووجوبا كالمخبر عنه بنعت مقطوع لمجرّد مدح أو ذمّ أو
ترحّم، أو بمصدر بدلا من اللّفظ بفعله، ومخصوص في باب نعم أو بئس أو بصريح في القسم).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على حذف الخبر جوازا ووجوبا - شرع في الكلام على حذف المبتدأ، وقد علمت أنه أيضا على قسمين: جائز وواجب.
فالجائز: أن يحذف لقرينة تشعر به لحذفه بعد استفهام عن الخبر، كقولك:
صحيح، وفي المسجد، وغدا، وعشرون لمن قال: كيف أنت؟ وأين اعتكافك؟ ومتى سفرك؟ وكم دراهيمك؟ وكحذفه عند شم طيب، أو سماع صوت، أو رؤية شبح كقولك: مسك، وقراءة، وإنسان بإضمار هذا ونحوه.
قال امرؤ القيس [١/ ٣٢٥]:
٥٦٣ - إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة ... معتّقة ممّا تعتّق بابل (١)
أي: هذا طعم مدامة.
ولو كان المذكور معرفة جاز جعله مبتدأ محذوف الخبر.
ومن القرائن المحسنة لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ كقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها * (٢) أي:
فصلاحه لنفسه وإساءته عليها.
وأما الحذف الواجب: فقد ذكر المصنف أنه في أربعة مواضع أيضا كالخبر:
الأول: المبتدأ المخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح نحو الحمد لله الحميد، -
стр. 896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصلّى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين. أو لمجرد ذم كقولك: أعوذ بالله من إبليس عدوّ المؤمنين، أو لمجرد
ترحم كقولك: مررت بغلامك المسكين؛ فهذا ونحوه من النعوت المقطوعة لهذه المعاني الثلاثة - لك فيها النصب بفعل ملتزم إضماره، والرفع بمقتضى الخبر لمبتدأ لا يجوز إظهاره، وذلك أنهم قصدوا إنشاء المدح، فجعلوا إضمار الناصب أمارة على ذلك كما فعل في النداء؛ إذ لو أظهر الناصب لخفي معنى الإنشاء، وكونه خبرا مستأنف المعنى؛ فلما التزم الإضمار في النصب التزم أيضا في الرفع ليجري الوجهان على سنن واحد.
وإنما قيد النعت المقطوع بكونه لأحد الثلاثة تحرزا من النعت المقطوع لغير ذلك؛ فإنه يجوز إظهار المبتدأ وإضماره، وكذا إظهار الناصب وإضماره نحو مررت بزيد الخياط.
وقول المصنف في الشرح: بنعت مقطوع لتعين المنعوت بدونه، وقوله أيضا فهذا ونحوه من النعوت المقطوعة للاستغناء عنها لحصول التعيين بدونها - قد يوهم أن نحو: مررت بزيد الخياط داخل في ذلك إذا كان زيد معلوما، وليس كذلك؛ فإن مراده أنها مع كونها يحصل التعيين بدونها بكون للمدح أو للذم أو للترحّم وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب النعت إن شاء الله تعالى (١).
الموضع الثاني: المبتدأ المخبر عنه بمصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله كقول الشاعر:
٥٦٤ - فقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف (٢)
-
стр. 897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: أمري حنان.
ومنه قولهم: سمع وطاعة أي: أمري سمع وطاعة، والأصل في هذا النصب لأنه مصدر جيء به فالتزم إضمار
ناصبه لئلا يجتمع بدل ومبدل منه في غير إتباع، ثم حمل المرفوع على المنصوب في التزام إضمار الرافع الذي هو المبتدأ.
قال سيبويه (١): «وسمعت من يوثق بعربيّته يقال له: كيف أصبحت؟ فقال:
حمدا لله وثناء عليه» أي: أمري حمد الله، وأنشد قول الراجز:
٥٦٥ - شكا إليّ جملي طول السّرى ... صبر جميل فكلانا مبتلى (٢)
ثم قال سيبويه (٣) ﵀: «والّذي يرفع عليها حنان وصبر وما أشبه ذلك لا يستعمل إظهاره وترك إظهاره كترك إظهار ما ينصب به».
قال الشيخ: «وقد جاء إظهار هذا المبتدأ في الشّعر، أنشد ابن جنّي في الخصائص (٤) [١/ ٣٢٦]:
٥٦٦ - فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد (٥)
-
стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انتهى (١).
(ولقائل أن يقول: إن طاعة في هذا البيت لم يكن الرفع عن نصب؛ إذ لا يتعين أنه كان منصوبا على أنه مصدر ثم عدل به إلى الرفع، بل طاعة أتى به مرفوعا من أول الأمر، ومعنى أمرك طاعة أمرك مطاع، وإذا كان كذلك فليس هذا الذي في البيت مما نحن فيه) (٢).
الموضع الثالث: المبتدأ المخبر عنه بممدوح نعم وبمذموم بئس إذا جعلا خبري مبتدأين وهو أحد الأقوال وقد قيل إنه مبتدأ والخبر محذوف فعلى هذا تزاد مواضع حذف الخبر وتنقص مواضع حذف المبتدأ. وقد قيل إن الاسم المذكور مبتدأ والخبر الجملة التي قبله وهو الصحيح فعلى هذا لا حذف في المسألة.
الموضع الرابع: المبتدأ المخبر عنه بما يدل على القسم صريحا كقول العرب: في ذمتي لأفعلن يريدون: في ذمتي ميثاق أو عهد أو يمين، فاقتصروا على الخبر والتزموا حذف المبتدأ كما فعلوا عكس ذلك في قولهم: لعمرك لأفعلنّ، ذكر هذه المسألة أبو علي رحمه الله تعالى (٣).
ومن شواهد هذا الاستعمال قول الشاعر:
٥٦٧ - تساور سوّار إلى المجد والعلا ... وفي ذمّتي لئن فعلت ليفعلا (٤)
-
стр. 899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر الشيخ مواضع أخرى يجب فيها حذف المبتدأ (١).
منها: أن يذكر الشاعر منزلا أو منازل يتغزل بها، ثم يقول: دار فلانة أو ديار فلانة.
كما في قول الشاعر:
٥٦٨ - أتعرف رسم الدّار قفرا منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله
بتثليث أو نجران أو حيث تلتقي ... من النّجد في قيعان جأش مسايله
ثم قال:
٥٦٩ - ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله (٢)
أي هي ديار، أو تلك ديار.
وقال الآخر:
٥٧٠ - هل تعرف اليوم رسم الدّار والطّللا ... كما عرفت برسم الصّيقل الخللا
-
стр. 900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالقادسيّة نرعى اللهو والغزلا (١)
ومنها: ما انتصب توكيدا لنفسه نحو: صُنْعَ اللَّهِ (٢) ووَعْدَ اللَّهِ (٣) وكِتابَ اللَّهِ (٤). وصِبْغَةَ اللَّهِ (٥). هذا كله يجوز رفعه بإضمار مبتدأ لا يجوز إظهاره (٦).
ومنها: قولهم: «من أنت؟ زيد» أي مذكورك زيد حذفت المبتدأ وجوبا؛ لأنهم قالوا: من أنت؟ زيد بالنصب، أي تذكر زيدا فأضمروا في الرفع كما أضمروا في النصب (٧).
ومنها: قول العرب: لا سواء. حكاه سيبويه (٨) وتأوله على حذف المبتدأ تقديره: هذان لا سواء.
وقال سيبويه (٩): «إنما دخلت لا هنا لأنّها عاقبت ما بني عليه سواء، ألا ترى أنك لا تقول هذان لا سواء؟». والمبرد لا يمنع ظهوره. ويقدره بعضهم بعد لا أي: لا هما سواء.
وقال الصفار: «هذه اللّفظة تستعمل عند ما يسوّى بين شيئين أو أشياء، فيقول الرادّ: لا سوى أي: هما لا سواء؛ لكن لم يظهر فيه ما ارتفعت عليه سواء وعاقبته لا، فكما أنك لو قلت: هما سواء لم يلزم تكرار فكذلك ما عاقبه» (١٠).
ومنها: قولهم: لا سيّما زيد في من رفع زيدا التقدير: لا سيّ الذي هو زيد. -
стр. 901
[حكم قولهم: زيد والريح يباريها - وقولهم: راكب الناقة طليحان]
قال ابن مالك: (وإن ولي معطوفا على مبتدأ فعل لأحدهما واقع على الآخر صحّت المسألة، خلافا لمن منع، وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر).
ــ
فهذه خمسة مواضع [١/ ٣٢٧] غير ما ذكره المصنف، على أن أكثر هذه المسائل تأتي في كلام المصنف في أثناء الكتاب مفرقة، وإنما قصد الشيخ جمعها لتضبط.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان، والمناسب لذكرهما هنا أن الأمر يؤول في إحداهما إلى حذف خبر وفي الأخرى إلى حذف مبتدأ.
أما المسألة الأولى: فمثالها قولهم: زيد والريح يباريها، وفي هذه المسألة خلاف: فمن البصريين والكوفيين من لم يجزها، ومنهم من أجازها (١).
فأما المجيز من البصريين فحكم بحذف الخبر، وجعل التقدير: زيد والريح يجريان يباريها. فيجريان الخبر، ويباريها في موضع نصب على الحال، واستغني بها عن الخبر لدلالتها عليه، وأما المجيز من الكوفيين فلم يقدر خبرا محذوفا، وجعل يباريها الخبر حملا على معنى يتباريان لأنّ من باراك فقد باريته.
قال الشيخ: وقد أطلق المصنّف في قوله: وإن ولي معطوفا على مبتدأ، وقد قيّدوه بأن يكون العطف بالواو؛ فإن
كان بالفاء أو بثم لم يجز. قال أيضا: وقيّد المصنف بقوله: فعل لأحدهما، وقد جوّزوا ذلك في الفعل، وفي اسم الفاعل.
انتهى (٢).
قال المصنف (٣): واستدلّ أبو بكر بن الأنباري على صحّة هذا الاستعمال بقول الشّاعر: -
стр. 902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥٧١ - واعلم بأنّك والمنيّ ... ة شارب بعقارها (١)
قال الشيخ: «ولا حجّة فيه لأنّه لا يتعيّن أن تكون الواو للعطف؛ إذ يحتمل أن تكون واو مع، وتكون شارب خبرا لأنّ، كما تقول: إنّك مع هند محسن إليها». انتهى (٢).
ولا يظهر ما قاله؛ لأن من شرط صحة النصب على المعية تقدم فعل أو ما يشبه الفعل (٣)، وليست أن من العوامل التي تنصب المفعول معه.
وأما المسألة الثانية: فمثالها: قول العرب: راكب البعير طليحان (٤).
قال المصنف (٥): «قد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خبر؛ فيجيء الخبر مثنّى ومثّل بهذا المثال» قال: والأصل راكب البعير والبعير طليحان؛ فحذف المعطوف لوضوح المعنى». وإذا كان الأصل راكب البعير والبعير، ثم حذفنا المعطوف، فلا يتجه قول المصنف: وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر - إلا أن يجعل الضمير في مطابقهما عائدا على قوله المبتدأ، وعن معطوف؛ أي يطابق المعطوف عليه والمعطوف لكن يعكر على ذلك قوله في الشرح (٦): «قد يقصد اشتراك المتضايفين في خبر فيجيء الخبر مثنّى».
ونقل الشيخ عن صاحب البديع (٧) أنه قال: «التّقدير: راكب البعير أحد -
стр. 903
[المبتدأ والخبر من جهة التعريف والتنكير]
قال ابن مالك: (والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر وقد يعرفان وينكّران بشرط الفائدة).
ــ
طليحين؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون حذف المعطوف للعلم ومثله قول الشّاعر:
٥٧٢ - أقول له في النّصح بيني وبينه ... هل انت بنا في الحج مرتحلان (١)
[١/ ٣٢٨] قال ناظر الجيش: إنما كان الأصل في المبتدأ التعريف لوجهين:
أحدهما: أن الغرض بالكلام حصول الفائدة، والمبتدأ مخبر عنه، والإخبار عن معين لا يفيد.
الثاني: أن القصد من الكلام إعلام السامع ما يحتمل أن يجهله، والأمور العامة الكلية قل أن يجهلها واحد، وإنما تجهل الأمور الجزئية، فلو قلت: رجل منطلق لم يفد لأنه لا يحتمل جهله؛ لأن كل عاقل يعلم أن الدنيا لا تخلو من رجل منطلق.
وقد أورد على هذا مجيء الفاعل نكرة وهو مخبر عنه، قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ (٢)، وقال تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ (٣) وأجيب عنه بأن الفاعل كالجزء من فعله،
والفعل مختص بأحد الأزمنة، فيتخصص الفاعل بذلك كما يتخصص المبتدأ النكرة بالوصف. -
стр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما كان الأصل في الخبر التنكير؛ لأنه محكوم به على المبتدأ، وإذا كان المحكوم به معلوما انتفت الفائدة المطلوبة من الكلام.
وقال المصنف: «يلزم من كون المبتدأ معرفة في الأصل كون الخبر نكرة في الأصل؛ لأنه إذا كان معرفة مسبوقا بمعرفة توهّم كونهما موصوفا وصفة ومجيء الخبر نكرة يدفع ذلك التوهّم فكان أصلا، وأيضا فإن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من فاعله. والفعل يلزمه التنكير (١) فاستحق الخبر لشبهه أن يكون راجحا تنكيره على تعريفه». انتهى (٢).
ومقتضى ما قررناه امتناع مجيء المبتدأ نكرة ومجيء الخبر معرفة، لكن قد تتخصص النكرة العامة المراد بها العموم، فيجوز الابتداء بها حينئذ لحصول الفائدة، وقد يقصد الإخبار بحصول نسبة مجهولة بين معلومين، فيجوز أن يأتي الخبر معرفة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وقد يعرفان وينكّران
فمثال تعريفهما قوله تعالى: اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ (٣) ومثال تنكيرهما قوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ (٤).
ونبه بقوله: بشرط الفائدة على أنه إذا لم يحصل فائدة عند تنكير المبتدأ بأن يكون نكرة غير مخصصة، نحو رجل
قائم، أو عند تعريف الخبر بأن تكون النسبة التي بينه وبين المبتدأ معلومة امتنع فيهما ما ذكره.
стр. 905
[مواضع الابتداء بالنكرة]
قال ابن مالك: (وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون وصفا، أو موصوفا بظاهر أو مقدر، أو عاملا أو معطوفا أو معطوفا عليه، أو مقصودا به العموم أو الإبهام، أو تالي استفهام أو نفي أو لولا أو واو الحال أو فاء الجزاء أو ظرف مختصّ أو لاحق به، أو بأن يكون دعاء أو جوابا أو واجب التّصدير أو مقدّرا إيجابه بعد نفي).
قال ناظر الجيش: شرع المصنف في تعداد المواضع التي يفيد فيها الابتداء بالنكرة، وينبغي أن يعلم قبل ذلك: الضابط في جواز الابتداء بالنكرة ما هو؟ وقد اختلفت فيه عباراتهم.
فقال ابن السراج: «المعتبر حصول الفائدة، فمتى حصلت في الكلام جاز الابتداء بالنّكرة وجد شيء من الشّروط أو لم يوجد» (١) [١/ ٣٢٩].
وقال الجرجاني: يجوز الإخبار عن النكرة بكل أمر لا تشترك النّفوس في معرفته، نحو: رجل من بني تميم شاعر أو فارس». فالمجوز عنده شيء واحد وهو جهالة بعض النفوس (٢). -
стр. 906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال جمال الدين بن عمرون: «الضّابط في جواز الابتداء بالنّكرة قربها من المعرفة لا غير» وحصر قربها من المعرفة بأحد شيئين: «إما باختصاصها كالنّكرة الموصوفة، أو بكونها فى غاية العموم كقولنا: تمرة خير من جرادة».
وما ذكره ابن السراج أولى؛ لأنه أضبط وأعم، وهو الذي اعتبره سيبويه، فإنه لم يشترط في الابتداء بالنكرة إلا شيئا واحدا وهو حصول الفائدة (١).
قالوا: ويدخل على سيبويه إجازة مثل: رجل في الدار؛ لاستواء الفائدتين فيه، وفي قولنا: في الدار رجل، وهو جائز مع تقدم الظرف، فينبغي أن يجوز مع تأخره، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز، وأنه ليس بمسموع من كلام العرب.
وأجيب عن ذلك: بأنه إنما امتنع: رجل في الدار؛ لعروض اللبس الحاصل بتأخر الظرف أهو صفة أم خبر، وأنه ينبغي حمله على الصفة، لأن النكرة محتاجة إلى النعت؛ لشدة إيهامها بخلاف ما إذا تقدم الظرف.
ولا يرد على هذا التعليل نحو: زيد القائم، فيقال: هو يحتمل الصفة والخبر، فينبغي منعه؛ لأن النكرة أحوج من النعت إلى المعرفة؛ فلذلك كان اللبس إليها أسرع منه إلى المعرفة.
قال ابن عصفور (٢): وقد يجوز دخول امتناع: رجل في الدّار تحت عموم قول سيبويه إنه لا يخبر عن النكرة إلا حيث كان فيها فائدة؛ لأنه إذا أدّى إلى اللّبس -
стр. 907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صار غير مفيد؛ لأنه لا يعلم المراد به» انتهى.
وإذا تقرر ضابط المسألة بأمر كلي فلا حاجة إلى تعدد الأماكن؛ لأن الصور الجزئية لا تكاد تنحصر، ولكن المصنفين قصدوا ذكرها تنبيها على بيان حصول الفائدة وحرصا على التعليم، ثم منهم من اقتصر على بعض الأماكن، ومنهم من قصد الاستقصاء، وقد أنهاها بعض المتأخرين إلى اثنين وثلاثين موضعا، وأكثرها يدخل تحت المسوغات التي ذكرها المصنف.
ولنبدأ بالمواضع التي ذكرها المصنف، وهي ثمانية عشر موضعا، ثم نتبعها بعض المواضع الباقية التي لم تدخل تحت ضابط صاحب الكتاب.
الأول: كونها وصفا، كقول العرب: ضعيف عاذ بقرملة أي: إنسان ضعيف أو حيوان ضعيف التجأ إلى ضعيف، والقرملة: شجرة ضعيفة.
الثاني: كونها موصوفة إما بظاهر، نحو: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ (١).
وإما بمقدر نحو: السّمن منوان بدرهم أي: منوان منه بدرهم، فمنه في موضع الصفة للمنوين، وبدرهم الخبر عن منوان، والجملة خبر عن السمن.
وجعل المصنف (٢) من هذا قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٣).
قال: فالواو واو الحال، وطائفة مبتدأ خبره ما بعده، وجاز الابتداء بها لأنها موصوفة بمقدر، كأنه قيل: وطائفة من غيركم وهم المنافقون.
قال: ومنه أيضا قول الشاعر [١/ ٣٣٠]:
٥٧٣ - إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبا ... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني (٤)
-
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي يد منك تشج؛ فيد مبتدأ وخبره تشج، ومنك صفة مخصصة حذفت للعلم بها - ومنه أيضا قول الآخر:
٥٧٤ - وما برح الواشون حتّى وشوا بنا ... وحتّى قلوب عن قلوب صوادف (١)
أي قلوب منا عن قلوب منهم.
الثالث: كونها عاملة كقوله ﷺ : «أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة» (٢). ويدخل في هذا المضاف إلى نكرة نحو: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد» (٣).
الرابع: كونها معطوفة كقول الشاعر:
٥٧٥ - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي ... فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا (٤)
الخامس: كونها معطوفا عليها نحو قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ (٥) -
стр. 909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل، أو نحو ذلك، وهو أحد تقديري سيبويه (١).
ومنه قول الشاعر:
٥٧٦ - غراب وظبي أعضب القرن آذنا ... بصرم وصردان العشيّ يصيح (٢)
وجعل المصنف منه ذلك قول العرب: شهر ترى وشهر مرعى (٣).
وقول الشاعر:
٥٧٧ - فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسرّ (٤)
وما ذكره غير ظاهر؛ فإن الآية الكريمةو البيت المتقدم وجد في المعطوف مسوغ للابتداء به وهو الوصف، فصح
الابتداء بالمعطوف عليه لذلك. وأما شهر ثرى -
стр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشهر مرعى والبيت الذي أنشده فليس في المعطوف مسوغ يصحح ابتدائيته، بل المعطوف والمعطوف عليه سواء إلا أن يقول المصنف: مطلق العطف كاف، فيكون مسوغا ابتدائية المعطوف عليه والمعطوف. وهو بعيد في النظر وإنما المسوغ لهذين المثالين التفصيل كما سيأتي.
السادس: كونها مقصودا بها العموم، كقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه:
تمرة خير من جرادة، ومن قول بعض العرب: خبأة خير من يفعة سوء (١).
السابع: كونها مقصودا بها الإبهام، نحو: ما أحسن زيدا.
الثامن: كونها تالية استفهام نحو: أرجل في الدّار؟
التاسع: كونها تالية نفي نحو: ما رجل في الدّار.
العاشر: كونها تالية لولا نحو قول الشاعر:
٥٧٨ - لولا اصطبار لأودى كلّ ذي مقة ... حين استقلت مطاياهنّ للظّعن (٢)
الحادي عشر: كونها تالية واو الحال نحو قول الشاعر:
٥٧٩ - عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها ... علينا وتبريح من الوجد خانقه (٣)
-
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا دليل فيه، لأنه إن كان من الوجد في موضع الصفة، فهو مسوغ وإن لم يكن صفة فهو متعلق بالمصدر، فيكون المبتدأ عاملا، وذلك من جملة المسوغات كما تقدم. وإنما يستشهد لهذه الصورة بقول الآخر [١/ ٣٣١]:
٥٨٠ - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق (١)
الثاني عشر: كونها تالية فاء الجزء كقول العرب في مثل: «إن ذهب عير فعير في الرّباط» (٢).
الثالث عشر: كونها تالية ظرفا مختصّا نحو: أمامك رجل وعندك مال. وقيد بالاختصاص تنبيها على أنه إن كان غير مختص لم يجز نحو أماما رجل وعند رجل مال.
الرابع عشر: كونها تالية لاحقا بالظرف المختص، والمراد بذلك الجار والمجرور المختص نحو: لك مال (٣)، ومثله الجملة المشتملة على فائدة نحو: قصدك غلامه رجل. -
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال المصنف: لأن في تقديم هذه الجملة خبرا ما في تقديم الظرف من رفع توهم الوصفية مع عدم قبوله الابتدائية (١).
الخامس عشر: كونها دعاء، كقول الشاعر:
٥٨١ - لقد ألّب الواشون إلبا لبيضهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل (٢)
ومنه: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (٣).
وكذا: ويل لزيد، وأمت في الحجر لا فيك (٤)، وخير بين يديك (٥).
السادس عشر: كونها جوابا كقولك: درهم لمن قال لك: ما عندك؟ والتقدير:
درهم عندي. قال المصنف (٦): ولا يجوز أن يكون التقدير عندي درهم إلا على -
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال، والمقدم في السؤال هو المبتدأ فكان هو المقدم في الجواب، ولأن الأصل تقديم المبتدأ (١) فترك في مثل: عندي درهم لأن التأخير يوهم الوصفية، وذلك مأمون فيما هو جواب، فلم يعدل عن الأصل بلا سبب.
السابع عشر: كونها واجبة التصدير كقولك: من عندك؟ وكم درهما لك؟
فمن وكم نكرتان، وجاز الابتداء بهما لأنهما بمنزلة نكرة مسبوقة باستفهام لتضمنها معنى معرفة.
الثامن عشر: كونها مقدرا إيجابها بعد نفي كقولهم: شرّ أهرّ ذا ناب (٢) لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، وشيء ما جاء بك إن جعلنا ما زائدة. أما إن جعلنا صفة كقولهم: ائتني بدرهم ما، فلا تكون المسألة مما نحن فيه، ومنه قول الشاعر:
٥٨٢ - قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى ... وأبيّ ما لك ذو المجاز بدار (٣)
وقال الآخر:
٥٨٣ - قضاء رمى الأشقى بسهم شقائه ... وأغرى بسبل الخير كلّ سعيد (٤)
-
стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: ما أحلك ذا المجاز إلا قدر، وما رمى الأشقى إلا قضاء.
وسيبويه قدر المسألة كما قدرها المصنف، فقال: «إنما جاز أن يبتدأ به لأنّه في معنى ما جاء بك إلّا شيء» (١).
ونقل الشيخ عن بعضهم: أنه لا يقال: شيء ما جاء بك إلا لمن جاء في وقت ما جرت العادة بأن يجيء في مثله إلا لأمر مهم، وكذلك: شرّ أهر ذا ناب لا يقال إلا في وقت لا يهر الكلب فيه إلا لشيء جرت العادة بذلك، وإلا فالكلب يهر لغير الشر كثيرا (٢).
وقد انتهت المسوغات التي ذكرها المصنف، وبقي مما ذكره غيره مما لم يندرج تحت عبارة الكتاب مواضع منها: أن تفيد النكرة تعجبا نحو قول الشاعر:
٥٨٤ - عجب لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضيّة أعجب (٣)
ولو قال المصنف بدل قوله: مقصودا به الإبهام: مقصودا به التّعجّب - لاندرج ذلك فيه مع حصول مقصوده الذي أتى بلفظ الإبهام لأجله، وهي ما التعجبية.
ومنها: أن تكون في موضع تفصيل نحو: النّاس رجلان رجل أكرمته ورجل أهنته، وكقول امرئ القيس:
٥٨٥ - فأقبلت زحفا على الرّكبتين ... فثوب نسيت وثوب أجرّ (٤)
-
стр. 915
[إعراب قولهم: كم مالك؟ وقولهم: ما أنت وزيد ؟]
قال ابن مالك: (والمعرفة خبر النّكرة عند سيبويه في نحو: كم مالك واقصد رجلا خير منه أبوه).
ــ[١/ ٣٣٢] ومنها: أن تكون النكرة يراد بها واحد مخصوص، نحو ما حكي أنه لما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ قالت قريش: صبأ عمر فقال أبو جهل أو غيره: مه رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون؟
ونبه المصنف بقوله أولا: وحصولها يعني الفائدة، في الغالب على أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر، كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو سماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت وحصاة سبّحت.
وقد خرج الشيخ ذلك على أن المسوغ له التعجب، قال (١): «لأنّ النّاطق بذلك تعجّب من هذا الفارق العظيم». وقد تقدم أن التعجب من جملة المسوغات، وإن لم ينبه المصنف عليه.
قال ناظر الجيش: عكس سيبويه رحمه الله تعالى الأمر في هاتين المسألتين فجعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة، قال المصنف: «لأن وقوع ما بعد أسماء الاستفهام نكرة وجملة وظرفا أكثر من وقوعه معرفة، وعند وقوعه غير معرفة لا يكون إلّا خبرا نحو: من قائم ومن قام ومن عندك. فحكم على المعرفة بالخبرية ليجري الباب على سنن واحد، وليكون الاقل محمولا على الأكثر - قال: والكلام على أفعل التفضيل كالكلام على أسماء الاستفهام» انتهى (٢).
وقال الشيخ (٣): قال بعضهم: ما أنت وزيد. ما عند سيبويه مبتدأ وأنت الخبر -