. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهب الثالث:
وهو رأي المبرد (١) «أنّ الابتداء رفع المبتدأ بنفسه، ورفع الخبر بوساطة المبتدأ» ولم يذكر المصنف هذا المذهب في المتن.
قال المصنف: هو أمثل من قول من قال: الابتداء رفع المبتدأ والخبر معا، وهو أيضا مردود؛ لأنه قول يقتضي كون العامل معنى متقويا بلفظ. والمعروف كون العامل لفظا متقويا بلفظ كتقوي الفعل بواو المصاحبة، أو كون العامل لفظا متقويا بمعنى كتقوي المضاف بمعنى اللام أو بمعنى من. فالقول بأن الأبتداء عامل يتقوى بالمبتدأ لا نظير له فوجب رده.
وقد جعل بعضهم نظير ذلك إعمال أداة الشرط في الشرط بنفسها، وفي الجواب بواسطة فعل الشرط. وليس كما زعم لأن أداة الشرط وفعله لفظان، فإذا قوي أحدهما بالآخر لم يكن بدعا. وأما الابتداء والمبتدأ فمعنى ولفظ، فلو
قوي اللفظ بالمعنى لكان قريبا بخلاف ما يحاولونه من العكس؛ فإنه بعيد ولا نظير له.
المذهب الرابع:
«أنّهما مرفوعان بالتجرّد للإسناد. والمراد بالتجرّد تعريتهما عن العوامل اللفظيّة» وهو مذهب الجرمي والسيرافي وكثير من البصريين (٢).
قال المصنف: وهو مردود أيضا بما رد به قول من قال: هما مرفوعان بالابتداء وفيه رداءة زائدة من ثلاثة أوجه (٣):
أحدها: أنه جعل التجرد عاملا، وإنما هو شرط في صحة عمل الابتداء، والابتداء هو العامل عند سيبويه وغيره من المحققين.
والثاني: أنه جعل تجردهما واحدا؛ وليس كذلك؛ فإن تجرد المبتدأ لإسناد إليه أو لإسناده إلى ما يسدّ مسد مسند إليه، وتجرد الخبر إنما هو ليسند إلى المبتدأ؛ فبين التجردين بون فكيف يتّحدان؟ -
стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالث: أنه أطلق التجرد ولم يقيده؛ فلزم من ذلك ألا يكون مبتدأ ولا خبرا ما جر منهما بحرف جر زائد نحو: ما فيها من أحد و [نحو قول الشاعر] (١):
٥٣٧ - [يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... ألا] هل أخو عيش لذيذ بدائم (٢)
قال الشيخ (٣): «أما الوجه الأول من الثلاثة فيمكن أن ينعكس فيقال: التجرد والتعرية هو العامل والابتداء شرط في عمل التجرد».
وأما الوجه الثاني: فيقال في الجواب عنه:
«اتحد تجرد المبتدأ وتجرد الخبر من حيث الدلالة والاشتراك في القدر المشترك دون ما يخص كلّ واحد منهما، فليسا تجردين وإنما هما تجرد واحد».
وأما الوجه الثالث: فالجواب عنه: أنه قد تقرر أن العامل الزائد كلا عامل في باب الفاعل وفي باب المبتدأ وغيرهما،
فلا حاجة إلى التقييد.
قال (٤): وقد صحح ابن عصفور وبعض شيوخنا هذا المذهب، قالوا: وقد وجد التعري عاملا بشرط أن يكون المعرّى قد ركب من وجه ما حكى سيبويه (٥): «أنّهم يقولون: واحد واثنان وثلاثة [١/ ٣٠١] وأربعة إذا عدّوا ولم يقصدوا الإخبار -
стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأسماء العدد ولا عنها، فكذلك المبتدأ والخبر ارتفعا مع تركيب المبتدأ بالإخبار عنه وتركيب الخبر بالإخبار به».
وذهب ابن كيسان (١) إلى أن هذا المذهب يفسده كون ذلك مؤديا إلى أن يكون وجود العامل أضعف من عدمه إن قدرت التعرية عن عامل نصب أو خفض؛ لأن التعرية تعمل رفعا، ووجود العامل الذي قدرت التعرية عنه يعمل نصبا أو خفضا، وعامل الرفع أقوى من عامل النصب والخفض؛ إذ قد يعمل النصب والخفض معنى الفعل وليس كذلك الرفع، وإن قدرت التعرية عن عامل رفع كان وجود العامل وعدمه سواء، وإنما ينبغي أن يكون الشيء موجودا أقوى منه معدوما.
قال ابن عصفور: «وهذا باطل لأنّا لا نعني بالتعرّي أكثر من أنّ الاسم المبتدأ لا عامل له، وإنما كان يلزم ما ذكر لو
قدرنا أنه قد كان له عامل ثمّ حذف» (٢).
المذهب الخامس:
«أنّ المبتدأ ارتفع بالابتداء وارتفع الخبر بالابتداء والمبتدأ معا» وهو قول أبي إسحاق وأصحابه.
قال الشيخ (٣): «وقد نسب إلى أبي العبّاس» (٤) ورد بأنه يؤدي إلى منع تقديم الخبر؛ لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يكون العامل لفظا متصرفا.
المذهب السادس:
«أنّ المبتدأ رفع الخبر والخبر رفع المبتدأ» وهو المراد بقوله: ترافعا. وهو قول الكوفيين.
قال المصنف: «وهو مردود أيضا؛ لأنه لو كان الخبر رافعا للمبتدأ كما أن المبتدأ رافع للخبر لكان لكل منهما بالتقديم رتبة أصلية؛ لأن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله.
فكان لا يمتنع: صاحبها في الدار كما لا يمتنع: في داره زيد، وامتناع الأول -
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجواز الثاني دليل على أن التقدم لا أصلية للخبر فيه». انتهى (١).
وقد يقال: إنما كانت رتبة المبتدأ التقدم دون الخبر من جهة كونه محكوما عليه لا من جهة كونه عاملا، ويكون هذا نظير قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا (٢)؛ فكل منهما عمل في الآخر، ووجب تقديم أي من جهة أخرى غير كونها عاملة (٣).
وقال الشيخ - بعد نقل كلام بعضهم: فتلخّص عن الكوفيين مذهبان (٤):
أحدهما: أن المبتدأ رافع للخبر والخبر رافع المبتدأ مطلقا، وسواء كان في الخبر ذكر للمبتدأ أم لم يكن له ذكر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون له ذكر، فيكون المبتدأ مرفوعا بذلك الذكر، نحو: زيد ضربته - أو لا يكون فيكون مرفوعا بالخبر نحو: القائم زيد -.
قال (٥): والذي نختاره ونذهب إليه ويقتضيه النظر قول الكوفيين في أن كلّا منهما رافع الآخر (٦)، وذلك أن كلّا
منهما يقتضي الآخر فينبغي أن يكون عاملا فيه، ولأنه جار على القواعد؛ إذ أصل العمل إنما هو اللفظ ولم نجد إلا مبتدأ وخبرا ووجدناهما مرفوعين، وأمكن أن تنسب العمل لكل منهما في الآخر؛ إذ قد اختلفت جهتا الاقتضاء. كما وجدنا ذلك فيما هو متفق عليه أو كالمتفق عليه من اسم [١/ ٣٠٢] الشرط وفعله، وكان في ذلك بقاء على أن العامل لفظي دون غيره.
وطول الشيخ في ذلك، وأبطل ما رد به المذهب المذكور، فأضربت عنه خوف -
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإطالة (١) وهذه ستة مذاهب اشتمل عليها كلام المصنف في المتن والشرح.
وذكر ابن أبي الربيع (٢) مذهبا سابعا ونسبه إلى الكوفيين: وهو أنّ الابتداء عامل في المتقدم منهما والمقدّم عامل في المؤخّر؛ فإذا قلت: زيد قائم فالابتداء عامل في المبتدأ وهو زيد، وزيد عامل في قائم، وإذا قلت: قائم زيد، فالابتداء عامل في قائم وهو الخبر، والخبر عامل في زيد.
وذكر ابن عصفور مذهبا ثامنا:
وهو أن المبتدأ ارتفع لشبهه بالفاعل (٣)، ولا أعلم ما الرافع للخبر على هذا القول، والظاهر أنه المبتدأ.
стр. 846
[الوصف الرافع للاسم وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولا خبر للوصف المذكور لشدّة شبهه بالفعل؛ ولذا لا يصغّر ولا يوصف ولا يعرّف ولا يثنّى ولا يجمع إلّا على لغة (يتعاقبون فيكم ملائكة)، ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلّا بعد استفهام أو نفي؛ خلافا للأخفش، وأجري في ذلك: غير قائم ونحوه مجرى: ما قائم).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن أحد قسمي المبتدأ وصف يرفع ما يليه ويسد مرفوعه مسد خبره وإياه عنى الآن
بقوله: ولا خبر للوصف المذكور. وبين أن سبب استغنائه عن الخبر شدة شبهه بالفعل؛ لأن قولك: أضارب الزيدان بمنزلة أيضرب الزّيدان. فكما لا يفتقر أيضرب الزيدان إلى مزيد في تمام الجملة كذلك لا يفتقر ما هو بمنزلته، ولأن المطلوب من الخبر إنما هو تمام الفائدة بوجود مسند ومسند إليه، وذلك حاصل بالوصف المذكور ومرفوعه، فلم يحتج إلى خبر لا في اللفظ ولا في التقدير. ولذا خطئ من عد هذا مع المبتدآت المحذوفة الأخبار؛ لأن المبتدأ المحذوف الخبر لو قدرت له خبرا لم يلزم من تقديره ذكر ما لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ذلك.
قال الشيخ (١): «وكأنّ هذا التركيب - يعني أضارب الزيدان ونحوه - أخذ شبها من باب الفاعل من حيث إن فيه فاعلا مسكوتا عليه يتم الكلام به؛ ومن باب المبتدأ من حيث إنّ فيه اسما مرفوعا لم يتقدمه رافع لفظيّ؛ ولشدة شبه الوصف المذكور لم يجز تصغيره ولا وصفه ولا تعريفه ولا تثنيته ولا جمعه؛ لأن ذلك كلّه من خصائص الأسماء المحضة».
قال الشيخ (٢): وليس مختصّا بانتفاء هذه الأشياء عنه في هذا التركيب؛ بل اسم الفاعل واسم المفعول العاملان عمل الفعل حكمهما ذلك في هذا الباب وفي غيره؛ فلا يقال: أضويرب الزيدان، ولا أمضيريب العمران، ولا أضارب عاقل الزيدان، ولا آلقائم أخواك؟ (٣). -
стр. 847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعلم أن من قال من العرب: يفعلان الزيدان ويفعلون الزيدون قال هنا: أفاعلان الزيدان، وأفاعلون الزيدون، وكأن الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، وإلى هذا أشار بقوله: إلّا على لغة (يتعاقبون فيكم ملائكة) (١).
وقد أشير إلى هذه اللغة في باب الإعراب وسيأتي ذكرها مستوفى في باب الفاعل إن شاء الله تعالى (٢) [١/ ٣٠٣].
والحاصل: أن الوصف المذكور إما ألا يطابق ما بعده فيتعين جعله مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد خبره كما تقدم، وإما أن يطابق في غير الإفراد نحو:
أقائمان الزيدان وأقائمون الزيدون، فيجوز فيه ما جاز في القسم الأول، وذلك على اللغة التي أشار إليها المصنف.
ويجوز أن يكون الوصف خبرا مقدما وما بعده المبتدأ، وقول النبي ﷺ :
«أو مخرجيّ هم؟» (٣) محتمل للوجهين، وإما أن يطابق في الإفراد نحو: أقائم زيد؛ فيجوز في الوصف أن يكون
مبتدأ وما بعده مرفوع به، ويجوز أن يكون خبرا مقدما وما بعده المبتدأ والوجه الأول أرجح. -
стр. 848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلى آخره - يريد أن الوصف المشار إليه لا يحسن عند سيبويه الابتداء به على الوجه الذي تقرر إلا بعد استفهام أو نفي.
قال المصنف: وإن فعل به ذلك دون استفهام أو نفي قبح عنده دون منع. هذا مفهوم كلامه في باب الابتداء ولا معارض له في غيره، ومن زعم أن سيبويه لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهاما ولا نفيا فقد قوّله ما لم يقل.
وسرد الشيخ كلام سيبويه في باب الابتداء لينظر فيه فقال (١):
قال سيبويه في باب الابتداء (٢): «وزعم الخليل ﵀ أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد؛ وذلك إذا لم تجعل قائما مبنيّا مقدما على المبتدأ كما تؤخر وتقدم فتقول:
ضرب زيدا عمرو، وعمرو على ضرب مرتفع، وكان الحد أن يكون مقدما ويكون زيد مؤخرا، وكذلك هذا الحد فيه أن يكون الابتداء فيه مقدّما، وهذا عربيّ جيد، وكذلك قولك: تميميّ أنا، ومشنوء من يشنؤك، ورجل عبد الله وخزّ صفتك.
فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقوله: يقوم زيد وقام زيد - قبح لأنه؛ اسم وإنما حسن عندهم
أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف أو جرى على اسم قد عمل فيه، كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره، فتقول هذا ضارب زيد وأنا ضارب زيد؛ ولا يكون ضارب زيدا على ضربت زيدا وضربت عمرا (٣) فكما لم يجز هذا كذلك استقبحوا أن يجري مجرى الفعل المبتدأ، وليكون بين الفعل والاسم فصل وإن كان موافقا له في مواضع كثيرة، فقد يوافق الشيء الشيء ثم يخالفه؛ لأنه ليس مثله».
قال المصنف - بعد تقرير مذهب سيبويه -: (٤) وأما الأخفش فيرى ذلك حسنا، ويدل على صحة استعماله قول الشّاعر: -
стр. 849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥٣٨ - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبيّ إذا الطّير مرّت (١)
وقول الآخر:
٥٣٩ - فخير نحن عند النّاس منكم ... إذا الدّاعي المثوّب قال يا لا (٢)
فخير مبتدأ ونحن فاعل ولا يكون خير خبرا مقدما ونحن مبتدأ؛ لأنه يلزم من ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل ومن، وهما كمضاف ومضاف إليه فلا يقع بينهما مبتدأ كما لا يقع بين مضاف ومضاف إليه، وإذا جعل نحن مرتفعا بخير على الفاعلية لم يلزم ذلك؛ لأن فاعل الشيء كجزء منه.
قال الشيخ (٣): «وما استدل به المصنف لا حجة فيه. أما خبير بنو لهب [١/ ٣٠٤] فخبير خبر مقدم وبنو لهب مبتدأ، ولا يحتاج إلى المطابقة في الجمع؛ لأن خبيرا فعيل، ويصح أن يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع، ولا سيما ورود ذلك في الشعر، كما أخبروا بفعول، قال الله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ (٤). وقال بعض العرب:
٥٤٠ - [نصبن الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء] وهنّ صديق (٥)
-
стр. 850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما قوله (١): فخير نحن، فخير خبر مقدم ونحن مبتدأ، وعلى ما اخترناه من مذهب الكوفيين: أن الخبر هو رافع المبتدأ، فالمبتدأ معمول له كما أن من الداخلة على المفضل عليه متعلقة به. فلم يفصل بينهما بأجنبيّ، وليس أفعل ومن كمضاف ومضاف إليه؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز الفصل بينهما بالتمييز وبالفاعل وبالظرف وبالمجرور.
ولو سلمنا أن المبتدأ ليس معمولا للخبر لما ضرّ هذا الفصل لأنه وقع في الشّعر.
وأيضا قد خرّج ابن خروف قوله: نحن - على أنه تأكيد للضمير المستكن في قوله: فخير، وخير خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فنحن خير نحن كما تقول:
أنت قائم أنت» انتهى (٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى (٣): «والكوفيون كالأخفش في عدم اشتراط الاستفهام والنفي في الابتداء بالوصف المذكور، إلا أنهم يجعلونه مرفوعا بما بعده، وما بعده مرفوعا به على قاعدته ويوافقونه في التزام إفراده وتجرده من ضمير، ويجيزون أيضا إجراءه مجرى اسم جامد فيطابق ما بعده، ويجيزون أيضا جعله نعتا
معنويّا مطابقا للآخر في إفراده وتثنيته وجمعه، ولا بد حينئذ من كون النعت مطابقا ويسمونه خلفا» (٤).
وأطلق المصنف الاستفهام ولم يخص همزة ولا غيرها ليعلم أن أدوات الاستفهام متساوية في تصحيح الابتداء بالوصف المذكور على الوجه المذكور؛ فكما يقال:
أقائم الزيدان يقال: هل معتق العبدان، وما صانع العمران، ومن خاطب البكران، -
стр. 851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومتى ذاهب العمران، وأين جالس صاحبك، وكيف مصبح ابناك، وكم ماكث صديقاك، وأيّان قادم رفيقاك.
وكما أطلق الاستفهام أطلق النفي؛ ليتناول كل ناف يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك ما ولا وإن إلا (إن) ليس يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها ويرتفع به ما يليه فيسد مسد خبرها، كما يسد مسد خبر المبتدأ، وكذلك الحكم بعد ما إن جعلت حجازية ولم ينتقض النفي فإن جعلت تميمية أو انتقض النفي، فالوصف بعدها مبتدأ والمرفوع بعده ساد مسد خبر المبتدأ، مثال ذلك بعد ليس: ليس قائم الزيدان، وليس منطلق إلا العمران، ومثال ذلك بعد ما: ما ذاهب عبداك وما مقيم إلا أخواك.
قوله: وأجري غير قائم إلى آخره - إشارة إلى أنه إذا قصد النفي بغير مضافا إلى الوصف فيجعل غير مبتدأ ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح ويسد مسد خبر المبتدأ.
وعلى ذلك وجه ابن الشجري (١) قول الشاعر [١/ ٣٠٥]:
٥٤١ - غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهمّ والحزن (٢)
-
стр. 852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله قول الآخر:
٥٤٢ - غير لاه عداك فاطّرح الله ... وو لا تغترر بعارض سلم (١)
وعلى زمن في البيت الأول في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، وقد أغنى عن الخبر؛ لأن المعنى: ما مأسوف على زمن نحو: ما مضروب الزيدان.
ولابن جني في البيت المذكور حين سأله عنه عالي (٢) ولده - ارتباك وخرجه على حذف المبتدأ وإقامة صفته مقامه وإيقاع الظاهر موقع المضمر لحذف الظاهر المبتدأ، والتقدير: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه (٣).
ولابن الحاجب فيه كلام طويل وترديد، وخرجه على الوجه الذي ذكره ابن جني (٤).
стр. 853
[حذف الخبر جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]
قال ابن مالك: (ويحذف الخبر جوازا لقرينة، ووجوبا بعد لولا الامتناعيّة غالبا، وفي قسم صريح، وبعد واو المصاحبة الصّريحة، وقبل حال إن كان المبتدأ أو معموله مصدرا عاملا في مفسّر صاحبها أو مؤوّلا بذلك).
قال ناظر الجيش: قد يحذف المبتدأ والخبر إذا دل الدليل عليه، وقد تكلم المصنف على حذف كل منهما، وبدأ بالكلام على حذف الخبر، وحذفه قسمان:
جائز وواجب:
وضابط الجائز:
أن يدل على ذلك الخبر دليل دون أن يحل محل المحذوف غيره، فيسد مسده، ومن القرائن الدالة: الاستفهام عن المخبر عنه كقولك: زيد لمن قال: من عندك، أي زيد عندي، والعطف عليه نحو: زيد قائم وعمرو أي: وعمرو كذلك.
قال المصنف: ومن الحذف الجائز الحذف بعد إذا المفاجأة نحو: خرجت فإذا السّبع. والحذف بعد إذا قليل، ولذلك لم يرد في القرآن مبتدأ بعد إذا إلا وخبره ثابت، كقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (١)، فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ (٢)، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ (٣)، فَإِذا هُمْ قِيامٌ (٤).
قال الشيخ (٥): «ليس الخبر محذوفا في مثل: فإذا السبع، بل إذا ظرف مكان وهي الخبر، والتقدير: وبالحضرة السّبع أي: فبالمكان الذي أنا حاضر فيه السّبع. -
стр. 854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما قوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى إلى آخر ما ذكر مما جاء في القرآن العزيز فإنّما لم يحذف الخبر لكونه لا يدلّ على حذفه دليل ولم يمكن جعل إذا في الآيات خبرا؛ لأن المقصود الإخبار عن المبتدأ الّذي بعد إذا بأشياء لم تكن
معلومة للسّامع إلّا من ذكر الخبر، قال: وإنما بنى المصنف على ما اختاره هو من كون إذا الفجائية حرفا، فلا يصحّ أن يكون خبرا». انتهى.
وسيأتي الكلام على (إذا) المشار إليها في باب الظروف، لكن نشير إلى ذلك الآن ملخصا:
اعلم أنهم اختلفوا فيها: هل هي اسم أو حرف:
فمذهب الفراء وهو رأي المصنف ونسبه إلى الأخفش أنها حرف، وذهب غيرهم إلى أنها اسم، ثم اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها ظرف مكان.
قال الشيخ: «وهو ظاهر كلام سيبويه وهو الذي تلقّيناه من الشيوخ» (١).
وقيل: إنّها ظرف زمان، واختلف إذا كانت ظرفا: هل يلزم الإضافة [١/ ٣٠٦] إلى جملة أو لا.
وإذا تقرر هذا فلا يخلو إما أن يذكر بعدها مبتدأ فقط أو مبتدأ وخبر: فإن ذكر بعدها مبتدأ فقط وقلنا بأنها حرف أو اسم وتلزم الإضافة إلى جملة - لزم أن يكون الخبر محذوفا، والتقدير: فإذا السّبع حاضر أو موجود. وعلى القول بأنه لا يلزمها الإضافة إلى جملة إذا كانت اسما وقلنا: إنها ظرف مكان - كانت خبرا عما بعدها حدثا كان أو جثة، وإن قلنا: إنها ظرف زمان كانت خبرا عما بعدها إن كان حدثا نحو: خرجت فإذا القتال. وإلا فالخبر محذوف إن كانت جثة وهو العامل في إذا.
وإن ذكر بعدها مبتدأ وخبر فعلى القول بالحرفية ظاهر، وعلى القول بالاسمية هي معمول بالخبر، ويجوز حينئذ نصب الخبر المذكور وجعل إذا خبرا عن المبتدأ الذي بعدها حدثا كان أو جثة إن قلنا: إنها ظرف مكان وحدثا خاصة إن قلنا: إنها ظرف زمان.
وأما الحذف الواجب:
فضابطه أن يدل عليه دليل، ويسد غيره مسده، وهو محصور في أربعة مواضع: -
стр. 855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول:
خبر المبتدأ الواقع بعد لولا الامتناعية أي التي تدلّ على امتناع الشيء لوجود غيره، ولو ما أختها. قال المصنف (١): «وإنما وجب حذف الخبر بعد لولا؛ لأنه معلوم بمقتضى؛ لولا إذ هي دالة على امتناع لوجود (٢)، والمدلول
على امتناعه هو الجواب والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمت عمرا لم يشك في أنّ المراد أن وجود زيد منع من إكرام عمرو، فصحّ الحذف لتعين المحذوف، ووجب لسدّ الجواب مسدّه وحلوله محلّه» انتهى (٣).
واعلم أن الأكثرين أطلقوا القول بوجوب حذف الخبر في هذه الصورة، وأن بعضهم وتبعه المصنف فصل فقال (٤): قد يكون الحذف واجبا وقد يكون ممتنعا وقد يكون جائزا؛ وذلك لأن الوجود الذي امتنع له جواب لولا إما أن يكون كونا مطلقا، أو كونا مقيدا؛ وإذا كان مقيدا فقد لا يدل عليه دليل وقد يدل؛ ففي الصورة الأولى يجب الحذف نحو: لولا زيد سالمنا ما سلم، ولولا عمرو عندنا لهلك، ومنه قوله ﷺ : «لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسّست البيت على قواعد إبراهيم» (٥).
وفي الصورة الثالثة يجوز الإثبات والحذف، نحو: لولا أنصار زيد حموه لم ينج؛ فحموه خبر مفهوم المعنى فيجوز إثباته وحذفه.
ومن هذا القبيل قول المعري في صفة سيف:
٥٤٣ - [يذيب الرعب منه كلّ عضب] ... فلولا الغمد يمسكه لسالا (٦)
-
стр. 856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال المصنف - بعد تقرير هذا التفصيل - (١): وهذا الّذي ذهبت إليه هو مذهب الرمّاني والشّجري والشّلوبين (٢)، وغفل عنه أكثر النّاس، قال: ومن ذكر الخبر بعد لولا قول أبي عطاء السّندي (٣):
٥٤٤ - لولا أبوك ولولا قبله عمر ... ألقت إليك معدّ بالمقاليد (٤)
يعني أن الامتناع في البيت المذكور لوجود مقيد؛ فلهذا ذكر الخبر، ولم ينبه المصنف على مراده بقوله: غالبا.
وقال الشيخ (٥): سقط (غالبا) من بعض النّسخ وهو أجود؛ لأن الوجوب [١/ ٣٠٧] والغلبة لا يجتمعان؛ إذ الغلبة تقتضي الجواز وهو مناف للوجوب - أعني الجواز بمعنى: التّخيير. انتهى.
و (غالبا): ثابت في أكثر النسخ وفي الأصل الذي قرأت وصححته على نسخة الشيخ، ويشهد لصحته هنا قوله في الألفية:
وبعد لولا غالبا حذف الخبر ... حتم ...
-
стр. 857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فجمع بين غالبا وحتم أيضا. ويظهر أن (غالبا) يرجع إلى استعمال لولا لا إلى وجوب الحذف، وكأنه يقول: الغالب استعمالها دالة على امتناع لوجود مطلق؛ فإذا استعملت فيه وجب الحذف، وقد تستعمل على امتناع لوجود مقيد فيجيء من أقسامه أن يجوز حذفه، فيصدق أن الخبر يحذف في هذا الاستعمال، لكن الاستعمال المذكور غير غالب، لكن هذا التقرير لا يكاد عبارة المتن تساعد عليه؛ لأن ظاهرها يعطي أن (غالبا) من متعلقات يحذف، أي إنه يحذف في الغالب وقد لا يحذف، وهذا أعم من أن يستعمل لولا في الامتناع لوجود مطلق أو لوجود مقيد، وعلى الذي تقرر يكون (غالبا) من متعلقات استعمال لولا كأنه قال فغلب استعمالها في الامتناع لوجود مطلق. ولا يخفى ما فيه من التكلف، وتقدير ما لا دليل عليه (١).
وقال ابن أبي الربيع (٢) بعد أن تكلم على هذه المسألة بالنسبة إلى وجوب حذف الخبر:
«من الناس من قال: إن خبر هذا المبتدأ يظهر إذا كان غير ما ذكرنا ممّا لا يقتضيه الكلام فيقول: لولا زيد ضارب لأكرمتك، ولولا زيد متكلم لمشيت إليك؛ ولا يجوز حذف هذا لأنه ليس في الكلام ما يدلّ عليه لو حذف، وأكثر النحويين على أن هذا لا يقال، وإن خبر هذا المبتدأ لا يكون إلا من جنس ما يقتضيه الكلام، وإنّما يقول العرب إذا أرادت هذا المعنى: لولا ضرب زيد لأكرمتك. ولولا كلام زيد لمشيت إليك.
وأما قول علقمة (٣):
٥٤٥ - فو الله لولا فارس الجون منهم ... لأبوا خزايا والإياب حبيب (٤)
-
стр. 858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فليس (منهم) خبرا لفارس، وإنما هو متعلق بفارس ومن صلته والتقدير: فلولا هذا الذي عظم منهم حاضر أو موجود لآبوا خزايا.
وأما قوله ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: «لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأقمت البيت على قواعد إبراهيم» فحديث عهدهم بكفر جملة مستقلة (١) بنفسها، وعهدهم مبتدأ، وحديث خبر، وهي مقدمة من تأخير، والتقدير: لولا قومك لأقمت البيت على قواعد إبراهيم، ثم قال: عهدهم بالكفر حديث؛ كأن ذلك الكلام جواب لم يستفهم فيقول: ما بال هؤلاء القوم يمتنع من ذلك لأجلهم؟ فقيل له: عهدهم بالكفر حديث.
على أن هذه الرواية لم أرها من طريق صحيح، وإن ثبت فتوجيهها ما ذكرته.
والروايات المشهورة في ذلك: لولا حدثان قومك بالكفر، ولولا حداثة قومك بالكفر، ولولا حداثة عهد قومك، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية إلى غير ذلك». انتهى كلام ابن أبي الربيع [١/ ٣٠٨].
وإذا تقرر هذا انهدم التفصيل الذي نقله المصنف وقرره.
ويشكل قول المعري:
٥٤٦ - فلولا الغمد يمسكه لسالا
وقد خرجه بعضهم على أن (يمسكه) حال والخبر محذوف، ورد بأن الأخفش حكى عن العرب أنهم لا يأتون بعد الاسم الواقع بعد لولا بالحال كما لا يأتون بالخبر، قال (٢): لأن الخبر حال في المعنى.
وأنشد ابن عصفور (٣) قول الفريعة بنت همام (٤): -
стр. 859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥٤٧ - فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرّك من هذا السّرير جوانبه (١)
وقول الآخر:
٥٤٨ - فلولا سلامي عند ذاك وقوّتي ... لأبت وفي رأسيّ ماء زئير (٢)
ثم خرج البيت الأول على وجهين:
أحدهما: أن تكون تخشى عواقبه جملة اعتراض كأنه قال: لولا الله لحرّك، وبين بجملة الاعتراض السبب الّذي لأجله كان الامتناع من ذلك، وهو خشية عواقب الله .
والآخر: أن يكون تخشى عواقبه على إضمار أن وإبطال العمل عند إضمارها، ويكون تخشى عواقبه بدل اشتمال من (الله) تعالى، والتقدير: لولا الله خشية عواقبه.
قال: وخرّج أبو الفتح البيت الثّاني على أن يكون (عند) متعلّقا بسلاحي بما فيه من معنى الفعل؛ لأن السلاح يتقوّى به كأنه قال: لولا قواي عند ذلك. انتهى.
وسيأتي الكلام على بقية المذاهب في الاسم الواقع بعد لولا عند تعرض المصنف له. -
стр. 860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموضع الثاني:
خبر المبتدأ المقسم به بشرط كونه قسما صريحا نحو: لعمرك وايمن الله. وإنما وجب حذف خبره لأن فيه ما في خبر المبتدأ بعد لولا من كونه معلوما مع سد الجواب مسدّه. فلو كان المبتدأ في القسم صالحا لغير القسم نحو: عهد الله - لم يجب الحذف فجائز أن يقال: عهد الله لأفعلن فيحذف الخبر، وعهد الله قسمي لأفعلنّ فيذكر؛ لأن ذكر لعمرك وايمن الله مشعر بالقسم قبل ذكر المقسم عليه بخلاف عهد الله فإنه لا يشعر بالقسم حتى يذكر المقسم عليه ففرق بينهما وجعل أحدهما واجب الحذف والآخر جائزه، ولذلك قال: أو في قسم صريح.
الموضع الثالث:
الخبر الواقع بعد اسم مقرون بواو المصاحبة الصريحة، نحو: أنت ورأيك، وكلّ عمل وجزاؤه، وكلّ ثوب وقيمته، وكلّ رجل وضيعته (١) أي مقترنان ونحوه.
وشرط وجوب الحذف أن تكون الواو نصّا في قصد المصاحبة كما مثل، ولذلك قيدها المصنف بقوله: الصريحة، فلو كان الكلام مع الواو محتملا لقصد المصاحبة ولمطلق العطف لم يجب الحذف نحو قولك: زيد وعمر مقترنان، ولك أن تستغني عن الخبر اتكالا على أن السامع يفهم من اقتصارك عليهما معنى الاقتران والاصطحاب.
وذكر الأخفش في الأوسط له أن في مثل: كلّ رجل وضيعته - قولين للنحاة (٢):
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى تقدير خبر؛ إذ هو كلام تام لا يحتاج إلى زيادة، ومعناه: كل رجل مع ضيعته وأنت مع رأيك [١/ ٣٠٩] وإلى هذا ذهب ابن خروف، قال: لا يحتاج إلى حذف خبر لتمامه وصحّة معناه، وإن قدّر مقرونان فلبيان المعنى.
القول الثاني: أن الخبر محذوف كما تقدم وهو قول الجمهور.
قال المصنف (٣): «وإنما كان الحذف هنا واجبا؛ لأن الواو وما بعدها قاما مقام مع وما ينجرّ بها مع ظهور المعنى؛ فكما أنك لو جئت بمع موضع الواو ولم تحتج إلى -
стр. 861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مزيد عليها وعلى ما يليها في حصول الفائدة، كذلك لا يحتاج إليه في اللفظ مع الواو ومصحوبها» انتهى.
وينبغي أن يعلم أن وجوب الحذف هنا لم يدخل تحت الضابط المتقدم، وهو أن يسد غيره مسده؛ لأن الساد مسد الشيء يحل محل ذلك الشيء، ولا شك أن المذكور بعد الواو من تمام المبتدأ؛ إذ هو معطوف عليه والخبر مقدر بعده، فلم تكن الواو وما بعدها سدا مسده، وإنما هذا الكلام محمول على معناه. ولهذا قال المصنف (١):
لأن الواو وما بعدها قاما مقام مع وما ينجر بها مع ظهور المعنى.
وقدر ابن أبي الربيع (٢) - في مثل: كل رجل وضيعته - خبرين محذوفين، وجعل الكلام جملتين فقال: «التّقدير: كلّ رجل مع ضيعته وضيعته معه؛ فحذف من الأول ما دلّ الثّاني عليه ومن الثّاني ما دلّ الأول عليه» وهو خلاف الظاهر، ولا دليل عليه.
قال ابن أبي الربيع أيضا (٣): «ومما يجري في الاستغناء هذا المجرى: أنت أعلم وربّك، والتقدير: أنت أعلم بربّك وربّك أعلم بك» فجعل خبر المعطوف على المبتدأ محذوفا لدلالة خبر الأول عليه، وهو ظاهر، بخلاف ما قدره في: كل رجل وضيعته.
وأما أنت أعلم ومالك فنقل الشيخ (٤) عن أبي القاسم بن القاسم (٥) أنه لا يصح عطف مالك على أنت على حد: أنت أعلم وزيد؛ لأنك تضمر له خبرا كخبر المعطوف عليه، والمال لا يعلم، ولا على أعلم لأن المعطوف على الخبر خبر يصح -
стр. 862
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انفراده؛ ولو قلت: أنت مالك لم يصح، ولا على الضمير المستتر في أعلم لوجوه:
منها: أن استتاره غير مؤكد.
ومنها: أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إذا وليه، فكذلك إذا عطف على مضمر رفعه.
قال (١): «واذا استحالت هذه الأوجه كان معطوفا على أنت، لا على ذلك الوجه، بل هو بمنزلة شاة ودرهم، يعني إذا قلت: الشاة شاة ودرهم كان الشّاة مبتدأ، وشاة مبتدأ ودرهم خبره، والجملة خبر الأول».
قال الشيخ (٢): وذهب أبو بكر بن طاهر إلى أنه معطوف؛ لأن الأصل بمالك فوضعت الواو موضع الباء فعطفت على ما قبلها ورفعت ما بعدها في اللّفظ وهو بمعنى الباء متعلقة بأعلم. قال (٣):
وهذا أقرب لتفسير كلام سيبويه؛ لأنه قال في الواو: يعمل فيما بعدها المبتدأ (٤)؛ يريد أنك تعطفه على أعلم فيعمل فيه ما عمل في أعلم وهو المبتدأ.
وكما اختلفوا في: كل رجل وضيعته: هل يقدر فيه خبر أو لا، اختلفوا في قولهم: حسبك ينم النّاس؛ فذهب جماعة إلى أنه مبتدأ لا خبر له؛ لأن معناه اكفف؛ وهو اختيار أبي بكر بن طاهر (٥). وقيل: الخبر محذوف، التقدير:
حسبك السكوت ينم الناس، وهذا على قول من قال: «إنّ الحركة في حسبك حركة إعراب» وهو قول الجمهور.
وحكى أبو زرعة (٦) وهو أحد أصحاب المازني أن أبا عمرو بن العلاء قال: -
стр. 863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حسبك ينم النّاس مبنيّة على الضم؛ لأنّها اسم مسمّى بها الفعل مثل [١/ ٣١٠] رويد، والكاف حرف خطاب، وكان حسب معربا قبل ذلك (١).
الموضع الرابع:
الخبر الواقع قبل حال يكون المبتدأ المخبر عنه بذلك الخبر أو معمول المبتدأ مصدرا عاملا في مفسر صاحب الحال أو مؤولا بذلك نحو: ضربي زيدا قائما، وكل شربي السويق ملتوتا و «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد» (٢)؛ فهذه ثلاثة أمثلة اشتمل عليها كلام المصنف:
فالأول: مثال لما المبتدأ فيه مصدر عامل في المفسر المذكور.
والثاني: مثال لقوله: أو معموله؛ فإن المبتدأ فيه لفظ كل، والمصدر معمول له بالإضافة، وهو عامل في المفسر.
والثالث: مثال لقوله: أو مؤوّلا بذلك؛ يعني يكون المبتدأ مؤولا بالمصدر المذكور؛ فأن ما يكون مؤولا بالكون، وأقرب الكون كون، وأفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو بعضه.
ومثل كل شربي السويق ملتوتا: بعض ضربك زيدا بريئا، ومعظم كلامي معلما. ومثل أقرب ما يكون: أخطب ما يكون الأمير قائما.
وكمثله أيضا قول الشاعر:
٥٤٩ - خير اقترابي من المولى حليف رضا ... وشرّ بعدي عنه وهو غضبان (٣)
-
стр. 864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن خير الاقتراب اقتراب.
وتقدير ضربي زيدا قائما: ضربي زيدا إذا كان قائما، فالمبتدأ ضربي وخبره إذا، وكان تامة، وقائما حال من فاعلها وهو الضمير فهو صاحبها، وزيدا تفسيره، وهذا معنى قوله: عاملا في مفسّر صاحبها.
واحترز بذلك من مصدر لا يكون كذلك نحو: ضربي زيدا قائما شديد؛ فالمبتدأ فيه مصدر عامل في صاحب الحال وفيها، فلم يصلح أن يغني عن خبره؛ لأنها من صلته (١).
وكذلك لو جعلت عاملها كان مقدرا مضافا إليها إذا وعلقت المضاف بالمصدر - فإن الحال حينئذ لا يغني عن الخبر؛ لأنها معمولة لما أضيف إليه معمول المصدر؛ فالجميع من صلته، فلا يغني شيء منه عن الخبر (٢).
وتناول الاحتراز أيضا قولهم: حكمك مسمّطا (٣)؛ فإن المبتدأ فيه مصدر مستغنى عن خبره بحال استغناء شاذّا؛ لأن صاحب الحال ضمير عائد على المبتدأ الذي هو حكمك، بخلاف ضربي زيدا قائما؛ فإن صاحب الحال فيه فاعل كان المقدرة، وهو ضمير عائد على زيد، وزيد معمول المصدر المجعول مبتدأ، والتقدير:
حكمك لك مسمطا أي مثبتا، فصاحب الحال الضمير المستكن في لك، وهو عائد على المصدر؛ فالحذف في هذا ونحوه شاذ غير لازم، وفي نحو: ضربي زيدا قائما -
стр. 865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما تقدم معه من الأمثلة ملتزم.
وليس وجود المفعول في هذه المسألة شرطا، بل يجوز سد الحال مسد خبر المصدر مع كونه من فعل لازم كقولك: قيامك محسنا، وإحسانك قائما.
قال المصنف (١): «وهذا النّوع أيضا داخل تحت قولي: إذا كان المبتدأ عاملا في مفسّر صاحبها؛ فإنّ المضاف عامل فى المضاف إليه» انتهى.
والتقدير: قيامك إذا كنت محسنا، وإحسانك إذا كنت قائما؛ فصاحب الحال ضمير المخاطب المرفوع بكان، وهو غير محتاج إلى مفسر، ويقتضي عبارة المصنف أن الكاف المضاف إليها المصدر هي المفسرة، وليس كذلك؛ إلا أن يراد بالتفسير الدلالة على المحذوف فيستقيم [١/ ٣١١].
وقد ذكروا أن الحال في مثل: ضربي زيدا قائما - يجوز أن يكون للمتكلم وتقديره: ضربي زيدا إذا كنت قائما؛ فالحال من التاء، والمبتدأ مصدر عامل في الياء (٢) بالإضافة، وهي مفسر التاء التي هي صاحب الحال، أي تدل عليها كما قلنا في: قيامك محسنا (٣).
стр. 866
[مسألة ضربي زيدا قائما وبقية الحديث فيها]
قال ابن مالك: (والخبر الّذي سدّت مسدّه مصدر مضاف إلى صاحبها لا زمان مضافا إلى فعله؛ وفاقا للأخفش).
قال ناظر الجيش: فاعل سدت ضمير عائد على الحال التي أغنت عن الخبر في:
ضربي زيدا قائما ونحوه.
قال المصنف: والغرض من هذا الكلام ما هو أولى الوجوه في هذه المسألة، وينبغي أولا أن يعلم أن فيها ستة أوجه (١):
أحدها: أن يكون التقدير: ضربي زيدا إذا كان قائما، وهذا هو المشهور عند البصريين.
الثاني: أن يكون التقدير: ضربي زيدا ضربه قائما، وهذا مذهب الأخفش.
الثالث: أن يكون فاعل المصدر مغنيا عن الخبر، كما أغنى عنه فاعل الوصف نحو: أقائم الزيدان.
الرابع: أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف كما أغنى الظرف عنه.
الخامس: أن تكون الحال منصوبة بالمصدر، وقد حذفت الخبر حذفا لأجل الاستطالة كما حذف عند أبي علي الخبر في قولهم: أوّل ما أقول إنّي أحمد الله بالكسر، والتقدير عنده: أول ما أقول إني أحمد الله ثابت (٢)، وكذلك يكون التقدير في المسألة المشار اليها: ضربي زيدا قائما ثابت.
السادس: أن يكون ضربي فاعل ثبت مضمرا ويكون المسوغ لتقديره أولا كالمسوغ لتقدير ثابت آخرا.
وأجود هذه الأحوال الأول والثاني، إلا أن الثاني أقل حذفا مع صحة المعنى، إنه لم يحذف فيه إلا خبر مضافا إلى مفرد، والأول حذف فيه خبر، ثم نائب عن الخبر -
стр. 867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع فعل وفاعل؛ لأن الأصل فيه عند من يراه ضربي زيدا مستقر إذا كان قائما.
وأيضا فإن الثاني حذف فيه خبر عامل بقي معموله، ودلالة المعمول على عامله قوية، والوجه الأول بقي فيه بعد الحذف معمول عامل أضيف إليه نائب عن الخبر الأصلي الذي هو مستقر، فضعفت الدلالة لبعد الأصل وكثرة الوسايط.
وأيضا فإن الحاذف على الوجه الثاني أبين عذرا في الحذف؛ لأن المحذوف لفظه مماثل للفظ المبتدأ، فيستثقل لذلك ويقوى الباعث على الحذف، وليس في قول القائل ضربي زيدا ضربه قائما تعرض لكون زيد وقع به غير الضرب المقارن لقيامه أو لما يقع، بل تعرض به لما تعرض بقولك: ضربته قائما.
وأما الوجه الثالث من الخمسة، وهو أن يغني فاعل المصدر عن الخبر إغناء المرفوع بالوصف (١) - فضعفه بيّن لأنه لو صح لصح الاقتصار على المصدر والفاعل كما يصح الاقتصار على الوصف وفاعله، فكان يقال: ضربي، فيحسن السكوت عليه لأن فيه معنى ضربت، كما يحسن السكوت على أقائم الزيدان؛ لأن فيه معنى يقوم الزيدان؛ وفي امتناع ذلك وجواز هذا دليل على فساد القول بتساويهما (٢).
وأما الوجه الرابع [١/ ٣١٢] وهو أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف (فهو رأي ابن كيسان) (٣)، وهو غير صحيح أيضا؛ لأن الحال إذا أقيمت مقام الخبر لشبهها بالظرف، فإما ألا يقدر لها عامل أو يقدر: فإن لم يقدر لزم من ذلك استغناؤهما عما لا يستغني عنه الظرف، مع أنه أصل بالنسبة إليها، ولو جاز ذلك مع المصدر لجاز مع غيره، فكان يقال زيد قائما؛ لأنه بمعنى في حال قيام. وإن قدر لها عامل لم يكن ذلك العامل إلا مثل المقدر للظرف؛ فكما يقال في قولك: زيد في حال قيام تقديره: زيد مستقر في حال قيام - كان يقال في: ضربي زيدا قائما:
ضربي زيدا مستقر قائما فكان يلزم من ذلك الإخبار عن الضرب بما للضارب، وذلك محال (٤)، وما أفضى إلى المحال محال. -
стр. 868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما الوجه الخامس، فإنه وجه يلزم أبا علي القول به لأنه أجاز في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله بالكسر أن يكون (إني) محكيّا بالقول، فيكون من صلته ويكون خبر المبتدأ الذي هو أول ما أقول محذوفا كأنه قال: أول قولى هذا الكلام ثابت؛ فكما جاز أن يحذف الخبر هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمه تجويز حذف الخبر هنا وتقديره بمثل ما قدره هناك؛ لأن الحاجة إليهما سواء، والمخبر عنه في الصورتين مصدر؛ لأن أول القول قول، والصحيح في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله بالكسر أن يكون كلاما تامّا، فيجعل أول ما أقول مبتدأ تامّا، وإني أحمد الله خبرا عنه كأنه قال: مبتدأ كلامي هذا الكلام، ولا يصح أن يقدر ثابت خبرا؛ لأن ذلك يقتضي ثبوت أول هذا القول، وأول الشيء غير جميعه، فيكون الثابت أول حرف من الجملة إن نويت حروفها وأول كلمة منها إن نويت كلماتها وكلاهما ليس مقصودا فتعين كونه مردودا (١).
وأيضا فإن تقدير ثابت خبرا بعد إني أحمد الله، وبعد ضربي زيدا قائما وأمثالهما - تقدير ما لا دليل عليه؛ إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذف ما كان في حذفه كذلك ممنوع.
وفي رد هذا الوجه الخامس إشعار برد الوجه السادس؛ لأن مبناه على تقدير ما لا يتعين تقديره وتقدير ما عدم نظيره، فثبت بمجموع ما ذكرته أن أولى الأوجه الستة بالصواب ما ذهب إليه الأخفش ويليه الأول، وما سواهما ضعفه بيّن واطراحه متعين. انتهى كلام المصنف (٢).
وذكر سيدنا الشيخ بهاء الدين بن النحاس - عفا الله تعالى عنه - المذاهب المذكورة في هذه المسألة، وتكلم فيها مذهبا مذهبا، فأحببت ذكرها كما أوردها (٣)؛ لأن في كلامه فوائد لم يتضمنها كلام المصنف. -
стр. 869
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال (١): اختلف الناس في إعراب ضربي فقال بعضهم: هو مرتفع بأنه فاعل فعل مضمر تقديره: يقع ضربي زيدا قائما، أو ثبت ضربي زيدا قائما وقال بعضهم:
هو مبتدأ والقائلون بذلك [١/ ٣١٣] اختلفوا: هل يحتاج إلى خبر أو لا، فقال بعضهم: ليس ثمّ تقدير خبر؛ لأن المصدر هنا واقع موقع الفعل. كما في قولهم:
أقائم الزيدان، فقال الكسائي وهشام والفراء وابن كيسان (رحمهم الله تعالى) (٢):
إن الحال نفسها هي الخبر؛ لأنها سادة مسده على خلاف بينهم في ذلك.
قال الكسائي وهشام: إن الحال إذا وقعت خبرا للمصدر كان فيها ذكران مرفوعان (٣) أحدهما من صاحب الحال والآخر من المصدر، وإنما احتاجوا إلى ذلك لأن الحال لا بد لها من ضمير يعود على ذي الحال وهي خبر، والخبر عندهم لا بد فيه من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن المبتدأ عندهم إنما يرتفع بما عاد عليه في أحد مذهبي الكوفيين، وضربي هنا مبتدأ مرفوع فلا بد من رافع، فاحتاجوا إلى القول بتحمل قائم ضميره ليرفعه حتى إنهما قالا: يجوز أن يؤكد المضمرين اللذين في قائما، فتقول:
ضربي زيدا قائما نفسه نفسه، وقيامك مسرعا نفسك نفسه؛ فإن أكدت القيام أيضا مع المضمرين قلت: قيامك مسرعا نفسك نفسه نفسه، فتكرر النفس ثلاث مرات (٤).
وأما الفراء (٥) ومن أخذ بقوله: فزعموا أن الحال إذا وقعت خبرا للمصدر فلا ضمير فيها لجريانها على صاحبها في إفراده وتثنيته وجمعه وتعريها من ضمير المصدر إذا قيل: ركوبك إن بادرت، وقيامك إن أسرعت، وضربي زيدا إن قام، فكما أن الشرط لا ضمير فيه يعود إلى المصدر فكذلك الحال.
وجاز نصب قائما ومسرعا وما أشبههما على الحال عند الكسائي وهشام والفراء ومن أخذ بمذهبهم وإن كان خبرا لما لم يكن المبتدأ، ألا ترى أن المسرع هو المخاطب -
стр. 870
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا القيام، والقائم هو زيد أو أنا لا الضرب؟ فلما كان خلاف المبتدأ انتصب على الحال، لأن الخلاف عندهم يوجب النصب.
وأما ابن كيسان (١) فقال: إنما أغنت الحال عن الخبر لشبهها بالظرف، والذين قالوا بتقدير خبر اختلفوا في كيفية تقديره ومكانه، فذهب البصريون في المشهور عنهم والأخفش إلى تقديره مثل قائم، واختلفوا في كيفيته: فقال البصريون:
تقديره إذ كان إن أردت الماضي. وإذا كان إن أردت المستقبل. هذا إن جعلت ضمير كان عائدا على زيد، وقائما حال منه، وإن جعلت الضمير عائدا إلى ياء المتكلم وقائما حالا منه - كان تقديره: إذ كنت قائما إن أردت الماضي، وإذا كنت قائما إن أردت المستقبل.
وقال الأخفش: ضربي زيدا ضربه قائما. وقال بعض الناس: تقديره بعد قائما والتقدير: ضربي زيدا قائما ثابت أو موجود أو ما أشبه ذلك، وقائم عندهم حال من زيد، والعامل فيها ضربي، وحكى أبو محمد بن السيد (٢) أن هذا مذهب الكوفيين (٣)، وكذلك حكاه شيخنا جمال الدين بن عمرون (٤) عنهم.
قلت: وهذا المذهب هو الذي ذكره المصنف ﵀ إلزاما لأبي علي الفارسي ولم ينسبه لأحد. فهذه ستة مذاهب: ثلاثة والخبر محذوف واثنان وهو مبتدأ والخبر محذوف، وواحد وهو مرتفع بفعل.
أما من قال: هو مرتفع بفعل فيرد عليه [١/ ٣١٤] أنه تقدير ما لا دليل على تعينه؛ لأنه كما يجوز تقدير ثبت يجوز تقدير قل أو عدم، وما لا يتعين تقديره لا سبيل إلى إضماره مع أنه إذا دار الأمر بين الحذف من أول الكلام وآخره كان الحذف من آخره أولى؛ فإن أول الكلام موضع استجمام وراحة وآخره موضع تعب وطلب استراحة فبان فساد ذلك الوجه.
وأما الوجه الثاني: وهو عدم احتياجه إلى الخبر لوقوعه موقع الفعل فظاهر الفساد؛ لأنه لو وقع موقع الفعل لصح الاقتصار عليه مع فاعله، كما صح ذلك في: أقائم الزيدان، وحيث لم يصح أن يقال ضربي ويقتصر بطل ما ذكروه. -
стр. 871
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما قول الكسائي وهشام (١): فيبطله أن العامل الواحد لا يعمل في معمولين ظاهرين ليس أحدهما تابعا للآخر رفعا، فكذلك لا يعمل في مضمرين (٢).
وما ذهبا إليه من أن قولنا: زيد حيث عمرو حيث فيه رافعة لزيد وعمرو؛ لأن معناه زيد في مكان فيه عمرو. فقد نابت حيث مناب ظرفين هما في مكان وفيه في المعنى، فرفعت الاسمين اللذين كانا يرتفعان بهما - لا وجه له (٣)؛ لأن هذا شيء لا نظير له في كلام العرب. ولأنه يلزم أن يكون كذلك إذا قلت: زيد حيث جلس عمرو؛ إذ المعنى: زيد في مكان جلس فيه عمرو، ولو كان كذلك وجب أن تكون مرفوعة منصوبة؛ لأنها نابت مناب ظرفين أحدهما مرفوع والآخر منصوب، فتكون عمدة من جهة الرفع وفضلة من جهة النصب، وفي هذا ما فيه.
والصحيح أن الاسم بعد حيث مرفوع بالابتداء وخبره محذوف بدليل ظهوره إذا قلت: زيد حيث عمرو جالس؛ فلو رفعت حيث عمرو لبقي جالس لا إعراب له، ولأن حيث يلزم الإضافة إلى الجمل إلا ما جاء شاذّا من قول الشاعر:
٥٥٠ - [ونطعنهم تحت الحبى بعد ضربهم ... ببيض المواضي] حيث ليّ العمائم (٤)
وقوله: -
стр. 872
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥٥١ - أما ترى حيث سهيل طالعا ... [نجما يضيء كالشّهاب لامعا (١)]
فلو ارتفع الاسم بعد حيث بها لزم عروها عن الإضافة، وهذا أمر لا عهد لأحد بمثله في كلام العرب، وإذا انتفى أن يرفع الحال ضميرين انتفى كونها خبرا.
ومما يبطل أيضا كون الحال رافعة ضميرين أننا لو ثنينا فقلنا: ضربي أخويك قائمين لم يمكن أن يكون في قائمين هنا ضميران؛ لأنه لو كان لكان أحدهما مثنّى والآخر مفردا، وتثنية اسم الفاعل وإفراده إنما هو بحسب ما يرفع من الضمير، فكان يلزم أن يكون اسم الفاعل مفردا مثنّى في حال واحدة، هذا ما لا يمكن بوجه، فبان بطلان ما ذهب إليه الكسائي وهشام.
وأما قولهما بجواز تأكيد الضميرين، فشيء ذكروه قياسا لا سماع يعضده أصلا.
وأما قول الفراء (٢) رحمه الله تعالى: إن الحال لم تتحمل ضمير المبتدأ للزومها مذهب الشرط فالجواب عنه أن الشرط - بمفرده من غير جواب لا يصلح للخبرية؛ لأنه لا يفيد. وإذا كان كذلك تعين أن جواب الشرط محذوف فيكون الضمير محذوفا مع الجواب مع أن جميع ما ذكروه ادعاء، ولا دليل على شيء منها، فكيف يصار إليها؟
وأما تشبيه ابن كيسان (٣) رحمه الله تعالى الحال بالظرف فكأنه قال: ضربي زيدا في حال قيام - فليس بشيء؛ لأنه لو جاز ذلك [١/ ٣١٥] بهذا التقدير لجاز مع الجثة أن تقول: زيد قائما؛ لأنه بمعنى زيد في حال قيام، وحيث لم يجز ذلك دل على فساد ما ذكروه.
وأما قولهم: إنه منصوب على الخلاف: ففاسد أيضا؛ لأن الخلاف لو كان عاملا -
стр. 873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لعمل حيث وجد، ونحن نرى العرب تقول: ليس زيد قائما لكن قاعد وبل قاعد برفع قاعد على الجواز، وما زيد قائما لكن قاعد وبل قاعد على الوجوب مع كونه مخالفا لما قبله، فبان فساد ما ذكروه. وفساد النصب على الخلاف مذكور في موضعه من النحو بأحسن بيان، فلا حاجة إلى الإطالة فيه (١).
وأما المذهب المروي عن الكوفيين آخرا، وهو أن الخبر محذوف تقديره ثابت أو موجود - ففاسد أيضا (٢)؛ لأنه تقدير ما ليس في اللفظ دليل عليه كما تقدم؛ فإنه كما يقدر ثابت جاز أن يقدر أيضا منفي ومعدوم وما أشبه ذلك، ولأنه إذ ذاك يكون حذف الخبر جائزا لا واجبا؛ لأن قائما حينئذ يكون حالا من زيد، والعامل فيه المصدر، فلا تكون الحال سادة مسد الخبر، فلا يلزم حذفه، وإنما يجب حذف الخبر في مثل هذا إذا سدت الحال مسده؛ لأن الحال إذ ذاك عوض من الخبر بدليل أن العرب لا تجمع بينهما، ولا يحذف خبر هذه المصادر إلا مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر؛ لأن أصل الخبر التنكير كالحال، ولأن الحال هي صاحبها كما أن الخبر المفرد هو المبتدأ، والحال مقيدة كما أن الخبر كذلك، ففهم من عدم اجتماعهما قصر العوضية، ولا يتصور العوضية إلا على قول من قدم الخبر قبل الحال.
ولأنك إذا قدرت الخبر: ثابت أو موجود، وجعلت قائما حالا من زيد - فلا -
стр. 874
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يخلو إذ ذاك من أن يخبر المخاطب عن ضرب قد عهد منك إيقاعه بزيد في حال قيامه، أو عن ضرب لم يعهده منك في تلك الحال؛ فإذا أردت الأول لم يكن لإخبارك عنه بثابت أو مستقر فائدة؛ لأنه معلوم عند المخاطب وإن كان الثاني لم يكن في الكلام دليل على ذلك المحذوف؛ لجواز أن يكون التقدير: ضربي زيدا قائما غير ثابت.
ولأن في جعل قائما معمول ضربي حذف الخبر برمته كما ذكروا، وفي جعل قائما معمول الخبر حذف بعض الخبر. وحذف بعض الخبر أولى من حذف جميعه، فظهر فساد ما ذكروه.
وأما مذهب الأخفش (١) رحمه الله تعالى: فإنه إن جعل المصدر الثاني وهو ضربه مضافا إلى المفعول، وفاعله ضمير المتكلم محذوفا على ما تقرر - فإن المصدر يحذف فاعله إذا كان ضميرا، ولا يكون مستترا فيصير كأنه قال: ضربي زيدا أضربه قائما، فأما أن يفهم من نفس الخبر عين المفهوم من المبتدأ فلا يصح، وإما أن يفهم منه أن ضربه المطلق مثل ضربه قائما، وهو غير المعنى المفهوم، وإن جعل المصدر مضافا إلى فاعله صار المفهوم منه غير المطلوب من الكلام على ما سيبين معنى الكلام حين يبين في توجيه كلام سيبويه رحمه الله تعالى، فظهر أن الصحيح ما ذهب إليه سيبويه رحمه الله تعالى دون غيره (٢)، وذلك لما ذكرنا من أن اعتقاد الحال معمولة للخبر يجعل المحذوف [١/ ٣١٦] بعض الخبر، وهو أولى من حذف جميع الخبر.
وهنا نكتة لطيفة: وهو أن الاسم العامل ومعموله ينزل منزلة المضاف والمضاف إليه في باب النداء وباب لا، فكما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه كذلك يحذف العامل ويبقى معموله، إلا أنه لما كان الأكثر إذا حذف المضاف يعرب المضاف إليه بإعرابه ولا كذلك العامل والمعمول كثر حذف المضاف وقل حذف العامل، وهذا -
стр. 875
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن اشترك فيه مذهب سيبويه والأخفش فإن مذهب سيبويه ينفرد بما أذكره:
قال شيخنا جمال الدين (١) محمد بن عمرون رحمه الله تعالى: «والّذي يوضح المسألة أن معنى ضربي زيدا قائما: ما ضربت زيدا إلّا قائما، وهذا المعنى لا يستقيم إلا على مذهب سيبويه رحمه الله تعالى؛ لأنّ العامل يتقيد بمعموله، فإذا جعلت الحال من تمام المبتدأ يكون الإخبار بأن ضربي مقيّدا بالقيام واقع وذا لا ينفي أن يقع الضرب في حال القيام، وإذا جعل الحال من جملة الخبر يكون ضربي زيدا هذا الّذي لم يقيد بحال كائن. إذا كان قائما؛ فلو قدر وقوع ضرب في غير حال القيام يكون مناقضا للأخبار؛ إذ من الحال وقوع غير المقيد بالحال في زمان وتخلف شيء منه عن ذلك الزمان إذا أريد الحقيقة».
ثم قال رحمه الله تعالى (٢) - في مسألة: أكثر شربي السويق ملتوتا -: «وما أبطلنا به مذهب من يعتقد أنّ الحال من معمول المصدر يظهر في هذه المسألة أكثر؛ لأن ملتوتا لو جعل من تمام الشّرب يكون الإخبار حينئذ عن أكثر شرب سويق ملتوت أنه حاصل، وذلك لا ينفي أكثرية في غير حال اللّتّ».
والمراد من هذا الكلام أن الأكثرية تقع في حال اللت، ولو وقعت في غير حال اللت لا يكون في الإخبار كثير فائدة. انتهى كلام الشيخ بهاء الدين في نقل المذاهب المذكورة وتقريرها.
ثم قال الشيخ بهاء الدين أيضا: وفي هذه المسألة أمور لا بد من التعرض لها (٣).
منها: لم قدر الخبر ظرفا دون غيره؟ لأنا نقدر الخبر محذوفا، والحذف مجاز وتوسع، والظروف أجمل لذلك من غيرها.
ومنها: لم قدر ظرف الزمان دون ظرف المكان (٤)؟ إنما نابت الحال مناب الخبر الذي هو ظرف الزمان المحذوف للمشابهة التي بين ظرف الزمان والحال لفظا ومعنى، -
стр. 876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألا ترى أن كل واحد منهما منصوب على معنى في؟ فإنك إذا قلت: جاء زيد ضاحكا، فكأنك قلت: جاء زيد وقت ضحكه. ولذلك أكثر ما تجيء هذه الحال السادة مسد الخبر مفردة لا جملة؛ لأنها إذ ذاك تشبه الظرف.
إلا أن الجملة لما كانت بتقدير المفرد حملت في النيابة عن خبر المبتدأ على الحال المفردة، وذلك لأن الحال عوض منه كما ذكرنا. والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان؛ لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى كما أن الزمان توقيت للفعل، وذلك قدر سيبويه الحال بإذ في قوله تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (١) فقال: «إذ طائفة في هذه الحال» (٢).
ولأن المبتدأ هنا حدث، وظرف الزمان مختص بالإخبارية عن الحدث دون الجثة فهو أخص به من ظرف المكان (٣).
ومنها: لما قدرت إذ [١/ ٣١٧] وإذا دون غيرهما؟ قال شيخنا ﵀: ما ولي الظروف إن أردت الماضي إذ؛ لأنها تستغرق الماضي، وإن أردت المستقبل إذا لأنها تستغرق المستقبل أيضا (٤).
ومنها: لم قدر بعد الظرف فعل؟ ولم كان كان التامة دون غيرها؟ ولما لم يقدر نصب قائم على الخبر لكان؟
وذلك لأن الظرف لا بد له من فعل أو معناه؛ ليكون ظرفا له، والحال لا بد لها أيضا من عامل، والأصل في العمل الفعل، وقدرت كان تامة لتدل على الحدث المطلق الذي يدل الكلام عليه، ولم يعتقد في قائم الخبرية للزومه التنكير (٥).
قال رحمه الله تعالى (٦): ودخول واو الحال عليها على ما سيجيء يقوي جانب الحالية لا الخبرية، ولا يلتفت إلى قول من يجوز دخول الواو على أخبار كان -
стр. 877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأخواتها إذا كان الخبر جملة، والضمير في كان فاعلها وهو يعود إلى زيد.
ومنها: هل يجوز تقدم هذه الحال على المصدر؟
منع ذلك الكسائي والفراء وهشام (١) إن كانت الحال من ظاهر، كما منعوا في نحو: جاء زيد راكبا - أن تقول: راكبا جاء زيد، فتقدمها. وسبب ذلك أن مبنى الحال عندهم على الشرط، فبطل: راكبا جاء زيد من حيث لم يجز: إن تركب جاء زيد.
فإن كانت من مضمر جاز التقديم عند الكسائي وهشام. ومن أخذ بمذهبهما فلا يجوز تقديمها إذا لم تقع خبرا، ويجوز عندهم: مسرعا قيامك كما يجوز مسرعا قمت؛ لأن الحال لمكنيّ، ولا ينكر تقدم مضمر على مضمر كما ينكر تقدم مضمر على ظاهر.
وأبطل الفراء: مسرعا قيامك ومبادرا ركوبك، وأجاز: مسرعا قمت ومبادرا ركبت؛ لأن الحال المكني يجوز تقدمها إذا لم تكن رافعة، فإذا رفعت منعت التقدم والتوسط ولزمت التأخر عنده؛ لأنها عنده مبنية على الشرط، والشرط يقع آخرا لا أولا، فيقال: شكرتك إن أنصفت، ولا يقال: إن أنصفت شكرتك؛ لأن الشرط إنما يتلقى بالفاء أو إذا أو بالفعل، ولا يتلقى بالاسم المفرد.
واحتج الكسائي وهشام على جواز: مبادرا ركوبك، بأن الحال مبنية على الوقت من حيث كانت في معناه، والوقت يرفع متقدما ومتأخرا، فيقال: قيامك يوم الخميس، ويوم الخميس قيامك.
قلت: جميع ما ذكروه مبني على ما تقدم من أقوالهم، وقد تقدم إفسادها، ولا نقل عندي عن مذاهب البصريين في ذلك، بل مقتضى قولهم جواز تقديم الحال إن قدر الخبر متقدما على المصدر (٢)، ووجوب تأخيرها إن قدر الخبر مؤخرا؛ لأن العامل عندهم في الحال كان المقدرة، وهي مضاف إليها الظرف، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. -
стр. 878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن الدهان (١) في شرح الإيضاح: ولا يمتنع عندي في القياس: قائما ضربي زيدا؛ لأن خبر المبتدأ في هذه المسألة يتقدم على المبتدأ (٢).
ومنها: أنه لا يجوز أن يسد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ جثة؛ لأن الخبر المقدر لا يكون إلا ظرف زمان كما
تقدم، وظروف الزمان لا تكون أخبارا للجثة.
ومنها: هل يجوز لضمير المصدر أن يسد الحال مسد خبره؟
ذهب البصريون والكسائي إلى أن ضمير المصدر يجري مجراه في ذلك [١/ ٣١٨] نحو قولك: أكلي التفاحة هو نضيجة. فأكلى مبتدأ والتفاحة مفعوله وهو مبتدأ، و (هو) ضمير المصدر الذي هو أكلي، ونضيجة حال سدت مسد خبر المصدر، والضمير وخبره خبر المصدر الذي هو أكلي.
وزعم الفراء أن ضمير المصدر كالجثة نحو زيد وعمرو لا يرفعه إلا ما يرفع زيدا وعمرا عن وكأن الذي حمله على ذلك كون الحال عنده بمنزلة الشرط. والشرط إنما يخبر به المصدر لا عن ضميره، وذلك باطل، وقد تقدم تبيين بطلانه (٣). -
стр. 879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن عصفور (١): وسواء في ذلك المصدر وغيره مما لم يكن جثّة؛ إلّا أنّ مجيء ذلك في المصدر أكثر كما ذكرته.
ومما يدل على مجيئه في غير المصادر قول الشاعر:
٥٥٢ - خيال لأمّ السّلسبيل ودونه ... مسيرة شهر للبريد المذبذب (٢)
فخيال مبتدأ، ولأم السلسبيل صفة له. ولا يكون خبرا؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بها إلا وصفها بالمجرور، والجملة التي هي: ودونه مسيرة شهر سادة مسد خبره؛ وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسيمة، فجرى مجرى المصادر (٣).
ومنها: أنه لا يجوز أن تسد الحال مسد خبر أن الناصبة للفعل وإن كانت بتأويل المصدر، ووجهه أن الحال إنما تسد مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرا لأن والفعل، وإلى ما ذكرنا من المنع ذهب الكسائي والفراء وهشام، وعلّلوه بأنها لما عملت في ما بعدها أشبهت الأدوات وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر.
وفي هذا التعليل نظر: فإن المصدر عامل في ما بعده، فالصحيح ما ذكرناه من التعليل. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 880
[رفع الحال المنصوبة على الخبرية]
قال ابن مالك: (ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون - جائز، وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع).
قال ناظر الجيش: أي: ورفع الحال المذكورة، وأشار بذلك إلى ما أجازه الأخفش من رفع قائم على الخبرية من قولهم: أخطب ما يكون الأمير (١) قائما، وليعلم قبل تقدم مذهبه أنّا إذا قلنا: أخطب ما كان أو أخطب ما يكون، فما مصدرية، والتقدير:
كون الأمير، وفي إضافة أخطب إلى الكون نوع تجوز؛ لأن أفعل التفضيل لا تضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليست الخطابة بعض الكون، ثم منهم من قدر مضافا محذوفا أي: أخطب أوقات كون الأمير لا لينتفي المجاز؛ فإن الخطابة ليست بعض الأوقات أيضا، لكن لما كانت الخطابة لا تقع إلا في الأوقات سهل ذلك تأولها بها.
ومنهم من لم يقدر شيئا محذوفا، وجعل أخطب كونا كما تقدم، ويترتب على الرأيين بحث: وهو أن من قدر المضاف وجعل أخطب زمانا لإضافته إلى الأوقات المحذوفة وجوز وقوع إذا غير ظرف - لم يجعل إذا متعلقة بمحذوف كما في: ضربي زيدا قائما بل جعل نفس الظرف مرفوعا على الخبرية لا معمولا للخبر، ويكون قد أخبر بزمان عن زمان.
قال الشيخ بهاء الدين ﵀: ولا يستنكر خروج إذا من الظرفية ورفعها؛ فقد جاءت مجرورة في قول الشّاعر [١/ ٣١٩]:
٥٥٣ - وبعد غد يا لهف نفسي في غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح (٢)
-