← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[استكنان الضمير الرابط وبروزه] قال ابن مالك: (ويستكنّ الضّمير إن جرى متحمّله على صاحب معناه وإلّا برز، وقد يستكنّ إن أمن اللّبس وفاقا للكوفيّين). ــ في الوجه الأول، والتجوز إنما هو في المبتدأ الذي هو الرجل؛ لأنه أريد به معنى الأسد ولا شك أنه مجاز مرسل، ويظهر أن العلاقة فيه هي اللزوم (١) كما تقول في نحو: زيد صوم وزيد عدل عند قصد المبالغة. وأما الوجه الثالث: فالمبتدأ باق على حقيقته، والتجوز إنما هو في الخبر الذي هو أسد؛ لأنه أريد به الرجل الشجاع، ولا شك أن ذلك مجاز استعارة؛ لأن العلاقة بينه وبين الحقيقة إنما هي التشبيه، ولكن يظهر أن في ذلك إشكالا من جهة أن الاستعارة لا يذكر فيها الطرفان، إنما يذكر أحدهما، وها هنا قد ذكر المشبه به وهو أسد، فيجب ألا يذكر المشبه وهو الرجل المشار إليه بهذا، والظاهر أن التشبيه هنا ليس بين الرجل وأسد، إنما هو بين أسد وشجاع، فالشجاع هو المشبه وأسد المشبه به، وأصل التركيب: هذا شجاع، ثم شبه الشجاع بالأسد، فأوقع موقعه لقصد المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة عند أصحاب علم البيان. قال ناظر الجيش: الخبر المفرد (٢) الرافع ضميرا إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به [١/ ٣٤٧] دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن (٣). وإن جرى على غير صاحب معناه لزم إبرازه عند البصريين والكوفيين عند خوف اللبس كقولك: زيد عمرو ضاربه هو، والزيدان العمران ضاربهما هما، فهو فاعل مسند -

стр. 947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إليه ضاربه وهو عائد على زيد، والهاء عائدة على عمرو، وهما فاعل مسند إليه ضاربهما، وهو عائد على الزيدان. والمضاف إليه عائد على العمران. وأفرد ضارب المسند إليه المثنى؛ لأنه واقع موقع فعل مجرد مسند إلى فاعل بارز، فالإبراز في مثل هذا مجمع عليه لكون المعنى ملتبسا بدونه. فلو كان المراد صدور الضرب من المبتدأ الثاني ووقوعه على الأول - لاستكن الضمير بإجماع لعدم الحاجة إلى إبرازه، ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر: ٦١٠ - لكلّ إلفين بين بعد وصلهما ... والفرقدان حجاه مقتفيه هما (١) والتزم البصريون الإبراز مع أمن اللبس عند جريان رافع الضمير على غير صاحب معناه؛ ليجري الباب على سنن واحد، وخالفهم الكوفيون فلم يلتزموا الإبراز عند أمن اللبس، وبقولهم أقول (٢)؛ لورود ذلك في كلام العرب كقول الشاعر: ٦١١ - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت ... بكنه ذلك عدنان وقحطان (٣) فقومي مبتدأ، وذرا المجد: مبتدأ ثان، وبانوها خبر جار على ذرا المجد في اللفظ، وهو في المعنى لقومي، وقد استغنى باستكنان ضميره عن إبرازه لعدم اللبس. ومثله قول الشاعر أيضا: -

стр. 948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٦١٢ - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه ... لجديرة أن تصطفيه خليلا (١) ومثله قول الآخر: ٦١٣ - ترى أرباقهم متقلّديها ... إذا حمي الحديد على الكماة (٢) وتكلف بعض المتعصبين فقال: تقدير البيت الأول: قومي بانو ذرا المجد بانوها، وتقدير البيت الثاني: لأنت جديرة أن تصطفيه. وتقدير البيت الثالث: ترى أصحاب أرباقهم متقلديها. والصحيح حمل الأبيات على ظاهرها دون تكلف كما يتم المعنى بعدمه. والكلام على المشتق الواقع نعتا أو حالا كالكلام عليه إذا وقع خبرا. فمن التزم إبراز الضمير عموما مع الخبر الجاري على غير صاحب معناه التزمه مع النعت والحال الجاريين على غير ما هما له أمن اللبس أم لم يؤمن، ومن لم يلتزم الإبراز إلا عند خوف أمن اللبس لم يلتزمه في النعت والحال إلا عند خوف اللبس. ومن النعت الجاري على غير ما هو له دون إبراز ضمير - قراءة ابن أبي عبلة (٣): -

стр. 949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) بخفض غير (١). وإن كان الجاري على غير ما هو له من خبر ونعت وحال فعلا وأمن اللبس اغتفر ستر الضمير كقولك: الخبز زيد يأكله، فلو خيف اللبس وجب الإبراز كقولك: غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام. هذا بجملته كلام المصنف (٢) ثم هاهنا أمور ينبغي التعرض إليها [١/ ٣٤٨]: الأول (٣): المفهوم من قول المصنف: ويستكنّ الضّمير إن جرى على صاحب معناه أنه لا يجوز إبرازه، وكذا يعطيه قوله في الشرح: إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن. قال الشيخ (٤): «وليس الأمر كذلك، فقد أجاز سيبويه في نحو: مررت برجل مكرمك هو - أن يكون هو تأكيدا للضّمير المستكن في مكرمك، وأن يكون فاعلا بالصّفة. والفرق بين التقديرين يظهر في التثنية والجمع، فتقول: مررت برجلين مكرميك هما على التأكيد، وبرجلين مكرمك هما على الفاعلية». الأمر الثاني: إذا جرى متحمل الضمير على غير صاحب معناه، فليس من شرط الاسم الذي يعود عليه الضمير الذي هو الفاعل أن يكون مبتدأ كما سبق إلى الأذهان من التمثيل -

стр. 950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقولنا: زيد عمرو ضاربه هو، وهند زيد ضاربته هي، بل الشرط أن يكون الاسم العائد عليه الضمير الذي هو فاعل مذكورا في الجملة على أي وجه كان، فإذا قلت: غلام زيد ضاربه هو وكانت الهاء للغلام، وغلام هند ضاربته هي كان كقولك: زيد عمرو ضاربه، وهند زيد ضاربته هي سواء في الحكم، ويدل على ذلك التمثيل بقول الشاعر: ٦١٤ - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه ... ... البيت وبقول الآخر: ٦١٥ - أرباقهم متقلّديها ... ... وبقراءة ابن أبي عبلة (إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) وتمثيل المصنف (١) حين ذكر الإلباس في جريان الفاعل بقوله: غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام. الأمر الثالث: قد عرف من كلام المصنف أن الحكم في الفعل إذا جرى على غير من هو له كالحكم في الوصف سواء إن أمن اللبس اغتفر ستر الضمير، وإن خيف اللبس وجب الإبراز، لكن قال الشيخ (٢): «لو كان الخبر فعلا فلا نأتي بالضمير نحو زيد: هند يضربها، وهند بشر تضربه إلا على التأكيد لا على أن يكون فاعلا. هكذا أطلق معظم النحويين. ويعرض اللبس في الفعل كما يعرض في الصفة». ثم قال: «فإذا خيف اللبس في الفعل كرر الظاهر الذي هو الفاعل، فتقول: زيد عمرو يضربه زيد، فيضربه زيد في موضع خبر عمرو، والرابط له الضمير العائد عليه، وعمرو مبتدأ، وهو وخبره في موضع خبر زيد، والرابط له تكرار المبتدأ الذي هو زيد». الأمر الرابع: ذكروا أن العلة في إبراز الضمير مع الوصف هو أن الصفة إذا تحملت الضمير لم يكن له ما يبينه إلا جريان الصفة على من هي له من حيث أن الضمير يستتر فيها، فاحتيج إذا جرت على غير من هي له إلى إبرازه؛ إذ ليس له ما يبينه إذ ذاك إلا خروجه إلى اللفظ وظهوره، وإذا خرج إلى اللفظ لزم انفصاله؛ لأن الصفات -

стр. 951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يتصل بها ضمير الرفع البارز؛ إذ لم تستحكم استحكام الفعل في ذلك، فلما لزم إظهاره في حال جريانه على غير من هي له لزم انفصاله (١)، وليس الفعل كذلك؛ إذ لا يعدم مبينا له، إما جريانه على من هو له وإما ضمائر تتصل به [١/ ٣٤٩] بارزة نحو: قاما وقاموا، وإما علامات نحو: أقوم ونقوم ويقوم وتقوم، وهذا التعليل يقتضي قصر وجوب الإبراز على الوصف. وقال ابن أبي الربيع ما معناه (٢): إنّ حكم الضّمير في الصّفة مخالف لحكم الضّمير في الفعل، يعني أنه يبرز متّصلا بالأفعال، ولا يبرز متصلا بالصفات، وأنه قد يستتر في بعض الأفعال، ولا يبرز كما يستتر في الصفات. ثم قال: «فلمّا كانت الصفة إذا جرت على من هي له في المعنى يستتر فيها الضمير مطلقا، ولم تكن كالضّمير في الفعل في الكمون والظّهور واستتر في الصّفة في مواضع ظهر فيها في الفعل - جعلوها إذا جرت على غير من هي له يظهر ضميرها مطلقا؛ ليظهر فيها في مواضع كمن فيها في الفعل، كما استتر في مواضع ظهر فيها في الفعل فكأن هذا معاوضة». ثم نبه ابن أبي الربيع على أن هذا يعني إبراز الضمير إذا جرت الصفة على غير من هي له أنها تكون في الصفة التي ترفع الظاهر، قال: «ولا يكون هذا في اسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا بمعنى الماضي؛ لأنهما لا يرفعان الظّاهر، وذلك لأن الضمير المنفصل يتنزل منزلة الظاهر، فلا يرفعه إلّا ما يرفع الظّاهر، ومن ثم كان حكمه إذا رفع هذا المضمر حكمه إذا رفع الظاهر، فلا يثنّى ولا يجمع إذا أسند إلى مثنّى أو مجموع إلّا على لغة من قال: -

стр. 952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٦١٦ - [ولكن ديافيّ أبوه وأمّه ... بحوران] يعصرن السّليط أقاربه (١)» الأمر الخامس: قد عرفت أن مذهب البصريين وجوب إبراز الضمير المرفوع بالصفة الجارية على غير صاحب معناها سواء ألبس الأمر أم لم يلبس؛ لكنهم استثنوا من ذلك مسألة واحدة وهي قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين. فجميلين صفة جارية على رجل وليست له، بل للأبوين، ولم يبرز الضمير فيها فيقال: جميل هما، فأجروا الضمير الرابط هنا مجراه في الصفة الجارية على الموصوف فاستتر، وساغ ذلك وإن لم يعد على الموصوف من حيث كان عائدا على الأبوين المضافين إلى ضميره، فصار لذلك كأنه من جهة المعنى قد قال: مررت برجل حسن أبواه جميل أبواه (٢). الأمر السادس: استدل الكوفيون ومن وافقهم على جواز استتار الضمير عند أمن اللبس بأمور منها: ما تقدم ذكره في كلام المصنف وهو: ٦١٧ - قومي ذرا المجد بانوها ... ... ... و: ٦١٨ - إنّ الّذي لهواك آسف ... ... ... البيت و: ٦١٩ - ترى أرباقهم متقلّديها ... ... -

стр. 953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله تعالى في قراءة من قرأ: (إلى طعام غير ناظرين إناه) (١) بالجر. ومنه قول الشاعر أيضا: ٦٢٠ - وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أنّ المعان موفّق (٢) ومنها: ما حكى الفراء عن العرب: كلّ ذي عين ناظرة إليك (٣) ومنها قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤). فلم يبرز الضمير في شيء من ذلك، فيقال: قومي ذرا المجد بانوها (٥) هم، وإنّ الذي لهواك آسف رهطه لجديرة أنت [١/ ٣٥٠] وترى أرباقهم متقلديها هم و: (إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ)، و: لمحقوقة أنت، و: كل عين ناظرة هي إليك، -

стр. 954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و: فظلت أعناقهم لها خاضعين هم. وقد تأول البصريين ذلك كله بما فيه تكلف: فقالوا في الثلاثة الأولى ما تقدم ذكره في كلام المصنف. وقالوا في لمحقوقة: إنه ليس فيه ضمير وإن المرفوع فيه قوله: أن تستجيبي، وأنث على المعنى؛ التقدير: لمحقوقة استجابتك (١). وكذا ذكروا ذلك في لجديرة أيضا. ولا شك أن تقديره: لأنت محقوقة ولأنت جديرة أسهل من هذا. وقالوا في كل ذي عين ناظرة إليك: إن التقدير ألحاظ كل عين ناظرة إليك. وأما قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٢) فقالوا: ليس خاضعين حالا من الهاء فتكون الصفة جارية على غير من هي له، وإنما هو حال من الفاعل المستتر في المجرور. قيل على هذا فينبغي أن تكون خاضعة؟ فأجيب أن هذا محمول على المعنى، وعلى ما يصلح أن يقع في هذا الموضع مما معناه كمعناه. وكان الذي حمل عليه هذا كونه بمعنى: فظلوا لها خاضعين كما جاء: ٦٢١ - [فإمّا تري لمّتي بدّلت] ... فإنّ الحوادث أودى بها (٣) لأنه في معنى الحدثان، وقالوا: إن ذلك على إقحام الأعناق؛ لأنه يجوز: فظلوا لها خاضعين في معنى: فظلت أعناقهم لها خاضعين، وقالوا: يجوز أن يراد بالأعناق الجماعات، ولا يخفى وجه التكلف في هذه التأويلات، فالظاهر أن الصواب هو ما اختاره المصنف من قول الكوفيين.

стр. 955

[أنواع الخبر الجملة، وحكم بعض الجمل في وقوعها أخبارا] قال ابن مالك: (والجملة اسميّة وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبيّة خلافا لابن الأنباريّ وبعض الكوفيين، ولا قسميّة خلافا لثعلب، ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبيّة خلافا لابن السّرّاج). قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن الخبر المفرد شرع في الكلام على الخبر الواقع، جملة وتقسيمه الجملة إلى قسمين هو التقسيم الصحيح (١)، ومثال الجملة الاسمية؛ الله فضله عظيم، ومثال الفعلية: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ (٢) ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، والشرطية، والمصدرة باسم غير معمول للشرط، ويدخل في الفعلية الشرطية المصدرة بحرف أو باسم معمول للشرط. فمثال الإخبار بجملة مصدرة بحرف عامل في المبتدأ: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ (٣) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (٤). ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم غير معمول للشرط: الله من يطعه ينج. ومثال الإخبار بشرطية مصدرة بحرف: الله إن تسأله يعطك، ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم معمول للشرط: الله من يهد فلا مضلّ له. ومنع أبو بكر بن الأنباري وبعض الكوفيين (٥): الإخبار بجملة طلبية نظرا إلى أن الخبر حقه أن يكون محتملا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك. قال المصنف (٦): وهذا نظر واه لأن خبر المبتدأ لا خلاف أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق والكذب [١/ ٣٥١] فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بألا يشترط احتمالها الصدق والكذب؛ لأنها نائبة عما يحتملهما، وأيضا فإن وقوع الخبر مفردا طلبيّا نحو: كيف أنت - ثابت باتفاق، فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع، ومع ذلك فهو مسموع -

стр. 956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شائع في كلام العرب كقول رجل من طيئ: ٦٢٢ - قلب من عيل صبره كيف يسلو ... صاليا نار لوعة وغرام (١) انتهى. والشّبه التي تمسك بها ابن الأنباري ضعيفة من جهة أخرى، وهي أن الخبر لفظ مشترك فيه، فتارة يطلق ويراد به ما يقابل الإنشاء من الجمل المحتملة للصدق والكذب، ويطلق أيضا على الجزء المسند إلى مبتدأ مفردا كان أو جملة سواء كانت الجملة خبرية أو طلبية (٢). وكان ابن السراج يجنح إلى ما جنح إليه ابن الأنباري من التعليل، لكنه لما رأى ورود ذلك في الكلام جعل الخبر محذوفا، والجملة الطلبية معمولة لذلك المحذوف، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطّلبيّة؛ خلافا لابن السّرّاج (٣). فالتقدير في نحو: زيد اضربه عندهم: زيد مقول فيه: اضربه، أو زيد أقول لك: اضربه، ويضعف هذا التقدير أن المعنى يختلف بسببه، وذلك أنك إذا قلت: زيد اضربه فأنت آمر ومنشئ للاقتضاء، وإذا قلت: زيد مقول فيه: اضربه، أو أقول لك: اضربه فأنت مخبر، وإذا كان كذلك فكيف يقدر ما يؤدي إلى معنى غير المعنى المراد من الكلام أولا. -

стр. 957

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروي عن ثعلب منع الإخبار بجملة قسمية (١). قال المصنف (٢): «وهو أيضا منع ضعيف؛ إذ لا دليل عليه مع ورود الاستعمال بخلافه كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً (٣) وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (٤) وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٥) وقال الشاعر: ٦٢٣ - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين ... هو إذ أتاك فلات حين مناص (٦) ثم ها هنا أمر ينبه عليه (٧): وهو أنه قد علم أن أصل الخبر أن يكون مفردا، وأن الجملة إذا وقعت خبرا فهي واقعة موقع المفرد ومؤولة به، حتى إنهم ذكروا أنك إذا قلت: زيد ضربته أن الجملة ليست مسندة إلى زيد بالأصالة، وإنما وقعت موقع المسند إلى زيد، والأصل: زيد مضروب لي، وإذا قلت: عمرو أكرمته فالأصل عمرو مكرم، ثم وضع ضربته موضع مضروب، وأكرمته موضع مكرم، فلما وقعت الجملة موقع المسند إلى المبتدأ قيل: إنها مسندة إليه، وهذا كلام مقبول؛ لكنهم عللوا ذلك بأن الفعل في نحو: زيد ضربته مسند إلى ضمير المتكلم، وقد استقل بالإسناد إليه الكلام، وحصلت منه الإفادة، ومن شرط المسند والمسند إليه أن يكون كل واحد منهما لا يستقل بالإفادة، وإنما تحصل الإفادة من إسناد أحدهما إلى الآخر، نحو: زيد قائم وعمرو أخوك، قالوا: فعلى هذا ليس ضربته من زيد ضربته مسندا إلى زيد. وفيما ذكروه نظر: لأن إسناد ضرب إلى التاء لا يمنع إسناد الجملة إلى ما هي خبر -

стр. 958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [١/ ٣٥٢] عنه لاختلاف جهتي الإسناد، فالحق أن الجملة برمتها مسندة إلى ما وقعت خبرا عنه إسناد الخبر إلى مبتدأ به، نعم الموضع بالأصالة للمفرد، وهي واقعة موقعه ومؤولة به كما تقدم. وإذا تقرر أن الجملة إذا أخبر بها عن مبتدأ كانت واقعة موقع المفرد - فاعلم أنهم إنما ذكروا ذلك بالنسبة للجملة الخبرية - وأما الجملة الطلبية كالأمر والنهي وما جرى مجراهما، فقالوا: إنها شبيهة بما وقع موقع المفرد يعني بالجملة الخبرية، وقدروا ذلك بأنك إذا قلت: زيد اضربه وعمرو لا تكرمه، فالفعل إنما هو مسند إلى ضمير المخاطب، والهاء مبنية على الفعل (١) ومعمولته ومتصلة به، قالوا: وليس معك مسند إلى المبتدأ، ولا يقال: الجملة كلها مسندة إلى المبتدأ لما تقدم من أن شرط المسند والمسند إليه ألا يفيد أحدهما إلا بصاحبه، ولا يجد المنشئ كلاما من الإتيان بهما بدّا، وأنت إذا قلت: اضرب من غير أن تأتي بمبتدأ كان كلاما مستقلّا، قالوا: ولا يقال هنا ما قيل في زيد ضربته؛ لأن ضربته في موضع مضروب، وكذلك أنا أضرب في موضع أنا ضارب، وكذلك أنت أكرمتك معناه أنت مكرم، ولا تجد في زيد اضربه لفظا مفردا إذا وضع موضعه أعطى معناه. لكن قال ابن أبي الربيع: «الّذي يظهر لي في هذه المسألة (٢) أنّ زيدا من قولك: زيد اضربه جاء مجيء زيد ضربته؛ لأن الأصل في زيد ضربته: ضربت زيدا؛ لكنّك قدّمت زيدا وأضمرته؛ ليكون في ذلك توكيد بذكر زيد مرتين. وكذلك زيد اضربه، الأصل: اضرب زيدا، ثم قدموا زيدا، وشغلوا الفعل بضميره؛ ليكون زيد قد ذكر مرتين ظاهرا ومضمرا، فقد صار زيد في زيد اضربه بمنزلة زيد في زيد ضربته في أن كلّا منهما اسم تعرّى (٣) عن العوامل اللفظية ضمّ إليه بعده ما يكون الأول به كلاما مؤكدا؛ فلما صار مثله ارتفع ارتفاعه وأعرب إعرابه». قال: فجاء رفع زيد اضربه على هذا نائبا عن زيد ضربته، ولذلك ضعف الرّفع -

стр. 959

[روابط الخبر الجملة - جمل لا تحتاج إلى رابط] قال ابن مالك: (وإن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضها، أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد استغنت عن العائد، وإلّا فلا). ــ في زيد اضربه، وقوي النصب، عكس زيد ضربته يعني في باب الاشتغال؛ لأن المشبه لا يقوى قوة المشبه به. قال ناظر الجيش: لما كانت الجملة مفيدة (١) مستقلة بنفسها لزم أن يكون بينها وبين ما وقعت خبرا عنه ارتباط؛ ليعلم أنها خبر عن ذلك المبتدأ؛ إذ لو لم يكن ذلك وقلت: زيد قام عمرو لكان قام عمرو كلاما مستقلّا، ولم يعلم تعلقه بزيد ولا ارتباطه به. إذا عرف هذا فنقول: الجملة الواقعة خبرا إما أن تكون نفس المبتدأ فيكون ذلك كافيا في الربط، ولا يحتاج إلى شيء آخر، وإما ألا يكون كذلك فلا بد [١/ ٣٥٣] لها من رابط يربطها بالمبتدأ، والرابط إما ضمير يعود على المبتدأ، أو ما يقوم مقام الضمير، والذي يقوم مقام الضمير أحد ثلاثة أشياء: إما إعادة المبتدأ بلفظه، وإما إشارة مشار به إلى المبتدأ، وإما عموم في الخبر يدخل تحته المبتدأ. وقد اشتمل كلام المصنف على الأقسام كلها كما سأبينه، وأنا أذكر كلامه في الشرح أولا ثم أعود إلى البيان. قال رحمه الله تعالى (٢): «الجملة المتحدة بالمبتدأ معنى كلّ جملة مخبر بها عن مفرد يدل على جملة كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن والقصة، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٣)، وكقوله تعالى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (٤) ومن الإخبار بجملة عن مفرد اتحدت به معنى قول النبي ﷺ : «أفضل ما قلته أنا والنّبيون من قبلي (قول) لا إله إلّا الله (محمّد رسول الله) (٥)» (٦). -

стр. 960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (١) في قراءة من رفع: ولباس التقوى (٢) وكقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (٣) لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيحصل به ما كان يحصل بضميره مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء. ويكثر الاتحاد لفظا ومعنى تعظيما لأمر المحدث عنه أو المحدث به كقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٤) فإن لم تتحد بالمبتدأ معنى الجملة ولا بعضها لم تستغن عن ضمير، وإلى هذا أشرت بقولي: وإلّا فلا» انتهى (٥). فعنى بقوله: إن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي، ما الجملة فيه نفس المبتدأ هي، وبقوله: أو بعضها ثلاثة أشياء التي تقوم مقام الضمير: وهي إعادة المبتدأ بلفظه، واسم الإشارة، والعموم الذي يدخل تحته المبتدأ. ويدل على أنه أراد ذلك تمثيله بالثلاثة بعد قوله: والجملة المتّحدة بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها. وبقوله: وإلّا فلا يعني وإلا تتحد بالمبتدأ معنى هي ولا بعضها فلا يستغني عن عائد ما يلزم فيه ذكر الضمير، فكان كلامه مع اختصاره مفيدا بمنطوقه جميع الصور إفادة صريحة. غير أن في قوله في الشرح: لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا -

стр. 961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاة - بحثا وهو أن ظاهر هذا الكلام يقتضي ألا عموم في الخبر، وأن اللام في المصلحين للعهد؛ لأنه حكم بأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. والظاهر أن هذا منه - رحمه الله تعالى - تجوز في الكلام ويتعين أن يكون مراده ما ذكره غيره من العموم؛ لأننا لو جعلنا اللام في المصلحين للعهد لكان الربط بالمعنى، وسيبويه لا يجيزه، والمصنف تبع له في ذلك. وأما دخول إعادة المبتدأ بلفظه في كلامه فظاهر؛ لأنه يصدق عليه نحو: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (١) أن بعض الجملة متحد بالمبتدأ معنى، وازداد الاتحاد بالموافقة للمبتدأ في اللفظ أيضا. واعلم أن ابن عصفور (٢) ذكر في الذي يقوم مقام الضمير أمرا رابعا وهو: أن يقترن بالجملة جملة أخرى متضمنة لضمير عائد على المبتدأ معطوفة عليها بالفاء [١/ ٣٥٤] كقوله: ٦٢٤ - وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق (٣) -

стр. 962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن ثم استدرك الشيخ على المصنف ذلك، والظاهر أن الذي ذكره ابن عصفور مدخول؛ لأن الكلام إنما هو فيما يقوم مقام الضمير. ولا شك أن الرابط في البيت الذي أنشده ونحوه إنما هو الضمير لا شيء قائم مقامه؛ غاية الأمر أنه اكتفى في الجملتين بضمير واحد لتعاطفهما بالفاء، ثم إن هذا ليس أمرا يرجع إلى الخبر من حيث هو خبر، إنما يرجع إلى الفاء بدليل جريان مثل ذلك في بابي الصلة والصفة. وقد ذكر المصنف هذه المسألة في موضعها الحقيق بها، فقال في باب المعطوف عطف النسق (١): «وتنفرد الفاء بكذا وبكذا وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمّن جملتين من صلة أو صفة أو خبر». والذي فعله المصنف هو الحق. ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر مسألة أخرى مع المسائل التي يقوم فيها غير الضمير، وهي التي أشار إليها بقوله: أو قام بعضها مقام بعض مضاف إلى العائد وقد مثل كذلك بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ (٢). فقيل: التقدير يتربص أزواجهم. فأقيم ضمير الأزواج مقام الأزواج المضافة إلى ضمير الذين، فحصل الربط بهذا المضمر الواقع مكان المظهر الذي هو أزواج، وأزواج متصل بضمير المبتدأ. وهذا الذي ذكره المصنف في هذه الآية الشريفة هو رأي الأخفش والكسائي (٣) قيل: ولكنه خلاف ما عليه الجمهور. وحاصل الأمر في الآية الشريفة أقوال: أحدها: هذا القول، فاختاره المصنف. وأما بقية الأقوال (٤) فقيل: ثم مضاف محذوف معتدّ به. التقدير: ونساء الذين يتوفون -

стр. 963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منكم ويذرون أزواجا يتربصن، فيكون كالاعتداد بالمحذوف في قول حسان ﵁: ٦٢٥ - يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (١) يريد ماء بردى، وقيل: التقدير ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم (٢) ثم ابتدأ يتربصن لتفسير المتلوّ، وقيل: التقدير يتربصن بعدهم، وقيل: التقدير أزواجهم يتربصن. وإذ قد تلخص هذا الموضع وتبين معنى كلام المصنف، فأنا أورد ما أوردوه من ذكر الروابط المتفق عليها والمختلف فيها جملة كما أوردوه من غير تفسير، قالوا: الروابط المتفق عليها خمسة أشياء: ضمير المبتدأ، وتكرار المبتدأ بلفظه، وأكثر ما يكون ذلك في مواضع التهويل والتفخيم وإشارة إلى المبتدأ والعموم نحو: زيد نعم الرجل، وقول القائل: -

стр. 964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٦٢٦ - فأمّا القتال لا قتال لديكم ... ولكنّ سيرا في عراض المواكب (١) وقول الآخر: ٦٢٧ - ألا ليت شعري هل إلى أم معمر ... سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا (٢) -

стр. 965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعطف جملة بالفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية منها هي خبر المبتدأ نحو: ٦٢٨ - وإنسان عيني ... ... ... البيت ونحو: ٦٢٩ - إنّ الخليط أجدّ البين فانفرقا ... [وعلّق القلب من أسماء ما علقا] (١) في رواية من رفع البين. والروابط المختلف فيه أربعة وهي تكرار المبتدأ بمعناه لا بلفظه نحو: زيد جاء أبو بكر؛ إذ كان أبو بكر [١/ ٣٥٥] كنية لزيد، فهذا نص سيبويه على منعه، وأجاز ذلك الأخفش وتبعه ابن خروف (٢). وعطف جملة بالواو مكان الفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية من الضمير وقعت خبرا نحو: الخيل جاء زيد وركبها أجاز ذلك هشام ومنعه الجمهور (٣) ووقوع المضمر مكان مظهره الذي اتصل به الذكر العائد على المخبر عنه نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ (٤). -

стр. 966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد تقدم الكلام على هذه الآية الشريفة، وأن هذا القول هو قول الأخفش والكسائي، وأنه ربط بالمعنى والربط بالمعنى لا ينقاس، ولذلك لما قالت العرب: مررت برجل حسن أبواه جميلين، وربط الصفة التي هي جميلين بالموصوف الذي هو الرجل الضمير المستتر فيها، وهو عائد على الأبوين لا على الموصوف؛ لكون ذلك الضمير يفيد ما يفيده قولك: جميل أبواه - لم يجز النحويون قياسا عليه أن يقال: مررت برجل حسنين جميل أبواه على إعمال الصفة الثانية والإضمار في الصفة الأولى. وقيل: الضمير العائد على الأبوين من الصفة الأولى رابط للموصوف كما جعل في الصفة الثانية من قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين؛ لأن الربط بالمعنى إنما سمع عن العرب في الصفة الثانية لا في الأولى، فلم يتعد به موضع السماع. ولذلك أجاز سيبويه (١) أن تقول: مررت برجل عاقلة أمّه لبيبة على أن تجعل اللبيبة مضمر فيها الأم. ووقوع المضمر عائدا على المبتدأ مبدلا من بعض ما في الجملة الموضوعة موضع خبره مثاله: حسن الجارية أعجبتني هو، فحسن مبتدأ والجملة بعده خبر ولا رابط فيه، لكنه ربط بالبدل الذي هو هو (٢) إذ هو بدل من ضمير الجارية، وفي الربط بهذا خلاف مذكور في باب البدل (٣).

стр. 967

[حكم الضمير الرابط من جواز حذفه أو بقائه] قال ابن مالك: (وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو صفة، أو جرّ بحرف تبعيض أو ظرفيّة، أو بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيين). قال ناظر الجيش: حاصل ما تضمنه كلام المصنف أن الضمير العائد على المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا عنه - إما مرفوع أو منصوب أو مجرور. أما المرفوع: فلا يحذف أصلا، ويدل على ذلك أنه طوى ذكره، فيكون واجب الذكر على الأصل. أما المنصوب: فلا يجوز حذفه إن كان منصوبا بحرف. وإن كان منصوبا بفعل أو وصف جاز حذفه لكنه قليل. وأما المجرور: فإن كان بحرف جار جاز حذفه في ثلاثة مواضع، وإن كان بإضافة جاز إن كانت الإضافة لفظية (١). واعلم أن النحاة ذكروا أن حذف العائد من جملة الصلة كثير، ومن جملة الصفة قليل، ومن جملة الخبر أقل، وقد تعرض [١/ ٣٥٦] المصنف لذلك في باب النعت، فقال: «وحكم عائد المنعوت بها أي بالجملة حكم عائد الواقعة صلة أو خبرا؛ لكنّ الحذف من الخبر قليل، ومن الصّفة كثير، ومن الصّلة أكثر» انتهى (٢). وكأنهم جعلوا الصفة لقربها من الصلة بين المرتبتين، فكان الحذف من الصفة أكثر من الحذف من الخبر. واعلم أن ظاهر كلام المصنف في هذا الموضع مخالف لكلام غيره من المغاربة؛ فإنهم ذكروا أن المنصوب لا يحذف إلا في الشعر، وأن المجرور بالإضافة لا يحذف مطلقا، وأن المخفوض بحرف يجوز حذفه نحو: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، إلا أن -

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يؤدي الحذف إلى تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فلا يجوز نحو زيد مررت (١). وحاصل الأمر: أن الاتفاق بين المصنف وغيره واقع على جواز الحذف في نحو: السمن منوان بدرهم، والبرّ قفيزان بدرهم، وهو ما لم يكن فيه تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فهم قد نصوا على عدم جواز الحذف فيه إلّا في الشعر، والمصنف لم يقصد جواز الحذف على ذلك، بل أجازه في الكلام أيضا، ولكنه حكم بقلته حيث قال: وقد يحذف إن علم ونصب ... إلخ. والظاهر أن الحق في ذلك مع المصنف؛ لأن عمدته فيما أورده السماع الذي سنورده. وقد ذكر سيبويه (٢) أن الضمير لا يحذف من خبر المبتدأ إلا في الشعر أو في قليل (٣) من الكلام. وفسر الناس كلامه بأنه إنما أراد أن ذلك قليل حيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، فظهر بذلك أن الذي ذكره المصنف موافق لما ذكره سيبويه، وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وتمثيل المسائل. فمثال المنصوب بفعل قولك: زيد ضربت، وشاهده قول الراجز: ٦٣٠ - ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود (٤) -

стр. 969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي قتلتهن. وأما المنصوب بوصف فأنشد المصنف شاهدا عليه قول الراجز: ٦٣١ - غنيّ نفس العفاف المغني ... والخائف الإملاق لا يستغني (١) التقدير: العفاف المغنيه أي الذي يغنيه هو غنى نفس. فالعفاف مبتدأ والمغني مبتدأ ثان وخبره غني نفس، وفي المغني ضميران أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم الفاعل، والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، والمغني وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو، ومعنى هذا الكلام الذي يغنيه العفاف غني نفس. قال الشيخ (٢): «ويحتمل وجها آخر من الإعراب وهو أظهر وأقلّ تكلّفا»: وهو أن يكون غنيّ نفس مبتدأ، وسوغ الابتداء به وإن كان نكرة كونه متخصّصا بالإضافة، أو كونه نعتا لمنعوت أي إنسان غني نفس، والعفاف مبتدأ ثان، وخبره المغني وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن العفاف، والجملة من قوله: العفاف المغني في موضع خبر [١/ ٣٥٧] المبتدأ الذي هو غني -

стр. 970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نفس، والعائد من الجملة محذوف وهو الضّمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى غنيّ النّفس العفاف يغنيه». انتهى. وإنما حكم في الوجه الأول بأن المغني وصف جرى على غير من هو له؛ لأن أل فيه موصولة ومدلولها الذي يغنيه العفاف، فمدلولها المغني بالعفاف والواقع صلة له وهو مغني هو العفاف نفسه، فاختلفا. ومثال المجرور بحرف تبعيض قولهم: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، فمنوان مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف وهو منه، وبدرهم خبره، والجملة خبر عن السمن، والعائد هو منه المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن وهو حرف تبعيض. ومثال الظرفية قول الشاعر: ٦٣٢ - فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسرّ (١) أي: نساء فيه ونسر فيه. ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا قول الشاعر: ٦٣٣ - أصخ فالّذي توصي به أنت مفلح ... فلا تك إلّا في الفلاح منافسا (٢) أراد: أنت مفلح به، فحذف به لأنه مسبوق بمماثل لفظا ومعمولا، وهو نظير قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ (٣). -

стр. 971

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي نسارع لهم به. ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر: ٦٣٤ - سبل المعالي بنو الأعلين سالكة ... والإرث أجدر من يحظى به الولد (١) أي سالكتها وأنت سالكه، وكان القياس سالكون؛ لأن بني مؤنث نحو قالت بنو عامر. ثم إن المصنف أشار بقوله: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ - إلى قراءة ابن عامر وكل وعد الله الحسنى (٢) أي وعده (٣). وعلى ذلك قول أبي النجم: ٦٣٥ - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (٤) أي لم أصنعه. -

стр. 972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأشار بقوله: أو شبهه في العموم والافتقار يعني إلى متمم إلى نحو: أيّهم يسألني على جعل أي موصولة، وإلى نحو آمر بخير ولو كان صبيّا أطيع. وأشار بقوله: ويضعف إن كان غير ذلك إلى أن المبتدأ إذا كان غير كل وغير ما يشبهه في العموم والافتقار يضعف حذف عائده، فأفاد قوله أولا: وقد يحذف إلى أن الحذف قليل، وأفاد قوله هنا: بإجماع، ويضعف، أن القليل منه ما هو قوي وهو ما كان المبتدأ فيه كلّا، ومنه ما هو ضعيف، وهو ما كان المبتدأ فيه غير كل، فهذا الكلام الثاني تفصيل لما أجمل أوّلا. ثم قال: ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيّين أي جواز الحذف، بل يجوز في الكلام على مثله كما تقدم. قال المصنف (١): فلو كان المبتدأ غير كل والضمير مفعول به لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار ويرونه ضعيفا، ومنه قراءة السلمي (أفحكم الجاهلية يبغون) (٢) ومثل هذه القراءة قول الشاعر: ٦٣٦ - وخالد يحمد أصحابه ... بالحقّ لا يحمد بالباطل (٣) [١/ ٣٥٨] هكذا رواه ابن الأنباري برفع خالد وأصحابه. انتهى (٤). -

стр. 973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكر أن البصريين هم الذين يجيزون الحذف في الاختيار، وأن الكوفيين لا يجيزونه إلا في الاضطرار، وكلام ابن عصفور يقتضي عكس ذلك. وقد تقدم النقل عن سيبويه أنه يجيز الحذف في الشعر وفي قليل من الكلام. فالظاهر أن الذي ذكره المصنف من إجازة البصريين ذلك في الكلام هو النقل الصحيح، وفي تقييد المصنف جواز الحذف في قوله: إن علم فالظاهر أنه أراد بذلك أن يكون على حذفه دليل، فعلى هذا لو قيل: زيد ضربت في داره وأريد زيد ضربته في داره لم يجز؛ إذ لا دليل يدل على الضمير لو حذف؛ لأن الربط قد حصل بغيره فجاز ألا يكون هو موجودا في أصل التركيب، وقد ذكر ابن عصفور ذلك في شرح المقرب (١). ثم قد بقي الكلام في أمور: الأول: لما تكلم ابن أبي الربيع على حذف الضمير من جملة الخبر، وأن ذلك قليل إن أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، قال (٢): وعلى حسب قوة التهيؤ وضعفه يكون القبح، فإذا كان العامل متقدّما كان التهيؤ قويّا، فلا يجوز في الشعر ولا في غيره. وإذا كان العامل متأخّرا كان التهيؤ ضعيفا، فهذا يجوز في الشّعر وفي قليل من الكلام وذلك نحو: زيد ضربته، فإنك إذا حذفت الضمير فقلت: زيد ضربت كان الفعل متهيئا للعمل في زيد لعدم اشتغاله بالضمير وجواز عمل العامل فيه مؤخرا، فلم يجز إلّا في الشّعر وفي قليل من الكلام، وجاز لأنه وإن كان العامل ممّا يصح أن يعمل في الاسم، فقد ضعف عن عمله فيه بتأخّره عنه، وإن قلت: ضربته زيد لم يجز حذف الضمير بوجه لا في الشعر ولا في غيره؛ لأن العامل مقدم، فالذي جاز في زيد ضربت على ضعفه معدوم في ضربت زيد، ثم قال: -

стр. 974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن قلت: زيد إن أكرمت أكرمتك تريد إن أكرمته أكرمتك كان قبحه دون قبح زيد ضربت؛ لأنّه وإن أشبهه من جهة أن زيدا بعده فعل وفاعل هو متعلقه من جهة المعنى، لكنه لا يصحّ أن يعمل فيه العامل الذي بعد الفعل لأجل حرف الشّرط». الأمر الثاني: قد عرفت قول المصنف: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، وتمثيل ذلك بقراءة ابن عامر: وكل وعد الله الحسنى (١) وبما تقدم ذكره. لكن قال ابن عصفور بعد التمثيل بهذه الآية الشريفة: وحكمه بأنّ ذلك يحفظ ولا يقاس عليه (٢). وقوله: فإن جاء شيء منه في الشعر فضرورة، وإنشاده: وخالد يحمد أصحابه - هذا مذهب البصريين. وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه من الكوفيين أن حذفه جائز في الكلام إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلا أو كلّا، وإن أدى حذفه إلى التهيئة والقطع، فأجاز أن يقال: أيهم ضربت؟ برفع أي [١/ ٣٥٩] تريد: أيهم ضربته. ومما جاء من ذلك في كلا قوله: ٦٣٧ - أرجزا تطلب أم قريضا ... أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا (٣) -

стр. 975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد: أجده مستريضا. قال (١): «وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة؛ لأن اسم الاستفهام من أسماء الصّدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه فأشبه بذلك الموصول، ألا ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه؟». وكما جاز الحذف من الصلة جاز الحذف من الجملة الواقعة خبرا لاسم استفهام، وكذلك كل وكلا إذا أخبر عنهما يدخل في الكلام معنى ما، وما من أدوات الصدور، فإذا قلت: كل القوم ضربته فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكذا كلا الرجلين ضربته المعنى: ما من الرجلين إلا من ضربته. واستدل على أن الكلام يدخله معنى ما بقول الشاعر: ٦٣٨ - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتفاؤها (٢) -

стр. 976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإدخالهم إلّا على خبر كل دليل على أن المعنى ما منهم إلا من وجدته، فلما دخل الكلام معنى ما - وهي من الأدوات التي لا يتقدم ما بعدها عليها - أشبهت لذلك الموصول؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، فساغ حذف الضمير لذلك. ثم قال ابن عصفور: «والأصح مذهب البصريين، وفرق بين الصلة والخبر بأن الحذف منهما لا يؤدي إلى التهيئة والقطع؛ إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكلّ وكلا؛ لأن ما بعد هذه الأسماء يجوز أن يعمل فيها، وأيضا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال بذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست هذه الأسماء مع أخبارها كذلك». انتهى كلام ابن عصفور (١). وقد انتقد الشيخ على المصنف دعوى الإجماع في هذه المسألة، وقال كما قال ابن عصفور: إن هذا ليس مذهب البصريين (٢). والعجب من الشيخ؛ كيف وافق ابن عصفور على ما ذكر بعد ثبوت هذه القراءة المتواترة التي لا محيص عنها ولا بد من الاعتراف بها (٣) وليس بعد الحق إلا الضلال. ودعوى المصنف الإجماع في هذه المسألة لا ينكر؛ لأن هذه القراءة ثابتة بالإجماع، وليس لها محمل غير ما ذكره المصنف، فلا يمكن أن يدفع ذلك بصري ولا كوفي. وإذا كان كذلك فقد صدق أن الضمير حذف من الجملة الواقعة خبر كل بإجماع، يعني أن أحدا لا يسعه المخالفة في ذلك. أما كون ذلك قليلا أو غير قليل فشيء آخر لم يتعرض المصنف إليه، وكيف يجوز أن يقال: هذا مذهب قال به طائفة مع الثبوت الذي لا محيد عنه. الأمر الثالث: انتقد الشيخ كلام المصنف في المتن والشرح من وجوه: أحدها: ما تقدمت -

стр. 977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإشارة إليه، وقد عرفت ما فيه (١). ومنها: أنه قال: «إن المنصوب قد يحذف، قال (٢): وذلك لا يجوز عند البصريين إلّا في الشعر». قلت: وقد تقدم أن البصريين [١/ ٣٦٠] يجيزون ذلك في الكلام؛ لكنهم يحكمون بقلته، وتقدم النقل عن سيبويه بأنه يجيزه في قليل من الكلام (٣). ومنها: «أنه إذا جر العائد بحرف تبعيض فقد يحذف، قال: وليس كما ذكر إذ لا يجوز الحذف في نحو: الرغيف أكلت منه مع أنه حرف تبعيض لما يؤدي إليه الحذف من التهيئة والقطع» (٤). قلت: الحذف عند المصنف في نحو: زيد أكرمت - جائز وإن حكم بقلته، وقد تقدم أن سيبويه يجيزه أيضا، وتقدم قبل ذلك كلام ابن أبي الربيع وهو الصحيح. ولا شك أن في نحو: زيد أكرمت التهيئة والقطع، فكما جاز ذلك هنا جاز في: الرغيف أكلت إذا دل دليل على المحذوف. أما إذا لم يدل دليل فلا يجوز لما يؤدي إليه من اللبس، وذلك لتوهم أن يكون أصل الكلام: الرغيف أكلته، ثم حذفت الهاء المفعولة. ومنها: أنه إذا كان منجرّا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف، قال: وذلك لا يجوز عند أصحابنا (٥). -

стр. 978

[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك] قال ابن مالك: (ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ تامّ معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله ولا للمبتدأ ولا للمخالفة؛ خلافا لزاعمي ذلك، وما يعزى للظرف من خبريّة وعمل فالأصحّ كونه لعامله، وربّما اجتمعا لفظا). ــ قلت: قد استدل ابن مالك على جواز ذلك بما تقدم ذكره، ومن حفظ كلامه حجة على من لم يحفظ (١). قال ناظر الجيش: قد عرف أن الخبر قسمان (٢) وهذا هو المعمول عليه، وهو قول الجمهور؛ فعلى هذا لا يعد الظرف المخبر به قسما ثالثا، بل يحكم بأنه داخل في أحد القسمين: إما المفرد إن قدرت عامله اسما، وإما الجملة إن قدرت عامله فعلا. ونقل عن ابن السراج أنه يجعله قسما برأسه (٣) ليس من قبيل المفرد، ولا من قبيل الجملة. ولا يعلق الظرف بشيء محذوف، واستدل على ذلك بقول المعرب: إنّ أمامك بكرا وإنّ في الدّار زيدا، قال: فلو كان الظّرف بمنزلة مستقرّا واستقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لم يجز تقديم مستقر أو استقر عليه. -

стр. 979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد رد هذا الاستدلال بأن العامل في الظرف وشبهه لا يقدر متقدما عليهما، بل يقدر بعد الاسم. قالوا: ولذلك لم يجز في الدّار نفسه زيد، ولا فيها أجمعون قومك (١)؛ لأن التوكيد لا يقدم على المؤكد (٢). وجاز إن في الدار زيدا؛ لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة، إنما هو متعلق الخبر، والخبر مقدر في موضعه، ولذلك عدل سيبويه (٣) في نحو: ٦٣٩ - لميّة موحشا طلل ... [يلوح كأنّه خلل] (٤) -

стр. 980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى أن جعل موحشا حالا من النكرة، ولم يجعلها حالا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخر في النية وهو العامل في الحال وهو معنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي. هكذا قرروا هذا البحث في: لمية موحشا طلل، وهو حسن؛ إلا أنه ينخدش بشيء: وهو أن العمل هل ينسب إلى الظرف أو إلى [١/ ٣٦١] ما يتعلق به الظرف؟. إن قلنا: إن العمل لذلك المحذوف تم البحث المذكور، وإن قلنا: إن العمل صار ينسب إلى الظرف نفسه؛ فلا يتم لأن الحال لم يتقدم حينئذ على العامل المعنوي. واعلم أن النحاة يطلقون الظرف على الجار والمجرور؛ لأنه يجري مجرى الظرف في تعلقه بالاستقرار، وحكم مجروره حكم الظرف إن كان مكانا جاز أن يكون الجار والمجرور خبرا عن الجثة، وإن كان المجرور زمانا لم يقع خبرا إلا عن الحدث إلا ما استثني، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فلا جرم أننا نستغني بذكر الظرف عن الجار والمجرور. وإذ قد تقرر هذا فأنا أورد كلام المصنف برمته في شرح هذا الموضع أولا، ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث. قال رحمه الله تعالى (١): ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك منصوب بمخالفته، حكاه ابن كيسان والسيرافيّ (٢)، وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: -

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أن تخالف المتباينين في معنى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح. الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم يعمل فيها بإجماع نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، وهُمْ دَرَجاتٌ (١) فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها؛ لتحقق المخالفة فيها. الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص. هذا إذا كان العامل لفظا مع أنه أقوى من المعنى؛ فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه. الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم؛ فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق، فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون. وذهب ابن خروف (٢) إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت (٣): «فانتصبت لأنّها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها كما أنّ العلم إذا قلت: أنت الرّجل علما - عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدّرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما». ثم قال سيبويه: فالمكان هو خلفك. ثم أردفه بنظائر، وقال: «فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل في ما بعده نحو العشرين، وهو خير منك عملا، فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والّذي هو في موضع خبره، كما أنّك إذا قلت: عبد الله -

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخوك، فالآخر رفع الأول وعمل فيه، وبه استغنى الكلام وهو منفصل منه». هذا نصه (١) [١/ ٣٦٢] وهو يحتمل أربعة أوجه (٢): أحدها: كون الظّرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه لقوله: فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل، فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه، وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به. ولأن الحصول لو عمل في الظرف الصرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي (٣)، كالكيس والكوز، فكان يقال: المال الكيس والماء الكوز بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل؛ لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى فغيره بعدم العمل أولى. والوجه الثاني: كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبويه بقوله في الباب المذكور: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة؛ لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: زيد خلفك فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول فسيبويه بريء ممن عول عليه وجنح إليه؛ لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت: وعمل فيها ما قبلها. وهذه العبارة لا يصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرفية، والمخالفة بخلاف ذلك، فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين. والوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى (٤). ولو قصد ذلك سيبويه نصّا لم يعول عليه؛ لأنه يبطل من سبعة أوجه (٥): -

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أنه قول مخالف لأقوال البصريين والكوفيين مع عدم دليل فوجب اطّراحه. الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه. الثالث: من مبطلات قول ابن خروف أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه. الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثم لم يكن كلام نحو: زيد قام عمرو حتى يقال إليه أو نحو ذلك. الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عند تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر (١). السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك - نظير المصدر نحو: ما أنت إلا سيرا في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقا للنظير بالنظير. السابع: أن عامل [١/ ٣٦٣] النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلا فعلا أو شبهه، أو يشبه شبهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به (٢). الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه، وهو الصحيح: أنه ينتصب الظرف المذكور بمستقر أو استقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه؛ لأنه قال: قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله. فما قبلها: يحتمل أنه يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير، وهو مستقر أو استقر أو شبههما؛ إلا أن الاحتمال الأول -

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها. والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ؛ فإن ذلك أليق بالنظير وأوفق بالتقدير. وكذلك قوله: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ ويحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه، وهو الأولى لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السابقة. ويؤيد ذلك أيضا قوله: وهو غيره أي ما هو عامل في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين المبتدأ والظرف مقدرا وهو خبر المبتدأ وعامل في الظرف، وأنه غير المبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ والهاء من غيره إلى الظرف؛ لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف؛ فإن الحاجة داعية إليه، ويتأيد ذلك أيضا بقوله: وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو خير منك عملا؛ فإن في صار ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعلت نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عمل، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ، بل الخبر المقدر؛ لأن خيرا من قوله: خير عملا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظير الخبر أولى من جعله نظير المبتدأ. ثم قال: فصار زيد خلفك بمنزلة ذاك، أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر؛ لأنه يدل عليه ويجعله في الذهن مشارا إليه (١). ثم قال (٢): والعامل في خلف الّذي هو في موضعه أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين؛ فإنه الخبر في الحقيقة، والظرف في موضعه؛ لأنه عمدة والظرف فضلة. ثم قال: والّذي هو في موضع خبره يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق؛ فإن الظرف إذا علق بفعل، فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي وهو -

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف [١/ ٣٦٤] باسم فاعل وبفعل. ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو؛ حيث لا تصلح الجمعية كقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ * (١). ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية كقول الشاعر: ٦٤٠ - [قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم] ... ما بين ملجم مهره أو سافع (٢) ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أمور (٣): أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد كقول الشاعر: ٦٤١ - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن ... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (٤) ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه (٥) أشرت بقولي: وربّما اجتمعا لفظا. -
следующие страницы →