← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أن تخالف المتباينين في معنى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح. الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم يعمل فيها بإجماع نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، وهُمْ دَرَجاتٌ (١) فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها؛ لتحقق المخالفة فيها. الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص. هذا إذا كان العامل لفظا مع أنه أقوى من المعنى؛ فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه. الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم؛ فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق، فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون. وذهب ابن خروف (٢) إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت (٣): «فانتصبت لأنّها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها كما أنّ العلم إذا قلت: أنت الرّجل علما - عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدّرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما». ثم قال سيبويه: فالمكان هو خلفك. ثم أردفه بنظائر، وقال: «فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل في ما بعده نحو العشرين، وهو خير منك عملا، فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والّذي هو في موضع خبره، كما أنّك إذا قلت: عبد الله -

стр. 982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخوك، فالآخر رفع الأول وعمل فيه، وبه استغنى الكلام وهو منفصل منه». هذا نصه (١) [١/ ٣٦٢] وهو يحتمل أربعة أوجه (٢): أحدها: كون الظّرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه لقوله: فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل، فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه، وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به. ولأن الحصول لو عمل في الظرف الصرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي (٣)، كالكيس والكوز، فكان يقال: المال الكيس والماء الكوز بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل؛ لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى فغيره بعدم العمل أولى. والوجه الثاني: كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبويه بقوله في الباب المذكور: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة؛ لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: زيد خلفك فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول فسيبويه بريء ممن عول عليه وجنح إليه؛ لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت: وعمل فيها ما قبلها. وهذه العبارة لا يصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرفية، والمخالفة بخلاف ذلك، فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين. والوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى (٤). ولو قصد ذلك سيبويه نصّا لم يعول عليه؛ لأنه يبطل من سبعة أوجه (٥): -

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أنه قول مخالف لأقوال البصريين والكوفيين مع عدم دليل فوجب اطّراحه. الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه. الثالث: من مبطلات قول ابن خروف أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه. الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثم لم يكن كلام نحو: زيد قام عمرو حتى يقال إليه أو نحو ذلك. الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عند تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر (١). السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك - نظير المصدر نحو: ما أنت إلا سيرا في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقا للنظير بالنظير. السابع: أن عامل [١/ ٣٦٣] النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلا فعلا أو شبهه، أو يشبه شبهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به (٢). الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه، وهو الصحيح: أنه ينتصب الظرف المذكور بمستقر أو استقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه؛ لأنه قال: قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله. فما قبلها: يحتمل أنه يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير، وهو مستقر أو استقر أو شبههما؛ إلا أن الاحتمال الأول -

стр. 984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها. والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ؛ فإن ذلك أليق بالنظير وأوفق بالتقدير. وكذلك قوله: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ ويحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه، وهو الأولى لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السابقة. ويؤيد ذلك أيضا قوله: وهو غيره أي ما هو عامل في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين المبتدأ والظرف مقدرا وهو خبر المبتدأ وعامل في الظرف، وأنه غير المبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ والهاء من غيره إلى الظرف؛ لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف؛ فإن الحاجة داعية إليه، ويتأيد ذلك أيضا بقوله: وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو خير منك عملا؛ فإن في صار ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعلت نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عمل، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ، بل الخبر المقدر؛ لأن خيرا من قوله: خير عملا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظير الخبر أولى من جعله نظير المبتدأ. ثم قال: فصار زيد خلفك بمنزلة ذاك، أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر؛ لأنه يدل عليه ويجعله في الذهن مشارا إليه (١). ثم قال (٢): والعامل في خلف الّذي هو في موضعه أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين؛ فإنه الخبر في الحقيقة، والظرف في موضعه؛ لأنه عمدة والظرف فضلة. ثم قال: والّذي هو في موضع خبره يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق؛ فإن الظرف إذا علق بفعل، فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي وهو -

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف [١/ ٣٦٤] باسم فاعل وبفعل. ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو؛ حيث لا تصلح الجمعية كقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ * (١). ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية كقول الشاعر: ٦٤٠ - [قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم] ... ما بين ملجم مهره أو سافع (٢) ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أمور (٣): أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد كقول الشاعر: ٦٤١ - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن ... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (٤) ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه (٥) أشرت بقولي: وربّما اجتمعا لفظا. -

стр. 986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقدير، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني. الثالث: أن كل موضع يقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل نحو: أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد؛ لأن أما وإذا المفاجئة لا يليهما فعل. الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل وقد أمكن، فلا عدول عنه. فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: معمولا في الأجود لاسم فاعل كون مطلق؛ وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء. وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة (١). ورجح بعضهم تقدير الفعل (٢) بأنه متعين في وصل الموصول، وهذا ليس بشيء؛ لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني عنه المفرد؛ بل إذا وقع فيه مفرد تؤول بجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تؤولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر. ونبهت بقولي: لاسم فاعل كون مطلق على أن اسم فاعل كون مقيد كمعتكف وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان. والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، والظاهر من قول السيرافي (٣). وتسميته خبرا في الحقيقة (٤) غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز، وللكلام في هذا مواضع يأتي -

стр. 987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها من بعض. والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف. وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو: زيد عنك وعمرو بك، فلا بد نحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق؛ فإن فهم المراد بدليل جاز الحذف نحو قولك: أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخاله أي بخاله مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه. وحرف الجر التام ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره نحو: الْحَمْدُ لِلَّهِ (١)، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ (٢) [١/ ٣٦٥] ومَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ (٣) انتهى (٤) كلام المصنف رحمه الله تعالى. ويتعلق في هذا الموضع أبحاث: الأول: قد عرف أن الظرف الواقع خبرا معمول لشيء، وإن العامل فيه إما المبتدأ نفسه، وإما المخالفة، وإما شيء مقدر هو الخبر في الحقيقة، ثم منهم من يقول: المقدر اسم، ومنهم من يقول: المقدر فعل. فأما القول الأول (٥) فهو لابن خروف وادعى أنه مذهب سيبويه، وقد رد قول ابن خروف في هذه المسألة، وأول الناس كلام سيبويه رحمه الله تعالى. فأما المصنف فقد عرفت ما ذكره وما أول به كلام سيبويه. وأما غيره فقال السيرافي: لا أعلم خلافا بين البصريين أنك إذا قلت: زيد خلفك، وكذلك سائر ما يجعل الظرف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، فوجب تأويل كلام سيبويه. قال ابن عمرون: «والذي يدفع عن سيبويه ما توهّمه ابن خروف قول سيبويه في بعض أبواب الكتاب (٦): وإنما ينتصب خلفك بالذي فيه، قال: ومعلوم أن الّذي -

стр. 988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه هو استقر أو مستقر ثم قال: والعجب منه - يعني من ابن خروف - وهو يرفع الظّاهر بالظرف إذا كان عامل الظرف المبتدأ، فمن أين للظرف أن يرفع ولم ينب عن عامل، وفي هذا خرم للقاعدة، فوجب الكفّ عنه» انتهى. وأما القول الثاني (١) وهو قول الكوفيين، فقد تقدم ذكر الأوجه الدالة على بطلانه. وأما القول الثالث بأن العامل شيء مقدر، وأن ذلك المقدر فعل - فقد تقدم أنه رأي أبي علي الفارسي والزمخشري. وأما القول الرابع بأن العامل مقدر كما تقدم، لكن المقدر اسم - فقد ذكر المصنف أنه مذهب الأخفش، وأن كلام سيبويه يعطي ذلك، ويومئ إليه وتقدم استدلال المصنف على أن تقدير اسم الفاعل أولى. وقد ذكر ابن عمرون ما ذكره المصنف عن بعضهم من أن تقدير الفعل متعين في صلة الموصول إذا كانت ظرفا، وأجاب بمعنى ما أجاب به المصنف من الفرق بين بابي الصلة والخبر، ثم قال: «هذا الفرق ملغي بوقوع الظّرف صفة، ويصح أن يوصف بالمفرد والجملة، والمفرد هو الأصل. وإلا لم يكن للجملة إذا كانت صفة موضع من الإعراب، ومع ذلك قدّرنا الفعل بدليل جواز دخول الفاء إذا كان المبتدأ نكرة موصوفة بالظرف أو شبهه نحو: كل رجل عندك أو في الدّار فله درهم، ولا يصح دخول الفاء إذا كانت الصفة مفردة على الأصح». ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «ما ذكرت وإن دلّ فهو معارض بصحّة وقوع الظّرف وشبهه بين أمّا وفائها نحو: أما في الدار فزيد، ولا يفصل بينهما بجملة، فوجب تقدير المفرد». البحث الثاني: قيد المصنف حرف الجر الواقع مع مجروره خبرا بكونه تامّا، فأفهم ذلك أن الناقص لا يغني، والناقص: ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو: زيد عنك وعمرو بك. والتام: ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره كما تقدم، -

стр. 989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والضابط [١/ ٣٦٦] في ذلك كما ذكره ابن عصفور (١): «وهو أن حرف الجرّ إذا كان له معنى خاصّ يغلب استعماله فيه كان تامّا؛ لأنه بمجرّد ذكره وإدراك معناه يفهم ما تعلق به من الحدث، وإذا كان له معنى عام صالح مع كل شيء على السواء، وليس هو في أحد المعاني أظهر من الآخر كان ناقصا. فالتّامّ: نحو زيد في الدار، التقدير: زيد مستقر: في الدار؛ لأن في للوعاء، فمعناها موافق للاستقرار، ومن ثم اشترط أن يكون ما تعلّق به حرف الجر المذكور كونا مطلقا كالاستقرار والحصول والكون ونحوها. فلو كان كونا خاصّا بأن تريد بقولك: زيد في الدّار، زيد ضاحك، أو جالس في الدّار - لم يجز الحذف بل لا بدّ من ذكره؛ لأنه لا يعلم من في أنّ المحذوف ضاحك مثلا كما يعلم منها الاستقرار، ولذلك جاز أن تقول: زيد لك إذا أردت أنه مملوك لك أو مستحق لك؛ لأن الملك والاستحقاق مفهوم من اللام. ولو قلت: زيد لك وأردت أنه محب لك لم يجز؛ لأنّ ذلك لا يفهم من اللّام. ولما كان كل ظرف على تقدير في لزم أن متعلق الظرف أبدا الاستقرار، فلذلك يجوز أن تقول: زيد خلفك إذا أردت أنه يستقر خلفك، ولو أردت أنه ضاحك أو كاتب لم يجز إلا أن تأتي بذلك الحدث». «وأما الناقص: فنحو زيد بك، وهذا لا يجوز أن يكون خبرا؛ لأنه لا يعلم هل المراد زيد واثق بك، أو مسرور بك أو غير ذلك؛ لأن الباء معناها الإلصاق فهي صالحة مع كلّ محذوف؛ لأنها تلصقه بالمجرور، ومن ثم امتنع الإخبار بالزمان عن العين، فلا يقال: زيد اليوم؛ لأن التقدير مستقر اليوم، وليس في الإخبار بذلك فائدة، فإن كلّ موجود يكون اليوم زمنا له» (٢). البحث الثالث: قد أفاد المصنف بقوله: ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ أن الذي تعلق به الظرف أو حرف الجر لا يجوز ذكره، ولهذا يقول المعربون: إذا وقع الخبر ظرفا أو مجرورا تعلق بمحذوف لا يجوز ذكره. وكأن الموجب لذلك طلب الاختصار -

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسهولة الكلام بحذف ما لا فائدة لذكره مع وجود ما دل عليه وسد مسده؛ إذ من المعلوم ضرورة إذا قلت: زيد خلفك، أو زيد في الدار أن نفس الخلف ونفس في الدار ليس شيء منهما صادقا على المبتدأ، والمبتدأ لا بد له من الخبر، وحرف الجر المذكور والحرف المقدر مع الظرف دالان على الاستقرار والحصول كما عرفت، فكان ذكر الظرف والمجرور اللذين هما متعلقا الخبر دالين على الخبر المحذوف دلالة قطعية مغنيين عنه من حيث أن الذي تعلقا به كون عام، ولهذا إذا كان المتعلق به كونا خاصّا وجب ذكره، قال أبو علي: «إظهار عامل الظّرف شريعة منسوخة» (١). ثم ليس هذا الحكم مختصّا بالظرف والمجرور الواقعين خبرين، بل حكم كل منهما [١/ ٣٦٧] إذا وقع حالا أو صلة أو صفة فيما ذكر حكمه إذا وقع خبرا. وأما قول المصنف: وربّما اجتمعا لفظا فأشار به إلى البيت الذي أنشده، وهو: ٦٤١ م - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن ... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (٢) وقد جعلوا من هذا الباب وذكره الشيخ قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ (٣)، قالوا: فمستقرّا حال، ولو لم يكن لكان عنده حالا والعامل فيها محذوف، قالوا: وقد ظهر العامل في هذا، وهو اسم فاعل لا فعل كما ظهر اسم فاعل في البيت المتقدم الإنشاد. ونقل ابن يعيش شارح المفصل عن ابن جني جواز إظهاره (٤)، ثم قال: «والقول -

стр. 991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندي أنه بعد حذف استقرّ ونقل الضّمير إلى الظّرف لا يجوز إظهار المحذوف؛ لأنه قد صار أصلا مرفوضا؛ فإن ذكرته قبل نقل الضمير لم يمنع منه مانع» (١). وكأنه يقول: إن الظرف قبل نقل الضمير إليه فضلة محضة؛ لأنه معمول الخبر، وإذا كان كذلك فلا مانع من ذكر الخبر مع معموله، بل ينبغي أن يتعين ذكره، أما بعد نقل الضمير إليه فإنه يقوم مقام الخبر، وإذا قام مقام الخبر سد سده، فيمتنع حينئذ ذكره، وهذا الذي لحظه حسن، لكنهم لم يذكروه. ولك أن تدعي في مستقرّا من الآية الشريفة أنه كون مقيد لا كون مطلق؛ لأن المراد بالاستقرار هنا الثبوت وعدم الانتقال لا مجرد الحصول والكون، وعلى هذا يكون ذكره واجبا، فلا يكون مما نحن فيه. ولابن الدهان في الآية الشريفة إعراب آخر (٢): وهو أن مستقرّا ليس عاملا في الظرف، وإنما عنده ظرف للرؤية، ومستقرّا حال من الهاء، وأما قول الشاعر: لدى بحبوحة الهون كائن، فيمكن أن يقال في كائن: إن المراد به الكون المقيد، وهو الثبوت والديمومة لا الكون المطلق وهو مجرد الحصول، وإذا كان كذلك كان ذكره واجبا. البحث الرابع (٣): قد عرفت من كلام المصنف أن الأصح عنده أن الخبرية والعمل لا ينسبان إلى الظرف، إنما ينسبان إلى العامل فيه يعني إلى المحذوف الذي تعلق به الظرف، لكنه لم يستدل على ذلك بشيء، واقتضى هذا الكلام منه أن الضمير العائد إلى المبتدأ لم ينقل إلى الظرف، بل الخبرية والعمل وتحمل الضمير إنما يتصف بها ذلك المحذوف. وقد اختلف في نقل الضمير إلى الظرف: فذهب بعضهم إلى أنه لم ينقل قبل، وهو مذهب السيرافي (٤)، ونسبه المصنف إلى ابن كيسان أيضا (٥). -

стр. 992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذهب الأكثرون (١) إلى أن الضمير نقل من المحذوف إلى الموجود، وأن الظرف في موضع الخبر، وقد استدل على نقله بتأكيده في قول كثير: ٦٤٢ - فإن يك جثماني بأرض سواكم ... فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها ... فظلّت لها روحي تتوق وتنزع (٢) ووجه الدليل: أن أجمع يلي العوامل، والتأكيد لا يكون لمحذوف. قالوا: ولولا نقله لما امتنع: قائما في الدار زيد؛ لأن الحال حينئذ تكون من فاعل ذلك المقدر، وهو متصرف؛ لأنه إما فعل أو اسم فاعل، فوجب ألا يمتنع [١/ ٣٦٨] وفي امتناعه دليل على المقصود، وأيضا لو لم ينقل لما عطف عليه في قوله: ٦٤٣ - [ألا يا نخلة من ذات عرق] ... عليك ورحمة الله السّلام (٣) ولا يمكن دعوى أن رحمة الله معطوف على السّلام، وقدم لأنه يلزم منه تقديم -

стр. 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعطوف على العامل في المعطوف عليه؛ لأنه قدم على المبتدأ والعامل فيه الابتداء، وتقديم المعطوف على عامل المعطوف عليه لا يجوز. ولكن يشكل على ذلك مسألة (١) وهي: أن يقال: إذا قدرتم الظرف في موضع، وقدرتم فيه ضميرا يعود على المبتدأ وجب أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد. وقد أجيب عن ذلك بأنه إنما قبح توكيد الضمير؛ لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه. والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح: فيها أجمعون الزيدون؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد. قال الشيخ: «والمنقول عن البصريين أنّ الظرف يتحمّل ضمير المبتدأ سواء تقدّم على المبتدأ أم تأخّر، وأنّه يرفع ذلك المضمر ويرفع الظّاهر أيضا إذا خلف المضمر نحو: زيد خلفك أبوه، ويجوز أن يكون خلفك أبوه مبتدأ وخبرا، والجملة خبر عن زيد، والوجه الأول أولى؛ لأنه إخبار بمفرد، وقال: هكذا تلقّينا هذا الإعراب من شيوخنا» انتهى (٢). ومنع السهيلي ارتفاع الظاهر الواقع بعد الظرف بالظرف، وأوجب رفعه بالابتداء، وفرق بين الظرف واسم الفاعل بأن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل موجود، والظرف لا لفظ للفعل فيه (٣). وقال ابن عمرون: «وإذا ثبت رفعه الضمير فهو غير رافع للظّاهر في صورة؛ خلافا لمدعيه مطلقا، وإذا جرى صفة أو خبرا أو حالا أو صلة لأنه أضعف في العمل من أفعل من، وأفعل من لا يرفع الظّاهر، فالظّرف أولى». -

стр. 994

[حكم وقوع ظرف الزمان خبرا عن اسم العين والمعنى] قال ابن مالك: (ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت أو تعمّ إضافة معنى إليه، أو يعمّ. واسم الزّمان خاصّ أو مسؤول به عن خاصّ [١/ ٣٦٩]). ــ قال: «ولو كان يرفع الظّاهر لما عملت إنّ في زيدا في قولك: إنّ عندك زيدا» قال: «ولو كان عاملا في ظاهر ما جاز إلغاؤه مع تقدّمه في نحو: في الدّار زيد قائم» انتهى. ولا يخفى ضعف ما ذكره؛ لأن (أفعل من) لم ينب عن عامل يرفع الظاهر، وهذا الظرف قد ناب عن شيء يرفع الظاهر، فهو يعمل عمله بالنيابة. وأما نحو: إن عندك زيدا فالطلب فيه لإنّ لا للظرف، فكيف يترك عمل ما هو طالب ويعدل إلى غير الطالب؟ وأما نحو: في الدار زيد قائم فإنما لم يعمل فيه الظرف لعدم الاعتماد؛ لأن الظرف إنما يعمل بالنيابة عن اسم الفاعل مثلا، والمنوب عنه إنما يعمل إذا اعتمد، فكذلك النائب حكمه حكمه. والحق أن الظرف والمجرورات إذا اعتمدت جاز أن يرتفع ما بعدها بها على الفاعلية، وجاز فيها أن تكون أخبارا، وما بعدها مبتدآت، والوجه الأول أولى كما علمت. قال ناظر الجيش: شرع المصنف في ذكر وقوع الظروف أخبارا، وذكر ما يجوز أن يخبر عنه بشيء منها وما لا يجوز، وذكر ما يجوز في الظرف الواقع خبرا من رفع أو نصب ونحوه. والحاصل أن ظرف الزمان لا يخبر به عن اسم العين، وإنما يخبر به عن المعنى، وأما ظرف المكان فإنه يخبر به عن كل منهما، كما يأتي ذلك كله مفصلا وأنا أذكر كلام المصنف أولا: قال رحمه الله تعالى (١): لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثل المعنى في حدوثه وقتا دون وقت كالرطب والكمأة؛ فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان مفيد كقولك: الرّطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الرّبيع، وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: -

стр. 995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أكلّ يوم ثوب تلبسه؟ وأكلّ ليلة ضيف يؤمّك؟ ومنه قول الراجز: ٦٤٤ - أكلّ عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه؟ (١) أي: أكل يوم تجدّد ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة إتيان ضيف يؤمك؟ وأكل عام إحراز نعم؟ وكذا إذا عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصّا أو مسئولا به عن خاص كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟. وأشرت بقولي: غالبا إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إن ثبت دليل كقول امرئ القيس: اليوم خمر وغدا أمر (٢). وكقول الشاعر: ٦٤٥ - جارتي للخبيص والهرّ للفأ ... ر وشاتي إذا أردت نجيعا (٣) -

стр. 996

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتهى كلام المصنف (١). وفيه أمور: منها: أن قوله: غالبا مع قوله في شرحه إنه أشار بذلك إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك، يعني في غير ما ذكره غير ظاهر؛ فإن المضاف الذي قدره في: أكل يوم ثوب تلبسه - يقدر مثله في: اليوم خمر أي اليوم شرب خمر كما قدر المضاف في اللّيلة الهلال. ومنها: أن قوله في المتن: أو يعمّ إضافة معنى إليه لم يفهم معناه، والظاهر أن المراد: أو تنو إضافة معنى، بل يتعين ذلك لأن لفظ تنو ثابت في بعض النسخ، ولقوله في الشرح: وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إليه. ومنها: قوله: أو يعمّ واسم الزّمان خاص وتمثيله لذلك بقوله: نحن في شهر كذا؛ فإن العموم لا يعقل في نحن إلا أن يكون أراد بذلك أمرا بخصوصه، وحاصل الأمر أن كلام المصنف في هذا المكان غير واضح متنا وشرحا. وقد أورد ابن أبي الربيع الكلام في الإخبار بظرف الزمان عن العين أحسن إيراد فقال (٢): «متى جاء الزمان خبرا عن الشخص فلا يكون إلّا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون على حذف مضاف نحو: الهلال اللّيلة التقدير: حدوث الهلال الليلة، وعلى هذا يتصور أن يقال: زيد غدا أي ولادته غدا إذا كان معك ما يدلّ على ذلك. الثاني: أن يكون الشخص موصوفا فتخبر عنه بظرف الزمان فتقول: أكلّ يوم رجل مضروب لك وعليه قوله: ٦٤٦ - أكلّ عام نعم تحوونه ... ... (٣) وكأنه قال: أكلّ يوم ضرب رجل؟ [١/ ٣٧٠] لأن الصفة والموصوف كالشيء -

стр. 997

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه وجره] قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا؛ فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا ولم يمتنع نصبه ولا جرّه بفي، خلافا للكوفيين، وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه). ــ الواحد، ولذلك جاز أنت رجل صالح، ولا يجوز أنت رجل؛ لأن هذا لا فائدة به. الثالث: أن يكون الكلام مخرجا عن حده كقول القائل: في أيّ يوم نحن؟ وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن؟ وقولك في الجواب: نحن في يوم الجمعة، ونحن في شهر المحرّم، ونحن في عام كذا، فأنت بلا شكّ تعلم أن السؤال إنما وقع عن تعيين اليوم أو الشّهر أو العام. فأمّا كوننا في يوم أو في شهر أو في عام فمما لا يجهل؛ فكان الأصل أن يقال في السؤال: أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟ فتقول: يوم كذا أو شهر كذا أي يومنا يوم الجمعة وشهرنا شهر المحرّم. ومنه أن يقال: زيد حين طرّ شاربه (١) لكن لمّا كان هذا الوصف لا يكون إلا في زمان تجوز واتّسع، وقيل: في زمان كذا ولم يرد أن يخبر عنه بأنّه، في زمان إنّما المراد الإخبار عنه بالصفة، قال: «وكان الأستاذ أبو علي يأخذ بهذه الثلاثة ويرتضيها» انتهى (٢). وعلى هذا الذي ذكره يخرج جميع ما قاله المصنف. فقولهم: الرطب في شهر كذا يكون تقديره: حدوث الرطب في شهر كذا، وحدوث الكمأة في فصل الربيع، وكذا أكل يوم ثوب تلبسه تقديره: أكل يوم لبس ثوب، وأكلّ ليلة أمّ ضيف. قال ناظر الجيش: الضمير في: ويغني عائد على ظرف الزمان أي: ويغني ظرف الزمان عن خبر اسم المعنى يعني أنه لا يتقيد الإخبار عن اسم المعنى بحال دون حال كما كان ذلك في الإخبار به عن اسم العين، وذلك لحصول الفائدة. -

стр. 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف (١): «اسم المعنى يغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في جميعه، والموقوع في بعضه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه كقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (٢) وكقوله (٣): غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (٤)، وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (٥). ولو جر هذا النوع بفي أو نصب على مقتضى الظرفية - لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم: إن في للتبعيض (٦) حكاه السيرافي، وليس ذلك بصحيح (٧). وإنما في حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها. فإن كان الواقع يستلزم استغراقا كالصوم بالنسبة إلى النهار فلا يمنع منه معنى في ولا لفظها. وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته أو لم تقارنه؛ ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم؛ فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله تعالى أعلم. ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه [١/ ٣٧١] كقولك: الزّيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروي قول النابغة: ٦٤٧ - زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود (٨) -

стр. 999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بنصب غدا ورفعه، ذكر ذلك السيرافي (١). والوجهان في هذا النوع جائزان بإجمال، إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه. انتهى (٢). وإنما قيد الظرف الموقوع في جميعه أو أكثره بكونه نكرة؛ لأنه إذا كان معرفة جاز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين، نحو: سيرك يوم الخميس وصومك اليوم، إلا أن النصب هو الأصل والغالب. ثم ها هنا بحثان: الأول: مقتضى كلام المصنف مما استشهد به من الآيات الشريفة أن المرفوع الواقع خبرا خبر عن اسم المعنى نفسه، فيكون أشهر معلومات خبرا عن الحج، وشهر خبرا عن غدوها ورواحها، وثلاثون شهرا خبرا عن حمله وفصاله، وفي ذلك نظر: فإن الخبر المفرد غير الظرف إذا لم يقصد التشبيه كان نفس المبتدأ في المعنى. ولا شك أن الخبر في هذه الآيات الشريفة نفس المبتدأ الذي قبله في المعنى. أما قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (٣) فلا بد فيه من تقدير مبتدأ محذوف، وهو وقت أو زمن، وإذا كان كذلك فأشهر معلومات خبر عن ذلك -

стр. 1000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المقدر الذي حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، وكذا قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (١) التقدير: زمن حمله وفصاله، وإذا كان كذلك فلم يقع الإخبار في الآيتين الشريفتين بظرف إنما وقع باسم ليس بظرف. وفي الحقيقة أن الإخبار في قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (٢) وفي: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً بزمان عن زمان، فيكون ذلك نظير الإخبار بقائم عن زيد في قولنا: زيد قائم؛ إذ الخبر في ذلك كله هو نفس المبتدأ لا غيره (٣). ومقتضى كلام المصنف أن الحج واقع في الأشهر، وأن الحمل والفصال واقعان في ثلاثين شهرا، ولا يظهر أن هذا هو المراد، بل الظاهر أن المراد الإخبار بأن زمن الحج هو هذه الأشهر، وأن زمن الحمل والفصال هو هذه المدة المذكورة. وأما قوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (٤) فالظاهر أنه ليس من هذا الباب؛ لأن الغدوّ والرواح ليسا واقعين في الشهر المذكور كما يقع الحج في الأشهر ولا كما يقع الحمل والفصال في الثلاثين شهرا، بل المعنى أنها تقطع في غدوها مسافة شهر وكذا في رواحها، وإذا كان كذلك فيكون التقدير: مسافة مسير غدوها قدر مسافة مسير شهر، وكذا مسافة مسير رواحها قدر مسافة مسير شهر، ثم حصل الحذف وإقامة ما أضيف إليه المحذوف مقامه. البحث الثاني: قال الشيخ - كالمستدرك على المصنف -: «إنّ ظرف الزمان كما يقع خبرا عن الجثة وعن [١/ ٣٧٢] المصدر يقع خبرا لزمان أيضا» قال: «فإن كان على قدر المبتدأ فالرفع فقط تقول: زمان خروجك السّاعة، وإن كان أعمّ جاز الرفع والنصب، تقول: زمان خروجك يوم الجمعة، فيوم الجمعة بالنصب حقيقة ويوم بالرفع مجاز يجعل الخروج طويلا قد استغرق اليوم أجمع، هذا في غير أيام الأسبوع» انتهى (٥). -

стр. 1001

[جواز رفع ظرف المكان الواقع خبرا ونصبه] قال ابن مالك: (ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين: راجحا إن كان المكانيّ نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخصّ رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيّين). ــ وأقول: إن المصنف مستغن عن ذكر ذلك. أمّا القسم الأوّل: فظاهر لأنه لم يكن الخبر فيه ظرفا موقوعا فيه، إنما الخبر هو نفس المبتدأ ولا ظرفية هناك، وإذا كان كذلك فلا يقال: إن ظرف الزمان وقع خبرا لزمان، إنما وقع زمان غير ظرف خبرا لزمان، وهذا أمر واضح. فحكم قولنا: زمان خروجك السّاعة حكم قولنا: زيد قائم في المبتدأية والخبرية. وأما القسم الثّاني: وهو ما يكون الظرف فيه أعم نحو: زمان خروجك يوم الجمعة؛ فإن رفعت كان الزمان مخبرا به عن زمان كما في القسم الأول، ولكن أردت بيوم الجمعة بعض يوم الجمعة مجازا، وإن نصبت فلا بد من التأويل (١) ولأنك إذا أخذت الأمر على ظاهره لزم أن يكون الزمان ظرفا للزمان. وقد ذكر الشيخ فروعا في مسائل الإخبار بظرف الزمان عن المصدر تركتها خوف الإطالة، مع أن الذي ذكره المصنف فيه غنية عن أكثرها (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف: «ذلك من قولي: ويفعل ذلك إشارة إلى الرفع المفهوم من قولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه. وراجحا ومرجوحا حالان من ذلك المشار به إلى الرفع. -

стр. 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال ما قصد مما يكون الرفع فيه راجحا لتنكير الظرف المكاني مع كونه مؤقتا متصرفا (١) مخبرا به عن اسم عين قولهم: المسلمون جانب والمشركون جانب ونحن قدّام وأنتم خلف، والنصب جائز عند البصريين وعند الكوفيين، ومن زعم أن مذهب الكوفيين في مثل هذا التزام الرفع فقد وهم. فإن كان اسم المكان معرفة متصرفا اختير النصب، وجاز الرفع عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلّا في الشعر، وإذا كان المخبر عنه اسم مكان كقولك: داري خلفك ومنزلي أمامك». انتهى (٢). واحترز بالمتصرف من الذي لا يتصرف نحو عند، وكأن هذا الحكم الذي ذكره يختص بالظرف المكاني المبهم لا الظرف المختص (٣) على ما يدل عليه تمثيله. وقد ذكر الشيخ تقسيما في هذا الموضع فقال (٤): «الظرف المكاني المتصرف إما أن يقع خبرا عن أسماء الأماكن، أو عن المصادر أو عن الأسماء غير الأماكن والمصادر: فإن وقع خبرا عن أسماء المكان المبهمة جاز فيه الرفع والنصب، نحو مكاني خلفك، ومن كلام العرب: منزله شرقيّ الدّار [١/ ٣٧٣] برفع شرقي ونصبه. فإن كان اسم المكان من الظروف المختصة؛ فالرفع نحو موعدك ركن الدار والمسجد أو المقصورة». قال: «فأما قولهم: موعدك باب البرادن أو باب الطّاق فقد روي النصب قليلا على معنى ناحية باب البردان وناحية باب الطاق، ولا يقاس على ذلك». قلت: واستثناؤه الظروف المختصة من جواز النصب يدلّ على أنه أراد بالظّرف الواقع خبرا في أصل التقسيم إنّما هو الظرف المبهم، كما قلنا: إن ذلك هو -

стр. 1003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الظاهر من كلام المصنف. ثم كمل الشيخ التقسيم، فقال (١): «وإن وقع خبرا عن المصادر فالنصب نحو: القتال خلفك والضّرب قدامك. وإن وقع خبرا لغير الأماكن والمصادر وكان مضافا إلى نكرة نحو: زيد خلف حائط وبكر وراء جبل، فالاتفاق على جواز الرفع والنصب، أو إلى معرفة فالرفع والنصب عند البصريين مطلقا والنصب عند الكوفيين إن لم يملأه فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب، أو كان غير مضاف وكان مصحوبا بمن فالنصب والرفع نحو: زيد قريبا منك، وقريب منك وناحية من الدّار وناحية من الدار. وقال سيبويه (٢): قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد، وقال الكسائي والفراء وهشام (٣): يقال: عبد الله قريب منك وقريبا منك وبعيد منك، ويقلّ في كلامهم: بعيدا منك، وإنما قلّ لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك وبقربك حسن ذلك مذهب المحلّ في قريبا منك. وإن كان غير مصحب بمن وفيه أل فالرّفع والنّصب عند البصريين والرفع فقط عند الكوفيين نحو: زيد الأمام أو اليمين أو الشمال. وإن كان بغير أل وعطف عليه منكور مثله فالاختيار عند الكوفيين الرفع، والبصريون يسوّون بينهما نحو: القوم يمين وشمال، وزيد مرأى ومسمع رفعا ونصبا، أو لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيّون لا غير، وجوّز البصريّون رفعه ونصبه، قالوا: زيد خلفا وخلف وأماما وأمام. فإن كان الظرف مختصّا لم يجز أن يقع خبرا لا برفع ولا بنصب نحو: زيد دارك إلا في ما سمع نحو قولهم: زيد جنبك يعنون ناحية جنبك ولا يقاس عليه: زيد ركن الدّار لا برفع ولا بنصب (٤). وقالت العرب (٥): زيد قصدك نصبوا على المحلّ، المعنى: مكان قصدك، ولم يقولوا: زيد قيامك ولا عمرو قعودك وهم يعنون المكان، وقصدك لا يقاس عليه غيره. -

стр. 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأجاز سيبويه (١): زيد قصدك بالرّفع من حيث أجاز زيد خلفك ولم يجزه الفرّاء (٢). وقال سيبويه: يقال: هو صددك وسقبك وقربك، صددك وسقبك وقربك، والرّفع جائز عنده على قول من يقول: زيد خلفك» انتهى كلام الشيخ. وقد تبين منه أن البصريين يجوزون الرفع والنصب في المكاني المتصرف المبهم إذا وقع خبرا عن اسم عين سواء أكان الظرف نكرة أم معرفة بأل أم بالاضافة، وسواء أكانت النكرة مضافة أم لا مذكورا معها من أم غير مذكور (٣). وهذا الذي ذكره يؤخذ [١/ ٣٧٤] من كلام المصنف حيث قال: ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين إلى آخره؛ لأنه بإطلاقه يدخل تحت كلامه الأقسام كلها. ثم إذا تأملت علمت أن بين كلام المصنف وكلام الشيخ مخالفة ما بالنسبة إلى أرجحية النصب ومرجوحيته، فإن الشيخ حكم بالتساوي في صور اقتضى كلام المصنف فيها أرجحية أحد الأمرين على الآخر (٤).

стр. 1005

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ووجوب نصبه] قال ابن مالك: (ويكثر رفع المؤقّت المتصرّف من الظّرفين بعد اسم عين مقدّر إضافة بعد إليه، ويتعيّن النّصب في نحو: أنت منّي فرسخين، بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين). قال ناظر الجيش: المؤقت من الظروف هو المحدود كيومين وثلاثة أيام في الزمان، وفرسخ وميل في المكان. والمتصرف هو الذي لم يلتزم فيه النصب على الظرفية، والذي التزم فيه النصب نحو ضحوة معينا في الزمان وعند في المكان، وحاصل ما أشار إليه المصنف أن الوقت المتصرف من ظرفي الزمان والمكان يجوز أن يرفع خبرا بعد اسم عين نحو قولهم: زيد منّي يومان أو فرسخان، وحينئذ يتعين تقدير اسم معنى إلى اسم العين؛ ليكون الظرف خبرا عنه، ولذلك قال: مقدّر إضافة بعد إليه أي إلى اسم العين (١). بقي أن يقال: فإذا نصبنا فرسخين هل يقدر المضاف الذي هو بعد كما قدر حال الرفع؟ الظاهر أنه يقدر؛ لأن حرف الجر الذي هو من لا بد له من شيء يتعلق به، وليس ثم إلا المصدر المقدر. قال المصنف - لما ذكر هذه المسألة ومثل لها بقوله: زيد مني يومان وفرسخان -: «أي (٢) بعد زيد منّي يومان أو فرسخان» وقريب منه قولك: دارك خلف داري فرسخان». ثم قال: «ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين وشبهها في مثل هذا أجود منه في نحو: زيد مني فرسخان، ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين على التمييز أجود من نصبه ظرفا». وأشار بقوله: ويتعيّن النّصب إلى أنك إذا قلت: أنت مني فرسخين على تأويل أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين تعين النصب، وكان أنت مبتدأ ومتى خبره، وفرسخين ظرف، ومعنى منّي من أشياعي وأصحابي وأهلي كقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم ﷺ : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (٣) انتهى (٤). -

стр. 1006

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإنما تعين النصب على الظرفية في أنت مني فرسخين؛ لأن قوله: أنت مني مبتدأ وخبر، أي أنت من أشياعي، بخلاف أنت مني فرسخان وأنت تريد بعدك مني؛ فإن مني متعلق بذلك المقدر المحذوف وليس في موضع الخبر، وإنما الخبر فرسخان؛ فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان، ومن نصب فعلى الظرف وهو في موضع الخبر، وانتصاب فرسخين في أنت مني فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني، أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين أي في سيرنا فرسخين. قال الشيخ (١): «وظاهر كلام المصنف أنّ فرسخين منصوب بذلك الّذي قدّره وهو ما سرنا فرسخين، وليس بجيّد؛ لأن ما سرنا: ما فيه مصدرية ظرفية، وسرنا صلة ما، وفرسخين معمول لصلة ما، ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها». وقال سيبويه (٢): «أنت مني فرسخين تقديره: أنت منّي ما دمت تسير فرسخين». قال الشيخ: «وهو شبيه بتقدير المصنّف؛ إلا أن سيبويه جعل صلة ما دام النّاقصة، وحذف ما ودام وخبرها وأبقى معمول الخبر، فهو أبعد من تقدير المصنف. وقد رد أحمد بن يحيى (٣) على سيبويه قوله، فقال (٤): ليس على هذا الإضمار دليل ولا يدعو إليه [١/ ٣٧٥] اضطرار، ولا ينبغي أن يطلب الإضمار إذا قام الكلام الظّاهر بنفسه». والذي ينبغي أن يخرّج عليه كلام سيبويه وتقديره - أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دلّ على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها، فهذا معنى قول سيبويه: ما دمت تسير فرسخين، وإذا كان تفسير معنى بطل ردّ ابن يحيى.

стр. 1007

[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه] قال ابن مالك: (ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمّن عملا - جائز لا إن ذكر مع الأحد ونحوه ممّا لا يتضمّن عملا؛ خلافا للفراء وهشام، وفي الخلف مخبرا به عن الظّهر رفع ونصب وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتّحت لزم نصبه). قال ناظر الجيش: قد تقدم أن ظرف الزمان يقع خبرا عن الزمان، لكن الزمان المخبر عنه قد يكون غير أيام الأسبوع، ولم يتعرض المصنف إلى ذكره لوضوحه، وقد تقدم الكلام عليه. وقد يكون المخبر عنه أيام الأسبوع، وها هو قد شرع في ذكر ذلك. وإنما ذكر المصنف هذا القسم دون الأول لينبه على أن النصب جائز في بعض هذه الصور بتأويل، فلو كان الرفع على الخبرية لازما في الصور كلها لم يحتج إلى ذكره، كما أنه لم يحتج إلى ذكر القسم الأول. قال المصنف (١): إذا قلت: اليوم الجمعة واليوم السّبت جاز نصب اليوم؛ لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، وكذا اليوم العيد واليوم الفطر واليوم النيروز كلّ هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف؛ لأن ذكرها منبه على عمل يقع في اليوم بخلاف قولك: اليوم الأحد واليوم الاثنان واليوم الثلاثاء واليوم الأربعاء واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث واليوم الرابع واليوم الخامس؛ فلذلك لا يجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما؛ فإنهما أجازا النصب على معنى الآن الأحد والآن الاثنان (٢) ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنان واقعا في الآن كما تقول: في هذا الوقت هذا اليوم. وقد قال سيبويه ما يقوي ذلك؛ لأنه قد أجاز: اليوم يومك بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك ولا يريد يوما بعينه (٣) فهذا مما يقوي قول الفراء. وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك بمعنى اليوم شأنك وأمرك -

стр. 1008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي تذكر به، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه بخلاف: اليوم الأحد، انتهى (١). والتأويل الذي أول المصنف به كلام سيبويه تأويل حسن غير بعيد عن الصواب، والذي ينبغي مراجعة الكتاب واعتبار ما ساق سيبويه هذا الكلام لأجله وحمله على ما يقتضيه السياق. وأما قول المصنف: وفي الخلف مخبرا به إلى آخره فقد ذكر (٢) شرحه بأن قال (٣): وتقول: ظهرك خلفك بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى مع أنه متصرف، ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك أسفلك وأسفلك، وقرئ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ (٤) وأسفل منكم [١/ ٣٧٦]. فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى؛ ولذلك قال أبو الحسن (٥) الأخفش: «اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلّا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز؛ غير أن العرب لم تقله، قال: تقول: تحتك رجلاك لا يختلفون في نصب التّحت» (٦) انتهى. وفي شرح الشيخ (٧): «قال بعض النّحويين: إنّه يجوز هذا فيما كان في الجسد كقولك: فوقك رأسك، وخلفك ظهرك، وأمامك صدرك، وتحتك رجلاك. فهذا كله مبتدأ وخبر، ويعنون بالخلف الظهر، وبالأمام الصدر، وبالفوق الرأس، وبالتحت الرجلين. والأكثر أن تكون ظروفا في الجسد كانت أو في غيره، وهذا قول الأخفش» (٨). ثم قال: قال خطّاب المارديّ (٩): إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر -

стр. 1009

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رفعته بالابتداء، وكانت أسماء لا تتضمّن شيئا كسائر الأسماء، فنقول: خلفك واسع وأمامك ضيّق كما تقول: زيد قائم انتهى (١). وهذا الذي ذكره عن بعض النحويين وعن خطاب لا يبعد عن الصواب، فإن الذي يلتزم فيه النصب كالفوق والتحت مثلا إنما هو إذا كان ظرفا. أما إذا كان اسما غير ظرف فهذا يمنعه من التصرف. وهنا مسائل ذكرها الشيخ في شرحه (٢): الأولى (٣): أجاز يونس وهشام: زيد وحده، ومنعه الجمهور، أجراه يونس وهشام مجرى عنده، وتقديره: زيد موضع التفرد، وعلى هذا يجوز تقديمه، فيقال: وحده زيد كما يقال: في داره زيد، وقد أوله هشام تأويلا آخر، وهو أن الأصل: زيد وحد وحده، فنصب وحده بفعل مضمر محذوف إقامة لمعموله وهو وحده مقامه كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا، أي يقبل إقبالا ويدبر إدبارا. وعلى هذا لا يجوز تقديمه، فلا يقال: وحده زيد كما لا يقدم إقبالا في زيد إقبالا وإدبارا، وحجة الجمهور أن وحده اسم جرى مجرى المصدر، وهو منصوب على الحال، وإذا كان كذلك فلا يصح وقوعه خبرا عن زيد، ولكن قد نقل عن العرب أنهم يقولون: زيد وحده، وذلك فيه رد لقول الجمهور وتقوية ليونس وهشام (٤). الثانية: قال الكسائي: «العرب تقول: القوم (٥) خمستهم وخمستهم، وكذلك عشرتهم، من رفع رفع بالقوم ومن نصب ذهب بها مذهب وحدهم». وقال سيبويه (٦): «مررت بالقوم خمستهم وخمستهم؛ فالأول على معنى: مررت بالقوم كلّهم لم أدع فيهم أحدا إلّا مررت به، والثاني على معنى: مررت بهم وحدهم أي إفرادا، التقدير: أفردتهم بالمرور دون غيرهم». -

стр. 1010

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ (١): «وعلى ما قدّره سيبويه لا يصح أن تكون خمستهم خبرا سواء كان بمعنى كلّهم أو بمعنى وحدهم على مذهب سيبويه في وحدهم من جهة أنه لا يصحّ أن تقول: زيد وحده، والقوم خمستهم بالرفع يعني في خمستهم. وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده والقوم خمستهم بالرّفع والنّصب، فوجب قبوله وإن خالف رأي سيبويه أو غيره». الثالثة: لا يجوز: زيد [١/ ٣٧٧] دونك بالرفع عند سيبويه وأنت تريد المكان وأجازه غيره. قال ابن إصبع (٢): وقال الفرّاء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قاموا سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا ولم يرفعوا على اختيار وربّما رفعوا (٣)». وقال سيبويه (٤): «أما دونك فلا يرفع أبدا؛ لأنّه مثل، وإن قيل: هو دونك في السّنّ والنّسب؛ لأن هذا مثل كما أن قولهم: هذا مكان هذا في البدل ذكر مثلا». الرابعة: لا يجوز: زيد مثل عمرو بالنصب عند أحد من البصريين، وأجازه الكوفيون (٥)، وذلك أن مثلك عندهم من القسم الثاني من قسمة الحال، وهو قرنك وسنّك وشبهك ولدتك ومثلك إذا وقع طلبا أو نعتا جاز أن يعرب إعراب الأسماء، وجاز أن ينصب، تقول: زيد سنّك وسنّك، ومررت برجل مثلك ومثلك؛ فإذا وقع فاعلا رفع ولم ينصب نحو: قام مثلك وسنك؛ ولتجويزهم أن مثلك يكون محلّا أجازوا أن يقع صلة لموصول، ولا ينصب شيء من ذلك عند البصريين إلا إذا كان تابعا لمنصوب أو معمولا لناصب، وليس نصبه نصب الظرف. -

стр. 1011

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والخامسة: الظرف المقتطع نحو قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف به، ولا يوصل به، ولا يكون حالا، ولم يعتلوا لذلك إلّا بضعفها (١) حسب، وشبهها سيبويه بالأصوات (٢). قال ابن الدهان (٣): والصّحيح عندي أنّهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمد الفائدة. فأما قول القائل: ٦٤٨ - فأمست زهير في السّنين الّتي خلت ... وما بعد لا يدعون إلّا الأشائما (٤) فما زائدة وبعد منصوب الموضع عطفا على موضع الجار والمجرور. قال الشيخ (٥): «ووهم الزّمخشري في جعل ما فَرَّطْتُمْ (٦) مبتدأ وما مصدرية، و (من قبل) في موضع الخبر تقديره: ومن قبل تفريطكم في يوسف (٧).

стр. 1012

[جواز رفع المصدر الواقع خبرا ونصبه] قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم عين باطّراد مصدر يؤكّده مكرّرا، أو محصورا، وقد يرفع خبرا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال). قال ناظر الجيش: الاستغناء عن خبر اسم عين بمصدر مكرر نحو قولهم: زيد سيرا سيرا، وبمصدر محصور كقولهم: إنّما أنت سيرا، والأصل زيد يسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وجعل تكريره بدلا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، وكذلك الأصل إنما أنت تسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وقام الحصر مقام التكرار في سببية التزام الإضمار. وقد يجعل هذا النوع من المصادر خبرا قصدا للمبالغة فيرفع نحو: ٦٤٩ - ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار (١) هذا كلام المصنف (٢). وتمثيل المصنف الحصر بإنما مشعر بأن الحذف واجب مع ما وإلا نحو: ما أنت إلّا سيرا من طريق الأولى. والمصدر المعرف فيما ذكره كالمصدر المنكر كقولك: ما أنت إلّا الضّرب، وما أنت إلّا ضرب النّاس، وما أنت إلّا سيرا لزيد. واعلم أن الفعل إنّما يجب إضماره إذا كان الإخبار عن سير متصل بزمان -

стр. 1013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإخبار لم ينقطع [١/ ٣٧٨] وإذا أريد أنه سار ثم انقطع السير، أو أخبر أنه يسير في المستقبل - فإن الفعل يظهر نحو ما أنت إلّا تسير سيرا، ذكر ذلك سيبويه (١) وإذا كان كذلك فكلام المصنف يحتاج إلى التقييد بما ذكر. وأشار المصنف بقوله: وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر إلى آخره - إلى ثلاث مسائل: الأولى: ما أغنى فيه عن الخبر مصدر يعني من غير تكرير ولا حصر نحو: زيد سيرا أي يسير سيرا. الثانية: ما أغنى فيها عنه مفعول به كقول بعض العرب: إنّما العامريّ عمامته أي: إنما العامري يتعهد عمامته؛ فأما من روى: إنّما العامريّ عمّته فنصب على المصدر، التقدير: إنما العامري يتعمم عمامته، فيكون نظير: إنما أنت سيرا، فلا يكون من القليل بل من الكثير المطرد (٢). قال المصنف (٣): «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به أن يكون الخبر قبل قول محذوف، ويستغنى عنه بالمفعول كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (٤) أي يقولون: ما نعبدهم فيقولون خبر وما نعبدهم في موضع نصب به فأغنى عنه وحذف، ومثله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (٥). أي فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟». ثم قال: «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو إيّاها أي: فإذا هو يساويها، -

стр. 1014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعها في موضع رفع كما شذّ في موضع جر قول العرب: مررت بإيّاك، حكاها الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي: ٦٥٠ - وأحسن وأجمل في أسيرك إنّه ... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر (١) انتهى (٢). وهذه المسألة التي ذكرها أعني: فإذا هو إياها هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد وقيل: بل بحضرة يحيى بن خالد البرمكي (٣) وتسمى المسألة الزنبورية وقضيتها عجيبة. وقد أوردها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس في تعليقه على المقرب، ومن وقف عليها عرف ما حصل من التحامل على سيبويه، وأنه كيد وغبن، نعوذ بالله من قهر الرجال (٤). والمشهور أن سيبويه أجاب بقوله: فإذا هو هي، وأن الكوفيين قالوا: فإذا هو إياها، وهذا هو الظاهر وهو نقل البصريين، ولهذا لما ذكر المصنف فإذا هو إياها أسند ذلك إلى رواية الكوفيين، لكن قال الشيخ بعد ذكر المسألة: «وقد اختلف القول فيها فقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو إيّاها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي. -

стр. 1015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيون: فإذا هو إياها (١)، وكلا الجوابين له توجيه من العربية؛ فمن قال: فإذا هو إياها فإياها مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ومن قال: فإذا هو هي فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنّما هو من باب: زيد زهير أي: فإذا هو مثلها في اللسع» انتهى (٢). و [الثالثة] (٣): أشار المصنف [١/ ٣٧٩] بقوله: أو حال إلى أنه قد يستغنى عن خبر المبتدأ بحال مغايرة لما تقدم ذكره كما روى الأخفش من قول العرب: زيد قائما، والأصل زيد ثبت قائما (٤) والأسهل منه ما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمّطا أي حكمك لك مثبتا فحكمك مبتدأ خبره لك ومسمطا حال استغني بها وهي عارية عن الشروط المعتبرة في نحو: ضربي زيدا قائما (٥) وعلى مثل هذا يحمل على الأجود قول النابغة الجعدي: ٦٥١ - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبّها متراخيا (٦) -

стр. 1016

[تعدد الخبر وأنواعه] قال ابن مالك: (وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدّد لفظا دون معنى، ولا ما تعدّد لتعدّد صاحبه حقيقة أو حكما). ــ أي لا أنا أرى باغيا، فحذف الفعل الذي هو أرى وهو خبر أنا، وجعل باغيا دليلا عليه، وهذا أولى من جعل لا رافعة لأنا اسما ناصبة لباغيا خبرا، فإن إعمال لا في معرفة غير جائز بإجماع. انتهى (١). وعن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه و) (٢) رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ونحن عصبة (٣) بالنصب. قال ناظر الجيش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (٤) ومنه قول الراجز: ٦٥٢ - من يك ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيّف مشتّي (٥) -

стр. 1017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول الآخر: ٦٥٣ - ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع (١) وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار. والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدّد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحويّ وكاتب ومنه قول الشاعر: ٦٥٤ - يداك يد خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظة (٢) أو لتعدد المخبر عنه حكما كقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ (٣) ومنه قول الشاعر: ٦٥٥ - والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل (٤) -

стр. 1018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى كقولك: هذا حلو حامض، بمعنى مزّ، وكقولك: هو أعسر أيسر بمعنى أضبط أي عامل بكلتا يديه، فما كان من النوع الأول صح أن يقال فيه خبران وثلاثة بحسب تعدده، وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الواحدة إلا مجازا؛ لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع، ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف بخلاف الثاني، فلا يستعمل دون عطف. وأما الثالث: فلا يستعمل فيه العطف؛ لأن مجموعه بمنزلة مفرد؛ فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض. وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز (١)، وليس كذلك لما ذكرته. هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو [١/ ٣٨٠] في غاية النظافة (٢). بقيت هنا الإشارة إلى أمرين: الأول: أن من النحاة من منع تعدد الخبر دون حرف العطف. قال ابن عصفور في المقرب (٣): «ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف؛ إلّا أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد» (٤)، وقال في شرحه لذلك: وإذا قلت: زيد ذاهب راكب كان الاسمان في معنى اسم واحد، وكأنك قلت: زيد جامع بين الذّهاب والرّكوب بخلاف إذا قلت: زيد ذاهب وراكب؛ فإنه يجوز لأنك أخبرت عن زيد بخبرين مستقلّين». وتبعه على ذلك الشيخ، وقال (٥): «هذا هو اختيار من عاصرناه من الشّيوخ». -

стр. 1019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «وقد أجاز سيبويه: هذا رجل منطلق على أنّهما خبران على الجمع، وكذلك أجاز: هذا زيد منطلق على الجمع (١)». انتهى. وعلى هذا إذا أخبر عن المبتدأ بأزيد من واحد، فإن قلنا بجواز تعدد الخبر كان كل واحد من الخبرين أو الأخبار بانفراده خبرا عن المبتدأ المذكور، وإن منعنا جواز التعدد فقد ذكروا أن في إعرابه وجهين: أحدهما: أن يكون كل واحد منهما أو منها خبر مبتدأ محذوف، فإذا قلت: زيد نحوي كاتب شاعر كان التقدير: هو شاعر هو كاتب. الثاني: أن يجعل المجموع خبرا واحدا كأنك قلت: زيد الجامع لهذه الأوصاف. وإذا حقق الناظر نظره لا يجد على منع تعدد الخبر دون عطف لمبتدأ واحد دليلا؛ فالحق أنه جائز كما قال المصنف. وإذا قلنا بجواز التعدد مع كون المبتدأ واحدا جاز في المتعددين أن يتفقا في الإفراد وغيرها، وجاز أن يختلفا، فيكون أحدهما من قبيل المفرد والآخر من قبيل الجملة، وهو الذي يقتضيه إطلاق النحويين ولكن أبا علي منع ذلك، وقد يستدل على الجواز بقوله تعالى: فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٢) وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٣). الأمر الثاني: للناس بحث في مثل: هذا حلو حامض هل فيهما ضميران، أو الثاني هو -

стр. 1020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المتحمل للضمير دون الأول، ونقل عن الفارسي (١) أنه ليس إلا ضمير واحد تحمله الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزلة الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها. والذي عليه المحققون أن كل واحد منهما فيه ضمير من جهة كونه مشتقّا؛ قالوا: ولا يلزم من تحمل المشتق ضميرا أن يكون ذلك المشتق مستقلّا؛ لأن ضمير المشتق ليس معتدّا به كل الاعتداد، بل هو شيء يثبت تقديرا، ولذا ثنوا اسم الفاعل وجمعوه وإن كان فيه ضمير. ولو روعي الضمير فيه لم يثن ولم يجمع كما لو رفع ظاهرا، ومقتضى هذا التقرير أن العائد على المبتدأ هما الضميران معا، والفائدة حصلت بالرافعين والمرفوعين (٢). لكن الذي يقتضيه كلام ابن عمرون أن العائد على جهة الاستقلال هو من طريق المعنى. وكان الشيخ بهاء الدين بن النحاس أوضح كلامه، فقال في تعليقه على المقرب: «إن العائد على جهة الاستقلال هو في طريق المعنى ضمير آخر غير الضّميرين اللّذين تحمّلهما المشتقّ من طريق المعنى؛ لأن المعنى: هذا مزّ، قال (٣): ولا يكون ذلك الضمير العائد في حلو [١/ ٣٨١] على انفراده؛ لأنه حينئذ يكون مستقلّا بالخبريّة وليس المعنى عليه، ولا في حامض على انفراده لذلك أيضا، ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضّمير، فيلزم اجتماع العاملين على معمول واحد، وإنّه لا يجوز» انتهى. وقوله (٤): ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضمير فيلزم ... إلى آخره ممنوع؛ لأن كلّا منهما قد رفع الضمير الذي هو مستتر فيه، والضميران عائدان معا إلى المبتدأ، ويمتنع أن ثم ضميرا ثالثا يعود على المبتدأ؛ ليلزم منه ما ذكره. وأما إذا قلت: هذا حلو حامض طعمه فهل يكون الظاهر مرفوعا بالثاني أو بالأول فالحق أن طعمه مبتدأ مخبر عنه بما تقدم؛ لأن التنازع في سببي مرفوع غير جائز، -
следующие страницы →