← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مختصر الإنصاف والشرح الكبير تأليف: أبي عبد الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ال مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه. أما بعد، فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀ وأكرم مثواه، (١١١٥-١٢٠٦هـ) ، قد جدد ما اندرس من عقيدة التوحيد في البلاد النجدية، كما هو معلوم مشهود من حال الناس قبل قيامه لله داعياً إلى الدين الخالص، وما آلت إليه حالهم بدعوته المباركة، حيث صفت عقائدهم من شوائب الشرك، وتحقق ما أراد الله على يديه من خير لهذه البلاد. فبجهاده ومؤازرة الإمام (محمد بن سعود) له، انقشعت غيوم الشرك المتراكمة على سماء العقيدة، وأشرقت شمس الحق بنور التوحيد، فمزقت سحب الجهل، وبددت فلول الباطل؛ فلا مكان لطاغوت مضل، أو قبر يُعبد، أو وثن له يسجد. ولا قرار لمشعوذ يستخف عقول الناس، ويروج أباطيل الخرافة. ولقد امتدت آثار هذه الدعوة الميمونة إلى الأقطار، فمدت ظلالها على ربوع تلك الديار التي كانت هي الأخرى تعاني من فساد المعتقد، وتتخبط في ليل غابت نجومهن واعتكر ظلامهن لا يهتدي السائر فيه سبيلاً، ولا يجد الحائر إلى غايته دليلاً. ولئن كان الشيخ، يرحمه الله، معنياً بالدرجة الأولى بتصحيح تصور الناس نحو العقيدة، وتثبيت قواعدها، وتجريدها من الشوائب التي أُدخلت عليها، حتى ظن أنها من الدين، لئن كان يولي هذا الأمر جل اهتمامه، فإن له، أيضاً، المؤلفات والفتاوى والردود في المسائل الفروعية،

стр. 2

وإليه يرجع فيها، وعلى ما قرره يعوّل. وكان من أبعد الناس عن التعصب والتقليد الأعمى، يدعو إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يتوخى الدليل، ويرى الاقتداء بالأئمة فيما لم يقم الدليل على خلافه من اجتهاداتهم. والناظر في مؤلفاته يرى أنها على قسمين: منها ما ألّفه ابتداء، ومنها ما اختصره من أصوله المطولة لتيسير الانتفاع به. وقد اتجهت الرغبة منه، ﵀، إلى اختصار كتابين من أشهر وأوسع ما صنف في الفقه الحنبلي، لما رأى في زمنه من الحاجة لذلك. هذان الكتابان هما: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل. ومؤلفه العلامة الفقيه علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (٨١٧-٨٨٥هـ) . والثاني: "الشرح الكبير" ومؤلفه شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة المقدسي (٥٩٧-٦٨٢ هـ) . وكلا الكتابين شرح لكتاب "المقنع" لموفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (٥٤١-٦٢٠ هـ) . وتم ما أراده، ﵀، بمختصر لطيف، بدأ كل باب منه بما اختاره الشرح، وختمه بما استدركه من الإنصاف. وبحق، لقد أحسنت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حين تفضلت بطباعة ما تيسر من مؤلفات هذا الإمام، انطلاقاً من سياستها القائمة على الدعوة إلى الإسلام، والعناية بكل ما يهم المسلمين، ويربطهم بدينهم عقيدة وسلوكاً ومنهج حياة. فجزى الله القائمين عليها خيراً، ووفقهم لما فيه صلاح المسلمين. ثم إنه عهد إلينا من قِبل "أمانة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب" بتصحيح كتاب "مختصر الإنصاف والشرح الكبير"، فلم نجد بداً من الإسهام

стр. 3

بهذا العمل بقدر المستطاع. وهذا الكتاب قد طبع طبعته الأولى بالمطبعة السلفية بمصر عن نسخة خطية، ذكر ناشره محب الدين الخطيب في مقدمته أنه أرسلها إليه الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد اللطيف، وأنها معاصرة للطبقة الأولى من أبناء الشيخ، ﵀، كتبها سعد بن محمد الأخ الرشيد مرشد بن أحمد بن هوين، وفرغ من كتابتها يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين خلون من جمادى الآخرة، أحد شهور سنة (١٢٢٤هـ) . وفي آخرها أيضاً، ذكر اسم كاتبها وتاريخ الكتابة، إلا أنه قال: "بقلم ... عبده سعد بن محمد، كتبه للأخ الرشيد ... بن هوير" فليحرر. كما وجد لهذا الكتاب أصل مخطوط بالمكتبة السعودية بالرياض برقم (٤٦٥/٨٦) يقع في (٣١٢) ١ صفحة من الحجم المتوسط، على صفحة الغلاف اسم الكتاب ومؤلفه. وفي أعلى الصفحة الأولى: "سم الله الرحمن الرحيم، هذا منقول من الشرح الكبير والإنصاف أول كل باب من الشرح وآخر كل باب من الإنصاف". وفي آخره النص التالي: "آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلة في ملكه عبد الرحمن بن أحمد بن قاسم، غفر الله له ولوالديه". لذا كان عملنا في جملته لا يعدو مقابلة إحدى النسختين على الأخرى، واستدراك ما أهمل في الطبعة السلفية مما تقتضيه أصول الطباعة الحديثة، وتلافي أخطاء الطباعة فيها، مع ترقيم الآيات، وتصويب الأخطاء الإملائية مما لم تخل منه النسختان. وقد تبين لنا نقص في مواضع متعددة من المطبوعة أثبتناه بين قوسين ونبهنا

стр. 4

عليه في الحاشية، إما بقولنا: "ساقط من النسخة السلفية أو زيادة من المخطوطة". وعند الاشتباه أو التردد في لفظ أو جملة، نرجع إلى الأصل فنثبت عبارته، ما لم يكن أدخل عليها شيء من التصرف، فعندئذٍ نترك عبارة المختصر على ما هي عليه، وننقل عبارة الأصل في الهامش، وننبه إلى أننا حينما نطلق كلمة "الأصل" نعنى بها "الشرح الكبير" أو "الإنصاف"، كما نعني بالمطبوعة: نسخة المطبعة السلفية، وبالمخطوطة أو المختصر: نسخة المكتبة السعودية المنوه عنها، والتي اعتمدت أصلاً في طباعة هذا الكتاب. نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجزي مؤلفي الأصلين والمختصر خيراً، وأن ينفع بعلومهم، كما نسأله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لنا الزلات، ويتجاوز عن السيئات. وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم إلى يوم الدين. عبد العزيز بن زيد الرومي صالح بن محمد الحسن الرياض في ٢٢/ ١/ ١٣٩٨ هـ

стр. 5

كتاب الطهارة باب المياه ... باب المياه ١ وهي ثلاثة: طهور، وهو الباقي على خلقته. وجملته أن كل صفة خلق عليها الماء وبقي عليها فهو طهور، لقوله ﷺ : "اللهم طهّرني بالثلج والبرد والماء البارد"، ٢ وفي البحر: "هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته" ٣. وهذا قول أهل العلم إلا ما روي عن ابن عمرو في ماء البحر: "التيمم أعجب إليَّ منه"، والأول أولى، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، ٤ وهذا واجد للماء. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الوضوء بالماء الآجن جائز، سوى ابن سيرين، فإنه كره ذلك. والماء المتغير بورق الشجر، وما ينبت في الماء، أو تحمله الريح أو السيول، أو ما تغير في آنية الأدم والنحاس ونحوه، يعفى عن ذلك كله، لأنه يشق التحرز منه، أو ما يخالطه كالعود والدهن والعنبر إذا لم يستهلك فيه ولم يتحلل، لأنه تغير عن مجاورة، أو ما أصله الماء كالملح البحري، فإن كان معدنياً فهو كالزعفران، وكذلك الماء المتغير بالتراب، لأنه يوافق الماء في صفته أشبه الملح، أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، لا نعلم في ذلك خلافاً، أو سخن بالشمس. وقال الشافعي: تكره الطهارة بماء قصد تشميسه، لحديث: "لا تفعلي فإنه يورث البرص"، رواه الدارقطني وقال: يرويه خالد بن إسماعيل، وهو متروك، وعمرو الأعسم، وهو منكر الحديث، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف

стр. 6

بقصد التشميس وعدمه، أو بطاهر كالحطب ونحوه، فلا يكره، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن مجاهد أنه كره الوضوء بالمسخن. وإن سخن بنجاسة فهل يكره؟ على روايتين. ولا يكره الغسل والوضوء بماء زمزم، لحديث أسامة، وعنه: يكره، لقول العباس: "لا أحلّها لمغتسل". وإذا خالط الماء طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة. قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافاً. وإذا وقع فيه ماء مستعمل عُفي عن يسيره، وهذا ظاهر حاله ﷺ وأصحابه، "لأنهم يتوضؤون من الأقداح". فإن كثر مُنع في إحدى الروايتين؛ وقال أصحاب الشافعي: إن كان الأكثر المستعمل مُنع، وإلا فلا. فإن كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع آخر لم يغيره، جاز الوضوء به، في إحدى الروايتين. الثاني: طاهر غير مطهر: وهو كل ماء خالطه طاهر، فغير اسمه حتى صار صبغاً أو خلاً، أو طُبخ فيه فصار مرقاً، فلا يجوز الوضوء به، لا نعلم فيه خلافاً؛ إلا أنه حكي عن أصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلاء المغلي أنه يجوز الوضوء به. وحكي عن ابن أبي ليلى جواز الوضوء بالمياه المعتصرة، وسائر أهل العلم على خلافه، لأن هذا لا يقع عليه اسم الماء. فإن غيّر أحد أوصافه ففيه روايتان: إحداهما: أنه غير مطهّر، وهو قول مالك والشافعي، أشبه ماء الباقلاء المغلي. إذا ثبت هذا، فإن أصحابنا لا يفرّقون بين المذرور كالزعفران والأشنان وبين الحبوب من الباقلاء ونحوه. وقال الشافعية: ما كان مذروراً منع إذا غيّر،

стр. 7

وما عداه لا يمنع، إلا أن ينحلّ في الماء، ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان، وخالفوهم فيما ذكرنا. وشرط الخرقي الكثرة في الرائحة، لسرعة سرايتها، ولكونها تحصل عن مجاورة، فاعتبرت الكثرة ليعلم أنها عن مخالطة. والرواية الثانية: أنه باق على طهوريته؛ نقلها عن أحمد جماعة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ١ وهذا عام في كل ماء، لأنه نكرة في سياق النفي، و"لأن الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم، وهي تغيّر أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيممون معها". واختلف في المنفصل من المتوضئ عن الحدث والمغتسل من الجنابة، فروي أنه طاهر غير مطهّر، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة والشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، لقوله ﷺ : "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة"، ٢ رواه أبو داود، ولولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، ولأنه أزال به مانعاً من الصلاة. والثانية: أنه مطهّر، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي، وإحدى الروايتين عن مالك، والقول الثاني للشافعي. وهو قول ابن المنذر. وروي عن علي وابن عمر: "فيمن نسي مسح رأسه، إذا وجد بللاً في لحيته: أجزأه أن يمسح رأسه به"، لما روي عنه ﷺ : "الماء لا يجنب"، ٣ و"أنه اغتسل من الجنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها"، رواه أحمد، ولأنه أدى به فرضاً، فجاز أن يؤدي به غيره، كالثوب يصلي فيه مراراً. وقال أبو يوسف:

стр. 8

هو نجس لأنه يسمى طهارة، وهي لا تعقل إلا عن نجاسة، وتطهير الطاهر محال، ووجه طهارته: "أن النبي ﷺ صبّ على جابر من وضوئه"، والدليل على طهارة أعضاء المحدث: قول النبي ﷺ : "المؤمن لا ينجس". وأما المستعمل في طهارة مشروعة كالتجديد، ففيه روايتان، أو غمس فيه يد قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً، فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين: إحداهما: لا يسلبه، وهو الصحيح، لأن الماء قبله طهور فبقي على الأصل، والنهي عن الغمس إن كان لوهم النجاسة، فالوهم لا يزيل الطهورية، وإن كان تعبداً اقتصر على النص. والثانية: يسلبه للنهي، فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه، وروي عن أحمد: أحب إلي أن يريقه إذا غمس يده فيه. وهل يكون غمس بعض اليد كالجميع؟ فيه وجهان. ولا يجب غسلهما عند القيام من نوم النهار، وسوَّى الحسن بينهما، ولنا: قوله: "فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده"، ١ والمبيت يكون في الليل خاصة. وإن كان القائم صبياً، ففيه وجهان. واختلفوا في النوم الذي يتعلق به هذا: فذكر القاضي أنه الذي ينقض الوضوء، وقال ابن عقيل: هو ما زاد على نصف الليل. وتجب النية للغسل في أحد الوجهين، والثاني: لا يفتقر، لأنه علل بوهم النجاسة. ولا يفتقر الغسل إلى تسمية، وقال أبو الخطاب: يفتقر، قياساً على الوضوء، وهو بعيد، لأنها لو وجبت في الوضوء وجبت تعبداً. وإذا وجد ماء قليلاً ولم يمكنه الاغتراف، ويداه نجستان، فإن أمكنه الاغتراف بفيه ويصب

стр. 9

عليهما فَعل، وإلا تيمم. وإن كانتا بعد نوم الليل، فمن قال: إن غمسهما لا يؤثر، قال: يتوضأ. ومن جعله مؤثراً، قال: يتوضأ ويتمم معه. فإن توضأ من ماء كثير أو اغتسل منه بغمس أعضائه ولم ينو غسل اليد، فعند من أوجب النية له يرتفع حدثه، ولا يجزيه عن غسل اليد، لأن غسلهما إما تعبداً وإما لوهم النجاسة، وبقاء النجاسة على العضو لا يمنع ارتفاع الحدث. وإذا انغمس الجنب أو المحدث في ماء دون القلتين ينوي رفع الحدث، صار مستعملاً ولم يرتفع حدثه؛ وقال الشافعي: يصير مستعملاً ويرتفع حدثه، لأنه إنما يصير مستعملاً بارتفاع الحدث. ولنا: قوله: "لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، ١ والنهي يقتضي الفساد. وإذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين، صار الكل طهوراً. وإن بلغ قلتين باجتماعه، فيحتمل أن يزول المنع بحديث القلتين. وإن انضم مستعمل إلى مستعمل وبلغ قلتين، ففيه احتمالان. وإن أزيلت به النجاسة فانفصل غير متغير بعد زوالها، فهو طاهر، رواية واحدة، إن كان المحل أرضاً. وقال أبو بكر: إنما يحكم بطهارته إذا نشفت أعيان البول، فإن كانت قائمة فجرى الماء عليها فطهّرها، ففي المنفصل روايتان، كغير الأرض. ولنا: قوله: "صبّوا على بول الإعرابي ذنوباً من ماء"، فلو كان المنفصل نجسا، ً لكان تكثيراً للنجاسة، ولم يفرّق بين نشافه وعدمه. والظاهر أنه إنما أمر عقيب البول. وإن كان غير الأرض، فهو طاهر في أصح الوجهين؛ وهو مذهب الشافعي. وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور، ولا يجوز للرجل الطهارة به، لحديث الحكم بن عمرو. قال أحمد: جماعة كرهوه.

стр. 10

وخصصناه بالخلوة لقول عبد الله بن سرجس: "توضأ أنت ههنا، وهي ههنا. فأما إذا خلت به فلا تقربنه". وفيه رواية: "يجوز، لحديث ميمونة". فإن خلت به في إزالة النجاسة، ففيه وجهان. وإن خلت به في بعض أعضائها أو تجديد أو استنجاء، فوجهان. وإن خلت به الذمية في غسل الحيض، فوجهان: أحدهما: المنع لأنها أبعد عن الطهارة، وقد تعلق به إباحة وطئها. والثاني: الجواز، لأن طهارتها لا تصح. ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضآ من إناء واحد من غير كراهة. ولا يجوز رفع الحدث إلا بالماء. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، لحديث ابن مسعود: "ثمرة طيبة وماء طهور". ١ ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ، ٢ أوجب الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء، وحديثهم لا يثبت. فأما غير النبيذ، فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يجوز الوضوء به، غير ما ذكرنا في الماء المعتصر. القسم الثالث: نجس، وهو ما تغير بمخالطة النجاسة؛ فهو نجس بالإجماع؛ حكاه ابن المنذر. فإن لم يتغير، وهو يسير، فهل ينجس؟ على روايتين: إحداهما: ينجس، لحديث القلتين، وتحديده بهما يدل على نجاسة ما دونهما وإلا لم يكن مفيداً، "ونهى النبي ﷺ القائم من نومه عن غسل يده في الماء"، فدل على أنه يفيد منعاً، و"أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقة سؤره"، ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير.

стр. 11

والثانية: "لا ينجس الماء إلا بالتغير، روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس والحسن". وهو مذهب الثوري وابن المنذر، لحديث بضاعة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الكثير ينجس بالنجاسة من غير تغيّر، إلا أن يبلغ حداً يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه. واختلفوا في حده لقوله: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل منه"، ١ ولم يفرّق بين قليله وكثيره. ولنا: خبر القلتين وبئر بضاعة. وحديثهم لا بد من تخصيصه بما زاد على الحد الذي ذكروه؛ فتخصيصه بقول النبي ﷺ أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم من غير أصل. وما ذكروه من الحد تقدير من غير توقيف، ولا يصار إليه من غير نص ولا إجماع، مع أن حديثهم خاص بالبول، وهو قولنا في إحدى الروايتين جمعاً بين الحديثين؛ فنقصر الحكم على ما تناوله النص وهو البول، لأن له من التأكيد والانتشار ما ليس لغيره، إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذرة مائعة، ففيه روايتان: إحداهما: لا ينجس، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، لحديث القلتين. وحديث النهي عن البول فيه لا بد من تخصيصه بما لا يمكن نزحه إجماعاً. فتخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم. والأخرى: ينجس، لحديث النهي عن البول فيه، وإن كوثر النجس بماء يسير أو بغير الماء كالتراب ونحوه، فأزال التغير، لم يطهر في أحد الوجهين، والثاني يطهر لأن علة النجاسة زالت. فأما غير الماء إذا وقعت فيه نجاسة، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: ينجس وإن كثر، لقوله: "وإن كان مائعاً، فلا تقربوه"، ٢ ولم يفرق بين قليله وكثيره. الثانية: أنها كالماء، لا ينجس منها ما بلغ قلتين إلا بالتغير، قياساً على الماء.

стр. 12

قال حرب: سألت أحمد قلت: كلب ولغ في سمن أو زيت، قال: إذا كان في آنية كبيرة، مثل حُب أو نحوه، رجوت أن لا يكون به بأسٌ، يؤكل. وإن كان في آنية صغيرة، فلا يعجبني. والثالثة: أن ما أصله الماء كالخل التمري، يدفع النجاسة، وما لا فلا. والماء المستعمل في رفع الحدث وما كان طاهراً غير مطهِّر، ففيه احتمالان، ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها، وما أدركه الطرف وما لم يدركه. وعن الشافعي: أن ما لا يدركه الطرف معفى عنه للمشقة، ولنا: أن دليل التنجس لا يفرق بين قليل النجاسة وكثيرها؛ فالتفريق تحكم، وما ذكروه من المشقة ممنوع، لأنا إنما نحكم بالنجاسة إذا علمنا وصولها، ثم إن المشقة بمجردها حكمة لا يجوز تعلق الحكم بها بمجردها، وجعل ما يدركه الطرف ضابطاً لها إنما يصحُّ بالتوقيف أو باعتبار الشرع له في موضع واحد، ولم يوجد واحد منهما. والقلتان: خمسمائة رطل بالعراقي، وعنه: أربعمائة رطل، وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين. ونقل عن أحمد التفريق بين الجاري والواقف، فإنه قال في حوض الحمام: قد قيل إنه بمنزلة الماء الجاري، وقال في البئر: تكون لها مادة وهو واقف ليس هو بمنزلة الجاري، فعلى هذا لا ينجس إلا بالتغير لأن الأصل طهارته، ولأنه بمجموعه يزيد على القلتين. فإن قيل فالجرية لا تبلغهما، قيل: تخصيص الجرية بهذا التقدير تحكم، وهذا اختيار شيخنا، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرة بنجسة، صلى في كل ثوب صلاةن بعدد النجس، وزاد صلاة. وقال أبو ثور: لا يصلي في شيء منهما. وقال أبو حنيفة والشافعي: يتحرى، كقولهما في الأواني والقبلة.

стр. 13

فإن سقط عليه من طريقٍ ماء، لم يلزمه السؤال عنه. قال عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإنا نرِد عليها وترد علينا"، رواه في الموطإ. قال ابن عقيل: لا يلزم ردّ الجواب، لخبر عمر. قال شيخنا: يحتمل أن يلزمه، لأنه سئل عن شرط الصلاة، كما لو سئل عن القبلة؛ وخبر عمر يدل على أن سؤر السباع طاهر. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وعند الشيخ: أن كل ما هو طاهر تحصل به الطهارة. وقال في ماء زمزم: وعنه: يكره الغسل وحده، اختاره الشيخ. وذكر عنه أيضاً في الماء المستعمل والمغموسة به يد القائم من نوم الليل: ولو نوى جنب بانغماسه كله أو بعضه في ماء قليل راكد رفْعَ حدثه، لم يرتفع، وقيل: يرتفع، اختاره الشيخ. والماء في محل التطهير لا يؤثر تغيّره، وقيل: يؤثر، اختاره الشيخ وقال: التفريق بينهما بوصف غير مؤثر لغة وشرعاً. وإن لم يتغير وهو يسير، فهل ينجس؟ الرواية الثانية: لا ينجس، اختارها الشيخ. وقيل بالفرق بين يسير الرائحة وغيرها، فيعفى عن يسير الرائحة، ذكره ابن البنا، ونصره ابن رجب في شرح البخاري. وأظن أنه اختيار الشيخ وابن القيم. وإذا لاقت النجاسة مائعاً، فاختار الشيخ أن حكمه حكم الماء. واختار أن الثياب الطاهرة والنجسة إذا اشتبهت، صلى في واحد منها بالتحري.

стр. 14

باب الآنية جميع الآنية الطاهرة يباح استعمالها، سواء كانت ثمينة أو لا، في قول عامة أهل العلم، إلا أنه روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص. وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس. وقال الشافعي في أحد قوليه: ما كان ثميناً لنفاسة جوهره حرُم، لأن فيه نوع سرف، ولأن تحريم آنية الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أنفس منها. ولنا: ما روى البخاري: "أن النبي ﷺ توضأ من تور من صفر". ١ وأما الجواهر فلا يصح قياسها على الأثمان، لأنها لا تُتخذ إلا نادراً. وجاز استعمال القصب من الثياب، وإن زادت قيمته على الحرير. ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز، ولو جعله ذهباً لم يجز. قال: ولا يختلف المذهب في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، وحكي عن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال كاتخاذ ثياب الحرير. وأما المضبب بهما، فإن كان كثيراً حرُم بكل حال. وقال أبو حنيفة: يباح لأنه تابع للمباح. ولنا: حديث: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك ... " الحديث رواه الدارقطني، ٢ إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، كتشعيب القدح إذا لم يباشرها بالاستعمال؛ وممن رخص فيه طاووس وإسحاق وابن المنذر. و"كان ابن عمر لا يشرب

стр. 15

من قدح فيه فضة ولا ضبة". وكره الشرب في الإناء المفضض عطاء وسالم، ولعلهم كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيراً. ويباح طعام أهل الكتاب واستعمال آنيتهم، قال: وهل يكره؟ على روايتين: إحداهما: لا يكره لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ، ١ وحديث ابن المغفل، و"توضأ عمرُ من جرة نصرانية". والثانية: يُكره، لحديث أبي ثعلبة المتفق عليه. وأما ثيابهم، فما ولي عوراتهم كالسراويل فروي عن أحمد أنه قال: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه. وأما غير أهل الكتاب، فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملاً بالأصل. وأما أوانيهم، فمذهب الشافعي أن حكمها حكم أواني أهل الكتاب، "لأنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة". وقال القاضي: "لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله"، لحديث أبي ثعلبة. ولا نعلم خلافاً في إباحة الثوب الذي نسجوه. وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وثوب المرأة الذي تحيض فيه، "لصلاته ﷺ وهو حامل أمامة"، والتوقي لذلك أوْلى لاحتمال النجاسة. ولأبي داود عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ لا يصلّي في شعرنا ولحفنا". ٢ ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حُب الصبّاغ، مسلماً كان أو كتابياً؛ فإن علمت نجاسته طهر بالغسل ولو بقي اللون، لقوله في الدم: "الماء يكفيك، ولا يضرّك أثره". ٣ رواه أبو داود. ويستحب تخمير الأواني وإيكاء الأسقية، للحديث.

стр. 16

ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ. وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهراً في الحياة. قال بعض أصحابنا: يطهر جلد مأكول اللحم؛ وهو مذهب الأوزاعي وإسحاق، لقوله: "ذكاة الأديم: دباغه"؛ ١ والذكاة إنما تُعمل في مأكول اللحم. والأول ظاهر كلام أحمد، لأن قوله: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر" ٢ يتناول المأكول وغيره، خرج منه ما كان نجساً في الحياة، لكون الدبغ إنما يرفع نجاسة حادثة بالموت، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة: الطيبة، كقولهم: رائحة ذكية. ويحتمل أنه أراد بها الطهارة؛ يدل عليه أنه لو أراد بالذكاة الذبح، لأضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد. فأمّا جلود السباع، فلا يجوز الانتفاع بها، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. وروي عن ابن سيرين وعروة: الرخصة في الركوب على جلود النمور. ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها، إلا الكلب والخنزير. وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد. وحكي عن مالك، لعموم: "أيما إهاب دُبغ، فقد طهر". ٣ ولنا: "نهيه ﷺ عن ركوب جلود النمور". رواه أبو داود. وله في حديث آخر: "نهى عن جلود السباع والركوب عليها". وإذا قلنا بطهارته بالدباغ، لم يحل أكله. فظاهر كلام الشافعي أنه إن كان من مأكول جاز، لأن الدباغ ذكاة، والأول أصح، لقوله: "إنما حرّم أكلها". ٤ ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل. ولا يجوز بيعه قبل الدبغ، لا نعلم فيه خلافاً، وهل يطهر بالدبغ قبل الغسل؟ قيل: لا، لقوله: "يطهِّرها الماء والقرظ". ٥ رواه أبو داود. وقيل: بلى، لقوله: "أيما أهاب دُبغ، فقد طهر". ٦ ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، وقال مالك: يطهر، لقوله: "ذكاة الأديم دباغه"، ولنا: أن النهي عن جلود السباع عام، ولأنه ذبح لا يبيح اللحم؛ وقياس الذكاة على الدبغ لا يصح لأنه أقوى. ولبن الميتة نجسٌ لأنه مائع في وعاء نجس،

стр. 17

وكذلك أنفحتها، وروي أنها طاهرة؛ وهو قول أبي حنيفة وداود، لأن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن، وهو يُعمل بالأنفحة، وذبائحهم ميتة. والأول أوْلى لأنه قيل: إن جزارهم اليهود والنصارى، ولو لم ينقل ذلك لكان الاحتمال كافياً؛ فإنه قد كان فيهم اليهود والنصارى. وقد روي "أن الصحابة لما قدموا العراق كسروا جيشاً منهم بعد أن وضعوا طعامهم، فلما فرغ المسلمون أكلوه"، وهو لا يخلو من اللحم ظاهراً. فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم، لما أكلوا من لحمهم. وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها، فهي طاهرة؛ وهو قول ابن المنذر. و"كرهها علي وابن عمر ومالك". وعظام الميتة نجسة، وهو قول مالك والشافعي. ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة: ابن سيرين وابن جريج. وقال مالك: إن ذُكِّي الفيل فعظمه طاهر، لأنه مأكول عنده. وقال الثوري وأبو حنيفة: عظام الميتة طاهرة لأن الموت لا يحلها. ولنا: قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ وتحريم كلِّ ذي ناب من السباع، وقولهم: العظام لا يحلها الموت ممنوع، لقوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ الآية ٢، ولأن دليل الحياة: الإحساس والألم، وهو في العظم أشد منه في اللحم. والقرن والظفر والحافر كالعظم، لقوله: "ما يُقطع من البهيمة وهي حية، فهو كميته". ٣ قال الترمذي: حسن غريب. ويحتمل أن هذا طاهر، والخبر أريد به ما يُقطع مما فيه حياة فيموت بفصله، بدليل الشعر. وصوفها وشعرها وريشها طاهر، وبه قال مالك وابن المنذر. وقال الشافعي: هو نجس لأنه ينمي من الحياة، فينجس بموته كأعضائه؛ وهذا

стр. 18

منتقض بالبيض. وشعر الآدمي طاهر في الحياة والموت. وقال الشافعي في أحد قوليه: ينجس بفصله. ولهم في شعر النبي ﷺ وجهان. ولنا: "أنه ﷺ فرّق شعره بين أصحابه"، وما كان طاهراً منه، كان طاهراً من غيره. وهل يجوز الخرز بشعر الخنزير؟ فيه روايتان. ورخص فيه الحسن ومالك والأوزاعي. وعن أحمد أنه قال: لا بأس به؛ ولعله قال ذلك لأنه لا يسلم منه الناس، وفي تكليف غسله إتلاف أموال الناس. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": حكى ابن عقيل عن أبي الحسن التميمي أنه قال: إذا اتخذ مسعطاً أو قنديلاً أو نعلين أو مجمرة أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم. وفي الضبة أربع مسائل: كونها يسيرة بالشروط المتقدمة فتباح، وكبيرة لغير حاجة فلا تباح. واختار الشيخ الإباحة إذا كانت أقل مما فيه، وكبيرة لحاجة، ويسيرة لغير حاجة فلا تباح. وقيل: لا تحرم، اختاره الشيخ. وقال أبو بكر: يباح يسير الذهب، واختاره الشيخ وقال: قد غلط طائفة من الأصحاب حيث حكت قولا بإباحة يسير الذهب تبعاً في الآنية عن أبي بكر، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس والتحلي وهما أوسع. وقال الشيخ أيضاً: يباح الاكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجةٌ. وإذا قلنا: يطهر جلد الميتة بالدباغ، فهل يختص بالمأكول أو ما كان طاهراً في حال الحياة؟ فيه وجهان: أحدهما: يشمل، اختاره الشيخ، واختار في الفتاوى المصرية اختصاصه بالمأكول. وعلى القول بأن الدباغ لا يطهر اختار الشيخ الانتفاع به في المائعات إن لم ينجس العين.

стр. 19

ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، ولا يجوز ذبحه لأجل ذلك. قال الشيخ: ولو كان في النزع. وما طهر بدبغه جاز بيعه. وأطلق أبو الخطاب جواز بيعه مع نجاسته، قال في الفروع: فيتوجه منه جواز بيع نجاسة يجوز الانتفاع بها، ولا فرق ولا إجماع كما قيل. قال ابن قاسم المالكي: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: هذا من قوله يدل على بيع العذرة، وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأنه من منافع الناس. ولبن الميتة وأنفحتها نجس. وعنه: أنه طاهر مباح، اختاره الشيخ. واختار طهارة عظمها وقرنها وظفرها، نقل الميموني: صوف الميتة ما أعلم أحداً كرهه.

стр. 20

باب الاستنجاء يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: "بسم الله"، لحديث علي، رواه ابن ماجة. ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم"، لحديث أبي أمامة، رواه ابن ماجة، ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"، لحديث أنس، متفق عليه، قال أبو عبيدة: الخبْث بسكون الباء: الشر، وبضمها وبضم الخاء: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة. استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم. ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله، "لأنه ﷺ كان إذا دخله وضع خاتمه"، ١ قال الترمذي: صحيح غريب. ويقدم اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ولا يتكلم "لأنه ﷺ لم يرد السلام في هذه الحال". رواه مسلم. ولا يذكر الله بلسانه، "روي كراهته عن ابن عباس". وعن ابن سيرين: لا بأس به. ولنا: "أنه ﷺ لم يرد السلام الذي يجب رده". فإن عطس، حمد الله بقلبه ولم يتكلم. وفي رواية: يحمد الله بلسانه. وإذا خرج قال: "غفرانك"، لحديث الترمذي وحسنه، ويقولُ: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، لحديث ابن ماجة. ولا بأس أن يبول في الإناء، لحديث أميمة، رواه أبو داود. وإن كان في الفضاء، أبعد، لما روى أبو داود في الاستتار والارتياد: "أنه ﷺ إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد، واستتر، وارتاد مكاناً رخواً". ٢ ويستحب أن يبول قاعداً، قال

стр. 21

ابن مسعود: "من الجفاء أن تبول وأنت قائم"، و"رويت فيه الرخصة عن عمر وغيره"، لحديث حذيفة، ولعله فعله ليبين الجواز، أو كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه. ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولا ظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة، ومثلها موارد الماء، لما روى أبو داود: "أنه ﷺ نهى أن يبال في الجحر"، ١ قال قتادة: يقال: إنها مساكن الجن، ولأنه ﷺ قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"، ٢ والبول تحت الشجرة المثمرة ينجس الثمرة. ويكره البول في الماء الراكد للنهي عنه، ولا يبول في المغتسل لما روى أبو داود عن رجل صحب النبي ﷺ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله". ٣ وقد رُوي أن عامة الوسواس منه. قال أحمد: إن صب عليه الماء فجرى في البالوعة، فلا بأس. ولا يستقبل الريح لئلا يتنجس. ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء، وهذا قول أكثر أهل العلم، وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان. ثم ذكر في النهي حديث أبي أيوب المتفق عليه وحديث أبي هريرة عند مسلم إلى أن قال: والثالثة: يجوز في البنيان، ولا يجوز في الفضاء، وهو الصحيح. ثم ذكر حديث مروان الأصغر عن ابن عمر، رواه أبو داود وقال: هذا تفسير للنهي العام، وفيه جمع بين الأحاديث. فإذا فرغ مسح بيسراه من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثاً، لحديث: "إذا بال أحدكم، فلينتر ذكره ثلاث مرات ". ٤ رواه أحمد. ولا يمسح ذكره بيمينه ولا يستجمر بها، لحديث: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " ٥.

стр. 22

متفق عليه. وإن فعل لغير حاجة أجزأه عند الأكثر. وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه، للنهي، كما لو استنجى بالروث. والأول أولى، لأن الروث آلة الاستجمار، وبشرطه: واليد إنما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل. والجمع بين الحجر والماء أفضل، قال أحمد: هو أحب إليَّ، لقول عائشة: "مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وأن النبي ﷺ كان يفعله". ١ قال الترمذي: حديث صحيح. ويجزئه أحدهما في قول الأكثر. وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير "أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء"، قال ابن المسيب: وهل يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وأما الاقتصار على الاستجمار فجائز بغير خلاف، إلا أن يعدو الخارج موضع العادة، فلا يجزئ إلا الماء، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر. والثيب إن تعدى بولها إلى مخرج الحيض، فقال أصحابنا: يجب غسله، قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجب، لأنه لو لزم لبينه ﷺ لأزواجه. و"إذا استنجى بالماء استحب له دلك يده بالأرض، لأنه ﷺ فعله". رواه البخاري. قال حنبل: سألت أحمد قلت: أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد، قال: إذا توضأت فاستبرئ، ثم خذ كفاً من ماء فرُشّه في فرجك ولا تلتفت إليه، فإنه يذهب إن شاء الله. والاستجمار بالخشب والخرق وما في معناهما مما ينقي جائز في قول الأكثر، وعنه: لا يجزئ إلا الأحجار، وهو مذهب داود، وفي حديث سلمان عند مسلم: "نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم"، وتخصيصهما بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها. ويشترط فيما يستجمر به أن

стр. 23

يكون طاهراً، فإن كان نجساً لم يجزئه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزئه، ولنا: قوله في الروث: "هذا ركس" يعني: نجساً، رواه الترمذي. ولا يجوز بالروث والعظم. وقال أبو حنيفة: يجوز، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منها. ولنا: ما روى مسلم عن ابن مسعود، وكذلك الطعام لأنه علل النهي عن العظم والروث، بأنه زاد الجن، فزادنا أولى. ولا يجزي أقل من ثلاث مسحات، إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة أحجار، وعنه: لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وهو قول ابن المنذر ويشترط الإنقاء وهو إزالة النجاسة وبلِّها، وقال مالك: يجزئ دون العدد إذا حصل الإنقاء، ولنا: حديث سلمان. ويقطع على وتر، لحديث أبي هريرة. ويجزئ في النادر كالمعتاد. ولأصحاب الشافعي وجه: أنه لا يجزئ في النادر; لأنه أمر بغسل الذكر من المذي. ويجب من كل خارج إلا الريح، وهذا قول أكثر أهل العلم، أعني: وجوب الاستنجاء في الجملة. وحكي عن ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج: لا أعلم به بأساً، وهذا مذهب أبي حنيفة. فإن توضأ قبله، فهل يصح وضوؤه؟ على روايتين. الثانية: يصح، وهي أصح، وهو مذهب الشافعي. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قال أحمد في الدرهم إذا كان فيه اسم الله أو مكتوباً عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ يكره أن يدخل اسم الله الخلاء. ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، يحتمل الكراهة إذا لم تكن حاجة؛ جزم به الشيخ في شرح العمدة. ويحتمل التحريم، وهي رواية عن أحمد. وحَمْدُ العاطس وإجابة المؤذن بقلبه، ويكره بلفظ؛ وعنه: لا يكره. قال الشيخ: يجيب المؤذن في الخلاء. ولا يستقبل الشمس ولا القمر،

стр. 24

وقيل: لا يكره، اختاره في الفائق. ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء والبنيان، اختاره الشيخ وابن القيم، ويكفي انحرافه. وظاهر كلام صاحب المحرر وحفيد: لا يكفي. وإذا فرغ مسح ... إلخ. وقال الشيخ: يكره السلت والنتر. وظاهر كلام المصنف: لا يتنحنح، ولا يمشي بعد فراغه وقبل الاستنجاء، قال الشيخ: كل ذلك بدعة. واختار أنه يستجمر في الصفحتين والحشفة وغير ذلك، للعموم. ولا يجب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب من نجاسة وجنابة، نص عليه، واختاره المجد وحفيده. وأثر الاستجمار نجس يعفى عن يسيره، وعنه: طاهر. وظاهر كلام المصنف: جواز الاستجمار بالمغصوب، واختاره الشيخ في قواعده١. واختار الإجزاء بالروث والعظام، قال: لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقى، بل لإفساده. فإذا قيل يزول بطعامنا مع التحريم، فهذا أولى. واختار في قواعده الإجزاء بالمطعوم ونحوه.

стр. 25

باب السواك وسنية الوضوء ... باب السواك وسنة الوضوء والسواك مسنون في جميع الأوقات، لا نعلم خلافاً في استحبابه وتأكده، إلا للصائم بعد الزوال، ولا نعلم أحداً، قال بوجوبه إلا إسحاق وداود. و"يتأكد استحبابه عند الصلاة وعند القيام من النوم"، لحديث حذيفة، وعند تغير رائحة الفم. ويستاك على أسنانه ولسانه، لقول أبي موسى: "رأيت النبي ﷺ يستاك على لسانه"١. متفق عليه. فإن استاك بأصبعه أو خرقة، فهل يصيب السنة؟ على وجهين: أحدهما: لا يصيب. والثاني: يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء. ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها، وهو الصحيح، لحديث أنس، مرفوعاً: "يجزئ من السواك الأصابع". رواه البيهقي، قال محمد بن عبد الواحد الحافظ: هذا إسناده لا أرى به بأساً. ويستاك عرضاً، فإن استاك على لسانه طولاً، فلا بأس، لحديث أبي موسى: "دخلت عليه وهو واضع طرف السواك على لسانه، يستن إلى فوق". ويدّهن غباً، لنهيه عن الترجل إلا غباً، قال أحمد: معناه يدهن يوماً ويوماً، ولأبي داود عنه ﷺ : "من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" ٢. فصول في الفطرة. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الفطرة خمس: الختان، الاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط" ٣.

стр. 26

متفق عليه. ثم ذكر حديث ابن الزبير عن عائشة، مرفوعاً: "عشر من الفطرة". ١ أخرجه مسلم. وسئل أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره، أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قيل له: بلغك فيه شيء؟ قال: "كان ابن عمر يدفنه". قيل لأحمد: ترى أن يأخذ الرجل سفلته - أي عانته – بالمقراض، وإن لم يستقص؟ قال: أرجو أن يجزيه، إن شاء الله. ويستحب إعفاء اللحية، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة; فيه وجهان: أحدهما: يكره، لحديث ابن عمر، مرفوعاً: "خالفوا المشركين، احفو الشوارب وأوفوا اللحى". ٢ متفق عليه. والثاني: "لا يكره، لأن ابن عمر كان يفعله"، رواه البخاري. وسئل أحمد عن: الرجل يتخذ الشعر؟ قال: سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه. وقال: "كان للنبي ﷺ جمة". و"يستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي ﷺ إذا طال فإلى المنكب، وإذا قصر فإلى شحمة الأذن". وإن طوّله فلا بأس نص عليه. وقال أبو عبيدة: "كان له عقيصتان، وعثمان كان له عقيصتان". ويستحب ترجيل الشعر وإكرامه، لقوله ﷺ : "من كان له شعر فليكرمه". ٣ رواه أبو داود. ويستحب فرقه، "لأنه ﷺ فرق وذكره في الفطرة". وهل يكره حلق الرأس في غير الحج والعمرة؟ فيه روايتان: إحداهما: يكره، لقوله في الخوارج: "سيماهم التحليق ". ٤ والثانية: لا، "لنهيه ﷺ عن القزع"، وقال: "احلقه كله، أو دعه كله". رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق، وكفى بهذا حجة. فأما أخذه بالمقراض، فلا بأس، رواية واحدة؛ قال أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموسى، وأما المقراض فليس به بأس. وحلقه للمرأة

стр. 27

مكروه، رواية واحدة إلا لضرورة. قيل لأحمد: لا نقدر على الدهن وما يصلحه يقع فيه الدواب، فقال: إن كان لضرورة، فأرجو أن لا يكون به بأس. ويكره نتف الشيب، لحديث عمرو بن شعيب، وروي عنه ﷺ : "أنه لعن الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة"، فهذه الخصال محرمة لأن النبي ﷺ لعن فاعلها. وأما الواصلة بغير الشعر، فإن كان مما يشد به فلا بأس، وإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان. والنامصة: التي تنتف الشعر من الوجه. وإن حلقه فلا بأس، لأن الخبر ورد في النتف، نص عليه. والواشرة: التي تبرد الأسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها. وفي خبر آخر: "لعن الله الواشمة والمستوشمة" ١."ويستحب الطيب لأنه يعجبه ﷺ ". والنظر في المرآة، قال حنبل: كان لأبي عبد الله صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط، فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط. ولأحمد عن أبي أيوب، مرفوعا: ً "أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح" ٢. ويستحب خضاب الشيب بغير السواد. قيل لأحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله، لقوله ﷺ في حديث أبي بكر: "وجنبوه السواد". ويكره القزع وهو: حلق بعض الرأس، لنهيه عنه. ويجب الختان ما لم يخف على نفسه، لقوله لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر، واختتن". ٣ رواه أبو داود، قال أحمد: "كان ابن عباس يشدد

стр. 28

في أمره". وروي عنه: "لا حج له ولا صلاة". ١ ورخص الحسن في تركه قال: "قد أسلم الأسود والأبيض ولم يفتش واحد منهم، ولم يختتنوا". ويشرع في حق النساء، بقوله: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". ٢ قال مالك: يختتن يوم أسبوعه، وقال أحمد: لم أسمع فيه شيئاً. قال ابن المنذر: ليس فيه خبر حتى يرجع إليه ولا سنة تتبع، والأشياء على الإباحة. ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله ودخوله المسجد، لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله". ٣ متفق عليه. (فصل) : وسنن الوضوء عشر: السواك، لقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم مع كل وضوء بسواك". ٤ رواه أحمد. والتسمية، وعنه: أنها واجبة مع الذكر، لقوله: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". ٥ رواه أبو داود، وقال أحمد: ليس في هذا حديث. وغسل الكفين إن لم يكن قائما من نوم الليل، وإلا ففي وجوبه روايتان، لأن الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا: "أنه غسَل كفيه ثلاثاً"، وأما عند القيام من نوم الليل، فروي عنه: أنه مستحب، وهو قول مالك والشافعي وابن المنذر، لأن الله قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ٦ الآية. والحديث محمول على الاستحباب. وهذا هو الصحيح إن شاء الله.

стр. 29

والبداءة بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما، إلا أن يكون صائماً، لأن الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا ذلك - أي الابتداء بهما - قبل الوجه. والمبالغة سنة، لقوله: "أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً". ١ صححه الترمذي، وقسنا عليه المضمضة، لأنها من الإسباغ. ويستحب المبالغة في سائر الأعضاء بالتخليل ودلك المواضع التي ينبو عنها الماء. و"يستحب مجاوزة موضع الوجوب بالغسل"، لحديث أبي هريرة، وتخليل اللحية، لحديث عثمان: "أنه ﷺ كان يخلل لحيته". ٢ صححه الترمذي. ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه، ويمسح مآقيه، ٣ لما روى أبو داود: "كان النبي ﷺ يمسح المأقين"، ٤ وتخليل أصابع اليدين والرجلين، لما تقدم، وهو في الرجلين آكد، لقول المستورد: "رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره". ٥ رواه أبو داود. وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين: إحداهما: يستحب، لقوله: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك". ٦ حسنه الترمذي. و"لا خلاف في استحباب البداءة باليمنى"، لحديث عائشة، قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً؛ وهو قول مالك والشافعي. وقال ابن المنذر: ليس بمسنون. وحكى رواية عن أحمد، لأنه غير موجود في الأخبار، ولأن في حديث الرُّبيع: "مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة". ٧ رواه أبو داود. والغسلة الثانية والثالثة، أي: سنة وليس بواجب، لأنه توضأ مرة مرة. رواه البخاري

стр. 30

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف". إلا لصائم بعد الزوال، وعنه: يستحب، اختاره الشيخ. قوله: ويدهن غباً، واختار الشيخ فعل الأصلح بالبدن، كالغسل بماء حار في بلد رطب. وقال: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة. وكره أحمد الحجامة يوم السبت والأربعاء، وعنه: الوقف في الجمعة. قال في الفروع: ويتوجه احتمال: تكره يوم الثلاثاء، لخبر أبي بكرة، وفيه ضعف، قال: ولعله اختيار أبي داود، لاقتصاره على روايته، والصحيح أنه يستاك بيساره. قال الشيخ: ما علمت إماماً خالف فيه كانتثاره. وغسلهما تعبد، ١ وقيل: لوهم النجاسة، كالحدث بالنوم، وقيل: معلل بمبيت يده ملابسة للشيطان، ويغسلان لمعنى فيهما. وذكر أبو الحسين رواية: أنه لأجل إدخالهما الإناء، فيصح وضوؤه ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال. قوله: "أخذ ماء جديداً للأذنين". وعنه: لا يستحب، بل يمسحان بماء الرأس، اختاره الشيخ. قال ابن القيم: الأذكار التي تقولها العامة عند كل عضو لا أصل لها.

стр. 31

باب فروض الوضوء وصفته فروضه ستة: غسل الوجه بالإجماع، للآية. وغسل اليدين، وهو الفرض الثاني. ومسح الرأس وهو الثالث. وغسل الرجلين وهو الرابع. والترتيب على ما ذكر الله وهو الخامس، ومذهب مالك: لا يجب، اختاره ابن المنذر، لأن الله عطف بواو الجمع، وأما ترتيب اليمنى على اليسرى فلا يجب بالإجماع، لأن الله ذكر مخرجهما واحداً، قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ . ١ وإن اجتمع الحدثان، سقط الترتيب والموالاة. والموالاة وهي السادس، وعنه: أنها غير واجبة، اختاره ابن المنذر. ووجه الأولى: حديث صاحب اللمعة، رواه أبو داود. والنية شرط لطهارة الأحداث كلها والتيمم، وقال الثوري: تشترط في التيمم دون طهارة الماء للآية. ولنا: "إنما الأعمال بالنيات". ٢ والآية حجة لنا، فإن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ٣ أي: لها، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل، أي: له، وقولهم مقتضى الأمر حصول الإجزاء به، قلنا: بل مقتضاه وجوب الفعل، ولا يمنع أن يشترط له شرطا آخر كآية التيمم. وقولهم: إنها طهارة، قلنا: إنها عبادة. ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه ثم يستنثره بيساره، لما روي "أن عثمان غسل يديه ثلاثاً، ثم غرف بيمينه

стр. 32

فتمضمض واستنشق بكف واحدة، واستنثر بيساره. فعل ذلك ثلاثاً. ثم ذكر سائر الوضوء. ثم قال: إن النبي ﷺ توضأ لنا كما توضأت لكم" رواه سعيد. ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه، لكن يستحب، لأن الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا أنه بدأ بهما إلا شيئا نادراً. وهل يجب الترتيب بينهما وبين سائر الأعضاء؟ على روايتين: إحداهما: يجب. والثانية: لا، لما روى المقدام: أنه ﷺ أتي بوضوء فذكره، وفيه: "أنه تمضمض واستنشق بعد غسل الوجه واليدين". رواه أبو داود. وهما واجبان في الطهارتين. وعنه: الواجب الاستنشاق وحده فيهما، وبه قال ابن المنذر لقوله: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر". ١ متفق عليه. وعنه: واجبان في الكبرى دون الصغرى. وقال مالك والشافعي: مسنونان فيهما، لحديث: "عشر من الفطرة"، ٢ والفطرة: السنة. ولنا: حديث لقيط: "إذا توضأت فتمضمض". رواه أبو داود. وكل من وصف وضوءه ذكر "أنه فعلهما"، ومداومته تدل على وجوبهما، لأن فعله يصلح أن يكون بياناً لأمر الله، وكونهما من الفطرة لا ينفي وجوبهما، كالختان. ثم يغسل وجهه ثلاثاً، وحدّه: من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً مع ما استرسل من اللحية، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. ولا اعتبار بالأصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه، ولا بالأقرع الذي نزل شعره إلى وجهه، بل بغالب الناس. وقال مالك: ما بين اللحية والأذن ليس من الوجه، ولا يجب غسله. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بقول مالك هذا. ويدخل في الوجه العذار وهو: الشعر الذي على العظم الناتيء سمت صماخ الأذن، والعارض الذي تحته نابت على الخد واللحيين، والذقن الذي على مجمع اللحيي؛، فهذه الشعور الثلاثة من الوجه. فأما الصدغ وهو: الذي فوق العذار فالصحيح أنه من

стр. 33

الرأس لأن في حديث الرُّبيع: "أنه مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة". ١ رواه أبو داود. وعن أبي حنيفة: لا يجب غسل اللحية الكثيفة وما تحتها من البشرة، قال الخلال: الذي ثبت عن أبي عبد الله في اللحية: أنه لا يغسلها، وليست من الوجه؛ وظاهر هذا كمذهب أبي حنيفة، والمشهور في المذهب: وجوب غسلها، وما روي عن أحمد يحتمل أنه أراد غسل باطنها. وإن كان شعرها خفيفاً يصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان كثيفاً أجزأ غسل ظاهره، ويستحب تخليله ولا يجب؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لأن الله لم يذكر التخليل، ولأن أكثر من حكى وضوءه ﷺ لم يحكه، وهو كثيف اللحية؛ وفعله بعض الأحيان يدل على استحبابه. وقال إسحاق: إذا تركه عامداً أعاد الوضوء، لحديث أنس: "أنه ﷺ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه وخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي ". ٢ رواه أبو داود. وقال عطاء: يجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة في الوضوء، قياساً على الجنابة، وقول الجمهور أولى، والفرْق أنه يشق في الوضوء لتكرره. ولا يستحب غسل داخل العينين في وضوء ولا غسل، لأنه ﷺ لم يفعله ولا أمر به وفيه ضرر، وذكر عن أحمد: استحبابه في الغسل، وذكره أبو الخطاب من سنن الوضوء، لفعل ابن عمر. وما ذكره عنه يدل على كراهته لكونه ذهب ببصره. ويستحب التكثير في ماء الوجه، لأن فيه غضوناً ليصل الماء إلى جميعه. وروي عن علي في صفة وضوء النبي ﷺ قال: "ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً، فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما على وجهه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك. ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه". ٣ رواه أبو داود، يعني: تسيل وتنصب.

стр. 34

(فصل) : ثم يغسل يديه إلى المرفقين، ويدخلهما في الغسل، في قول الأكثر، وحكي عن بعض المالكية: لا يجب لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ، ١ و "إلى" لانتهاء الغاية. ولنا: أنها تستعمل بمعنى "مع" كقوله: ﴿قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ، ٢ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ . ٣ وقال المبرد: إذا كان الحدّ من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف. وإذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء، فقيل: لا تصح الطهارة حتى يزيله، قال شيخنا: ويحتمل أن لا يجب، لأن هذا يستتر عادة؛ فلو كان واجباً لبيّنه النبي ﷺ . و"قد عاب عليهم كونهم يدخلون عليه قلحاً، ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره"، يعني: أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها، ولو كان مبطلاً للطهارة لكان أهم من نتن الريح. ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه، فغرف منه بيديه عند غسلهما لم يؤثر في الماء، وقال أصحاب الشافعي: يصير مستعملاً، لأنه موضع غسل اليد. ولنا: حديث عثمان، ولو كان هذا يفسد لكان النبي ﷺ أحق بمعرفته ولبيّنه. ثم يمسح رأسه، وهو فرض بالإجماع، للآية: "يبدأ بيديه من مقدمه، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردّهما إلى مقدمه"، كما روى عبد الله بن زيد في صفة مسحه ﷺ . فإن كان ذا شعر يخاف أن ينتفش بردّ يديه لم يردّهما، نص عليه أحمد، لأنه قد روي عن الرُّبَيِّع: "أن رسول الله صلى الله

стр. 35

عليه وسلم توضأ عندها، فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية لمصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته". ١ رواه أبو داود. وسئل أحمد: كيف تمسح المرأة؟ فقال: هكذا، ووضع يده على وسط رأسه، ثم جرها إلى مقدمه، ثم رفعها حيث منه بدأ، ثم جرها إلى مؤخره. قال القاضي: روي عنه: أنه يأخذ للردة ماء جديداً، وليس بصحيح. ويجب مسح جميعه مع الأذنين، وعنه: يجزئ مسح أكثره، اختلفت الرواية في قدر الواجب، فروى عنه الجميع في حق كل أحد، وهو مذهب مالك، لقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ، ٢ والباء للإلصاق، فكأنه قال: وامسحوا رؤوسكم، وصار كقوله سبحانه في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ، ٣ ولأن الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا "أنه مسح برأسه كله"، وهو يصلح أن يكون بياناً للمأمور به. وعنه: يجزئ بعضه، ونقل عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان يمسح مقدم رأسه، وابن عمر مسح اليافوخ". والظاهر عن أحمد في الرجل: وجوب الاستيعاب، والمرأة يجزيها مسح مقدم رأسها، "لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها"، واحتج من أجاز مسح البعض بقول المغيرة: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين". ٤ رواه مسلم. وقال أنس: "رأيته ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدمة رأسه، ولم ينقض العمامة". ٥ رواه أبو داود، وبأن من مسح بعضه يقال: مسح برأسه، كما يقال: مسح برأس اليتيم. واختلفوا في قدر المجز:، فقال أحمد: لا يجزئه إلا الأكثر، وقال أبو حنيفة: ربعه، وقال الشافعي: ما يقع

стр. 36

عليه الاسم، حكي عنه: ثلاث شعرات. ويجب مسح الأذنين، وعنه: لا، قال الخلال: كلهم حكوا فيمن تركهما عامداً أنه يجزيه، لأنهما منه على وجه التبع، ولا يفهم من الإطلاق دخولهما فيه. ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، لأن في حديث الرُّبيع: "فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه". ١ رواه أبو داود. ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر. ويمسح رأسه بماء جديد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي. وجوز الحسن وعروة وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه، لما روي عن عثمان "أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي ﷺ ". رواه سعيد. وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان: إحداهما: يستحب، لما في المسند: أنه مسح حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. والثانية: لا يستحب، لأن الله لم يأمر به، والذين حكوا وضوءه ﷺ لم يذكروه، ولم يثبت فيه حديث. ولا يستحب تكراره، قال الترمذي: "العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم"، وعنه: يستحب، لما روى أبو داود في حديث عثمان. ووجه الأولى: أحاديث الذين وصفوا وضوءه، وأحاديثهم لا يصح منها شيء، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، فإن قيل: يجوز أن النبي ﷺ مسح مرة ومسح ثلاثاً ليبين الأفضل. قلنا: قول الراوي: هذا طهور رسول الله ﷺ ، يدل على الدوام لأنهم وصفوه لمن سألهم، فلو شاهدوا صفة أخرى لم يطلقوا هذا الإطلاق. ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً، ويدخلهما في الغسل. فإن كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء سقط. ويستحب أن يمس محل القطع

стр. 37

بالماء لئلا يخلو العضو من طهارة. ثم "يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، لما روى مسلم من حديث عمر، رواه الترمذي، وزاد فيه: "اللهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين" ١. ورواه أبو داود، وفي بعض رواياته: "فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء". والوضوء مرة مرة يجزي، والثلاث أفضل؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن مالكاً لم يوقت مرة ولا ثلاثاً، قال: إنما قال الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، ٢ وقال الأوزاعي: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، إلا الرجلين فإنه ينقيهما. والأول أولى، لما ذكرنا من الأحاديث. وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن، لحديث عبد الله بن زيد. وتكره الزيادة على الثلاث، لحديث أبي داود والنسائي، وفيه: "فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم". ٣ وتباح معونته، لحديث المغيرة: "أنه أفرغ على النبي ﷺ في وضوئه". رواه مسلم. وروي عن أحمد أنه قال: "ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد، لأن عمر قال ذلك". ويباح تنشيف أعضائه، و"ممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان وأنس" وكثير من أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "أنه كرهه في الوضوء، ورويت الكراهة عن جابر وابن المسيب"، لحديث ميمونة، وفيه: "فأتيته بمنديل، فلم يردْها، وجعل ينفض الماء بيديه". ٤ متفق عليه، والأول أصح، وهذه قضية عين، ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه. و"يستحب تجديد الوضوء"، وعنه: أنه لا فضل فيه، والأول أصح، لحديث أنس، رواه البخاري. ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً. ولا بأس بالوضوء

стр. 38

في المسجد إذا لم يؤذ أحداً ولم يؤذ المسجد. قال ابن المنذر: أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وروي عن أحمد: أنه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قال الشيخ: تسقط الموالاة بالعذر، وقال: هو أشبه بأصول الشريعة وقواعد أحمد، وقوى ذلك وطرده في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر - كما إذا ترك غسل وجهه فقط لمرض ونحوه، ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله – لتوجه. ولو كان تحت أظفاره يسير وسخ يمنع وصول الماء، وألحق به كل يسير منع حيث كان من البدن، كدم وعجين ونحوهما. وقال: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر، إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس. ويستحب الزيادة على الفرض، وعنه: لا، قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: اختاره شيخنا. وقال الشيخ: لا يغسل في المسجد ميت. قال: ويجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلحة بلا محذور.

стр. 39

باب المسح على الخفين قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف، وعن جرير قال: "رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه". ١ متفق عليه. قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء; فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وقال: هو أفضل من الغسل، لأنه ﷺ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل؛ وهو مذهب الشافعي وإسحاق، لحديث: "إن الله يحب أن يؤخذ برُخصه"، ٢ ولأن فيه مخالفة أهل البدع، وعنه: الغسل أفضل، لأنه المذكور في كتاب الله تعالى، والمسح رخصة. ويجوز المسحُ على الجرموقين، والجرموق مثال الخف، إلا أنه يلبس فوق الخف والجوربين. قال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة، وبه قال ابن المسيب والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز إلا أن ينعلا، لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما. ولنا: قول المغيرة: "مسح رسول الله ﷺ على الجوربين والنعلين". ٣ رواه أبو داود والترمذي وصححه. وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين، لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسح على الخف ونعله، و"لأن الصحابة فعلوه" ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. وسئل أحمد عن: جورب الخرق؟ فكره المسح عليه، ولعله إنما كرهه لأن الغالب فيه الخفة، وأنه

стр. 40

لا يثبت بنفسه. وإن كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فإن كان لا يثبت إلا بالنعل، أبيح المسح عليه ما دام في النعل، لحديث المغيرة. قال القاضي: يمسح على الجورب والنعل، كما في الحديث، والظاهر "أنه ﷺ إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم"، فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف، فكذلك من النعل. و"ممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر وعمر"، وهو قول ابن المنذر. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يمسح عليها، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١. ولنا: قول المغيرة: "توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة". ٢ صححه الترمذي. وروى مسلم أيضاً معناه. وروى البخاري معناه أيضاً عن عمر وابن أمية، مرفوعاً، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. والآية لا تنفي ما ذكرنا، فإنه ﷺ مبين لكلام الله، ومسحه يدل على أن المراد المسح على الرأس أو حائله. ويجوز المسح على الجبائر، لحديث صاحب الشجة، رواه أبو داود؛ وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه: يعيد الصلاة لأن الله أمر بالغسل ولم يأت به. ووجه الأولى: ما ذكرنا، ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه، فلم تجب الإعادة. وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان، أراد: القلانس المبطنات كدنيات القضاة، فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها، لا نعلم فيه خلافاً، لأنها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه. فأما القلانس التي ذكرنا، فعنه: لا يجوز المسح عليها،
следующие страницы →