عليه الاسم، حكي عنه: ثلاث شعرات.
ويجب مسح الأذنين، وعنه: لا، قال الخلال: كلهم حكوا فيمن تركهما عامداً أنه يجزيه، لأنهما منه على وجه التبع، ولا يفهم من الإطلاق دخولهما فيه. ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، لأن في حديث الرُّبيع: "فأدخل إصبعيه في جحري أذنيه". ١ رواه أبو داود.
ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر. ويمسح رأسه بماء جديد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قاله الترمذي. وجوز الحسن وعروة وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه، لما روي عن عثمان "أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي ﷺ ". رواه سعيد.
وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان: إحداهما: يستحب، لما في المسند: أنه مسح حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. والثانية: لا يستحب، لأن الله لم يأمر به، والذين حكوا وضوءه ﷺ لم يذكروه، ولم يثبت فيه حديث. ولا يستحب تكراره، قال الترمذي: "العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم"، وعنه: يستحب، لما روى أبو داود في حديث عثمان. ووجه الأولى: أحاديث الذين وصفوا وضوءه، وأحاديثهم لا يصح منها شيء، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، فإن قيل: يجوز أن النبي ﷺ مسح مرة ومسح ثلاثاً ليبين الأفضل. قلنا: قول الراوي: هذا طهور رسول الله ﷺ ، يدل على الدوام لأنهم وصفوه لمن سألهم، فلو شاهدوا صفة أخرى لم يطلقوا هذا الإطلاق.
ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً، ويدخلهما في الغسل. فإن كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض، فإن لم يبق شيء سقط. ويستحب أن يمس محل القطع
стр. 37
بالماء لئلا يخلو العضو من طهارة.
ثم "يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"، لما روى مسلم من حديث عمر، رواه الترمذي، وزاد فيه: "اللهم اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين" ١. ورواه أبو داود، وفي بعض رواياته: "فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء".
والوضوء مرة مرة يجزي، والثلاث أفضل؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن مالكاً لم يوقت مرة ولا ثلاثاً، قال: إنما قال الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، ٢ وقال الأوزاعي: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، إلا الرجلين فإنه ينقيهما.
والأول أولى، لما ذكرنا من الأحاديث. وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن، لحديث عبد الله بن زيد. وتكره الزيادة على الثلاث، لحديث أبي داود والنسائي، وفيه: "فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم". ٣ وتباح معونته، لحديث المغيرة: "أنه أفرغ على النبي ﷺ في وضوئه". رواه مسلم.
وروي عن أحمد أنه قال: "ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد، لأن عمر قال ذلك".
ويباح تنشيف أعضائه، و"ممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان وأنس" وكثير من أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "أنه كرهه في الوضوء، ورويت الكراهة عن جابر وابن المسيب"، لحديث ميمونة، وفيه: "فأتيته بمنديل، فلم يردْها، وجعل ينفض الماء بيديه". ٤ متفق عليه، والأول أصح، وهذه قضية عين، ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه.
و"يستحب تجديد الوضوء"، وعنه: أنه لا فضل فيه، والأول أصح، لحديث أنس، رواه البخاري. ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً. ولا بأس بالوضوء
стр. 38
في المسجد إذا لم يؤذ أحداً ولم يؤذ المسجد. قال ابن المنذر: أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وروي عن أحمد: أنه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: تسقط الموالاة بالعذر، وقال: هو أشبه بأصول الشريعة وقواعد أحمد، وقوى ذلك وطرده في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر - كما إذا ترك غسل وجهه فقط لمرض ونحوه، ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله – لتوجه. ولو كان تحت أظفاره يسير وسخ يمنع وصول الماء، وألحق به كل يسير منع حيث كان من البدن، كدم وعجين ونحوهما. وقال: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر، إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس.
ويستحب الزيادة على الفرض، وعنه: لا، قال أحمد: لا يغسل ما فوق المرفق، قال في الفائق: اختاره شيخنا. وقال الشيخ: لا يغسل في المسجد ميت. قال: ويجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلحة بلا محذور.
стр. 39
باب المسح على الخفين
قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف، وعن جرير قال: "رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه". ١ متفق عليه.
قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء; فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وقال: هو أفضل من الغسل، لأنه ﷺ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل؛ وهو مذهب الشافعي وإسحاق، لحديث: "إن الله يحب أن يؤخذ برُخصه"، ٢ ولأن فيه مخالفة أهل البدع، وعنه: الغسل أفضل، لأنه المذكور في كتاب الله تعالى، والمسح رخصة.
ويجوز المسحُ على الجرموقين، والجرموق مثال الخف، إلا أنه يلبس فوق الخف والجوربين. قال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة، وبه قال ابن المسيب والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز إلا أن ينعلا، لأنه لا يمكن متابعة المشي فيهما. ولنا: قول المغيرة: "مسح رسول الله ﷺ على الجوربين والنعلين". ٣ رواه أبو داود والترمذي وصححه. وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين، لأنه لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسح على الخف ونعله، و"لأن الصحابة فعلوه" ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وسئل أحمد عن: جورب الخرق؟ فكره المسح عليه، ولعله إنما كرهه لأن الغالب فيه الخفة، وأنه
стр. 40
لا يثبت بنفسه. وإن كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فإن كان لا يثبت إلا بالنعل، أبيح المسح عليه ما دام في النعل، لحديث المغيرة. قال القاضي: يمسح على الجورب والنعل، كما في الحديث، والظاهر "أنه ﷺ إنما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم"، فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف، فكذلك من النعل.
و"ممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر وعمر"، وهو قول ابن المنذر. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يمسح عليها، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١. ولنا: قول المغيرة: "توضأ رسول الله ﷺ ومسح على الخفين والعمامة". ٢ صححه الترمذي. وروى مسلم أيضاً معناه. وروى البخاري معناه أيضاً عن عمر وابن أمية، مرفوعاً، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. والآية لا تنفي ما ذكرنا، فإنه ﷺ مبين لكلام الله، ومسحه يدل على أن المراد المسح على الرأس أو حائله.
ويجوز المسح على الجبائر، لحديث صاحب الشجة، رواه أبو داود؛ وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه: يعيد الصلاة لأن الله أمر بالغسل ولم يأت به. ووجه الأولى: ما ذكرنا، ولأنه مسح على حائل أبيح له المسح عليه، فلم تجب الإعادة.
وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان، أراد: القلانس المبطنات كدنيات القضاة، فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها، لا نعلم فيه خلافاً، لأنها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه. فأما القلانس التي ذكرنا، فعنه: لا يجوز المسح عليها،
стр. 41
وبه قال مالك والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال به، إلا أنه روي عن أنس: "أنه مسح على قلنسيته"، وعنه: يجوز، وهو اختيار الخلال، قال: لأنه روي عن صحابيين بأسانيد صحاح. وفي الخُمر روايتان، إحداهما: "يجوز، روي عن أم سلمة"، حكاه ابن المنذر. والثانية: لا يجوز، وهو قول مالك والشافعي.
ولا نعلم خلافاً في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه، إلا الجبيرة، ووجهه: حديث المغيرة، وفيه: "دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين". ١ متفق عليه. فأما إن غسل إحداهما ثم لبس الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز، وعنه: يجوز. واختلفت الرواية في الجبيرة، فعنه: لا يشترط تقدم الطهارة لها، لحديث صاحب الشجة، لأنه لم يذكر الطهارة، ويحتمل أن يشترط التيمم عند العجز عن الطهارة، لأن فيه: "إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليها". ٢ وعنه: يشترط الطهارة لها. فعليها، إذا خاف من نزعها تيمم، ولا يحتاج مع مسحها إلى التيمم. قال شيخنا: يحتمل أن يتيمم مع المسح فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة، لأن ما يمسح على موضع الحاجة يقتضي المسح، والزائد يقتضي التيمم. وكذا إذا شدها على غير طهارة، لأنه مختلف في جواز المسح عليها، فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف. وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة، لحديث صاحب الشجة. ولنا: أنه محل واحد، فلا يجمع بين بدلين كالخف. وإن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه، مسح عليه، لما روى الأثرم عن ابن عمر: "أنه خرج بإبهامه قرحة فألقمها مرارة. وكان يتوضأ عليها". وإن كان في رجله شق وجعل فيه قير، فقال أحمد: ينزعه، هذا أهون، هذا لا يخاف منه؛ وتعليله يقتضي أنه متى خاف منه جاز المسح عليه. قال مالك في الظفر يسقط: يكسوه مصطكاً ويمسح عليه، فإن لم يكن على
стр. 42
الجرح عصابة، غسل الصحيح، وتيمم للجريح ولم يمسح. وروى حنبل عن أحمد في المجروح والمجدور يخاف عليه: يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله، يعني: يمسح إذا لم يكن عصابة.
ويمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، لا نعلم فيه خلافاً في المذهب. وقال الليث: يمسح ما بدا له، وكذلك قال مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان، لما روي عن النبي ﷺ : "أنه قيل له: أنمسح على الخفين؟ قال: نعم. قيل: يوماً؟ قال: ويومين. قيل: وثلاثة؟ قال: ما شئت". رواه أبو داود. ولنا: حديث علي، رواه مسلم. وعن عوف بن مالك: "أن النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم". ١ رواه أحمد، وقال: هذا أجود حديث في المسح، لأنه في آخر غزوة غزاها النبي ﷺ ، وحديثهم ليس بالقوي، وقد اختلف في إسناده، قاله أبو داود.
وابتداء المدة: من الحدث بعد اللبس، وعنه: من المسح، وهو اختيار ابن المنذر، لقوله: "يمسح المسافر ثلاثة أيام"، ووجه الأول ما نقل في حديث صفوان: من الحدث إلى الحدث.
ومن مسح مسافراً ثم أقام، أتم مسح مقيم، لا نعلم فيه خلافاً. وإن مسح مقيم ثم سافر، أتم مسح مقيم. وعنه: مسح مسافر، لحديث: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن"، وهذا مسافر. وإن أحدث ثم سافر قبل المسح، أتم مسح مسافر، لا نعلم فيه خلافاً. ولا يجوز إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه.
وحكي عن الأوزاعي ومالك: جواز المسح على المقطوع دون الكعبين، فأما ما يسقط إذا مشى، فلا يشق نزعه، ولا يحتاج إلى المسح عليه. وقال الثوري وإسحاق وابن المنذر: يجوز المسح على كل خف، يعني: وإن ظهر بعض القدم. وقال الأوزاعي:
стр. 43
يمسح على المخروق وعلى ما ظهر من رجله. وقال مالك: إن كثر وتفاحش لم يجز، وإلا جاز، وتعلقوا بعموم الحديث.
ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق، لا نعلم فيه خلافاً. وإن لبس خفاً فلم يحدث حتى لبس عليه آخر، جاز المسح على الفوقاني. ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما، لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم يتعلق به رخصة عامة كالجبيرة. فأما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث، لم يجز المسح، لأنه لبس على غير طهارة. وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز.
ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه: فيضع يده على الأصابع، ثم يمسح إلى ساقه، رواه الخلال من حديث المغيرة، قال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز، باليد الواحدة أو باليدين. ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه. و"روي مسح ظاهرهما وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وغيره لقول المغيرة: مسح أعلى الخف وأسفله". رواه أبو داود. ولنا: حديث علي: "لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره. وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر خفَّيه". ١ رواه أبو داود. وحديثهم معلول، قاله الترمذي، قال: سألت أبا زرعة ومحمداً عنه، فقالا: ليس بصحيح. قال أحمد: هذا من وجه ضعيف، ولا خلاف أنه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهرهما، حكاه ابن المنذر، والمجزئ أن يمسح أكثر مقدمه. وقال الشافعي: يجزئ القليل، لأنه أطلق ولم ينقل فيه تقدير. ولا يستحب التكرار، لأن في حديث المغيرة مسحة واحدة. والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح.
ومن شرط جواز المسح على العمامة: أن تكون ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه. ومتى كانت محنكة جاز المسح، رواية واحدة،
стр. 44
سواء كان لها ذؤابة أو لا، لأن هذه عمائم العرب. ولا يجوز على غير المحنكة إلا ذات الذؤابة، فيجوز في أحد الوجهين، لأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة، إذ ليس من عادتهم الذؤابة. والثاني: لا يجوز، وهو الأظهر، "لأنه ﷺ أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتطاط". رواه أبو عبيد، قال: والاقتطاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء.
وما جرت العادة بكشفه من الرأس، استحب أن يمسح عليه مع العمامة، "لأنه ﷺ مسح بناصيته وعمامته" في حديث المغيرة، وهل يجب؟ فيه وجهان. ولا يجب مسح الأذنين معها، لا نعلم خلافاً. واختلفت الرواية في وجوب استيعابها بالمسح، فروي ما يدل على أنه يجزئ مسح أكثرها.
ويمسح على الجبيرة إذا لم يتجاوز قدر الحاجة، لأنه لا يشق المسح عليها كلها، بخلاف الخف. فإن شدها على مكان يستغنى عن شدها عليه لم يجز، وروي عنه: أنه سهل فيه في مسألة الميموني والمروذي، لأن هذا لا ينضبط وهو شديد جداً؛ فعليه، لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها.
ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه، أو انقضت المدة، استأنف الطهارة، وعنه: يجزئ مسح رأسه وغسل قدميه. وقال الحسن وقتادة: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه، اختاره ابن المنذر. وإذا انقضت المدة لزمه الخلع واستئناف الطهارة على الأولى. وعلى الثانية: يجزيه مسح رأسه وغسل قدميه.
ونزع أحد الخفين كنزعهما، في قول أكثر أهل العلم، وقال الزهري: يغسل القدم الذي نزع منه الخف ويمسح الآخر. فإن أخرج قدمه إلى ساق الخف فهو كخلعه. وقال الشافعي: لا يتبين لي أن عليه الوضوء إلا أن يظهر بعضها، قال أحمد: إذا زالت العمامة عن هامته لا بأس، ما لم ينقضها أو يفحش ذلك. ولا مدخل لحائل
стр. 45
في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة، لحديث صفوان إلا من جنابة، فأما الجبيرة فيجوز، لحديث صاحب الشجة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه؛ فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما، ولا يتحرى لبس الخف ليمسح، كما "كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابساً للخف". ويلبس بعد كمال الطهارة. وعنه: لا يشترط كمالها، اختاره الشيخ وصاحب الفائق، وقال: وعنه: لا تشترط الطهارة لمسح العمامة، ذكره ابن هبيرة. وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأساً؛ فلو لبس محدثاً ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح. قال الزركشي: وهو غريب بعيد. قلت: اختاره الشيخ وقال: يتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على الطهارة، ويكفي فيها الطهارة المستدامة لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء.
وقوله: ويمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام، وقيل: يمسح كالجبيرة؛ اختاره الشيخ. وفي الاختيارات: لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين.
واختار الشيخ أيضاً جواز المسح على المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، ١ ما دام اسمه باقياً،
стр. 46
والمشي فيه ممكن. واختار أيضاً جواز المسح على الملبوس، ولو كان دون الكعبين. قوله: أو شد لفائفاً لم يجز المسح عليه، وجعله أبو البركات إجماعاً، وفيه وجه يجوز، اختاره الشيخ. واختار أيضاً جواز المسح على القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل، كما جاءت به الآثار. قال: والاكتفاء هنا بأكثر القدم نفسها أو الظاهر منها، غسلاً أو مسحاً، أولى من مسح بعض الخف، ولهذا لا يتوقت كمسح العمامة.
قال: ويجوز المسح على الخف المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، فكالنعل. ويجوز أيضاً على ملبوس دون النعل. انتهى. قوله: إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز، وهو مقتضى اختيار الشيخ، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء، فذات الذؤابة أوْلى، وقال في الصماء: هي كالقلانس.
قوله: ومتى ظهر قدم الماسح ... إلخ، واختار الشيخ أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه، ولو زالت الجبيرة فهي كالخف. واختار الشيخ بقاءها قبل البرء وبعده، كإزالة الشعر
стр. 47
باب نواقض الوضوء
(الأول) : الخارج من السبيلين إن كان معتاداً، كالمذي والودي والريح، نقض إجماعاً. ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة أهل العلم، إلا ربيعة. وإن كان نادراً كالدم والدود فينقض أيضاً. وقال مالك: ليس في الدود الذي يخرج من الدبر وضوء؛ وروي عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب، لأنه نادر.
ولنا: "أنه ﷺ أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة"، ودمها غير معتاد. وسئل أحمد: عن رجل ربما ظهرت مقعدته، قال: إن علم أنه يظهر معها ندى توضأ، وإلا فلا شيء عليه. قال شيخنا: يحتمل أنه أراد ندى ينفصل؛ فأما الرطوبة اللازمة، فلا تنقض، لأنها لا تنفك عن رطوبة.
والمذي ينقض إجماعاً، وهل يجب غسل الذكر والأنثيين منه؟ فيه روايتان:
إحداهما: يجب، لما في حديث علي: "توضأْ، وانضح فرجك". ١ رواه مسلم. ولأبي داود: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ؛ فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لقوله: "انضح فرجك"، سواء غسله قبل الوضوء أو بعده.
والثانية: "لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء"، روي ذلك عن ابن عباس؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث سهل بن حنيف: "إنما يجزيك من ذلك الوضوء". ٢ صححه الترمذي.
و"الغسل في حديث علي محمول على الاستحباب". وقوله: "إنما يجزيك ... إلخ" صريح في حصول الإجزاء به.
(الثاني) : "الخارج النجس من غير السبيلين، غير البول والغائط، ينقض
стр. 48
كثيره"، روي عن ابن عباس وابن عمر. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: لا وضوء فيه، كالبصاق.
ولنا: حديث ثوبان؛ قيل لأحمد: ثبت عندك؟ قال: نعم. ولأنه ﷺ قال لفاطمة: "إنه دم عِرق، فتوضئي لكل صلاة ". رواه الترمذي، علل بكونه دم عرق، وهذا كذلك؛ فأما القليل فلا ينقض، حكاه القاضي رواية واحدة. وقيل: ينقض، وهو قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير، فيما إذا سال الدم. ووجه الأولى أنه قد روي عن جماعة من الصحابة. قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه. "أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ. وابن أبي أوفى عصر دملاً. وابن عباس قال: إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة. وجابر أدخل أصابعه في أنفه". قيل لأحمد: ما الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك. والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا. قال أحمد: هما أخف حكماً من الدم.
(الثالث) : زوال العقل على ضربين: نوم وغيره. فأما الجنون والإغماء والسكْر ونحوه، فينقض إجماعاً. وأما النوم فينقض في الجملة في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز. وعن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مراراً مضطجعاً ينتظر الصلاة، ثم يصلي ولا يعيد الوضوء. ولعلهم ذهبوا إلى أنه ليس بحدث في نفسه، والحدث مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك. ولنا: حديث صفوان بن عسال: "لكن من غائط وبول ونوم". حديث صحيح.
ونوم المضطجع ينقض يسيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم. ونوم القاعد إن كان يسيراً لم ينقض، وهذا قول مالك. وقيل: متى خالط النوم القلب نقض بكل حال، وهذا قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر،
стр. 49
لعموم الأحاديث. ولنا: ما روى مسلم عن أنس قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون". ولأبي داود: "ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم". وقال الشافعي: "لا ينقض وإن كثر، إذا كان قاعداً متمكناً مفضياً بمحل الحدث إلى الأرض"، لحديثي أنس، وبهما يتخصص العموم. ولنا: العموم وخصصناه بحديث أنس، وليس فيه بيان كثرة ولا قلة، فحملناه على اليقين. وأما نوم القائم والراكع والساجد ففيه روايتان: إحداهما: ينقض، وهو قول الشافعي، لأنه ليس في معنى المنصوص عليه. والثانية: حكمه حكم الجالس قياساً، وهذا قول سفيان وأصحاب الرأي، لحديث ابن عباس: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني". رواه مسلم.
واختلفت الرواية في المستنِد والمحتبي، واختلفت في حد اليسير. قال شيخنا: الصحيح أنه لا حد له، لأن التحديد إنما يُعلم بالتوقيف.
(الرابع) مس الذكر: واختلفت الرواية فيه على ثلاث:
إحداها: "لا ينقض"، روي عن علي وعمار وابن مسعود وأصحاب الرأي وابن المنذر، لحديث: "إنما هو بضعة منك". ١ رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
والثانية: "ينقض بكل حال"، وهو مذهب ابن عمر وابن المسيب والشافعي، والمشهور عن مالك، لحديث بسرة، صححه الترمذي وأحمد. فأمّا حديث قيس، فقال أبو زرعة وأبو حاتم: قيس مما لا تقوم بروايته حجة ووهّناه ولم يثبتاه.
والثالثة: لا ينقض إلا أن يقصد مسّه. وقال الشافعي ومالك: لا ينقض مسّه بظاهر الكف. ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، خلافاً لداود. قال الزهري والأوزاعي: لا ينقض مسّ ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه. ولنا: عموم الأحاديث.
وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان: إحداهما: ينقض لعموم قوله:
стр. 50
"مَن مسّ فرجه فليتوضأ". ١ رواه ابن ماجة عن أم حبيبة. قال أحمد وأبو زرعة: حديث أم حبيبة صحيح.
(الخامس) أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض. قال ابن مسعود: "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء"، رواه الأثرم. وعن أحمد: "لا ينقض بحال"، يروى عن ابن عباس، وقول عائشة: "فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي"، متفق عليه، و"الآية أريد بها الجماع"، قاله ابن عباس. والرواية الثالثة: ينقض لشهوة، جمعاً بين الآية والأخبار؛ وهو مذهب مالك وإسحاق. فإن لمسها من وراء حائل لم ينقض، في قول أكثر أهل العلم. وقال مالك: ينقض إذا كان ثوباً رقيقاً، وكذا قال ربيعة: إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة.
وسئل أحمد: عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ. ولا ينقض لمس شعر المرأة، ويتخرج أن ينقض إذا كان لشهوة. وفي نقض وضوء الملموس روايتان.
(السادس) غسل الميت: "لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسله بالوضوء". قال أبو هريرة: "أقل ما فيه الوضوء"، ولا نعلم لهم مخالفاًًً في الصحابة. وقيل: لا ينقض، وهو قول أكثر العلماء. قال شيخنا: وهو الصحيح لأنه لم يرد فيه نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه. وكلام أحمد يدل على أنه مستحب، فإنه قال: أحب إليّ أن يتوضأ، وعلل نفي الوجوب بكون الخبر موقوفا على أبي هريرة.
(السابع) أكل لحم الجزور: وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا وضوء عليه. ومن العجب أنهم أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها، بحديث مرسل
стр. 51
من مراسيل أبي العالية. ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر، بحديث مختلف فيه معارض بمثله. فإن شرب من لبنها فعلى روايتين: إحداهما ينقض، لحديث أسيد بن حضير، رواه أحمد. وعن ابن عمر مثله. والثانية: لا وضوء عليه، لأن حديث أسيد فيه الحجاج بن أرطاة، وحديث ابن عمر فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره.
وإن أكل من كبدها وطحالها، فعلى وجهين: أحدهما: لا ينقض. والثانية: ينقض، لأن اللحم يعبر به عن جملة الحيوان، كلحم الخنزير.
(الثامن) الردة عن الإسلام: قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله على أن القذف وقول الزور لا ينقض. وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب. وثبت أنه ﷺ قال: "من حلف باللات، فليقلْ: لا إله إلا الله"، ١ ولم يأمره بالوضوء.
ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين؛ وبهذا قال عامة أهل العلم. وقال مالك: إذا شك في الحدث، إن كان يلحقه كثيراً فهو على وضوئه، وإلا توضأ؛ ولا يدخل في الصلاة مع الشك. ولنا: حديث أبي هريرة، وفيه: "فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". ٢ رواه مسلم.
ومن أحدث حرُم عليه مسّ المصحف، وأباحه داود، لأنه ﷺ كتب إلى قيصر آية. ولنا: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ . ٣ وفي كتاب عمرو بن حزم: "أن لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر". ويجوز تقليبه بعود ومسّه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسّه. وذكر ابن عقيل في ذلك كله، وفي حمله بعلاقته روايتين، والصحيح
стр. 52
الجواز، لأن النهي إنما تناول مسه. وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان. و"لا تجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب"، لحديث ابن عمر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: (الثاني) خروج سائر النجاسات من سائر البدن، واختار الشيخ: لا ينقض الكثير مطلقاً، وعنه: لا ينقض نوم الجالس وإن كان كثيراً، واختاره الشيخ. ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال، واختاره الشيخ إن ظن بقاء طهره.
الرابع: مس الذكر: وعنه: لا ينقض، بل يستحب الوضوء منه؛ اختاره الشيخ.
الخامس: مس أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض مطلقاً، اختاره الشيخ. وحيث قلنا: لا ينقض، استحب الوضوء مطلقاً. وقال الشيخ: يستحب إن لمسها لشهوة، وإلا فلا.
السادس: غسل الميت: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ.
السابع: أكل لحم الجزور: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ. وعنه: لا يعيد إن طالت المدة. وقيل: لا يعيد متأول. وعنه: إن علم النهي نقض. فعليها عدم العلم بالنهي هو عدم العلم بالحديث، قاله الشيخ؛ فمن علم لا يعذر. وعنه: بلى، مع التأويل. وقال الشيخ: أما لحم الخبيث المباح للضرورة، كلحم السباع، فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، فلا يتعدى، أو معقول المعنى، فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه. والصحيح من المذهب: أنه تعبدي. وقيل: معلل؛ فقد قيل: إنها من الشياطين كما جاء في الحديث الصحيح، رواه أبو داود؛ فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها ليذهب سَورَة الشيطان. وفي حديث آخر: "على ذروة كل بعير شيطان". ١ والطواف يشترط له الطهارة، وعنه: يجزئه بلا طهارة ويجبره بدم. وعنه: وكذا الحائض؛ واختاره الشيخ، وقال: لا دم عليها لعذر.
стр. 53
باب الغسل
وموجباته سبعة:
أحدها: خروج المني الدافق بلذة من الرجل والمرأة، في اليقظة والنوم: هذا قول عامة الفقهاء، حكاه الترمذي، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن خرج لمرض أو برودة من غير شهوة، لم يوجب. وقال الشافعي: يجب، لقوله: "إذا رأت الماء". ولنا: أنه ﷺ وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، وقال لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل". ١ رواه أبو داود. والفضخ: خروجه على وجه الشدة. وقال إبراهيم الحربي: بالعجلة. وقوله: "إذا رأت الماء" في الاحتلام. وهو إنما يخرج لشهوة، فإن رأى أنه احتلم ولم يجد بللاً، فلا غسل عليه؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً. وإن انتبه فرأى منياً ولم يذكر احتلاماً، اغتسل؛ لا نعلم فيه اختلافاً. وإن انتبه فوجد بللاً لا يدري أمني أم غيره، فقد توقف أحمد فيها. فإن رأى في ثوبه منياً وكان لا ينام فيه غيره، اغتسل، "لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبيهما". فإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج، فعلى روايتين. فإن خرج بعد الغسل، وقلنا: لا يجب بالانتقال، لزمه الغسل.
الثاني: التقاء الختانين: وهو تغييب الحشفة في الفرج، ولو مس الختان الختان من غير إيلاج لم يجب الغسل إجماعاً. وإذا كان الواطئ أو الموطوءة صغيراً، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل، وحمله القاضي على الاستحباب؛ وهو قول أصحاب الرأي. ولا يصح حمل كلامه على الاستحباب لتصريحه
стр. 54
بالوجوب، وذمه قول أصحاب الرأي بقوله: هو قول سوء. وقولهم: الصغير ليس من أهل التكليف، فليس معنى الوجوب في حقه التأثيم بتركه، بل أنه شرط لصحة الصلاة والطواف والقراءة.
الثالث: إسلام الكافر: وهو قول مالك وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا يجب، لأنه لو أمر كل من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواتراً. ولنا: "أنه ﷺ أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر". ١ قال الترمذي: حديث حسن. وقد روي أن مصعب بن عمير قال لسعد وأسيد لما سألاه: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: "نغتسل ونشهد شهادة الحق". فإن أجنب الكافر ثم أسلم لم يلزمه غسل الجنابة، وهذا قول من أوجب غسل الإسلام، وقول أبي حنيفة. وقال الشافعي: عليه الغسل. ويستحب أن يغتسل بماء وسدر، لما في حديث قيس. ويستحب أن يلقي شعره، لقوله: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". ٢ رواه أبو داود.
الرابع: الموت.
الخامس: الحيض.
السادس: النفاس، وسيذكر في أبوابه.
ومن لزمه الغسل، حرم عليه قراءة آية فصاعدا، وفي بعض آية روايتان. وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، ٣ ﴿وقل رب أمزلني منزلا مبارك﴾ . ٤ وقال
стр. 55
ابن عباس: "يقرأ ورده". وقال ابن المسيب: يقرأ القرآن؛ أليس هو في جوفه؟ وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب. ولنا: "أنه ﷺ لم يكن يحجبه من قراءة القرآن شيء، ليس الجنابة". ١ قال الترمذي: حسن صحيح. ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم اللبث فيه إلا أن يتوضأ لقوله: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الآية، ٢ ولقوله ﷺ : "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب". ٣ رواه أبو داود.، فإن خاف أو لم يمكنه الخروج، تيمم وأقام فيه، لأنه روي عن علي وابن عباس في الآية: "يعني: مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون". وقال بعض أصحابنا: يلبث بغير تيمم، لأنه لا يرفع الحدث، وهو غير صحيح لمخالفته قول الصحابة. وقال الثوري وإسحاق: لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بداً، فيتيمم؛ وهو قول أصحاب الرأي، لقوله: "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب". ٤ ولنا: الآية، وقوله لعائشة: لما قال: "ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: إني حائض. قال: حيضتك ليست في يدك". ٥ وعن زيد بن أسلم قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون في المسجد وهم جنب". رواه ابن المنذر، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعاً. فإن توضأ، فله اللبث فيه، وهو قول إسحاق. وقال الأكثرون: لا يجوز، للآية والخبر. ووجه الأولى قول زيد بن أسلم: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث معهم"، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيخص عموم الحديث. وعن عطاء بن يسار قال: "رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا
стр. 56
وضوء الصلاة". رواه سعيد والأثرم.
وحكم الحائض إذا انقطع حيضها حكم الجنب، وأما قبله فلا، لأن وضوءها لا يصح. وأما المستحاضة ومن به سلس البول، فلهم اللبث فيه إذا أمنوا تلويثه، لأن بعض أزواجه ﷺ اعتكفت معه وهي مستحاضة، رواه البخاري. فإن خاف التلويث، حرم لأن المسجد يُصان عن هذا.
والأغسال المستحبة ثلاثة عشر:
(أحدها) : للجمعة بغير خلاف، وفيه آثار كثيرة صحيحة، وليس بواجب؛ حكاه ابن عبد البر إجماعاً.
(الثاني) : للعيدين، لحديث ابن ماجة.
(الثالث) : الاستسقاء، لأنه عبادة يجتمع لها.
(الرابع) : الكسوف، لأنه كالاستسقاء.
(الخامس) : "من غسل الميت"، روي ذلك عن ابن عباس والشافعي وإسحاق وابن المنذر. وروي عن علي وأبي هريرة أنهما قالا: "من غسل ميتا فليغتسل". قال ابن المنذر: ليس فيه حديث يثبت، وكذلك لم يعمل به في وجوب الوضوء على حامله، لا نعلم به قائلاً. وحديث علي، قال الجوزجاني: ليس فيه أن علياً غسل أبا طالب.
(السادس) : الغسل من الإغماء والجنون، "لأنه ﷺ اغتسل من الإغماء"، متفق عليه. ولا يجب، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
(السابع) : غسل المستحاضة.
(الثامن) : الغسل للإحرام.
стр. 57
(التاسع) : دخول مكة.
(العاشر) : الوقوف بعرفة.
(الحادي عشر) : المبيت بمزدلفة.
(الثاني عشر) : رمي الجمار.
(الثالث عشر) : الطواف.
وصفة الغسل الكامل: أن يأتي فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، وقد ذكرنا الدليل على ذلك، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه، ويخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه، ووجهه: قول عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة. ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات. ثم غسل سائر جسده". ١ متفق عليه. وحديث ميمونة متفق عليه. ففي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة.
والبداءة بشقه الأيمن، لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر. ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه". ٢ متفق عليه.
واختلف عن أحمد في غسل الرجلين، فقال في رواية: بعد الوضوء، على حديث ميمونة. وقال في رواية: العمل على حديث عائشة. وقال في موضع غسل رجليه: في موضعه وبعده وقبله سواء.
والمجزئ: أن يغسل ما به من أذى، وينوي
стр. 58
ويعمم بدنه بالغسل، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ، ١ وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ٢ ويستحب إمرار يده على بدنه، ولا يجب إذا تيقن وغلب على ظنه وصول الماء؛ وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك: إمرار يده إلى حيث تنال واجب، ونحوه قال أبو العالية. قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿حتى تغتسلوا﴾ ، ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك، ولنا: قوله: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء؛ فتطهرين". ٣ رواه مسلم.
وما ذكروه ممنوع، فإنه يقال: غسل الإناء، وإن لم يدلكه. ولا يجب الترتيب فيه لقوله: ﴿فاطهروا﴾ ، وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ، ولا نعلم في هذا خلافاً. ولا يجب فيه موالاة، نص عليه؛ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ربيعة: من تعمَّده أعاد الغسل، وهو قول الليث.
وإذا بقيت لمعة لم يصبها الماء، فمسحها بيده أو شعره، فروي عن أحمد أنه سئل: عن حديث العلاء بن زياد: "أنه ﷺ اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء، فدلكها بشعره"، ٤ فقال: نعم، أخذ به. وروي عنه: يأخذ لها ماء جديداً، فيه حديث لا يثبت، يعصر شعره. وذكر له حديث ابن عباس: "أنه ﷺ عصر لمته على لمعة"، فضعّفه ولم يصححه.
ونص أحمد على أنها تنقض الشعر في غسل الحيض. قيل له: كيف، وهي لا تنقضه من الجنابة؟ قال: حديث أسماء "عن النبي ﷺ أنه قال: تنقضه". وهو قول طاووس والحسن وأكثر العلماء، لحديث عائشة. وللبخاري فيه: "انقضي رأسك وامتشطي". ٥ وقيل: "مستحب"، روي عن عائشة وأم سلمة؛ وهو قول مالك والشافعي وأصحاب
стр. 59
الرأي وأكثر العلماء، وهو الصحيح لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: "أفأنقضه للحيضة؟ قال: لا"، رواه مسلم. وحديث عائشة ليس فيه حجة، لأنه ليس في غسل الحيض، إنما هو للإحرام في حال الحيض. ولو ثبت الأمر حمل على الاستحباب، جمعاً بين الحديثين، ولأن فيه ما يدل على الاستحباب، وهو المشط والسدر. وغسل الحيض كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب أن تغتسل بماء وسدر، وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها، ليزول عنها زفورة الدم، فإن لم تجد مسكاً فغيره من الطيب. والفرصة القطعة من كل شيء.
ويتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع؛ فإن أسبغ بدونهما أجزأه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم. وقيل: لا يجزئ في الغسل والوضوء دون ذلك. وحكي عن أبي حنيفة لقوله: يجزئ من الوضوء مدّ، ومن الجنابة صاع. ولنا: أن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، وعن عائشة: "أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك". ١ فإن زاد على المد في الوضوء، وعلى الصاع في الغسل، جاز، فإن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد في قدح يقال له: الفرق". ٢ والفرق: ثلاثة آصع. وقال أنس: "كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد". ٣ متفق عليه.
ويكره الإسراف في الماء، للآثار. قال ابن عبد البر: المغتسل إذا عم بدنه ولم يتوضأ، فقد أدى ما عليه، لأن الله تعالى إنما افترض عليه الغسل؛ وهذا إجماع لا خلاف فيه، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء فيه تأسياً به ﷺ .
ويستحب له إذا أراد النوم أو الأكل أو الوطء ثانياً،
стр. 60
أن يغسل فرجه ويتوضأ. "وكان ابن عمر يتوضأ إلا غسل قدميه". وقال ابن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض، وحكي نحوه عن إمامنا وإسحاق. وقال مجاهد: يغسل كفيه، لما روي عن عائشة: "أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب، غسل يديه"، ١ رواه أبو داود. وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي: "ينام ولا يمس ماء"، لحديث عائشة، رواه أبو داود. ولنا: "أن عمر سأل النبي ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ فليرقد". ٢ متفق عليه. ولمسلم من حديث أبي سعيد: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". ٣ وعن عائشة: "كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ"، يعني: وهو جنب، رواه أبو داود.
فأما أحاديثهم فأحاديثنا أصح، ويمكن الجمع بحمل أحاديثنا على الاستحباب. وإذا غمست الحائض أو الجنب أو الكافر أيديهم في الماء فهو طاهر. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرَق الجنب طاهر. وسئل أحمد عن جنب أدخل يده في ماء ينظر حره من برده، قال: إن كان إصبعاً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان اليد أجمع فكأنه كرهه. وقال في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء: إن كانتا نظيفتين، فلا بأس به. وقال في موضع: كنت لا أرى به بأساً، ثم حدثت عن شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر، وكأني تهيبته.
وبناء الحمّام وبيعه وشراؤه وكراؤه: مكروه عند أبي عبد الله، لما فيه من كشف العورات ودخول النساء. قال أحمد: إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخلْه، وإلا فلا تدخل. فأما النساء فليس لهن دخوله إلا لعذر، ثم ذكر حديثين رواهما ابن ماجة في نهي النساء.
ومن اغتسل عرياناً بين الناس لم يجز، أو إن كان وحده جاز، لأن موسى
стр. 61
عليه السلام اغتسل عرياناً، وكذلك أيوب، رواهما البخاري. وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستتراً، إن للماء سكاناً. ولا بأس بذكر الله في الحمام، لأنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم. فأما قراءة القرآن فيه، فكرهها أبو وائل والشعبي، ولم يكرهها النخعي ومالك لأنه لا نعلم حجة توجب الكراهة. فأما رد السلام، فقال أحمد: ما سمعت فيه شيئاً، والأولى جوازه من غير كراهة، لعموم قوله ﷺ : "أفشوا السلام بينكم"، ١ ولأنه لم يرد فيه نص؛ والأشياء على الإباحة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يجب على الصبي الوضوء بموجباته، وجعله الشيخ مثل مسأله الغسل، إلزامه باستجمار ونحوه. وأن الرواية الثانية: لا غسل على الكافر، يعني: إذا أسلم، إلا إن وجد سببه قبله. ولو اغتسل في حال كفره أعاد. وقال الشيخ: لا إعادة إن اعتقد وجوبه، بناء على أنه يثاب على الطاعة في حال كفره إذا أسلم، كمن تزوج مطلقته ثلاثاً معتقداً حلها.
وقيل: لا تمنع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً، اختاره الشيخ. وكره الشيخ الذكر للجنب، لا لها. وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، أي: غسل الجمعة. واختار عدم استحباب الغسل للوقوف وطواف الوداع والمبيت والرمي، قال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة، كان الغسل للطواف بعده فيه نوع عبث لا معنى له. واختار أنه لا يستحب لدخولها. ويجوز أن يتيمم لما يستحب الغسل له للحاجة، نقله صالح في الإحرام. ويستحب لما يستحب الوضوء له لعذر، وظاهر ما قدمه
стр. 62
في الرعاية: لا، قال في الفروع: وتيممه ﷺ يحتمل عدم الماء.
قال: ويتوجه احتمال في رد السلام، لفعله ﷺ لئلا يفوت المقصود، وهو الرد على الفور. وجوز المجد وغيره التيمم لما يستحب الوضوء له مطلقاً، لأنها مستحبة، فخف أمرها. ويحثي على رأسه ثلاثاً، يروي بها أصول الشعر، يحتمل أنه يروي بمجموع الغرفات، وأن يروي بكل مرة. واستحب المصنف وغيره تخليل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء. ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثاً، وقيل: مرة، اختاره الشيخ. وقال الزركشي: هو ظاهر الأحاديث.
وإذا نوى الكبرى فقط، لا يجزي عن الصغرى. وقال الشيخ: يرفع الأصغر أيضاً. ويستحب للجنب إذا أراد النوم أن يغسل فرجه ويتوضأ. وعنه: يستحب للرجل فقط. قال ابن رجب في شرح البخاري: وهذا المنصوص عن أحمد. وقال الشيخ: في كلام أحمد ما ظاهره وجوبه. ولو أحدث بعد الوضوء لم يعده، وظاهر كلام الشيخ أنه يعيد حتى يبيت على إحدى الطهارتين، وقال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب". ١ رواه أبو داود.
ويكره بناء الحمّام وبيعه وإجارته، وحرّمه القاضي، وحمله الشيخ على غير البلاد الباردة. وللمرأة دخوله لعذر، وقيل: يجوز لضرر يلحقها بتركه لنظافة بدنها، اختاره الشيخ.
стр. 63
باب التيمم
يشترط له ثلاثة:
أحدها: دخول الوقت، وهذا قول مالك والشافعي، لأنه مستغن عنه، أشبه التيمم عند وجود الماء. وقال أبو حنيفة: يصح. وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة، حتى يجد الماء أو يحدث، فعليها يجوز قبل دخول الوقت.
الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، لمن تيمم لعذر عدم الماء.
الثالث: طلب الماء، وفيه خلاف نذكره، إن شاء الله تعالى. وعدم الماء يبيح التيمم في السفر الطويل والقصير؛ وهذا قول مالك والشافعي. وقال قوم: لا يباح إلا في الطويل، قياساً على سائر رخص السفر، ولنا: قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية، ١ فدل على إباحته في كل سفر. وقياسهم لا يصح، لأنه يباح في الحضر، ولأنه عزيمة. فإن عدم الماء في الحضر تيمم، وهذا قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة في رواية: لا يصح، لأن الله شرط له السفر. ولنا: قوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين". ٢ صححه الترمذي. وهذا عام. ولعل ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، كذكر السفر وعدم الكاتب في الرهن. وأبو حنيفة لا يقول بدليل الخطاب
стр. 64
على نفسه، تيمم ولا إعادة إجماعاً. وإن خاف على رفيقه أو بهائمه، فكذلك. وإن وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم. وقال القاضي: لا يلزمه بذله، لأنه محتاج إليه. ولنا: أن حرمة الآدمي تُقدم على الصلاة، إذا رأى حريقاً أو غريقاً عند ضيق الوقت، وقد غفر الله لبغيٍّ سقت كلباً، فالآدمي أولى.
وإن خاف على نفسه أو ماله في طلب الماء، كمن بينه وبينه لص أو عدو، فهو كالعادم. ومن كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا على من يناوله، فكالعادم. وإن وجد من يناوله قبل خروج الوقت، فكالواجد. وقال الحسن: يتيمم ولا إعادة، لأنه عادم في الوقت. وإن وجد الماء، إلا أنه إن اشتغل بتحصيله فات الوقت، لم يتيمم، في قول أكثر أهل العلم. وعن الأوزاعي والثوري: يتيمم. ولنا: قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ ، ١ وهذا واجد للماء، وقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء". وإن وجد الماء بثمن مثله، لزمه شراؤه لأنه قادر، وكذلك إن كان بزيادة يسيرة. وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء مع الزيادة، قليلة كانت أو كثيرة، لأن عليه ضرراً في الزياة، كخوف اللص. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، ولأن ضرر المال دون ضرر النفس، وقد قالوا في المريض: يلزمه الغسل ما لم يخف التلف، فتحمل الضرر اليسير في الماء أحرى.
والجريح والمريض إذا أمكنه غسل البعض، غسل ما أمكنه وتيمم للباقي؛ وهو قول الشافعي. وقال مالك: إن كان أكثر بدنه صحيحاً غسله ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحاً تيمم ولا غسل عليه، لأن الجمع بين البدل والمبدل منه لا يجب، كالصيام والإطعام. ولنا: حديث صاحب الشجة، ولأنه من شروط الصلاة، فالعجز عن بعضها لا يسقط جميعها، كالسترة، وما ذكره ينتقض
стр. 65
المسح على الحفين، وقياسهم جمع بين البدل والمبدل منه في محل واحد. وكل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح، حكمه حكم الجريح.
ولا يلزمه أن يمسح على الجرح بالماء إذا أمكنه، سواء كان معصوباً أو لا. ونص أحمد في المجروح: إذا خاف مَسَحَ موضع الجرح، مسح وغسل ما حوله، لأن المسح بعض الغسل. ووجه الأولى أنه محل واحد، فلا يجمع بين المسح والتيمم كالجبيرة. وإذا قلنا: يجب المسح فهل يتيمم؟ على روايتين: إحداهما: لا يتيمم، كالجرح المعصوب عليه، والجبيرة على الكسر. والثانية: يتيمم، لأن المسح بعض الغسل، فيتيمم للباقي. والجبيرة الفرض انتقل فيها إلى الحائل فهو كالخفين. وإذا كان الجريح جنباً، فإن شاء قدم التيمم، وإن شاء أخره، بخلاف المتيمم لعدم ما يكفيه، فإنه يلزمه الغسل أولاً، لأن التيمم للعدم، ولا يتحقق مع وجود الماء، ولأن الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح، والعادم لا يعلم القدر الذي تيمم له إلا بعد الغسل.
وإن تيمم الجريح للحدث الأصغر، فذكر القاضي أنه يلزمه الترتيب. وقال شيخنا: يحتمل أن لا يجب هذا الترتيب، لأن التيمم طهارة مفردة، كما لو كان الجريح جنباً، ولأن فيه حرجاً فيندفع بقوله: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ . ١ وحكى الماوردي عن مذهب الشافعي مثل هذا. وإن وجد ما يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنباً، نص عليه. وفيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ ويتيمم؛ وهذا قول عطاء وأحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن والزهري ومالك وابن المنذر. والقول الثاني للشافعي: يتيمم ويتركه، لأنه لا يطهره كالمستعمل. ولنا: قوله: ﴿فلم تجدو ماء﴾ ، ٢ وخبر أبي ذرّ: "فإذا وجدته
стр. 66
فأمسّه بشرتك"، وقوله: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ١ فإن وجده المحدث الحدث الأصغر، فقيل: يلزمه لما ذكرنا في الجنب. والثاني: لا يلزمه، لأن الموالاة شرط فيه؛ والصحيح أنه يلزمه.
والمشهور عن أحمد: اشتراط طلب الماء لصحة التيمم، وهو مذهب الشافعي. وعنه: لا يشترط، وهو مذهب أبي حنيفة، لقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء". ووجه الأولى: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، فأما إن تيقن أن لا ماء فلا يجب الطلب، قولاً واحداً، قاله أبو العباس. وإن أراق الماء قبل الوقت، تيمم من غير إعادة، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت، كقولنا، وإلا تيمم وأعاد لأنه مفرط. فأما إن إراقه في الوقت، أو مر به فلم يستعمله عمداً، مع أنه لا يرجو وجوده، فقد عصى بذلك، فيتيمم ويصلي. وفي الإعادة وجهان.
وإن نسي الماء وتيمم، لم يجزئه، نص عليه، وقال: هذا واجد للماء. وعنه: التوقف في هذه المسألة. وقال أبو حنيفة وابن المنذر: يجزئه. وعن مالك كالمذهبين. وعنه: يعيد ما دام في الوقت. ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح يضره إزالتها. و"كان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب". وقال الثوري وأبو ثور: إذا عجز عن غسل النجاسة على بدنه، مسحها بالتراب وصلى. وقال أكثر الفقهاء: لا يتيمم للنجاسة، لأن الشرع إنما ورد في الحدث. ووجه الأولى: قوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم"، ٢ وقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ٣ وإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما يكفي أحدهما، قدم غسل النجاسة، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، وهو
стр. 67
قول الشافعي. وروي عن أحمد: لا يصلي حتى يقدر على أحدهما، وهو قول أبي حنيفة والثوري. وقال مالك: لا يصلي ولا يقضي، كالحائض. قال ابن عبد البر: هذه رواية منكرة عنه. ولنا: حديث القلادة وفيه: "فصلّوا بغير وضوء، فلم ينكرن ولا أمر بالإعادة". ١ وقياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام لا يصح، لأن الصوم يدخله التأخير، لأن المسافر يؤخره، ولأن عدم الماء لو كان كالحيض لأسقط الصلاة، وقياس الصلاة على جنسها أولى من قياسها على الصوم. وقياس مالك لا يصح، لمخالفته لقوله: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم". ٢ وقياس الطهارة على شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحيض، والحيض معتاد، والعجز هنا نادر لأنه يشق إيجاب قضاء المعتاد.
ولا يتيمم إلا بطاهر له غبار يعلق باليد، للآية. قال ابن عباس: "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر"، وقال: " ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ، ٣ وما لا غبار له، لا يمسح بشيء منه"، وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض، كالنورة والزرنيخ والحجارة. وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد. وقال حماد: يتيمم بالرخام، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ولنا: الأمر بالصعيد، وهو التراب، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ . فأما السبخة، فعنه: يجوز، وقاله الشافعي وابن المنذر، لقوله: "وجُعلت تربتها طهوراً ". وعنه: في النورة والحصى والرمل ونحوه، وعنه: يجوز ذلك مع الاضطرار خاصة، وإن ضرب بيده على لبد أو شعير ونحوه، فعلق به غبار، جاز، نص عليه "لأنه ﷺ ضرب بيده على الحائط، فمسح بها وجهه ويديه".
стр. 68
وأجاز مالك التيمم بالثلج والحشيش وكل ما تصاعد على وجه الأرض، ومنع من التيمم بغبار اللبد والثوب، لأنه ﷺ لما ضرب بيديه نفخهما. ولنا: الآية والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق. وروى الأثرم عن ابن عمر أنه قال: "لا يتيمم بالثلج فإن لم يجد فصفحة فرسه أو معرفة دابته". فأما التراب النجسن فلا يجوز، لا نعلم فيه خلافاً.
ويجوز أن يتيمم جماعة في موضع واحد بغير خلاف. وإن كان في الطين، فحكي عن ابن عباس: "أنه يطلي به جسده، فإذا جف تيمم به".
ولا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين، للآية؛ وهذا قول الشافعي، يعني: أنه لا يجزي البعض. وقال سليمان بن داود: يجزيه إذا لم يصب إلا بعض وجهه. ولنا: قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ، ١ والباء للإلصاق.
والنية شرط للتيمم في قول أكثر أهل العلم، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن الأوزاعي والحسن بن صالح. وإن نوى نفلاً، لم يصلّ إلا نفلاً. وقال أبو حنيفة: له أن يصلي بها ما يشاء.
ويبطل بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء. "روي بطلانه بخروج الوقت عن علي وابن عمر"، وهو قول مالك والشافعي. وقيل: لا يبطل، وهو مذهب ابن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي. ولنا: أنه روي عن علي وابن عمر أنه قال: "يتيمم لكل صلاة". وأما وجود الماء فلا نعلم فيه خلافاً. وإن وجده في الصلاة بطلت. وعنه: لا تبطل، قاله مالك والشافعي وابن المنذر. وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، بطل. والصحيح ما اختاره شيخنا: أنه لا يبطل، وهو قول سائر الفقهاء. ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له. وقال أبو مجلز: لا يتيمم
стр. 69
إلا لمكتوبة. وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف. ولنا: حديث أبي ذر وقوله: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً". ١ وإن وجد الماء في الوقت، لم يعد، وهو قول مالك والشافعي. وقال طاووس وابن سيرين والزهري: يعيد. ولنا: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: "أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً فصليا. ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعد الآخر. ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك. وقال للذي أعاد: لك أجرك مرتين" ٢.
واحتج أحمد بـ"أن ابن عمر تيمم وهو يرى بيوت المدينة، فصلى العصر. ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد". والمصلي على حسب حاله إذا وجد الماء أو تراباً، خرج منها بكل حال، ويحتمل أن لا يخرج كالمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة. و"يستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء"، وروي عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي. وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل.
والمسنون عن أحمد: التيمم بضربة واحدة. قال أحمد: من قال بضربتين إنما هو شيء زاده. قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم. وقال الشافعي: لا يجزئ إلا ضربتان للوجه واليدين إلى المرفقين. ولنا: حديث عمار، ولأنه حكم علق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق. وقد احتج ابن عباس بهذا. وأما أحاديثهم فضعيفة، لم يرو منها أهل السنن إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: ليس بصحيح عن النبي ﷺ ، وهو عندهم حديث منكر. وحديث ابن الصمة صحيح، لكن إنما جاء في المتفق عليه: "فمسح وجهه ويديه"، فهو حجة لنا. ثم أحاديثهم
стр. 70
لا تعارض حديثنا، لأنها تدل على جوازه بضربتين، لا نفي جواز التيمم بضربة، كما أن وضوءه ﷺ ثلاثاً لا ينفي الإجزاء بمرة. فإن قيل: روي في حديث عمار: "إلى المرفقين"، قيل: لا يعوّل عليه، إنما رواه سلمة وشك فيه، ذكره النسائي، مع أنه أنكر عليه وخالفه فيه سائر الرواة الثقات. ولا يختلف المذهب أنه يجزئ بضربة وبضربتين. وإذا [كان] علا يديه غبار كثير، لم يكره نفخه، لحديث عمار. وقيل: يُكره.
ولا يجوز لواجد الماء التيمم، خوفاً من فوات المكتوبة ولا الجنازة. وعنه: يجوز للجنازة. وعن الأوزاعي والثوري: له التيمم إذا خاف خروج الوقت، وإن خاف فوات العيد فكذلك. وقال الأوزاعي والثوري: له التيمم. ووجه الأولى: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ . ١ و"التيمم لفوات الجنازة يروى عن ابن عمر وابن عباس"، وبه قال إسحاق وأصحاب الرأي. وقال الشعبي: يصلي عليها من غير وضوء، أشبهت الدعاء في غير الصلاة. ولنا: قوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". ٢ ولا يكره للعادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت، وفيه رواية: يكره. قال إسحاق بن راهويه: هو سنة مسنونة عن النبي ﷺ في حديث أبي ذر وعمار وغيرهما.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ولا يكره لعادم الماء وطء زوجته، اختاره الشيخ؛ وهو بدل لكل ما يفعله بالماء من الصلاة وغيرها، ولوطء حائض انقطع دمها، وقيل: يحرم الوطء
стр. 71
والحالة هذه، اختاره الشيخ. وإذا وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم، جزم به الشيخ. وقال: يلزمه قبول الماء قرضاً، وكذا ثمنه وله ما يوفيه. وقال: ولو كان به جرح يخاف من غسله، فمسحه بالماء أولى من مسح الجبيرة. انتهى.
ولو كان على الجرح عصابة أو لصوق، أجزأ المسح على الصحيح، وعنه: يتيمم معه. ولو كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه الترتيب. قال الشيخ: ينبغي أن لا يرتب، وقال: لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره. وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بتيمم بدعة.
ويجوز التيمم للنجاسة، وفي وجه: لا يجب التيمم لنجاسة البدن مطلقاً، نصره الشيخ. ولو عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، ولا يزيد على ما يجزئ. وقال الشيخ: يتوجه له فعل ما شاء لأنه لا تحريم مع العجز، ولأن له أن يزيد على ما يجزئ في ظاهر قولهم، وقال: له فعل ذلك على أصح القولين.
ولا يتيمم إلا بتراب له غبار، وعنه: بالسبخة، وعنه: وبالرمل أيضاً، اختاره الشيخ. واختار جواز التيمم بغير تراب من أجزاء الأرض، إذا لم يجد تراباً، وهي رواية عن أحمد. وأعجب أحمد حمل التراب عند التيمم، وعند الشيخ لا يحمله.
ويبطل بخروج الوقت. وهو مبيح لا رافع. وعنه: أنه رافع؛ فيصلي به إلى حدثه، اختاره الشيخ. وقال في الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة، إلى أن يدخل وقت الأخرى، أعدل الأقوال.
وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، لم يبطل تيممه، اختاره الشيخ. واختار فيمن استيقظ آخر الوقت وهو جنب، وخاف إن اغتسل خرج
стр. 72
الوقت، أو نسيها وذكرها آخر الوقت، أن يغتسل أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت، كالمذهب. وإن استيقظ أول الوقت، وخاف إن اشتغل بتحصيل الماء يفوت الوقت، أن يتيمم ولا يفوِّت الوقت. وإن من أمكنه الذهاب إلى الحمام لكن بفوات الوقت، أن يتيمم ويصلي خارج الحمام، لأن الصلاة في الحمام وخارج الوقت منهي عنها، كمن انتقض وضوءه وهو في المسجد. واختار أيضاً جواز التيمم من فوات الجمعة، فإنه أولى من الجنازة - إلى أن قال - وعنه: يجوز لجنازة، اختاره الشيخ.
ولو كان الماء لأحدهم لزمه استعماله، وذكر ابن القيم في الهدي: أنه لا يمتنع أن يؤثر بالماء، ويتيمم هو.
стр. 73
باب التيمم
...
ولو كان حجة، فالمنطوق راجح عليه. وهل يعيد إذا قدر على الماء على روايتين.
ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله كالحطاب، ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه، ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ إلا بتفويت حاجته، صلى بالتيمم ولا إعادة عليه.
وإن خاف البرد ولم يمكنه استعمال الماء على وجه يأمن الضرر، تيمم في قول أكثر أهل العلم. وقال الحسن وعطاء: يغتسل وإن مات.
ووجه الأولى قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ١ ولحديث عمرو بن العاص. وهل يلزمه الإعادة فيه روايتان:
إحداهما: لا تلزم "لأنه ﷺ لم يأمر عمرو بن العاص بالإعادة". وقال أبو يوسف ومحمد: تجب، كنسيان الطهارة؛ والأول أصح، لأن الناسي لم يأت بما أمر به.
والجريح والمريض إذا خافا تيمما، هذا قول أكثر أهل العلم. وقال عطاء والحسن: لا يجوز إلا عند عدم الماء. ولنا: قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ٢ وحديث صاحب الشجة. واختلفوا في الخوف المبيح، فعن أحمد: لا يبيحه إلا خوف التلف؛ والصحيح الإباحة إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء، لأنه يجوز إذا خاف ذهاب شيء من ماله أو لم يجد الماء إلا بزيادة كثيرة على ثمن المثل، ولأن ترك القيام في الصلاة وتأخير الصوم في المرض لا ينحصر في خوف التلف. فإن لم يخف الضرر لم يجز. وحكي عن مالك وداود: إباحته للمريض مطلقاً، لظاهر الآية. ولنا: أنه قادر عليه من غير ضرر فأشبه الصحيح، والآية اشترط فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع على أنه لا بد فيها من إضمار الضرورة، ولا يكون إلا عند الضرورة. وإن خاف العطش
стр. 74
باب إزالة النجاسة
لا تجوز بغير الماء، وبه قال مالك. وروي عن أحمد ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر، مزيل للعين والأثر، كالخل وماء الورد؛ وقاله أبو حنيفة، لقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسلْه سبعاً". ١ ولنا: الأحاديث مثل قوله: "ثم لتنضحْه بماء"، ومثل أمره بذنوب من ماء تصب على البول. فأما ما لا يزيل، كاللبن والدهن، فلا خلاف أن النجاسة لا تزال به.
ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً، إحداهن بالتراب، لا يختلف المذهب في نجاستهما وما توالد منهما، عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه؛ وبه قال الشافعي، وبه قال أبو حنيفة في السؤر. وقال مالك: سؤرهما طاهر. وقال الزهري: يتوضأ منه إذا لم يجد غيره. قال مالك: يغسل الإناء تعبداً. واحتج بعضهم على طهارته بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ، ٢ ولم يأمر بغسل أثر فمه. ونجاسة الخنزير بالتنبيه لأنه شر منه. وممن قال: "يغسل سبع مرات": ابن عباس والشافعي وابن المنذر. وقال عطاء: قد سمعت ثلاثاً وخمساً وسبعاً، وعن أحمد ثمانياً، إحداهن بالتراب، لقوله: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب". ٣ رواه مسلم. وحديث أبي هريرة أصح، ويحتمل أنه عدّ التراب ثامنة، جمعاً بينهما. وإن جعل مكان التراب أشناناً ونحوه، فقيل: لا يجزئ، للأمر بالتراب. وقيل: بلى، لأنه أبلغ
стр. 75
من التراب. ويستحب جعله في الأولى، لموافقته لفظ الخبر، وليأت الماء بعده فينظفه. ومتى غسل به أجزأه، لقوله: "إحداهن بالتراب"، وفي لفظ آخر: "في الثامنة".
وفي سائر النجاسات، ثلاث روايات: إحداهن: يجب سبعاً. والثانية: ثلاثاً. والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، كالنجاسات كلها، إذا كانت على الأرض، لقول ابن عمر: "أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً". والثانية، لحديث القائم من نوم الليل. والثالثة، قوله لأسماء: "اغسليه بالماء"، ١ ولم يذكر عدداً.
وإذا أصاب ثوب المرأة دم الحيض، استحب أن تحتّه بظفرها لتذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل، ثم تغسله، لقوله لأسماء: "حتّيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء"، ٢ وإن لم يزل لونه، وكانت إزالته تشق أو تضر بالثوب، لقوله: "ولا يضرك أثره". ٣ رواه أبو داود.
وإن استعملت شيئاً يزيله كالملح وغيره، فحسن، لحديث الغفارية التي أردفها. قال الخطابي: فيه من الفقه: جواز استعمال الملح وهو مطعوم في غسل الثوب من الدم. فعلى هذا، يجوز غسل الثوب بالعسل إذا كان الصابون يفسده، وبالخل إذا أصابه الحبر، والتدلك بالنخالة وغسل الأيدي بها، وبالبطيخ ودقيق الباقلاء وغيرها، مما له قوة الجلاء.
ومتى تنجست الأرض بنجاسة مائعة، أيَّ نجاسة كانت، فطهورها: غمرُها بالماء حتى يذهب لون النجاسة وريحها. فإن لم يزل إلا بمشقة، سقط ذلك كما قلنا في الثوب، لحديث الأعرابي، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وسئل أحمد عن ماء المطر يصيب الثوب، فلم ير بأساً، إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر، وقال: كل ما نزل من السماء إلى الأرض فهو نظيف، داسته الدواب أو لم تدسه. وقال في الميزاب: إذا كان في الموضع النظيف لا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم. قيل: أفأسأل عنه؟ قال: لا.
واحتج في طهارة طين المطر بحديث