ولا يغزو على الفرس الذي أخرجه من الزكاة. واختلفت الرواية عنه: هل يعطي منها في الحج؟
الثامن: (ابن السبيل) ، ولا خلاف فيه، وهو: المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال الشافعي: ومن يريد إنشاء السفر أيضاً يدفع إليه. ولنا: أن السبيل هو الطريق، وابنه الكائن فيه، ولا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب. وإن كان يريد غير بلده، فقال أصحابنا: يدفع إليه، لكن بشرط كون السفر مباحاً. وإن كان للنزهة ففيه وجهان، قال شيخنا: ويقوى عندي أنه لا يجوز الدفع في السفر إلى غير بلده، لأنه لا نص فيه.
ويعطى الفقير والمسكين ما يكفي حولاً، والغارم والمكاتب ما يقضيان به ديْنهما، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه. وإن أخرجها فضاعت قبل دفعها إلى الفقير، لم تسقط، وقال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعده ضمن. وإن منعها أخذت منه وعُزر. وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله، وبه قال إسحاق، لحديث: "إنا آخذوها وشطر ماله". ١ قال أحمد: صالح الإسناد.
والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما. وحكي عن الثوري والأوزاعي: تجب، ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون. وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما، إلا العشر وصدقة الفطر، لقولهصلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة"، ٢ والحديث أريد به رفع الإثم بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر، وهي حق يتعلق بالمال أشبه أرش الجناية ونفقة الزوجة والأقارب. ويستحب له تفريقها بنفسه، وله دفعها إلى الساعي، وعنه:
стр. 247
يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى تفريق الباقي. قال أحمد: "قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم". ومن قال: يدفعها إلى الإمام: الشعبي والأوزاعي. "وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري". وقال مالك وأبو حنيفة: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام، لأن أبا بكر طالبهم بها وقاتلهم عليها، وقال: "والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعها". وقال أصحاب الرأي: إذا مر على الخوارج فعشروه لا يجزئ عن زكاته، ويجزئ فيما غلبوا عليه. وقال أبو عبيد: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة، لأنهم ليسوا بأئمة، أشبهوا قطاع الطريق. ولنا: قول الصحابة من غير خلاف علمناه في عصرهم.
ولا يعطى أحد مع الغنى إلا أربعة: العامل، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تدفع إلا لفقير، لعموم حديث معاذ. وابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده. وإن أراد دفع الزكاة إلى الغارم سلمها إليه، فإن دفعها للغريم عن المدين، ففيه روايتان. ويحتمل أن تحمل رواية المنع على الاستحباب. وإن ادعى الفقر من عُرف بالغنى، لم يقبل قوله إلاّ ببينة، وهل يعتبر في البينة ثلاثة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم. والثاني: يقبل اثنان، لأن الخبر ورد في حل المسألة فيقتصر عليه. وإن ادعى الفقر من لم يُعرف بالغنى قبل قوله، فإن رأوه جلداً وذكر أنه لا كسب له، أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
ومن غرم أو سافر في معصية، لم تدفع إليه، وإن تاب فعلى وجهين. ويستحب صرفها
стр. 248
إلى جميع الأصناف، أو من أمكن منهم، للخروج من الخلاف. فـ"إن اقتصر على واحد أجزأه"، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما. وقال النخعي: إن كان المال كثيراً يحتمل الأصناف، قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأوْلى فالأولى. وقال الشافعي: يجب أن تقسم زكاة كل صنف على الموجودين من الأصناف الستة على السواء، ثم حصة كل صنف لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجدوا، فإن لم يوجد إلا واحد، صرف حصة ذلك الصنف إليه. وروي عن أحمد مثله. ولنا: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية، ١ وحديث معاذ؛ ولم يذكر في الآية والخبر إلا صنفاً واحداً. و"أمر ﷺ بني زريق بدفع صدقاتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، ٢ وما بلغنا أنه ﷺ فعل هذا ولا أحد من خلفائه، ولو فعلوه مع مشقة لنقل. والآية سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه، بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف بها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذمي لا يعطى من الزكاة، لحديث معاذ، ولا يعطى الكافر ولا المملوك، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن يكون الكافر مؤلفاً.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا تدفع إلى الوالدين في الحال التي يجبر على النفقة عليهم، ولا إلى الزوجة. ولا نعلم خلافاً أن بني هاشم لا تحل لهم، وحكم مواليهم كذلك عند أحمد؛ وقال أكثر أهل العلم: يجوز. ولنا: حديث أبي رافع: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم". ٣ صححه الترمذي. ولهم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر، وفي الكفارة
стр. 249
وجهان. ولو أهدى المسكين منها إلى الهاشمي حل، "لأنه ﷺ أكل مما تُصُدِّق به على أم عطية، وقال: إنها قد بلغت محلها ". ١ متفق عليه.
وكل من حرم عليه صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم، تجوز له صدقة التطوع، قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية، ٢ ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافراً، وقال لسعد: "إن نفقتك على أهلك: صدقة". ٣ متفق عليه. والأقارب غير الوالدين من لا يرث منهم، يجوز دفع الزكاة إليه.
الثاني: من يرث، كالأخوين اللذيْن يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز، وهذا قول أكثر أهل العلم، لقوله: "وهي لذي الرحم: صدقة وصلة"، فلم يشترط نافلة ولا فرضاً. والثانية: لا، لأن على الوارث مؤنته. فإذا كان في عائلته من لا تجب عليه نفقته كاليتيم، فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز. وفي دفعها إلى الزوج روايتان: إحداهما: "يجوز"، لحديث ابن مسعود وامرأته. والثانية: لا. وحديث ابن مسعود وزوجته في صدقة التطوع، لقولها: أردت أن أتصدق بحلي لي، وقوله: "زوجك وولدك أحق"، ٤ والولد لا تدفع إليه الزكاة.
وهل يجوز دفعها إلى بني المطلب؟ على روايتين. وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم، ثم علم، لم تجزه، إلا لغني إذا ظنه فقيراً، في إحدى الروايتين؛ وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد، "لأنه ﷺ أعطى الجلدين، وقال للذي سأله من الصدقة: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"، ٥ ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته، لقوله: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . ٦ فإن
стр. 250
تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، لقوله: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"، ١ فإن وافقوه على الإيثار فهو أفضل، لقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ، ٢ وقوله ﷺ : "أفضل الصدقة: جهد من مقلٍّ إلى فقير في السر". ومن أراد الصدقة بماله كله وكان وحده، أو كان لمن يمونه كفايتهم، أو كان مكتسبا، أو واثقا من نفسه بحسن التوكل والتعفف من المسألة، فله ذلك لما ذكرنا من الآية والخبر، ولقصة أبي بكر، و"إلا كره ذلك، لحديث جابر في الذي جاء بمثل بيضة من ذهب ... " الحديث.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الفقر والمسكنة صفتان لموصوف واحد. واختار جواز الأخذ لشراء كتب علم لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها. والذي يقبض للصغير من الزكاة والهبة والكفارة: وليه من أب ووصي وحاكم. قال في الفروع: لم أجد عن أحمد تصريحاً بأنه لا يصح قبض غير الولي مع عدمه، مع أن الموفق قال: لا نعلم فيه خلافاً، ثم ذكر أنه يحتمل أنه يصح قبض من يليه من أم وقريب وغيرهما عند عدم الولي. وذكر المجد: أنه منصوص أحمد. نقل هارون الحمال في الصغار يعطى أولياؤهم، فقلت له: ليس لهم ولي، قال: يعطى من يُعنى بأمرهم.
ويصح من المميز قبض الزكاة، قال المروذي: قلتُ لأحمد: يعطى غلاماً يتيماً من الزكاة؟ قال: نعم. يدفعها إلى الغلام. قلت: أخاف أن يضيعه. قال: يدفعه إلى من يقوم بأمره.
قيل لأحمد: يكون عنده الزرع ليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه: ما يحتاج إليه لإقامة مؤنته؛
стр. 251
ومن أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله. وعنه: يحرم السؤال لا الأخذ، على من له غداء أو عشاء. قال الأصحاب: إذا عمل الإمام أو نائبه، لم يكن له أخذ شيء، لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. ونقل صالح: العامل هو السلطان الذي جعل الله له الثمن في كتابه، ونقل عبد الله نحوه. ولا يقضي منها ديْن ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره، واختار الشيخ الجواز، لأنه لا يشترط تمليكه، لأن الله قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ، ١ ولم يقل: وللغارمين. ولو دفع المالك إلى الغريم بلا إذن الفقير، فكلام الشيخ يقتضي الجواز. واختار جواز الأخذ من الزكاة للفقير ما يصير به غنياً وإن كثر. واختار أنه إذا أسقط عن غريمه زكاة ذلك الديْن منه جاز، لأن الزكاة مواساة.
واختار جواز إعطاء عمودي نسبه إذا كان لغرم نفسه أو لكتابة أو ابن سبيل. وقال: بنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس، جاز لهم الأخذ منها. وقال: يجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشميين. انتهى. وقال: وفي تحريم الصدقة على أزواجه ﷺ وكونهن من أهل بيته روايتان: أصحهما: التحريم، وكونهن من أهل بيته. واختار أنه يعطى يتيماً تبرع بنفقته.
стр. 252
كتاب الصيام
يجب الصوم بإحدى ثلاثة:
الأول: رؤية الهلال، إجماعاً.
الثاني: كمال شعبان ثلاثين، لا نعلم فيه خلافاً. ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وفي الترمذي: "احصوا هلال شعبان لرمضان".
الثالث: أن يحول دون منظره غيم أو قتر، فيجب صومه، وعنه: لا يجب، ولا يجزئه عن رمضان إن صامه؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وعنه: الناس تبع للإمام، فإذا رؤي نهاراً قبل الزوال أو بعده، فهو لليلة المقبلة. وقال الثوري وأبو يوسف: إن رؤي قبل الزوال، فهو للماضية، لقوله: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، ١ وقد رأوه فيجب الصوم والفطر. ولنا: قول عمر وابنه وغيرهما من الصحابة، والخبر محمول على ما إذا رئي عشية، بدليل ما لو رئي بعد الزوال. ثم إن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من الغد، بدليل ما لو رئي عشية. وعنه: إن كان في أول رمضان، فهو للماضية؛ فعليها، يلزم قضاء ذلك اليوم وإمساك بقيته.
فإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم. وعن عكرمة: لأهل كل بلد رؤيتهم، وهو مذهب إسحاق، لحديث كريب عن ابن عباس، رواه مسلم. ولنا: قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، ٢ وقد ثبت أن هذا منه في سائر الأحكام - من وقوع الطلاق
стр. 253
والعتاق وغير ذلك -، فوجب صيامه بالنص والإجماع. وحديث كريب دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب، ونحن نقول به.
ويقبل في هلال رمضان قول عدل، وفي سائر الشهور عدلان. وعن عثمان: "لا يقبل إلا شهادة اثنين"، وهو مذهب مالك، لحديث عبد الرحمن بن الخطاب. ولنا: حديث ابن عباس، وحديثهم إنما يدل بمفهومه، وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين فلم يروه، أفطروا، لحديث عبد الرحمن بن زيد. وإن صاموا بشهادة واحد، فعلى وجهين: أحدهما لا يفطرون، لحديث عبد الرحمن.
ومن رأى هلال رمضان فردت شهادته لزمه الصوم، وقاله مالك والشافعي. وقال إسحاق: لا يصوم. وإن رأى هلال شوال وحده، لم يفطر؛ روي عن مالك والليث. وقال الشافعي: يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد. وإن قامت البينة بالرؤية، لزمهم الإمساك والقضاء. وقال عطاء: لا يجب الإمساك. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء. وإن طهرت حائض أو نفساء، أو قدم المسافر مفطراً، لزمهم القضاء؛ وفي الإمساك روايتان.
و"من عجز عن الصوم لكِبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكيناً"، وهذا قول علي وابن عباس وغيرهما. وقال مالك: لا يجب عليه شيء. ولنا: الآية، قال ابن عباس في تفسيرها: "نزلت رخصة للشيخ الكبير".
وقال أبو عبيد وأبو مجلز: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . ١ ولنا: "أنه ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد. ثم أفطر، وأفطر الناس معه". ٢ متفق
стр. 254
عليه.
ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر، وقال الشافعي: إن صح حديث الكديد، لم أر به بأساً. وقال مالك: إن أفطر، فعليه القضاء والكفارة.
وإن نوى الحاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر. وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يفطر. ولنا: حديث أبي بصرة الغفاري، رواه أبو داود. وقال الحسن: يفطر في بيته إن شاء، لما روى محمد بن كعب قال: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت له راحلته، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنّة؟ فقال: سنّة. ثم ركب". حسنه الترمذي؛ ويحتمل أنه كان نزل خارجاً منه، فأتاه ابن كعب في ذلك المنزل. قال ابن عبد البر: قول الحسن شاذ، ويروى عنه خلافه.
والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أفطرتا وقضتا لا غير، لا نعلم فيه خلافاً. وإن خافتا على ولديهما، أفطرتا وأطعمتا. وقال الليث: الكفارة على المرضع، لأنه يمكنها أن تسترضع لولدها.
وقال النخعي وأبو حنيفة: لا كفارة عليها. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ، ١"وهما داخلتان في عموم الآية". وروي عن ابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة. ويجب عليهما القضاء، وقال ابن عمر وابن عباس: "لا قضاء عليهما لأن الآية تناولتهما". ولنا: أنهما يطيقان. قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة، يعني: ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء. ولا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه، فأما المجنون فلا يقضي، وقال مالك: يقضي.
ولا يصح صومٌ واجب إلا أن ينويه من الليل، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزى صيام رمضان، وكل صوم بنية من النهار، لأنه صلى الله
стр. 255
عليه وسلم أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم"، ١ وكان واجباً. ولنا: حديث حفصة، مرفوعاً: "من لم يبيِّت الصيام من الليل، فلا صيام له". ٢ رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
وأما يوم عاشوراء، فإنما سمي الإمساك صياماً تجوزاً، كما في البخاري: "من كان أكل، فليصمْ بقية يومه". ٣ والإمساك بعد الأكل ليس بصيام شرعي، ولو ثبت أنه صيام عاشوراء، فوجوبه تجدد في أثناء النهار.
ويصح صوم النفل بنية من النهار، بعد الزوال وقبله. وقال مالك: لا يجزئ إلا بنية من الليل، لحديث حفصة. ولنا: حديث عائشة عند مسلم، وحديثهم نخصه به، ولو تعارضا قدم حديثنا لأنه أصح. والمشهور من قولي الشافعي: أن النية لا تجزئ بعد الزوال، فإن فعل قبل النية ما يفطره لم يجز الصيام، بغير خلاف نعلمه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صومه، وعنه: لا يجب. قال الشيخ: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، فلا أصل للوجوب في كلامه ولا كلام أحد من الصحابة؛ فعليها، يباح صومه، اختاره الشيخ. قوله: إذا رآه أهل بلد ... إلخ، إذا كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم، قال الشيخ: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزمهم الصوم وإلا فلا. واختار أن من رآه فرُدت شهادته، لا يلزمه الصوم ولا الأحكام المعلقة بالهلال من طلاق وغيره. وإن رأى هلال شوال وحده، لم يفطر. قال الشيخ: النزاع مبني على أصل، وهو أن الهلال هل هو اسم لما يطلع في السماء وإن لم يشتهر ولم
стр. 256
يظهر، أو أنه لا يسمى هلالاً إلا بالاشتهار والظهور، كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
وإن قامت البينة في أثناء النهار، لزم الإمساك والقضاء، وقال الشيخ: يمسك ولا يقضي، وأنه لو لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب لم يلزمه القضاء. وإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي فكذلك، وعنه: لا يجب الإمساك ولا القضاء، واختار الشيخ: يجب الإمساك دون القضاء. وقال: لو تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكِبر ونحوه أو عن ميت، وهما معسران، توجه جوازه، لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. واختار الفطر للتقوّي على الجهاد، وفعله هو وأمر به لما نزل العدوّ دمشق، وقال: يباح للمسافر الفطر ولو كان السفر قصيراً.
قوله: ولا يصح صوم واجب إلا أن ينويه من الليل، معيناً من رمضان أو قضائه أو نذره أو كفارته، وعنه: لا يجب تعيين النية لرمضان، ولا يصح بنية مقيدة بنذر أو غيره، لأنه ناو تركه، اختاره الشيخ إن كان جاهلاً، ومن كان عالماً فلا.
وإن نوى: إن كان غداً من رمضان ففرض وإلا فنفل، لم يجزئه، وعنه: يجزئه، اختاره الشيخ. قال في الروضة: الأكل والشرب بنية الصوم نية، وكذا قال الشيخ.
стр. 257
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
أجمعوا على أن الإفطار بالأكل والشرب لما يُتغذى به، فأما ما لا يتغذى به فيفطر، في قول عامة أهل العلم. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب. وحكي عن أبي طلحة: "أنه كان يأكل البرد في الصوم". وقال مالك: لا يفطر بالسعوط إلا أن يصل إلى حلقه، واختلف عنه في الحقنة. وإن وجد طعم الكحل في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطّره وإلا فلا. وقال الشافعي: لا يفطر الكحل.
قال ابن المنذر: أجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً، وقليل القيء وكثيره سواء، وعنه: لا يفطر إلا بملء الفم؛ والأول أولى، لظاهر حديث أبي هريرة، حسنه الترمذي.
وإن قبّل أو لمس فأمنى أو أمذى أفطر، لإيماء الخبر إليه، يعني: قولها: "كان أملككم لإربه". وقال الشافعي: لا يفطر بالمذي، أو كرر النظر فأنزل، يعني: يفطر، وقال الشافعي وابن المنذر: لا يفطر.
والحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم، وبه قال إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة. وقال مالك: لا يفطر، (وإنما) يفطر بما ذكرنا إذا فعله ذاكراً لصومه. وروي عن عليّ: "لا شيء على من أَكل ناسياً"، وهو قول أبي هريرة وابن عمر، وقال مالك: يفطر.
وإذا دخل حلقه غبار أو ذباب من غير قصد، أو رش عليه الماء فيدخل
стр. 258
مسامعه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، فلا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافاً.
ومن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً، فعليه القضاء، هذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن عروة ومجاهد والحسن وإسحاق: لا قضاء عليه.
وإذا جامع في نهار رمضان، فعليه القضاء والكفارة، وعنه: لا كفارة مع الإكراه أو النسيان. وقال الشافعي: لا يجب القضاء مع الكفارة. ولنا: أنه ﷺ قال للمُجامع: "وصم يوماً مكانه". ١ رواه أبو داود. وإن جامع فيما دون الفرج أفطر، بغير خلاف علمناه، وفي الكفارة روايتان.
وإن قبّل أو لمس فأنزل فسد صومه، وفي الكفارة روايتان.
والكفارة: عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وعنه: على التخيير، لما روى مالك وابن جريج عن الزهري في الحديث: "أمره أن يكفِّر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً". ووجه الأولى: الحديث الصحيح، رواه يونس ومعمر والأوزاعي والليث وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمير وعراك بن مالك وغيرهم، عن الزهري بلفظ الترتيب؛ والأخذ به أولى، لأن أصحاب الزهري اتفقوا عليه، سوى مالك وابن جريج، ولأن الترتيب زيادة، ولأن حديثنا لفظه ﷺ ، وحديثهم لفظ الراوي، ويحتمل أنه رواه بأوْ لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ عدم الإفطار بمداواة جائفة ومأمومة وبحقنة. وقال ابن أبي موسى: الاكتحال بما يجد طعمه كصبر يفطر، ولا يفطر الإثمد غير المطيب
стр. 259
إذا كان يسيراً، واختار الشيخ: لا يفطر بذلك كله.
قوله: أو قبّل أو لمس فأمنى ... إلخ، ووجه في الفروع احتمالا بأنه لا يفطر، ومال إليه ورد ما احتج به المصنف والمجد. وإذا قبّل أو لمس فأمذى، فسد صومه، وقيل: لا يفطر، اختاره الشيخ. واختار أن الحاجم إن مص القارورة أفطر وإلا فلا، ويفطر المحجوم عنده إن خرج الدم وإلا فلا، وأنه لا يفطر الفاصد، وأن المشروط يفطر الشارط، وأنه يفطر بإخراج دمه برعاف أو غيره.
واختار أنه لا قضاء على من أكل أو جامع معتقداً أنه ليل فبان نهاراً. وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل أفطر، ووجه في الفروع احتمالاً: لا يفطر إذا باشر دون الفرج، ومال إليه. واختار الشيخ أنه لا يفطر إذا أمذى بالمباشرة. واختار أن المجامع إذا طلع عليه الفجر فنزع في الحال، أنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولو كفّر عنه غيره بإذنه فله أخذها، وقيل: وبدون إذنه.
وذكر ابن أبي موسى: هل يجوز له أكلها أم كان خاصا بذلك الرجل الأعرابي؟ على روايتين، وحكم أكله من الكفارات بتكفير غيره عنه حكم كفارة رمضان، وعنه: جواز أكله مخصوص بكفارة رمضان، ولو ملكه ما يكفّر به، وقلنا: له أخذه هناك، فله أكله، وإلا أخرجه عن نفسه، وقيل: هل له أكله أو يلزمه التكفير به؟ على روايتين.
стр. 260
باب ما يكره ويستحب، وحكم القضاء
يكره للصائم أن يجمع ريقه فيبتلعه، وإذا بلع ريق غيره أفطر؛ فإن قيل: "كان رسول الله ﷺ يقبّل عائشة وهو صائم، ويمص لسانها"، قيل: قال أبو داود: ليس إسناده صحيحاً، ويجوز أن يقبلها في الصوم، ويمص لسانها في غيره.
وإذا ابتلع النخامة، فنقل حنبل: يفطر، ونقل المروذي: لا يفطر. قال أحمد: أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام، فإن فعل لم يضره، لقول ابن عباس: "لا بأس بذوق الطعام والخل، والشيء يريد شراءه"، والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم. والمنقول عن أحمد: كراهة مضغ العلك. "ورخصت فيه عائشة".
وتكره القبلة إلا لمن لا تحرك شهوته. و"إن شُتم استحب أن يقول: "إني صائم""، للحديث.
ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور، ولا نعلم خلافاً في استحباب السحور.
ويستحب أن يفطر على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن فعلى الماء. ولا نعلم خلافاً في استحباب التتابع في قضاء صوم رمضان، وحكي وجوبه عن النخعي والشعبي. وإذا تأخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه إلا القضاء، لعموم الآية. و"إن كان لغير عذر، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم"، يروى عن ابن عباس وابن عمر، وقال الحسن:
стр. 261
لا فدية عليه. ولنا: أنه قول مَن سمّينا من الصحابة، ولم يرو عن غيرهم خلافهم.
ومن مات وعليه صيام قبل إمكان الصيام، إما لضيق وقت أو مرض أو سفر، فلا شيء عليه، في قول أكثر أهل العلم. و"إن أخّره لغير عذر مع إمكان القضاء فمات، أطعم عنه لكل يوم مسكيناً"؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والشافعي. وقال أبو ثور: يصام عنه، وهو قول الشافعي، لحديث: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه". ١ ولنا: أنه قول ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهي راوية الحديث، والحديث في النذر.
واختلفت الرواية في جواز التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض، وفي كراهة القضاء في عشر ذي الحجة، ومن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه، وإن كان صلاة منذورة فعلى روايتين. وقال مالك والثوري: يطعم عنه وليه. ولنا: الأحاديث وسنة رسول الله ﷺ أحق بالاتباع، وفيها غنى عن كل قول. ولا يختص بالولي، بل كل من قضى عنه أو صام عنه أجزأه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: فإن شُتم استحب أن يقول: "إني صائم"، يحتمل أن يقوله مع نفسه، ويحتمل أن يكون جهراً، اختاره الشيخ. ومن فطر صائماً، فله مثل أجره، قال الشيخ: المراد إشباعه.
واختار أن من أفطر متعمداً بلا عذر لا يقضي، وكذلك الصلاة، وقال: وليس في الأدلة ما يخالف هذا. وقال في المستوعب: يصح أن يفعل عنه كل ما عليه من نذر طاعة، إلا الصلاة فعلى روايتين. وقال المجد: قصة سعد تدل على أن كل نذر يقضى، وترجم عليه في المنتقى: يقضى كل المنذورات عن الميت، ولا كفارة مع الصوم عنه أو الإطعام. واختار الشيخ أن الصوم بدل مجزئ بلا كفارة.
стр. 262
باب صوم التطوع
أفضله: صيام داود. ويستحب صيام أيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة من كل شهر، لا نعلم في استحبابه خلافاً، وصوم ستة أيام من شوال مستحب، وكرهه مالك. قال أحمد: "هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ "، ولا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة، وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين، ولا يستحب لمن كان بعرفة.
ويستحب صيام عشر ذي الحجة. وأفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم. ويكره إفراد رجب، قال أحمد: لا يصومه متوالياً بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان.
ويكره إفراد الجمعة والسبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان، إلا أن يوافق عادة، قال أحمد: أما صيام يوم السبت يفرد، فقد جاء فيه حديث الصماء. والوصال مكروه في قول أكثر أهل العلم، وظاهر قول الشافعي: أنه حرام. ولنا: أن النهي رفقاً بهم، ولهذا لم يفهم منه الصحابة التحريم. وفي البخاري "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر". ١ وقال أبو الخطاب: إنما يكره صوم الدهر إذا دخل فيه العيدان وأيام التشريق، لأن أحمد قال: إذا أفطر يومَي العيد وأيام التشريق، رجوت أن لا يكون به بأس، وهو قول الشافعي، لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم. قال شيخنا: إنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة، وشبه التبتل المنهي عنه، وفي حديث عبد الله بن عمر:
стр. 263
"وإنك إذا فعلت ذلك، هجمت له عينك ... إلخ"، ١ ولو لم يفطر في العيدين وأيام التشريق، فقد فعل مكروهاً، وإن أفطر فيها.
ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين، ويدل الحديث بمفهومه على جواز التقديم بأكثر من يومين، وفي حديث أبي هريرة: "إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا ... إلخ"؛ ٢ فيحمل الأول على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة، جمعاً بينهما. ولا يجوز صيام العيدين وأيام التشريق.
ومن شرع في صلاة أو صوم تطوعاً استحب له إتمامه، ولا يلزمه. وعنه: إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر، أعاد ذلك اليوم. وقال النخعي ومالك: يلزم بالشروع فيه، فإن خرج قضى، لحديث عائشة، وفيه: "اقضيا يوماً مكانه". ٣ ولنا: حديث عائشة عند مسلم، وخبرهم، قال أبو داود: لا يثبت، وضعفه الجوزجاني وغيره. وعن أحمد ما يدل على أن الصلاة تلزم بالشروع، ومال الجوزجاني إلى هذا وقال: الصلاة ذات إحرام وإحلال، فلزمت بالشروع كالحج.
وأكثرُ أصحابنا على "أنها لا تلزم"، وهو قول ابن عباس؛ فإن دخل في صوم واجب لم يجز له الخروج، بلا خلاف.
وتطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وليالي الوتر آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. قال أبيّ بن كعب وابن عباس: "هي ليلة سبع وعشرين".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
إذا أفطر أيام النهي، جاز صوم الدهر ولم يكره، ورواية الأثرم: يكره، قال الشيخ: الصواب قول من جعله تركاً للأوْلى أو كرها، وإن فرق ست شوال جاز، اختاره الشيخ.
стр. 264
(تنبيه) : عدم استحباب صوم يوم عرفة لمن بعرفة ليتقوى على الدعاء، وعن الشيخ: لأنه يوم عيد. وقال: لا يكره إفراد العاشر من المحرم بالصيام، واختار أنه كان واجباً ثم نسخ. وحكى في إفراد رجب بالصوم وجهين. وقال: لا يجوز صوم يوم الجمعة. واختار أنه لا يكره صوم يوم السبت مفرداً، وأن الحديث شاذ أو منسوخ، وقال: لا يجوز تخصيص أعياد الكفار بالصوم. وذكر ابن عبد البر الإجماع على أنه إذا دخل في الاعتكاف وقد نواه مدة، لزمته يقضيها، ورد المصنف والمجد كلامه في دعوى الإجماع. قال الشيخ: الوتر باعتبار الماضي، فطلب ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين ... إلخ؛ ويكون باعتبار الباقي، لقوله: "في تاسعة تبقى" الحديث. فإذا كان الشهر ثلاثين، تكون تلك ليالي الإشفاع: فليلة الثانية والعشرين: تاسعة تبقى، وليلة أربع: سابعة تبقى، كما فسره أبو سعيد الخدري. وإن كان الشهر تسعة وعشرين، كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ بالماضي.
وقال الشيخ: ليلة الإسراء في حقه ﷺ أفضل من ليلة القدر. وقال: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام. والله أعلم.
стр. 265
كتاب الاعتكاف
لا نعلم خلافاً في استحبابه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً، إلا أن يوجب المرءُ على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه. فإن نوى الاعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها والخروج منها متى شاء. وقال مالك: يلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه فعليه قضاؤه. قال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزم القضاء عند جميع العلماء، واحتجوا بحديث عائشة "في ضرب أزواجه الأخبية، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال"، وما ذكره ليس بشيء، فإن هذا ليس بإجماع، ولا يعرف هذا القول عن أحد سواه؛ والحديث حجة عليه، لأنه ﷺ ترك اعتكافه، وأزواجه تركنه ولا أمرن بالقضاء.
وأما قضاؤه ﷺ ، فإنه كان إذا عمل عملاً أثبته تطوعاً، ويصح بغير صوم، وعنه: لا يصح؛ فعليها، لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم، ولا يجوز إلا في مسجد، لا نعلم فيه خلافاً، وتقام فيه الجماعة. وعن الشافعي: وتقام فيه الجمعة، ولا يتعين شيء من المساجد بالنذر إلا الثلاثة، لحديث شد الرحال، ولو تعين غيرها لزم المضي إليه، واحتاج إلى شد رحل. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يتعين المسجد الأقصى، لقوله: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام"، ١ وهذا يدل على التسوية بين ما عدا هذين المسجدين، وما ذكره لا يلزم فإنه إذا
стр. 266
فضل الفاضل بألف، فقد فضل المفضول بها أيضاً. وأفضلها: المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى. فإن نذر في الأفضل لم يكن له فعله في غيره، فإن نذره في غيره فله فعله فيه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجده ﷺ بما كان في زمانه، لقوله: "في مسجدي هذا"، واختار الشيخ أن حكم الزائد حكم المزيد عليه؛ ظاهر كلام المصنف: أنه سواء نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد قريب أو بعيد، عتيق أو جديد، امتاز بمزية شرعية أو لا، واختار الشيخ تعيين ما امتاز بمزية شرعية، كقدم أو كثرة جمع، فإن أراد الذهاب إلى ما عيّنه بنذر، فاختار المصنف الإباحة في السفر القصير، ولم يجوّزه الشيخ.
ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، وقال الشيخ: إذا قرأ عند الحكم الذي أنزل الله أو ما يناسبه، فحسن كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ، ١ وقوله عندما أهمه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ . ٢ وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدَّة لبثه، ولم يره الشيخ. والله أعلم.
стр. 267
كتاب المناسك
تجب العمرة على من يجب عليه الحج، وعنه: ليست بواجبة، وبه قال مالك، "لأنه ﷺ سئل عنها: أواجبة هي؟ قال: لا". صححه الترمذي، وقال الشافعي: ضعيف، لا تقوم بمثله الحجة.
وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع، قال ابن عبد البر: روي ذلك بأسانيد لا تصح. وليس على أهل مكة عمرة، نص عليه. وقال: "كان ابن عباس يراها واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت"، ووجهه: أن ركنها الطواف، وهم يفعلونه.
ولو حج الصبي والعبد صح، ولم يجزهما عن حجة الإسلام، حكاه الترمذي إجماعاً، فإن بلغ الصبي وأعتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين، فأحرما ووقفا وأتما المناسك، أجزأ بغير خلاف، وإن كان وهما محرمان أجزأ. وقال مالك: لا يجزئ، اختاره ابن المنذر. قال أحمد: قال ابن عباس: "إذا أعتق العبد بعرفة، أجزأت عنه حجته، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه". وهؤلاء يقولون: لا يجزئ، ومالك يقوله أيضاً؛ وكيف لا يجزئه؟ وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاماً، وما أعلم أحداً قال: لا يجزئه، إلا هؤلاء.
والصبي إن كان مميزاً أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه، وبه قال مالك والشافعي، ومعناه: أن يعقد له الإحرام؛ فيصح للصبي دون الولي، كالنكاح. فإن أحرمت عنه أمه صح، لقوله ﷺ : "ولك أجر"، ولا يضاف إليها إلا لكونه
стр. 268
تبعاً لها. وما عجز عنه، فعَله الولي عنه، لقول جابر: "فأحرمنا عن الصبيان"، وفي لفظ: "فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم". قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه: يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر، "كان ابن عمر يفعله". وأما الطواف، فإن أمكنه المشي وإلا طيف به محمولاً، وتعتبر النية من الطائف. ويجرد كما يجرد الكبير، قال عطاء: يفعل به كما يفعل الكبير، ويشهد المناسك، إلا أنه لا يصلى عنه.
وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض، ولا تحليلها إن أحرمت، بغير خلاف، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
و (الاستطاعة) : ملك الزاد والراحلة، قال ابن المنذر: العمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. وقال الضحاك: إن كان شاباً فليؤجر نفسه بمأكله وعقبه. وعن مالك: إن كان يمكنه المشي وعادته السؤال، لزمه الحج. فإن تكلفه من لا يلزمه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يمشي ويتكسب بصناعة ولا يسأل الناس، استحب له، لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ، ١ فقدم الرجال.
ويجب الحج على الفور، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يجب الحج وجوباً موسعاً، وله تأخيره، "لأنه ﷺ أمر أبا بكر، وتخلف هو وأكثر المسلمين". فإن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده. وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطع بنفسه، ولا أرى له ذلك. ويجوز أن تنوب المرأة عن الرجل، وكرهه الحسن بن صالح. وقال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فـ"إنه ﷺ أمر المرأة أن تحج عن أبيها"، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأة عن الرجل.
стр. 269
ولا يجوز الحج والعمرة عن الحي إلا بإذنه.
ومن مات وعليه حج، أخرج عنه من ماله ما يحج به عنه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بها فهي من الثلث. ويستحب أن يحج عن أبويه إذا كانا عاجزين أو ميتين، "لأمره به ﷺ أبا رزين والمرأة".
ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرم، وهذا قول إسحاق وابن المنذر. وقال مالك والشافعي: ليس المحرم شرطاً، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد شرطاً لا حجة معه عليه، واحتجوا بحديث الزاد والراحلة، وبحديث عدي: "يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت. .. إلخ"؛ والأول محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا معها غيرها، فجعله المحرم الذي بينه ﷺ في أحاديثنا أولى، وكذلك اشترطوا قضاء الدين ونفقة العيال وغير ذلك، وهو غير مذكور في الحديث، واشترط كل واحد شرطاً في محل النزاع من عند نفسه، لا من كتاب ولا من سنة. وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، وكذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر خروج غيرها معها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيح من المذهب: أن العمرة تجب، واختار الشيخ أنها سنة، وعنه: على الأفقي، قال الشيخ: عليها نصوص. وتلزم طاعة الوالدين في غير معصية، قال الشيخ: هذا مما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب عليه وإلا فلا. قال ابن الجوزي: من أمكنه المشي والتكسب بالصنعة فعليه الحج، واختار الشيخ عبد الحليم ولد المجد ووالد الشيخ تقي الدين بالقدرة على التكسب، وقال: هذا ظاهر على أصلنا، فإن عندنا: يجبر المفلس
стр. 270
على الكسب لا على المسألة، ولو قيل بوجوب الحج عليه إذا كان قادراً على الكسب وإن بعدت المسافة، كان متوجهاً على أصلنا.
واختار الشيخ وجوب الكف عن طريق يستوي فيه احتمال السلامة والهلاك، وقال: فإن لم يكف، فيكون أعان على نفسه، فلا يكون شهيداً. وقال: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز عند عدمها كما يأخذه السلطان من الرعايا. واختار أن كل امرأة آمنة تحج مع عدم محرم، وقوله: بنسب أو سبب مباح. واختار الشيخ يكون محرماً بوطء الشبهة، وذكره قول أكثر العلماء، قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ دراهم ويحج عن غيره.
стр. 271
باب المواقيت
للحج ميقاتان: ميقات زمان، وميقات مكان.
أما المكان فالخمسة المذكورة، وأجمعوا على أربعة منها، واتفق أهل النقل على صحة الحديث فيها. وذات عرق ميقات أهل المشرق في قول الأكثر؛ قال ابن عبد البر أجمعوا على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات. روي عن أنس: "أنه كان يحرم من العقيق"، واستحسنه الشافعي وابن المنذر. وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة. وعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ وقّت لأهل المشرق العقيق". ١ حسنه الترمذي. قال ابن عبد البر: هو أحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم بالإجماع.
واختلفوا فيمن وقتها، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ وقّتها وكذا في السنن من حديث عائشة. وقال آخرون: "إنما وقّتها عمر"، رواه البخاري. ويجوز أن عمر لم يعلم بتوقيت النبي ﷺ فوقّتها برأيه فأصاب. ومن مر على ميقات بلد صار ميقاتاً له. سئل أحمد: عن الشامي يمر بالمدينة؟ فقال: يهلّ من ذي الحليفة. قيل: فإن بعض الناس يقول: يهلّ من ميقاته من الجحفة. قال: سبحان الله. أليس يروي ابن عباس عن النبي ﷺ : "هن لهن ومن أتى عليهن من غير أهلهنَّ "؟ ٢ فإن مر من غير طريق ذي الحليفة، فميقاته الجحفة، مدنياً كان أو شامياً، لحديث: "يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة"، ٣ والطريق الآخر من الجحفة. رواه مسلم.
стр. 272
ومَن منزله دون الميقات، فمِن موضعه، هذا قول الأكثر. وعن مجاهد: يهلّ من مكة، والصحيح الأول، فإن في حديث ابن عباس: "فمن كان دونهن، فمهلّه من أهله". ١ وكل ميقات فخذوه بمنزلته. ثم إن كان منزله في الحل فإحرامه منه، وإن كان في الحرم فإحرامه للعمرة من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم. وأما الحج فينبغي أن يجوز له الإحرام من أي الحرم كالمكي، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج؛ قال جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح". ٢ فلا فرق بين قاطني مكة وغيرهم. ومن لم يكن طريقه على ميقات، فإذا جاء أقرب المواقيت إليه أحرم، لقول عمر: "انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق".
فإن تجاوز الميقات وهو لا يريد الحرم، لم يلزمه الإحرام بغير خلاف. فإن بدا له الإحرام أحرم من موضعه، وبه قال مالك والشافعي. وحكى ابن المنذر عن أحمد: أنه يرجع إلى الميقات فيحرم، وبه قال إسحاق؛ والأول أصح، وكلام أحمد يحمل على من تجاوزه وهو يجب عليه الإحرام، لقوله ﷺ : "ممن كان يريد الحج والعمرة" ٣.
فإن أراد أن يدخل مكة لقتال مباح، أو لحاجة كالحطاب وناقل الميرة، فلا إحرام عليهم، "لأنه ﷺ دخل يوم الفتح وهو حلال، وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه". وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد أن يدخل الحرم بغير إحرام، إلا من كان دون الميقات.
ومن لا يجب عليه الحج، كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق أو بلغ أو أسلم، بعد تجاوز الميقات، فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم؛ وبه قال مالك وإسحاق. والمكلف الذي يدخل لغير قتال أو حاجة مكررة، لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم؛ وعنه: ما يدل على أنه لا يجب، لما روي "أن ابن عمر دخلها بغير
стр. 273
إحرام"، ولأن الوجوب من الشارع، ولم يرد به إيجاب. ومن جاوز الميقات يريد النسك غير محرم، رجع إلى الميقات فأحرم منه، فإن أحرم من موضعه فعليه دم؛ وعن عطاء: لا شيء عليه. ولنا: قوله: "من ترك نسكاً فعليه دم". ويكره الإحرام قبل الميقات. وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده، وكان علقمة والأسود يحرمان من بيوتهما. ولنا: "أنه ﷺ وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل". قال البخاري: "كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان". قال عطاء: انظروا إلى هذه المواقيت التي وُقِّتت لكم، فخذوا برخص الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنباً في إحرامه فيكون أعظم لوزره".
ويكره الإحرام بالحج قبل أشهره بغير خلاف علمناه.
فإن أحرم بالحج قبل ميقات المكان صح، بغير خلاف علمناه، وإن أحرم قبل أشهره، صح أيضاً. وقال عطاء والشافعي: يجعله عمرة، لقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ، ١ فقدر وقت الحج وأشهر الحج. فإذا ثبت أنه وقته لم يصح تقديمه عليه. وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ويروى عن ابن عباس: "ذو الحجة كله منها". وقال الشافعي: آخرها ليلة النحر، لقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ، ٢ ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر. ولنا: قوله: "يوم الحج الأكبر: يوم النحر"، ٣ ولأن فيه ركن الحج وهو طواف الزيارة، وفيه: الرمي والحلق ويوم النحر والسعي والرجوع إلى منى.
стр. 274
باب الإحرام
يستحب الاغتسال له، وذكر ابن المنذر الإجماع على أنه غير واجب، لأنه لم يأمر به إلا حائضاً أو نفساء ولو وجب لأمر به غيرهما. ويستحب للمرأة كالرجل ولو كانت حائضاً أو نفساء، لـ"أمره أسماء بنت عميس بذلك".
ويستحب التنظف بإزلة الشعر وقطع الرائحة، لأنه أمر يسن له الاغتسال، فسن له هذا كالجمعة. ويستحب له التطيب في بدنه خاصة، سواء بقي عليه كالمسك أو أثره كالعود. وكان عطاء يكرهه، وهو قول مالك، واستدل بحديث صاحب الجبة. ولنا: حديث عائشة، وحديث صاحب الجبة في بعض ألفاظه: "عليه جبة بها أثر الخلوق". رواه مسلم، وفي بعضها: "ردع من زعفران"، وهو منهي عنه للرجال في غير الإحرام ففيه أولى، ولأنه في سنة ثمان، وحديثنا في سنة عشر. قال ابن عبد البر: لا خلاف أن قصة صاحب الجبة كانت في عام حنين بالجعرانة، وحديث عائشة سنة عشر. فإن طيب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فلا يلبسه. فأما إن عرق بالطيب وذاب بالشمس فسال إلى موضع آخر، فلا شيء عليه، لقول عائشة: "كنا نضمّد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت أجفاننا سال على وجوهنا، فرآه رسول الله ﷺ فلم ينهنا". رواه أبو داود.
ويستحب أن يلبس ثوبين أبيضين نظيفين: إزاراً ورداءً، لقوله ﷺ : "وليحرمْ أحدكم في إزار ورداء ونعلين"، ١ ولقوله: "خيار
стр. 275
ثيابكم البياض". ١ ويتجرد عن المخيط إن كان رجلاً. ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما، وعنه: أنه عقيب الصلاة. وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع مروي من طرق صحيحة، والأول أولى، لحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفيه زيادة علم وبيان.
وينوي الإحرام بنسك معيّن، وقال الشافعي في أحد قوليه: الإطلاق أولى، لقول طاووس: "خرج رسول الله ﷺ من المدينة لا يسمي حجاً ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة". ولنا: أنه أمر أصحابه بالإحرام بنسك معيّن، وأحرم بمعيّن، والذين معه في صحبته أعلم من طاووس.
ولا ينعقد إلا بالنية وتكفي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بها حتى يضيف إليها التلبية أو سوق الهدي، لقوله ﷺ : " جاءني جبريل فقال: مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". ٢ ولنا: أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب يكن في أولها كالصيام، والمراد بالخبر الاستحباب، فإن منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف في عدم وجوبه؛ فعلى هذا، لو نطق بغير ما نواه، مثل أن ينوي العمرة فيسبق لسانه إلى الحج أو بالعكس، انعقد ما نواه، ذكره ابن المنذر إجماعاً.
والاشتراط مستحبٌّ، ويفيد شيئين:
أحدهما: إذا عاقه عذر أو عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه، فله التحلل.
الثاني: أنه متى حل بذلك فلا شيء عليه، و"أنكر ابن عمر الاشتراط"، وبه قال مالك. ولنا: قوله: "حجي واشترطي"، ٣ ولا قول لأحد معه ﷺ . وإن نواه لم يتلفظ، احتمل أن لا يصح، لقوله في حديث ابن عباس: "قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني". ٤
стр. 276
ولا خلاف في جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وقد دلَّ عليه قول عائشة: "فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ومنا من أهلَّ بهما". وأفضلها: "التمتع"، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. وعنه: "إن ساق الهدي فالقِران أفضل، لفعله ﷺ ". وذهب الثوري إلى اختيار القِران، لقول أنس: "أهلَّ بهما جميعاً". و"ذهب مالك إلى الإفراد"، روي عن عمر وعثمان، لما "صح عنه ﷺ أنه أفرد الحج". ولنا: "أنه ﷺ أمر أصحابه لما طافوا أن يحلّوا ويجعلوها عمرة"، ١ فنقلهم من الإفراد والقِران إلى المتعة، ولم يختلف عنه: "أنه لما قدم مكة أمرهم أن يحلّوا، إلا من ساق هدياً وثبت على إحرامه، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"، ٢ ولأن التمتع في القران دون سائر الأنساك. وأما حجتهم بفعله ﷺ ، فعنها أجوبة: أحدها: منع أن يكون محرماً بغير التمتع، لأن رواة حديثهم رووا أنه تمتع، ومرة اختلفوا؛ والقضية واحدة. وأحاديثهم في القران أصحها: حديث أنس، و"قد أنكره ابن عمر". وأكثر الروايات أنه كان متمتعاً، وإنما منعه من الحل الهدي. وقول أبي ذر إنها خاصة بالصحابة يخالف الكتاب والسّنة والإجماع. قال أحمد لما ذكر له: أفيقول بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله.
فإن قيل: "نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية"، قلنا: قد أنكر عليهم علماء الصحابة وخالفوهم، قال سعد: "فعلناها مع رسول الله ﷺ وهذا يومئذ كافر بالعُرُش"، والعرش بيوت مكة. وقال عمر: "والله إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وقد صنعها رسول الله"، ولا خلاف أن من خالف الكتاب والسنة حقيق بأن لا يقبل نهيه. قيل لابن عباس: إن فلاناً
стр. 277
نهى عن المتعة، فقال: "انظروا في كتاب الله، فإن وجدتموها فقد كذب على الله ورسوله، وإن لم تجدوها فيه فقد صدق".
وصفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ويحرم بالحج من مكة أو قريباً منها في عامه.
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً. والقِران أن يحرم بهما جميعا، ً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج. وإذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز، وكان قارناً بغير خلاف، وأما بعد الطواف فلا يصير قارناً. وقال مالك: يصير قارناً. ولنا: أنه قد شرع في التحلل منها، فلم يجز كما بعد السعي، إلا أن يكون معه الهدي فله ذلك، لأنه لا يتحلل حتى ينحر، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ، ١ فلا يتحلل بطوافه. ويتعين إدخال الحج على العمرة لئلا يفوته الحج، فأما إدخال العمرة على الحج فلا يجوز، فإن فعل لم يصر قارناً. وقال أبو حنيفة: يصح ويصير قارناً. ولنا: أنه قول علي، رواه الأثرم، ولأن إدخالها لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول فلم يصح. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهلَّ بعمرة من أهل الآفاق في أشهر الحج من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها، فحج من عامه، أنه متمتع وعليه الهدي إن وجد، وإلا فالصيام.
والدم الواجب: شاة أو سُبُع بدنة أو بقرة؛ فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيراً. وقال: لا يجزئ إلا بدنة، "لأنه ﷺ لما تمتع ساق بدنة"، وهذا ترك لظاهر القرآن وإطراح للآثار الثابتة ولا حجة فيها، لأن
стр. 278
إهداء البدنة لا يمنع إجزاء ما دونها، فـ"إنه ﷺ ساق مائة بدنة"، ولا خلاف أنه ليس بواجب. وهم يقولون إنه كان مفرداً، فكيف يكون سوق البدنة دليلاً لهم في التمتع.
ولا نعلم خلافاً أن من اعتمر في غير أشهر الحج وفرغ منها قبل أشهره، أنه لا يكون متمتعاً، إلا قولين شاذّين: أحدهما عن طاووس: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى تحج، فأنت متمتع. والآخر عن الحسن أنه قال: "من اعتمر بعد النحر فهي متعة". قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين. فـ"أما إن أحرم بها في غير أشهره ثم حل منها في أشهره، فإنه لا يكون متمتعاً"؛ نقل ذلك عن جابر، وبه قال إسحاق. وقال طاووس: عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الثوري: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وقال مالك: عمرته في الشهر الذي يحل فيه.
وإن اعتمر في أشهره ثم لم يحج ذلك العام، فليس بمتمتع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا قولاً شاذاً عن الحسن: من اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع، حج أو لم يحج. والجمهور على خلاف هذا، لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ، ١ وهذا يقتضي الموالاة بينهما.
وإن سافر بين الحج والعمرة سفراً يقصر فيه الصلاة، فليس بمتمتع، وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه. وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو أبعد منه، بطلت متعته، وإلا فلا. وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر، لعموم قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ٢. ولنا: ما روي عن عمر أنه قال: "إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام، فهو متمتع. فإن خرج ورجع، فليس بمتمتع"، ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزم الإحرام منه،
стр. 279
فإذا كان بعيدا فقد أنشأ سفراً بعيداً لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم. والآية تناولت المتمتع، وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر.
فإن لم يحل من إحرام العمرة حتى أدخل عليها الحج، فإنه يصير قارناً ولا يلزمه دم المتعة، لكن عليه دم القِران. فأما قول عروة: "لم يكن في ذلك هدي"، فإنه يحتمل أنه أراد هدي المتعة، "لأنه ﷺ ذبح عن نسائه بقرة"؛ ولا خلاف أن دم المتعة لا يجب على حاضري الحرم، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، ١ والمعنى أن ميقاتهم مكة، فلا يحصل لهم الترفه بترك أحد السفرين، ولأنه أحرم من ميقات أشبه المفرد، وهم أهل الحرم ومن بينه وبينه مسافة القصر، وبه قال الشافعي. وقال مالك: هم أهل مكة. وقال مجاهد: هم أهل الحرم.
فإن دخل الآفاقي مكة متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد تمتعه، فعليه دم المتعة. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. ومتعة المكي صحيحة، إلا أنه لا دم عليه، وعنه: ليس على أهل مكة، متعة ومعناه: ليس عليهم دم المتعة.
وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج، وحج من عامه، فهو متمتع، نص عليه. وذكره القاضي شرطاً سادساً لوجوب الدم، وهو: أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثناءها المتعة؛ والإجماع الذي سبق عن ابن المنذر مخالف لهذا، لأنه قد حصل له الترفه بأحد السفرين.
ويجب الهدي إذا أحرم بالحج، وهو قول الشافعي لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ، ٢ ولأنه جعل غاية فوجد أوله لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . ٣ وعنه: إذا وقف بعرفة، وهو قول
стр. 280
مالك، لأن التمتع لا يحصل إلا به، لقوله ﷺ : "الحج عرفة". ١ وأما وقت ذبحه: فيوم النحر، وبه قال مالك، وعنه: إن دخل مكة قبل العشر نحره، لا يضيع أو يموت أو يرق، كذا قال عطاء. ومن قدم في العشر لا ينحر إلا بمنى، لأن رسول الله ﷺ وأصحابه كذا فعلوا.
ويجب الدم على القارن، لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن داود. ولنا: "أن علياً لما سمع عثمان ينهى عن المتعة، أهل بهما ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه". وقال ابن عمر: "إنما القِران لأهل الآفاق" وتلا الآية، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، إلا أن يكون من حاضري المسجد الحرام في قول الجمهور. وقال ابن الماجشون: عليه دم لأنه ليس بمتمتع.
ومن كان مفرداً أو قارناً أحببنا له الفسخ إلى العمرة، إلا أن يكون معه هدي، فليس له أن يحل بغير خلاف. و"كان ابن عباس يرى أن من طاف وسعى فقد حل، وإن لم ينو ذلك". وبهذا الذي ذكرناه قال الحسن ومجاهد وداود، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز. ولو ساق المتمتع الهدي لم يكن له أن يحل، للآية، ولقوله ﷺ : "من كان معه هدي فلا يحل ... إلخ" ٢. وقال مالك: له التحلل.
وينحر هديه عند المروة. وعنه: إن قدم قبل العشر نحر، وهو يدل على أنه إذا قدم قبل العشر حلَّ وإن كان معه هدي. وقال: "من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي"، لحديث حفصة؛ والرواية الأولى أولى، لما ذكرنا من الحديث الصحيح، وهو أولى بالاتباع.
فأما المعتمر غير المتمتع، فإنه يحل في أشهر الحج وغيرها، معه هدي أو لا، "لأنه ﷺ اعتمر ثلاثاً فكان يحل". فإن كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز، لقوله: "كل فجاج مكة طريق ومنحر". ٣ رواه أبو داود وابن ماجة.
стр. 281
والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت وخشيت فوات الحج، أحرمت به وصارت قارنة. وقال أبو حنيفة: قد رفضت العمرة وصار حجاً، وما قال هذا أحدٌ غيره؛ وحجته قول عروة في حديث عائشة: "أهلّي بالحج ودَعي العمرة "، ١ وهذا اللفظ انفرد به عروة، وخالف فيه كل من روى عن عائشة. وفي الصحيح أنه ﷺ قال لها: "قد حللت من حجك وعمرتك". ٢
ومن أحرم مطلقاً يصرفه إلى ما شاء، والأولى صرفه إلى العمرة، "لأنه ﷺ أمر أبا موسى حين أحرم بما أهلَّ به رسول الله ﷺ ". وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان، انعقد إحرامه بمثله.
وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك ". ٣ ولا يستحب الزيادة عليها ولا يكره، "لأنه ﷺ لزم تلبيته ولم ينكر الزيادة عليها".
ويستحب رفع الصوت بها، والإكثار منها. وعن الثوري: أن التلبية من شرط الإحرام، ولا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس قال في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ : ٤ "الإهلال". وعن عطاء وطاووس: هو التلبية.
ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته، وقيل: "لا يستحب"، وبه قال الشافعي، ويروى عن ابن عمر، "لأن في حديث جابر ما سمّى في تلبيته حجة ولا عمرة". ولنا: حديث أنس، وحديث ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يلبّون بالحج". ٥ متفق عليه.
و"متى لبّى بهما بدأ بذكر العمرة"، لحديث أنس، قال أحمد: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان، ثم لا يبالي أن لا يقول بعد ذلك، لقوله صلى الله
стр. 282
عليه وسلم للذي سمعه يلبِّي عن شبرمة: "لبِّ عن نفسك، ثم لبِّ عن شبرمة". وهي مستحبة في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابها إذا علا نشزاً وهبط وادياً، وفي دبر المكتوبة، وإقبال الليل والنهار، وإذا التقت الرفاق، وإذا فعل محظوراً ناسياً، وإذا سمع ملبياً. وبه قال الشافعي. وقد كان يقول مالك: لا يلبي عند اضطرام الرفاق، والحديث يدل عليه. وكذلك قول النخعي: كانوا يستحبونها دبر المكتوبة، وإذا هبط وادياً، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي راكباً، وإذا استوت به راحلته. قيل لأحمد: العامة يلبون دبر كل صلاة ثلاثاً، فتبسم وقال: ما أدري من أين جاؤوا به. قيل: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى. وكذلك لأن المروي التلبية مطلقاً وكذلك يحصل بمرة. و"لا بأس بالتلبية في طواف القدوم"، به قال ابن عباس والشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأينا أحداً يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وهو قول الشافعي، لأنه يشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. ولنا: أنه زمن تلبية، ويمكن الجمع بينها وبين الذكر.
ولا بأس أن يلبي الحلال، وكرهه مالك. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الإحرام نية النسك، وقيل: مع التلبية أو سوق الهدي، اختاره الشيخ. ويصلي ركعتين. واختار الشيخ أنه يستحب أن يحرم عقيب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه. واستحب الاشتراط للخائف فقط. وعنه: إن ساق الهدي فالقِران أفضل، ثم التمتع، اختاره الشيخ. واختار وجوب فسخ الحج على من اعتقد عدم مساغه. وقال: لا يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة، لعدم نقله. قال في الفروع: كذا قال.
стр. 283
باب محظورات الإحرام
أجمعوا على أن المحرم لا يجوز له أخذ شيء من شعره إلا من عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية. ١ فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر به، فله إزالته، للآية، ولحديث كعب بن عجرة.
وأجمعوا على أنه ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر، وأجمعوا على أنه يزيل ظفره إذا انكسر. وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق لغير علة؛ ولا فرق بين قطعه لعذر أو غيره، عامداً أو مخطئاً؟ وقال إسحاق وابن المنذر: لا فدية على الناسي. ولنا: أن الآية دلت على وجوبها لمن حلق وهو معذور. فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم، وهو قول الشافعي. وقال مالك: إذا حلق ما أماط به الأذى وجب الدم. وقال أبو حنيفة: لا يجب بدون ربع الرأس. وإن حلق أقل من ثلاث، ففي كل واحدة مد من طعام، وبه قال الشافعي. وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، ونحوه قول مالك. وعن مالك أيضاً فيمن أزال شعراً يسيراً: لا ضمان عليه، لأن النص إنما أوجبه في حلق الجميع. وعليه الفدية بأخذ الأظفار في قول الأكثر، منهم الشافعي، وفيه رواية: لا فدية عليه، لعدم ورود الشرع به. ولنا: أن عدم النص لا يمنع القياس، كشعر البدن مع شعر الرأس. والحكم في فدية الأظفار كالحكم في
стр. 284
فدية الشعر، فيما دون الثلاث، وفيما يجب فيها؛ وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية إلا بتقليم يد كاملة. وإن حلق رأس حلال أو قلم أظفاره، فلا فدية عليه. وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال: يتصدق بدرهم. ولا فرق بين حلق الشعر وإزالته بغيره، لا نعلم فيه خلافاً.
وشعر الرأس والبدن واحد في وجوب الفدية، في قول الأكثر، خلافاً لداود. وإن خرج في عينيه شعر فقلعه، أو نزل شعر فغطى عينه، أو انكسر ظفر فقصه، أو قلع جلدا عليه شعر، فلا فدية عليه. فإن كان الأذى من غير الشعر، كالقمل والقروح، أزاله وفدى. وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا فدية عليه.
وأجمعوا على أنه ممنوع من تغطية رأسه، والأذنان منه يحرم تغطيتهما، وأباحه الشافعي. ولنا: قوله: "الأذنان من الرأس"، ١ ويمنع من تغطية بعضه كأجمعه لأن الله حرم حلقه ولا يجوز حلق بعضه، وسواء غطاه بمعتاد أو غيره كعصابة، فإن فعل ففيه الدم. وكره أحمد الاستظلال بالمحمل وما في معناه على البعير، ورخص فيه الشافعي، لحديث ستر أسامة أو بلال بالثوب. واحتج أحمد بـ"نهي ابن عمر عن مثل ذلك". والحديث الذي ذكروا ذهب إليه أحمد، فلم يكره الاستتار بالثوب، فإنه لا يقصد الاستدامة، فإن فعل فلا فدية عليه. قال أحمد: أما الدم فلا، وعنه: يجب، وهو قول أهل المدينة. وإن حمل على رأسه شيئاً فلا فدية عليه، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يفدي. وإن طلى رأسه بعسل أو صمغ ليجمع الشعر فلا يصيبه الشعث جاز، وهو التلبيد الذي في حديث ابن عمر: "رأيته يهلّ ملبّداً". ٢ وإن طرح على شجرة ثوبا يستظل به فلا بأس إجماعاً، لقول جابر: "أمر بقبة فضربت له" ٣.
وفي
стр. 285
تغطية الوجه روايتان: إحداهما: يباح؛ روي عن عثمان وزيد بن ثابت والشافعي. والثانية: لا. وهو مذهب مالك، لحديث صاحب الراحلة: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه". ١ ولنا: قول من ذكرنا من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، وتخمير الوجه في الحديث قد طعن فيه في هذه اللفظة.
والرابع: لبس المخيط، أجمعوا على أنه ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويل والبرانس والخفاف؛ والأصل فيه: قوله ﷺ : "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف" ٢ ٣ الحديث؛ نص على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ما في معناها مثل: الجبة والدراعة وأشباه ذلك ...
ولا يجوز له ستر بدنه بما عمل على قدره، ولا يستر عضوا من أعضائه بما عمل على قدره، كالقفازين لليدين، وليس في هذا اختلاف، إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس السراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعهما، لا نعلم فيه خلافاً، لحديث ابن عباس، ولا فدية في لبسهما. وقال مالك: "على من لبس السراويل الفدية"، لحديث ابن عمر. ولنا: أنه أمر به في حديث ابن عباس، ولم يذكر فدية، وحديث ابن عمر مخصوص به، لأنه يختص لبسه بعدم غيره كالخفين.
وإذا لبس الخفين مع عدم النعلين، لم يلزمه قطعهما في أشهر الروايتين، وفي الأخرى يقطعهما؛ فعليها، "إن لم يقطعهما افتدى"؛ وبه قال إسحاق وابن المنذر، لحديث ابن عمر، وهو يتضمن زيادة على حديث ابن عباس وجابر. قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لم تبلغه! وقيل: إن قوله: لم يقطعهما، من كلام نافع، ويحتمل النسخ، لأن عمرو بن دينار رواهما قال: انظروا أيهما كان قبل. قال الدارقطني: حديث ابن عباس بعرفات يدل على تأخيره.