← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت وخشيت فوات الحج، أحرمت به وصارت قارنة. وقال أبو حنيفة: قد رفضت العمرة وصار حجاً، وما قال هذا أحدٌ غيره؛ وحجته قول عروة في حديث عائشة: "أهلّي بالحج ودَعي العمرة "، ١ وهذا اللفظ انفرد به عروة، وخالف فيه كل من روى عن عائشة. وفي الصحيح أنه ﷺ قال لها: "قد حللت من حجك وعمرتك". ٢ ومن أحرم مطلقاً يصرفه إلى ما شاء، والأولى صرفه إلى العمرة، "لأنه ﷺ أمر أبا موسى حين أحرم بما أهلَّ به رسول الله ﷺ ". وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان، انعقد إحرامه بمثله. وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك ". ٣ ولا يستحب الزيادة عليها ولا يكره، "لأنه ﷺ لزم تلبيته ولم ينكر الزيادة عليها". ويستحب رفع الصوت بها، والإكثار منها. وعن الثوري: أن التلبية من شرط الإحرام، ولا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس قال في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ : ٤ "الإهلال". وعن عطاء وطاووس: هو التلبية. ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته، وقيل: "لا يستحب"، وبه قال الشافعي، ويروى عن ابن عمر، "لأن في حديث جابر ما سمّى في تلبيته حجة ولا عمرة". ولنا: حديث أنس، وحديث ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يلبّون بالحج". ٥ متفق عليه. و"متى لبّى بهما بدأ بذكر العمرة"، لحديث أنس، قال أحمد: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان، ثم لا يبالي أن لا يقول بعد ذلك، لقوله صلى الله

стр. 282

عليه وسلم للذي سمعه يلبِّي عن شبرمة: "لبِّ عن نفسك، ثم لبِّ عن شبرمة". وهي مستحبة في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابها إذا علا نشزاً وهبط وادياً، وفي دبر المكتوبة، وإقبال الليل والنهار، وإذا التقت الرفاق، وإذا فعل محظوراً ناسياً، وإذا سمع ملبياً. وبه قال الشافعي. وقد كان يقول مالك: لا يلبي عند اضطرام الرفاق، والحديث يدل عليه. وكذلك قول النخعي: كانوا يستحبونها دبر المكتوبة، وإذا هبط وادياً، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي راكباً، وإذا استوت به راحلته. قيل لأحمد: العامة يلبون دبر كل صلاة ثلاثاً، فتبسم وقال: ما أدري من أين جاؤوا به. قيل: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى. وكذلك لأن المروي التلبية مطلقاً وكذلك يحصل بمرة. و"لا بأس بالتلبية في طواف القدوم"، به قال ابن عباس والشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأينا أحداً يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وهو قول الشافعي، لأنه يشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. ولنا: أنه زمن تلبية، ويمكن الجمع بينها وبين الذكر. ولا بأس أن يلبي الحلال، وكرهه مالك. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": الإحرام نية النسك، وقيل: مع التلبية أو سوق الهدي، اختاره الشيخ. ويصلي ركعتين. واختار الشيخ أنه يستحب أن يحرم عقيب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه. واستحب الاشتراط للخائف فقط. وعنه: إن ساق الهدي فالقِران أفضل، ثم التمتع، اختاره الشيخ. واختار وجوب فسخ الحج على من اعتقد عدم مساغه. وقال: لا يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة، لعدم نقله. قال في الفروع: كذا قال.

стр. 283

باب محظورات الإحرام أجمعوا على أن المحرم لا يجوز له أخذ شيء من شعره إلا من عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية. ١ فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر به، فله إزالته، للآية، ولحديث كعب بن عجرة. وأجمعوا على أنه ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر، وأجمعوا على أنه يزيل ظفره إذا انكسر. وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق لغير علة؛ ولا فرق بين قطعه لعذر أو غيره، عامداً أو مخطئاً؟ وقال إسحاق وابن المنذر: لا فدية على الناسي. ولنا: أن الآية دلت على وجوبها لمن حلق وهو معذور. فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم، وهو قول الشافعي. وقال مالك: إذا حلق ما أماط به الأذى وجب الدم. وقال أبو حنيفة: لا يجب بدون ربع الرأس. وإن حلق أقل من ثلاث، ففي كل واحدة مد من طعام، وبه قال الشافعي. وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، ونحوه قول مالك. وعن مالك أيضاً فيمن أزال شعراً يسيراً: لا ضمان عليه، لأن النص إنما أوجبه في حلق الجميع. وعليه الفدية بأخذ الأظفار في قول الأكثر، منهم الشافعي، وفيه رواية: لا فدية عليه، لعدم ورود الشرع به. ولنا: أن عدم النص لا يمنع القياس، كشعر البدن مع شعر الرأس. والحكم في فدية الأظفار كالحكم في

стр. 284

فدية الشعر، فيما دون الثلاث، وفيما يجب فيها؛ وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية إلا بتقليم يد كاملة. وإن حلق رأس حلال أو قلم أظفاره، فلا فدية عليه. وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال: يتصدق بدرهم. ولا فرق بين حلق الشعر وإزالته بغيره، لا نعلم فيه خلافاً. وشعر الرأس والبدن واحد في وجوب الفدية، في قول الأكثر، خلافاً لداود. وإن خرج في عينيه شعر فقلعه، أو نزل شعر فغطى عينه، أو انكسر ظفر فقصه، أو قلع جلدا عليه شعر، فلا فدية عليه. فإن كان الأذى من غير الشعر، كالقمل والقروح، أزاله وفدى. وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا فدية عليه. وأجمعوا على أنه ممنوع من تغطية رأسه، والأذنان منه يحرم تغطيتهما، وأباحه الشافعي. ولنا: قوله: "الأذنان من الرأس"، ١ ويمنع من تغطية بعضه كأجمعه لأن الله حرم حلقه ولا يجوز حلق بعضه، وسواء غطاه بمعتاد أو غيره كعصابة، فإن فعل ففيه الدم. وكره أحمد الاستظلال بالمحمل وما في معناه على البعير، ورخص فيه الشافعي، لحديث ستر أسامة أو بلال بالثوب. واحتج أحمد بـ"نهي ابن عمر عن مثل ذلك". والحديث الذي ذكروا ذهب إليه أحمد، فلم يكره الاستتار بالثوب، فإنه لا يقصد الاستدامة، فإن فعل فلا فدية عليه. قال أحمد: أما الدم فلا، وعنه: يجب، وهو قول أهل المدينة. وإن حمل على رأسه شيئاً فلا فدية عليه، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يفدي. وإن طلى رأسه بعسل أو صمغ ليجمع الشعر فلا يصيبه الشعث جاز، وهو التلبيد الذي في حديث ابن عمر: "رأيته يهلّ ملبّداً". ٢ وإن طرح على شجرة ثوبا يستظل به فلا بأس إجماعاً، لقول جابر: "أمر بقبة فضربت له" ٣. وفي

стр. 285

تغطية الوجه روايتان: إحداهما: يباح؛ روي عن عثمان وزيد بن ثابت والشافعي. والثانية: لا. وهو مذهب مالك، لحديث صاحب الراحلة: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه". ١ ولنا: قول من ذكرنا من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، وتخمير الوجه في الحديث قد طعن فيه في هذه اللفظة. والرابع: لبس المخيط، أجمعوا على أنه ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويل والبرانس والخفاف؛ والأصل فيه: قوله ﷺ : "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف" ٢ ٣ الحديث؛ نص على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ما في معناها مثل: الجبة والدراعة وأشباه ذلك ... ولا يجوز له ستر بدنه بما عمل على قدره، ولا يستر عضوا من أعضائه بما عمل على قدره، كالقفازين لليدين، وليس في هذا اختلاف، إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس السراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعهما، لا نعلم فيه خلافاً، لحديث ابن عباس، ولا فدية في لبسهما. وقال مالك: "على من لبس السراويل الفدية"، لحديث ابن عمر. ولنا: أنه أمر به في حديث ابن عباس، ولم يذكر فدية، وحديث ابن عمر مخصوص به، لأنه يختص لبسه بعدم غيره كالخفين. وإذا لبس الخفين مع عدم النعلين، لم يلزمه قطعهما في أشهر الروايتين، وفي الأخرى يقطعهما؛ فعليها، "إن لم يقطعهما افتدى"؛ وبه قال إسحاق وابن المنذر، لحديث ابن عمر، وهو يتضمن زيادة على حديث ابن عباس وجابر. قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لم تبلغه! وقيل: إن قوله: لم يقطعهما، من كلام نافع، ويحتمل النسخ، لأن عمرو بن دينار رواهما قال: انظروا أيهما كان قبل. قال الدارقطني: حديث ابن عباس بعرفات يدل على تأخيره.

стр. 286

وليس له أن يعقد عليه الرداء ولا غيره، إلا الإزار والهميان. وليس له أن يجعل لذلك زراراً ولا يخله بشوكة ولا إبرة ولا خيطة، ولا يغرزه في إزاره. فأما الإزار فيجوز عقده، لأنه يحتاج لستر العورة. وإن شد وسطه بالمنديل ونحوه، جاز إذا لم يعقده. والهميان مباح له، قال ابن عبد البر: أجازه جماعة فقهاء الأمصار. قال إبراهيم: كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم، ولا يرخصون في عقد غيره. وسئل أحمد: عن المحرم يلبس المنطقة لوجع الظهر أو لحاجة إليها؟ قال: يفتدي. قيل: أفلا تكون مثل الهميان؟ قال: لا. وإن طرح على كتفيه قباء أو نحوه فدى، وإن لم يدخل يديه في كميه، هذا مذهب مالك والشافعي. وقال الخرقي: لا فدية عليه إن لم يدخلهما، وبه قال عطاء وإبراهيم وأبو حنيفة. وإذا احتاج إلى تقلد السيف فله ذلك، وبه قال مالك والشافعي، وكرهه الحسن. ولنا: "أنه ﷺ يوم الحديبية اشترط حمل السلاح في قرابه". وأجمعوا على أنه ممنوع من الطيب، ودل عليه قوله ﷺ في الميت: "لا تمسّوه بطيب"، ١ فالحي أولى. ولا يجوز له لبس ثوب مطيب، لا نعلم فيه خلافاً، لقوله ﷺ : "لا يلبس من الثياب شيئاً مسّه الورس، ولا الزعفران". ٢ ولا يجوز له الجلوس عليه ولا النوم عليه، فإن فعل افتدى. وقال أبو حنيفة: إن كان رطباً يلي بدنه أو يابساً ينفض افتدى، وإلا فلا. فإن غسله حتى ذهب جميع ما فيه، فلا بأس به عند جميع العلماء. وليس له شم الأدهان المطيبة، كدهن الورد والبنفسج والزنبق ونحوها، وليس في تحريم ذلك خلاف في المذهب. ومتى جعل شيئاً من الطيب في مأكول أو

стр. 287

مشروب فلم تذهب رائحته، لم يبح تناوله. وكان مالك لا يرى بما مسته النار من الطعام بأساً، وإن بقيت رائحته وطعمه ولونه. وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك والعنبر فلا فدية، إلا أن يشمه. وإن علق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق، افتدى. ولو شم العود والفواكه كلها من الأترنج وغيره ونبات الصحراء كالشيح وغيره، فلا فدية فيه، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن ابن عمر: "أنه كره للمحرم أن يشم شيئاً من نبات الأرض"، ولا نعلم أحداً أوجب فيه شيئاً. وما أنبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي والنرجس، ففيه روايتان: إحداهما: "يباح بغير فدية"، وبه قال عثمان وابن عباس. والثانية: "يحرم، فإن فعله افتدى"؛ وبه قال جابر وابن عمر والشافعي، وكرهه مالك ولم يوجب فيه شيئاً. وأما ما ينبت للطيب ويتخذ منه كالورد، ففيه الفدية، وعنه: لا شيء في شمه لأنه زهرٌ. فأما الدهن الذي لا طيب فيه، فنقل ابن المنذر الإجماع على أن له أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن. وعنه في الزيت الذي يؤكل: لا يدهن به رأس المحرم؛ فظاهره أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان، وبه قال مالك، والشافعي لأنه يزيل الشعث، فأما سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعاً. وقد أجمعوا على أن إباحته في اليدين، وفي إباحته في جميع البدن روايتان. وإن قصد شم الطيب من غيره بفعل منه، مثل أن يجلس عند العطار لذلك، لم يجز، وأباحه الشافعي. ولا خلاف في تحريم قتل صيد البر واصطياده على المحرم، وما ليس بوحش كالدجاج ونحوه، فلا بأس به، لا نعلم فيه خلافاً. والاعتبار بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء كالحمام، ولو توحش الأهلي لم يجب فيه. قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، وهذا قول أكثر أهل العلم،

стр. 288

إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره؛ واختلفت الرواية في الثعلب والسنور الوحشي والأهلي والهدهد والصرد. وأجمعوا على أن من أتلف صيداً وهو محرم، فعليه جزاؤه، إلا الحسن ومجاهد قالا: يجب في الخطإ والنسيان، ولا يجب في العمد؛ وهو خلاف النص. ويضمن ما دل عليه، أو أشار إليه، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه، مثل أن يعيره سكيناً إلا أن يكون القاتل محرماً فالجزاء بينهما. وقال مالك: لا شيء على الدالّ. ولنا: حديث أبي قتادة. وإن وجد من المحرم حديث عند رؤية الصيد، من ضحك أو استشراف ففطن له غيره، فلا شيء على المحرم، لحديث أبي قتادة. ولا خلاف في تحريم الصيد إذا صاده أو ذبحه. وإن صاده حلال وذبحه وكان من المحرم إعانة، لم يبح أيضاً. وإن صيد من أجله حرم عليه أكله، وبه قال مالك والشافعي؛ وأباحه أبو حنيفة، لحديث أبي قتادة. ولنا: قصة الصعب بن جثامة، وعن جابر رفعه: "صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم". ١ قال الترمذي: هو أحسن حديث في الباب. وحكي: "عن علي وغيره التحريم على المحرم بكل حال"، لعموم قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ الآية، ٢ ولحديث الصعب. ولنا: حديث أبي قتادة وجابر، فإنهما صريحان في الحكم، وفي ذلك جمع بين الأحاديث. وهل يباح أكل ما صيد لمحرم على محرم آخر؟ "ظاهر حديث جابر إباحته"، وبه قال عثمان، وقيل: "يحرم"، وبه قال عليّ، لقوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟ "، ٣ والأول أولى. وإن ذبح المحرم صيداً صار ميتة، وقال الثوري: لا بأس بأكله، وقال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق. وإذا أتلف بيض

стр. 289

صيد، ضمنه بقيمته، قال ابن عباس: "في بيض النعام قيمته". وإن ملك صيداً في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف في يده ضمنه؛ قال عطاء: إن ذبحه فعليه الجزاء. و"ممن كره إدخال الصيد الحرم: ابن عباس وابن عمر، ورخص فيه جابر". قال هشام بن عروة: "كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي ﷺ لا يرون به بأساً". ورخص فيه مالك والشافعي. وإن صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله ذلك ولا ضمان عليه، وبه قال الشافعي، وقيل: عليه الجزاء. فإن خلصه من سبُع أو شبكة فتلف بذلك، فلا ضمان عليه؛ وبه قال عطاء. وقيل: يضمن، قاله قتادة، لعموم الآية. ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان إنسي، بلا خلاف، ولا في الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم، وهي: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور، وفي بعض ألفاظ الحديث: والحية مكان العقرب، وهذا قول الأكثر. وحكي عن النخعي أنه منع من قتل الفأرة، والحديث صريح في حل قتلها، ولا تعويل على من خالفه. والمراد: الغراب الأبقع، وغراب البين؛ وقيل: لا يباح قتل غراب البين لأن في بعض ألفاظه قيل: الأبقع، ولا يمكن حمله على العموم، لأن المباح منها لا يقتل. ولنا: أن المطلق أصح من المقيد، وغراب البين يعدو على أموال الناس، فلا وجه لإخراجه من العموم، وفارق ما أبيح أكله فإنه ليس في معنى ما أبيح قتله. وأما ما كان طبعه الأذى وإن لم يوجد منه، مثل الفهد والذئب وما في معناهما، فيباح قتله ولا جزاء فيه. وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والذئب والنمر؛ فعلى هذا، يباح قتل كل ما فيه أذى من سباع البهائم وجوارح الطير والحشرات المؤذية والزنبور

стр. 290

والبق والبعوض والبراغيث والذباب، وبه قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يقتل ما في الحديث، والذئب قياساً. ولنا: أن الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها: فنصه على الغراب والحدأة تنبيه على الصقر والباز ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي أعلى منه. وأما ما لا يؤذي بطبعه كالرخم والديدان، فلا أثر للحرم ولا الإحرام فيه، ولا جزاء فيه؛ وبه قال الشافعي. وقال مالك: يحرم قتلها، فإن قتلها فداها، وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس. فإذا وطئ الذباب أو النمل أو الذر وقتل الزنبور، تصدق بشيء من الطعام. ولنا: أن الله إنما أوجب الجزاء في الصيد. ولا بأس أن يقرد بعيره، وقال مالك: لا يجوز. ولنا: أنه قول عمر وابن عباس. وأما القمل، فعنه: إباحة قتله، لأنه من أكثر الهوام أذى. وعنه: لا. لأنه يترفه بإزالته، ولأنه لو أبيح لم يتركه كعب بن عجرة، ولا أمره ﷺ بإزالته خاصة. ويجوز له حك رأسه برفق لئلا يقطع شعراً أو يقتل قملاً، فإن تفلى المحرم فلا فدية، لأن كعباً أذهب قملاً كثيراً. وحكي عن ابن عمر أنه قال: "هي أهون مقتول". وعن ابن عباس فيمن ألقاها ثم طلبها فلم يجدها قال: "تلك ضالة لا تبتغى". وعن أحمد فيمن قتل قملة: يطعم شيئاً، وهو قول مالك. وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. والخلاف في المحرم، أما في الحرم فيباح قتله بغير خلاف. ولا بأس بغسل رأسه وبدنه برفق، وكره مالك أن يغطس في الماء ويغيب فيه رأسه. ويكره له غسل رأسه بالسدر ونحوه، لما فيه من إزالة الشعث، وكرهه مالك والشافعي وأهل الرأي؛ فإن فعل فلا فدية عليه. وقال مالك: عليه فدية، ولنا: قوله ﷺ في المحرم: "اغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه" ١ الحديث.

стр. 291

ولا يحرم عليه صيد البحر بغير خلاف. ولا فرق بين البحر الملح وبين العيون والأنهار؛ فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء فلا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش في البر فهو كالسمك لا جزاء فيه. وقال عطاء: فيه الجزاء. فأما طير الماء ففيه الجزاء في قول عامة أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفاًً، إلا ما روي عن عطاء أنه قال: حيث ما يكون أكثر، فهو من صيده. ولا يباح صيد البحر في الحرم، فلا يصاد من آباره وعيونه، وكرهه جابر، لقوله ﷺ : "ولا ينفّر صيده"، ١ وعنه: يباح، لأن الإحرام لا يحرمه. وعنه في الجراد: هو من صيد البحر، لا جزاء فيه. قال ابن المنذر: قال ابن عباس: "هو من صيد البحر"، وقال عروة: "هو من نثرة الحوت". وعنه: أنه من صيد البر، وفيه الجزاء، وهو قول الأكثر. وحديث أبي هريرة أنه من صيد البحر وهمٌ، قاله أبو داود. ومن اضطر إلى أكل الصيد أبيح له، بغير خلاف، وعليه ضمانه. وقال الأوزاعي: لا يضمنه. ولنا: عموم الآية. وكذلك إن احتاج إلى حلق، أو تغطية رأس، أو لبس مخيط، أو شيء من المحظورات، فعَله وفدى، لحديث كعب بن عجرة، وقسنا عليه سائر المحظورات. ولا يجوز للمحرم أن يتزوج لنفسه، ولا يكون وليا في النكاح، ولا وكيلاً فيه، ولا يجوز تزوج المحرمة، وأجازه ابن عباس؛ وهو قول أبي حنيفة، "لأنه ﷺ تزوَّج ميمونة وهو محرم". ٢ ولنا: قوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب". ٣ رواه مسلم. وأما حديث ميمونة فقال ابن المسيب: وهمَ ابن عباس، ما تزوجها إلا حلالاً. وفي الرجعة روايتان: إحداهما: تباح، وهو قول أكثر أهل العلم. ويباح شراء الإماء للتسري وغيره، لا نعلم فيه خلافاً،

стр. 292

ويكره له الخطبة وخطبة المحرمة، وأن يخطب للمحلين، للحديث. ويكره أن يشهد في النكاح، فإن فعل لم يفسد النكاح، وقيل: بلى، لأن في بعض الألفاظ: "ولا يشهد". ولنا: أن هذه زيادة غير معروفة، فلا يثبت بها حكم. قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام، إلا الجماع؛ والأصل فيه ما روي عن ابن عمر وابن عباس"، ولم يعرف لهما مخالف. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى شيء روي فيمن وطئ في حجه؛ فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، قبل الوقوف أو بعده، وهو قول الأكثر. وقال أصحاب الرأي: لا يفسد بعد الوقوف، لقوله: ﷺ "الحج عرفة". ١ ولنا: قول الصحابة، وهو إطلاق فيمن جامع محرماً، وقوله: "الحج عرفة"، ٢ أي: معظمه، أو أنه ركن متأكد، ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد، بدليل العمرة، والعمد والنسيان سواء، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم. وقال في الجديد: لا يفسد الحج مع النسيان، ولا يجب فيه شيء. وحكاه ابن عقيل رواية، لقوله " عُفي لأمتي" الحديث. ولنا: أن الصحابة لم يستفصلوا. ويجب به بدنة، وبه قال مالك والشافعي. وقال إسحاق: بدنة، فإن لم يجد فشاة. وحكم المرأة حكم الرجل في فساد الحج، وحكم المكرهة والنائمة حكم المطاوعة، لا نعلم فيه خلافاً. وعليهما المضي في فاسده، وقال مالك: يجعل الحج عمرة، ولا يقيم على حجة فاسدة. وقال داود: يخرج بالإفساد من الحج العمرة، لقوله: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردّ ". ٣ ولنا: قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ، ٤ ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف. والخبر لا دليل فيه، لأن المضي فيه بأمر الله، ويلزمه

стр. 293

القضاء من قابل. فإن كان الحج الذي أفسد واجباً أجزأ القضاء، وإن كان نفلاً وجب القضاء أيضاً كالمنذور؛ والقضاء على الفور، لا نعلم فيه خلافاً. ويحرم بالقضاء من أبعد الموضعين، الميقات أو موضع إحرامه الأوَّل، نصَّ عليه، ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يحلا. وهل هو واجب أو مستحب؟ على وجهين. وعنه: "يتفرقان من حيث يحرمان"، رواه في الموطإ عن علي، ومعناه: أن لا ينزل معها في فسطاط ولا يركب معها في محمل. وحكم العمرة حكم الحج، إلا أنه لا يجب بإفسادها إلا شاة، وقال الشافعي: عليه بدنة. والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحج، وقال الزهري والنخعي: يفسد. ولنا: قوله ﷺ : "من شهد صلاتنا فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجّه"، ١ ولأنه قول ابن عباس، ولم يعرف لهم مخالف. وإن فسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبة، فيلزمه أن يحرم من الحل، وبه قال عكرمة. وقال ابن عباس والشافعي: "لا يلزمه إحرام لأن إحرامه لم يفسد جميعه، فلم يفسد بعضه". ولنا: الطواف ركن فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح، لأن الإحرام يجمع فيه بين الحل والحرم. ومتى وطئ بعد رمي الجمرة لم يفسد حجه، حلق أولاً. فإن طاف للزيارة ولم يرم، ثم وطئ لم يفسد حجه، وعليه شاة في الوطء بعد التحلل الأول، وبه قال مالك، وعنه: بدنة؛ وبه قال الشافعي. التاسع: المباشرة دون الفرج، فإن أنزل فعليه بدنة. وقال الشافعي: شاة.

стр. 294

وفي فساد الحج روايتان: إحداهما: يفسد، وبه قال مالك. والثانية: لا. وبه قال الشافعي. وإن لم ينزل لم يفسد، لا نعلم فيه خلافا. والمرأة إحرامها في وجهها؛ فيحرم تغطيته، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن أسماء أنها تغطيه، فيحمل على السدل، فلا يكون فيه اختلاف. فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريباً منها، سدلت الثوب من فوق رأسها، لا نعلم فيه خلافاً. قال أحمد: إنما لها أن تسدل النقاب من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل. ولا بأس للمرأة أن تطوف متنقبة إذا لم تكن محرمة، وكرهه عطاء، ثم رجع لما بلغه أن عائشة تفعله. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها ممنوعة مما يمنع منه الرجل إلا بعض اللباس، وأن لها لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف. ويستحب لها ما يستحب للرجل عند الإحرام من الغسل والطيب، لقول عائشة: "كنا نضمد جباهنا بالمسك". ولا تلبس القفازين، وهو شيء يعمل لليدين يدخلان فيه، ورخص فيه علي، وبه قال أبو حنيفة. ولنا: قوله: "لا تلبس القفازين". ١ رواه البخاري. وروي عن عطاء أنه كره الحلي والحرير للمحرمة، و"رخص فيه ابن عمر وعائشة"، وهو الصحيح. وقال ابن المنذر: لا يجوز المنع منه بغير حجة. والكحل بالإثمد مكروه، ولا فدية فيه، لا نعلم فيه خلافاً. وسألت عائشة امرأةٌ اشتكت عينها وهي محرمة فقالت: "تكحل بأي كحل شاءت غير الإثمد أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة فنحن نكرهه". ويجوز لبس المعصفر والكحل والخضاب بالحناء والنظر في المرآة، لهما جميعاً. وكره المعصفر مالك إذا انتفض في جسده، ومنع منه الثوري وشبهه بالورس والمزعفر. ولنا: قوله في المحرمة: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت

стр. 295

من ألوان الثياب، من معصفر أو خز أو حلي". ١ رواه أبو داود. وعن عائشة وأزواجه ﷺ : "أنهن كنّ يحرمن في المعصفرات"، ولأنه قول جابر وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف. و"يستحب لها الاختضاب بالحناء عند الإحرام"، لما روي عن ابن عمر أنه قال: "من السنة أن تدلك المرأة بدنها في حناء، ولا بأس به في حال الإحرام". وكان مالك يكرهه للمحرمة، ويلزمها الفدية. ولنا: قول عكرمة: "كان أزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن حرم". قال أحمد: لا بأس أن ينظر في المرآة. ولا يصلح شعثاً، ولا ينفض غباراً. وروي نحوه عن عطاء، لأنه قد روي في حديث: "إن المحرم الأشعث الأغبر"، وفي حديث آخ ر: "انظروا إلى عبادي، قد أتوني شعثاً غبراً". ٢ وله أن يحتجم إذا لم يقطع شعراً، وكان الحسن يرى فيها دماً. ولنا: "أنه ﷺ احتجم وهو محرم". فإن احتاج إلى قطع شعر، فله قطعه ويفدي، للحديث: "أنه احتجم وسط رأسه"، وقال أبو يوسف ومحمد: يتصدق بشيء. ولنا: قوله: ﴿فمن كان منكنم مريض أو به أذى من رأسه﴾ الآية ٣. ويجتنب ما نهي عنه من الرفث وهو: الجماع، وقيل: والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام. وقال أبو عبيد: الرفث لغا الكلام وأنشد: عن اللغا ورفث التكلم. وكل ما فسر به الرفث، ينبغي للمحرم أن يجتنبه، إلا أنه في الجماع أظهر، لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ الآية. ٤

стр. 296

ويجتنب الفسوق وهو: السباب، لقوله: "سباب المسلم فسوق ". ١ وعن ابن عباس: "المعاصي كلها"، والجدال وهو: المراء، قال ابن عباس: "هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه". ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع فيما لا يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. قال أبو داود: أصول السنن أربعة أحاديث: أحدها: قوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". ٢ واحتج أحمد بـ"أن شريحا كان إذا أحرم كأنه حية صماء". فإن تكلم بما لا إثم فيه، أو أنشد شعراً لا يقبح، فهو مباح؛ ولا يكثر، فقد روي عن ابن عمر: "أنه كان على ناقة له وهو محرم فجعل يقول: كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل والله أكبر. الله أكبر"، وهو يدل على الإباحة. والفضيلة ما ذكرنا أولاً. ويجوز أن يتجر ويصنع الصنائع، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية ٣. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم، ووجه في الفروع احتمالاً: لا يجب الدم إلا فيما يحاط به الأذى، وهو مذهب مالك. وفي الفائق: المختار تعلق الدم بمقدار يترفه بإزالته. وقال الشيخ: من احتاج إلى قطعه لحجامة أو غسل، لم يضره. ولو لبس مقطوعاً دون الكعبين مع وجود نعل، فاختار الشيخ الجواز بلا فدية. وقال: يجوز شد وسطه بحبل أو ونحوهما، وبرد لحاجة. وفي الرعاية: لا يقتل البراغيث ولا البعوض ولا القراد، وقال الشيخ: إن قرصه ذلك قتله

стр. 297

مجاناً، وإلا فلا يقتله. ونقل مهنا: يقتل النملة إذا عضته، والنحلة إذا آذته، واختار الشيخ: لا يجوز قتل النحل ولو يأخذ كل عسله. وقال هو وغيره: إن لم يدفع نملاً إلا بقتله جاز. ومن جامع قبل التحلل فسد نسكه، عامداً كان أو ساهياً. وعنه: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره ونحوه، اختاره الشيخ. ويلزم المجامع بعد التحلل الأول، أن يحرم من الحل، وقال: سواء بعد أو لا. والمنصوص عن أحمد: أنه يعتمر، فيحتمل أنه أراد هذا المعنى وسماها عمرة، لأنه أفعالها، ويحتمل أنه أراد عمرة حقيقة. وقال الشيخ: يعتمر مطلقاً، وعليه نصوص أحمد. والمرأة إحرامها في وجهها، وتسدل لحاجة. وقال الشيخ: لو مس وجهها، فالصحيح جوازه، لأن وجهها كيد الرجل.، ويستحب لها الخضاب عند الإحرام، قال الشيخ: الخضاب بلا حاجة مختص بالنساء.

стр. 298

باب الفدية هي على ثلاثة أضرب: (أحدها) : ما هو على التخيير وهو نوعان: أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة؛ وهي فدية الحلق والتقليم والتغطية واللبس والطيب، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية ١، ولحديث كعب، وقسنا عليه الباقي، لأنه حرم للترفه كالشعر. ولا فرق في الحلق بين المعذور وغيره، والعامد والمخطئ. وقاله مالك والشافعي. وعن أحمد: إذا حلق لغير عذر فعليه دم من غير تخيير، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الله تعالى خيّر بشرط العذر. ولنا: أن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعاً، والتبع لا يخالف أصله. وفي بعض ألفاظ حديث كعب: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع تمر"؛ ٢ وبهذا قال مالك والشافعي. وقال الحسن: الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين. وعن الثوري: يجزئ من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاع، واتباع السنة أولى، ويقاس على التمر والبُرّ والشعير والزبيب. وعنه: يجزئ مدّ بُرّ لكل مسكين. و" ومن أبيح له الحلق جاز له تقديم الكفارة، فعله علي". الثاني: جزاء الصيد، فيخيّر فيه بين المثل وتقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً،

стр. 299

فيطعم لكل مسكين مداً، ويصوم عن كل مد يوماً. وإن كان لا مثل له خيِّر بين الإطعام والصيام. وعنه: على الترتيب؛ فيجب المثل، فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام. روي عن ابن عباس والثوري، لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا آكد. وعنه: لا إطعام في كفارة الصيد، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام، لأن من قدر على الإطعام قدر على أن يذبح، وهذا قول الشافعي. ولنا: الآية، وسمى الله الطعام كفارة، ولا يكون كفارة ما لا يجب إخراجه وجعله طعاماً للمساكين، وما لا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعاماً لهم. وإذا اختار المثل ذبحه لفقراء الحرم، ولا يجوز الصدقة به حياً، لأن الله سماه هدياً، والهدي يجب ذبحه؛ وله ذبحه أي وقت شاء. وإن أراد الإطعام قوّم المثل بدراهم والدراهم بطعام، يتصدق به على المساكين. وقال مالك: يقوّم الصيد. وحكى ابن أبي موسى رواية: إن شاء تصدق بدراهم، والآية ذكر فيها التخيير بين الثلاثة، ولا ذكر للدراهم. ويطعم كل مسكين مداً كالكفارة، ومن غيره نصف صاع. ولا يجزئ إخراج الطعام إلا على مساكين الحرم، والصوم عن كل مد يوماً، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: عن كل نصف صاع يوماً، قاله ابن عباس وابن المنذر. وعن أبي ثور أن كفارة الصيد مثل كفارة الآدمي، روي عن ابن عباس. ولنا: أنه جزاء عن متلف، فاختلف باختلافه، ولأن الصحابة قضوا في الصيد مختلفاً، فإن بقي من الطعام ما لا يعدل يوماً صام عنه يوماً كاملاً، لا نعلم فيه خلافاً، لأن الصوم لا يتبعض. ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي، لأن الله أمر به مطلقاً. ولا يجوز أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعض، وجوَّزه محمد بن الحسن إذا عجز عن بعض الإطعام. فإن كان مما لا مثل له خُيّر بين الشراء بقيمته طعاماً للمساكين

стр. 300

وبين الصيام لتعذر المثل. وهل يجوز إخراج القيمة؟ فعنه: لا يجوز، روي عن ابن عباس، وقيل: يجوز، لأن عمر قال لكعب: "ما جعلت على نفسك؟ قال: درهمين، قال: اجعل ما جعلت على نفسك". (الضرب الثاني) : على الترتيب، وهو على ثلاثة أنواع: (أحدها) : دم المتعة والقِران، فيجب الهدي، فإن لم يجد فالصيام للآية، والأفضل أن يكون آخر الثلاث يوم عرفة، روي ذلك عن عطاء وعلقمة وغيرهما. وعن ابن عمر: "يصومها ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة". فظاهره: أن آخرها يوم التروية، لأن صوم عرفة بها لا يستحب، وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة للحاجة؛ وعلى هذا، يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية ليصومها وقت الحج، فإن صام منها شيئاً قبل إحرامه جاز، نص عليه. وأما جواز صيامها، فإذا أحرم بالعمرة؛ وبه قال أبو حنيفة. وعنه: إذا أحل منها. وقال مالك والشافعي: "لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج"، روي عن ابن عمر؛ وبه قال إسحاق وابن المنذر، لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ . ١ ولنا: أن إحرام العمرة أحد أجزاء التمتع، والآية قيل: معناه في أشهر الحج، فإنه لا بد فيه من الإضمار إذ الحج أفعال لا يصام فيها، فهو كقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ . ٢ فتقديم الصوم على إحرام العمرة، فلا نعلم قائلا بجوازه. ووقت الاختيار في السبعة إذا رجع إلى أهله، وأما وقت الجواز فإذا مضت أيام التشريق. قيل لأحمد: يصوم بالطريق أو بمكة؟ قال: حيث شاء، وبه قال مالك. وعن عطاء ومجاهد: في الطريق، وبه قال إسحاق. وقال

стр. 301

ابن المنذر: إذا رجع إلى أهله، وبه قال الشافعي. ولنا: أن كل صوم لزمه وجاز في وطنه جاز قبل ذلك، وأما الآية فإنه سبحانه جوَّز له تأخير الصلاة تخفيفاً، كتأخير صوم رمضان في السفر، فإذا لم يصم الثلاثة في الحج صامها بعده؛ وبه قال مالك والشافعي. وعن ابن عباس: "إذا فاته الصوم في العشر، لم يصم بعده واستقر الهدي في ذمته". ولنا: أنه صوم واجب فلم يسقط بخروج وقته كرمضان، والآية تدل على وجوبه في الحج لا على سقوطه. "ويصوم أيام منى"، قاله ابن عمر وعائشة ومالك والشافعي في القديم. وعن أحمد: "لا يصومها"، روي عن علي، وهو قول ابن المنذر؛ فعليها، يصوم بعد ذلك عشرة أيام، وكذا إذا قلنا يصوم أيام منى فلم يصمها. واختلفت الرواية في وجوب الدم عليه. وإذا أخر الهدي الواجب لعذر، مثل ضياع نفقته، فليس عليه إلا القضاء. وعنه: يلزمه هدي آخر، فإنه قال فيمن تمتع فلم يهد إلى قابل: "يهدي هديين"، كذلك قال ابن عباس. ولا يجب التتابع في صيام التمتع، ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه، ثم قدر على الهدي، لم يجب عليه الانتقال إلا أن يشاء، وبه قال مالك والشافعي. وقال الثوري: إن أيسر قبل كمال الثلاثة، فعليه الهدي. وإن وجب فلم يشرع، فهل يلزم الانتقال؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه. والثانية: يلزمه. سئل أحمد: إذا لم يصم المتمتع قبل يوم النحر؟ قال: عليه هديان، يبعث بهما إلى مكة. ومن وجب عليه صوم المتعة فمات قبله لعذر منعه، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه كرمضان. (النوع الثاني) : المحصر، ولا خلاف في وجوب الهدي عليه؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثم حل. (النوع الثالث) : فدية الوطء، يجب به بدنة؛ فإن لم يجد صام عنه عشرة

стр. 302

أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، كدم متعة، لقضاء الصحابة به، فيكون بدله مقيساً على بدل دم المتعة، لأنا إنما أوجبنا البدنة بقول الصحابة، فكذلك في بدلها. والمرأة إن طاوعت فعليها بدنة. وعنه: أرجو أن يجزئهما هدي واحد، وروي عن عطاء؛ وهو مذهب الشافعي، لأنه جماعٌ واحد. فأما المكرهة فلا دم عليها، وعنه: عليه أن يهدي عنها؛ وبه قال مالك. وقال أصحاب الرأي: الهدي عليها. (الضرب الثالث) : الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو المباشرة في غير الفرج، فالهدي الواجب بغير النذر منصوص عليه ومقيس عليه. فالأول: فدية الأذى وجزاء الصيد ودم الإحصار ودم المتعة والبدنة الواجبة بالوطء. والثاني مقيس عليه، فالبدنة الواجبة بالمباشرة مقيسة على الواجبة بالوطء، والقِران على التمتع، وكذلك دم الفوات، إلا أن الصيام لا يمكن أن يكون منه ثلاثة قبل يوم النحر؛ ويقاس عليه أيضاً كل دم واجب لترك واجب، كالإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الغروب والمبيت بمزدلفة وطواف الوداع، فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام. ويقاس على فدية الأذى ما وجب بمحظور، كاللبس والطيب والتقليم. وكل استمتاع من النساء يوجب شاة، كالوطء في العمرة وبعد التحلل الأول والمباشرة من غير إنزال، فإنه في معنى فدية الأذى. قال ابن عباس، فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: "عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك". رواه الأثرم. وإن أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة. وبه قال ابن المسيب ومالك والشافعي، وعنه: بدنة، روي عن الحسن. ولنا: ما روى الأثرم أن عمر بن عبيد الله قبّل عائشة بنت طلحة فسأل، فأجمع له على أن يهريق دماً. وسائر اللمس لشهوة كالقبلة.

стр. 303

ومن كرر محظوراً من جنس، مثل إن حلق ثم حلق قبل التكفير، فكفارة واحدة؛ وإن كفّر عن الأول فعليه للثاني كفارة. وعن الشافعي كقولنا، وعنه: لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفّارة الوطء دون غيره. وإن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما، وعنه: جزاء واحد؛ والصحيح الأول، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ . ١ وإن فعل محظوراً من أجناس، فدى لكل واحد، وهو مذهب الشافعي. وعن أحمد: في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، إذا كان في وقت واحد، وقاله إسحاق. وقال عطاء: إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى القلنسوة أو إليهما، فلا عليه إلا فدية واحدة. ولا فرق بين العمد والخطأ في الحلق والتقليم، ومن لا عذر له ومن له عذر، وقاله الشافعي. وقيل: لا فدية على الناسي، وهو قول ابن المنذر. وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة. وعنه: لا كفارة على المخطئ، وبه قال ابن عباس وابن المنذر، للآية، لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ ، ووجه الأولى قول جابر: "جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشاً". رواه ابن ماجة. وإن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة، فإن تعمد فدى، بلا خلاف. ويستوي فيه القليل والكثير، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتطييب عضو كامل، وفي اللباس بلباس يوم وليلة، لأن ما دونه ليس لباساً معتاداً. ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس، وإن وليه بنفسه فلا بأس، لقوله ﷺ : "اغسل عنك الطيب". ومذهب مالك

стр. 304

والليث: أن الناسي يفدي. ولنا: حديث صاحب الجبة، "ولم يأمره بالفدية، مع سؤاله عما صنع"، فدل على أنه عذره لجهله، والناسي في معناه، والمكره كالناسي، لأنه مقرون به في الحديث الدال على العفو. ومن رفض إحرامه ثم فعل محظوراً، فعليه فداؤه، لأنه لو نوى التحلل لم يحلّ. وليس له لبس مطيب بعد إحرامه، بغير خلاف، فإن أحرم فيه فله استدامته، فإن خلعه لم يلبسه، فإن فعل فدى. وإذا أحرم وعليه قميص أو سراويل خلعه ولم يشقه، ولا فدية عليه في قول الأكثر. وقيل: يشقه لئلا يتغطى رأسه حين ينزع القميص. ولنا: حديث صاحب الجبة. والهدايا والضحايا مختصة بمساكين الحرم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، ١ وكذلك جزاء محظور فعله في الحرم؛ وذكر القاضي رواية في قتل الصيد: يفديه حيث قتله، وهذا يخالف نص الكتاب. وما وجب فعله في الحرم لترك نسك أو فوات، فهو لمساكين الحرم، لأنه هدي وجب لترك نسك، كدم القِران. وما وجب نحره في الحرم وجب تفرقة لحمه به؛ وبه قال الشافعي. وقال مالك إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقتها في الحل. ولنا: أنه أحد مقصودي النسك كالذبح، ولأن المقصود من ذبحه التوسعة على مساكينه. قال عطاء: الهدي بمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء. ولنا: قول ابن عباس: "الهدي والإطعام بمكة". ومساكينه: من فيه من أهله وممن ورد عليه، وهم الذين يجوز لهم أخذ الزكاة. فإن عجز عن إيصاله إليهم، جاز ذبحه وتفرقته في غيره.

стр. 305

وفدية الأذى إذا وجد سببها في الحل، فيجوز في الموضع الذي حلق فيه. وقال الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم، لقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . ١ ولنا: أنه أمر كعباً بالفدية بالحديبية، وهي من الحل. ونحر علي بن الحسين بالسقيا، رواه الأثرم، والآية وردت في الهدي. وحكم اللبس والطيب حكم الحلق إذا وجد في الحل قياساً. ودم الإحصار حيث أحصر من حل أو حرم، فإن قدر على أطراف الحرم ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه. والثاني: لا، "لأنه ﷺ نحر هديه في موضعه"، وعنه: لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، و"يواطئ رجلاً على نحره في وقت التحلل"، يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق، وروي عن الحسن وعطاء. قال شيخنا: وهذا، والله أعلم، في الحصر الخاص، أما العام فلا ينبغي أن يقوله أحد، لأنه يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، "ولأنه ﷺ وأصحابه نحروا في الحديبية". فإن قيل: قد قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ، ٢ وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، ٣ قلنا: هذا في غير المحصر. وأيضاً قيل: إن ذبحه في حق المحصر في موضع حله، اقتداء به ﷺ ، وأما الصيام فيجزيه في كل مكان، لا نعلم فيه خلافاً. وكل دم ذكرنا يجزئ فيه شاة أو سُبع بدنة، أو يجزئ عنها بقرة، لقول جابر (: "كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن". ٤ رواه مسلم.

стр. 306

و"من وجبت عليه بدنة أجزأ عنها سبع من الغنم"، لحديث جابر، وعنه: لا يجزئ أقل من عشر شياه، لأنهم يعدلونها في الغنيمة بعشر. و"من عليه سبع من الغنم أجزأ عنه بدنة أو بقرة"، لحديث جابر. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لا يجزئ الخبز، واختار الشيخ الإجزاء، ويكون رطلين عراقية، كرواية في الظهار؛ قال: وينبغي أن يكون بإدام. وإن كان مما يؤكل من بُر أو شعير فهو أفضل. وإن أخر الهدي عن أيام النحر، فهل يلزمه دم؟ أو يلزمه مع عدم العذر، ولا يلزمه مع العذر؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يلزم دم بحال سوى الهدي. قال أحمد: مكة ومنى واحد. وقال مالك: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة.

стр. 307

باب جزاء الصيد وهو ضربان: (أحدهما) : ما له مثل من النَّعم، فيجب مثله. وهو نوعان: أحدهما: ما قضت فيه الصحابة، ففيه ما قضت، وهو قول الأكثر. وقال أبو حنيفة: تجب القيمة، ويجوز صرفها إلى المثل، لأن الصيد ليس بمثليّ. ولنا: الآية، "وجعل النبي ﷺ في الضبع كبشاً"، وأجمع الصحابة على المثل. فقال عمر وعلي وغيرهما: "في النعامة بدنة، وحكما في الظبي بشاة، وحكم عمر في حمار الوحش ببقرة، وحكموا في الحمامة بشاة"، وهي التي لا تبلغ قيمتها. وما قضت فيه الصحابة يجب فيه ما قضت به، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يستأنف الحكم، لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . ١ ولنا: حكم الصحابة، فالذي بلغنا عنهم في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وعنه: بدنة. وروي عن أبي عبيدة وابن عباس: "وفي بقرة الوحش بقرة، والأيل فيه بقرة، قاله ابن عباس. والأروى فيها بقرة، قاله ابن عمر. وفي الضبع كبش، وفي الغزال شاة، وفي الأرنب عناق، قضى بذلك عمر. واليربوع جفرة، وفي الضب جدي، قضى به عمر وزيد. وعنه: شاة، لأنه قول جابر وعطاء"، والأول أولى. وقال عمرو بن دينار:

стр. 308

ما سمعنا أن الضب واليربوع يوديان، واتباع الآثار أولى. والجفرة: التي لها أربعة أشهر من المعز وقيل التي فطمت ورعت، وفي الحمام شاة. الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة، يحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم. ويجب في كل واحد من الصغير والكبير والصحيح والمعيب مثله. وقال مالك: لا يجزئ إلا كبيراً صحيحاً، لقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . ١ ولنا: أنه مقيد في الآية بالمثل، و"قد أجمع الصحابة على إيجاب ما لا يصلح هدياً، كالجفرة". (الضرب الثاني) : ما لا مثل له، وهو سائر الطير، فيجب فيه قيمته، إلا ما كان أكبر من الحمام، فهل تجب القيمة أو شاة؟ ولا خلاف في وجوب ضمان الصيد من الطير، إلا ما حكى عن داود: ما كان أصغر من الحمام لا يضمن، لأن الله قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ . ٢ ولنا: عموم قوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الآية. ٣ وقد قيل في قوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ : ٤ يعني: الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ : ٥ يعني: الكبار. و"حكم عمر في الجراد بجزاء"، ودلالة الآية على وجوب جزاء غيره لا يمنع من الجزاء في هذا بدليل آخر. وما كان أكبر من الحمام، فعن ابن عباس: "فيه شاة"، وقيل: قيمته، وهو مذهب الشافعي. وكلما قتل صيداً حكم عليه، وعنه: "لا يجب إلا في المرة الأولى". وروي عن ابن عباس، وبه قال الحسن

стр. 309

وشريح وغيرهم. ولنا: أنها لا تمنع الوجوب، بدليل قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. ١ وقد ثبت أن العائد لو انتهى كان له ما سلف، وأمره إلى الله. قال أحمد: إذا قتل القارن صيداً فعليه جزاء واحد، وهؤلاء يقولون: جزاءان، فيلزمهم أن يقولوا: في صيد الحرم ثلاثة.

стр. 310

باب صيد الحرم الأصل في تحريمه: النصُّ والإجماع، ويضمن بمثله كالإحرام. وعن داود: لا جزاء فيه، لأنه لم يرو فيه نص. ولنا: "أن الصحابة قضوا في حمام الحرم بشاة"، ولم ينقل عن غيرهم خلاف. وللصوم مدخل فيه عند الأكثرين، خلافا لأبي حنيفة. وكل ما يضمن في الإحرام يضمن في الحرم، إلا القمل، فإنه يباح في الحرم بغير خلاف. وأجمعوا على تحريم قطع شجر الحرم البري الذي لم ينبته الآدمي، وعلى إباحة الإذخر، وما أنبته الآدمي من البقول والزرع والرياحين، حكاه ابن المنذر. وما أنبته من الشجر فقيل: له قلعه من غير ضمان، وقال الشافعي: الجزاء بكل حال، أنبته الآدمي أو نبت بنفسه، لعموم قوله: "لا يُعضد شجرها". ١ ويحرم قطع الشوك والعوسج، وعن الشافعي: لا يحرم، لأنه يؤذي، أشبه السباع. ولنا: قوله: "لا يُعضد شجرها"، ٢ وفي لفظ: "لا يُختلى شوكها". ٣ ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش، لأنه بمنزلة الميت، ولا يقطع ما انكسر ولم يبِن، لأنه قد تلف. ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا فيما سقط، ولا نعلم فيه خلافاً، لأن الجزاء إنما ورد في القطع؛ وأما إذا قطعه الآدمي، فقال أحمد: من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وليس له أخذ ورق الشجر. وقال الشافعي: له أخذه. ولنا: قوله: "لا يُخبط

стр. 311

شوكها، ولا يُعضد شجرها". ١ رواه مسلم. وفي رعي الحشيش وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة. والثاني: يجوز، وهو مذهب الشافعي، لأن الهدايا لم ينقل سدّ أفواهها. ويباح أخذ الكمأة منه، لأنه يشبه الثمرة. ويجب ضمان شجر الحرم وحشيشة [وبه قال الشافعي] . ٢ وقال مالك: لا يضمن. قال ابن المنذر: لا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضاً من كتاب الله ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: يستغفر الله تعالى. ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه، "لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه"، ولا يكره إخراج ماء زمزم. وصيد المدينة وشجرها وحشيشها حرام، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرم، لأنه لو حرم لبين بياناً عاماً ولوجب فيه الجزاء. ولنا: حديث علي وابن زيد وأبي رافع وأبي هريرة، متفق عليه. رواه مسلم عن سعد وجابر وأنس؛ وهذا يدل على تعميم البيان، وليس هو في الدرجة دون أخبار تحريم الحرم. وقد أثبتوه على أنه ليس بممتنع أن بينه بياناً خاصاً أو بينه بياناً عاماً، فبنقل خاص كصفة الأذان والوتر والإقامة. ويفارق حرم مكة في شيئين: أحدهما: أنه يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه، من المساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف، لما روى أحمد عن جابر: أنه لما حرّم المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: "القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيئاً". قيل: المسند: مردود البكرة. وفي حديت علي: "إلا أن يعلف رجل بعيره". رواه أبو داود،

стр. 312

الثاني: أن من صاد صيداً خارجه، ثم أدخله إليها، يلزمه إرساله، لقوله ﷺ : "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ "، ١ وهو طائر صغير. ولا جزاء في صيد المدينة في قول الأكثر، وعنه: فيه الجزاء، وهو قول الشافعي في القديم، لقوله: "مثل ما حرّم إبراهيم مكة"، ٢ وجزاؤه: إباحة سلب الفاعل لمن أخذه، لحديث سعيد، رواه مسلم. وإن لم يسلبه أحد، فلا شيء عليه إلا التوبة. وحدّ حرمها: ما بين ثور إلى عير، وهو ما بين لابتيها، وهو بريدٌ في بريد، كذا فسره مالك. ولا يحرم صيد وج ولا شجره، وقال أصحاب الشافعي: "يحرم"، للحديث؛ وقد ضعفه أحمد.

стр. 313

باب دخول مكة "يستحب الاغتسال له"، لحديث ابن عمر، والمرأة كالرجل لقوله: "افعلي ما يفعل الحاج". ١ و"يستحب أن يدخل من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل من باب بني شيبة"، لحديث ابن عمر وجابر. وإذا رأى البيت رفع يديه وكبّر، وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيّنا ربنا بالسلام". رواه الشافعي عن ابن المسيب. وله عن ابن جريج أنه ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً، ومهابة وبراً. وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيما وبراً". و"يروى رفع اليدين عند رؤية عن ابن عمر وابن عباس"، وكرهه جابر وقال: "حججنا مع رسول الله ﷺ ، فلم يكن يفعله". رواه النسائي. و"يبتدئ بالطواف اقتداء به ﷺ "، ولأنه تحية المسجد الحرام. فإن كان معتمراً بدأ بطواف العمرة، ولم يحتج لطواف القدوم. ومن دخله وقد قامت الصلاة اشتغل بها، وإن كان مفرداً أو قارناً بدأ بطواف القدوم، وهو سنة بغير خلاف. ويضطبع بردائه، فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وبه قال الشافعي وكثير من أهل العلم. وقال مالك: ليس بسنة، ولا يفعله في السعي، وقال الشافعي: يضطبع فيه. قال أحمد: ما سمعنا فيه شيئاً. ويبتدئ الطواف من الحجر، فيحاذيه

стр. 314

بجميع بدنه، فإن حاذاه ببعضه احتمل أن يجزئه، ثم يستلمه ويقبّله؛ والاستلام: المسح باليد، لحديث عمر وابن عباس. فإن شق تقبيله استلمه وقبّل يده، لحديث ابن عباس. فإن شق عليه، استلمه بشيء في يده وقبّله، لحديث ابن عباس، رواه مسلم، وإلا قام بحذائه واستقبله بوجهه، وأشار إليه وكبّر. فإن أمكنه استلامه بعصا ونحوها فعل. ويقول عند استلامه ما روى ابن السائب: أنه ﷺ قال عند استلامه: "بسم الله والله أكبر. إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ "؛ ١ يقول ذلك كلما استلمه. فإذا أتى على الركن اليماني استقبله وقبّل يده، ولا يقبّله، وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: أهل العلم يرون تقبيل الأسود دون اليماني، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه. وأما العراقي والشامي فلا يسن استلامهما في قول الأكثر. ويجب الطواف سبعاً، ويرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، وهو: إسراع المشي مع تقارب الخطا من غير وثب. وهو سنة في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم وطواف العمرة للمتمتع، لا نعلم فيه خلافاً. ويمشي أربعة. وقال طاووس وعطاء: يمشي ما بين الركنين، "لأمره ﷺ أصحابه بذلك، وهذا في عمرة القضية، ورمل في حجة الوداع من الحجر إلى الحجر". فإن ترك الرمَل في شوط من الثلاثة أتى به في الاثنين الباقيين، ومن تركه في الاثنين أتى به في الثالث كذلك. قال الشافعي: وإن نسيه لم يعده، وإن تركه عمداً لم يلزمه شيء به. وقال عامة العلماء وحكي عن الثوري: أن عليه دماً، لأنه نسك، وجاء: "من ترك نسكاً فعليه دم"، والحديث عن ابن عباس، وقد قال: "من ترك الرمَل فلا شيء عليه"، ثم قد خص بالاضطباع. ويستحب الدنو من البيت،

стр. 315

فإن كان قربه زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحداً وتمكن من الرمل، وقف ليجمع بين الرمل والدنو من البيت. وإن لم يظن ذلك، وظن أنه إذا كان في حاشية الناس تمكن من الرمَل فعَل، وكان أولى من الدنو. وإن لم يتمكن أو يختلط بالنساء، فالدنو أولى. ويطوف كيفما أمكنه، فإذا وجد فرجة رمَل فيها، وإن تباعد من البيت، أجزأه ما لم يخرج من المسجد، لحديث أم سلمة. وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما وأشار إليهما، ويقول كلما دنا من الحجر: "لا إله إلا الله، والله أكبر. إيماناً بك"، لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر كل طوفة". ١ رواه أبو داود. فإن شق استلامهما أشار إليهما، لحديث ابن عباس. وكلما أتى الركن أشار إليه بيده وكبّر. ويقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الآية، ٢ لحديث ابن السائب: أنه سمع النبي ﷺ يقوله بينهما. ويدع الحديث إلا ذكر الله، لقوله: "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلّم فلا يتكلّم إلا بخير". ٣ ولا بأس بقراءة القرآن، وعنه: يكره، وروي عن الحسن ومالك. والمرأة كالرجل في البداءة بالطواف وفيما ذكر، إلا أنها إذا قدمت مكة نهاراً ولم تخش حيضاً استحب لها تأخير الطواف إلى الليل لأنه أستر. ولا تزاحم الرجال لتستلم الحجر.، قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا رمَل عليهن بين الصفا والمروة، لأن الأصل فيه إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك من النساء، إنما يقصد منهن الستر، وليس عليهن اضطباع. وليس على أهل مكة رمل ولا اضطباع، قال أحمد: ليس عليهم رمل البيت ولا بين الصفا والمروة،

стр. 316

وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع. ويصح طواف الراكب لعذر بغير خلاف، وإن كان لغير عذر فعنه: لا يجزئ، لقوله: "الطواف بالبيت صلاة". ١ والثانية: يجزئه وعلية دم. والثالثة: يجزئ بغير دم، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وقال: لا قول لأحد مع فعل رسول الله ﷺ . والطواف راجلاً أفضل بغير خلاف، لفعله ﷺ في غير تلك المرة، ولفعل أصحابه، و"حديث أم سلمة يدل على المشي إلا لعذر"، فأما السعي محمولاً وراكباً فيجزيه، ولو لغير عذر. والطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحته، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: ليس شرطاً بل يجبر بدم. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطاً. ولنا: قوله: "لا يطوف بالبيت عريان"، ٢ وقوله: "غير ألا تطوفي بالبيت". ٣ وإن شك في عدد الطواف بني على اليقين، ذكره ابن المنذر إجماعاً. وإذا أقيمت الصلاة المكتوبة قطع الطواف، فإذا صلى بنى على طوافه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف فيه، إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف. وكذا الحكم في الجنازة إذا حضرت. وحكم السعي حكم الطواف فيما ذكرنا، وهو قول الشافعي وأبي ثور وعطاء، ولا نعلم عن غيرهم خلافاً. و"يستحب أن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، يقرأ فيهما بسورة "الإخلاص""، لحديث جابر؛ وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما أجزأه، "لأن عمر ركعهما بذي طوى. ولما طافت أم سلمة لم تصلّ حتى خرجت". ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة. و"كان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه، فتمر المرأة فينتظرها حتى ترفع رجلها، ثم يسجد". وهما سنة مؤكدة، وبه قال مالك. وللشافعي قولان: أحدهما: الوجوب. ولنا: قوله: "لا. إلا أن تطوّع". "فإن صلى المكتوبة بعده

стр. 317

أجزأت عنهما"، روي عن ابن عباس. وعنه: يصليهما بعد المكتوبة، وبه قال مالك. "ولا بأس أن يجمع بين الأسابيع، ثم يركع لكل أسبوع ركعتين، فعلته عائشة والمسور"، و"كرهه ابن عمر ومالك، لأنه ﷺ لم يفعله". فإذا ركع ركعتي الطواف وأراد الخروج إلى الصفا عاد إلى الحجر فاستلمه، لفعله ﷺ ، وكذلك استحبه مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويسعى سبعاً. و"يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله"، لحديث جابر، ويدعو بما في حديثه. قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. فإن لم يرق على الصفا، فلا شيء عليه. وحكم المرأة حكم الرجل، إلا أنها لا ترقى لئلا تزاحم الرجال. ثم ينزل فيمشي حتى يأتي العلَم فيسعى سعياً شديداً إلى العلَم الآخر. ثم يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها ما فعل على الصفا. ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه. يفعل ذلك سبعاً، ويكثر من الدعاء والذكر، لحديث: "إنما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ". ١ صححه الترمذي. والرمَل في السعي سنة، لا شيء على تاركه. ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً، وعنه: أن ذلك شرط، والأول قول أكثر أهل العلم، لقوله: "افعلي ما يفعل الحاج، غير ألاّ تطوفي بالبيت". ٢ وإن سعى قبل الطواف لم يصح، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعنه: يجزيه إن نسي، لقوله في التقدم والتأخر: "لا حرج". ولا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، قال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره. فإذا فرغ المتمتع قصّر من شعره أو حلق وتحلل، إلا إن كان معه هدي، فيقيم على إحرامه. وعنه: له التقصير من شعره خاصة، لحديث معاوية. وقال مالك: له التحلل ونحر هديه عند

стр. 318

المروة. ولنا: حديث ابن عمر وعائشة وغيرهما. وعنه فيمن قدم متمتعاً في أشهر الحج وساق الهدي قال: إن دخلها في العشر لم ينحر الهدي إلا يوم النحر، وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وبه قال عطاء، وقال: من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي، لحديث حفصة، والأول أولى، للأحاديث الصحيحة الصريحة. فأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل، سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو غيرها، "لأنه ﷺ اعتمر ثلاث عمر، عمرته التي مع حجته، بعضهن أو كلهن في ذي القعدة، وكان يحل". فإن كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز، لقوله: "فجاج مكة كلها طريق ومنحر". ١ رواه أبو داود. والمستحب للمتمتع إذا حل: التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج، ولم يأمر ﷺ أصحابه إلا به، فقال في حديث جابر: "حلّوا من إحرامكم بطواف، وقصِّروا"، ٢ وفي حديث ابن عمر: "من لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصّر وليحلل". متفق عليه. وإن حلق جاز، لأنه أحد النسكين. فإن ترك الحلق والتقصير، فعليه دم. فإن وطئ قبله فعليه دم، وبه قال مالك وأصحاب الرأي. وحكي عن الشافعي: أن عمرته تفسد. ولنا: قول ابن عباس فيمن وقع عليها زوجها معتمرة، قبل أن يقصر: "من ترك شيئاً من مناسكه أو نسيه، فليهرق دماً". والمتمتع يقطع التلبية إذا وصل البيت، وبه قال ابن عباس والشافعي. وعن ابن عمر: "إذا وصل الحرم". ولنا: حديث ابن عباس: "كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر". صححه الترمذي.

стр. 319

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": إذا رأى البيت رفع يديه وكبر ويدعو، وعند الشيخ: لا. فإذا حاذى الحجر أو بعضه ببعض بدنه، لم يجزه عن ذلك الشوط، وقيل: يجزئ، اختاره الشيخ. ويستحب استقبالُ الحجر بوجهه، قال الشيخ: هو السنة. ويجعل البيت عن يساره، قال الشيخ: تكون الحركة الدورية يعتمد فيها اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام ذلك للخارج جعل اليمنى. قوله: ويقول كلما حاذى الحجر: "الله أكبر، ولا إله إلا الله"، وقيل: يكبّر فقط. وقال الشيخ: تستحب القراءة فيه لا الجهر، قال: وليس له القراءة إذا أغلط المصلين، وقال: جنس القراءة أفضل من جنس الطواف. وقال أحمد في الرد على أبي حنيفة: "طاف رسول الله ﷺ على بعيره"، ١ وقال: هو إذا حمل فعليه دم. قوله: أو شاذروان الكعبة، وعند الشيخ: أنه ليس من الكعبة، بل جعل عماداً للبيت. وعنه: يصح الطواف من حائض، ويجبر بدم. واختار الشيخ: الصحة فيها، ومن كل معذور، وأنه لا دم على واحد منهم. ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه، قال في الفروع: إجماعاً. نقل الفضل: يكره مسّه وتقبيله.

стр. 320

باب صفة الحج الأولى أن نبدأ بحديث جابر في صفة حجه ﷺ ، ونقتصر منه على ما يخص هذا الباب، وهو صحيح رواه مسلم. وفي أثنائه: "فحلّ الناس كلهم وقصّروا، إلا رسول الله ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمسُ، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة". ثم ذكر الحديث. قال عطاء: "كان رسول الله ﷺ ينزل منى بالخيف". وسمي يوم الثامن يوم التروية، لأنهم يتروون من الماء فيه ليوم عرفة. "والمستحب لمن كان بمكة من أهلها وغيرهم وهم حلال، أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، وبه قال ابن عباس وابن عمر"، وعن عمر أنه قال لأهل مكة: "إذا رأيتم الهلال، فأهلّوا بالحج"، وقاله ابن الزبير. قال مالك: أحب لمن كان بمكة أن يهلّ من المسجد لهلال ذي الحجة. ولنا: حديث جابر، وفي بعض ألفاظه: "أُمرنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى". ١ رواه مسلم. والأفضل أن يحرم من مكة، لقوله في المواقيت: "حتى أهل مكة يهلّون منها". ٢ ومن أيها أحرم جاز، للحديث. وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز، لقول جابر: "فأهللنا من الأبطح"، ولأن المقصود: الجمع في النسك بين الحل والحرم. ويفعل ما يفعل عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظف،
следующие страницы →