← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والحالة هذه، اختاره الشيخ. وإذا وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم، جزم به الشيخ. وقال: يلزمه قبول الماء قرضاً، وكذا ثمنه وله ما يوفيه. وقال: ولو كان به جرح يخاف من غسله، فمسحه بالماء أولى من مسح الجبيرة. انتهى. ولو كان على الجرح عصابة أو لصوق، أجزأ المسح على الصحيح، وعنه: يتيمم معه. ولو كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه الترتيب. قال الشيخ: ينبغي أن لا يرتب، وقال: لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره. وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بتيمم بدعة. ويجوز التيمم للنجاسة، وفي وجه: لا يجب التيمم لنجاسة البدن مطلقاً، نصره الشيخ. ولو عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، ولا يزيد على ما يجزئ. وقال الشيخ: يتوجه له فعل ما شاء لأنه لا تحريم مع العجز، ولأن له أن يزيد على ما يجزئ في ظاهر قولهم، وقال: له فعل ذلك على أصح القولين. ولا يتيمم إلا بتراب له غبار، وعنه: بالسبخة، وعنه: وبالرمل أيضاً، اختاره الشيخ. واختار جواز التيمم بغير تراب من أجزاء الأرض، إذا لم يجد تراباً، وهي رواية عن أحمد. وأعجب أحمد حمل التراب عند التيمم، وعند الشيخ لا يحمله. ويبطل بخروج الوقت. وهو مبيح لا رافع. وعنه: أنه رافع؛ فيصلي به إلى حدثه، اختاره الشيخ. وقال في الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة، إلى أن يدخل وقت الأخرى، أعدل الأقوال. وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، لم يبطل تيممه، اختاره الشيخ. واختار فيمن استيقظ آخر الوقت وهو جنب، وخاف إن اغتسل خرج

стр. 72

الوقت، أو نسيها وذكرها آخر الوقت، أن يغتسل أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت، كالمذهب. وإن استيقظ أول الوقت، وخاف إن اشتغل بتحصيل الماء يفوت الوقت، أن يتيمم ولا يفوِّت الوقت. وإن من أمكنه الذهاب إلى الحمام لكن بفوات الوقت، أن يتيمم ويصلي خارج الحمام، لأن الصلاة في الحمام وخارج الوقت منهي عنها، كمن انتقض وضوءه وهو في المسجد. واختار أيضاً جواز التيمم من فوات الجمعة، فإنه أولى من الجنازة - إلى أن قال - وعنه: يجوز لجنازة، اختاره الشيخ. ولو كان الماء لأحدهم لزمه استعماله، وذكر ابن القيم في الهدي: أنه لا يمتنع أن يؤثر بالماء، ويتيمم هو.

стр. 73

باب التيمم ... ولو كان حجة، فالمنطوق راجح عليه. وهل يعيد إذا قدر على الماء على روايتين. ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله كالحطاب، ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه، ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ إلا بتفويت حاجته، صلى بالتيمم ولا إعادة عليه. وإن خاف البرد ولم يمكنه استعمال الماء على وجه يأمن الضرر، تيمم في قول أكثر أهل العلم. وقال الحسن وعطاء: يغتسل وإن مات. ووجه الأولى قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ١ ولحديث عمرو بن العاص. وهل يلزمه الإعادة فيه روايتان: إحداهما: لا تلزم "لأنه ﷺ لم يأمر عمرو بن العاص بالإعادة". وقال أبو يوسف ومحمد: تجب، كنسيان الطهارة؛ والأول أصح، لأن الناسي لم يأت بما أمر به. والجريح والمريض إذا خافا تيمما، هذا قول أكثر أهل العلم. وقال عطاء والحسن: لا يجوز إلا عند عدم الماء. ولنا: قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ٢ وحديث صاحب الشجة. واختلفوا في الخوف المبيح، فعن أحمد: لا يبيحه إلا خوف التلف؛ والصحيح الإباحة إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء، لأنه يجوز إذا خاف ذهاب شيء من ماله أو لم يجد الماء إلا بزيادة كثيرة على ثمن المثل، ولأن ترك القيام في الصلاة وتأخير الصوم في المرض لا ينحصر في خوف التلف. فإن لم يخف الضرر لم يجز. وحكي عن مالك وداود: إباحته للمريض مطلقاً، لظاهر الآية. ولنا: أنه قادر عليه من غير ضرر فأشبه الصحيح، والآية اشترط فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع على أنه لا بد فيها من إضمار الضرورة، ولا يكون إلا عند الضرورة. وإن خاف العطش

стр. 74

باب إزالة النجاسة لا تجوز بغير الماء، وبه قال مالك. وروي عن أحمد ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر، مزيل للعين والأثر، كالخل وماء الورد؛ وقاله أبو حنيفة، لقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسلْه سبعاً". ١ ولنا: الأحاديث مثل قوله: "ثم لتنضحْه بماء"، ومثل أمره بذنوب من ماء تصب على البول. فأما ما لا يزيل، كاللبن والدهن، فلا خلاف أن النجاسة لا تزال به. ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً، إحداهن بالتراب، لا يختلف المذهب في نجاستهما وما توالد منهما، عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه؛ وبه قال الشافعي، وبه قال أبو حنيفة في السؤر. وقال مالك: سؤرهما طاهر. وقال الزهري: يتوضأ منه إذا لم يجد غيره. قال مالك: يغسل الإناء تعبداً. واحتج بعضهم على طهارته بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ، ٢ ولم يأمر بغسل أثر فمه. ونجاسة الخنزير بالتنبيه لأنه شر منه. وممن قال: "يغسل سبع مرات": ابن عباس والشافعي وابن المنذر. وقال عطاء: قد سمعت ثلاثاً وخمساً وسبعاً، وعن أحمد ثمانياً، إحداهن بالتراب، لقوله: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب". ٣ رواه مسلم. وحديث أبي هريرة أصح، ويحتمل أنه عدّ التراب ثامنة، جمعاً بينهما. وإن جعل مكان التراب أشناناً ونحوه، فقيل: لا يجزئ، للأمر بالتراب. وقيل: بلى، لأنه أبلغ

стр. 75

من التراب. ويستحب جعله في الأولى، لموافقته لفظ الخبر، وليأت الماء بعده فينظفه. ومتى غسل به أجزأه، لقوله: "إحداهن بالتراب"، وفي لفظ آخر: "في الثامنة". وفي سائر النجاسات، ثلاث روايات: إحداهن: يجب سبعاً. والثانية: ثلاثاً. والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، كالنجاسات كلها، إذا كانت على الأرض، لقول ابن عمر: "أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً". والثانية، لحديث القائم من نوم الليل. والثالثة، قوله لأسماء: "اغسليه بالماء"، ١ ولم يذكر عدداً. وإذا أصاب ثوب المرأة دم الحيض، استحب أن تحتّه بظفرها لتذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل، ثم تغسله، لقوله لأسماء: "حتّيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء"، ٢ وإن لم يزل لونه، وكانت إزالته تشق أو تضر بالثوب، لقوله: "ولا يضرك أثره". ٣ رواه أبو داود. وإن استعملت شيئاً يزيله كالملح وغيره، فحسن، لحديث الغفارية التي أردفها. قال الخطابي: فيه من الفقه: جواز استعمال الملح وهو مطعوم في غسل الثوب من الدم. فعلى هذا، يجوز غسل الثوب بالعسل إذا كان الصابون يفسده، وبالخل إذا أصابه الحبر، والتدلك بالنخالة وغسل الأيدي بها، وبالبطيخ ودقيق الباقلاء وغيرها، مما له قوة الجلاء. ومتى تنجست الأرض بنجاسة مائعة، أيَّ نجاسة كانت، فطهورها: غمرُها بالماء حتى يذهب لون النجاسة وريحها. فإن لم يزل إلا بمشقة، سقط ذلك كما قلنا في الثوب، لحديث الأعرابي، ولا نعلم في ذلك خلافاً. وسئل أحمد عن ماء المطر يصيب الثوب، فلم ير بأساً، إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر، وقال: كل ما نزل من السماء إلى الأرض فهو نظيف، داسته الدواب أو لم تدسه. وقال في الميزاب: إذا كان في الموضع النظيف لا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم. قيل: أفأسأل عنه؟ قال: لا. واحتج في طهارة طين المطر بحديث

стр. 76

الأعرابي، وبـ"أن الصحابة والتابعين يخوضون المطر في الطرقات، فلا يغسلون أرجلهم"، روي عن ابن عمر وعلي. قال ابن مسعود: "كنا لا نتوضأ من موطئ"، ونحوه عن ابن عباس؛ وهذا قول عوام أهل العلم. ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح، روي عن ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة ومحمد: تطهر إذا أذهب أثر النجاسة. وقال أبو قلابة: جفاف الأرض طهورها، لأن ابن عمر روى: "أن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك". رواه أبو داود. ولنا: حديث الأعرابي، وحديث ابن عمر رواه البخاري، ولم يذكر البول ... ولا تطهر الاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها، لنهيه ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. وإذا خفيت النجاسة، لزم غسل ما تيقن به من إزالتها؛ هذا قول مالك والشافعي وابن المنذر. وقال ابن شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله. وقال عطاء: إذا خفيت في الثوب، نضحَه كله، لحديث سهل في المذي، فأمر بالتحري والنضح. ولنا: أنه تيقن المانع من الصلاة، فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن، والحديث مخصوص بالمذي لمشقة الاحتراز منه. ويجزئ في بول الذي لم يأكل الطعام: النضح؛ وهو غمره بالماء وإن لم يزل عنه، ولا يحتاج إلى عصر. وحكي عن الحسن أن بول الجارية ينضح ما لم تطعم، كالصبي. وقال الثوري: "يغسلان"، ثم ذكر حديث أم قيس وحديث علي وقال: هذه نصوص صحيحة عن النبي ﷺ ، فاتباعها أولى من القياس، وقوله ﷺ مقدم على من خالفه. وإذا تنجس أسفل الحذاء أو الخف، وجب غسله. وعنه: يجزئ دلكه، وعنه: يغسل من البول والغائط، ويدلك من غيرهما. والأولى: أن يجزئ الدلك مطلقاً، للأحاديث. فـ"أما الدم والقيح،

стр. 77

فأكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره"، روي عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما. وروي عن الحسن وسليمان التيمي: لا يعفى عنه. ولنا: قول عائشة: "يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، تم ترى فيه قطرة من الدم، فتقصعه بريقها"، ١ وفي رواية: "تبلّه بريقها، ثم تقصعه بظفرها". رواه أبو داود. وهذا يدل على العفو، لأن الريق لا يطهره، ويتنجس به ظفرها. وهو إخبار عن دوام الفعل؛ ومثل هذا لا يخفى على النبي ﷺ ، ولأنه قول مَن سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف. والقيح والصديد مثله، إلا أن أحمد قال: هو أسهل. وقال أبو مجلز في الصديد: إنما ذكر الله الدم المسفوح. وقال أُميّ بن ربيعة: رأيت طاووساً كان إزاره نطعاً، من قروح كانت برجليه، ونحوه عن مجاهد. ودم ما لا نفس له سائلة، كالذباب ونحوه، طاهر، لأنه لو كان نجساً لنجس الماء اليسير إذا مات فيه، ولأن الله سبحانه إنما حرم الدم المسفوح. والأجسام الصقيلة يعفى عن كثير النجاسة فيها بعد المسح. وعنه: في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير، وعرَقها وبول الأخفاش، والنبيذ والمني، أنه كالدم. وعنه: في المذي يجزئ فيه النضح. وروى الخلال بإسناده قال: سئل ابن المسيب وعروة وأبو سلمة وسليمان بن يسار عن المذي، فكلهم قال: إنه بمنزلة القرحة، فما علمت منه فاغسله، وما غلبك منه فدعْه. وعنه: في ريق البغل والحمار وعرَقهما: من يسلم من هذا ممن يركب الحمير؟ وقال الشعبي والحكم: لا بأس ببول الخفافيش، وكذلك الخطاف، لأنه يشق التحرز منه، فإنه كثير في المساجد. وقال أبو حنيفة: يعفى عن يسير جميع النجاسات. ولنا: قوله: "تنزّهوا من البول". وما لا نفس له سائلة، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه، قال ابن

стр. 78

المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً، إلا ما كان من الشافعي في أحد قوليه؛ فإن عنده في تنجيس الماء قولان، فأما الحيوان فهو نجس عنده قولاً واحداً. ولنا: حديث الذباب والضفدع ينجس بالموت وينجس الماء القليل. وقال مالك: لا يفسد الماء لأنه يعيش فيه كالسمك. وسباع البهائم والطير والبغل والحمار نجسة، وعنه: أنها طاهرة. وسؤر الهر وما دونه في الخلقة طاهر، في قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر؛ فإن فعل أجزأه. و"رويت كراهته عن ابن عمر ويحيى الأنصاري"، وقال ابن المسيب: يغسل مرة أو مرتين. وقال طاووس: يغسل سبعاً كالكلب. ولنا: حديث أبي قتادة، دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونهما مما يطوف علينا. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لا تزول النجاسة بغير الماء، وعنه: ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل، اختاره الشيخ. واختار طهارة شعر الكلب والخنزير. وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: الثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، اختاره الشيخ. واختار إجزاء المسح في المتنجس الذي يضره الغسل، كثياب الحرير والورق، قال: وأصله الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء. واختار أن الشمس تطهر، وكذا الريح والجفاف. قال: وإحالة التراب ونحوه للنجاسة كالشمس، وقال: إذا أزالها التراب عن النعل فعن نفسه إذا خالطته أولى. واختار أيضاً أن الاستحالة تطهر، وأن الجسم الصقيل يطهر بالمسح. وإذا خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن، وعند الشيخ: يكفي الظن في غسل المذي وغيره

стр. 79

من النجاسات. واختار طهارة أسفل الخف والحذاء بالدلك، وأن ذيل المرأة بمروره على طهارة يزيلها، وأن الرِّجل كالخف والحذاء، وأن القيح والصديد طاهر ولم يقم دليل على نجاسته، وأن المذي يجزئ فيه النضح ويصير طاهراً به. واختار أيضاً: العفو عن يسير جميع النجاسات مطلقاً، في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وأن تراب الشارع طاهر، ومال إلى طهارة سباع البهائم والطير والبغل والحمار.

стр. 80

باب الحيض قال أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة. وهو يوجب البلوغ لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ١. وحرم وطؤها قبل الغسل، قال ابن المنذر: هذا كالإجماع. وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض حل وطؤها. الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء محرم بهما. واختلف في الاستمتاع بما بينهما، فذهب إمامنا إلى جوازه، وهو قول عطاء والشعبي والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يباح، لحديث: "كان يأمرني فأتّزر ... إلخ" ٢. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ . ٣ فتخصيصه يدل على إباحة ما عداه. ولما نزلت، قال ﷺ : "اصنعوا كل شيء غير النكاح". ٤ رواه مسلم. فإن وطئها فعليه نصف دينار كفارة، وعنه: ليس عليه إلا التوبة، لأنه سئل عن الحديث فقيل: في نفسك منه شي؟ قال: نعم. وإذا استحيضت المعتادة، لم تخل من أربعة أقسام: أحدها: أن لا يكون لها تمييز لكون الدم على صفة واحدة، أو أن الذي يصلح للحيض ينقص عن أقله أو يزيد على أكثره، فهذه تجلس أيام عادتها، ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة

стр. 81

وتصلي؛ وهذا القول للشافعي. وقال مالك: لا اعتبار بالعادة، بل بالتمييز؛ فإن لم يكن استظهرت بعد عادتها بثلاثة أيام إن لم تتجاوز خمسة عشر، ثم هي مستحاضة، واحتج بحديث فاطمة. ولنا: حديث أم سلمة: "أن امرأة تهراق الدماء، فقال رسول الله ﷺ : لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن ... إلخ". ١ وروي في حديث فاطمة: "دَعِي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين". ٢ متفق عليه. وفي حديث أم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك". رواه مسلم. ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها. وإن كان لها عادة وتمييز، فإن كان الدم الذي يصلح للحيض في زمن العادة، فقد اتفقت العادة والتمييز. وإن كان أكثر من العادة أو أقل، ولم ينقص عن أقل الحيض ولا زاد على أكثره، ففيه روايتان: إحداهما: يقدم التمييز، وهو ظاهر مذهب الشافعي لما ذكرنا من الأدلة. والثانية: تقدم العادة، وهو قول أكثر الأصحاب، لأنه ﷺ رد أم حبيبة والتي استفتت لها أم سلمة إلى العادة، ولم يستفصل. وحديث فاطمة روي فيه أنه ردها إلى العادة أيضاً، فتعارضت روايتاه، وبقيت أحاديثنا لا معارض لها، على أنها قضية في عين يحتمل أنها أخبرته أن لا عادة لها. وإن نسيت العادة، عملت بالتمييز. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز، لحديث أم سلمة. ولنا: حديث فاطمة، وحديث أم سلمة يدل على اعتبار العادة، وهذه لا عادة لها. فإن لم يكن لها تمييز، جلست غالب الحيض من كل شهر، وعنه: أقله، لحديث حمنة: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي". ٣ وقال الشافعي: لا حيض لها بيقين، وجميع زمنها مشكوك فيه، تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها. وعن عائشة: "أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت النبي ﷺ

стр. 82

فقال: إنما ذلك عِرق، فاغتسلي ثم صلي". ١ فكانت تغتسل عند كل صلاة. متفق عليه. ولنا: حديث حمنة، وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية، لأنه لم يستفصل ولم يسألها عن التمييز، لأن في كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال، ولم يسألها عن العادة لاستغنائه عن ذلك بعلمه إياه، إذ كان مشتهراً، وقد أمر أختها أم حبيبة، فلم يبق إلا أن تكون ناسية، وأم حبيبة لها عادة لما روى مسلم أنه قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي"، ٢ فكانت تغتسل عند كل صلاة. فدل على أنها تغتسل لكل صلاة في غير وقت الحيض. وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها، جلستها من أول كل شهر، لقوله: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي وصلي"، ٣ فقدم حيضها على الطهر، ثم أمرها بالصلاة. واختار ابن أبي موسى أنها تجلس بالتحري، لأنه ردها إلى اجتهادها في القدر، فكذلك في الوقت، وإن طهرت في أثناء عادتها، اغتسلت وصلّت. وإن عاودها الدم في العادة، فهل تلتفت إليه؟ على روايتين؛ و"لم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره"، لقول ابن عباس. أما من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، فإن كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر. قالت عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء". قال أحمد: القصة شيء يتبع الحيضة أبيض، لا يكون فيه صفرة ولا كدرة. وقال الأزهري: القُصة بضم القاف: القطنة التي تحشوها المرأة، فإذا خرجت بيضاء لا تغير عليها، فهي القصة البيضاء. وروي عن أحمد: أن النفساء إذا رأت النقاء دون يوم، لا يثبت لها أحكام

стр. 83

الطهارة، قال شيخنا: وهو الصحيح، إن شاء الله، لأن في إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج. وقال أبو حنيفة: ليس النقاء بين الدمين طهراً، ولا يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها؛ وهو أحد قولي الشافعي. ولنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ ، ١ وقال ابن عباس: "إذا رأت الطهر ساعة، فلتغتسل"، وقالت عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء"، ولأنها صامت وهي طاهرة فلم يلزمها القضاء. وقولهم: إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى، قلنا: لا عبرة بالانقطاع اليسير، وإنما إذا وجد انقطاعٌ كثير يمكن فيه الصلاة والصيام. وإن عاودها الدم في العادة ولم يتجاوزها، ففيه روايتان: إحداهما: أنه من حيضها، وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي. والثانية: ليس بحيض، فإن تجاوز العادة وعبر أكثر الحيض فليس بحيض. والصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض، وبعده لا تعتد به، نص عليه؛ وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو يوسف وأبو ثور: لا يكون حيض إلا أن يتقدمه دم أسود، لقول أم عطية: "كنا لا نعدّ الصفرة بعد الغسل شيئاً". رواه أبو داود. ولنا: قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ ، ٢ وهذا يتناول الصفرة والكدرة، ولقول عائشة: "لا تعجلن ... إلخ". وقول أم عطية إنما يتناولُ ما بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به، ويدل عليه قول عائشة: "ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً"، مع قولها المتقدم. وروى البخاري بإسناده عن فاطمة عن أسماء قالت: "كنا في حجرها مع بنات بنتها، فكانت إحدانا تطهر ثم تكسر بصفرة يسيرة، فنسألها فتقول: اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض". قال القاضي: معناه لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول أسماء فيما إذا تكرر، جمع بين الأخبار.

стр. 84

والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت، وكذا من به سلس البول والمذي والريح، والجريح الذي لا يرقأ دمه، لحديث حمنة وأم سلمة. ثم إن خرج لرخاوة الشد، أعادت الشد والوضوء، وإن كان لغلبة الخارج لم تبطل الطهارة، لقول عائشة: "اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي". ١ رواه البخاري. وفي لفظ: "وإن قطر الدم على الحصير". "وصلى عمر وجرحه يثعب دماً". وقال مالك: لا يجب الوضوء على المستحاضة. واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة، إلا أن يؤذيه البرد. واحتج أحمد بقوله لفاطمة: "فاغتسلي وصلّي"، ولم يأمرها بالوضوء. ولنا: أن في حديث فاطمة: "وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". ٢ صححه الترمذي، وفي حديث عدي بن ثابت في المستحاضة: "وتتوضأ عند كل صلاة". ٣ رواه أبو داود. قال أحمد: إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وتصلي بذلك النافلة والصلاة الفائتة، حتى يدخل وقت الأخرى. وقال الشافعي: لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة، لقوله: "توضئي لكل صلاة". ولنا: أن في حديث فاطمة: "توضئي لوقت كل صلاة"، وحديثهم محمول على الوقت لقوله ﷺ : "أينما أدركتك الصلاة فصلِّ"، ٤ أي: وقتها، و"لأنه ﷺ أمر حمنة بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد"، وأمر به سهلة، ولم يأمرها بالوضوء. قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله قلت: إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ويوقتون بوقت، يقولون: إذا توضأت وقد انقطع الدم ثم سال قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء. وإذا تطهرت والدم سائل ثم انقطع قولاً آخر، قال: لست أنظر في انقطاعه حين توضأت، سال الدم

стр. 85

أو لم يسل، إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، فتصلي بذلك النافلة والفائتة، حتى يدخل وقت الأخرى. ويستحب لها أن تغتسل لكل صلاة، وذهب بعضهم إلى وجوبه. وقيل: "لكل يوم غسلاً"، روي عن عائشة وابن عمر. وقيل: تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل، وتغتسل للصبح، لأمره حمنة وسهلة بذلك. وأكثر أهل العلم على أنها تغتسل عند انقطاع الحيض، ثم عليها الوضوء لكل صلاة، لقوله: "فاغسلي عنك الدم وصلّي" ١، وكذلك حديث عدي بن ثابت؛ وهذا يدل على أن الغسل المأمور به استحباباً جمعاً بين الأحاديث. والغسل لكل صلاة أفضل. ويليه الغسل مع الجمع، لقوله: وهو أعجب الأمرين إليّ. ويليه الغسل كل يوم مرة، ثم بعده الغسل عند الانقطاع، والوضوء لكل صلاة. وهل يباح وطؤها؟ على روايتين: إحداهما: لا يباح، وهو مذهب ابن سيرين. والثانية: يباح، وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث حمنة وأم حبيبة. وأكثر النفاس: أربعون، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال مالك والشافعي: أكثره: ستون، ولا حد لأقله. وقال أبو عبيد: أقله: خمسة وعشرون يوماً. ولنا: أنه لم يرد تحديده، فيرجع إلى الوجود. ويستحب أن لا يقربها في الأربعين، لحديث عثمان بن أبي العاص. وإن عاد في الأربعين فهو نفاس، وعنه: مشكوك فيه. وقال مالك: إن رأته بعد يومين أو ثلاثة، فهو نفاس، وإن تباعد فحيض. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": يخرج الكفارة من أي ذهب كان، واختار الشيخ: لا يجزئ إلا المضروب، لأن الدينار اسم للمضروب خاصة، وأنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا للطهر بين الحيضتين؛ بل كل ما استقر عادة للمرأة فهو حيض، وإن نقص

стр. 86

عن يوم أو زاد على السبعة عشر يوماً، ما لم تصر مستحاضة. واختار أن المبتدأة تجلس في الثانية ولا تعيد. انتهى. ولا تلتفت لما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثاً، وعند الشيخ: تصير إليه من غير تكرار. واختار أن الصفرة والكدرة بعد زمن الحيض ليستا بحيض، ولو تكررتا. وقال: لا حد لأكثر النفاس، ولو زاد على السبعين وانقطع، لكن إن اتصل فهو دم فساد؛ وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب. وقال: الأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ المني في مجاري الحبل.

стр. 87

كتاب الصلاة كتاب الصلاة ... كتاب الصلاة لا نعلم خلافاً في وجوبها على النائم، بمعنى: أنه يقضيها، لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها ". ١ رواه مسلم. وكذلك السكران، لأنه إذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم أولى. وحكم المغمى عليه حكم النائم، يروى ذلك عن عمار وغيره. وعن ابن عمر: "لا يقضي". وقال مالك والشافعي: لا يقضي إلا أن يفيق في جزء من وقتها. وقال أصحاب الرأي: إن أغمي عليه أكثر من خمس صلوات، لم يقض شيئاً، وإلا قضى الجميع. ولنا: أن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا تطول مدته غالباً، أشبه النوم، وقياسه على الجنون لا يصح، لأنه تطول مدته ويسقط عنه الصوم، أما المجنون فلا قضاء عليه إلا أن يفيق في وقتها، لا نعلم فيه خلافاً. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ويقضيها مسلم قبل بلوغ الشرع، وقيل: لا؛ اختاره الشيخ بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم. قال: والوجهان في كل من ترك واجباً قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم عند عدم الماء، ولم يزك أو أكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة، ونحوه. قال: والأصح لا قضاء. قال في الفروع: ومراده: ولم يقض وإلا أثم، وكذلك من عامل بربا أو نكاح فاسد ثم تبين التحريم. وتجب على من زال عقله بمحرم، واختار الشيخ عدم الوجوب في ذلك كله، وقال في الفتاوى المصرية: تلزمه

стр. 88

بلا نزاع، وقال: اختار الأكثر أن الردة لا تبطل العمل إلا بالموت عليها. وقال: شرط الصلاة تقدم الشهادة المسبوقة بالإسلام، فإذا تقرب بالصلاة يكون مسلماً بها وإن كان محدثاً، وعلى هذا عليه أن يعيدها. انتهى. وثوابُ صلاة المميز وعمله لنفسه، اختاره الشيخ، وقال بعض الأصحاب: ثوابه لوالديه، وإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها، لزمه إعادتها. وقيل: لا، اختاره الشيخ. والاشتغال بشرطها على قسمين: قسم لا يحصل إلا بعد زمن طويل، فهذه لا يجوز له تأخيرها. وقسم يحصل بعد زمن قريب، فأكثر الأصحاب يجوّزونه. قال الشيخ: وقول بعض الأصحاب: لا يجوز تأخيرها إلا لناوٍ جمعها، أو مشتغل بشرطها، فلم يقله أحد قبله من الأصحاب، بل ولا من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي، فهذا أشك فيه. ولا ريب أنه ليس على عمومه، وإنما أرادوا صوراً معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يصنع حبلاً يستقي به، أو أمكن العريان أن يخيط ثوباً. ويؤيد ما ذكرنا أن العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية يشتري ثوباً ولا يصلي إلا بعد الوقت، لا يجوز له التأخير بلا نزاع. وكذا العاجز عن تعلم التكبير والتشهد الأخير، إذا ضاق الوقت صلى على حسب حاله. وكذا المستحاضة إذا كان دمها ينقطع بعد الوقت. انتهى. وقال الشيخ أيضاً: فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو: أن المقرّ بوجوب الصلاة ودعي إليها ثلاثاً فامتنع، مع تهديده بالقتل فقُتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين: وهذا الفرض باطل ممتنع، ولا يفعله أحد قط. قلتُ: والعقل يشهد بما قال ويقطع به، وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، وأنه لا يقتل إلا كافر.

стр. 89

باب الأذان والإقامة أجمعت الأمة على أن الأذان والإقامة مشروعة للخمس، ولا يشرعان لغيرها، لأن المقصود منه: الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان. "وليس على النساء أذان ولا إقامة"، قاله ابن عمر وأنس وغيرهما، ولا نعلم من غيرهم خلافهم. واختلفوا هل يسن لهن ذلك: فعن أحمد: إن فعلن لا بأس. وعن جابر: أنها تقيم، وبه قال عطاء ومجاهد. وقال الشافعي: إن أذّنّ وأقمن، فلا بأس، روي عن عائشة: "أنها كانت تؤذن وتقيم". وعنه: لا يشرع لها. قال ابن المنذر: الأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنه ﷺ أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه؛ والأمر يقتضي الوجوب، وداوم عليه وأصحابه، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة. وظاهر كلام الخرقي أنه غير واجب، وهو قول الشافعي. وعلى كلا القولين، إن تركهما صحت صلاته، لما روي عن علقمة والأسود قالا: "صلى بنا عبد الله بلا أذان ولا إقامة". قال شيخنا: لا أعلم أحداً خالف في ذلك، إلا عطاء قال: من نسي الإقامة يعيد، ونحوه عن الأوزاعي. ومن أوجبه من أصحابنا فعلى أهل المصر، فأما المسافرون فلا يجب عليهم. وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة، ويكفي مؤذن المصر إذا كان يسمعهم، ويجزئ بقيتهم الإقامة. قال أحمد في الذي يصلي في بيته: يجزيه أذان المصر. وقال مالك: تكفيه الإقامة، لأنه ﷺ قال للذي علّمه الصلاة: "إذا أردت

стр. 90

الصلاة فأحسن الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبِّر"، ١ وفي لفظ للنسائي: "فأقم ثم كبِّر"، والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم. وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها، استحب له الجهر، لحديث أبي سعيد، رفعه: "إذا كنت في غنمك أو باديتك ... إلخ"، ٢ "وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة، إلا الصبح فإنه يؤذّن ويقيم، ويقول: إنما الأذان على الإمام والأمير الذي يجمع الناس"، وعنه: أنه لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة. ولنا: "أنه ﷺ يؤذّن له حضراً وسفراً، وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه"، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنهم أرادوا وحده، كما قال إبراهيم، "والأذان مع ذلك أفضل"، لحديث أبي سعيد وأنس في صاحب المعز. ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، في أظهر الروايتين، لقوله لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا"، ٣ حسنه الترمذي. ورخص فيه مالك، ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق، لكن قال الشافعي: لا يرزق إلا من خمس الخمس، سهم النبي ﷺ . وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً، لقوله: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك". ٤ والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه؛ وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر. وقال مالك والشافعي: الأذان المسنون أذان أبي محذورة، وهو كأذان عبد الله بن زيد ويزيد ترجيعاً؛ وهو: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين، يخفض بذلك، ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته، إلا أن مالكاً قال: التكبير في أوله مرتان حسبُ، فيكون عنده سبع عشرة، وعند الشافعي تسع عشرة. واحتجوا بما روى أبو محذورة: "أنه ﷺ علّمه الأذان، وفيه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله،

стр. 91

أشهد أن محمداً رسول الله. تخفض بهما صوتك. ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله". ١ ثم ذكر سائر الأذان. أخرجه مسلم. واحتج مالك قال: كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذورة: "الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله". ٢ رواه مسلم. ولنا: حديث عبد الله بن زيد، وأقر ﷺ بلالاً عليه، بعد أذان أبي محذورة. والإقامة إحدى عشرة، فإن رجّع في الأذان أو ثنى في الإقامة، فلا بأس. وقال الثوري: الإقامة مثل الأذان، ويزيد: "قد قامت الصلاة" مرتين، لما روى عبد الله بن زيد قال: "كان أذان النبي ﷺ شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة". ٣ رواه الترمذي. وعن أبي محذورة: "أن النبي ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة". ٤ قال الترمذي: حسن صحيح. وقال مالك: الإقامة عشر كلمات، لقوله: "قد قامت الصلاة" مرة، لقول أنس: "أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة". ٥ ولنا: قول ابن عمر: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة". ٦ رواه أبو داود والنسائي. وفي حديث عبد الله بن زيد أنه وصف الإقامة كما ذكرنا، وما احتجوا به من حديث عبد الله بن زيد، رواه عنه ابن أبي ليلى، وقال الترمذي: لم يسمع، وقال: الصحيح مثل ما روينا. والذي احتج به مالك حجة لنا مجمل فسره ابن عمر، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع، لأن الشافعي لم يعمل به في الإقامة، وأبو حنيفة لم يعمل به في الأذان. والتثويب في أذان الصبح مستحب، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: التثويب بين الأذان والإقامة: أن يقول: "حي على الصلاة" مرتين، "حيّ

стр. 92

على الفلاح" مرتين. ولنا: ما روى أبو داود والنسائي عن أبي محذورة قال: "فإن كان في صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله"، وما ذكروه قال ابن إسحاق: هذا أحدثه الناس، قال الترمذي: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم. ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، قال الترمذي: وعلى هذا العمل من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم، ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، ثم ذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". رواه مسلم. ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة. الترسل: التأني، والحدر: ضده، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن من السنة أن يؤذن قائماً، فإن أذّن قاعداً لعذر، فلا بأس. قال الحسن العبدي: "رأيت أبا زيد صاحب رسول الله ﷺ يؤذن قاعداً، وكان رجله قد أصيبت في سبيل الله". رواه الأثرم. ويجوز على الراحلة، قال ابن المنذر: ثبت "أن ابن عمر كان يؤذن على البعير، فينزل فيقيم"، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، إلا أن مالكاً قال: لا يقيم وهو راكب. يستحبُّ أن يؤذن متطهراً، لقول أبي هريرة: "لا يؤذن إلا متوضئ"، فإن أذّن محدثاً جاز، لأنه لا يزيد على القراءة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء. وإن أذّن جنباً فروايتان: الإجزاء في قول أكثر أهل العلم. ويستحب أن يؤذن على موضع عال، لقول الأنصارية: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتيني يؤذّن عليه ... إلخ"، لا نعلم خلافاً في استحبابه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل

стр. 93

القبلة بالأذان. وسئل أحمد: عن الرجل يؤذن وهو يمشي؟ قال: نعم، أمر الأذان عندي سهل. وسئل: عن المؤذن يمشي وهو يقيم؟ قال: يعجبني أن يفرغ ثم يمشي، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر. وذكر عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتان: إحداهما: لا يدور، للخبر. والثانية: لا يحصل بدونه، وتحصيل المقصود مع الإخلال بالأدب أولى من العكس، وهذا قول إسحاق. ويجعل أصبعيه في أذنيه، هذا المشهور عن أحمد، وعليه العمل عند أهل العلم، وكذلك قال الترمذي، لفعل بلال، صححه الترمذي. وعن أحمد: أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة. والأول أصح، لصحة الحديث وشهرته، وعمل أهل العلم به. ويتولاهما معاً، وهو قول الشافعي. وقال مالك: لا فرق بينه وبين غيره، لأن في حديث عبد الله بن زيد: "لما أذّن بلال، قال لعبد الله: أقم أنت". ولنا: قول النبي ﷺ : "إن أخا صدّاء قد أذّن، ومن أذّن فهو يقيم". ١ وما ذكر يدل على الجواز، وهذا على الاستحباب، فإن سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: له لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام بغير إعادة فلا بأس، لما ذكرنا في حديث عبد الله بن زيد. ويستحب للمؤذن أن يقيم في موضع أذانه، لقول بلال: "لا تسبقني بآمين"، وقول ابن عمر: "كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا". ولا يقيم إلا بإذن الإمام، لما في حديث الصدّائي: "فجعلت أقول له ﷺ : أقيم؟ أقيم؟ ". وكره طائفة من أهل العلم: الكلام في أثناء الأذان، قال الأوزاعي: لا نعلم أحداً يقتدَى به فعَله. ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره. قيل لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، قيل: وفي الإقامة؟ قال: لا. وعن الزهري: إذا تكلم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه، قياساً

стр. 94

على الأذان. ولا يصح إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، أما غير الفجر فلا يجزئ بغير خلاف نعلمه. وأما الفجر فيشرع قبل الوقت، وهو قول مالك والشافعي. وقال الثوري: لا يجوز. وقال طائفة من أهل الحديث: إذا كان له مؤذنان: يؤذّن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعده، فلا بأس. ولنا: حديث الصدائي: "أمره ﷺ بالأذان قبل طلوع الفجر". ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين، لقوله لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ... ". ١ ومن جمع بين صلاتين، أذّن للأولى وأقام للثانية. وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل منهما، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة. فـ"إن كثرت الفوائت، أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة"، لحديث ابن مسعود في قصة الخندق. ومن دخل مسجداً قد صُلي فيه، فـ"إن شاء أذّن وأقام، كما فعل أنس"، وإن شاء تركها، وهو قول الحسن والشعبي. وهل يصح أذان المميز للبالغين؟ على روايتين: إحداهما: "يصح"، وهو قول الشافعي وابن المنذر، لما روي عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس. والثانية: لا يصح، لأنه شرع للإعلام، وهو لا يقبل خبره. ولا يؤذن قبل الراتب، إلا أن يتأخر، كما أذن زياد حين غاب بلال؛ فأما مع حضوره فلا، لأن مؤذني النبي ﷺ لم يكن أحد يسبقهم بالأذان. قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل على غير وضوء، فيدخل المنزل ويدع المسجد: أرجو أن يكون موسعاً عليه. ولكن إذا أذن وهو متوضئ في وقت الصلاة، فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي، إلا أن يكون لحاجة. وروي عنه في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال في رواية الحربي،

стр. 95

فيمن يؤذن في بيته على سطح: معاذ الله، ما سمعنا أن أحداً يفعل هذا؛ فحمل الأول على القريب من المسجد والثاني على البعيد. و"يستحب اتخاذ المساجد في الدور وتطييبها وتنظيفها"، لحديث عائشة. و"يستحب تخليقه"، لحديث أنس في النخامة، و"تسريحه"، لحديث ميمونة في بيت المقدس. "ويباح النوم فيه لفعل ابن عمر، ويباح للمريض، لقصة سعد بن معاذ، ودخول البعير لطوافه ﷺ عليه". ولا بأس بالاجتماع فيه والأكل والاستلقاء، لحديث أبي واقد، وفيه: "فأما أحدهما فرأى فرجة ... " الحديث، ولحديث عبد الله بن زيد في الاستلقاء. ويجوز إنشاد الشعر واللعان فيه، لما روي في ذلك. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وإذا اتفق أهل بلد على تركهما، قاتلهم الإمام. وإذا قلنا: إنهما سنة، لم يقاتَلوا، وقيل: بلى؛ اختاره الشيخ. ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وقيل: يجوز مع الفقر لا مع الغنى، اختاره الشيخ، قال: وكذا كل قربة، ومال إلى عدم إجزاء أذان القاعد. ومن جمع بين صلاتين أو قضاء فوائت، أذن للأولى وأقام، ثم أقام لكل صلاة. وعنه: تجزئ الإقامة لكل صلاة من غير أذان، اختاره الشيخ. وقال: أما صحة أذان المميز في الجملة وكونه جائزاً إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، ومن الأصحاب من أطلق الخلاف، والأشبه أن الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي، قولاً واحداً، ولا يسقط الفرض ولا يعتمد في مواقيت الصلاة، وأما الذي هو سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك، فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه. اهـ.

стр. 96

ويستحب إجابة مؤذن ثان وثالث، اختاره الشيخ، وقال: محله إذا كان الأذان مشروعاً، وقال: يجيبه المصلي والمتخلي. قوله: "وابعثه المقام المحمود". ١ هكذا ورد في لفظ رواه النسائي وغيره، والصحيح التنكير. ورد ابن القيم الأول من خمسة أوجه. ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان ... إلخ. قال الشيخ: إلا أن يكون للفجر قبل الوقت، فلا يكره الخروج، نص عليه.

стр. 97

باب شروط الصلاة أولها: الوقت. والظهر هي الأولى، ووقتها: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال. وقال عطاء: لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة. وقال طاووس: وقت الظهر والعصر إلى الليل، وتعجيلها في غير الحر والغيم أفضل، بغير خلاف علمناه. ويستحب تأخيرها في شدة الحر. وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات؛ فأما من صلى في مسجد بفناء بيته، فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي. فأما الجمعة، فلم ينقل أنه ﷺ أخرها، بل كان يعجلها. ثم العصر، وهي الوسطى في قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وأول وقتها: من خروج وقت الظهر. وقال إسحاق: آخر وقت الظهر أول وقت العصر، يشتركان في قدر الصلاة. وحكى عن ابن المبارك لما في حديث ابن عباس: "وصلى في المرة الثانية الظهر لوقت العصر بالأمس". وآخره اختلفت الرواية فيه، فعنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهو قول مالك والشافعي، لقوله: "الوقت ما بين هذين". ١ وعنه: "ما لم تصفرّ الشمس"، لحديث ابن عمر. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها، وتعجيلها أفضل بكل حال. و"روي عن أبي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخرانها"، وبه قال أصحاب الرأي.

стр. 98

ثم المغرب، ولا خلاف في دخول وقتها بالغروب. وآخره: إذا غاب الشفق. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: ليس لها إلا وقت واحد، "لأن جبرائيل صلاها بالنبي ﷺ في اليومين لوقت واحد". ١ وعن عطاء: لا تفوت المغرب حتى النهار. ولنا: حديث بريدة وأبي موسى، رواهما مسلم وقال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق". ٢ رواه مسلم. وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشيء محتمل. وأحاديثهم محمولة على تأكيد فعلها في أول وقتها، ولو تعارضت وجب النسخ، لأنها في أول فرض الصلاة، وأحاديثنا بالمدينة. "والشفق: الحمرة"، هذا قول ابن عمر وابن عباس ومالك والشافعي. و"عن أنس ما يدل على أنه البياض"، اختاره ابن المنذر، لحديث ابن بشير أنه يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة. ولنا: قوله ﷺ : "وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق". ٣ رواه أبو داود. وروي: " ثور الشفق"، وفوره: فورانه، وثوره: ثوران حمرته. وما رووه ليس فيه أنه أول الوقت، ولا نعلم خلافاً في استحباب تعجيلها، إلا ما ذكرنا من اختلافهم في الغيم. ثم العشاء، ولا خلاف في دخول وقتها بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق. وآخره: ثلث الليل، لما في حديث جبرائيل وبريدة. وعنه: نصف الليل، وهو قول المبارك وإسحاق، لما في حديث ابن عمر، رواه مسلم، وفي المتفق عليه من حديث أنس: "أخر ﷺ العشاء إلى نصف الليل". ٤ ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر. وتأخيرها أفضل، ما لم يشق، اختاره أكثر أهل العلم. وحكي عن الشافعي: أن الأفضل تقديمها، لقوله: "الأول رضوان الله، والآخر عفو الله". وعن أم فروة، مرفوعاً: "سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال:

стр. 99

الصلاة لأول وقتها". ١ رواه أبو داود. ولنا: الأحاديث الصحيحة، وأحاديثهم ضعيفة. أما خبر أول الوقت فيرويه العمري وهو ضعيف، وحديث أم فروة، قال الترمذي: لا يُروى إلا من حديث العمري. ولو ثبت فهي عامة، وأحاديثنا خاصة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كم قدر تأخير العشاء؟ قال: يؤخرها بعد أن لا يشق على المأمومين. وقد ترك النبي ﷺ الأمر بتأخيرها، كراهة المشقة. وروي عنه: "من شق على أمتي، شق الله عليه". ولا يستحب تسميتها: "العتمة". "وكان ابن عمر إذا سمع من يقول: "العتمة"، صاح وغضب وقال: إنما هو العِشاء". ثم الفجر، وتعجيلها أفضل. وعنه: الاعتبار بحال المأمومي؛: فإن أسفروا فالإسفار أفضل، لفعله ﷺ في العشاء. وقال الثوري: الأفضل الإسفار، لقوله: "أسفروا بالفجر ... إلخ". ٢ ولنا: الأحاديث الصحيحة، والإسفار في حديثهم: أن ينكشف ضوء الصبح ويتبين، من قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته. ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت، فقد أدرك الصلاة، سواء أخرها لعذر كحائض، أو لغيره. وقال أصحاب الرأي فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة: تفسد، لأنه قد صار في وقت نهي. ولنا: المتفق عليه: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح". ٣ وإنما نهي عن النافلة بدليل ما قبل الطلوع. وهل يدرك بدون الركعة؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، وهو مذهب مالك، لظاهر الخبر. والثانية: يدرك بإدراك جزء منها، أي جزء، وهذا قول الشافعي، لقوله: "من أدرك سجدة ... إلخ". ومتى شك في الوقت، لم يصلّ حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه،

стр. 100

إلا صلاة العصر في الغيم، لحديث بريدة. قال شيخنا: معناه - والله أعلم -: إذا حل فعلها ليقين أو غلبة ظن، لأن وقتها المختار في الشتاء ضيق. وإذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت، فله تقليده، لقوله: "المؤذن مؤتمن". ١ ولم يزل الناس يجتمعون في مساجدهم، ويبنون على قول المؤذن، من غير نكير. ومن صلى قبل الوقت لم يجز، في قول أكثر أهل العلم. وعن ابن عباس: "في مسافر صلى الظهر قبل الزوال، يجزئه"، ونحوه قول الحسن والشعبي وعن مالك كقولنا. وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق، جاهلاً أو ناسياً: يعيد في الوقت. فإن ذهب الوقت قبل علْمه أو ذكره، فلا شيء عليه. وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة، لزمهم الصبح. وإن كان قبل غروب الشمس، لزمهم الظهر والعصر. و"إن كان قبل طلوع الفجر، لزمهم المغرب والعشاء؛ روي هذا في الحائض عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس". قال أحمد: عامة التابعين، إلا الحسن وحده قال: لا يجب إلا الصلاة التي تطهرت في وقتها وحدها، وهو قول أصحاب الرأي. وحكي عن مالك: إن أدركت قدر خمس ركعات من وقت الثانية، وجبت الأولى؛ والقدر الذي يتعلق به الوجوب: قدر تكبيرة الإحرام. وقال الشافعي: "قدر ركعة، لأنه الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس في الحائض". فإن أدرك من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدراً تجب به، ثم طرأ عليه العذر، ثم زال بعد خروج وقتهما، وجبت الأولى. وهل يجب قضاء الثانية؟ على روايتين. ومن فاتته صلوات، لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، قلّت أو كثرت. و"روي عن ابن عمر ما يدل على وجوب الترتيب"، ونحوه عن الزهري ومالك.

стр. 101

وقال الشافعي: لا يجب. ولنا: "أنه ﷺ فاتته أربع صلوات، فقضاهن مرتباً، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي". ١ ولأحمد حديث أبي جمعة: "أنه ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ أخبروه أنه لم يصل العصر، فأمر المؤذن، فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب". ٢ وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة، فإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، والوقت متسع، أتمها وقضى الفائتة، ثم أعاد الصلاة التي كان فيها؛ وهذا قول مالك والليث وإسحق في المأموم. وعن أحمد في المنفرد روايتان: إحداهما: يقطع الصلاة. والثانية: يتم، فإن حضرت جماعة في صلاة الحاضرة، فقال أحمد في رواية أبي داود، فيمن عليه صلوات فأدركته الظهر: يصلي مع الإمام الظهر، ويحسبها من الفوائت، ويصلي الظهر في آخر الوقت. وفيه رواية ثالثة، إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة: أنه يصلي الحاضرة في أول وقتها. وذكر ابن عقيل فيمن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة، روايتين. ويجب القضاء على الفور، وإن كثرت، ما لم يلحقه مشقة. ولا يصلي سننها، لأنه لم ينقل عنه ﷺ يوم الخندق. فإن كانت صلاة واحدة، فلا بأس بقضاء سنتها، "لأنه ﷺ لما فاتته صلاة الفجر، صلى سنتها قبلها". وقال مالك: يبدأ بالمكتوبة. والأول أولى لما ذكرنا من الحديث. ومن أسلم في دار الحرب فترك صلاة أو صياماً لا يعلم وجوبه، لزمه قضاؤه. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه. وإن صلى الحاضرة ناسياً للفائتة، ولم يذكرها حتى فرغ، فليس عليه إعادة. وقال مالك: يجب الترتيب مع النسيان، لحديث أبي جمعة. ولنا: قوله: "عُفي لأمتي الخطأ والنسيان". وحديث أبي جمعة فيه ابن لهيعة.

стр. 102

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وقال الشيخ: الأشهر عندنا: إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم، وإن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، يعني: تسمية العشاء العتمة. وقال: يعمل بقول المؤذن في دخول الوقت، مع إمكان العلم بدخول الوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، كما شهدت به النصوص. انتهى. ومن أدرك قدر تكبيرة ... إلخ، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء، اختاره الشيخ. واختار أنه لا تترتب الأحكام إلا أن يتضايق الوقت عن فعل الصلاة، ثم يوجد المانع، وذكر الخلاف فيما إذا طرأ مانع أو تكليف، هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة، واختار بركعة في التكليف. وقال ابن رجب في شرح البخاري: وقع في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين أنه لا يجزئ فعل الصلاة إذا تركها عمداً، منهم الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.

стр. 103

باب ستر العورة وعورة الرجل والأمة: ما بين السرة والركبة. وعنه: أنها الفرجان، قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط. وأما الأمة فعورتها: ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الشافعي. وقال الحسن في الأمة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه: يجب عليها الخمار. ولنا: "أن عمر نهى الإماء عن التقنع"، واشتهر فلم ينكر. وذكر أبو الخطاب رواية: أن عورتها: الفرجان، كما ذكر شيخنا في الكتاب المشروح. والحرة كلها عورة، إلا الوجه. وفي الكفين روايتان. أما وجه الحرة فإنه يجوز كشفه في الصلاة، بغير خلاف نعلمه. وعنه في الكفين: تكشفهما، وهو قول مالك والشافعي، لما روي عن ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ : ١ "الوجه والكفين". وعنه: أنهما من العورة، لقوله ﷺ : "المرأة عورة". ٢ صححه الترمذي. وقول ابن عباس وعائشة خالفه ابن مسعود فقال: "الثياب وما سوى الوجه والكفين، يجب ستره في الصلاة"، وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة، ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ، ٣ وحديث أم سلمة، وفيه: "نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها"، وما عدا ما ذكر، فعورة بالإجماع، لقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". ٤

стр. 104

ويستحب أن يصلي في ثوبين، لقول عمر: "إذا وسّع الله عليكم فوسّعوا، صلّى رجل في إزار ورداء ... إلخ". ولا يجزئ إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه، فلو كان القميص واسع الجيب، يرى عورته إذا ركع أو سجد، لم تصح، لقوله: "ازرره، ولو بشوكة". ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر، وأكثر أهل العلم على خلافه. ولنا: قوله ﷺ : "لا يصلّ الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء". ١ رواه مسلم. وقال القاضي وأبو الخطاب: يجب ستر المنكبين، لقوله: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه". ٢ صحيح. و"يستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة"، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة. قال أحمد: اتفق عامتهم على درع وخمار، وما زاد فهو خير وأستر. ويكره لها النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام. وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش، لم تبطل. وقال التميمي: إن بدت وقتاً واستترت وقتاً لم يعد، لحديث عمرو بن سلمة، فلم يشترط اليسير. ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً، صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة. وقال الشافعي: يصلي عرياناً، فإن عدم صلى جالساً يومئ إيماء، وإن صلى قائماً جاز. وعنه: يصلي قائماً ويسجد بالأرض، وقاله مالك والشافعي وابن المنذر، لقوله: "فإن لم تستطع فقاعداً". ٣ ويصلي العراة جماعة، وإمامهم وسطهم، وقال مالك: يصلون أفراداً، ويتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويقدمهم إمامهم. ويكره في الصلاة السدل، وهو أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد طرفيه

стр. 105

على الكتف الأخرى، لقول أبي هريرة: "إنه ﷺ نهى عن السدل في الصلاة". ١ رواه أبو داود. فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه بيديه، لم يكره. وروي عن جابر وابن عمر: "الرخصة في السدل". قال ابن المنذر: لا أعلم حديثاً يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد. ويكره اشتمال الصماء، وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره. وعنه: يكره، وإن كان عليه غيره. و"يكره تغطية الأنف، قياساً على الفم"، روي عن ابن عمر. وعنه: لا يكره لتخصيص النهي بالفم. ويكره لف الكم، لقوله: "ولا أكف شعراً ولا ثوباً". ٢ ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار، فأما ما لا يشبه فلا يكره. قال أحمد: لا بأس به، أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصلّ أحدكم إلا وهو محتزم". ٣؟ وسئل عن: الرجل يصلي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال: نعم، "فعل ذلك ابن عمر". ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان، لقوله: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة". ٤ وقيل: لا يحرم، لأن في آخر الخبر: "إلا رقماً في ثوب". متفق عليه. و"يكره التصليب في الثوب"، لحديث عائشة. وإن لبس الحرير لمرض أو حكة، أو في الحرب، أو لبسه الصبي، فعلى روايتين. و"لا بأس بلبس الخز"، روي عن عمران وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وغيرهم. ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر، "فأما الأحمر فقيل: يكره، وهو مذهب ابن عمر". والصحيح: لا بأس به، لقوله: "رأيت رسول الله ﷺ في حلة حمراء". ٥ وحديث رافع في إسناده مجهول، ويحتمل أنها معصفرة، ولو قدر التعارض، فأحاديثنا أصح.

стр. 106

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ولا يلزم سترها بالطين، قال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به. وقال: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة. وحكى جماعة أصحابنا أنها السوأتان فقط، وهذا غلط قبيح فاحش، خصوصاً وعلى الشريعة عموماً. قوله: إلا الوجه، قال الشيخ: التحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز. وفي الكفين روايتان: الثانية: ليسا بعورة، اختاره الشيخ. واختار أن القدمين ليسا بعورة. ولا يصح نفل آبق، قال الشيخ: بطلان فرضه قوي، ولو غير هيئة مسجد فكغصب. وإن منعه غيره أو زحمه وصلى مكانه، ففي الصحة وجهان، قال الشيخ: الأقوى البطلان. وقال الشيخ: يحرم لبس شهرة، وهو ما قصد به الارتفاع، أو إظهار التواضع، لكراهة السلف لذلك. وحرم أيضاً الإسراف في المباح. واختار جواز لبس الحرير للكافر. قال: وعلى قياسه: بيع آنية الذهب والفضة لهم، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها لهم، وعملها لهم بالأجرة، فإذا استوى وما نسج معه فعلى وجهين، قال الشيخ: الأشبه يحرم، لعموم الخبر. انتهى. وظاهر كلام المصنف: دخول الخز في الخلاف، والصحيح من المذهب: إباحة الخز، نص عليه. وفرّق أحمد بأنه لبس الصحابة، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء. وقال أبو بكر: يباح العلَم وإن كان مذهّبا، وهو رواية اختارها الشيخ. وقال: إطالة الذؤابة كثيراً من الإسبال. وقال: الأفضل مع القميص السراويل، من غير حاجة إلى الإزار والرداء.

стр. 107

باب اجتناب النجاسات ... باب اجتناب النجاسة الطهارة في بدن المصلي وثوبه شرط للصلاة، في قول أكثر أهل العلم. وروي عن ابن عباس: "ليس على ثوبٍ جنابة"، ونحوه عن أبي مجلز والنخعي. وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فيه قال: "اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثياب". ولنا: حديث القبرين، وحديث أسماء: "سئل عن ثوب الحائض إذا طهرت تصلي فيه؟ قال: تنظر، فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تره". ١ رواه أبو داود. فإن حمل صبياً، لم تبطل لحمله أمامة، لأن ما فيه من النجاسة، كالذي في جوف المصلي. وإنْ طيّن الأرض النجسة، أو بسط عليها شيئاً طاهراً، صحت صلاته مع الكراهة، وهو قول مالك والشافعي. ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، في قول عوام أهل العلم. وعن جابر: "أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض"، ونحوه عن مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأساً. ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أم لا، صحت. وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها، ففيه روايتان: إحداهما: "لا تفسد صلاته"، وهو قول ابن عمر وعطاء وابن المسيب وابن المنذر. والثانية: يعيد،

стр. 108

وهو قول الشافعي. وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت. ووجه الأولى: حديث النعلين؛ فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، أزالها، وإلا بطلت. ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل والمغصوب. وعنه: تصح مع التحريم. ومذهب الشافعي: الصحة، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً ... إلخ". ١ وأحاديث النهي خاصة تقدم على العموم. قال أحمد: تُصلى الجمعة في موضع الغصب، يعني: إذا كان الجامع مغصوباً وصلى الإمام فيه، فامتنع الناس، فاتتهم الجمعة، ومن امتنع فاتته. وقال بعض أصحابنا: "حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك"، لحديث ابن عمر، رواه ابن ماجة. والصحيح: جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً"، استثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة؛ فيبقى ما عداها على العموم. فأما أسطحتها، فالصحيح قصر النهي على ما تناوله النص. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ولو علم أنها كانت في الصلاة، لكن جهلها أو نسيها، فاختار الشيخ: لا يعيد. ولا يضر قبر ولا قبران، وقيل: يضر، اختاره الشيخ. وفي الهدي: لو وضع المسجد والقبر معاً، لم يجز ولم تصح الصلاة ولا الوقف. واختار الشيخ أن الصلاة لا تصح إلى المقبرة والحش. وعنه: يكره دخول بيعة وكنيسة مع الصور. وظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها، قال الشيخ: هي كالمسجد على القبر، قال: وليست ملكاً لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه.

стр. 109

باب استقبال القبلة الأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ أي: نحوه كما أنشدوا: ألا من مبلّغ عمراً رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو أي: نحوه، وتقول العرب: لا تشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم. ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل، وأما القصير فتباح فيه أيضاً، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: لا تباح إلا في الطويل، ولنا: قوله تعالى: ﴿ولله المشرف والمغرب﴾ الآية. ٢ قال ابن عمر: "نزلتْ في التطوع خاصة، حيث توجّه بك بعيرك". ولا تباح للماشي في حال مشيه، قال أحمد: ما أعلم أحداً قال في الماشي يصلي، إلا عطاء. وعنه: يصلي ماشياً فيفتتح الصلاة إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة سيره، وهذا مذهب الشافعي، ويركع ويسجد بالأرض. وإن أمكنه معاينة الكعبة، ففرضه الصلاة إلى عينها، لا نعلم فيه خلافاً. قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، يعني: فمن بعد، فإن انحرف قليلاً لم يعدّ. وقال الشافعي في أحد قوليه: فرضه إصابة العين.

стр. 110

باب النية لا تنعقد الصلاة إلا بها لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١. والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله الله تعالى وحده دون غيره، وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة؛ وهل يجب ذلك؟ على وجهين. ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام، فإن تقدمت بزمن يسير جاز. وقال الشافعي وابن المنذر: يشترط مقارنتها للتكبيرة، للآية المتقدمة، أي: مخلصين حال العبادة. وإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام، لم يصح في أصح الروايتين. وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي، لأنه ثبت في النفل بحديث ابن عباس، والأصل المساواة. ومما يقويه حديث جابر وجبار في الفرض. وإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر، جاز، لقصة معاذ. و"إذا سبق الإمام الحدثُ، فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة"، روي ذلك عن عمر وعلي، وهو قول الشافعي. فإن لم يستخلف وصلّوا وحداناً، جاز، لحديث معاوية. قال الزهري في إمام ينوبه الدم أو يرعف: ينصرف، وليقلْ: أتموا صلاتكم. فإن فعل ما يفسدها عامداً بطلت صلاتهم، وإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاتهم. وأما هو إذا سبقه الحدث فيستأنفها، لحديث
следующие страницы →