أن منافع الرهن تعطل مطلقاً. ولا يؤجره، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. وقالوا: إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجاً من الرهن. ولنا: أن تعطيله تضييع للمال. وقد نهي عن إضاعته. ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطء أَمته المرهونة، وإن أذن له المرتهن في بيع الرهن أو هبته أو نحو ذلك صح، وبطل الرهن، إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً، أو يعجل ديْنه من ثمنه.
ونماء الرهن وغلاته تكون رهناً، وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء. وقال الشافعي وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب، حتى قال الشافعي: لو رهنه ماشية مخاضاً فنتجت، فالنتاج لا يدخل في الرهن. وخالفه أبو ثور وابن المنذر، واحتجوا بقوله ﷺ : "الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه"، والنماء غنم فيكون للراهن. ولنا: أنه حكم ثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع. وأما الحديث فنقول به، وأن غنمه وكسبه ونماءه للراهن، لكن يتعلق به حق المرتهن، ومؤنته على الراهن. وقال أبو حنيفة: أجر المسكن والحافظ على المرتهن. ولنا: قوله: "الرهن من راهنه" الحديث، قال الدارقطني: إسناده جيد متصل، وإن كان الرهن نخلاً فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن. وكل زيادة تلزم الراهن فامتنع منها، أجبره الحاكم عليها، فإن لم يفعل اكترى الحاكم من ماله، وإن لم يكن له مال فمن الرهن؛ فإن بذلها المرتهن محتسباً بالرجوع، وقال الراهن: أنفقت متبرعاً، فقال: بل محتسباً، فالقول قول المرتهن، لأن الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وعليه اليمين، لأن ما قال الراهن محتمل.
стр. 527
(فصل) : "وهو أمانة في يد المرتهن، إن تلف بغير تعدّ منه فلا شيء عليه". روي عن علي، وبه قال عطاء والزهري والشافعي. وروي عن شريح والنخعي والحسن: أن الراهن يضمنه بجميع الديْن وإن كان أكثر من قيمته، لأنه روي عنه ﷺ أنه قال: "الرهن بما فيه". وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق لم يضمن، وإن ادعى تلفه بأمر خفي ضمن. وقال الثوري وأبو حنيفة: يضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الديْن، لما روى عطاء: "أن رجلاً رهن فرساً فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ذهب حقك". ولنا: ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غُنمه، وعليه غُرمه". ١ فأما حديث عطاء فمرسل، وقوله يخالفه، قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذاباً. والحديث الآخر إن صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: على أن من رهن شيئاً بمال فأدى بعضه، وأراد إخراج بعض الرهن، أن ذلك ليس له، حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه.
وإن رهن عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه. قال أحمد في رجلين رهنا داراً لهما عند رجل، فقضاه أحدهما: الدار رهن على ما بقي؛ وهذا محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن للضرر، لأن العين كلها تكون رهناً، لأنه إنما رهنه نصفها. وإن جعلا الرهن في يد عدل وادعى دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكر ولم يكن قضاه ببيّنة، ضمن. وعنه: لا يضمن إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل؛ وهكذا الحكم في الوكيل.
ولو تعدى المرتهن في الرهن ثم زال التعدي، أو سافر به ثم رده، لم يزل عنه الضمان لأن استئمانه زال بذلك.
وإذا
стр. 528
استقرض ذمي من مسلم مالاً ورهنه خمراً، لم يصح. فإن باعها الراهن أو نائبه الذمي وجاء المقرض بثمنها، لزمه قبوله، لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرت مجرى الصحة. قال عمر في أهل الذمة معهم الخمر: "ولّوهم بيعها، وخذوا أثمانها". وإن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح. فإن عزله صح عزله، وقال مالك: لا ينعزل، لأن وكالته صارت من حقوق الرهن. قال ابن أبي موسى: ويتوجه لنا مثل ذلك، فإن أحمد قد منع الحيلة في غير موضع، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن. فإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول، أو إن جاءه بحقه في محله وإلا فالرهن له، لم يصح الشرط، وفي صحة الرهن روايتان.
وعن أحمد: إذا شرط في الرهن أنه ينتفع به المرتهن أنه يجوز في البيع، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض.
وهل يفسد الرهن بالشروط الفاسدة، نصر أبو الخطاب صحته، لأنه ﷺ قال: "لا يغلق الرهن"، ١ ولم يحكم بفساده. قال أحمد: معناه لا يدفع رهناً إلى رجل يقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا، وإلا فالرهن لك.
قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: "لا يغلق الرهن" عند مالك والثوري وأحمد، وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر: "أن رجلاً رهن داراً بالمدينة إلى أجل مسمى، فمضى الأجل فقال الذي ارتهن: منزلي، فقال النبي ﷺ : لا يغلق الرهن". ٢ وإذا قال: رهنتك عبدي هذا على أن تزيدني في الأجل، كان باطلاً، لأنه يضاهي ربا الجاهلية.
وإذا كان له على رجل ألف، فقال: أقرضني ألفاً بشرط أن أرهنك عبدي هذا بألفين، فنقل حنبل عن أحمد:
стр. 529
أن القرض باطل، لأنه قرض يجر منفعة. ونقل مهنا: أن القرض صحيح، ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط، كي لا يفضي إلى جر منفعة بالقرض، أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده.
وحكي عن مالك وأبي ثور: أنه يصح الرهن المجهول، ويلزمه أن يدفع إليه رهناً بقدر الديْن، قال أحمد: حبس المبيع ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهناً، إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع.
(فصل) : وإذا كان الرهن محلوباً أو مركوباً، فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته، متحرياً للعدل في ذلك، نص عليه. وعنه رواية أخرى: لا يحتسب، وهو متطوع، ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لقوله: "الرهن من راهنه، له غُنمه، وعليه غُرمه". ولنا: ما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، ١ فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع.
فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع، قلنا: لا يصح لأن في بعض الألفاظ: " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب"، ٢ فجعل المنفق المرتهن، ولأن قوله: "بنفقته" يشير إلى أن الانتفاع عوض عن النفقة، والراهن إنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة، ولأن النفقة واجبة وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن، كما يجوز للمرأة أخذ مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه. والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن فيه حق ولاية صرفه إلى نفقته لثبوت يده عليه. وأما غير المحلوب والمركوب كالعبد
стр. 530
والأمة، فليس للمرتهن أن ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته، نص عليه. قال: الراهن لا ينتفع منه بشيء، إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف. قيل له: فإن كان الركوب واللبن أكثر؟ قال: لا، إلا بقدر. ونقل حنبل أن له استخدام العبد أيضاً، وبه قال أبو ثور. إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه، قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة، والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس.
وما لا يحتاج إلى مؤنة، كالدار والمتاع، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن، لا نعلم فيه خلافاً. فإن أذن الراهن في الانتفاع بغير عوض وكان الديْن من قرض، لم يجز لأنه جر منفعة.
قال أحمد: أكره قرض الدور، وهو الربا المحض، يعني: إذا كانت الدار في قرض رهناً ينتفع بها المرتهن، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له جاز؛ روي عن الحسن وابن سيرين، وهو قول إسحاق. وإن كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار بأجرة مثلها من غير محاباة، جاز في القرض وغيره، وإن حاباه فهو كالانتفاع بغير عوض.
ومتى استأجرها أو استعارها المرتهن، فظاهر كلام أحمد: أنها تخرج عن كونها رهناً، فمتى انقضت الإجارة والعارية عاد الرهن بحاله. قال في رواية ابن منصور: إذا ارتهن داراً ثم أكراها لصاحبها، خرجت من الرهن. فإذا رجعت إليه عادت رهناً.
ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضموناً، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه. وإن أنفق عليه بغير إذن الراهن مع إمكانه، فهو متبرع. وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم، فعلى روايتين، وقال شيخنا فيما إذا أنفق بغير
стр. 531
إذن الراهن بنية الرجوع مع إمكانه: أنه يخرج على روايتين بناء على ما إذا قضى ديْنه بغير إذنه، وهذا أقيس، إذ لا يعتبر في قضاء الديْن العجز عن استئذان الغريم.
وإن انهدمت الدار فعمرها بغير إذن الراهن، لم يرجع به، رواية واحدة. وليس له أن ينتفع بها بقدر عمارتها، لأنها غير واجبة على الراهن، فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه.
وإذا جنى العبد المرهون على إنسان أو على ماله، تعلقت الجناية برقبته، وقدمت على حق المرتهن، بغير خلاف علمناه. فإن لم يستغرق الأرش قيمته بيع منه بقدره، وباقيه رهن. وقيل: يباع جميعه، ويكون باقي ثمنه رهناً، لأن التشقيص عيب ينقص به الثمن، وقد قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". ١ ولا يحل للمرتهن وطء الجارية المرهونة إجماعاً، ويجب عليه الحد والمهر، وولده رقيق. وقال الشافعي: لا يجب المهر مع المطاوعة، "لأنه ﷺ نهى عن مهر البغي". ولنا: أن المهر يجب للسيد، والحديث مخصوص بالمكرهة على البغاء، فإن الله تعالى سماها بذلك مع كونها مكرهة، فقال تعالى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ . ٢ وإن وطئها بإذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك، فلا حد ولا مهر وولده حر. قال عبد الله: سألت أبي: عن رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها، ولا من رهن عنده؟ قال: إذا أيست من معرفتهم ومعرفة ورثتهم، فأرى أن تباع ويتصدق بثمنها.، فإن عرف بعد أربابها خيّرهم بين الأجر أو يغرم لهم؛ هذا الذي أذهب إليه.
وقال أبو الحارث عن أحمد في الرهن يكون عنده السنين
стр. 532
الكثيرة يئس من صاحبه: يبيعه ويتصدق بالفضل. فظاهره أنه يستوفي حقه. ونقل أبو طالب: لا يستوفي حقه من ثمنه، ولكن إن جاء صاحبه بعد وطلبه، أعطاه إياه وطلب منه حقه. وأما إن رفع أمره إلى الحاكم فباعه، ووفاه حقه منه، جاز.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو أقرض غريمه ليرهنه على ما لَه عليه وعلى القرض، ففي صحته روايتان. وأما المكيل والموزون وما يلحق بهما قبل قبضه، فاختار الشيخ جواز رهنه. وجوز أحمد القراءة للمرتهن يعني: في المصحف، وعنه: يكره. نقل عبد الله: لا يعجبني بلا إذنه، ويلزم ربه بذله لحاجة. وقيل: يلزمه مطلقاً.
ولا يجوز رهن العبد المسلم لكافر. والوجه الثاني: يصح إذا شرطه في يد عدل مسلم، اختاره الشيخ. وقال: يجوز أن يرهن الإنسان مال نفسه على ديْن غيره كما يجوز أن يضمنه وأوْلى، وهو نظير إعارته للرهن. انتهى. وقيل: لا يصح عتق الموسر أيضاً، قال في الفائق: اختاره شيخنا.
قوله: فإن أذن له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد ... إلخ، وقيل: يبيع بما رأى أنه أحظّ، اختاره القاضي، قلت: وهو الصواب. وإذا اختلفا في قدر الديْن فالقول قول الراهن، وقال الشيخ: القول قول المرتهن ما لم يدَّع أكثر من قيمة الرهن.
قوله: وإن انهدمت الدار فعمرها، لم يرجع ... إلخ، فعلى هذا، لا يرجع إلا بأعيان آلته. وجزم القاضي في الخلاف الكبير: أنه يرجع بجميع ما عمر في الدار، لأنه من مصلحة الرهن. وقال الشيخ فيمن عمر وقفاً بالمعروف ليأخذ عوضه فيأخذه من مغلّه.
стр. 533
كتاب الحجر
وهو على ضربين: حجر على الإنسان لحظ نفسه، وحجر لحق غيره، كالمريض والراهن والمفلس، وهو المذكور هنا. ومن لزمه ديْن مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله؛ فإن كان بعضه حالاً وماله يفي بالحال لم يحجر عليه أيضاً. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ظهرت أمارات الفلس، ككون ماله بإزاء ديْنه، ولا نفقة له إلا من ماله، حجر عليه. فإن أراد سفراً يحل الديْن قبل مدته، فلغريمه منعه، إلا أن يوثقه برهن أو كفيل. فإن كان لا يحل قبله، ففي منعه روايتان. فإن كان إلى الجهاد، فله منعه إلا بضمين أو رهن، لأنه يتعرض فيه لذهاب نفسه. وقال الشافعي: ليس له منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل، إذا كان مؤجلاً، سواء كان يحل قبل محل سفره أو لاَ، إلى الجهاد أو غيره. ولنا: أنه سفر يمنع استيفاء الدين في محله، فملك منعه إذا لم يوثقه. وإن كان حالاً وله ما يفي به، لم يحجر عليه لعدم الحاجة، ويأمره الحاكم بالوفاء؛ فإن أبى حبسه، لقوله: "ليُّ الواجد ظلم يُحلّ عِرضه وعقوبته". ١ رواه أحمد. فإن أصر باعه الحاكم وقضى ديْنه، وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: ليس له بيع ماله، لكن يجبره على البيع وإلا حبسه ليبيع، إلا أن يكون عليه أحد النقدين وماله من الآخر، فيدفع أحدهما عن الآخر. ولنا: "أنه ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله في ديْنه". رواه الخلال. وعن عمر أنه خطب فقال: "إن
стр. 534
أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فأدان معرضاً، فأصبح وقد رين به. فمن كان عليه مال فليحضر غداً، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه". وإن ادعى الإعسار، وكان ديْنه عن عوض كالبيع والقرض أو عرف له مال سابق، حبسه إلى أن يقيم البينة على نفاد ماله أو إعساره، وهل يحلف معها؟ على وجهين. وإن لم يكن كذلك حلف وخلي سبيله. قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الديْن. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس، وبه قال الليث. وحكي عن مالك: لا تسمع البينة على الإعسار، لأنها شهادة على النفي. ولنا: حديث قبيصة، وفيه: "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة". ١ وتسمع البينة في الحال، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يحبس شهراً، وقيل: ثلاثة أشهر، وروي أربعة، حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره. فإن قال الغريم: أحلفوه لي مع بينته أنه لا مال له، لم يستحلف. وفيه وجه آخر: أنه يستحلف، لأنه يحتمل أن يكون له مال خفي. فإن كان الحق ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه، كأرش جناية، ومهر، وضمان، ولم يعرف له مال، حلف وخلي سبيله؛ وهذا قول الشافعي وابن المنذر، فإنه قال: العقوبة حبس، ولم نعلم له ذنباً، والأصل عدم ماله. ومتى ثبت إعساره عند الحاكم، لم يجز مطالبته، ولا ملازمته. وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته من غير أن يمنعوه من الكسب، لقوله: لصاحب الحق اليد واللسان. ولنا: أن من ليس لصاحب الحق مطالبته، لم تكن له ملازمته،
стр. 535
وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ . ١ والحديث فيه مقالة، قاله ابن المنذر. ثم يحمل على الموسر بدليل ما ذكرنا. وفي حديث الذي أصيب في ثماره: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك ". ٢ رواه مسلم. وإن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمه إجابتهم. ويستحب إظهار الحجر عليه والإشهاد عليه، لتجتنب معاملته.
(فصل) : ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:
أحدها: تعلق حق الغرماء بماله، فلا يصح تصرفه فيه، ولا يقبل إقراره عليه إلا العتق، على إحدى الروايتين. فإن أقر بدين تبع به بعد فك الحجر عنه، وهو قول مالك والشافعي في قول. وقال في آخر: يشاركهم، اختاره ابن المنذر، والأخرى: لا ينفذ عتقه، وبه قال مالك والشافعي، وهو أصح، إن شاء الله. فإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار أو ضمان صح، ويتبع به بعد فك الحجر عنه. وإن جنى شارك المجني عليه الغرماء. وإن جنى عبده قدم المجني عليه بثمنه.
الثاني: "أن من وجد عنده عيناً باعه إياها، فهو أحق بها بشرط كون المفلس حياً ولم ينقد من ثمنها شيئاً، والسلعة قائمة بحالها لم يتلف بعضها، ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها"؛ روي ذلك عن عثمان وعلي؛ وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر. وقال الحسن وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء، ولنا: قوله: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به". ٣ متفق عليه. فإن بذل
стр. 536
الغرماء الثمن لم يلزمه قبوله. وقال مالك: لا رجوع له. ولنا: الخبر الذي روينا. فإن اشترى المفلس من إنسان في ذمته وتعذر الاستيفاء، لم يكن له الفسخ، سواء علم أو لم يعلم، لأنه لا يستحق المطالبة بثمنها، فلا يستحق الفسخ لتعذره. وقيل: له الخيار لعموم الخبر. وفيه وجه ثالث: أنه إن كان عالماً بفلسه فلا فسخ، وإلا فله. ومن استأجر أرضاً للزرع فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر الفسخ. وإن كان بعدها فهو غريم. وإن كان بعد مضي بعضها، لم يملك الفسخ. ولو اكترى من يحمل له متاعاً إلى بلد ثم أفلس المكتري قبل حمل شيء، فللمكري الفسخ. وإن حمل البعض أو بعض المسافة، لم يكن له الفسخ، في قياس المذهب.
فإن أقرض رجلاً مالاً ثم أفلس المقترض وعين ماله قائمة، فله الرجوع فيها، للخبر. وإنما يستحق الرجوع بشروط خمسة:
(أحدها) : أن يكون المفلس حياً، فإن مات فهو أسوة الغرماء. وقال الشافعي: له الرجوع، لما روى أبو داود عن أبي هريرة، مرفوعاً: "أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". ١ ولنا: ما روى أبو داود في حديث أبي هريرة: "فإن مات، فصاحب المتاع أسوة الغرماء". ٢ وحديثهم مجهول الإسناد، قاله ابن المنذر. وقال ابن عبد البر: يرويه أبو المعتمر عن الزرقي، ثم هو غير معمول به إجماعاً، فإنه جعل المتاع لصاحبه لمجرد موت المشتري، من غير شرط آخر.
стр. 537
(الثاني) : ألا يكون البائع قبض شيئاً وإلا سقط الرجوع، وبه قال إسحاق والشافعي في القديم. وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن. وقال مالك: إن شاء رد ما قبض ورجع في العين، وإن شاء حاصَّ الغرماء. ولنا: في حديث أبي هريرة: "أيما رجل أفلس، فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئاً، فهو له". ١ رواه أحمد، ولفظ أبي داود "وإن كان قبض من ثمنها شيئاً، فهو أسوة الغرماء". ٢ فإن قيل: يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن مرسلاً، قلنا رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري عن أبي هريرة، كذلك أخرجه أبو داود.
(الثالث) : أن تكون باقية لم يتلف منها شيء، وبه قال إسحاق. وقال مالك والشافعي: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف. ولنا: قوله: "من أدرك متاعه بعينه"، وهذا لم يجده بعينه. وإن كان المبيع عيناً كثوبين، ففي جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان. وإن تغيرت بما يزيل اسمها، كطحن الحنطة ونسج الغزل وتقطيع الثوب قميصاً، سقط الرجوع. وقال الشافعي: فيه قولان: أحدهما: به أقول: يأخذ عن ماله، ويعطي قيمة عمل المفلس.
(الرابع) : أن لا يتعلق بها حق الغير، فإن رهنها لم يملك الرجوع، لقوله: "عند رجل قد أفلس"، وهذا لم يجده عنده، وهذا لا نعلم فيه خلافاً.
(الخامس) : أن لا يكون زاد زيادة متصلة كالسمن، وعنه: لا تمنع، وهو مذهب مالك، لأنه يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به. فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال، فلا تمنع الرجوع والزيادة للمفلس. وعنه:
стр. 538
للبائع. وقوله: "الخراج بالضمان" ١ يدل على أن النماء والغلة للمشتري. وإن اشترى زيتاً فخلطه بزيت آخر، سقط الرجوع، وقال مالك: يأخذ أرشه. وقال الشافعي: إن خلطه بمثله أو دونه، لم يسقط الرجوع، ويأخذ متاعه بالكيل أو الوزن. وإن خلطه بأجود منه، ففيه قولان: أحدهما: يسقط حقه، وبه أقول. انتهى. ولنا: أنه لم يجد عين ماله، وإنما يأخذ عوضه كالثمن. وإن قصر الثوب، فإن لم تزد قيمته فللبائع الرجوع. وإن زادت فلا رجوع. وقال القاضي: له الرجوع، لأنه متاعه بعينه. فعلى قولهم، إن كانت القصارة بعمل المفلس أو بأجرة وفاها، فهما شريكان فيه. فإذا كان قيمته خمسة فساوى ستة، فللمفلس سدسه. فإن اختار البائع دفع قيمة الزيادة إلى المفلس، لزمه قبولها، لأنه يتخلص من ضرر الشركة من غير مضرة. وإن لم يختر البيع، أخذ كل واحد بقدر حقه. وإن كان العمل من صانع لم يستوف أجره، فله حبس الثوب على استيفاء أجره. فإن كانت الزيادة بقدر الأجر دفعت إليه. وإن كانت أقل فله حبس الثوب على استيفاء قدر الزيادة، ويضرب مع الغرماء بما بقي. وإن كانت أكثر فله قدر أجره، وما فضل للغرماء. فإن اشترى أمة حائلاً، فحملت ثم أفلس، فزادت قيمتها بالحمل، فهي زيادة متصلة تمنع الرجوع، على قول الخرقي، ولا تمنعه، على رواية الميموني. وإن أفلس بعد الوضع، فهي منفصلة، فتكون للمفلس، ويمتنع الرجوع في الأم لما فيه من التفريق بينهما. ويحتمل أن يرجع في الأم على ما ذكرنا في التي قبلها، ويدفع قيمة الولد. وعلى قول أبي بكر: الزيادة للبائع، فيكون له الرجوع.
(فصل) : فإن كان المبيع شجراً، لم يخل من أربعة أحوال:
стр. 539
(أحدها) : أن يفلس وهي بحالها، فله الرجوع.
(الثاني) : أن يكون فيها ثمر ظاهر فيشترطه المشتري فيأكله أو يتصرف فيه، أو يذهب بجائحة ثم يفلس، فهل للبائع الرجوع في الأصول، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؟ على روايتين. وتلف بعضها كجميعها. وإن زادت فهي متصلة في أحد العينين، قد ذكرنا حكمها.
(الثالث) : أن يبيعه شجراً فيه ثمرة لم تظهر، فإن أفلس بعد تلف الثمرة أو بعضها، فحكمه كتلف بعض المبيع وزيادته المتصلة؛ ولهذا دخل في مطلق البيع، بخلاف التي قبلها.
(الرابع) : باعه شجرة حائلاً فأثمرت، فإن أفلس قبل التأبير، فالطلع زيادة متصلة تمنع الرجوع؛ ويحتمل أن يرجع في النخل دون الطلع. وعلى رواية الميموني: يرجع والطلع للبائع. والقول الثاني: يرجع في الأصل دون الطلع. وإن أفلس بعد التأبير، فلا يمنع الرجوع، والطلع للمشتري، إلا على قول أبي بكر. ولو باعه أرضاً فارغة فزرعها المشتري، رجع في الأصل دون الزرع، قولاً واحداً. وإن أفلس والطلع غير مؤبر، فلم يرجع حتى أبر، لم يكن له الرجوع، لأن العين لا تنتقل إلا باختياره، ولم يختر إلا بعد التأبير. وإن أفلس بعد أخذ الثمرة أو ذهابها بجائحة، فله الرجوع في الأصل، والثمرة للمشتري، إلا على قول أبي بكر. وكل موضع لا يتبع الثمر الشجر إذا رجع البائع فيه، فليس له المطالبة بقطعه قبل أوان الجذاذ؛ وكذلك إذا رجع في الأرض المزروعة، لأنه زرع بحق، وليس عليه أجرة، لأنه يجب تبقيته، وكأنه استوفى منفعة الأرض فلم يكن عليه ضمان. فإن اتفق المفلس والغرماء على التبقية
стр. 540
أو القطع فلهم ذلك؛ وإن اختلفوا وطلب بعضهم القطع وكانت قيمته يسيرة، لم يقطع لأنه إضاعة مال، وقد نهي عنه. وإن كانت قيمته كثيرة، قدم قول من طلب القطع، لأنه إن كان المفلس فهو يطلب براءة ذمته، وإن كان الغرماء فهم يطلبون تعجيل حقوقهم. وقيل: ينظر ما فيه الحظ فيعمل به، لأنه أنفع للجميع. فإن أقر الغرماء بالطلع للبائع، أو شهدوا به فردت شهادتهم، حلف المفلس وثبت الطلع له دونهم، لأنهم أقروا أنه لا حق لهم فيه. فإن أراد دفعه إلى أحدهم أو تخصيصه بثمنه، فله ذلك لإقرارهم. فإن امتنع الغريم من قبوله، أُجبر عليه أو على الإبراء من قدره من ديْنه. وإن أراد قسمه عليهم، لزمهم قبوله أو الإبراء. فإن قبضوا الثمرة لزمهم ردها إلى البائع؛ فإن باعها وقسم ثمنها فيهم أو دفعه إلى بعضهم، لم يلزمهم رده، لأنهم اعترفوا بالعين لا بثمنها. وإن عرض عليهم الثمرة بعينها، لم يلزمهم أخذها، إلا أن يكون فيهم من له من جنسها، فيلزمه أخذها، لأنه بصفة حقه. فإن صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير، وكذبه الغرماء، لم يقبل إقراره وعليهم اليمين أنهم لا يعلمون رجوعه قبله، لأن اليمين في حقهم ابتداء، بخلاف ما لو ادعى حقاً وأقام شاهداً لم يكن لهم أن يحلفوا مع الشاهد، فلا يحلفون لإثبات حق غيرهم.
وإن غرس الأرض أو بنى فيها، فله الرجوع ودفع قيمة ما فيها، إلا أن يختار المفلس والغرماء القلع ومشاركته بالنقص. فإذا قلعوه، فله الرجوع في أرضه. ويحتمل أن لا يستحق الرجوع إلا بعد القلع، لأنه أدرك متاعه مشغولاً. فإن قلنا: له حق الرجوع قبله، لزمهم تسويتها وأرش النقص، كما لو دخل فيلاً دار إنسان فكبرُ، فأراد صاحبه إخراجه فلم يمكن إلا بهدم فيهدم،
стр. 541
ويضمن صاحبه النقص، بخلاف النقص في ملك المفلس. وإن قلنا: ليس له الرجوع قبل القلع، لم يلزمهم تسوية الحفر ولا أرش النقص. فإن امتنعوا من القلع لم يجبروا، لأنه غرس بحق. ومفهوم: "ليس لعرق ظالم حق" ١ أنه إذا لم يكن ظالماً فله حق. فإن بذل البائع قيمة الغرس والبناء ليملكه، أو قال اقلع وأضمن النقص، فله ذلك إن قلنا: له الرجوع قبل القلع، كالشفيع إذا أخذ الأرض وفيها غراس. وإن قلنا: ليس له الرجوع قبل القلع، لم يكن له ذلك، لأنه بناء المفلس وغرسه، فلم يجبر على بيعه وقلعه، كما لو لم يرجع في الأرض. وإذا أفلس وفي يده عين ديْن بائعها مؤجل، وقلنا: لا يحل الديْن بالفلس، فقال أحمد: يكون موقوفاً إلى أن يحل ديْنه، فيختار البائع الفسخ أو الترك. وقال الشافعي: تباع في الديون الحالّة، والأول أولى للخبر.
(فصل) :
(الحكم الثالث) : بيع الحاكم ما له وقسم ثمنه، لما ذكرنا من حديث معاذ. ويستحب إحضار المفلس والغرماء، لأنه أطيب لقلوبهم، ويأمرهم أن يقيموا منادياً ينادي على المتاع. فإن تراضوا ثقة أمضاه، وإلا رده. فإن قيل: لم يرده، وقد اتفقوا عليه، فأشبه اتفاق الراهن والمرتهن على أن يبيع غير ثقة، قلنا: الحاكم هنا له نظر، لأنه قد يظهر غريم آخر. ولا تباع داره التي لا غنى له عنها، وبه قال إسحاق. وقال مالك: تباع ويكتري له بدلها، اختاره ابن المنذر، لقوله: "خذوا ما وجدتم"، وينفق عليه بالمعروف من ماله إلى أن يقسم، إلا إن كان ذا كسب، كقوله: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول". ٢ وممن أوجب الإنفاق عليه وزوجته وأولاده: مالك والشافعي، ولا نعلم فيه
стр. 542
خلافاً. وتجب كسوتهم، قال أحمد: يترك له قدر ما يقوم به معاشه، ويباع الباقي. وهذا في حق الشيخ الكبير وذوي الهيئات الذين لا يمكنهم التصرف بأبدانهم. ومن استأجر داراً وبعيراً أو غيرهما ثم أفلس المؤجر، فالمستأجر أحق بالعين حتى يستوفي حقه، لا نعلم فيه خلافاً. ومن مات وعليه دين مؤجل، لم يحل إذا وثق الورثة، وعنه: يحل. وهل يمنع الديْن انتقال التركة إلى الورثة؟ على روايتين: إحداهما: لا يمنع، للخبر: " من ترك مالاً، فلورثته". ١ والثانية: يمنع، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . ٢ وهل يجبر على إيجار نفسه لوفاء دينه؟ على روايتين: إحداهما: لا يجبر، لقوله: "وليس لكم إلا ذلك". والثانية: يجبر، وهو قول عمر بن عبد العزيز، "لأنه ﷺ باع سرقاً في ديْنه". رواه الدارقطني من رواية خالد بن مسلم الزنجي، وفيه كلام. والحر لا يباع، ثبت أنه باع منافعه. ومتى فك الحجر عنه، فلزمته ديون وظهر له مال فحجر عليه، شاركهم غرماء الحجر الأول. وقال مالك: لا يدخلون حتى يستوفي الذين تجددت حقوقهم، إلا أن يكون له فائدة من ميراث، أو يجنى عليه جناية.
(الحكم الرابع) : انقطاع المطالبة عن المفلس، فمن أقرضه أو باعه شيئاً، لم يملك مطالبته حتى يفك الحجر عنه.
(فصل) : الضرب الثاني المحجور عليه لحظّه، وهو الصبي والمجنون والسفيه.
стр. 543
والأصل فيه قوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية. ١ قال سعيد وعكرمة: هو مال اليتيم، لا تؤته إياه وأنفق عليه. فلا يصح تصرفهم قبل الإذن. ومن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقياً. فإن أتلفه واحد منهم فمن ضمان مالكه، لأنه سلطه عليه برضاه، علِم بالحجر أو لم يعلم. فإن حصل في يده برضى صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية، فاختار القاضي أنه يلزم الضمان إن أتلفه أو تلف بتفريطه؛ ويحتمل أن لا يضمن. وأما ما أخذه بغير اختيار المالك كالغصب والجناية فعليه ضمانه، وكذلك الحكم في الصبي والمجنون. ومذهب الشافعي على ما ذكرنا. فإن أودع عند الصبي والمجنون أو أعارهما، فلا ضمان عليهما فيما تلف، وإن أتلفاه فوجهان، نذكرهما في الوديعة. وإذا عقل المجنون انفك الحجر بلا حكم حاكم، بغير خلاف، وكذا الصبي إذا رشد وبلغ؛ وقال مالك: لا يزول إلا بحكم حاكم لأنه موضع اجتهاد. ولنا: قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ٢.
فالحجر ثلاثة أقسام: قسم يزول بغير حاكم وهو الجنون، وقسم لا يزول إلا بحكمه وهو الحجر للسفه، وقسم فيه الخلاف وهو الحجر للصغر، ولا يدفع إليه ماله قبل الرشد ولو صار شيخاً. قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيراً كان أو كبيراً؛ وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة فكّ عنه الحجر ودفع إليه ماله، لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . ٣ ولنا: قوله:
стр. 544
﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ، ٢ علق الدفع على شرطين: بلوغ النكاح والإيناس، وقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ ، ٣ فأثبت الولاية على السفيه. والآية التي احتج بها، إنما تدل بدليل خطابها وهو لا يقول به؛ ثم هي مخصوصة فيما قبل الخمس والعشرين بالإجماع، لعلة السفه، وهو موجود بعدها. كما خصصت في حق المجنون، وما ذكرنا من المنطوق أولى. إذا ثبت هذا، فإنه لا يصح تصرفه ولا إقراره. وقال أبو حنيفة: يصح بيعه وإقراره، لأن البالغ عنده لا يحجر عليه، وإنما لم يسلم إليه ماله، للآية. ولنا: أنه لا يُدفع إليه ماله لعدم رشده، فلم يصح تصرفه وإقراره، ولأنه إذا نفذ تلف ماله.
ويثبت بلوغ ذكر وأنثى بخروج المني الدافق يقظة أو مناماً، بجماع أو احتلام أو غير ذلك، لا نعلم فيه خلافاً، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الآية، ٤ وقوله: "رُفع القلم عن ثلاثة ... إلخ". ٥
الثاني: بلوغ خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وقال داود: لا حد للبلوغ من السنين، للحديث المتقدم، وهو قول مالك. وقال أصحابه: تسع عشرة أو ثماني عشرة. ولنا: حديث ابن عمر. ولما سمعه عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله: أن لا يعرضوا إلا لمن بلغ خمس عشرة سنة.
الثالث: إنبات الشعر الخشن، وبه قال مالك والشافعي في قول. وفي الآخر: هو بلوغ في حق المشركين. وقال أبو حنيفة: لا اعتبار به. ولنا: حديث حكم سعد في بني قريظة.
стр. 545
والحيض بلوغ في حق الجارية، لا نعلم فيه خلافاً، لقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، ١ وكذلك الحمل يحصل به البلوغ، لأن الولد من مائهما.
والرشد: الصلاح في المال، في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي وابن المنذر: الرشد الصلاح في الدين والمال. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ الآية، ٢ قال ابن عباس: "صلاحاً في أموالهم". وقولهم: الفاسق غير رشيد، قلنا: غير رشيد في دينه، رشيد في ماله. ولا يدفع إليه ماله حتى يُختبر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ . ٣ وعنه: لا يُدفع إلى الجارية مالها حتى تتزوج وتلد، أو تقيم في بيت الزوج سنة، لقول شريح: "عهد إليَّ عمر ألا أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولاً أو تلد". ولنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية، ٤وحديث عمر إن صح، فهو مختص بمنع العطية. ووقت الاختبار قبل البلوغ في إحدى الروايتين، لأنه سماهم يتامى، ولأنه مد اختبارهم إلى البلوغ. ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إلا للأب، ثم وصيه، ثم الحاكم. وقال الشافعي: يقوم الجد مقام الأب في الولاية. وليس لوليهما التصرف في مالهما إلا على وجه الحظ لهما، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥.
стр. 546
ولا يجوز أن يشتري من مالهما شيئاً لنفسه ولا يبيعهما إلا الأب، وبه قال مالك والشافعي، وزاد الجد. وله السفر بمالهما للتجارة والمضاربة به، ولا نعلم أحداً كرهه إلا الحسن. وأجاز إسحاق أن يأخذه الولي مضاربة لنفسه، وبه قال أبو حنيفة؛ والصحيح: أن الربح كله لليتيم، لأنه لا يجوز أن يعقد مع نفسه. فأما إن دفعه إلى غيره، فللمضارب ما جعل له الولي. وإذا لم يكن في قرض ماله حظ له لم يجز. قيل لأحمد: "ابن عمر اقترض"، قال أحمد: إنما اقترض نظراً لليتيم، إن أصابه شيء غرمه. وإن أودعه جاز ولا ضمان عليه، وهل له أن يستنيب فيما يتولى مثله؟ على روايتين. وله شراء الأضحية لليتيم الموسر، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا يجوز. وإن كان خلط ماله أرفق به فهو أولى، وإن كان إفراده أرفق به أفرده، لقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية. ١ قال أحمد: إنما يجوز له بيع دور على الصغار إذا كان أحظ لهم، وهذا يقتضي الإباحة في كل موضع يكون أحظ؛ وهذا الصحيح إن شاء الله.
ومن فك عنه الحجر فعاود السفه أعيد الحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يعاد الحجر على بالغ عاقل، روي عن النخعي؛ ولا ينفك الحجر إلا بحكم حاكم، وقيل بمجرد رشده.
ويصح تزويجه بغير إذن وليه، وقال الشافعي: لا يصح إلا بإذنه. وهل يصح عتقه على روايتين. ويصح تدبيره ووصيته. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: على أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز، إذا كان بزنى أو سرقة
стр. 547
أو شرب خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وإن طلَّق نفذ في قول الأكثر، وقال ابن أبي ليلى: لا يقع.
وإن أقر بمال لم يلزمه حال حجره، ويحتمل ألا يلزمه مطلقة، وهو قول الشافعي. وللولي أن يأكل بقدر عمله إذا احتاج، وإن كان غنياً لم يجز، للآية. وهل يلزمه العوض إذا أيسر؟ على روايتين. ومتى زال الحجر فادعى على الولي ما يوجب ضماناً، فالقول قول الولي، وكذلك في دفع المال إليه بعد رشده، لأنه أمين؛ ويحتمل أن القول قول الصبي، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ . ١ وهل للزوج أن يحجر على امرأته في التبرع بما زاد على الثلث من مالها، فقال الشافعي وابن المنذر: ليس له ذلك، وقال مالك: له ذلك، وليس معه حديث يدل على تحديد المنع بالثلث، مع أن الحديث ضعيف: شعيب لم يدرك عبد الله بن عمرو، وفي الصحيح: "تصدّقن ولو من حليّكنّ"، ٢ ولم يستفصل.
ويجوز للولي أن يأذن للصبي في التجارة، ويصح تصرفه. وقال الشافعي: لا يصح حتى يبلغ. وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين: إحداهما: يجوز، لأنه ملك التصرف بنفسه، فملكه بنيابته. وإن رآه سيده أو وليه يتجر فلم ينهه، لم يصر إذناً. وقال أبو حنيفة في العبد: يصير مأذوناً له، لأنه سكت عن حقه، فكان مسقطاً له كالشفيع.
وما استدان العبد فهو في رقبته، يفديه سيده أو يسلمه، وعنه: يتعلق بذمته، يتبع به العبد بعد العتق، إلا المأذون له، هل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على
стр. 548
روايتين. فأما أرش الجناية وقيمة المتلف ففي رقبته، أذن له أم لا، رواية واحدة. وكل ما تعلق برقبته خُير السيد بين تسليمه للبيع وبين فدائه؛ فإن كان ثمنه أقل مما عليه فليس لرب الدين إلا ذلك. ويصح إقرار المأذون له فيما أذن له فيه دون ما زاد عليه. ويجوز له هدية المأكول، وإعارة دابته، واتخاذ الدعوة ما لم يكن إسرافاً. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك بغير إذن السيد. ولنا: "أنه ﷺ كان يجيب دعوة المملوك". وهل لغير المأذون له الصدقة من قوته إذا لم يضرَّ به؟ على روايتين. وهل للمرأة الصدقة من بيت زوجها بغير إذنه بنحو ذلك؟ على روايتين: إحداهما: يجوز لقوله: "ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها. وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت". ١ والخازن مثل ذلك، ولم يذكر إذناً، وقوله لأسماء: "لا توعي فيوعى عليك"، ٢ متفق عليهما. والثانية: لا يجوز، لقوله: "إن الله حرّم بينكم دماءكم وأموالكم ... إلخ"، ٣ وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس". ٤ والصحيح الأول، لأن الأحاديث فيه خاصة صحيحة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ أن من أراد سفراً وهو عاجز عن وفاء دينه، أن لغريمه منعه حتى يقيم كفيلاً ببدنه.
وفي الإفصاح: أول من حبس على الديْن شريح، ومضت السنة قبله لا يحبس، لكن يتلازم الخصمان؛ فأما الحبس الآن على الديْن، فلا أعلم أنه يجوز عند أحد من المسلمين. وقال الشيخ: إن صبر على الحبس والضرب، كرر حتى يقضيه، لا أعلم فيه نزاعاً. ونقل حنبل: إذا تقاعد بحقوق الناس
стр. 549
يباع عليه ويقضي. وقال الشيخ: من طولب بأداء حق فطلب إمهالاً أُمهل بقدر ذلك، اتفاقاً؛ لكن إن خاف غريمه منه، احتاط بملازمته أو كفيل أو ترسيم عليه. وقال: إذا مطل غريمه فاحتاج إلى الشكاية، فما غرم بسببه لزم المماطل. وقال: لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، رجع به على الكاذب. وقال: إن ضاق ماله عن ديونه، صار محجوراً عليه بغير حكم حاكم، ولا يصح تصرفه. ونقل حنبل: من تصدق وأبواه فقيران، رُد عليهما، لا لمن دونهما. ونص في رواية على أن من أوصى لأجانب وله أقارب محتاجون، أن الوصية تُرد عليهم. ونقل ابن منصور فيمن تصدق بماله كله عند موته: هذا كله مردود، ولو كان في حياته لم أجوّز إذا كان له ولد. وإن تصرف المحجور عليه في ذمته بشراء أو ضمان أو إقرار، صح ويتبع به بعد فك الحجر عنه. ولا يشارك من ديْنه قبل الحجر، وعنه: يصح إقراره إن أضافه إلى ما قبل الحجر أو أدانه عامل قبل قراضه. قاله الشيخ. وقال: بيع الحاكم مال المفلس بشرط أن يبيعه بثمن مثله المستقر في وقته أو أكثر. وسئل أحمد: متى تجوز هبة الغلام؟ قال: ليس فيه اختلاف: إذا احتلم أو يصير ابن خمس عشرة سنة. قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن التبذير والإسراف: الإنفاق في الحرام. وفي النهاية: أو صدقة تضر بعياله، أو كان وحده ولم يثق بإيمانه. قال الشيخ: أو أخرج في مباح قدراً زائداً على المصلحة.
ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إلا للأب، قاله في الفائق وغيره، ما لم يعلم فسقه. وقيل: للإمام ولاية، وقيل: للعصبة ولاية بشرط العدالة، اختاره الشيخ. واختار: إن عدم ولي فأمين يقوم مقامه. وقال: الحاكم
стр. 550
العاجز كالعدم. ولا يشتري من مالهما لنفسه، وعنه: يجوز إن وكل من يبيعه. وله أن يبيع ويشتري في مال المولى عليه، وجميع الربح للمولى عليه، وقيل: يستحق الأجرة، اختاره الشيخ. وله أن يأذن للصغيرة أن تلعب باللعب غير المصورة، وشراؤها لها من مالها، نص عليه. وله أن يأذن له بالصدقة بالشيء اليسير.
والصحيح: جواز بيعه عقارهما إذا كان فيه مصلحة، نص عليه، سواء حصل زيادة أم لا، اختاره الشيخ. والمنصوص عن أحمد: جواز الأكل لناظر الوقف بالمعروف، قال في الفائق: إلحاقه بعامل الزكاة في الأكل مع الغنى أولى؛ وعنه: يأكل إذا اشترط. وقال الشيخ: لا يقدم بمعلومه بلا شرط، إلا أن يأخذ أجر عمله مع فقره كوصي اليتيم. وإن رآه سيده يتجر فلم ينهه، لم يكن إذناً، لكن قال الشيخ: الذي ينبغي أن يقال فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه، وفي جميع المواضع، أنه لا يكون إذناً، ولا يصح التصرف، لكن يكون تغريراً فيكون ضامناً، بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان. فإن ترك الواجب عندنا كفعل المحرم؛ كما نقول فيمن قدر على إنجاء إنسان من هلكة. بل الضمان هنا أقوى. وقال: إذا استدان أو اقترض بإذن السيد لزم السيد.
стр. 551
باب الوكالة
الوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ الآية، ٢ولحديث عمرو بن الجعد وغيره، و"وكل عمرو بن أمية في قبول نكاح أم حبيبة، وأبا رافع قبول نكاح ميمونة".
وهي تصح بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على التراخي، وتعليقها على شرط. وقال الشافعي: لا يصح. ولنا: قوله: "فإن قُتل فجعفر ... إلخ". وتصح في الخصومة من الحاضر، لأنه إجماع الصحابة، و"وكل علي عبد الله بن جعفر في خصومة عند عثمان، وقال: إن للخصومة قحماً، وإن الشيطان يحضرها، وإني لأكره أن أحضرها"، والقحم المهالك.
وتجوز في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات والحدود، ويجوز التوكيل في إثباته. وقال الشافعي: لا يجوز، لأنها تسقط بالشبهات. ولنا: قوله: " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت ... إلخ" ٣.
ولا يصح للوكيل أن يبيع ويشتري بالوكالة لنفسه، كالوصي لا يشتري من مال اليتيم لنفسه، وحكي عن مالك والأوزاعي الجواز فيهما. وعن أحمد يجوز بشرطين: أن يزيد على ثمن المثل، وأن يتولى النداء غيره. وإذا اشترى من مال اليتيم بأكثر من ثمنه فقد قربه بالتي هي أحسن. والأمناء على ضربين: فمن قبض المال لنفع مالكه كالمودع والوكيل
стр. 552
بغير جعل، قبل قولهم في الرد. والذي ينتفع بالقبض كالوكيل بجُعل والمضارب، فعلى وجهين. ولو قال: بع بعشرة وما زاد فهو لك صح، وهو قول إسحاق وغيره؛ وكرهه النخعي وابن المنذر، لأنه مجهول. ولنا: قول ابن عباس، ولا يعرف له مخالف. قال أحمد: إذا دفع إلى رجل ثوباً ليبيعه، فوهب له المشتري منديلاً، فالمنديل لصاحب الثوب.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وهل ينعزل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين. فإن قلنا: ينعزل ضمن وإلا فلا، وقال الشيخ: لا يضمن مطلقاً. وقال: من وكل في بيع أو استئجار، فإن لم يسم موكله في العقد فضامن، وإلا فروايتان. انتهى.
стр. 553
كتاب الشركة
الشركة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، لقوله ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الآية، ١ ومن السنة قول زيد: "كنت أنا والبراء شريكين، فاشترينا فضة بنقد ونسيئة ... إلخ". وهي على خمسة أضرب: شركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة. قال أحمد يشارك اليهودي والنصراني، ولكن لا يخلو اليهودي ولا النصراني بالمال دونه، لأنه يعمل بالربا. وكره الشافعي مشاركتهم، لأنه مروي عن ابن عباس، ولأن مالهم ليس بطيب. ولنا: ما روى الخلال بإسناده عن عطاء: "نهى رسول الله ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصراني، إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم"، وقول ابن عباس محمول على هذا، فإنه علله به في رواية أبي حمزة. وقولهم: أموالهم غير طيبة، فإنه ﷺ قد عاملهم، وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حله، ولهذا قال عمر: "ولّوهم بيعها وخذوا أثمانها".
وشركة (العنان) أن يشتركا بماليهما ليعملا فيه، وهي جائزة بالإجماع. ولا تصح إلا بشرطين:
أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير، ولا تصح بالعروض، وعنه:
стр. 554
تصح ويجعل قيمتها وقت العقد رأس المال. وهل تصح بالفلوس والمغشوش؟ على وجهين.
الثاني: أن يشترطا لكل منهما جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً كالنصف، سواء شرطا لكل واحد منهما قدر ماله من الربح أو أقل أو أكثر؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: لا بد من الربح والخسران على قدر المالين، فإن شرطا لأحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح، حكاه ابن المنذر إجماعاً، إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما، فأما ما يشتريه لنفسه فهو له والقول قوله لأنه أعلم بنيته. وإن تقاسما الدين في الذمة لم يصح، وعنه: يجوز فلا يرجع من توى ماله على من لم يتو. وإن أقر بمال لم يقبل على شريكه، لأنه إنما أذن له في التجارة، وقال القاضي: يقبل إقراره على مال الشركة. وعلى كل واحد أن يتولى ما جرت العادة به من إحراز المال ونحوه. فإن استأجر أحدهما فالأجرة عليه. وما جرت العادة أن يستنيب فيه كحمل المتاع فمن مال القراض، فإن فعله ليأخذ الأجرة فهل له ذلك؟ على وجهين.
والشروط فيها ضربان:
(صحيح) : مثل أن يشترط أن لا يتجر إلا في نوع أو بلد، أو لا يبيع إلا بنقد، أو لا يسافر بالمال.
(وفاسد) : مثل ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال، أو أن عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله، فما نافى مقتضى العقد مثل أن لا يعزله أو يوليه ما يختار من السلع ونحو ذلك، لأنها تفوت المقصود من المضاربة وهو الربح، أو يمتنع الفسخ الجائز، وما عاد بجهالة الربح مثل أن يشترط جزءاً من
стр. 555
الربح مجهولاً، أو ربح أحد الكبشين، أو دراهم معلومة، فهذه شروط فاسدة، لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، أو إلى فواته بالكلية. وما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، مثل أن يشترط المضاربة في مال آخر، أو يأخذه قرضاً أو بضاعة، أو ضمان المال، فما عاد بجهالة الربح فسدت المضاربة، وما عداه من الشروط الفاسدة فأظهر الروايتين أن العقد صحيح.
الثاني: (المضاربة) ، وهي مجمع على جوازها، ومن شرطها: تقدير نصيب العامل، فلو قال: خذه مضاربة فالربح كله لرب المال، وللعامل أجرة مثله، وقال الحسن والأوزاعي: الربح بينهما نصفين.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديْناً له على رجل مضاربة. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يصح. وإن أخرج مالاً ليعمل فيه وآخر والربح بينهما صح، نص عليه. ومذهب مالك والشافعي: أنه إذا شرط على رب المال أن يعمل معه لم يصح، وقاله الأوزاعي وابن المنذر، وقال: لا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه. وإن اشترك مالان ببدن صاحب أحدهما، فهذا شركة ومضاربة، وهو صحيح، وقال مالك: لا يجوز.
"وإذا تعدى المضارب ضمن"، في قول الأكثر، روي عن أبي هريرة وحكيم بن حزام ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وروي عن علي: "لا ضمان على شريكه في الربح". وروي عن الحسن والزهري. وإن اشترى ما لم يؤذن له فيه فربح، فالربح لرب المال، نص عليه؛ وبه قال أبو قلابة. وعنه: يتصدقان به، وهو قول النخعي. وقال مالك: الربح على ما شرطا. وليس لرب المال أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه، وعنه: يجوز. وإن اشترى المضارب
стр. 556
ولم يظهر ربح صح، وقال أبو ثور: البيع باطل لأنه شريك. ولنا: أنه إنما يكون شريكاً إذا ظهر الربح. وليس للمضارب نفقة إلا أن يشترط، وقال مالك وإسحاق: ينفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد. فإن أذن له في التسري صح. فإن اشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضاً، نص عليه. وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال ويسلمه إلى ربه. وفي ملك العامل نصيبه من الربح قبل القسمة، روايتان. وإن تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه، انفسخت فيه المضاربة. وإذا ظهر الربح، لم يكن له أخذ شيء إلا بإذن رب المال، لا نعلم فيه خلافاً. وإن مات المضارب ولم يعلم مال المضاربة، فهو ديْن في تركته، وكذلك الوديعة. وقال الشافعي: ليس على المضارب شيء. وإذا كان لرجلين ديْن إما عقد أو ميراث أو غيره، فقبض أحدهما منه شيئاً، فللآخر مشاركته؛ وعنه: أن لأحدهما أخذ حقه دون صاحبه، وهو قول أبي العالية وأبي قلابة وأبي عبيد.
الثالث: (شركة الوجوه) ، وهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما، من غير أن يكون لهما رأس مال. قال أحمد في رجلين اشتركا بغير رؤوس أموال: هو جائز. وبه قال الثوري وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفاً من الثياب. وقال مالك والشافعي: يشترط ذكر شرائط الوكالة. وهما في التصرفات كشريكي العنان فيما يجب لها وعليهما وغير ذلك.
الرابع: (شركة الأبدان) ، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما أو فيما
стр. 557
يكسبان من المباح، كالحشيش؛ فهذا جائز، نص عليه فقال: لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم وليس معهم مال؛ قد "أشرك النبي ﷺ بين سعد وابن مسعود وعمار، فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء". ١ وقال أبو حنيفة: تصح في الصناعة لا في اكتساب المباح. وقال الشافعي: شركة الأبدان كلها فاسدة. ولنا: ما تقدم. فإن قيل: المغانم بين الغانمين، فكيف اختص هؤلاء بالشركة؟ وقال بعض الشافعية: "مغانم بدر لرسول الله دفعها إلى من شاء"، قلنا: غنائم بدر لمن أخذها قبل أن يشرك الله بينهم، ولهذا قال ﷺ : "من أخذ شيئاً فهو له"، ٢ والله سبحانه إنما جعلها لنبيه بعد أن غنموا واختلفوا فيها. ويصح مع اختلاف الصنائع، في أحد الوجهين. والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه، فإن مرض أحدهما فالكسب بينهما، فإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه. وإن دفع دابته إلى من يعمل عليها وما رزق الله فهو بينهما على ما شرطا صح، وكرهه الحسن، وقال الشافعي وابن المنذر: لا يصح، والربح كله لرب الدابة، وللعامل أجرة مثله. وقال أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال الأوزاعي. وقال أحمد: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، قيل: يعطيه بالثلث والربع ودرهم أو درهمين؟ قال: أكرهه، لأنه لا يعرف الثلث. وإذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً، لإعطائه خيبر على الشطر.
الخامس: شركة المفاوضة، وهي أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة كوجدان لقطة أو ركاز، أو ما يحصل لهما من ميراث، أو ما يلزم أحدهما
стр. 558
من أرش جناية، فهي فاسدة؛ وأجازها الثوري والأوزاعي.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وإن تقاسما في الذمة لم يصح، وعنه: يصح، اختاره الشيخ، وقال: ولو في ذمة واحدة. وقال: إذا تكافأت الذمم، فقياس المذهب من الحوالة على مليء وجوبه. وإذا قبض أحد الشريكين من مال بينهما بسبب واحد كإرث - قال الشيخ: أو ضريبة سبب استحقاقها واحد - فلشريكه الأخذ من الغريم ومن الآخذ، واختار الشيخ أن الآخذ لو أخرجه من يده برهن أو قضاء دين أو تلف في يده، أنه يضمنه. وإذا فسد العقد، فأوجب الشيخ فيه نصيب المثل، فيجب من الربح جزء جرت العادة بمثله. وقال: الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة به، قيل: للمالك، وقيل: للعامل، وقيل يتصدقان به، وقيل: بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، وهو أصحها، إلا أن يتجر به على غير وجه العدوان، مثل أن يعتقد أنه ماله، فهنا يقتسمان الربح بلا ريب. وقال في موضع آخر: إن كان عالماً بأنه مال الغير، فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئاً. فإذا تاب، أبيح له بالقسمة، وإن لم يتب ففي حله نظر. وكذلك إذا غصب شيئاً كفرس فكسب به، يجعل الكسب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما، بأن تقوّم منفعة الراكب ومنفعة الدابة ثم يقسم الصيد بينهما. وأما إذا كسب العبد، فالواجب أن يعطي المالك أكثر الأمرين من كسبه أو قيمة نفقته. انتهى. وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الأول، فإن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول. واختار الشيخ أن رب المضاربة الأولى لا يستحق من ربح المضاربة الثانية شيئاً. وقال: ليس للمضارب نفقة إلا بشرط أو عادة، وهل يملك العامل حصته من الربح قبل
стр. 559
القسمة؟ على روايتين. وعنه رواية ثالثة: يملكها بالمحاسبة، والتنضيض، والفسخ قبل القسمة، والقبض، اختاره الشيخ. وقال: لو مات وصي وجهل بقاء مال موليه، فهو في تركته. واختار أن له دفع دابته ونخله لمن يقوم به بجزء من نمائه. واختار صحة أخذ الماشية ليقوم عليها بجزء من درها ونسلها وصوفها. وقال: تصح شركة الشهود، وللشاهد أن يقيم مقامه إن كان على عمل في الذمة، وإن كان الجعل على شهادته بعينه، ففيه وجهان، قال: والأصح جوازه. قال: وللحاكم إكراههم، لأن له نظراً في العدالة وغيرها. وقال: إن اشتركوا على أن كل ما حصله واحد منهم بينهم، بحيث إذا شهد أحدهم وكتب شاركه الآخر وإن لم يعمل، فهي شركة الأبدان، تجوز حيث تجوز الوكالة؛ وأما حيث لا تجوز، ففيه وجهان كشركة الدلالين. ونص أحمد على جوازها. وقال الشيخ: تسليم الأموال إليهم مع العلم بالشركة إذْن لهم. قال: إن باع كل واحد منهم ما أخذ ولم يعط غيره واشتركا في الكسب، جاز لئلا تقع منازعة.
стр. 560
باب المساقاة
"تجوز في كل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته"، هذا قول الخلفاء الراشدين. وقال داود: لا تجوز إلا في النخل، وقال الشافعي: لا تجوز إلا فيه وفي الكرم. وفي سائر الشجر قولان. وقال أبو حنيفة: لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمرة لم تخلق أو مجهولة. ولنا: الخبر، والإجماع، فلا يعوّل على ما خالفهما. فإن قيل: راوي الخبر ابن عمر، وقد رجع إلى حديث رافع، قلنا: لا يجوز حمل حديث رافع ولا حديث ابن عمر على ذلك، لأنه ﷺ لم يزل يعامل أهل خيبر، ثم الخلفاء بعده ثم من بعدهم، ولو صح خبر رافع لحمل على ما يوافق السنة؛ فروى البخاري فيه: "كنا نكري الأرض بالناحية منها". ١ وفسر بغير هذا من أنواع الفساد، وهو مضطرب جداً. قال أحمد: يروى عن رافع في هذا ضروب، كأنه يريد أن اختلاف الروايات عنه توهن حديثه. وأنكره زيد بن ثابت عليه. ورجوع ابن عمر يحتمل أنه عن شيء من المعاملات التي فسرها رافع، وأما غير ابن عمر فأنكر على رافع ولم يقبل حديثه، وحمله على أنه غلط في روايته. وأما تخصيصه بالنخل أو به وبالكرم، فخالف قوله: "عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر"، ٢ وهذا عام في كل ثمر. وهل يصح على ثمرة موجودة؟ على روايتين: إحداهما: يجوز. ولو دفع أرضه إلى من يغرسها على أن الشجر بينهما لم يجز، ويحتمل
стр. 561
الجواز بناء على المزارعة. فإن شرط الأرض والشجر بينهما لم يصح، لا نعلم فيه مخالفاًً. وتصح على البعل كالسقي، لا نعلم فيه مخالفاًً، لأن الحاجة تدعو إلى المعاملة فيه، كدعائها إلى المعاملة في غيره. وهي عقد جائز، سئل أحمد عن: إكار يخرج من غير أن يخرجه صاحب الضيعة؟ فلم يمنعه، وقيل لازم، وهو قول أكثر الفقهاء.
ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة، وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل. فإن شرط على أحدهما شيء مما يلزم الآخر، فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الشافعي، وعن أحمد ما يدل على صحة ذلك.
ولا يجوز أن يجعل له فضل دراهم زائداً على ما له من الثمرة، بغير خلاف. وإذا ساقاه أو زارعه فعامل العامل غيره لم يجز، وأجازه مالك، إذا جاء برجل أمين. فأما من استأجر أرضاً فله أن يزارع غيره فيها، والأجرة على المستأجر دون المزارع كما ذكرنا في الخراج، ولا نعلم فيه خلافاً عند من أجاز المساقاة والمزارعة. وإن شرط: إن سقى سيحاً فله الربع، وإن سقى بكلفة فله النصف، أو إن زرعها شعيراً فله الربع، وحنطة النصف، لم يصح، وقيل: يصح. وإن قال: ما زرعتها من شيء فلي نصفه، صح، لحديث خيبر. وإن قال: لك الخمسان إن كان عليك خسارة، وإلا فالربع، لم يصح، نص عليه وقال: هذا شرطان في شرط، وكرِهه.
وتجوز المزارعة بجزء معلوم للعامل، في قول أكثر أهل العلم، وكرهها مالك، وأجازها الشافعي في الأرض بين النخل إذا كان بياض الأرض أقل، فإن كان أكثر فعلى وجهين. ومنعها في الأرض البيضاء، لحديث رافع
стр. 562
وجابر. وإن زارعه أرضاً فيها شجرات يسيرة، لم يجز أن يشترط العامل ثمرتها، وأجازه مالك إذا كان الشجر بقدر الثلث أو أقل. وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذرة ويقتسما الباقي لم يصح، وكذلك لو شرط لأحدهما زرع ناحية معينة، أو ما على الجداول منفرداً ومع نصيبه، فهو فاسد إجماعاً، لصحة الخبر في النهي. وعن أحمد: إذا شرط الجذاذ على العامل فجائز، لأنه عليه، وإلا فعلى رب المال حصة ما يصير إليه؛ فجعل الجذاذ عليهما، وأجاز اشتراطه على العامل. وقال محمد بن الحسن: تفسد بشرطه على العامل. ولنا: "أنه ﷺ دفع خبير إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم". ١ وإن زارع رجلاً أو آجره أرضه فزرعها، فسقط من الحب شيء فنبت، فهو لصاحب الأرض، وقال الشافعي: لصاحب الأرض. ولنا: أنه أسقط حقه منه بحكم العرف، وزال ملكه عنه، ولهذا أبيح التقاطه، لا نعلم فيه خلافاً. وتجوز إجارة الأرض بالذهب والفضة والعروض غير المطعوم، في قول عامة أهل العلم. وروي عن الحسن: الكراهة، لحديث رافع. ولنا: قول رافع: "إنما نهي عنها ببعض ما يخرج منها، أما بالذهب والفضة فلا بأس"، ولمسلم: "أما بشيء معلوم مضمون، فلا بأس" ٢.
وأما إجارتها بطعام، فثلاثة أقسام:
أحدها: بطعام معلوم غير الخارج منها، فأجازه الأكثر، ومنع منه مالك. وعن أحمد: ربما تهيبته، لما في حديث رافع: "لا يكريها بطعام مسمى" رواه أبو داود.
الثاني: إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها، ففيه روايتان:
стр. 563
إحداهما: المنع، لأنه ذريعة إلى المزارعة عليها بشيء معلوم من الخارج منها.
الثالث: إجارتها بجزء مشاع بما يخرج منها، فالمنصوص عنه: جوازه، وقال الشافعي: لا يصح.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف ":
لو صح فيما تقدم إجارة أو مزارعة فلم يزرع، نظر إلى معدل المغل فيجب القسط المسمى فيه، وإن فسدت وسميت إجارة فأجرة المثل، واختار الشيخ قسط المثل. واختار جواز المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه بجزء معلوم من الشجر، أو بجزء من الشجر والثمر كالمزارعة، وقال: ولو كان مغروساً، ولو كان ناظر وقف، وإنه لا يجوز للناظر بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بلا حاجة. وللحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط. ولو كان الاشتراك في الغراس والأرض فسد، وجهاً واحداً. وقال الشيخ: قياس المذهب: صحة ما سقط من الحب وقت الحصاد إن نبت فلرب الأرض، وفي الرعاية: هو لرب الأرض مالكاً ومستأجراً أو مستعيراً. وكذا نص أحمد فيمن باع قصيلاً فحصد وبقي يسير فصار سنبلاً، فهو لرب الأرض.
والمساقاة عقد جائز، وقيل: لازم، اختاره الشيخ. وأفتى فيمن زارع رجلاً على مزرعة بستان ثم أجرها، هل تبطل المزارعة؟ فقال: إن زارعه مزارعة لازمة لم تبطل، وإن لم تكن لازمة أعطى الفلاح أجرة عمله. وأفتى فيمن زرع أرضاً بوراً فهل له إذا خرج منها فلاحة؟ أنه إن كان له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها، فله قيمتها على من انتفع بها. فإن انتفع بها المالك وأخذ عوضاً عنها من المستأجر، فضمانها عليه، وإن أخذ الأجرة عن الأرض
стр. 564
وحدها فضمان الفلاحة على المستأجر المنتفع بها. ونص أحمد فيمن استأجر أرضاً مفلوحة وشرط عليه أن يردها مفلوحة كما أخذها، أنه له أن يردها كما شرط. وقال الشيخ: السياج على المالك، وكذا تسميد الأرض بالزبل إذا احتاجت إليه، ولكن تفريقه فيها على العامل. وقال: المزارعة أحل من الإجارة لاشتراكهما في المغنم والمغرم. وإن كان فيها شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح، وإن جمع بينهما في عقد واحد فكجمع بين بيع وإجارة. قال الشيخ: سواء صحت أو لا، فما ذهب من الشجر ذهب ما يقابله من العوض.
ولا تجوز إجارة أرض وشجر لحملها، حكاه أبو عبيد إجماعاً، وجوزه ابن عقيل تبعاً للأرض ولو كان الشجر أكثر، اختاره الشيخ. بل جوز إجارة الشجر مفرداً ويقوم عليها المستأجر كأرض لزرع، بخلاف بيع السنين، فإن تلفت الثمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش، لعدم المنفعة المقصودة بالعقد كجائحة. واختار أنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض، وجوز أخذ البذر أو بعضه بطريق القرض، وقال: يلزم من اعتبر البذر من رب الأرض، وإلا فقوله فاسد. وقال أيضاً: يجوز كالمضاربة، وكاقتسامهما الباقي بعد الكلف. وقال: يتبع الكلف السلطانية العرف ما لم يكن شرطاً، واشترط عمل الآخر حتى يثمر ببعضه. قال: وما طلب من قرية من وظائف سلطانية ونحوها، فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، أو على العقار فعلى ربه، ما لم يشرطه على مستأجر. وإن وضع مطلقاً، رجع إلى العادة. والله أعلم.
стр. 565
باب الإجارة
الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، ١ وقول تعالى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ الآية، ٢ وقال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ . ٣ ولابن ماجة مرفوعاً: "إن موسى ﵇ أجّر نفسه ثماني حجج أو عشراً، على عفة فرجه وطعام بطنه"، ٤ وفي الصحيح: "أنه استأجر رجلاً من بني الديل"، ٥ وفيه: "ثلاثة أنا خصمهم: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يؤته أجره " ٦.
وهي عقد على المنافع، تنعقد بلفظ الإجارة والكراء، وما في معناهما. ولا تصح إلا بشروط ثلاثة:
أحدها: معرفة المنفعة، مثل بناء الحائط يذكر طوله وعرضه. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن إجارة المنازل والدواب جائزة. ويجوز الاستئجار للخدمة كل شهر بشيء معلوم. قال أحمد: أجير المشاهرة