عصير شيء من ذلك بتفله، فإن كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز، إلا على قولنا بجواز "مدّ عجوة".
ويجوز بيع الرطب بالرطب، والعنب بمثله، في قول الأكثرين؛ ومنع منه الشافعي فيما يبس، فأما ما لا ييبس كالخيار، فعلى قولين. ولنا: أن نهيه عن بيع التمر بالتمر يدل على إباحة بيع كل واحد منهما بمثله.
ويجوز بيع الدبس والخل، كل نوع بعضه ببعض متساوياً، قال أحمد في خل الدقل: يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً، لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود. ولا يباع نوع بآخر، لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقلّ ويكثر، فيفضي إلى التفاضل.
ولا يباع خل العنب بخل الزبيب، لانفراد أحدهما بما ليس من جنسه. ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض، كخل العنب وخل التمر.
ويجوز بيع اللحم باللحم رطباً، وقال الخرقي: لا يجوز إلا إذا تناهى جفافه؛ وهذا مذهب الشافعي. وإذا جاز الرطب بالرطب، فهنا أولى، فأما رطبه بيابسه، ونيئه بمطبوخه، فلا يجوز. وقال القاضي: لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا بعد نزع العظام، كالعسل بمثله بعد التصفية.
ولا يجوز بيع المحاقلة، وهو: الحب المشتد في سنبله، بجنسه، قال جابر: المحاقلة: أن يبيع الزرع بمائة فرق من الحنطة، وفسره أبو سعيد باستكراء الأرض بالحنطة. ولأنه بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين، فإن كان بدراهم أو دنانير جاز، وإن باعه بغير جنسه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، لقوله: "إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم". والثاني: لا يجوز، لعموم الحديث.
ولا بيع المزابنة، وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا،
стр. 492
وقال أبو حنيفة: لا تحل، لعموم الحديث. قال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وحديثهم في سياقه: "إلا العرايا"، وإنما تجوز بشروط خمسة:
(أحدها) : أن تكون فيما دون خمسة أوسق، ولا خلاف أنه لا يجوز في زيادة عليها، وإنما تجوز فيما نقص عنها. وأما الخمسة فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها، وبه قال ابن المنذر. وقال مالك: يجوز، لأن في حديث زيد وسهل: "أنه رخص في العرايا مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة"، وشك الراوي في الخمسة، فبقي المشكوك فيه على الإباحة. ولنا: النهي عن المزابنة، ثم رخص في العرية فيما دون خمسة، وشك فيها، فتبقى على العموم في التحريم. وقولهم: أرخص فيها مطلقاً، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة ثابتة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها؛ بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيصير القيد المذكور كأنه مذكور في الآخر، ولذلك تقيد فيما زاد على الخمسة، باتفاقنا. ولا يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة من واحد وجماعة، وقال الشافعي: يجوز للرجل بيع حائطه كله عرايا، من واحد أو رجال، في عقود متكررة، لعموم حديث زيد، ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر. ولنا: عموم النهي عن المزابنة، استثنى منها ما ذكر؛ فما زاد يبقى على التحريم، ولأن ما لا يجوز العقد عليه مرة إذا كان نوعاً واحداً لا يجوز في عقدين، كالجمع بين الأختين. ولا تعتبر حاجة البائع، فلو باع رجل عرية من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز. وقال القاضي: لا يجوز، لما ذكرنا في المشتري. ولنا: أن المغلب في التجويز حاجة المشتري.
стр. 493
(الثاني) : أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً، فلا يجوز لغني، وهو أحد قولي الشافعي. وله قول: تباح مطلقاً، لأن كل ما بيع وقد جاز للمحتاج جاز للغني، كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان. ولنا: حديث زيد بن ثابت، وإذا خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفة بدونه، ولا يلزم من إباحته للحاجة إباحته مع عدمها، كالزكاة للمساكين. ولو باعها لواهبها، تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، لم يجز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد، لأن الحاجة وجدت من الجانبين. ولنا: حديث زيد: "شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون رطباً، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر". والرخصة لمعنى خاص، فلا تجوز مع عدمه، ولأن في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطباً، ولو جازت لتخليص المعرى لما شرط ذلك.
(الثالث) : ألا يكون للمشتري نقدٌ يشتري به، للخبر المذكور.
(الرابع) : أن يشتريها بخرصها من التمر، ويجب أن يكون التمر معلوماً بالكيل لا جزافاً، لا نعلم خلافاً في هذا عند من أباح بيع العرايا، لقوله: "تباع بخرصها كيلاً"، ١ ومعناه: أن ينظر الخارص إلى العرية كم تجيء من التمر، فللمشتري بمثله؛ وبها قال الشافعي. ونقل حنبل: بخرصها رطباً ويعطى تمراً، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أن يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها؛ قال القاضي: والأول أصح، لأنه يبتني على خرص الثمار في العشر، والصحيح: ثم خرصه تمراً، ولأن المماثلة معتبرة حالة الادخار، وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى فوات ذلك.
وإن اشتراها بخرصها رطباً، لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب
стр. 494
الشافعي. والثاني: يجوز. والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع. ووجه جوازه: ما روى الجوزجاني عن زيد، مرفوعاً: "أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر". ١ ولنا: ما روى مسلم عنه: "رخص رسول الله ﷺ في العرايا، تؤخذ بمثل خرصها تمراً". ٢ وحديثهم شك في الرطب أو التمر، فلا يجوز مع الشك.
(الخامس) : التقابض في المجلس، لا نعلم فيه مخالفاًً، ولا يشترط فيها أن تكون موهوبة لبائعها، وبه قال الشافعي. وقال مالك: بيع العرايا الجائز: أن يعري الرجل النخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخوله حائطه، لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيجوز أن يشتريها. واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخل عاماً، قال أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه في اللغة ما لم يوجد ما يصرفه. ولنا: حديث زيد، وهو حجة على مالك، لتصريحه في جواز بيعها من غير الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق. وفيه حجة على أن من اشترط كونها موهوبة لبائعها، لأن العلة حاجة المشتري، ولأن اشتراط ذلك مع حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين. وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك والأوزاعي، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيره، وهو قول الشافعي. ووجه الأولى: "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، التمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمرة بخرصه"، ٣ وهذا حديث حسن رواه الترمذي، وهو يدل على تخصيصها
стр. 495
بالتمر. وعن زيد بن ثابت عنه ﷺ : "أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك".
(فصل) : ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم، بمدين، أو بدرهمين، أو بمد ودرهم. وعنه: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، هذه تسمى "مدّ عجوة". وظاهر المذهب: أنه لا يجوز، نص عليه أحمد في مواضع. روي عن سالم والقاسم وبه قال الشافعي. وقال حرب: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفياً ودرهماً، وأخذت ديناراً شامياً، وزنهما سواء، قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن: الدراهم بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم؟ فقال: لا أقول فيه شيئاً. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: يجوز بما ذكرنا من على الشرط، وقال الحسن: "لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم"، وبه قال الشعبي والنخعي، واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد، وقد أمكن جعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل. ولنا: ما روى فضالة قال: "أتي النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال ﷺ : لا، حتى تميز بينهما. قال: فردّه حتى ميز بينهما". ١ رواه أبو داود. ولمسلم: "أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: الذهب بالذهب، وزناً بوزن"، ٢ ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا فعلنا ذلك فيمن باع
стр. 496
درهماً ومداً قيمته درهماً بمدين قيمتهما ثلاثة، حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث، هذا إذا تفاوتت القيم، ومع التساوي بجهل ذلك، لأن التقويم ظن، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه. وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه، كدينار قراضة وصحيح بصحيحين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، صح، أومأ إليه أحمد؛ وهو مذهب مالك والشافعي، لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته، وروي عن أحمد منعه في النقد، لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها، فعفي عنها. ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، مثلاً بمثل. .. إلخ"، ١ وهذا يدل على الإباحة عند وجود المماثلة.
وإن باع جنساً فيه الربا بجنسه، ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود، فعلى أقسام:
أحدها: أن يكون غير المقصود يسيراً لا يؤثر في كيل ولا وزن، كالملح في الخبز، وحبات الشعير في الحنطة، فلا يمنع، لأنه لا يخل بالتماثل. ولو باع ذلك بجنس غير مقصود الذي معه، كخبز بملح جاز.
الثاني: أن يكون غير المقصود كثيراً، إلا أنه لمصلحة المقصود، كالماء في الخل، فيجوز بيعه بمثله، ويستنزل خلطه منزلة رطوبته، كالرطب بالرطب. ومنع الشافعي ذلك كله، إلا الشيرج بالشيرج، لكون الماء لا يظهر فيه.
الثالث: أن يكون غير المقصود كثيراً أو ليس من مصلحته، كاللبن المشوب بالماء بمثله، والأثمان المغشوشة بغيرها، فلا يجوز بيع بعضها ببعض، لأن خلطه ليس من مصلحته، وهو يخل بالتماثل. وإن باعه بجنس غير مقصود كبيع الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم، احتمل الجواز، لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه، فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن. ويحتمل المنع بناء على الوجه
стр. 497
الآخر في الأصل. ولو دفع درهماً وقال: أعطني بنصفه نصف درهم، وبنصفه الآخر فلوساً، جاز. والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمنه ﷺ ، وقال أبو حنيفة: الاعتبار في كل بلد بعادته.
(فصل) : ومتى كان أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً، جاز النسأ فيهما بغير خلاف، وإلا فكل شيئين يجري فيهما الربا بعلة واحدة، يحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة، بغير خلاف نعلمه عند من يعلل به. وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد، وقال أبو حنيفة: لا يشترط التقابض في غير النقدين، لأن ما عداهما ليس بأثمان، كبيعه بأحد النقدين. ولنا: قوله: "يداً بيد". وإن باع مكيلاً بموزون، كاللحم بالبرّ، جاز التفرق قبل القبض، وفي النسإ روايتان؛ هذا ذكره أبو الخطاب، وقال: هو رواية واحدة، لأن العلة مختلفة فجاز التفرق، كالثمن والمثمن. ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض، وفي النسإ روايتان: إحداهما: لا يجوز، لأنهما من أموال الربا كالمكيل بالمكيل. والثانية: يجوز، وهو قول النخعي، لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي العلة؛ وعند من يعلل بالطعم: لا يجيزه هنا.
وما لا يدخله ربا الفضل، كالثياب والحيوان، فيه أربع روايات:
إحداهن: لا يحرم النسأ فيه، لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة"، ١ فعليها تحريم النسإ للوصف الذي مع الجنس، أما الكيل أو الوزن أو الطعم عند من يعلل به، [فيختص تحريم النسإ بالمكيل والموزون] ٢.
الثانية: يحرم النسأ في كل مال بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه أو لا، لحديث سمرة: "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". ٣ قال الترمذي: حديث صحيح، فتكون علة النسإ: المالية.
стр. 498
قال القاضي: فعليها، لو باع عرضاً بعرض ومع أحدهما دراهم، العروض نقد والدراهم نسيئة، جاز. وإن كان بالعكس لم يجز، لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض. قال شيخنا: وهذه الرواية ضعيفة جداً، لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، لأن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافاً لها أمر في تحريم الفضل، فلا يجوز حذفها، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه، وإن لم يخالف أصلاً، فكيف مع مخالفة الأصل في حل البيع. والحديث من رواية الحسن عن سمرة، وأبو عبد الله لا يصحح سماعه منه.
الثالثة: يحرم النسأ في كل مال بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، ولا يحرم في غيره؛ وهذا مذهب أبي حنيفة. ويروى كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة عن ابن الحنفية وابن سيرين وغيرهما، لأن الجنس أحد وصفي العلة.
الرابعة: لا يحرم إلا فيما بيع بجنسه متفاضلاً، لما روى جابر، رفعه: " الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نسأ، ولا بأس به يداً بيد"، ١ قال الترمذي: حديث حسن، ولأحمد عن ابن عمر: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس؟ " ٢ الحديث، والرواية الأولى أصح لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها فقد قال أحمد: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه. وإن كان أحد المبيعين لا ربا فيه والآخر فيه ربا، كالمكيل بالمعدود، ففي تحريم النسإ فيهما روايتان.
ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الديْن بالديْن. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد، ويجزئ القبض في المجلس وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال مالك:
стр. 499
لا خير في ذلك، لأنهما فارقا مجلسهما. ولنا: أنهما لم يفترقا، وقد دل عليه حديث أبي برزة في اللذيْن مشيا إليه قال: "ما أراكما افترقتما". وإن قبض البعض ثم افترقا، بطل في الجميع، وفيما لم يقبض، بناء على تفريق الصفقة. وإن تقابضا ثم افترقا، فوجد أحدهما عيباً فردّه، بطل العقد؛ هذا إن كان فيه عيب من غير جنسه، وإن كان منه، فتذكره. والرواية الأخرى: لا يبطل، لأن قبض عوضه في مجلس الرد يقوم مقام قبضه. وإذا اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم وتقابضا، ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة ولا حيلة، فلا بأس. قال أحمد: بيعها من غيره أحب إلي. قيل له: فإن لم يعلمه أنه يريد بيعها منه؟ قال: يبيعها من غيره، فهو أطيب لنفسه، وأحرى أن يستوفي الذهب منه، فإنه إذا ردها إليه لعله ألا يوفيه الذهب. ولا يحكم الوزن ولا يستقصي، يقول: هي رجع إلي. قيل له: فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره، فلم يجدها فرجع إليه. قال: إذا كان لا يبالي اشتراها منه أو من غيره، فنعم. وقال مالك: إن فعل ذلك مرة جاز، وإن فعله أكثر من مرة لم يجز، لأنه يضارع الربا. ولنا: حديث بلال، ولم يأمره أن يبيع من غير من يشتري منه، ولأن ما جاز من التبايعات مرة جاز على الإطلاق. وإن تواطآ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد.
و (الصرف) قسمان: أحدهما: عين بعين. الثاني: أن يقع على موصوف نحو: بعتك ديناراً مصرياً بعشرة دراهم ناصرية، وقد يكون أحدهما معيناً، وكل ذلك جائز. فإن تبايعا عيناً بعين، ثم تقابضا فوجد أحدهما عيباً، فإن كان غشاً من غير جنسه كالنحاس في الدراهم، فالصرف باطل. وذكر أبو بكر
стр. 500
ثلات روايات: هذه إحداها. والثانية: صحيح، وللمشتري الخيار والرد وأخذ البدل. والثالثة: يلزمه العقد ولا رد ولا بدل.
ولنا: أنه باعه غير ما سمى فلم يصح، واللزوم لا يصح، لأنه اشترى معيباً لم يعلمه، فلا يلزمه بغير أرش.
وإن كان العيب من جنسه، كالسواد في الفضة، فيصح، ويخيّر بين الإمساك والرد. وإن قلنا: إن النقد لا يتعين بالتعيين، فله أخذ البدل ولا يبطل العقد ولو أراد أخذ الأرش، والعوضان من جنس واحد لم يجز بحصول الزيادة، وإن كان بغير جنسه فله أخذه في المجلس. وإن كان بعد التفرق لم يجز، إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن، كأخذ أرش عيب الفضة حنطة فيجوز. وكذلك الحكم في سائر أحوال الربا، لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض. وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض، ثم علم عيبه، فسخ ورد الموجود، ويبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده، سواء كان الصرف بجنسه أو غيره. قال ابن عقيل: وروي عن أحمد جواز أخذ الأرش، والأول أولى، إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين.
وإن تصارفا في الذمة صح، إذا تقابضا قبل الافتراق، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وعنه: لا يجوز حتى يظهر أحد العينين وتعيّن، لقوله: "ولا تبيعوا غائباً بناجز"، ١ ولأنه بيع دين بدين. ولنا: أنهما تقابضا في المجلس، فالحديث يراد به ألا يباع عاجل بآجل، أو مقبوض بغير مقبوض، بدليل ما لو عيّن أحدهما فإنه يصح.
وإن وجد أحدهما عيباً قبل التفرق، فله المطالبة بالبدل، سواء كان العيب من جنسه أو لا، لأن العقد وقع على مطلق لا عيب فيه. وإن رضيه بعيبه وهو من جنسه جاز. وإن اختار الأرش والعوضان من جنس جاز. وإن افترقا والعيب من جنسه، فله إبداله، في إحدى الروايتين؛ روي عن الحسن
стр. 501
وقتادة. والثانية: ليس له ذلك. ومن نصر الأول قال: قبض الأول صح به العقد، والثاني بدل عن الأول.
ويشترط أخذ البدل في مجلس الرد، وإلا بطل العقد. وإن وجد في البعض، فعلى الأولى له البدل، وعلى الثانية يبطل في المردود، وفيما لم يردّ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة.
وإن اختار الفسخ، فعلى قوله البدل: لا فسخ له إن أبدله، وعلى الأخرى: له الفسخ والإمساك في الجميع. وإن اختار الأرش بعد التفرق، لم يكن له ذلك، ويجوز على الرواية الأخرى.
وإذا كان لرجل في ذمة آخر ذهب، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا، لم يصح؛ وبه قال الشافعي، لأنه بيع ديْن بديْن. وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز. قال أحمد: إنما هو إجماع. وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة: جوازه، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
ولو كان لرجل على رجل دنانير، فقضاه دراهم شيئاً بعد شيء، فإن كان يعطيه كل يوم درهماً بحسابه من الدينار صح، نص عليه.
ويجوز اقتضاء أحد النقدين عن الآخر، ويكون صرفاً بعين وذمة، في قول الأكثرين. ومنع منه ابن عباس وغيره. ولنا: حديث ابن عمر، وفيه: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء". ١ قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا، إلا ما قال أصحاب الرأي: أنه يقضيه مكانها ذهباً على التراضي، لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضاً. ولنا: قوله: "بسعر يومها "، ولأنه جرى مجرى القضاء فتقيد بالمثل، والتماثل هنا بالقيمة لتعذره بالصورة. قيل لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بالدانق في الدينار وما أشبهه، فسهل فيه
стр. 502
ما لم يكن حيلة. فإن كان الذي في الذمة مؤجلاً، فقد توقف أحمد فيه، ومنعه مالك، لأنه غير مستحق القبض، فكان القبض ناجزاً في أحدها والتأخير يأخذ قسطاً من الثمن.
والثاني: الجواز، وهو قول أبي حنيفة، لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، وهذا الصحيح إذا قضى بسعر يومها ولم يجعل للمقتضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة، ولم يستفصل النبي ﷺ ابن عمر حين سأله.
ولو كان له عند رجل دينار وديعة، فصارفه به، وهو معلوم بقاؤه أو مظنون، صح. وإذا عرفا وزن العوضين، جاز أن يصطرفا بغير وزن. وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدّقه، فإن وجد أحدهما نقصاً بطل.
والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين، فلا يجوز إبدالها. وإن خرجت مغصوبة، بطل العقد؛ وبه قال مالك والشافعي. وعن أحمد: أنها لا تتعين، فيجوز إبدالها، وهذا مذهب أبي حنيفة. فعلى الأول، إن وجدها معيبة، خُيّر بين الإمساك والرد.
وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان: أظهرهما: الجواز. ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به. وقد أشار أحمد إلى هذا فقال في رجل اجتمعت عنده زيوف يسبكها، قيل: يبيعها بدينار؟ قال: لا. قيل: يبيعها بفلوس؟ قال: أخاف أن يغرّ بها مسلماً. فقد صرح بأنه إنما كرهه للتغرير، وعليه يحمل منع عمر بيع نفاية بيت المال.
فإن قيل فقد روي عن عمر: "من زافت دراهمُه فليخرج بها إلى البقيع، فيشتري بها سحق الثياب"، قلنا: قد قال أحمد: معنى: زافت أي: نفيت، ليس أنها زيوف؛ ويتعين حمله عليه، جمعاً بين الروايتين.
ولا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه. وإن كان بغير
стр. 503
جنسه، فقد حكى ابن المندر عن أحمد: كراهة بيع تراب المعادن، وهو قول عطاء والشعبي والشافعي، لأنه مجهول. وقيل: يجوز، وهو قول مالك، روي ذلك عن الحسن والنخعي. والحيل كلها محرمة، قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبياً، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون عليّ.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هذا جائز إذا لم يشرط في العقد. ولنا: أن الله عذب أمة بحيلة احتالوها، وجعل ذلك موعظة للمتقين ليتعظوا بهم.
وإن اشترى شيئا بمكسرة، لم يجز أن يعطيه صحيحا أقل منها، قال أحمد: هذا الربا المحض.
ويحرم الربا بين المسلم والحربي، وبين المسلمين في دار الحرب. وقال أبو حنيفة: لا يحرم بين مسلم وحربي في دار الحرب، وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب: لا ربا بينهما، لما روى مكحول، رفعه: "لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب". ولنا: قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ، والخبر مرسل لا نعرف صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك؛ ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة بخبر مجهول. وقولهم: إن مال أهل الحرب يباح، ينتقض بالحربي في دار الإسلام، فإن ماله يباح إلا ما حضره الأمان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وجوز الشيخ بيع المصوغ المباح من النقدين بقيمته حالاً، وكذا جوزه نسأ، ما لم يقصد كونها ثمناً، قال: وإنما خرج عن القيمة بالصنعة، فليس بربوي،
стр. 504
وإلا فجنس بنفسه، فيباح خبز بهريسة.
وجوز أيضاً بيع موزون ربوي بالتحري للحاجة. وعلى المذهب، يجوز التفاضل فيما لا يوزن لصناعة، كالمعمول من الذهب والفضة، والصفر والحديد، وكالمعمول من الموزونات كالخواتم والسكاكين ونحو ذلك، اختاره الشيخ.
وبيع فلس بفلسين فيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، نص عليه في رواية جماعة. والثانية: يجوز. فعليها، لو كانت نافقة هل يجوز؟ على وجهين. وجزم أبو الخطاب في خلافه الصغير: بأنها مع نفاقها لا تباع بمثلها إلا مماثلة، معللاً بأنها أثمان، ثم حكى الخلاف في معمول الحديد. وعنه: يجوز بيع ثوب بثوبين يداً بيد، وأصله الوزن، ولم يراع أصله.
ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً ... إلخ، وقال الشيخ: إن بيع المكيل بجنسه وزناً، ساغ. وذكر في الفروع عنه: جواز بيع مكيل وزناً وموزون كيلاً. ولا يصح بيع لحم حيوان ... إلخ، وقال الشيخ: يحرم إذا كان الحيوان مقصود اللحم، وإلا فلا.
ولا يجوز في غير التمر، يعني: العرايا، إلا أن الشيخ جوز ذلك في الزرع. وخرج أيضاً جواز الخبز الطري باليابس في برية الحجاز ونحوها، وبيع الفضة الخالصة بالمغشوش نظراً للحاجة.
ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، وعنه: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، اختاره الشيخ في موضع من كلامه. فعليها، يشترط ألا يكون حيلة، نص عليه في رواية حرب، وعنه
стр. 505
رواية ثالثة: يجوز إذا لم يكن الذي معه مقصوداً كالسيف المحلى، اختاره الشيخ. فعلى المذهب: يكون من باب توزيع الأفراد على الجمل، وتوزيع الجمل على الجمل. وعلى الثانية: يكون من باب توزيع الأفراد على الأفراد.
ولو صرف الفلوس النافقة بذهب أو فضة لم يجز النسأ، نص عليه. ونقل ابن المنصور: الجواز، اختاره الشيخ. وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب يجوز النسأ، فيه سواء بيع بجنسه أو بغيره، متساوياً أو متفاضلاً. وعنه: لا يجوز النسأ في كل مال بيع بآخر؛ فعليها، علة النسإ: المالية. وعنه رواية ثالثة: لا يجوز في الجنس الواحد، كالحيوان بالحيوان. وعنه رواية رابعة: يجوز النسأ إلا ما بيع بجنسه متفاضلاً، اختاره الشيخ.
ولو كان لكل واحد دْين على صاحبه من غير جنسه، وتصارفا ولم يحضرا شيئاً، فإنه لا يجوز سواء كانا حالين أو مؤجلين، واختار الشيخ الجواز.
стр. 506
باب بيع الأصو ول الأثمان
...
باب بيع الأصول والثمار
وإن ظهر في الأرض معدن لا يعلم به البائع، فله الخيار.
وروي: "أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضاً، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض ولم نبع المعدن. وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي ﷺ لأبيهم، فأخذه وقبله، وردّ عليهم المعدن". وعن أحمد: إذا ظهر المعدن في ملكه، ملكه. وظاهره أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له خياراً. وإن كان في الأرض زرع لا يحصد إلا مرة كالبر، فهو للبائع يبقى إلى الحصاد، إلا أن يشترطه المبتاع. ولا يضر جهله وعدم كماله، كما لو اشترى شجرة فاشترط ثمرتها بعد تأبيرها. وإن أطلق البيع، فهو للبائع، لا أعلم فيه مخالفاًً.
ومتى حصد الزرع وبقيت له عروق تستضر بها الأرض، فعلى البائع إزالتها، وكذلك كل نقص دخل على ملك شخص لاستصلاح ملك آخر من غير إذن الأول، ولا فعل صدر عنه النقص وأسند إليه، كان الضمان على مُدخل النقص.
ومن باع نخلاً مؤبراً وهو ما تشقق طلعه، فالثمر للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع. والإبار: التلقيح، إلا أنه لا يكون حتى يتشقق، فعبر به عن ظهور الثمرة، وهذا قول الأكثر. وحكى ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أنه إذا تشقق ولم يؤبر، أنه للمشتري، لظاهر الحديث. فإن أُبر بعضه، فما أُبر للبائع وما لم يؤبَّر للمشتري، نص عليه. وقال ابن حامد: الكل للبائع، وهو مذهب الشافعي
стр. 507
ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبه، إلا بشرط القطع في الحال، لما روى مسلم: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري". ١ قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به. ولا يجوز بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله. ورخص مالك في شراء جزتين وثلاث.
وإن باع ثمرة شيء من هذه البقول كالقثاء والباذنجان، لم يجز إلا أن يبيع الموجود منها دون المعدوم. وقال مالك: يجوز بيع الجميع، لأنه يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا.
ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالبصل حتى يقلع، وأباحه مالك وإسحاق، لأن الحاجة تدعو إليه، أشبه ما لم يبد صلاحه. ولنا: النهي عن بيع الغرر. والحصاد واللقاط على المشتري، وكذلك الجذاذ، وفارق الكيل والوزن، لأنهما من مؤنة التسليم، وهنا حصل بالتخلية، ولا نعلم فيه مخالفاًً.
وبيع الثمرة قبل الصلاح مع الأصل جائز بالإجماع. وإن باعها منفردة لمالك الأصل ففيه وجهان: أحدهما: يصح وهو المشهور عن مالك. والثاني: لا يصح، لأنها تدخل في عموم النهي، بخلاف بيعهما معاً فإنه مستثنى بالخبر.
وإذا باع الزرع الأخضر مع الأرض جاز، وإن باعه لمالك الأرض منفرداً فوجهان. وإذا اشترى قصيلا من شعير ونحوه، فقطعه ثم نبت، فهو لصاحب الأرض، لأن المشتري ترك الأصول على سبيل الرفض لها.
ولو سقط من الزرع حب ثم نبت من العام المقبل، فلصاحب الأرض، نص أحمد على المسألتين.
стр. 508
فإن باعها بشرط القطع، ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح، أو طالت الجزة، أو حدثت ثمرة أخرى فلم تميز، أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأتمرت، بطل البيع. وعنه: لا يبطل، ويشتركان في الزيادة. وعنه: يتصدقان بها.
ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها، روي ذلك عن الزبير والحسن، و"كرهه ابن عباس لأنه بيع قبل القبض". وإن تلفت بجائحة من السماء، رجع على البائع؛ وهو قول أكثر أهل المدينة. وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري. قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعده، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. قلنا: الحديث ثابت رواه مسلم وغيره، وحديثهم لا حجة لهم فيه، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى ألا يفعل الواجب فقد تألى ألا يفعل خيراً، وإنما لم يخّيره لأنه يخيّر لمجرد قول المدعي. والجائحة: كل آفة لا صنع لآدمي فيها، وما كان بفعل آدمي فقال القاضي يخّير المشتري فيها بين الفسخ ومطالبة البائع، وبين البقاء ومطالبة الجاني.
فإن قيل: فقد نهي عن ربح ما لم يضمن، وإذا كانت القيمة أكثر من الثمن فقد ربح فيه، قلنا: النهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز إجماعاً، وظاهر المذهب: أنه لا فرق بين القليل والكثير، إلا ما جرت العادة بتلف مثله. قال أحمد: لا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت الجائحة تستغرق الثلث أو الربع أو الخمس توضع. وعنه: ما دون الثلث من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، لأنه لا بد أن يأكل الطائر وتنثر الريح، فحد بالثلث لاعتبار الشارع له في الوصية، وعطية المريض.
стр. 509
قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة.
وإن استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً، كدار استأجرها ليقصر الثياب فيها، فتلفت الثياب فيها.
وصلاح بعض الثمرة في الشجرة صلاح لجميعها، لا نعلم فيه خلافا، وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين. وقال محمد بن الحسن: ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه، وما تأخر تأخراً كثيراً، فلا يجوز في الباقي. وبدو الصلاح في النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموّه، وفي سائر الثمرات أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله.
ومن باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، رواه مسلم. فإن كان قصده المال، اشترط علمه وسائر شروط البيع. وإن لم يكن قصده المال لم يشترط علمه.
قال أحمد في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه، وظهر على عيب وقد تلف القناع: غرم قيمته بحصته من الثمن. وإن كان عليها ثياب، فقال أحمد: ما كان للجمال فهو للبائع، وأما للبس المعتاد فهو للمشتري. وقال ابن عمر: "من باع وليدة زينها بثياب، فللذي اشتراها ما عليها، إلا أن يشترطه الذي باعها"، وبه قال الحسن والنخعي. ولنا: الخبر المذكور.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
مرافق الأملاك، كالطرق والأفنية ومسيل الماء ونحوها، هل هي مملوكة أو يثبت فيها حق الاختصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: ثبوت حق الاختصاص
стр. 510
من غير ملك، جزم به القاضي، ودل عليه نصوص أحمد. ولو باع قرية لم تدخل مزارعها إلا بذكرها، قال المصنف وغيره: أو قرينة. قلت: وهو الصواب.
قوله: ومن باع نخلاً مؤبراً، وهو ما تشقق ... إلخ، وعنه: أن الحكم منوط بالتأبير، لا بالتشقق، نصرها الشيخ واختارها. وإذا باعه ولم يشترط القطع، لم يصح، وعنه: يصح إن قصد القطع، ويلزم به في الحال. وقال الشيخ: يجوز بيع اللقطة الموجودة والمعدومة إلى أن تيبس المقثاة. وقال: يجوز بيع المقاثي دون أصولها.
وعن أحمد: لا جائحة في غير النخل، واختار الشيخ ثبوت الجائحة في زرع مستأجر، وحانوت نقص نفعه عن العادة، وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام.
وقال الشيخ: قياس نصوصه إذا عطل نفع الأرض بآفة، انفسخت فيما بقي، كانهدام الدار، وأنه لا جائحة فيما تلف من أجناسه، فيتبع الجوز التوت، والعلة: عدم اختلاف الأيدي على الثمرة، قال في الفروع: واختار شيخنا بقية الأجناس التي تباع عادة كالنوع.
стр. 511
باب السلم
قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله في كتابه، وأذن فيه. ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ الآية ١". رواه سعيد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السّلَم جائز، ولا يصح إلا بشروط سبعة:
(أحدها) : أن يكون مما يمكن ضبط صفاته، كالمكيل والموزون والمزروع. وأجمعوا على أن السّلَم في الطعام جائز؛ فأما المعدود كالحيوان ونحوه، فعنه: لا يصح. قال عمر: "إن من الربا أبواباً لا تخفى، وإن منها السّلَم في السن"، ولأن الحيوان لا يمكن ضبطه. وعن أحمد: جوازه. قال ابن المنذر: وممن روينا عنه ذلك: ابن مسعود وابن عباس وابن عمر. فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف. ثم هو محمول على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان، قال الشعبي: "إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان"، لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم، رواه سعيد. قال أحمد: لا أرى السلَم إلا فيما يُكال ويوزن أو يوقف عليه بحد، فأما الرمان والبيض فلا أرى السلَم فيه. ونقل ابن منصور جواز السلَم في الفواكه والخضروات، لأن كثيراً من ذلك يتقارب، وفي السلَم في الرؤوس من الخلاف ما ذكرناه، وكذلك الأطراف.
стр. 512
ويصح في اللحم، لقوله: " في كيل معلوم " ظاهره: إباحته في كل موزون، ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر.
(الثاني) : أن يصفه بما يختلف به الثمن، فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكر؛ وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له أخذه، لقوله: "من أسلف في شيء، فلا يصرفه إلى غيره". ١ رواه أبو داود. وذكر ابن أبي موسى رواية: أنه يجوز أن يأخذ مكان البر شعيراً مثله.
(الثالث) : أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والزرع في المزروع، ولا نعلم في اعتبار معرفة قدر السلَم فيه خلافاً. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلَم جائز في الثياب بزرع معلوم. فإن أسلم في المكيل وزناً والموزون كيلاً، لم يصح. ونقل المروذي عن أحمد: أن السلَم في اللبن يجوز إذا كان كيلاً أو وزناً، وهو قول الشافعي وابن المنذر. وقال مالك: ذلك جائز إذا كان الناس يبايعون التمر وزناً، وهذا الصحيح؛ وهذا يدل على إباحة السلَم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً، ولأن الغرض معرفة قدره. ولا بد أن يكون المكيال معلوماً، فإن اشترط مكيالاً بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلَم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذرع فلان، لأن المعيار لو تلف ومات فلان بطل السلم. وما عدا المكيل والموزون والحيوان، فعلى ضربين: معدود، وغيره. والمعدود نوعان: أحدهما: لا يتباين كثيراً، كالجوز والبيض فيسلم فيه عدداً، وقال الشافعي: لا يسلم فيهما عدداً. ولنا: أن التفاوت يسير. والثاني: ما يتفاوت، كالرمان
стр. 513
والسفرجل فحكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول، وفيه وجهان: أحدهما: يسلم فيه عدداً ويضبط بالصغر والكبر. والثاني: لا يسلم فيه إلا وزناً، وبه قال الشافعي.
(الرابع) : أن يشترط أجلاً معلوماً له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم ونحوه، لم يصح. وقال الشافعي وابن المنذر: يجوز السلَم حالاً. ولنا: قوله: "إلى أجل معلوم"، فأمر بالأجل. فإن باعه ما يصح السلَم فيه حالاً في الذمة صح، ولكن يشترط أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، فإن باعه ما ليس عنده لم يصح، إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح. فأما إن أسلم إلى الحصاد والجذاذ، فعلى روايتين، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس؛ وبه قال مالك. وعن ابن عمر: "أنه كان يبتاع إلى العطاء". وعن ابن عباس أنه قال: "لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم". فإن قيل: قد روي عن عائشة: "أنه ﷺ بعث إلي يهودي أن أبعث إليَّ بثوبين إلى الميسرة"، ١ قلنا: قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة، وقال أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق. قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه. ثم إنه لا خلاف أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح. وإذا جاءه بالسلَم قبل محله ولا ضرر فيه، قبضه وإلا فلا. وليس له إلا أقل ما يقع عليه الصفة. وعليه أن يسلم في الحبوب نقية، وإن كان فيها تراب لا يؤثر في الكيل ولا يعيب، لزمه أخذه. ولا يلزمه أخذ التمر إلا جافاً، ولا يلزمه أن يتناهى جفافه.
(الخامس) : أن يكون المسلَم فيه عام الوجود في محله، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يمكن تسليمه، فلا يصح، كبيع الآبق، بل أولى، لأن
стр. 514
السلَم إذا أسلم في ثمرة بستان احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر. وقال ابن المنذر: إبطال السلَم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم. ولا يشترط وجود السلَم فيه حال العقد، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء. وقال الثوري وأصحاب الرأي: يشترط أن يكون جنسه موجوداً لأن كل زمان يجوز أن يكون محلاً لموت المسلَم إليه. ولنا: "أنه ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين ... إلخ"، ١ ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذَكره ولنهاهم عن السلف سنين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلَم فيه أوسط السنة. ولا نسلّم أن الديْن يحل بالموت، وإن سلّمنا فلا يشترط ذلك، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلَم مجهولة. وإذا تعذر تسليم المسلَم فيه عند محله، إما لغيبة المسلَم إليه، أو عجز عن التسليم حتى عدم المسلَم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالمسلم بالخيار بين الصبر وبين الفسخ، ويرجع بالثمن إن كان موجوداً أو بمثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته. وفيه وجه آخر: أنه ينفسخ بنفس التعذر. وإذا أسلم ذمي إلى ذمي في خمر، ثم أسلم أحدهما، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن المسلم يأخذ دراهمه.
(السادس) : أن يقبض رأس مال السلَم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين أو ثلاثة وأكثر ما لم يكن شرطاً. وإن قبض بعضه، فهل يصح في المقبوض؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة. وإن قبض الثمن فوجده رديئاً فرده، والثمن معيّن، بطل بردّه. فإن كان أحد النقدين، وقلنا يتعين بالتعيين، بطل. وإن كان في الذمة، فله إبداله في المجلس. وإن تفرقا ثم علم عيبه فردّه،
стр. 515
ففيه وجهان: أحدهما: يبطل. والثاني: لا، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي، ولكن يشترط أن يقبض البدل في مجلس الرد. قال أحمد: إذا ظهرت الدراهم مسروقة، فليس بينهما بيع. وإن كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلماً في طعام إلى أجل، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. وروي عن ابن عمر أنه قال: "لا يصح ذلك". فإن اختلفا في المسلَم فيه، فقال أحدهما: في حنطة، وقال الآخر: في شعير، تحالفا وتفاسخا. وإن أسلم ثمناً واحداً في جنسين، لم يجز حتى يبيّن ثمن كل جنس. وقال مالك: يجوز. وللشافعي قولان.
(السابع) : أن يسلم في الذمة، فإن أسلم في عين لم يصح، لأنه ربما تلف قبل تسليمه، ولأنه يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلَم فيه. ولا يشترط مكان الإيفاء، لأنه ﷺ لم يذكره، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه، فيشترط ذكره.
ولا يجوز بيع المسلَم فيه قبل قبضه، بغير خلاف علمناه، "لأنه ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن"، ١ وكذلك التولية والشركة، في قول الأكثر. وحكي جوازها عن مالك. ولا يجوز هبته قياساً على البيع، ولا أخذ غيره مكانه؛ وبه قال الشافعي. وذكر ابن أبي موسى رواية فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل، فرضي أن يأخذ شعيراً مثله، جاز. وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلَم فيه يتعجله، ولا يتأجله إلى الطعام.
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت في شيء إلى أجل، فخُذ ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضاً أنقص منه، ولا تربح مرتين". رواه سعيد.
стр. 516
ويجوز بيع الديْن المستقر لمن هو في ذمته، بشرط أن يقبض عوضه في المجلس، ولا يجوز لغيره، لحديث ابن عمر: "كنا نبيع الإبل ... إلخ" فدل على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، وغيره مقاس عليه. ودل على اشتراط القبض في المجلس قوله: "إذا تفرقتما وليس بينكما شيء ". وإن أعطاه مما يشترط فيه التقابض، مثل إن أعطاه عوض الحنطة شعيراً جاز، ولم يجز التفرق قبل القبض. وإن أعطاه مما لا يشترط فيه التقابض جاز التفرق قبل قبضه، كما لو قال: بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك. ويحتمل أن لا يجوز، لأنه في الذمة، فلم يجز التفرق قبل القبض، كالسلم.
وإن باع الديْن لغير من هو في ذمته لم يصح، قال أحمد: إذا كان لك على رجل طعام قرضاً، فبعْه من الذي هو عليه بنقد، ولا تبعْه من غيره بنقد ولا نسيئة. وإذا أقرضت رجلاً دراهم أو دنانير، فلا تأخذ من غيره عوضاً بما لك عليه. وقال الشافعي: إن كان على معسر أو مماطل لم يصح، وإن كان على مليء باذل، ففيه قولان: أحدهما: يصح، لأنها تباع بمال ثابت.
ويشترط أن يشتري بعين أو يتقابضا في المجلس، لئلا يكون بيع ديْن بديْن. ولنا: أنه غير قادر على تسليمه، كبيع الآبق.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة، وأما الإقالة في البعض فاختلفت الرواية فيها. وإذا أقاله رد الثمن إن كان باقياً، وإلا مثله أو قيمته إن لم يكن مثلياً. ويشترط رده في المجلس كما يشترط في السلَم. وإن انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فقال الشريف: لا يجوز له صرف ذلك الثمن في عقد آخر، وبه قال أبو حنيفة، وقال القاضي: يجوز أخذ العوض عنه، وهو قول الشافعي.
стр. 517
فإن قلنا بهذا، لم يجعل في سلَم آخر، لأنه بيع ديْن بديْن.
ويجوز فيه ما يجوز في القرض وأثمان البياعات إذا فسخت، ويأخذ أحد النقدين عن الآخر، ويقبضه في مجلس الإقالة. وإذا كان لرجل سلَم وعليه سلَم من جنسه، فقال لغريمه: اقبض سلَمي لنفسك ففعل، لم يصح، لأنه حوالة به ولا يجوز بالسلَم.
وهل يقع قبضه للآمر؟ على روايتين، وإن قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده جاز في إحدى الروايتين. والثانية: لا يجوز، وهو مذهب الشافعي، "لأنه ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري". ١ وإن اكتاله وتركه في المكيال، وسلمه إلى غريمه، صح، لأنه لا معنى لابتداء الكيل هنا، لأنه لا يحصل به زيادة علم. وقال الشافعي: لا يصح، للحديث الذي ذكرناه. وهذا يمكن القول بموجبه لأن قبض المشتري له في المكيال جرى لصاعه فيه. وإن دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال: اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك عليّ، ففعل، لم يصح. وإن قال: اشتر لي بها طعاماً، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء ولم يصح القبض لنفسه. وإن قال: اقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح؛ نص عليه. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح، لأنه لا يكون قابضاً من نفسه لنفسه.
وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلَم فيه، على روايتين: رويت الكراهة عن علي وابن عباس. وروى حنبل جوازه، وهو قول عطاء ومجاهد ومالك والشافعي، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ ٢ - إلى قوله - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . ٣ وروي عن ابن عباس وابن عمر: " أن المراد به السلَم"، ولأن اللفظ عام فيدخل فيه السلَم. ووجه الأولى: أن الراهن والضمين إن أخذ برأس
стр. 518
المال فقد أخذ بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب، لأن المسلَم إليه قد ملكه. وإن أخذ بالمسلَم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلَم فيه لا يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن ولا من ذمة الضامن، لقوله: "من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" ١.
فإن أخذ رهناً أو ضميناً بالمسلَم فيه، ثم تقايلا أو فسخ العقد لتعذر المسلَم فيه، بطل الرهن وبرئ الضامن، وعلى المسلَم إليه رد رأس مال السلَم في الحال. ولا يشترط قبضه في المجلس، لأنه ليس بعوض.
ولو أقرضه ألفاً وأخذ به رهناً، ثم صالحه من الألف على طعام في ذمته، صح وزال الرهن، وبقي الطعام في الذمة، ويشترط قبضه في المجلس لئلا يكون بيع ديْن بديْن. فإن تفرقا قبل القبض، رجع الألف إلى ذمته برهنه، وكذا لو صالحه عن الدراهم بدنانير في ذمته، فالحكم على ما بيّنّا.
والذي يصح أخذ الرهن به: كل ديْن ثابت في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، كالأجرة والمهر وعوض الخلع وأرش الجنايات.
ولا يجوز أخذ الرهن بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب، كالدية على العاقلة قبل الحول، لأنها لم تجب بعد ولا يعلم إفضاؤها إلى الوجوب، لأنها قد تسقط بالجنون والفقر والموت. ولا يجوز أخذ الرهن في الجعل في الجعالة قبل العمل. ولا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة. ولا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة، كالثمن المعين، والأجرة المعينة في الإجارة، والمعقود عليه في الإجارة، إذا كان منافع معينة كإجارة الدار والدابة المعينة، لأنه تعلق بالعين لا بالذمة، ومنفعة العين لا يمكن استيفاؤها
стр. 519
من غيرها. وأما الأعيان المضمونة كالغصوب والعواري والمقبوض على وجه السوم، ففيه وجهان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يجوز إسلام عرض في عرض على الصحيح، وعنه: لا يجوز إلا بعين أو ورق. فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم، لم يصح. وذكر في الانتصار رواية: يصح حالاً، اختاره الشيخ إذا كان في ملكه، وقال: وهو المراد بقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " لا تبع ما ليس عندك"، ١ أي: ما ليس في ملكك، فلو لم يجز السلَم حالاً لقال: لا تبعْ هذا سواء كان عندك أو لا.
ولا يجوز بيع الديْن المستقر لغير من هو في ذمته، وعنه: يصح، قاله الشيخ. وقد شمل كلام المصنف مثله بيع الصكاك، وهو الديون الثابتة على الناس تكتب في صكاك وهو الورق ونحوه. فإن كان نقداً وبيع بنقد لم يجز. وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس، ففيه روايتان: عدم الجواز، قال أحمد: هو غرر. والجواز نص عليها في رواية حرب وغيره.
стр. 520
باب القرض
قال أحمد: ليس القرض من المسألة، يريد: أنه لا يكره. وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه. وإن لم يذكر البدل، ولم توجد قرينة، فهو هبة؛ وإن اختلفا، فالقول قول الموهوب له، لأن الظاهر معه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن اقتراض ما له مثلٌ من المكيل والموزون والأطعمة جائز. وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون، لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر.. ولنا: "أنه ﷺ استسلف بكراً". ١ ولو اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن، لم يجز، وكذلك لو اقترض مكيلاً أو موزوناً جزافاً. فإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً جاز قرضها عدداً. ولو أجّله لم يتأجل، وكل دين حلّ لم يصر مؤجّلا بتأجيله. وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم". فإن ردّه المقترض عليه، لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان، فيكون له القيمة وقت القرض، نص عليه في الدراهم المكسرة، قال يقوّمها كم تساوي يوم أخذها. وأما رخص السعر فلا يمنع، سواء كان قليلاً أو كثيراً، أشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت.
ويجب رد المثل في المكيل والموزون والقيمة في الجواهر ونحوها، إذا قلنا بجواز قرضها، وفي ما سوى ذلك وجهان: أحدهما: يرد القيمة. والثاني: يرد مثله، "لأنه ﷺ استسلف بكراً فرد مثله".
стр. 521
ويجوز قرض الخبز، وإن أقرضه بالوزن ردّ مثله. وإن استقرضه عدداً وردّ عدداً، فروايتان. ولا يجوز شرط ما يجر نفعاً. وقد روي عن أبيّ وابن مسعود وابن عباس: "أنهم نهوْا عن قرض جرّ منفعة"، فإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، فروي عن أحمد: أنه لا يجوز. ورويت كراهته عن الحسن ومالك والشافعي. وروي جوازه عن أحمد. وإن فعل ذلك من غير شرط، أو قضاه خيراً منه، أو أهدى له هدية بعد الوفاء، جاز. وروي عن أبيّ وابن عباس المنع من ذلك. ولنا: "أنه ﷺ استسلف بكراً، فردّ خيراً منه". وإن فعله قبل الوفاء لم يجز، إلا أن تكون العادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، إلا أن يكافئه أو يحسبه من ديْنه؛ قال أحمد: لو قال: اقترض لي من فلان مائة، ولك عشرة فلا بأس. ولو قال: اكفل عني ولك ألف، لم يجز، لأن الكفيل يلزمه أداء الديْن، فيجب له على المكفول عنه، فصار كالقرض.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: يصح في كل عين ... إلخ، وقال الشيخ: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يوماً، أو يسكنه داره ليسكنه الآخر بدلها.
ولو أقرض من له عليه ديْن ليوفيه كل وقت شيئاً جاز، نقله مهنا، ونقل حنبل: يكره. ولو أقرض فلاحه في شراء بقر أو بذر بلا شرط، حرم عند أحمد، وجوزه المصنف. وإن أمره ببذره وأنه في ذمته كالمعتاد في فعل الناس ففاسد، له تسمية المثل، ولو تلف لم يضمنه لأنه أمانة، ذكره الشيخ.
ولو أقرض من عليه بر يشتريه به ويوفيه إياه، فقال أحمد: حرام، وقال في المغني: يجوز.
стр. 522
وأداء الديْن واجب على الفور عند المطالبة، وبدونها لا يجب على الفور، قال ابن رجب: محله إذا لم يكن عيّن له وقتاً للوفاء كيوم كذا، فإن عيّن فلا ينبغي أن يجوز تأخيره. وقال في القواعد الأصولية: ينبغي أن يكون محل جواز التأخير إذا كان صاحب المال عالماً به، وإلا فيجب إعلامه
стр. 523
باب الرهن
يجوز الرهن في الحضر. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف فيه إلا مجاهد لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. ١ ولنا: "أنه ﷺ رهن درعه عند يهودي بالمدينة". ٢ فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب، لكون الكاتب يعدم في السفر غالباً، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور في الآية، وهو غير واجب، لا نعلم فيه مخالفاًً. والأمر فيه إرشاد لا إيجاب، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ الآية.
ويجوز عقده مع الحق وبعده. ولا يجوز قبله، وهو مذهب الشافعي. واختار أبو الخطاب: يصح قبله، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ويجوز رهن ما يسرع الفساد إليه بديْن مؤجل، ويباع ويجعل ثمنه رهناً. ويصح رهن المشاع، فإن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما، جاز، وإلا جعله الحاكم في يد أمين.
ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه، فأما رهنه على ثمنه قبل قبضه ففيه وجهان. فأما المكيل والموزون فذكر القاضي أنه يصح، لأنه يمكن المشتري أن يقبضه ثم يقبضه، ويحتمل أن لا يصح، لأنه لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة قبل بدو صلاحها.
ولو قال للمرتهن:
стр. 524
زدني ما لا يكون الذي عندك به رهناً وبالديْن الأول، لم يجز. وقال مالك وأبو يوسف وأبو ثور وابن المنذر: يجوز. ولو رهن المبيع في مدة الخيار لم يصح، إلا أن يرهنه المشتري، والخيار له وحده، فيصح ويبطل خياره.
ولو أفلس المشتري فرهن البائع عين ماله التي له الرجوع فيها قبل الرجوع لم يصح، لأنه رهن ما لا يملكه، وكذلك رهن الأب العين التي له الرجوع فيها قبل رجوعه في الهبة، وفيه وجه لأصحاب الشافعي: أنه يصح. ولو رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين صح، وفيه وجه: أنه لا يصح. فإذا رهنه ثم قضى الحق من غيره، فالرهن بحاله، وإلا فللغرماء انتزاعه.
ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، وأما قبله فيجوز للراهن فسخه، وبهذا قال الشافعي. وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أخرى: أنه يلزم بمجرد العقد، نص عليه في رواية الميموني. وقال مالك: يلزم الرهن بمجرد العقد، كالبيع. ووجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . ١ واستدامة القبض شرط، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره، زال لزوم الرهن. وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطاً.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الرجل إذا استعار شيئاً يرهنه على دنانير معلومة، عند رجل قد سماه، إلى وقت معلوم، ففعل، أن ذلك جائز. ومتى شرط شيئاً من ذلك، فخالف ورهن بغيره، لم يصح. وهذا إجماع أيضاً، حكاه ابن المنذر. وإن رهنه بأكثر، احتمل أن يبطل في الكل، قاله الشافعي. واحتمل أن يصح في المأذون فيه، ويبطل في الزائد، كتفريق الصفقة. فإن أطلق الإذن في الرهن، فقال القاضي: يصح.
стр. 525
وله رهنه بما شاء، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر: لا يجوز حتى يبيّن القدر وصفته وحلوله وتأجيله.
فإن تلف فإن الراهن يضمنه، نص عليه، لأن العارية مضمونة. وإن فك المعير الرهن بغير إذن الراهن، محتسبا بالرجوع، فهل يرجع؟ على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه.
وإذا رهنه المضمون على المرتهن كالمغصوب والعارية صح، وزال الضمان، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يزول الضمان ويثبت حكم الرهن، لأنه لا تنافي بينهما، لأنه لو تعدى في الرهن ضمن. ولنا: أنه مأذون له في إمساكه رهناً لم يتجدد فيه منه عدوان، وقوله: لا تنافي بينهما، ممنوع لأن يد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ضامنة، ويد المرتهن يد أمانة، وهذان متنافيان، ولأن السبب المقتضي للضمان زال [فزال بزواله. وإذا تعدى في الرهن، ضمن لعدوانه لا لكونه غاصباً أو مستعيراً، وهنا زال السبب.
ويجوز للمرتهن أن يوكّل في قبض الرهن] ، ١ ويقوم وكيله مقامه في القبض وسائر الأحكام. وتصرف الراهن في الرهن لا يصح، إلا العتق، فإنه يصح، ويؤخذ منه قيمته فيجعل رهناً مكانه. وعنه: لا ينفذ عتق المعسر، فإن أذن فيه المرتهن صح، وبطل الرهن.
وليس للراهن الانتفاع بالرهن باستخدام ولا غيره بغير رضى المرتهن، وقال مالك وغيره: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الديْن. وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم. وليس له إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع، وبنَوْه على أن المنافع للراهن لا تدخل في الرهن. وذكر أبو بكر في الخلاف:
стр. 526
أن منافع الرهن تعطل مطلقاً. ولا يؤجره، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. وقالوا: إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجاً من الرهن. ولنا: أن تعطيله تضييع للمال. وقد نهي عن إضاعته. ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطء أَمته المرهونة، وإن أذن له المرتهن في بيع الرهن أو هبته أو نحو ذلك صح، وبطل الرهن، إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً، أو يعجل ديْنه من ثمنه.
ونماء الرهن وغلاته تكون رهناً، وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء. وقال الشافعي وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب، حتى قال الشافعي: لو رهنه ماشية مخاضاً فنتجت، فالنتاج لا يدخل في الرهن. وخالفه أبو ثور وابن المنذر، واحتجوا بقوله ﷺ : "الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه"، والنماء غنم فيكون للراهن. ولنا: أنه حكم ثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع. وأما الحديث فنقول به، وأن غنمه وكسبه ونماءه للراهن، لكن يتعلق به حق المرتهن، ومؤنته على الراهن. وقال أبو حنيفة: أجر المسكن والحافظ على المرتهن. ولنا: قوله: "الرهن من راهنه" الحديث، قال الدارقطني: إسناده جيد متصل، وإن كان الرهن نخلاً فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن. وكل زيادة تلزم الراهن فامتنع منها، أجبره الحاكم عليها، فإن لم يفعل اكترى الحاكم من ماله، وإن لم يكن له مال فمن الرهن؛ فإن بذلها المرتهن محتسباً بالرجوع، وقال الراهن: أنفقت متبرعاً، فقال: بل محتسباً، فالقول قول المرتهن، لأن الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وعليه اليمين، لأن ما قال الراهن محتمل.
стр. 527
(فصل) : "وهو أمانة في يد المرتهن، إن تلف بغير تعدّ منه فلا شيء عليه". روي عن علي، وبه قال عطاء والزهري والشافعي. وروي عن شريح والنخعي والحسن: أن الراهن يضمنه بجميع الديْن وإن كان أكثر من قيمته، لأنه روي عنه ﷺ أنه قال: "الرهن بما فيه". وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق لم يضمن، وإن ادعى تلفه بأمر خفي ضمن. وقال الثوري وأبو حنيفة: يضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الديْن، لما روى عطاء: "أن رجلاً رهن فرساً فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ذهب حقك". ولنا: ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غُنمه، وعليه غُرمه". ١ فأما حديث عطاء فمرسل، وقوله يخالفه، قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذاباً. والحديث الآخر إن صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: على أن من رهن شيئاً بمال فأدى بعضه، وأراد إخراج بعض الرهن، أن ذلك ليس له، حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه.
وإن رهن عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه. قال أحمد في رجلين رهنا داراً لهما عند رجل، فقضاه أحدهما: الدار رهن على ما بقي؛ وهذا محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن للضرر، لأن العين كلها تكون رهناً، لأنه إنما رهنه نصفها. وإن جعلا الرهن في يد عدل وادعى دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكر ولم يكن قضاه ببيّنة، ضمن. وعنه: لا يضمن إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل؛ وهكذا الحكم في الوكيل.
ولو تعدى المرتهن في الرهن ثم زال التعدي، أو سافر به ثم رده، لم يزل عنه الضمان لأن استئمانه زال بذلك.
وإذا
стр. 528
استقرض ذمي من مسلم مالاً ورهنه خمراً، لم يصح. فإن باعها الراهن أو نائبه الذمي وجاء المقرض بثمنها، لزمه قبوله، لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرت مجرى الصحة. قال عمر في أهل الذمة معهم الخمر: "ولّوهم بيعها، وخذوا أثمانها". وإن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح. فإن عزله صح عزله، وقال مالك: لا ينعزل، لأن وكالته صارت من حقوق الرهن. قال ابن أبي موسى: ويتوجه لنا مثل ذلك، فإن أحمد قد منع الحيلة في غير موضع، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن. فإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول، أو إن جاءه بحقه في محله وإلا فالرهن له، لم يصح الشرط، وفي صحة الرهن روايتان.
وعن أحمد: إذا شرط في الرهن أنه ينتفع به المرتهن أنه يجوز في البيع، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض.
وهل يفسد الرهن بالشروط الفاسدة، نصر أبو الخطاب صحته، لأنه ﷺ قال: "لا يغلق الرهن"، ١ ولم يحكم بفساده. قال أحمد: معناه لا يدفع رهناً إلى رجل يقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا، وإلا فالرهن لك.
قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: "لا يغلق الرهن" عند مالك والثوري وأحمد، وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر: "أن رجلاً رهن داراً بالمدينة إلى أجل مسمى، فمضى الأجل فقال الذي ارتهن: منزلي، فقال النبي ﷺ : لا يغلق الرهن". ٢ وإذا قال: رهنتك عبدي هذا على أن تزيدني في الأجل، كان باطلاً، لأنه يضاهي ربا الجاهلية.
وإذا كان له على رجل ألف، فقال: أقرضني ألفاً بشرط أن أرهنك عبدي هذا بألفين، فنقل حنبل عن أحمد:
стр. 529
أن القرض باطل، لأنه قرض يجر منفعة. ونقل مهنا: أن القرض صحيح، ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط، كي لا يفضي إلى جر منفعة بالقرض، أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده.
وحكي عن مالك وأبي ثور: أنه يصح الرهن المجهول، ويلزمه أن يدفع إليه رهناً بقدر الديْن، قال أحمد: حبس المبيع ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهناً، إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع.
(فصل) : وإذا كان الرهن محلوباً أو مركوباً، فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته، متحرياً للعدل في ذلك، نص عليه. وعنه رواية أخرى: لا يحتسب، وهو متطوع، ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لقوله: "الرهن من راهنه، له غُنمه، وعليه غُرمه". ولنا: ما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، ١ فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع.
فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع، قلنا: لا يصح لأن في بعض الألفاظ: " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب"، ٢ فجعل المنفق المرتهن، ولأن قوله: "بنفقته" يشير إلى أن الانتفاع عوض عن النفقة، والراهن إنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة، ولأن النفقة واجبة وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن، كما يجوز للمرأة أخذ مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه. والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن فيه حق ولاية صرفه إلى نفقته لثبوت يده عليه. وأما غير المحلوب والمركوب كالعبد
стр. 530
والأمة، فليس للمرتهن أن ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته، نص عليه. قال: الراهن لا ينتفع منه بشيء، إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف. قيل له: فإن كان الركوب واللبن أكثر؟ قال: لا، إلا بقدر. ونقل حنبل أن له استخدام العبد أيضاً، وبه قال أبو ثور. إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه، قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة، والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس.
وما لا يحتاج إلى مؤنة، كالدار والمتاع، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن، لا نعلم فيه خلافاً. فإن أذن الراهن في الانتفاع بغير عوض وكان الديْن من قرض، لم يجز لأنه جر منفعة.
قال أحمد: أكره قرض الدور، وهو الربا المحض، يعني: إذا كانت الدار في قرض رهناً ينتفع بها المرتهن، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له جاز؛ روي عن الحسن وابن سيرين، وهو قول إسحاق. وإن كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار بأجرة مثلها من غير محاباة، جاز في القرض وغيره، وإن حاباه فهو كالانتفاع بغير عوض.
ومتى استأجرها أو استعارها المرتهن، فظاهر كلام أحمد: أنها تخرج عن كونها رهناً، فمتى انقضت الإجارة والعارية عاد الرهن بحاله. قال في رواية ابن منصور: إذا ارتهن داراً ثم أكراها لصاحبها، خرجت من الرهن. فإذا رجعت إليه عادت رهناً.
ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضموناً، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه. وإن أنفق عليه بغير إذن الراهن مع إمكانه، فهو متبرع. وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم، فعلى روايتين، وقال شيخنا فيما إذا أنفق بغير