فلا تستأنف عدة. وعن الحسن وغيره: تتعجل الفرقة كما قبل الدخول، ونصره ابن المنذر. ولنا: "أن امرأة صفوان وامرأة عكرمة أسلمتا قبلهما، فبقوا على النكاح الأول. وأسلم أبو سفيان قبل هند، وأسلم أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بالأبواء، ولم يعلم أنه فرّق بين أحد وبين امرأته". فإن لم يسلم أحدهما حتى انقضت العدة، انفسخ النكاح. قال ابن عبد البر: لم يختلفوا فيه إلا شيء روي فيه عن النخعي شذّ فيه، وزعم أنها تردّ إلى زوجها وإن طالت المدة، "لأنه ﷺ ردَّ زينب على أبي العاص بالنكاح الأول". رواه أبو داود، واحتج به أحمد. قيل له: أليس يروى أنه ردَّها بنكاح مستأنف؟ قال: ليس لذلك أصل، قيل: إن بين إسلامها وردِّها إليه ثمان سنين. وفي حديث عمرو بن شعيب: "أنه ردها بنكاح جديد"، قال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.
وإن ارتد أحدهما قبل الدخول، انفسخ النكاح، ولا مهر لها إن كانت المرتدة، وإن كان هو فلها نصفه. وحكي عن داود: لا ينفسخ النكاح بالردة، فإن كانت بعد الدخول فهل تعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين. وإن ارتدا معاً فكما لو ارتد أحدهما. وإن أسلم وتحته أكثر من أربع، اختار منهن أربعاً.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الصواب أن أنكحتهم المحرمة في دين الإسلام حرام مطلقاً، فإذا لم يسلموا عوقبوا عليها، وإن أسلموا عفي عنها لعدم اعتقادهم تحريمه. وأما الصحة والفساد فالصواب: أنها صحيحة من وجه، فاسدة من وجه. فإن
стр. 667
أريد بالصحة: إباحة التصرف، فإنما يباح لهم بشرط الإسلام. وإن أريد: نفوذه وترتب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثاً ووقوع الطلاق وحصول الإحصان به، فصحيح. وهذا مما يقوي طريقة من فرّق بين التحريم لعين المرأة أو لوصف، لأن ترتيب هذه الأحكام على نكاح المحارم بعيد.
وإن أسلم أحدهما بعد الدخول، وقف الأمر على انقضاء العدة، واختار الشيخ فيما إذا أسلمت قبله: بقاء نكاحه قبل الدخول وبعده، ما لم تنكح غيره؛ والأمر إليها ولا حكم له عليها ولا حق عليه. وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها. وأنها متى أسلمت ولو قبل الدخول وبعد العدة، فهي امرأته إن اختار، وقال فيما إذا ارتد أحدهما.
стр. 668
كتاب الصداق
الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ الآية، ١ قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ، ٢ قال أبو عبيد: يعني: عن طيب نفس بالفريضة التي فرض الله. وقيل: نحلة من الله تعالى للنساء. وأما السنة، فقوله لعبد الرحمن: "ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب". وأجمعوا على مشروعيته.
ويستحب تخفيفه، لقول عمر: "لا تغلوا في صدقات النساء" الحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
ويستحب تسميته، لأنه ﷺ يزوج ويتزوج كذلك، وقال: "التمس ولو خاتماً من حديد". ٣ وأجمعوا على أنه لا يتقدر أقله ولا أكثره، وبه قال الشافعي وإسحاق. وعن مالك وأبي حنيفة: تقدير الأقل. ثم اختلفوا فيه. ولنا: قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ، ٤ وقوله: "ولو خاتماً من حديد". وأجمعوا على أنه لا توقيت في أكثره
стр. 669
وكل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صداقاً، من ديْن، ومنفعة معلومة كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوب. وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تجوز، لأنها ليست مالاً، وإنما قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ الآية. ١ ولنا: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ الآية. ٢ وقولهم: ليست مالاً، ممنوع، فإنها تجوز المعاوضة عنها وبها. ثم إن لم تكن مالاً فقد أجريت مجراه في هذا فكالنكاح. وإن أنكحها على أن يحج بها لم تصح التسمية، وقال مالك والثوري: تصح، وكل موضع لا تصح التسمية فيه يجب فيه مهر المثل، وعنه: يفسد.
وإن أصدقها تعليم شيء معيّن من القرآن لم يصح، وعنه: يصح، لحديث سهل. وقيل معناه: زوجتكها لأنك من أهل القرآن، "كما زوج أبا طلحة على إسلامه". ويجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئاً من الصداق لنفسه، وبه قال إسحاق. وروي عن مسروق أنه لما زوج ابنته، اشترط لنفسه عشرة آلاف. وروي ذلك عن علي بن الحسين. وقال الثوري وأبو عبيد: يكون كله للمرأة. ولنا: قصة شعيب. وإن شرطه غير الأب، فالكل لها.
وللأب تزويج ابنته بدون صداق مثلها بكراً كانت أو ثيباً، وإن كرهت. وقال الشافعي: ليس له ذلك، فإن فعل فلها مهر مثلها. ولنا: قول عمر بمحضر من الصحابة: "لا تغالوا في صداق النساء".
وإن تزوج العبد بإذن سيده على صداق مسمى، صح بغير خلاف. والمهر
стр. 670
والنفقة على سيده. وعنه: يتعلق بكسبه، فإن لم يكن عنده ما ينفق فرّق بينهما. وأجمعوا على أنه ليس له النكاح بغير إذن سيده، فإن فعل ففيه روايتان: أظهرهما: البطلان، وهو قول عثمان وابن عمر والشافعي. وعنه: موقوف على إجازة السيد، وهو قول أصحاب الرأي. وإذا تزوج امرأة فضمن أبوها نفقتها عشر سنين، صح. والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، فإذا طلقها قبل الدخول فأيهما عفا لصاحبه عما وجب له من المهر برئ منه صاحبه. وعنه: أنه الأب، فله أن يعفو عن نصف صداق الصغيرة إذا طلقت قبل الدخول.
والتفويض على ضربين: تفويض البضع، وهو أن يزوج الأب ابنته البكر، أو تأذن المرأة لوليها في تزويجها بغير مهر. والثاني: تفويض المهر، وهو أن يزوجها على ما شاء أو شاءت أو شاء أجنبي، فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل، في قول عامة أهل العلم لقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ، ١ ولحديث بروع، صححه الترمذي. وقال الشافعي: لا يكون التفويض إلا بإذنها.
ويجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئاً، سواء كانت مفوضة أم لا، وبه قال الشافعي. وقال مالك: "لا يدخل بها حتى يعطيها شيئاً"، وروي عن ابن عباس، "لأن علياً أراد الدخول بفاطمة، فمنعه رسول الله ﷺ حتى يعطيها شيئاً". ولنا: حديث عقبة بن عامر "في الذي زوجه النبي ﷺ ، فدخل بها، ولم يعطها شيئاً". وأما الأخبار، فمحمولة على الاستحباب، ويمكن حمل قول ابن عباس ومن وافقه عليه، فلا يكون بين القولين فرق.
стр. 671
وإن طلقت قبل الدخول، لم يكن لها إلا المتعة، وعنه: لها نصف مهر مثلها. وقال مالك: المتعة مستحبة لتخصيصه المحسنين. ولنا: قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآية، ١ وآية الأحزاب، ولقوله: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ ٢ وأداء الواجب من الإحسان، فلا تعارض. والمتعة معتبرة بحال الزوج، للآية، وقيل: بحال الزوجة؛ والآية نص في القول الأول. وكل من وجب لها نصف المهر لم يجب لها متعة. وعنه: "لكل مطلقة متاع"، روي عن علي وغيره، لظاهر قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية. ٣ قال أبو بكر: كل من روى عن أبي عبد الله أنه لا يحكم بالمتعة إلا لمن لم يسمّ لها مهراً، إلا حنبلاً، فإنه روى عن أحمد: أن لكل مطلقة متاعاً؛ والعمل عليه عندي، لولا تواتر الروايات عنه بخلافها. ولنا: قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية ٤ - إلى قوله - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ ، ٥ فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، فدل على اختصاص كل قسم بحكمه. ويحتمل أن الأمر به في غير المفروضة للاستحباب، جمعاً بين الآيات.
والنكاح الفاسد إن افترقا قبل الدخول فلا مهر، فإن دخل بها استقر المهر المسمى، وعنه: مهر المثل. ولا يستقر بالخلوة، في قول الأكثر. وإذا تزوجت المرأة تزويجا فاسداً، لم يحل تزويجها لغير من تزوج بها، حتى
стр. 672
يطلقها أو يفسخ نكاحها. فإن امتنع فسخ الحاكم. وقال الشافعي: لا حاجة إلى فسخ ولا طلاق، لأنه غير منعقد، أشبه النكاح في العدة. ولنا: أنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد، فاحتاج إلى التفريق. ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة، والمكرهة على الزنى، قال الشافعي: إذا أكرهها، فعليه المهر وأرش البكارة. وإذا دفع أجنبية فأذهب عذرتها، فعليه أرش البكارة، وهو مذهب الشافعي. وعن أحمد: لها صداق نسائها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: يستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية، هذا مبني على أصل، وهو أن الصداق هل هو حق لله أو لها. قال الشيخ: كلام أحمد يقتضي أن المستحب أن يكون أربعمائة درهم، وهو الصواب مع اليسار؛ فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه. وإن تزوجها على عبد، فخرج حراً أو مغصوباً، أو عصير فبان خمراً، فلها قيمته. وقيل: مهر المثل. وعند الشيخ: لا يلزمه في هذه المسائل شيء. وكذا قال في مهر معيّن تعذر حصوله. وذكر في بعض قواعده جواز فسخ المرأة إذا ظهر المعقود عليه حراً أو مغصوباً أو معيباً. قوله: وإن فعل ذلك غيره بإذنها صح، وبغير إذنها يجب مهر المثل فيكمله الزوج. ويحتمل أن لا يلزمه إلا المسمى والباقي على الولي، كالوكيل في البيع، اختاره الشيخ.
والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، وعنه: أنه الأب، اختاره الشيخ. وقال: ليس في كلام أحمد أن عفوه صحيح، لأن بيده عقدة النكاح، بل إن له أن يأخذ من مالها ما شاء. وتعليله بذلك يقتضي جواز العفو بعد الدخول عن الصداق كله، وكذلك سائر الديون. ولو اتفقا قبل العقد على مهر وعقداه بأكثر منه تجملاً، فالمهر المعقود
стр. 673
عليه. وعلى هذا، قال أحمد: تفي بما وعدته وشرطته. وقال القاضي: استحباباً، وقال أبو حفص البرمكي: وجوباً، قلت: وهو الصواب. وقال الشيخ: إن كانت الهدية قبل العقد وقد وعدوه أن يزوجوه فزوجوا غيره، رجع به، وقال: ما قبض بسبب النكاح فكمهر.
قوله: والتفويض على ضربين - إلى أن قال - وإن مات أحدهما قبل الإصابة ورثة صاحبه، ولها مهر نسائها. وقيل: لا مهر، وعنه: لا يتنصف. قال الشيخ: في القلب حزازة من هذه الرواية، فالمنصوص عنه في رواية الجماعة: أن لها مهر المثل على حديث بروع، وهذه تخالف السنة وإجماع الصحابة بل الأمة؛ فإن القائل قائلان: قائل يوجب مهر المثل، وقائلٌ بسقوطه، فعلمنا أن ناقل ذلك غالط عليه، والغلط إما في النقل أو ممن دونه في السمع أو في الحفظ أو في الكتاب، إذ من أصل أحمد الذي لا خلاف عنه: أنه لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة، ولا ترك الحديث الصحيح من غير معارض من جنسه، وكان شديد الإنكار على من يخالف ذلك، فكيف يفعله مع إمامته، من غير موافقة لأحد، ومع أن القول لا حظ له في الآية ولا له نظير؛ هذا مما يعلم قطعاً أنه باطل.
واختار أن لكل مطلقة متعة، ولو كان قد دخل بها وسمى لها مهراً، قال أحمد فيما خرجه في مجلسه: قال ابن عمر: "لكل مطلقة متاع، إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها". قوله: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة، وظاهر كلام الشيخ: لا يجب، لأنه قال: البضع إنما يتقوم على زوج أو شبهة فيملكه به. قوله: والمكرهة على الزنى لها مهر المثل، وعنه: للبكر خاصة، وعنه: لا يجب مطلقاً، اختاره الشيخ وقال: هو خبيث.
стр. 674
باب الوليمة
لا خلاف أنها في العرس سنة، "لأنه ﷺ فعلها وأمر بها"، وليست واجبة في قول الأكثر. وقيل: بلى، "لأمره بها ولوجوب الإجابة إليها". ولنا: أنها طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، والخبر محمول على الاستحباب لما ذكرنا، ولكونه أمر بشاة، ولا خلاف أنها لا تجب أي: الشاة، وما ذكروه باطل بالسلام.
قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة، لمن دعي إليها إذا لم يكن فيها لهو، لقوله: "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء. ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". ١ أي: طعام الوليمة التي يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ولم يُرد كل وليمة، فلو أراده لما أمر بها ولا أمر بالإجابة إليها. وإذا صنعت أكثر من يوم جاز، فإن دعي اليوم الثاني استحب، وفي الثالث لا يُستحب. قال أحمد: الأول يجب، والثاني يستحب، والثالث لا. وسائر الدعوات الإجابة إليها مستحبة، وقال العنبري: تجب. ولنا: أن الصحيح من السنة في إجابة الداعي إلى الوليمة، وإجابة كل داع مستحبة، لحديث البراء: "أنه ﷺ أمر بإجابة الداعي". فإن كان صائماً صوماً واجباً لم يفطر، فإن كان نفلاً أو كان مفطراً استحبّ الأكل. وإن أحب دعا وانصرف، ويخبر بصيامه ليعلموا عذره. وقيل: يجب الأكل لقوله: "فليطعم". ولنا: قوله: "إذا دعي أحدكم فليجب. فإن
стр. 675
شاء أكل، وإن شاء ترك". ١ حديث صحيح.
فإن دعاه اثنان فلأولهما، فإن استويا أجاب أقربهما منه باباً، لقوله: "أجب أقربهما باباً، فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً. فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". ٢ رواه أبو داود. فإن علم أن فيها منكراً وأمكنه الإنكار، حضر وأنكر، وإلا لم يحضر. وقال مالك: أما اللهو الخفيف كالدف والكَبَر، فلا يرجع.
وسئل أحمد عمن يدعى إلى الختان أو العرس وعنده المخنثون، فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة وليس عنده أولئك، فقال: أرجو أن لا يأثم إن لم بجب، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثماً. وقال: إنما تجب الإجابة إذا كان المكسب طيباً ولم ير منكراً. وإن كانت صور الحيوان على الحيطان وما لا يوطأ وأمكنه حطها فعل وجلس، وإلا انصرف، وعلى هذا أكثر أهل العلم. قال ابن عبد البر: هذا أعدل المذاهب. و"كان أبو هريرة يكره التصاوير ما نصب منها وما بسط". وكذلك مالك إلا أنه يكرهه تنزهاً، والنهي محمول على ما كان معلقاً، والمباح ما كان مبسوطاً، بدليل حديث عائشة: "فإن قطع رأس الصورة ذهبت الكراهة"، قاله ابن عباس. وصفة التصاوير محرمة على فاعلها والآمر بفعلها. وأما دخول منزل فيه صورة فلا يحرم، وقيل: إذا كانت غير موطوءة لم يجز الدخول. ولنا: "أنه ﷺ دخل الكعبة ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل"، وفي "شروط عمر على أهل الذمة أن يوسعوا أبواب كنائسهم وبيعهم ليدخلها المسلمون". فإن سترت الحيطان بستور للصور فيها أو فيها صور غير الحيوان، فهل يباح؟ على روايتين: إحداهما: يكره.
قال سالم: "أعرست في عهد أبي، فدعا أبا أيوب فأقبل فرأى
стр. 676
البيت مستوراً، فقال: يا عبد الله، لم تسترون الجدر؟ فقال أبي واستحيا: غلبتنا النساء، يا أبا أيوب. فقال: من حسبت أن يغلبنه لم أحسب أن يغلبنك. ثم قال: لا أطعم لكم طعاماً ولا أدخل لكم بيتاً. ثم خرج". رواه الأثرم.
ويحتمل كلام أحمد الكراهة من غير تحريم، "لأن ابن عمر أقر على فعله"، ويحتمل التحريم ولم يثبت في تحريمه حديث.
وسئل أحمد عن: الستور فيها القرآن؟ فقال: لا ينبغي أن يكون شيء معلقاً فيه القرآن يستهان به. قيل: يقلع؟ فكره قلع القرآن، وقال: إذا كان ستر فيه ذكر الله، فلا بأس. وكره أن يشتري الثوب فيه ذكر الله يجلس عليه، قيل له: يكتري الرجل البيت فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم. وقال: لا بأس باللعب ما لم تكن صورة.
والنثار والتقاطه مكروه. وعنه: لا، فإن قسم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز والسكر، فلا خلاف غير أنه مكروه. وكذلك إن وضعه وأذن في أخذه على وجه لا يقع تناهب.
ويستحب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف حتى يشتهر، لقوله ﵇: " فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت والدف في النكاح". ١ رواه النسائي. وإنما يستحب الضرب بالدف للنساء، وقال أحمد: لا بأس بالغزَل في العرس.
ولا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلون جميعاً، وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، وقال المروذي: رأيت أحمد يغسل يديه قبل الطعام وبعده. وروى البخاري: "أنه ﷺ كان يحتزُّ من كتف شاة في يده، فدعي إلى الصلاة، فألقاها من يده، وقام فصلى، ولم يتوضأ" ٢.
стр. 677
ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين، لهذا الحديث؛ احتج به أحمد. وسئل عن: حديث النهي عنه؟ فقال: ليس بصحيح.
واستحب التسمية عند الأكل، وأن يأكل بيمينه مما يليه، وأن يأكل بالأصابع الثلاث، ولا يمسح يده حتى يلعقها. ويكره الأكل متكئاً، ويحمد إذا فرغ. ويستحب الدعاء لصاحب الطعام. ولا بأس بالجمع بين طعامين. ويكره عيب الطعام. وإذا صادف قوما يأكلون الطعام فدعوه، لم يكره له الأكل. وفي المتفق عليه: "لا يتنفس أحدكم في الإناء". ١ قيل لأحمد: الإناء يؤكل فيه، ثم تغسل فيه اليد؟ قال: لا بأس به. قيل فغسل اليد بالنخالة؟ قال: لا بأس به، واستدل الخطابي بقوله للمرأة: "اجعلي مع الماء ملحاً" في غسل الحقيبة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
استحب الوليمة بالعقد، قال الشيخ: بالدخول. والإجابة إليها واجبة، واختار الشيخ أنها مستحبة. وكره أحمد الخبز الكبارَ، وقال: ليس فيه بركة. ويغسل يديه قبله وبعده، وعنه: يكره قبله. قال الشيخ: لو زاد: "الرحمن الرحيم" عند الأكل لكان حسناً، بخلاف الذبح فقد قيل لا يناسب ذلك. ويأكل مما يليه، قال ابن حامد: إن كان مع غيره، وظاهر كلامهم أن الفاكهة كغيرها، وكلام القاضي يحتمل الفرق، ويؤيده حديث عكراش، لكن فيه مقالة. ويكره الأكل من أعلى القصعة. ولا يكره الشرب قائماً، وعنه: يكره، اختاره الشيخ. قال ابن عقيل: كنت أقول: لا يقدم بعضهم لبعض، ولا السنور، حتى وجدت في البخاري حديث أنس في الدباء. ولا يباح الأكل بلا إذن، ولو من بيت قريب أو صديق لم يحرزه عنه، وأجازه الشيخ. وكره أحمد الطبل لغير حرب.
стр. 678
باب عشرة النساء
يلزم كلاً منهما معاشرة الآخر بالمعروف، ولا يمطله بحقه، ولا يظهر الكراهة لبذله، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، ١ وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . ٢ وقال بعضهم: التماثل هنا في تأدية كل منهما ما عليه لصاحبه، ولا يمطله به، ولا يظهر الكراهة، بل ببشاشة وطلاقة، ولا يتبعه أذى ولا منة، لأن هذا من المعروف الذي أمر الله به.
ويستحب لكل منهما الرفق بصاحبه، واحتمال أذاه، لقوله: "استوصوا بالنساء خيراً" ٣ الحديث رواه مسلم. وحق الزوج أعظم، لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ . ٤ وله الاستمتاع بها ما لم يشغلها عن الفرائض، من غير إضرار بها. ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ويكره من غير حاجة. ولها عليه: أن يبيت عندها ليلة من أربع إن كانت حرة، وله الانفراد بنفسه فيما بقي. فإن سافر أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه، لزمه إن لم يكن له عذر.
ويقول عند الجماع: "بسم الله. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا"، ٥ لحديث ابن عباس.
стр. 679
ويكره التجرد عنده. ولا يجامع بحيث يسمع حسهما أحد. ولا يقبّلها ويباشرها عند الناس. قال أحمد: كانوا يكرهون الوحس، وهو الصوت الخفي. ولا يتحدث بما بينه وبينها. ولا يكثر الكلام حال الوطء، قيل: إن منه الخرس والفأفأة. وليس له أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد إلا برضاهما.
ولا نعلم خلافاً في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم، وعماده الليل، إلا لمن عيشته بالليل كالحارس، والنهار يدخل تبعاً "لأن سودة وهبت يومها لعائشة". ولا يجب التسوية بينهن في الجماع، لا نعلم فيه خلافاً، فإن أمكن فهو مستحب، لقوله: "فلا تلمني فيما لا أملك". ١ وليس عليه التسوية في النفقة والكسوة إذا قام بواجب كل واحدة. وإن امتنعت من سفر معه، أو من المبيت عنده، أو سافرت بغير إذنه، سقط حقها من القسم، لا نعلم فيه خلافاً. فإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً، وثلاثاً إن كانت ثيباً، وقيل غير ذلك. قال ابن عبد البر: الأحاديث المرفوعة في هذا على ما قلنا، وليس مع من خالف حديث مرفوع، والحجة مع من أدلى بالسنة.
وإن ظهرت منها أمارات النشوز، بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متكرهة، وعظها. فإن أصرت هجرها. فإن أصرت ضربها [ضَرْباً] ٢ غير مبرِّح، أي: غير شديد، لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ الآية. ٣ وإن خافت نشوز زوجها لرغبته عنها، فلا بأس أن تضع عنه بعض
стр. 680
حقها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ الآية. ١ وروى البخاري عن عائشة في الآية: "هي المرأة تكون عند الرجل فيريد طلاقها، فتقول: أمسكني، وأنت في حل من النفقة والقسمة لي". فإن خرجا إلى الشقاق، بعث الحاكم حكمين، فعن أحمد: أنهما وكيلان، وعنه: أنهما حاكمان يفعلان ما يريان من جمع أو تفريق، وبه قال مالك وإسحاق وابن المنذر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وعليه وطؤها في كل أربعة أشهر، واختار الشيخ: بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه، أو يشغله عن معيشته، من غير تقدير بمدة. وليس عليها طبخ ولا عجن. وأوجب الشيخ: المعروف من مثلها لمثله. وأوجب التسوية بين الزوجات في الكسوة والنفقة. واختار أن الحكمين في قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ ٢ أنهما حكمان لا وكيلان.
стр. 681
كتاب الخلع
إذا كرهت زوجها وظنت أنها لا تؤدي حق الله في طاعته، جاز الخلع على عوض، للآية. [قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً خالف، إلا بكر بن عبد الله المزني، فإنه زعم أنها منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية ١] . ٢ و"لا يفتقر إلى الحاكم"، روى البخاري ذلك عن عمر وعثمان. ولا بأس به في الحيض والطهر الذي أصابها فيه، لأنه ﷺ لم يسأل المختلعة عن حالها. وإن خالعته لغير ذلك كره ووقع، وعنه: ما يدل على التحريم، فإنه قال: الخلع على مثل حديث سهلة، تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع؛ وهذا يدل على أنه لا يصح إلا هكذا، وهذا قول ابن المنذر قال: روي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم، وذلك لأن الله قال: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ، ٣ وهذا صريح في التحريم إذ لم يخافا ألا يقيما حدود الله. ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ، ٤ فدل بمفهومه أن الجناح لاحقٌ بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ الوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ﴾ الآية. ٥ واحتج من أجازه بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ
стр. 682
شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ الآية ١.
قال ابن المنذر: لا يلزم [من] الجواز في غير عقد الجواز في المعاوضة، بدليل الربا حرمه الله في العقد وأجازه في الهبة. فإن عضلها لتفتدي فهو باطل والزوجية بحالها. فإن قلنا الخلع: طلاق، وقع طلاقاً رجعياً. وقال مالك: إن أخذ منها شيئاً على هذا الوجه رده، ومضى الخلع عليه. فإن أتت بفاحشة مبينة فعضلها لتفتدي صح، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ، ٢ والاستثناء من النهي إباحة. ويصح من الأجنبي من غير إذن المرأة، في قول الأكثر.
واختلفت الرواية إذا لم ينو به الطلاق، فعنه: أنه فسخ، وعنه: طلقة بائنة. ولا يحصل بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ الزوج، لقوله: "اقبل الحديقة، وطلّقها تطليقة". ٣ وليس في الخلع رجعة في قول الأكثر، لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ . ٤ ويكره أن يأخذ أكثر مما أعطاها، ولم يكرهه مالك والشافعي.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
استحب للزوج الإجابة، يعني: إلى الخلع الصحيح، واختلف [كلام الشيخ] ٥ في وجوبها. وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء. وإن خالعت مع استقامة الحال كره ووقع، وعنه: لا يجوز ولا يصح، اختاره ابن بطة وصنف
стр. 683
[فيه] مصنفاً. واعتبر الشيخ خوف قادر على القيام بالواجب ألا يقيما حدود الله، فلا يجوز انفرادهما به. وقال: كراهته متوجهة للرجل إذا كان له ميل ومحبة، فإن ظلمها لتفتدي فهو باطل. وإن ظلمها لا لتفتدي، فقال الشيخ: لا يحل له ولا يجوز. ومن شرط وقوعه فسخاً ألا ينوي به الطلاق. وعنه: هو فسخ، ولو نوى به الطلاق، اختاره الشيخ قال: ولو أتى بصريح الطلاق. وقال: هو كعقد البيع حتى في الإقالة. وقال: لا يجوز إذا كان فسخ بلا عوض إجماعاً. وإن خالعها على رضاع ولده عامين صح.
ولو خالع حاملا فأبرأته من نفقة حملها، فلا نفقة لها ولا للولد حتى تفطمه، نقله المروذي. وإن قال: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق، فأي وقت أعطته طلقت، المذهب: أن الشرط لازم من جهته لا يصح إبطاله. وقال الشيخ: ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده، ووافق على شرط محض، كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق، وقال: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء [إن] كان معاوضة [فهو معاوضة] ، ثم إن كانت لازمة فلازم وإلا فلا. ولا يصح تعليقه بقوله: إن بذلت لي كذا فقد خلعتك. قال الشيخ: وقولها: إن طلقتني فلك كذا، أو أنت بريء منه، كإن طلقتني فلك علي ألف، وأولى وليس فيه النزاع في تعليق البراءة بشرط. أما لو التزم دينا [لا] ١ على وجه المعاوضة، كإن تزوجت فلك ألف، لم يلزم عند الجمهور.
وقال: خلع الحيلة لا يصح، واختار في إعلام الموقعين: أنه يحرم ويصح، ونصره من عشرة أوجه.
стр. 684
كتاب الطلاق
يباح عند الحاجة، ويكره من غير حاجة، ويستحب إذا كان بقاء النكاح ضرراً. وأجمعوا على تحريمه في الحيض، وفي طهر أصابها فيه. ويصح من الصبي العاقل، وعنه: لا يصح حتى يبلغ. قال أبو عبيد: هو قول أهل العراق وأهل الحجاز. وأما السفيه فيقع طلاقه في قول الأكثر. وفي طلاق السكران روايتان. قال ابن المنذر: "ثبت عن عثمان أنه لا يقع طلاقه"، ولا نعلم أحداً من الصحابة خالفه. قال أحمد: حديث عثمان أرفع شيء فيه، وهو أصح، يعني: من حديث علي، منصور لا يرفعه إلى علي. ولا تختلف الرواية عن أحمد: أن طلاق المكره لا يقع.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وعنه: يجب الطلاق إذا أمره أبوه، وعنه: شرط أن يكون أبوه عدلاً. وأما أمه، فقال أحمد: لا يعجبني طلاقه، ومنع منه الشيخ. ومن زال عقله بسبب يعذر فيه كالنائم، لم يقع طلاقه. قال الشيخ: إن غّيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق، لأنه ألجأه وحمله عليه، فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه، فلم يبق له قصد صحيح، فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله، ولا يلزمه نذر الطاعة فيه.
стр. 685
واختار أن طلاق السكران لا يقع، وقال: لا تقبل صلاته أربعين يوماً حتى يتوب. وتقبل دعوى الزوج أنه رجع عن الوكالة قبل إيقاع الوكيل، ونص في رواية أبي الحارث: لا يقبل إلا ببينة، واختاره الشيخ، وكذا دعوى عتقه ورهنه ونحوه.
стр. 686
باب سنية الطلاق وبدعيته
...
باب سنة الطلاق وبدعته
السنة: أن يطلقها واحدة في طهر لم يصبها فيه، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ولا يتبعها طلاقا آخر في العدة. وقال الثوري: السنة أن يطلقها ثلاثاً في كل قرء طلقة. واحتجوا بحديث ابن عمر، ولا حجة لهم فيه.
وطلاق البدعة محرم ويقع، قال ابن المنذر: لم يخالف فيه إلا أهل البدع. وحكي عن ابن علية: وتستحب رجعتها، وعنه: أنها واجبة، وهو قول مالك لظاهر الأمر. فإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، ويستحب أن يمسكها حتى تحيض أخرى، ثم تطهر على ما أمر [به في] ١ حديث ابن عمر، وقيل: يجب. ولنا: قوله: ﴿طلقوهن لعدتهن﴾ . ٢ وعن ابن عمر: "أنه ﷺ أمره بمراجعتها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك". متفق عليه، لم يذكر الزيادة؛ والزيادة محمولة على الاستحباب.
وإن طلقها ثلاثاً في طهر لم يصبها فيه، ففي تحريمه روايتان: إحداهما: "أنه يحرم، روي عن عمر وعليّ وابن مسعود وغيرهم"، ولم يصح في عصرهم خلاف قولهم. فأما حديث المتلاعنين فلا حجة فيه، فإن اللعان يحرمها أبداً، فهو كالطلاق بعد انفساخه برضاع أو غيره. وحديث فاطمة "أنه أرسل
стр. 687
إليها بتطليقة بقيت لها من طلاقها"، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه: "أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات". متفق عليه.
وإن طلق ثلاثاً بكلمة واحدة وقع الثلاث، قبل الدخول أو بعده، وهو قول الأكثر، وقال عطاء وطاووس وغيرهما: من طلق البكر ثلاثاً فهي واحدة.
فإن كانت المرأة صغيرة، أو آيسة، أو غير مدخول بها، أو استبان حملها، فلا سنة لطلاقها ولا بدعة. وقيل طلاق الحامل طلاق سنة، وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه، وفيه: "ليطلقها طاهراً أو حاملا" ١.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ وابن القيم الطلاق المحرم، وقال الشيخ: اختاره طائفة من الأصحاب، واختار أن القرء: الأطهار؛ فعليها، يباح طلاقها في آخر طهر لم يصبها فيه، وأوقع من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعته طلقة واحدة. وذكر أن إلزام عمر بالثلاث عقوبة، وهي من التعزير الذي يرجع إلى اجتهاد الأئمة، كالزيادة على أربعين في حد الخمر لما أكثروا منه، واختاره ابن القيم وكثير من أتباعه. قال ابن المنذر: هو مذهب أصحاب ابن عباس، كعطاء وطاووس وعمرو بن دينار.
стр. 688
باب صريح الطلاق وكنايته
لو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع، في قول عامة أهل العلم، وقال الزهري: إذا عزم عليه، طلقت. قال ابن سيرين فيمن طلق في نفسه: أليس قد علمه الله؟ ولنا: قوله: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها، ما لم تكلم به أو تعمل ". ١ صححه الترمذي. ولو قيل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، وأراد الكذب، طلقت. ولو قيل: ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب، لم تطلق، لأنه كناية تفتقر إلى نية. وإن نوى به الطلاق، طلقت؛ وبه قال مالك والشافعي. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه: أن جِدّ الطلاق وهزله سواء.
والكنايات الظاهرة سبع: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج. أكثر الروايات عن أحمد كراهة الفتيا في هذه الكنايات مع ميله إلى أنها ثلاث. والثانية: ترجع إلى ما نواه، وهو مذهب الشافعي. فإن لم ينو شيئاً فواحدة. ونحوه قول النخعي، إلا أنه قال: طلقة بائنة. واحتج الشافعي بحديث ركانة، "أنه طلق البتة فاستحلفه ﷺ : ما أردت إلا واحدة، فحلف فردّها عليه". رواه أبو داود. وقال مالك: يقع بها ثلاث، إلا في خلع، أو قبل الدخول، وإن لم ينو؛ ووجه أنها ثلاث: أنه قول عمر وعلي وزيد، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، وحديث ركانة ضعف أحمد إسناده
стр. 689
والصحيح في قوله: الحقي بأهلك، أنها واحدة، لقوله لابنة الجون: "الحقي بأهلك". ١ متفق عليه. ولم يكن ليطلق ثلاثاً وقد نهى عنه. والصحيح: أن "اعتدي! " من الخفية، لأن في الصحيح أنه قال لسودة: " اعتدي". ونقل الأثرم في "رجل جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنتَ طالق، لم تطلق"، روي ذلك عن عثمان؛ وهو قول أبي عبيد وابن المنذر. ويحتمل أن تطلق إذا نوى، وبه قال مالك والشافعي. "وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: ملّكت امرأتي أمرها، فطلقتني ثلاثاً، فقال ابن عباس: خطّأَ الله نوءها، إن الطلاق لك، وليس لها عليك"، احتج به أحمد.
وإن قال: "أنت عليَّ حرام"، أو "ما أحل الله عليَّ حرام"، ففيه روايات: إحداهن: أنه ظهار وإن نوى الطلاق. والثانية: كناية. والثالثة: "يمين"، روي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس. وفي المتفق عليه عن ابن عباس قال: "إذا حرّم الرجل امرأته فهي يمين يكفرَّها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، ٢ ولأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ٣ فجعل الحرام يميناً". وروي عن مسروق والشعبي: ليس بشيء لأنه قول كاذب فيه، وهذا يبطل بالظهار وفيه الكفارة.
стр. 690
باب الرجعة
لا تفتقر الرجعة إلى وليّ ولا صداق ولا رضى المرأة ولا علمها، إجماعاً، فأما الإشهاد ففيه روايتان: إحداهما: يجب، للأمر به. والثانية: لا، وهو قول مالك، ويحمل الأمر على الاستحباب.
والرجعية زوجة يلحقها الطلاق والظهار والإيلاء، ويرث أحدهما صاحبه إن مات، إجماعاً؛ ويباح له وطؤها والسفر بها والخلوة، ولها أن تتزين له. وعنه: لا رجعة بالوطء، وإن أكرهها فعليه المهر، وتعود على ما بقي من طلاق ولو بعد زوج. وعنه: ترجع بالثلاث بعد زوج. والأول قول الأكابر من الصحابة: عمر وعلي وأبيّ ومعاذ وغيرهم. والثاني: قول ابن عمر وابن عباس وأبي حنيفة. ويقبل قولها في انقضاء عدتها إن أمكن، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ١.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحاً وأمسك بمعروف، والقرآن يدل على أنه لا يملك الطلاق، ولو أوقعه لم يقع، كما لو طلق البائن. ومن قال: إن الشارع ملك الإنسان ما حرم عليه، فقد تناقض. وهل من شرطها
стр. 691
الإشهاد؟ الثانية: نعم، فعليها، إن أشهد وأوصى الشهود بكتمانها، فالرجعة باطلة، نص عليه.
وألزم الشيخ بإعلان الرجعة والتسريح والإشهاد، لا على ابتداء الفرقة، واختار أن الوطء رجعة مع النية. ولو جاءت امرأة حاكماً وادعت أن زوجها طلقها وانقضت عدتها، فله تزويجها إن ظن صدْقها، كمعاملة عبْد لم يعرف عتقه. قال الشيخ: لا سيما إن كان زوجها لا يعرف.
стр. 692
كتاب العدد
أجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية، ١ وكذا كل فرقة في الحياة كالفسخ لرضاع أو عيب أو اختلاف دين أو عتق.
والمعتدات ثلاثة أقسام:
بالحمل، فعدتها بوضعه ولو بعد ساعة، لقوله تعالى: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢.
الثاني: بالقرء إذا كانت ذات قرء، لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣.
الثالث: معتدة بالشهور، لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية. ٤ وذات القروء إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، اعتدت تسعة أشهر للحمل. وعدة الآيسة والمتوفي عنها ولا حمل بها قبل الدخول وبعده، عدتها بالشهور، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ٥.
стр. 693
وكل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق، سواء كانت بخلع أو لعان أو رضاع أو فسخ بعيب أو غير ذلك، في قول الأكثر. وروي عن عثمان وابن عمر وإسحاق وابن المنذر: "أن عدة المختلعة حيضة"، لحديث ابن عباس في امرأة ثابت وفيه: "فجعل عدتها حيضة". رواه النسائي. ولنا: قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، ١ وحديث ابن عباس يرويه عكرمة مرسلاً.
والموطوءة بشبهة عدتها عدة المطلقة، وكذلك في نكاح فاسد؛ وبه قال الشافعي، لأنه في شغل الرحم ولحوق النسب كالصحيح.
وإن وُطئت المزوجة بشبهة، لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها، والمزنيُّ بها كالموطوءة بشبهة في العدة. وعنه: تستبريء بحيضة، وهو قول مالك. ولا خلاف في وجوبها على المطلقة بعد المسيس. "فإن خلا بها ولم يمسها، وجبت العدة"، روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر؛ وبه قال عروة وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال الشافعي في الجديد: لا عدة عليها، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . ٢ ولنا: إجماع الصحابة. وضعف أحمد ما روي في خلافهم.
"وإن ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه، اعتدت سنة". قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منكر علمناه. وقال الشافعي في أحد قوليه: تتربص أربع سنين، ثم تعتد بثلاثة أشهر. وفي قوله الجديد: تكون في عدة أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن الإياس، هذا قول عطاء وأبي عبيد وأهل العراق. وإن عرفت ما رفعه فهي في عدة حتى يعود أو تصير آيسة.
стр. 694
والمستحاضة إن كانت لها عادة أو تمييز محكوم به، فحكمها حكم غير المستحاضة. وإن علمت أن لها في كل شهر حيضة، ولم تعلم موضعها، فعدتها ثلاثة أشهر. وإن شكت في شيء، تربصت حتى تستيقن أن القروء الثلاثة قد انقضت. وإن كان لا تمييز لها، أو ناسية لا تعرف لها وقتاً ولا تمييز، فعنه: ثلاثة أشهر؛ وهو قول أبي عبيد، "لأنه ﷺ أمر حمنة أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة". وعنه: تعتد سنة، وهو قول مالك.
والصغيرة التي لم تحض إذا حاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة، استأنفت العدة، في قول علماء الأمصار، وبعد انقضائها ولو بلحظة، لا تستأنف.
وإن ارتابت في الحمل قبل انقضاء العدة، بقيت في العدة حتى تزول الريبة. وبعد انقضاء العدة والتزوج، فالنكاح صحيح لكن لا يحل وطؤها. وإن كان بعد انقضائها وقبل التزوج، فقيل: لا تتزوج مع الشك، وقيل: بلى.
وأجمعوا على أن عدة الحرة غير الحامل من وفاة زوجها: أربعة أشهر وعشر، مدخول بها أو لا، صغيرة أو كبيرة. وعدة الأمة: شهران وخمسة أيام، في قول عامة أهل العلم، إلا ابن سيرين فإنه قال: ما أراها [إلا] كعدة الحرة، إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنّة، فالسنّة أحق أن تتبع.
وإذا مات زوج الرجعية، استأنفت أربعة أشهر وعشراً، حكاه ابن المنذر إجماعاً. والبائن تبني على عدة الطلاق، وقال الثوري: عليها أطول الأجلين.
وأجمعوا على أن الحامل تعتد بالوضع، إلا ابن عباس فإنه قال: "تعتد بأقصى الأجلين"، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط
стр. 695
إذا علم أنه ولد. فإن ألقت مضغة لم تبيّن فيها الخلقة فشهد ثقات من القوابل أن فيها صورة خفية بان بها أنها خلقة آدمي، فهي كالأولى.
وإذا تزوج امرأة لها ولد من غيره، فمات ولدها، فقال أحمد: يعتزل امرأته حتى تحيض حيضة؛ وبه قال مالك وإسحاق، لأنها إن كانت حاملاً حين موته ورثه حملها.
وإن غاب الرجل عن امرأته غيبة يعرف خبره ويأتي كتابه، فليس لها أن تتزوح إجماعاً، إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله، فلها أن تطلب الفسخ. وأجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته. فإن انقطع خبره ولم يعلم له موضع، فإن كان ظاهر غيبته السلامة، كالتجارة وطلب العلم، فلا تزول الزوجية ما لم يعلم موته. وقال مالك والشافعي في القديم: تربص أربع سنين، وتعتد للوفاة، وتحل للأزواج، لأنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطء بالعنّة وتعذر النفقة بالإعسار، فلأن يجوز هنا لتعذر الجمع أولى. واحتجوا بحديث عمر في المفقود، والمذهب الأول، وخبر عمر فيمن ظاهر غيبته الهلاك. فإن كان ظاهرها الهلاك، كأن يفقد بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، ولا يظهر له خبر، فتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة وتحل للأزواج. قيل لأحمد: تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو أحسنها، يروى عنه من ثمانية وجوه. قيل: زعموا أن عمر رجع، قال: هؤلاء الكذابون. قيل: فروي من وجه ضعيف أن عمر قال بخلافه، قال: لا، إلا أن يكون إنسان يكذب.
وقال ابن المسيب في امرأة المفقود بين الصفين: تربص سنة. وقال الثوري والشافعي في الجديد: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه. وهل يعتبر أن
стр. 696
يطلقها ولي زوجها، ثم تعتد بعد ذلك، لأنه في حديث عمر، أو لا؟ وهو قول ابن عمر وابن عباس.
تجتنب المتوفى عنها: الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب. أما الطيب فلا خلاف في تحريمه. وأما اجتناب الزينة فواجب في قول عامة أهل العلم. وأما زينة الثياب فيحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر والمزعفر. فأما ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالأسود والأخضر المشبع فلا تمتنع منه، لأنه ليس بزينة.
و"ممن أوجب الإحداد في منزلها: عمر وعثمان"، وبه قال مالك والشافعي. قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار. وقال: الحسن وعطاء: تعتد حيث شاءت. قال ابن عباس: "نسخت هذه الآية وهي قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، ١ عدتها عند أهلها". قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت. ولنا: حديث فريعة أخت أبي سعيد، وهو حديث صحيح، رواه مالك في الموطإ.
ولا سكنى لها إذا كانت حائلاً. وللشافعي قولان. ولنا: أن الله تعالى إنما جعل لها ثمن التركة أو ربعها والمسكن فيها، والباقي للورثة. وليس لهم أن يخرجوها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، للآية، وهي أن يطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه، روي عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين. والفاحشة تعم الأقوال الفاحشة، لقوله ﵇: "إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش "، ٢ قاله لعائشة. ولها الخروج في حوائجها نهاراً مطلقة أو متوفي عنها، لقوله: "اخرجي فجذِّي نخلك". ٣ رواه أبو داود وغيره.
стр. 697
وإذا كانت المبتوتة حاملاً، وجبت لها السكنى. وإن لم تكن حاملاً، فعنه: "لا يجب لها"، وهو قول ابن عباس، وبه قال عطاء وإسحاق وغيرهم. قال أبو بكر: لا خلاف عن أحمد أعلمه، "أن العدة تجب من حين الموت والطلاق"، إلا ما رواه إسحاق. وبه قال عمر وابن عباس ومالك والشافعي. وعنه: إن قامت بذلك بينة وإلا من يوم يأتيها الخبر. ولنا: قوله: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ، ١ وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . ٢ وفي إيجاب الإخلاد مخالفة هذه النصوص.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ أن عدة المختلعة حيضة، وكذا بقية الفسوخ. والتي عرفت ما رفع الحيض من مرض أو رضاع أو نحوه، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، فتعتد به إلا أن تصير آيسة. وعنه: تنتظر زواله، ثم إن حاضت اعتدت به، وإلا اعتدت بسنة؛ ذكره محمد بن نصر المروزي عن مالك، ومن تابعه منهم أحمد. ونقل ابن هانيء أنها تعتد بسنة. واختار الشيخ إن علمت عدم عوده فكآيسة، وإلا اعتدت سنة. وهل تفتقر إلى الرفع للحاكم؟ قال الشيخ: لا يعتبر الحاكم على الأصح.
فلو مضت العدة تزوجت، يعني: امرأة المفقود.
وعدة الموطوءة بشبهة عدة المطلقة، وكذا من نكاحها فاسد. واختار الشيخ أن كل واحدة منهما تستبرأ بحيضة، وكذا المزْنّي بها.
وإذا أراد زوج البائن إسكانها في منزله أو غيره تحصيناً لفراشه ولا محذور فيه لزمها، واختار الشيخ: إن أنفق عليها.
стр. 698
كتاب الرضاع
الذي يتعلق به التحريم: خمس رضعات فصاعدا، وهو قول الشافعي. وعنه: أن قليله يحرم، وهو قول مالك، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ . ١ وعنه: بثلاث رضعات، وهو قول أبي عبيد وابن المنذر. ووجه الأولى: قول عائشة: أنزل عشر رضعات، فنسخ خمس وصار إلى خمس رضعات؛ فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. والآية فسرتها السنة، وصريحه يخص مفهوم ما رووا، يعني: لا تحرم المصّة ولا المصّتان.
واللبن الذي ثاب للمرأة من رجل، ينشر الحرمة إليه وإلى أقاربه. ومن شرطه: أن يكون في الحولين، و"كانت عائشة ترى أن إرضاع الكبير يحرم، لحديث سالم". ولنا: قوله: "إنما الرضاعة من المجاعة ". ٢ أخرجاه. وكره أحمد الارتضاع بلبن أهل الفجور والمشركات، قال عمر: "اللبن نسبة، فلا يسقى من يهودية ولا نصرانية". ويكره الارتضاع بلبن الحمقى كيلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه قال: "الرضاع يغير الطباع".
стр. 699
كتاب النفقات
نفقة المرأة معتبرة بحال الزوجين جميعاً، فإن كانا موسرين فلهما نفقة الموسرين، وكذلك المتوسطين. وإن كان أحدهما موسراً فعليه نفقة المتوسطين، وقال مالك: يعتبر حال المرأة، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ ، ١ ولقوله: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ٢ والمعروف: الكفاية. وقال الشافعي: الاعتبار بحال الزوج وحده، لقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ الآية. ٣ وفي ما ذكرنا جمع بين الدليلين. والشرع ورد بالإنفاق من غير تقدير، فيردّ إلى العرف، وقال الشافعي: نفقة المعسر مدّ ونفقة الموسر مدّان، وقال: يجب فيهما الحب. فإن كانت ممن لا تخدم نفسها وجب لها خادم، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . ٤ فإن منعها أو أعطاها أقل من كفايتها، فلها أن تأخذ من ماله الواجب بغير إذنه. و"إذا منعها لعسرته، خيّرت بين الصبر وبين فراقه"، روي عن عمر وغيره؛ وبه قال مالك والشافعي. وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تملك فراقه، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب. وقال العنبري: يحبس إلى أن ينفق. ولنا: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، ٥ وليس الإمساك عن ترك الإنفاق كذلك.
стр. 700
سئل ابن المسيب عن: الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرّق بينهما؟ قال: نعم. قيل: سنة؟ قال: سنة. ومن ترك الإنفاق الواجب، لم يسقط وكان ديناً في ذمته. وعنه: يسقط، ما لم يفرضها حاكم. ولنا: "أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلّقوا. فإن طلّقوا بعثوا بنفقة ما مضى"، قال ابن المنذر: ثبت ذلك عنه.
ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده إذا كانوا فقراء وكان له ما ينفق عليهم، الأصل في وجوب نفقتهم: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآية، ١ وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ، ٢ وقوله: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ٣ وقوله: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". ٤ وأما الإجماع فحكاه ابن المنذر.
وتجب نفقة الأم، وحكي عن مالك: لا نفقة عليها ولا لها، لأنها ليست عصبة؛ فإن أعسر الأب وجبت على الأم.
ويجب الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا، وولد الولد وإن سفلوا، وقال مالك: لا تجب عليهم ولا لهم. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ . ٥ ويشترط أن يكون المنفق وارثاً ولو كان محجوبا بمعسر أقرب منه، إلا إن كان من غير عمودي النسب إذا حجب. ويتخرج في كل وارث لولا الحجب إذا كان الحاجب معسراً وجهان:
فأما ذوو الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب، فإن كانوا من
стр. 701
غير عمودي النسب فلا نفقة عليهم، قال أحمد: الخالة والعمة لا نفقة عليهما. وقال أبو الخطاب: يخرج فيهم رواية أخرى: أنها تلزمهم عند عدم العصبة وذوي الفرض.
وهل تجب لمن يقدر على الحرفة من الوالدين والمولودين؟ فيه روايتان. وقال أبو حنيفة: ينفق على الغلام حتى يبلغ، وقال مالك: ينفق على النساء حتى يتزوجن. ولنا: قوله: "خذي ما يكفيك وولدك"، ١ ولم يستثن بالغاً ولا صحيحاً. والصبي إذا لم يكن له أب أُجبر وارثه على نفقته على قدر ميراثهم؛ وحكي عن أحمد في الصبي المرضع لا أب له ولا جد: نفقته وأجر رضاعه على الرجال دون النساء، وبه قال إسحاق، لما روي عن عمر "أنه قضى على ابن عم منفوس بنفقته"، احتج به أحمد. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: لا نفقة إلا على الوالدين والمولودين. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ٢ - إلى قوله - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ . ٣ وعلى المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيراً، لأنه وارث.
ولا سكنى ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملاً، لحديث فاطمة. قال ابن عبد البر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحجّ، لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصاً صريحاً، فأي شيء يعارض هذه الأمثلة؟ لأنه هو المبين عن الله مراده؛ ومعلوم أنه أعلم بتأويل كتاب الله في قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ ٤ إلخ. وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه عليّ وابن عباس ومن وافقهما والحجة معهما، ولو لم يخالفه أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ ، فإنه حجة على
стр. 702
عمر وعلى غيره. ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنّة نبينا لقول امرأة، فإن أحمد أنكره. أما هذا فلا، ولكن لا نقبل في ديننا قول امرأة. وهذا يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، قال إسماعيل بن إسحاق: ونحن نعلم أن عمر لا يقول: لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله، والذي فيه أن لها النفقة إذا كانت حاملاً بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ، ١ وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
واختار في الهدي أنها لو تزوجته عالمة بعسره، أو كان موسراً ثم افتقر، أنه لا فسخ لها، قال: ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد الإيسار ولم يرفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم.
ونقل جماعة: تجب لكل وارث، اختاره الشيخ، لأنه من صلة الرحم، وهو عام كعموم الميراث في ذوي الأرحام بل أولى.
قوله: وإن ترك الإنفاق مدة لم يلزمه عوضه، قال الشيخ: من أنفق عليه بإذن حاكم رجع، وبلا إذن فيه خلاف؛ وظاهر كلامه: يستدين عليه بإذن حاكم.
стр. 703
باب من أحق بكفالة الطفل
لا تثبت الكفالة لطفل، ولا لفاسق، لأنه ينشأ على طريقته، ولا لكافر على مسلم. وقال أبو ثور: حديث أبي رافع بن سنان لا يثبته أهل النقل. قال ابن المنذر: يحتمل أنه ﷺ علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان خاصاً. والأم أحق بكفالة الطفل والمعتوه إذا طلقت، لا نعلم فيه خلافاً.
وإذا بلغ سبع سنين خيّر بين أبويه، وقال مالك لا يخيّر، لأنه ربما اختار من يترك تأديبه. ولنا: "أنه ﷺ خيّر غلاما بين أبيه وأمه". رواه أبو داود، ولأنه إجماع الصحابة. "فإن عدم الأب، أو كان لا حضانة له، خيّر بين أمه وبين العصبات"، فعله عليّ (. وإذا بلغت الجارية سبعاً فالأب أحق بها. وقال مالك: الأم أحق بها حتى تتزوج. وقال الشافعي: تخيّر. فقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها. وعن أحمد: لا تزول الحضانة عن الجارية لتزويج أمها، لحديث ابنة حمزة؛ والأول هو الصحيح، لقوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي". ١ "وأما ابنة حمزة فقضى بها للخالة، لأن زوجها من أهل الحضانة". وإن عدمت الأم واجتمع أم أب وخالة، فأم الأب أحق، وعنه: الخالة. والأخت أحق من الخالة. وقال ابن سريج: تقدم الخالة.
وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة "لأنه لم ينكر على عليّ وجعفر".
стр. 704
وعلى ملاّك المملوكين أن ينفقوا عليهم ويكسوهم بالمعروف. ولا يكلف من العمل ما لا يطيق. وإذا تولى طعاماً استحب له أن يجلسه يأكل معه، فإن لم يفعل استحب له أن يطعمه منه. ولا يجبر المملوك على المخارجة. ويزوج المملوك إن احتاج، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية. ١ فإن امتنع السيد مما يجب عليه، وطلب العبد البيع، أجبر عليه. ومن ملك بهيمة لزمه القيام عليها والإنفاق عليها ما تحتاج إليه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده، لزمه إخراجه عن ملكه. وليس لابن العم حضانة، واختار في الهدي: أن له، ويسلمها إلى ثقة يختارها هو أو إلى محرم، لأنه أولى من أجنبي وحاكم. وكذا قال فيمن تزوجت وليس للولد غيرها.
стр. 705
كتاب الجنايات
الأكثر يرون القتل ينقسم إلى: عمد، وشبه عمد، وخطإ. وأنكر مالك شبهه، وقال: ليس في كتاب الله، وجعله من قسم العمد. ولنا: قوله ﷺ : "ألا إن ديّة الخطإ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". رواه أبو داود.
فالعمد: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به، عالماً بكونه معصوماً، مثل أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلة أو ما في معناه، مما يجرح من الحديد أو الخشب أو القصب أو العظم، إذا جرح به جرحاً كبيراً فمات؛ فهو عمد بلا خلاف علمناه. فأما إن جرحه جرحاً صغيراً، كشرط الحجام أو غرزه بإبرة أو شوكة، أو جرحه جرحاً صغيراً بكبير في غير مقتل، فمات في الحال، ففي كونه عمداً وجهان. وإن قطع سلعة من أجنبي بغير إذنه [فمات] ، فعليه القود. وكذلك إن ضربه بمثقل كبير، أو بما يغلب على الظن موته به، أو يلقيه من شاهق، أو يكرر الضرب بصغير. وعن عطاء: العمد ما كان بالسلاح. وقال أبو حنيفة: لا قود إلا أن يقتله بالنار. وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بالحديث المتقدم قال: فأوجب الدية دون القصاص. ولنا: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، ١ وفي الصحيحين: "إن يهودياً قتل جارية بحجر، فقتله رسول الله بين حجرين". ٢ والحديث محمول على المثقل