غير عمودي النسب فلا نفقة عليهم، قال أحمد: الخالة والعمة لا نفقة عليهما. وقال أبو الخطاب: يخرج فيهم رواية أخرى: أنها تلزمهم عند عدم العصبة وذوي الفرض.
وهل تجب لمن يقدر على الحرفة من الوالدين والمولودين؟ فيه روايتان. وقال أبو حنيفة: ينفق على الغلام حتى يبلغ، وقال مالك: ينفق على النساء حتى يتزوجن. ولنا: قوله: "خذي ما يكفيك وولدك"، ١ ولم يستثن بالغاً ولا صحيحاً. والصبي إذا لم يكن له أب أُجبر وارثه على نفقته على قدر ميراثهم؛ وحكي عن أحمد في الصبي المرضع لا أب له ولا جد: نفقته وأجر رضاعه على الرجال دون النساء، وبه قال إسحاق، لما روي عن عمر "أنه قضى على ابن عم منفوس بنفقته"، احتج به أحمد. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: لا نفقة إلا على الوالدين والمولودين. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ٢ - إلى قوله - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ . ٣ وعلى المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيراً، لأنه وارث.
ولا سكنى ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملاً، لحديث فاطمة. قال ابن عبد البر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحجّ، لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصاً صريحاً، فأي شيء يعارض هذه الأمثلة؟ لأنه هو المبين عن الله مراده؛ ومعلوم أنه أعلم بتأويل كتاب الله في قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ ٤ إلخ. وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه عليّ وابن عباس ومن وافقهما والحجة معهما، ولو لم يخالفه أحد منهم لما قبل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ ، فإنه حجة على
стр. 702
عمر وعلى غيره. ولم يصح عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنّة نبينا لقول امرأة، فإن أحمد أنكره. أما هذا فلا، ولكن لا نقبل في ديننا قول امرأة. وهذا يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، قال إسماعيل بن إسحاق: ونحن نعلم أن عمر لا يقول: لا ندع كتاب ربنا إلا لما هو موجود في كتاب الله، والذي فيه أن لها النفقة إذا كانت حاملاً بقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ، ١ وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
واختار في الهدي أنها لو تزوجته عالمة بعسره، أو كان موسراً ثم افتقر، أنه لا فسخ لها، قال: ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد الإيسار ولم يرفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم.
ونقل جماعة: تجب لكل وارث، اختاره الشيخ، لأنه من صلة الرحم، وهو عام كعموم الميراث في ذوي الأرحام بل أولى.
قوله: وإن ترك الإنفاق مدة لم يلزمه عوضه، قال الشيخ: من أنفق عليه بإذن حاكم رجع، وبلا إذن فيه خلاف؛ وظاهر كلامه: يستدين عليه بإذن حاكم.
стр. 703
باب من أحق بكفالة الطفل
لا تثبت الكفالة لطفل، ولا لفاسق، لأنه ينشأ على طريقته، ولا لكافر على مسلم. وقال أبو ثور: حديث أبي رافع بن سنان لا يثبته أهل النقل. قال ابن المنذر: يحتمل أنه ﷺ علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان خاصاً. والأم أحق بكفالة الطفل والمعتوه إذا طلقت، لا نعلم فيه خلافاً.
وإذا بلغ سبع سنين خيّر بين أبويه، وقال مالك لا يخيّر، لأنه ربما اختار من يترك تأديبه. ولنا: "أنه ﷺ خيّر غلاما بين أبيه وأمه". رواه أبو داود، ولأنه إجماع الصحابة. "فإن عدم الأب، أو كان لا حضانة له، خيّر بين أمه وبين العصبات"، فعله عليّ (. وإذا بلغت الجارية سبعاً فالأب أحق بها. وقال مالك: الأم أحق بها حتى تتزوج. وقال الشافعي: تخيّر. فقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها. وعن أحمد: لا تزول الحضانة عن الجارية لتزويج أمها، لحديث ابنة حمزة؛ والأول هو الصحيح، لقوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي". ١ "وأما ابنة حمزة فقضى بها للخالة، لأن زوجها من أهل الحضانة". وإن عدمت الأم واجتمع أم أب وخالة، فأم الأب أحق، وعنه: الخالة. والأخت أحق من الخالة. وقال ابن سريج: تقدم الخالة.
وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة "لأنه لم ينكر على عليّ وجعفر".
стр. 704
وعلى ملاّك المملوكين أن ينفقوا عليهم ويكسوهم بالمعروف. ولا يكلف من العمل ما لا يطيق. وإذا تولى طعاماً استحب له أن يجلسه يأكل معه، فإن لم يفعل استحب له أن يطعمه منه. ولا يجبر المملوك على المخارجة. ويزوج المملوك إن احتاج، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية. ١ فإن امتنع السيد مما يجب عليه، وطلب العبد البيع، أجبر عليه. ومن ملك بهيمة لزمه القيام عليها والإنفاق عليها ما تحتاج إليه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده، لزمه إخراجه عن ملكه. وليس لابن العم حضانة، واختار في الهدي: أن له، ويسلمها إلى ثقة يختارها هو أو إلى محرم، لأنه أولى من أجنبي وحاكم. وكذا قال فيمن تزوجت وليس للولد غيرها.
стр. 705
كتاب الجنايات
الأكثر يرون القتل ينقسم إلى: عمد، وشبه عمد، وخطإ. وأنكر مالك شبهه، وقال: ليس في كتاب الله، وجعله من قسم العمد. ولنا: قوله ﷺ : "ألا إن ديّة الخطإ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها". رواه أبو داود.
فالعمد: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به، عالماً بكونه معصوماً، مثل أن يجرحه بسكين، أو يغرزه بمسلة أو ما في معناه، مما يجرح من الحديد أو الخشب أو القصب أو العظم، إذا جرح به جرحاً كبيراً فمات؛ فهو عمد بلا خلاف علمناه. فأما إن جرحه جرحاً صغيراً، كشرط الحجام أو غرزه بإبرة أو شوكة، أو جرحه جرحاً صغيراً بكبير في غير مقتل، فمات في الحال، ففي كونه عمداً وجهان. وإن قطع سلعة من أجنبي بغير إذنه [فمات] ، فعليه القود. وكذلك إن ضربه بمثقل كبير، أو بما يغلب على الظن موته به، أو يلقيه من شاهق، أو يكرر الضرب بصغير. وعن عطاء: العمد ما كان بالسلاح. وقال أبو حنيفة: لا قود إلا أن يقتله بالنار. وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بالحديث المتقدم قال: فأوجب الدية دون القصاص. ولنا: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ، ١ وفي الصحيحين: "إن يهودياً قتل جارية بحجر، فقتله رسول الله بين حجرين". ٢ والحديث محمول على المثقل
стр. 706
الصغير، لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر، فدل على أنه أراد ما يشبههما. وإنما حد الموجب للقصاص هنا بفوق عمود الفسطاط "لأنه ﷺ لما سئل عن: المرأة التي ضربت جارتها بعمود الفسطاط، فقتلتها وجنينها؟ قضى في الجنين بغرة، وقضى بالدية على عاقلتها"، والعاقلة لا تحمل العمد؛ فدل على أنها التي تتخذها العرب لبيوتها، وفيها رقة.
وشبه العمد: أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل، فلا قود فيه. والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم، وجعله مالك عمداً موجباً للقصاص. ولنا: حديث المرأتين المتقدم، والحديث الأول. وقولهم: هذا قسم ثالث، قلنا: نعم، هذا ثبت بالسنة، والأولان بالكتاب. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن قتل الخطإ أن يرمي شيئاً فيصيب غيره.
والأصل في وجوب الدية والكفارة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ الآية، ١ وسواء كان المقتول مسلماً أو كافرًا له عهد، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية. ٢ ولا قصاص في شيء من هذا، لأن الله تعالى لم يذكره.
ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعْل كل واحد منهم لو انفرد وجب القصاص عليه، وعنه: لا يقتلون به، وتجب الدية. ولنا: إجماع الصحابة. ولا خلاف أنه لا قصاص على صبي ومجنون ومن زال عقله بسبب يعذر فيه. وفي السكران روايتان. والمرتد لا يجب بقتله قصاص ولا دية ولا كفارة، لأنه مباح الدم، أشبه الحربي.
стр. 707
ويقتل العبد المسلم بالعبد المسلم وإن اختلفت القيمة، وعنه: لا. ولنا: قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية. ١ ويجري القصاص بينهما فيما دون النفس، وعنه: لا. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية. ٢ ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، وعنه: يقتل الرجل بالمرأة ويعطى أولياؤه نصف الدية. ولنا: قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، ٣ وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ، ٤ وحديث اليهودي الذي رض رأس الجارية.
ولا يقتل مسلم بكافر، في قول الأكثر. وقال النخعي والشعبي: يقتل بالذمي، قال أحمد: سبحان الله! هذا عجب! يصير المجوسي مثل المسلم؟ ما هذا القول؟ واستشنعه وقال: النبي ﷺ يقول: "لا يقتل مسلم بكافر "، ٥ وهو يقول: يقتل؛ فأي شيء أشد من هذا؟!
ولا يقتل حر بعبد، وروي عن ابن المسيب والثوري وأصحاب الرأي: يقتل به، لعموم الآية والأخبار. ولنا: قول عليّ: "من السّنّة أن لا يُقتل حرّ بعبد". وعن ابن عباس مرفوعاً مثله، رواه الدارقطني. ولا يقتل السيد بعبده في قول الأكثر. ولا يقتل الأب بولده ولا ولد ولده وإن نزل، سواء في ذلك ولد البنين والبنات. وقال ابن المنذر: يقتل به، لظاهر آي الكتاب. ولنا: قوله: " لا يُقتل والد بولده". ٦ رواه النسائي وابن ماجة. قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض
стр. 708
عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد، حتى يكون الإسناد في مثله تكليفاً.
وقتل الغيلة وغيره سواء، وقال مالك: يقتل به. وليس لولي الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان. وإذا كان من يستحق القصاص واحداً غير مكلف، فالقصاص له، وليس لغيره استيفاؤه. ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ويقدم الغائب.
وليس لبعض الأولياء الاستيفاء دون بعض، فإن فعل فلا قصاص عليه، وعليه لشركائه حقهم من الدية. وإن عفا بعضهم سقط القصاص. وقال الليث والأوزاعي: ليس للنساء عفو، وللباقين حقهم من الدية، لا نعلم فيه خلافاً، لحديث عمر رواه أبو داود. فإن كان القاتل العافي مطلقاً أو إلى مال، فعليه القصاص، وروي عن الحسن: لا يقتل. ولنا: قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذب أليم﴾ . ١ قال ابن عباس وغيره: "أي: بعد أخذ الدية".
وإن كان بعضهم صغيراً أو مجنوناً فليس للبالغ العاقل استيفاء حتى يصيرا مكلفين. وعنه: للكبار استيفاؤه، لأن الحسن قتل ابن ملجم وفي الورثة صغار، فلم ينكر. وقيل: قتله لكفره، وقيل: لسعيه في الأرض بالفساد. وإذا وجب القصاص على حامل أو حملت بعد وجوبه، لم تقتل حتى تضع وتسقيه اللبأ، لا نعلم فيه خلافاً. ثم إن لم يكن له من يرضعه، لم تقتل حتى يجيء أوان فطامه، لحديث الغامدية. وأجمعوا على أن العفو عن القصاص أفضل، لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ٢.
стр. 709
والواجب بقتل العمد: القصاص أو الدية، وعنه: موجبه القصاص عيناً، لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ . ١ والمشهور: أحد شيئين، وأن الخيرة إلى الولي إن اختار الدية فله، لقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية. ٢ ومن أقيد بغيره في النفس أقيد به في ما دونها، ومن لا فلا. وعنه: لا قصاص بين العبيد في الأطراف لأنها أموال.
ويشترط له ثلاثة شروط:
أحدها: الأمن من الحيف، بأن يكون القطع من المفصل، أو له حد ينتهي إليه، كمارن الأنف وهو ما لان منه.
الثاني: المماثلة، فتؤخذ اليمنى واليسرى والسفلى من الشفتين بمثلها.
الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصة.
ويجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم يمكن استيفاؤه من غير زيادة. ولا يقتص من الطرف إلا بعد برئه.
стр. 710
كتاب الديات
أجمعوا على أن دية العمد في مال القاتل، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما جرى مجراه، فعلى العاقلة.
وأما الكفارة، ففي مال القاتل لا يدخلها تحمل. ولا يلزم القاتل شيء من دية الخطإ. ولو شهر سيفاً في وجه إنسان، أو أدلاه من شاهق فمات روعة أو ذهب عقله، فعليه ديته. وإن صاح بصبي أو مجنون صيحة شديدة فخرّ من سطح أو نحوه فمات أو ذهب عقله، أو تغفل عاقل فصاح به، فعليه ديته تحملها العاقلة. ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات، ضمنه. ومن أدّب ولده أو امرأته، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته، ولم يسرف فتلف، لم يضمن. وإن أمر إنساناً أن يصعد شجرة أو ينزل بئراً فهلك، لم يضمنه.
ولا خلاف أن الإبل أصول في الدية، وأن دية الحر المسلم: مائة. ولا يختلف المذهب أن أصولها: الإبل والذهب والورق والبقر والغنم. فمن الإبل: مائة، ومن البقر: مائتان، ومن الغنم: ألفا شاة، أو ألف مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم.
فإن كان القتل عمداً وشبهه، وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون
стр. 711
جذعة. وعنه: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وإن كانت خطأ وجبت أخماساً.
وأجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل، ودية الجنين الحر المسلم إذا سقط ميتاً من الضربة غرة عبد أو أمة قيمته: خمس من الإبل. وإن سقط حياً ثم مات فديته دية حر إذا كان لستة أشهر، فإن كان لدونها فغرة. وإن شربت الحامل دواء فألقت جنيناً، فعليها غرة لا ترث منها، بغير خلاف. وإن جنى على بهيمة فألقت جنينها، ففيه ما في نقصها. وإن جنى العبد خطأ، خيّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية.
والشجاج عشر: خمس لا توقيت فيها: أولها: الحارصة وهي: التي تشق الجلد قليلاً ولا تظهر دماً. ثم البازلة: التي يسيل منها الدم. ثم الباضعة: التي تشق اللحم بعد الجلد. ثم المتلاحمة: التي تأخذ في اللحم دخولاً كثيراً. ثم السمحاق: التي تصل إلى قشرة رقيقة فوق العظم. فلم يرد فيها توقيت، فالواجب الحكومة كجراحات البدن.
وخمس فيها مقدر: أولها: الموضحة: التي توضح العظم أي: تبرزه، ففيها: خمس من الإبل. ثم الهاشمة: التي تهشم العظم، ففيها: عشر من الإبل. ثم المنقلة وهي: التي توضح وتهشم وتزيل العظام عن مواضعها، فتحتاج إلى نقل العظم ليلتئم، ففيها: خمسة عشر. ثم المأمومة: التي تصل إلى جلدة الدماغ، ففيها: ثلث الدية. وفي الجائفة: ثلث الدية، وهي: التي تصل إلى باطن الجوف.
والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثمَّ يقوّم وهي به قد برئت، فما نقص منه فله مثله من الدية؛ ولا نعلم خلافاً أن هذا تفسير
стр. 712
الحكومة. ولا يقوّم إلا بعد برء الجرح، فإن لم ينقص في تلك الحال قوّم حال جريان الدم.
والعاقلة: العصبات من النسب، قريبهم وبعيدهم إلا عمودي نسبه. وعنه: أنهم منهم، سموا: "العاقلة"، لأنهم يمنعون عنه، والعقل: المنع. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة والذي لم يبلغ لا يعقلان، وأن الفقير لا يلزمه شيء. وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال، وعنه: على عاقلته، لحديث عمر. ومن لا عاقلة له، فهل تجب في بيت المال؟ على روايتين.
"ولا تحمل العاقلة عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً"، قاله ابن عباس، ولم يعرف له مخالف من الصحابة. ولا تحمل ما دون ثلث الدية. وما يحمله كل واحد منهم غير مقدر، فيرجع إلى اجتهاد الحاكم، فيحمل كل إنسان ما يسهل. وعمد الصبي والمجنون تحمله العاقلة، وعنه: أن الصبي العاقل عمده في ماله.
стр. 713
باب القسامة
قال القاضي: يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، لأنه ﷺ قال للأنصار: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، ولأن للإنسان أن يحلف على غالب ظنه.
واختلفت الرواية عن أحمد في اللوث:
فروي عنه: أنه العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه.
الثانية: أن اللوث أن يغلب على الظن صدق المدعي مثل العداوة، أو يتفرق جماعة عن قتيل فيكون لوثاً في حق كل واحد منهم.
الثالثة: أن يزدحموا في مضيق فيوجد بينهم قتيل.
الرابعة: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم.
الخامسة: أن يقتتل فئتان فيتفرقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى.
السادسة: أن يشهد بالقتل عبيد أو نساء، وفي الفاسق والصبيان روايتان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف ":
اختار الشيخ: الدالّ يلزمه القود إن تعمد وإلا الدية، وأن الآمر لا يرث. قوله: أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً، قال الشيخ: محل هذا في المسلم المعذور، كالأسير أو لا يمكنه الهجرة والخروج من صفهم، فأما الذي يقف في صف قتالهم باختياره فلا يضمن بحال. وقال: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة تمنع قتل الحرّ به، وقوى قتله به. وروى عبادة عنه:
стр. 714
صلى الله عليه وسلم: "منزل الرجل حريمه، فمن دخل عليك حريمك فاقتله"، ولهذا ذكر في المغني: أن الولي إن اعترف بذلك فلا قود ولا دية، واحتج بقول عمر، قال في الفروع: كلامهم وكلام أحمد يدل على أنه لا فرق بين كونه محصناً أو لا. وصرح به بعض المتأخرين كشيخنا وغيره، لأنه ليس بحد، وإنما هو عقوبة على فاعله، وإلا لاعتبرت شروط الحر. وسأله أبو الحارث: وجده يفجر بها، له قتله؟ قال: قد روي عن عمر وعثمان. وكل من ورث المال ورث القصاص.
واختار الشيخ: تختص العصبة. ولا يستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان. واختار الشيخ: يجوز بغير حضوره إذا كان في النفس، ولا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف. وعنه: يفعل به كما فعل، اختاره الشيخ، وقال: هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل. وقال: استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل؛ لكن هنا الإحسان لا يكون إحساناً إلا بعد العدل، وهو أن لا يحصل بالعدل ضرر، فإذا حصل ضرر كان ظلماً من العافي إما لنفسه وإما لغيره، فلا يشرع.
واختار أن العفو لا يصح في قتله الغيلة، لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة. واختار القصاص في كل شيء من الجراح والكسر يقدر على القصاص منه، للأخبار. وقال: ثبت عن الخلفاء الراشدين. وإن غصب صغيراً فنهشته حيّة أو أصابته صاعقة ففيه الدية. قال الشيخ: مثله كل سبب يختص البقعة، كالوباء وانهدام السقف عليه ونحوهما. ولو أمر عاقلاً أن ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه، كما لو استأجره لذلك، ولو أمر من لا يميز بذلك.
стр. 715
وذكر ١ الأكثر: لو أمر غير مكلف بذلك ضمنه، قال في الفروع: ولعل مراد الشيخ: ما جرى به عرف وعادة، كقرابة وصحبة وتعليم ونحوه، فهذا متجه، وإلا ضمنه. قوله: وفي جراحه أي: العبد إن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وعنه: يضمن ما نقص مطلقاً، اختاره الشيخ. واختار أن اللوث [يثبت] ٢ بشهادة النساء والصبيان وفسقة وعدل واحد ونحو ذلك.
стр. 716
باب الحدود
لا يجب الحد إلا على بالغ، عاقل، عالم بالتحريم. ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه، إلا السيد فله جلد رقيقه. وعنه: يملك القتل والقطع. وحد المحصن: الرجم. وهل يجلد قبله؟ على روايتين. وغيره: يجلد مائة ويغرب عاماً. ويجب أن يحضر طائفة من المؤمنين، و"الطائفة: واحد فما فوقه"، قاله ابن عباس ومجاهد. واللوطي كالزاني، وعنه: الرجم بكل حال، لأنه إجماع الصحابة "فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في الكيفية". ومن أتى بهيمة فحده حد اللوطي. وعنه: "يعزر ولا حد عليه"، روي عن ابن عباس، وهو قول مالك والشافعي، لأنه لم يصح فيه نص. وفي وجوب قتلها روايتان، وكره أحمد أكل لحمها.
فإن ثبت الزنى بإقرار، اعتبر أربع مرات، وقال مالك والشافعي وابن المنذر: يحد بإقراره مرة، لحديث أنيس. ولا ينزع عن إقراره حتى يتم، فإن رجع أو هرب كف عنه؛ وبه قال مالك والشافعي. وإذا ثبتت الشهادة بالزنى فصدقهم، لم يسقط الحد، وقال أبو حنيفة: يسقط، لأن صحة البينة يشترط لها الإنكار. ولو وطئ في نكاح مجمع على بطلانه فعليه الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه للشبهة.
وإن استأجر أمة للزنى أو غيره فزنى بها، حُدّ، وقال أبو حنيفة: لا، للشبهة.
ويستحب للإمام أو الحاكم الذي يثبت عنده الإقرار التعريض له
стр. 717
بالرجوع إذا تم، والوقوف عن إتمامه إذا لم يتم، "لأنه ﷺ أعرض عن ماعز"، وعن أبي داود: "أنه أُتي بجارية سوداء سرقت، فقال لها: أسرقتِ؟ قولي: لا، فقالت: لا. فخلى سبيلها" ويكره لمن علم حاله أن يحثه على الإقرار.
وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصناً، وأن حده ثمانون إن كان حراً، للآية، وإن كان عبداً فحده أربعون، في قول الأكثر. ويشترط مطالبة المقذوف، وأن يأتي ببيّنة.
стр. 718
باب القطع في السرقة
الأصل فيه الكتاب والسنّة والإجماع، وهي أخذ المال على وجه الاختفاء؛ فلا قطع على منتهب ولا مختلس ولا غاصب ولا جاحد وديعة، وعنه: روايتان في جاحد العارية. وكذلك الطرّار الذي يشق الجيب، فيه روايتان. وإذا سرق من الثمر المعلق، فعليه غرامة مثليه، للخبر؛ قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه.
ولا يقطع بالسرقة من مال ابنه أو أبيه، والأم والأب في ذلك سواء وإن علوا وإن سفلوا، ولا العبد من مال سيده، ولا من مال له فيه شرك. ولا قطع إلا بمطالبة المالك أو دعواه، وقال مالك وابن المنذر: لا يشترط، لعموم الآية.
ولا خلاف أن أول ما يقطع يده اليمنى، وإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، إلا ما حكي عن عطاء: تقطع يده اليسرى، لقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ١ فإن عاد حُبس ولم يقطع، وعنه: تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة؛ وهو قول مالك والشافعي وابن المنذر. ويجتمع القطع والضمان، وقال الثوري: لا يجتمعان. وقال مالك: لا غرم على معسر.
стр. 719
باب حد المحاربين
الأصل فيهم: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً﴾ الآية. ١ "نزلت في قطّاع الطريق" في قول ابن عباس وكثير من العلماء. وحكي عن ابن عمر: "أنها نزلت في المرتدّين"، قال أنس: "نزلت في العرنيّين الذين استاقوا إبل الصدقة وارتدّوا"، ولنا: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ؛ ٢ والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة.
ولهم ثلاثة شروط:
(أحدها) : أن يكون في الصحراء، وبه قال الثوري وإسحاق، لأن قطع الطريق لا يكون إلا في الصحراء. وقال الأوزاعي والليث والشافعي: الحضر والصحراء واحد، لأن الآية تعم كل محارب.
(الثاني) : أن يكون معهم سلاح، ولو بالعصي والحجارة.
(الثالث) : أن يجاهروا، فإن أخذو مختفين فهم سراق، وإن اختطفوا وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم. وحكم الردء حكم المباشر، وبه قال مالك.
والنفي: أن يترك لا يأوي إلى بلد، وعنه: نفيه: تعزيره بما يردعه، وقيل:
стр. 720
نفيه حبسه، وقال ابن سريج: يحبسهم في غير بلدهم، وهذا مثل قول مالك، لأن تشريدهم يخرجهم إلى قطع الطريق.
ومن أريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يكون، فإن لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك، ولا شيء عليه. وإن قُتل كان شهيداً.
وهل يلزمه الدفع عن نفسه؟ على روايتين.
قال ابن سيرين: ما أعلم أحداً ترك قتال الحرورية واللصوص تأثماً، إلا أن يجبن. ويلزمه الدفع عن حرمته ولا يلزمه عن ماله. فإن أريدت نفسه فالأولى في الفتنة ترك الدفع، ولغيره الدفع عنه، لقوله: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ١.
стр. 721
باب قتال أهل البغي
الأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. ١ من اتفق المسلمون على إمامته ثبتت إمامته ووجبت معونته، وفي معناه: من ثبتت إمامته بعهد من إمام قبله، وكذلك لو خرج رجل فقهر الناس حتى بايعوه صار إماماً، يحرم الخروج عليه، كعبد الملك بن مروان؛ فيدخل في عموم قوله: "من خرج على أمتي وهم جميع، فاضربوا عنقه بالسيف" ٢.
ومن هنا إلى كتاب الأطعمة من "الإنصاف":
لا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه. واختار الشيخ أنه لا يجوز إلا بقرينة، كتطلب الإمام له ليقتله. وقال: إن عصى الرقيق علانية، أقام السيد عليه الحد، وإن عصى سراً فينبغي أن لا يجب إقامته، بل يخير بين ستره واستتابته بحسب المصلحة. وقال: إن تعدى أهل مكة على الركب، دفعوا عن أنفسهم كما يدفع الصائل، ولغيرهم أن يدفع معهم، بل قد يجب إن احتيج إليه. وتردَّد في الأشهر الحرم، هل تعصم شيئا من الحدود والجنايات؟ واختار ابن القيم في الهدي: أنها تعصم، وفيه: أن الطائفة الممتنعة بالحرم من مبايعة الإمام لا تقاتل.
стр. 722
وإن وطيء ذات محرم، فقال أحمد: يقتل ويؤخذ ماله، لخبر البراء، قيل له: فالمرأة؟ قال: كلاهما في معنى واحد. قوله: أو وطئ في نكاح مجمع على بطلانه، وإن جهل البطلان فلا حد عليه.
وإن حملت من لا زوج لها ولا سيد، لم تحد بمجرده. وعنه: تحد إذا لم تدّع شبهة، اختاره الشيخ. قوله: وهل حد القذف حق لله ... إلخ؟ وحكى الشيخ الإجماع: أنه لا يجوز أن يعرض له إلا بطلب.
واختار وجوب الحد بأكل الحشيشة سكر أو لم يسكر، وضررها من بعض الوجوه أعظم من ضرر الخمر، وإنما حدث أكلها في آخر المائة السادسة أو قريباً منها مع ظهور سيف جنكس خان. قوله: حده ثمانون، وعنه: أربعون، وجوز الشيخ الثمانين للمصلحة. قال: ويقتل الشارب في الرابعة عند الحاجة إلى قتله، إذا لم ينته الناس بدونه. وإن أكره على شربها حل له، قال الشيخ: يرخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله، كأكل الميتة وشرب الخمر، وقال: يحد بالرائحة إذا لم يدَّع شبهة. وقال: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف كالصبي المميز يعاقب على الفاحشة تعزيراً بليغاً.
وقال في الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة ديناً، وقول: انذروا لي، واستعينوا بي: إن أصرّ ولم يتب قُتل.
وعن أحمد: لا يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بالمال، اختارها الشيخ. وقال: الخوارج يقتلون ابتداء، ويجهز على جريحهم، وقال: جمهور العلماء: يفرقون بينهم وبين البغاة المتأولين، وهو المعروف عن الصحابة؛ وعليه عامة الفقهاء. وإن أظهر قوم رأي الخوارج لم يتعرض لهم. وعنه: الحرورية إذا دعوا إلى ما هم عليه فقاتلْهم.
стр. 723
وسئل عن: قتل الجهمي؟ فقال: أرى قتل الداعية منهم، وقال مالك: عمرو بن عبيد يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل. قال أحمد: أرى ذلك إذا جحد العلم، وكان عمرو لا يقر بالعلم، وهذا كافر.
وقال الشيخ: أجمعوا على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة من شرائع الإسلام، يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى. وقال: الرافضة شر من الخوارج اتفاقاً. وقال: في قتل الواحد منهما ونحوهما وكفره روايتان، والصحيح جواز قتله كالداعية ونحوه، وقال: مذهب الأئمة أحمد وغيره: التفصيل بين النوع والعين.
قوله: وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة ... إلخ، قال الشيخ: إن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جهل قدر المحرّم من ماله أخرج نصفه، والباقي له.
قوله: من أشرك بالله ... إلخ، قال الشيخ: أو كان مبغضاً لرسوله أو لما جاء به، اتفاقاً، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم، إجماعاً. قوله: وما أتلفه من شيء ضمنه، وعنه: إن فعله في دار الحرب أو في جماعة مرتدة ممتنعة لا يضمن، اختاره الشيخ. وقال: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، من السحر، ويحرم إجماعاً. وأقرَّ أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركة ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه.
стр. 724
كتاب الأطعمة
الأصل فيها: الحل، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ١.
يحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه، من الحبوب والثمار. والحيوانات مباحة، لعموم النصوص، إلا الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة وعشرون من الصحابة كرهوها، قال ابن عبد البر: لا خلاف اليوم في تحريمها، وحكي عن ابن عباس وعائشة "أن ما خلا المذكور في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، ٢ فهو حلال". وألبان الحمر محرمة في قول الأكثر، ورخص فيها عطاء وطاووس.
وما له ناب يفترس به، كالذئب والكلب والسنور، إلا الضبع، حرام في قول الأكثر، ورخص في ذلك الشعبي وبعض أصحاب مالك، لعموم الآية. ولنا: قوله "أكل كل ذي ناب من السباع حرام". ٣ وقال أبو ثعلبة: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع". ٤ متفق عليه. قال ابن عبد البر: هذا نص صريح يخص العموم. وقال: لا أعلم خلافاً في أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه، وما له مخلب من الطير يصيد به، في قول الأكثر. وقال مالك والليث: لا يحرم من الطير شيء، واحتجوا بعموم الآية، وقول أبي الدرداء وابن عباس: "ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه".
стр. 725
ولنا: "نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير"، رواه أبو داود. والخمس الفواسق محرمة: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور، "لأنه أباح قتلها في الحرم". ولا يجوز قتل الصيد المأكول فيه، ولأن ما يجوز أكله لا يقتل إذا قدر عليه بل يذبح، وما يأكل الجيف كالنسر والرخم. وسئل أحمد عن: العقعق؟ فقال: إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به، وما يستخبث كالقنفذ والحية والحشرات، ورخص الشافعي في القنفذ. ولنا: قوله: "هو خبيثة من الخبائث". ١ رواه أبو داود.
وما استطابته العرب فهو حلال، وما استخبثته فهو حرام، قال ابن عبد البر: الوزغ مجمع على تحريمه، وفي الثعلب والوبر وسنور البر واليربوع روايتان. والفيل محرم لأن له ناباً، والضبع مباحة، وحرمها مالك لأنها سبع. ولنا: حديث جابر: "أمرنا بأكل الضبع"، ٢ قلت: صيد؟ قال: نعم. احتج به أحمد، وصححه الترمذي. قال ابن عبد البر: لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب، لأنه أصح منه. قلنا: هذا تخصيص لا معارض ولا يعتبر ما ذكر في التخصيص لتخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد.
والضب مباح في قول الأكثر، وقال أبو حنيفة: هو حرام، لنهيه عن أكل الضب، وهو حديث لا يثبت. و"أباحه قول عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة"، ولم يعرف عن صحابي خلافه، فيكون إجماعاً. وفي الهدهد والصرد روايتان.
وتحرم الجلالة التي أكثر علفها النجاسة، وبيضها ولبنها، وعنه: يكره ولا يحرم حتى تحبس. و"كان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً"، وقال عطاء: تحبس الناقة والبقرة أربعين يوماً.
стр. 726
ومن اضطر إلى محرم أكل ما يسدّ رمقه، وهل له الشبع؟ على روايتين. ويجب الأكل على المضطر، وقيل: لا، لقصة عبد الله بن حذافة. وإذا اشتدت المخمصة في زمن مجاعة وعنده قدر كفايته من غير فضلة، لم يلزمه دفع ما معه ولو لم يضطر في تلك الحال، لأن هذا مفض إلى هلاك نفسه وعياله. وقد نهى الله عن الإلقاء باليد إلى التهلكة. ولا يجوز التداوي بشيء محرم.
و"من مرّ بثمر في شجرة لا حائط عليها ولا ناظر، فله أن يأكل منها، ولا يحمل"، وعنه: لا يحل إلا لحاجة. والأول قول عمر وابن عباس وغيرهما، لحديث عمرو بن شعيب، حسنه الترمذي. وأكثر الفقهاء على الثاني، ولنا: قول مَن سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف منهم. فإن كانت محوطة، لم يجز الدخول، قال ابن عباس: "إن كان عليها حائط، فهو حريم، فلا تأكل".
وفي الزرع وشرب لبن الماشية روايتان: إحداهما: يجوز، لحديث سمرة في الماشية، صححه الترمذي، وقال: العمل عليه عند بعض أهل العلم. والثانية: لا يجوز، لحديث عمر المتفق عليه: "لا يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه" ١ الحديث. قال أحمد: أكره أكل الطين، ولا يصح فيه حديث، إلا أنه يضرّ بالبدن.
ويكره أكل البصل والثوم والكراث وكل ذي رائحة كريهة، لقوله: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس، فإن أكله لم يقرب المسجد"، ٢ وليس أكلها محرماً، لحديث أبي أيوب في الطعام الذي فيه الثوم، حسنه الترمذي. فإن أتى المسجد كره ولم يحرم، وعنه: يأثم، لأن ظاهر النهي التحريم.
ويجب على المسلم ضيافة المسلم الذي يجتاز به، يوماً وليلة، فإن أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم. قال أحمد: الضيافة على المسلمين كل من نزل به ضيف، قيل: فإن ضاف الرجل ضيف كافر؟ قال النبي
стр. 727
صلى الله عليه وسلم: " الضيف حق واجب على كل مسلم". ١ وقال الشافعي: الضيف مستحب غير واجب، والواجب يوم وليلة، والكمال ثلاثة أيام. وقيل: الواجب: ثلاثة، ولا يأخذ شيئاً إلا بعلم أهله. وعنه: يأخذ بغير علمهم، لحديث عقبة بن عامر المتفق عليه، وفيه: "فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف". ٢ قال أحمد: هي مؤكدة، وكأنها على أهل القرى، فأما مثلنا الآن فكأنه ليس مثلهم، وذلك لأن أهل القرى ليس عادتهم بيع القوت. وكره أحمد الخبز الكبار، وقال: ليس فيه بركة. وذكر له حديث سلمان: "بركة الطعام الوضوء قبله وبعده"، فقال: ما حدث به إلا قيس بن الربيع، وهو منكر الحديث. قيل له: لِم كره سفيان غسل اليد عند الطعام؟ قال: لأنه من زي العجم، قيل: لِم كره سفيان أن يجعل الرغيف تحت القصعة؟ قال: كره أن يستعمل الطعام. قيل: "إن أسامة قدم إليهم خبزاً فكسره، قال: لئلا يعرفوا كم يأكلون. قيل: تكره الأكل متكئاً؟ قال: أليس قال النبي ﷺ : لا آكل متكئاً"؟ ولأبي داود عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ أن يأكل الرجل وهو منبطح" ٣.
ويستحب التسمية عند الطعام والحمد عند آخره، ولأحمد عن أبي هريرة، مرفوعاً: "الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر"، ٤ قال: معناه: إذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه. ولأبي داود عن عائشة مرفوعاً: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: "بسم الله أوله وآخره". ويستحب الأكل بثلاث أصابع، لحديث كعب بن مالك: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع. ولا يمسح يده حتى يلعقها". ٥ رواه أحمد، وذكر له حديث: "يأكل بكفه كلها"، فلم يصححه ولم ير
стр. 728
إلا ثلاث أصابع. وسئل عن: حديث عائشة: "لا تقطعوا اللحم بالسكين"؟ ١ فقال: ليس بصحيح، وحديث عمرو بن أمية بخلافه: "كان يحتز من لحم الشاة، فقام إلى الصلاة وطرح السكين". ٢ وسئل عن: حديث: "اكفف جشاءك! فإن أكثر الناس شبعاً اليوم أكثرهم جوعاً يوم القيامة"؟ فقال: ليس بصحيح. و"لم يكن ﷺ ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفس في الإناء".
وسئل أحمد عن: غسل اليد بالنخالة؟ فقال: لا بأس به. وسئل عن: الرجل يأتي القوم وهم على طعام فجأة فدعوه، يأكل؟ قال: نعم، وما بأس. ولأبي داود عن جابر، مرفوعاً: "أثيبوا أخاكم. قيل: يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: إن الرجل إذا دخل بيته وأكل طعامه وشرب شرابه، فادعوا له؛ فذلك إثابته" ٣.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: وما يأكل الجيف، وعنه: يكره. وجعل الشيخ روايتي الجلالة فيه، وقال: عامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم. وقال: إذا كان ما يأكلها من الدواب السباع فيه نزاع أو لم يحرموه، والخبر في الصحيحين، فمن الطير أولى.
قوله: وما يستخبث. قال الشيخ: وعند أحمد وقدماء الأصحاب لا أثر لاستخباث العرب وإن لم يحرمه الشرع حل، واختاره. وقال: أول من قال يحرم الخرقي، وإن مراده: ما يأكل الجيف، لأنه تبع الشافعي وهو حرّمه بهذه العلة. ويباح أكل دود الفاكهة معها. وعلل أحمد القنفذ بأنه بلغه أنه مسخ، أي لما مسخ على صورته دل على خبثه، قاله الشيخ. وقال أحمد عن تفتيش التمر المدوّد: لا بأس به إذا علمه. ويجوز أن يعلف النجاسة الحيوان
стр. 729
الذي لا يذبح أو لا يحلب قريباً، واحتج أحمد بكسب الحجام، والذين عجنوا من آبار ثمود. وعن أحمد: "نهى النبي ﷺ عن أذن القلب"، وكره أكل الغدة. وكره أحمد حباً ديس بالحمر. ويجب تقديم السؤال عن الأكل المحرم، وقال الشيخ: لا يجب ولا يأثم.
قوله: وإن لم يجد إلا طعاماً لم يبذل، فإن كان مالكه مضطراً فهو أحق به، وهل له الإيثار؟ ذكر في الهدي في غزوة الطائف: أنه يجوز، وأنه غاية الجود. قوله: وإلا لزمه بذله بقيمته. واختار الشيخ: يجب بذله مجاناً كالمنفعة.
والواجب للضيف كفايته، وأوجب الشيخ المعروف عادة، قال: كزوجة وقريب. قال: ومن امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي، فمذموم مبتدع.
стр. 730
باب الذكاة
لا يباح المقدور عليه بغير ذكاة، إلا الجراد وشبهه، وما لا يعيش إلا في الماء، وكره الطافي طاووس وغيره. ولنا: قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم﴾ ١ قال ابن عباس: "طعامه ما مات فيه"، وما رواه أبو داود عن جابر، مرفوعاً: "ما مات فيه وطفا، فلا تأكلوه"، ٢ فهو موقوف عليه، قاله أبو داود. وعن أحمد: لا يؤكل الجراد إلا أن يموت بسبب، وسهل أحمد في إلقاء الجراد في النار.
ويشترط للذكاة أربعة شروط:
(أحدها) : أهلية الذابح، وهو أن يكون عاقلاً، مسلماً أو كتابياً. وقال الشافعي: لا يعتبر العقل.
(الثاني) : الآلة، وهو أن يذبح بمحدود، من حديد أو حجر أو قصب أو غيره، إلا السن والظفر؛ فأما العظم غير السن، فمقتضى إطلاق أحمد والشافعي: أنه يجوز، وقال النخعي: لا يذكى بالعظم، لقوله: "أما السن فعظم".
(الثالث) : قطع الحلقوم والمريء، وعنه: والودجين؛ وبه قال مالك، لحديث أبي هريرة: "نهى عن شريطة الشيطان" ٣ الحديث، وهو محمول على من لم يقطع المريء. ولا خلاف في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها،
стр. 731
قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، ١ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ؛ ٢ فإن ذبح الإبل ونحر ما سواها أجزأ، في قول الأكثر. وحكي عن داود: لا يباح. وحكي عن مالك: لا يجزئ في الإبل إلا النحر. ولنا: قوله: "أمرر الدم بما شئت". وقال ابن المنذر: أجمعوا على إباحة ذبيحة المرأة والصبي.
فإن عجز عن الذكاة، مثل أن يند البعير، أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه، كالصيد إذا جرحه في أي موضع أمكن فقتله حل، إلا أن يموت بغيره، هذا قول الأكثر. وقال مالك: لا يحل إلا أن يذكَّى. قال أحمد: لعل مالكاً لم يسمع حديث رافع، وهو الذي فيه: "ما غلبكم فاصنعوا هكذا". متفق عليه. وإن ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة أكلت، وإن فعله عمداً فعلى وجهين: قيل: لا تؤكل، حكي عن مالك وإسحاق، وعنه: ما يدل على إباحتها مطلقاً، فإنه قال: "لو ضرب رأس بطة بالسيف أو شاة يريد بذلك الذبيحة، كان له أن يأكل". وروي عن علي وعمران بن حصين، وبه قال الثوري.
والمنخنقة والموقوذة ونحوها، وما أصابها مرض فماتت بذلك، فهي حرام، إلا أن تدرك ذكاتها، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ؛ ٣ فإن أدركها وفيها حياة مستقرة بحيث يمكن ذبحها، حلت لعموم الآية. قال ابن عباس في ذئب عدا على شاة فوضع قصبها بالأرض، فأدركها فذبحها بحجر، قال: "يلقي
стр. 732
ما أصاب الأرض منها ويأكل سائرها"، قال أحمد: إذا مصعت بذنبها، وطرفت بعينها، وسال الدم، فأرجو. وعنه: إذا شق الذئب بطنها وخرج قصبها لا يؤكل، وهذا قول أبي يوسف؛ والأول أصح، لعموم الآية، و"لأنه ﷺ لم يستفصل في حديث جارية كعب".
(الرابع) : أن يذكر اسم الله عند الذبح فيقول: "بسم الله"، لا يقوم غيرها مقامها. وثبت "أنه ﷺ يقول: بسم الله والله أكبر". ولا خلاف أن التسمية تجزئ. وإن سبح أو هلل أو كبر أو حمد، احتمل الإجزاء وعدمه. والأخرس يومئ برأسه إلى السماء، قال ابن المنذر: أجمعوا على إباحة ذبيحة الأخرس، يدل عليه حديث: "الأعجمية لما قال لها: أين الله؟ أشارت برأسها إلى السماء ". قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً كره ذبيحة الجنب.
فإن ترك التسمية عمدًا لم تبَح، وإن تركها ساهياً أبيحت، وعنه: لا تباح، وعنه: تباح في الحالين. المشهور عن أحمد: "أنها شرط، تسقط بالسهو". روي عن ابن عباس؛ وبه قال مالك وإسحاق والثوري، وعنه: ليست شرطاً في عمد ولا سهو، وبه قال الشافعي. قال أحمد: "إنما قال الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ ، ١ يعني: الميتة"، وذكر ذلك عن ابن عباس. وعنه: تجب في العمد والسهو، للآية، وهي محمولة على العمد، لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ . ٢وإن لم يعلم أسمّى الذابح أم لا، فهي حلال.
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا خرج ميتا أو تحرك حركة المذبوح، وإن
стр. 733
كان فيه حياة مستقرة لم يبح إلا بذبحه، أشعر أو لا. قال ابن المنذر: كان الناس على إباحته، لا نعلم أحداً خالف ما قالوا، إلى أن جاء النعمان فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة لنفسين. و"استحب أحمد ذبحه إذا خرج ميتاً ليخرج الدم الذي في جوفه"، وذكر ذلك عن ابن عمر. ويستحب أن يستقبل بها القبلة. و"كره ابن عمر أكل ما ذبح لغير القبلة"، والأكثرون على أنه لا يكره. ويكره الذبح بآلة كالّة، لقوله: "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ١ الحديث. ويكره أن تحد السكين والحيوان يبصره، "ورأى ابن عمر رجلاً وضع رجله على شاة وهو يحد السكين، فضربه". ويكره أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليه، وأن يكسر العنق أو يسلخ حتى تبرد. قال عمر: "لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق". قال البخاري: قال ابن عمر وابن عباس: "إذا قطع الرأس فلا بأس به، فأما إن قطع شيئاً من الحيوان وفيه حياة مستقرة، فهو ميتة".
قال أحمد: لا تؤكل المصبورة ولا المجثومة التي يجعل فيها الروح غرضاً، والمصبورة مثله، إلا أن المجثومة لا تكون إلا في الطائر والأرنب وشبهها. ومن ذبح حيواناً فوجد في بطنه جراداً لم يحرم، وعنه: يحرم، وقال في موضع آخر: "رخص أبو بكر الصديق في الطافي"، وهذا أشد، يعني: الجراد.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ذكر الشيخ: لو لم يقصد الأكل، أو قصد حل ميتة، لم يبح، نقل صالح وجماعة اعتبار إرادة التذكية. وقال الشيخ: "كل من تديّن بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده قد دخل في دينهم أو لا، وسواء كان دخوله
стр. 734
بعد النسخ والتبديل أو قبله"، وهو المنصوص عن أحمد، وهو الثابت عن الصحابة بلا نزاع بينهم. وذكر الطحاوي أنه إجماع قديم. وقال ابن القيم بعد ذكر قوله: "ليس السن والظفر": هذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعينها وإما لتنجيسه على مؤمني الجن. وذكر الشيخ وجهاً: يكفي قطع ثلاثة من الأربعة، وقال: إنه الأقوى. وسئل: عمن قطع الحلقوم والودجين لكن فوق الجوزة؟ فقال: هذه فيها نزاع، والصحيح: أنها تحل.
وقال بعد ذكر كلامهم في شروط تذكية المريضة ونحوها: الأظهر أنه لا يشترط شيء من هذه الأقوال، بل متى ذبح فخرج الدم الأحمر الذي يخرج من المذكى في العادة ليس هو دم الميت، فإنه يحل أكله وإن لم يتحرك. وقال في موضع آخر: يحل إذا ذكّي قبل موته. وقال: الإحسان واجب على كل حال حتى في حال إزهاق النفوس، ناطقها وبهيمها. وقال: تحرم ذبيحة الكتابي إذا ذبحها لغير الله.
стр. 735
كتاب الصيد
الأصل في إباحته: الكتاب والسنة والإجماع. من صاد صيداً فأدركه حياً حياة مستقرة، لم يحل إلا بالذكاة. فإن كان الزمان لا يتسع لذكاته فمات، حلَّ، قال قتادة: يأكله ما لم يتوانَ في ذكاته أو يتركه عمداً. وقال أبو حنيفة: لا يحل، فإن لم يجد ما يذكيه به أرسل الصائد له حتى يقتله. وعنه: لا يحل، وهو قول الأكثر. وإن أدركه متحركاً كحركة المذبوح، لم يحتج إلى ذكاة.
ومتى أدركه ميتاً [حلَّ] ١ بشروط أربعة:
(أحدها) : أن يكون من أهل الذكاة، وما لا يفتقر إلى ذكاة كالحوت والجراد فيباح إذا صاده من لا تحل ذبيحته، إجماعاً، إلا أن مالكاً والليث وأبا ثور شذوا في الجراد. فلم ير أكله إذا صاده المجوسي: مالك والليث، وأباح أبو ثور صيد المجوسي وذبيحته. وإن أرسل كلبه المعلّم فاسترسل معه معلم آخر بنفسه، لم يحل في قول الأكثر.
(الثاني) : الآلة، وهي نوعان: محدود، فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة، ولا بد أن يجرحه. فإن [قتله] ٢ بثقله لم يبح، لأنه وقيذ. وإن صاد
стр. 736
بالمعراض، أكل ما قتل بحده دون عرضه. المعراض: عود محدد ربما جعل في رأسه حديدة. وقال الأوزاعي وأهل الشام: يباح ما قتل بحده وعرضه. ولنا: حديث عدي، متفق عليه. وإن رمى صيداً فغاب، ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه، حلّ. وعنه: إن كان الجراح موجبة حل، وإلا فلا. وعنه: إن وجده من يومه حل، وإلا فلا. وكره الثوري أكل ما غاب لأن ابن عباس قال: "كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل". الإصماء: أن يموت في الحال، والإنماء: أن يغيب عنك. ولنا: حديث عدي، متفق عليه. وإن ضربه فأبان منه عضواً وبقيته فيه حياة مستقرة، لم يبح ما أبان منه، وإن بقي معلقا بجلده حل. وإن أبانه ومات في الحال، حلّ الجميع. قال أحمد: قوله: " ما أبين من حيّ فهو كميته ": ١ إذا قطعت وهي حيّة تمشي وتذهب.
النوع الثاني: الجارحة، فيباح ما قتلته إذا كانت معلّمة، إلا الكلب الأسود البهيم، والبهيم: الذي لا يخالط لونه سواد. قال أحمد: ما أعلم أحداً يرخص فيه، يعني: من السلف. وأباح صيده: مالك والشافعي، لعموم الآية والخبر. ولنا: أنه محرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبَح.
والذي يصيد بنابه، تعليمه: أن يسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر، وإذا أُرسل لم يأكل. وعن مالك: لا يشترط الأكل، لحديث أبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ، وإن أكل ". ٢ رواه أبو داود. ولنا: حديث عدي، وهو أولى لأنه أصح. والانزجار إنما يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته، أما بعد ذلك فلا يعتبر. قال شيخنا: ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب، لأن الفهد لا يكاد يجيب داعياً وإن عد متعلماً، فيكون التعليم في حقه بما يعدّه أهل العرف معلماً. "فإن أكل بعد تعلّمه لم يبَح
стр. 737
ما أكل منه"، فيروى عن ابن عباس وغيره. وعنه: "يحل"، روي عن ابن عمر وغيره، وبه قال مالك، لعموم الآية. والآية لا تتناول هذا، لأنه أمسك على نفسه، وحديث أبي ثعلبة قال أحمد: يختلفون عن هشيم فيه، وقال: حديث الشعبي هذا أصح ما روي عن النبي ﷺ ، يعني: حديث عدي. الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدثني. وإن شرب من دمه لم يحرم، وكرهه الثوري. ولنا: عموم الآية والأخبار. وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم وجوارح الطير حكمه حكم الكلب، وحكي عن ابن عمر: "لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ ". ولنا: أنه ﷺ سئل عن: صيد البازي؟ فقال: "إذا أمسك عليك، فكلْ". ١ والجوارح في الآية: الكواسب، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ، ٢ والتكليب: الإغراء. ولا يعتبر في الطير ترك الأكل، وقال الشافعي: يعتبر. ولنا: إجماع الصحابة، فذكرنا "عن أربعة منهم إباحة ما أكل [منه] ٣ الكلب، وخالفهم ابن عباس في الكلب ووافقهم في الصقر قال: لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر"، ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم. وحديث مجالد: "إن أكل الكلب والبازي فلا تأكل"، فمجالد ضعيف، قال أحمد: كم من أعجوبة لمجالد! ولا بد أن يجرح. وقال الشافعي: يباح، لعموم الآية والخبر. ولنا: أن الله حرم الموقوذة، وقوله: "ما أنهر الدم". وهل يجب غسل ما أصاب فم الكلب؟ على وجهين.
стр. 738
(الثالث) : أن يرسل الآلة، فإن استرسل بنفسه لم يبح وإن زجره، إلا أن يزيد عَدْوَه بزجره فيحل، وبه قال مالك والشافعي. وقال الأوزاعي: يؤكل إذا جرح. وقال إسحاق: يؤكل إذا سمى عند انفلاته. ولنا: قوله: "إذا أرسلت كلبك".
(الرابع) : التسمية، وهي شرط لإباحة الصيد، ولا تسقط سهواً؛ وهو قول الشعبي وأبي ثور. وأباحه مالك مع النسيان، وعنه: إن نسي على السهم أبيح دون الجارحة. وكره الشيخ الرمي بالنبل، لـ"نهي عثمان عنها"، قاله في الإنصاف.
стр. 739
كتاب الأيمان
الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. لا تصح اليمين من غير مكلف، ولا تنعقد يمين مكره، وبه قال مالك والشافعي. وتصح من كافر، وتلزمه الكفارة بالحنث. وقال الثوري: لا تنعقد. ولنا: "أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف فأمر بالوفاء به"، ولأنه من أهل القسم، لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ١.
والأيمان خمسة:
(أحدها) : واجب، وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من هلكة.
(والثاني) : مندوب، وهو ما تعلق به مصلحة من إصلاح أو دفع شر.
(الثالث) : المباح، مثل الحلف على فعل مباح أو تركه.
(الرابع) : مكروه، [وهو الحلف على مكروه] ، ٢ وتركه مندوب، لقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. ٣ والحلف في البيع والشراء، لقوله: "الحلف مَنْفَقَة للسلعة ... إلخ" ٤.
(الخامس) : المحرّم، وهو الحلف الكاذب. ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرّم حرم حلّها. وإن كانت على مندوب كره. وإن كانت على مباح فيباح. فإن قيل: كيف يباح وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا
стр. 740
الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ؟ ١ قلنا: هذا في الأيمان في العهود والمواثيق، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٢ - إلى قوله - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ . ٣ والعهد يجب الوفاء به بغير يمين، فمع اليمين أولى، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ، ٤ وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، ٥ ولهذا نهى عن نقض اليمين، والنهي يقتضي التحريم، وذمهم عليه، ومثّله بالتي نقضت غزلها. ولا خلاف أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا.
وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب، لقوله: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً، فكفِّر ... إلخ". ٦ وإن كانت على فعل محرم أو ترك واجب، وجب حلها.
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله، أو صفة من صفاته. ولا نعلم خلافاً في وجوب الكفارة إذا حلف باسم الله لا يسمَّى به سواه، وأما ما يسمَّى به غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله، كالعظيم والرحيم والرب والمولى، فإن نوى اسم الله أو أطلق كان يميناً؛ وهذا مذهب الشافعي. وأما ما لا يعدّ من أسمائه، كالعالم والشاكر، فإن لم ينو به الله أو نوى غيره لم يكن يميناً، وإن نواه كان يميناً. فيختلف هذا والذي قبله في الإطلاق: ففي الأول يكون يميناً، وفي الثاني لا يكون. وقال الشافعي في هذا القسم: لا يكون يميناً وإن قصد به الله. وإن قال: "وحق الله"، فهي يمين مكفرة، وبه قال مالك