بالمعراض، أكل ما قتل بحده دون عرضه. المعراض: عود محدد ربما جعل في رأسه حديدة. وقال الأوزاعي وأهل الشام: يباح ما قتل بحده وعرضه. ولنا: حديث عدي، متفق عليه. وإن رمى صيداً فغاب، ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه، حلّ. وعنه: إن كان الجراح موجبة حل، وإلا فلا. وعنه: إن وجده من يومه حل، وإلا فلا. وكره الثوري أكل ما غاب لأن ابن عباس قال: "كل ما أصميت، وما أنميت فلا تأكل". الإصماء: أن يموت في الحال، والإنماء: أن يغيب عنك. ولنا: حديث عدي، متفق عليه. وإن ضربه فأبان منه عضواً وبقيته فيه حياة مستقرة، لم يبح ما أبان منه، وإن بقي معلقا بجلده حل. وإن أبانه ومات في الحال، حلّ الجميع. قال أحمد: قوله: " ما أبين من حيّ فهو كميته ": ١ إذا قطعت وهي حيّة تمشي وتذهب.
النوع الثاني: الجارحة، فيباح ما قتلته إذا كانت معلّمة، إلا الكلب الأسود البهيم، والبهيم: الذي لا يخالط لونه سواد. قال أحمد: ما أعلم أحداً يرخص فيه، يعني: من السلف. وأباح صيده: مالك والشافعي، لعموم الآية والخبر. ولنا: أنه محرم اقتناؤه وتعليمه، فلم يبَح.
والذي يصيد بنابه، تعليمه: أن يسترسل إذا أُرسل وينزجر إذا زُجر، وإذا أُرسل لم يأكل. وعن مالك: لا يشترط الأكل، لحديث أبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ، وإن أكل ". ٢ رواه أبو داود. ولنا: حديث عدي، وهو أولى لأنه أصح. والانزجار إنما يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته، أما بعد ذلك فلا يعتبر. قال شيخنا: ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب، لأن الفهد لا يكاد يجيب داعياً وإن عد متعلماً، فيكون التعليم في حقه بما يعدّه أهل العرف معلماً. "فإن أكل بعد تعلّمه لم يبَح
стр. 737
ما أكل منه"، فيروى عن ابن عباس وغيره. وعنه: "يحل"، روي عن ابن عمر وغيره، وبه قال مالك، لعموم الآية. والآية لا تتناول هذا، لأنه أمسك على نفسه، وحديث أبي ثعلبة قال أحمد: يختلفون عن هشيم فيه، وقال: حديث الشعبي هذا أصح ما روي عن النبي ﷺ ، يعني: حديث عدي. الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدثني. وإن شرب من دمه لم يحرم، وكرهه الثوري. ولنا: عموم الآية والأخبار. وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع البهائم وجوارح الطير حكمه حكم الكلب، وحكي عن ابن عمر: "لا يجوز الصيد إلا بالكلب لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ ". ولنا: أنه ﷺ سئل عن: صيد البازي؟ فقال: "إذا أمسك عليك، فكلْ". ١ والجوارح في الآية: الكواسب، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ، ٢ والتكليب: الإغراء. ولا يعتبر في الطير ترك الأكل، وقال الشافعي: يعتبر. ولنا: إجماع الصحابة، فذكرنا "عن أربعة منهم إباحة ما أكل [منه] ٣ الكلب، وخالفهم ابن عباس في الكلب ووافقهم في الصقر قال: لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر"، ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم. وحديث مجالد: "إن أكل الكلب والبازي فلا تأكل"، فمجالد ضعيف، قال أحمد: كم من أعجوبة لمجالد! ولا بد أن يجرح. وقال الشافعي: يباح، لعموم الآية والخبر. ولنا: أن الله حرم الموقوذة، وقوله: "ما أنهر الدم". وهل يجب غسل ما أصاب فم الكلب؟ على وجهين.
стр. 738
(الثالث) : أن يرسل الآلة، فإن استرسل بنفسه لم يبح وإن زجره، إلا أن يزيد عَدْوَه بزجره فيحل، وبه قال مالك والشافعي. وقال الأوزاعي: يؤكل إذا جرح. وقال إسحاق: يؤكل إذا سمى عند انفلاته. ولنا: قوله: "إذا أرسلت كلبك".
(الرابع) : التسمية، وهي شرط لإباحة الصيد، ولا تسقط سهواً؛ وهو قول الشعبي وأبي ثور. وأباحه مالك مع النسيان، وعنه: إن نسي على السهم أبيح دون الجارحة. وكره الشيخ الرمي بالنبل، لـ"نهي عثمان عنها"، قاله في الإنصاف.
стр. 739
كتاب الأيمان
الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. لا تصح اليمين من غير مكلف، ولا تنعقد يمين مكره، وبه قال مالك والشافعي. وتصح من كافر، وتلزمه الكفارة بالحنث. وقال الثوري: لا تنعقد. ولنا: "أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف فأمر بالوفاء به"، ولأنه من أهل القسم، لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ١.
والأيمان خمسة:
(أحدها) : واجب، وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من هلكة.
(والثاني) : مندوب، وهو ما تعلق به مصلحة من إصلاح أو دفع شر.
(الثالث) : المباح، مثل الحلف على فعل مباح أو تركه.
(الرابع) : مكروه، [وهو الحلف على مكروه] ، ٢ وتركه مندوب، لقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. ٣ والحلف في البيع والشراء، لقوله: "الحلف مَنْفَقَة للسلعة ... إلخ" ٤.
(الخامس) : المحرّم، وهو الحلف الكاذب. ومتى كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرّم حرم حلّها. وإن كانت على مندوب كره. وإن كانت على مباح فيباح. فإن قيل: كيف يباح وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا
стр. 740
الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ؟ ١ قلنا: هذا في الأيمان في العهود والمواثيق، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٢ - إلى قوله - ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ . ٣ والعهد يجب الوفاء به بغير يمين، فمع اليمين أولى، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ ، ٤ وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، ٥ ولهذا نهى عن نقض اليمين، والنهي يقتضي التحريم، وذمهم عليه، ومثّله بالتي نقضت غزلها. ولا خلاف أن الحل المختلف فيه لا يدخله شيء من هذا.
وإن كانت على فعل مكروه أو ترك مندوب فحلها مندوب، لقوله: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً، فكفِّر ... إلخ". ٦ وإن كانت على فعل محرم أو ترك واجب، وجب حلها.
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله، أو صفة من صفاته. ولا نعلم خلافاً في وجوب الكفارة إذا حلف باسم الله لا يسمَّى به سواه، وأما ما يسمَّى به غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله، كالعظيم والرحيم والرب والمولى، فإن نوى اسم الله أو أطلق كان يميناً؛ وهذا مذهب الشافعي. وأما ما لا يعدّ من أسمائه، كالعالم والشاكر، فإن لم ينو به الله أو نوى غيره لم يكن يميناً، وإن نواه كان يميناً. فيختلف هذا والذي قبله في الإطلاق: ففي الأول يكون يميناً، وفي الثاني لا يكون. وقال الشافعي في هذا القسم: لا يكون يميناً وإن قصد به الله. وإن قال: "وحق الله"، فهي يمين مكفرة، وبه قال مالك
стр. 741
والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا، وحق الله: طاعته. ولنا: أن له حقوقاً يستحقها لنفسه، من البقاء والعظمة والجلال. وقد اقترن العرف بالحلف بها، فينصرف إلى صفة الله. وإن قال: "وعهد الله" فيمين، وبه قال مالك. وقال ابن المنذر: لا، إلا بالنية. وقال أبو حنيفة: ليس بيمين. ولنا: أن عهد الله يحتمل كلامه الذي هو صفته، وقد ثبت له عرف الاستعمال. وإن قال: "وأمانة الله: فيمين، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا تنعقد إلا أن ينوي صفة الله، لأنها تطلق على الفرائض والودائع والحقوق. ولنا: أن أمانة الله صفة من صفاته.
والقسم بالصفات ينقسم كالقسم بالأسماء، ثلاثة أقسام:
(أحدها) : ما لا يحتمل غير الذات، كعزة الله وعظمته وجلاله، فتنعقد بها اليمين، في قولهم جميعاً. وورد القسم بها، كقول الخارج من النار: "وعزّتك لا أسأل غيرها"، ١ وفي القرآن: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
(الثاني) : صفة للذات، إلا أنه يعبر به عن غيرها، كعلم الله وقدرته، كقولهم: اللهم اغفر لنا علمك فينا، اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. فالقسم بهذا يمين. وقال أبو حنيفة: إذا قال: "وعلْم الله" ليس يمينا.
(الثالث) : ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله، لكن ينصرف بإضافته إليه لفظاً أو نية، كالعهد والميثاق والأمانة، فلا يكون يميناً إلا بإضافته أو نيته. ويكره الحلف بالأمانة، لقوله: "من حلف بالأمانة فليس منّا". ٣ رواه أبو داود.
وإن قال: "لعمرو الله" كان يميناً، وقال الشافعي: لا، إلا أن يقصد اليمين،
стр. 742
لأنها لا تكون يميناً إلا بتقدير خبر محذوف، كأنه قال: "لعمرو الله ما أقسم به" فيكون مجازاً، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق. ولنا: أنه أقسم بصفة، وقيل: معناه: "وحق الله". وإن قال: "لعمري"، أو "لعمرك" فليس بيمين، في قول الأكثر. وقال الحسن: في قول: "لعمري" كفارة.
وإن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن، فيمين فيها كفارة واحدة، وعنه: بكل آية كفارة. وكان قتادة يحلف بالمصحف، ولم يكرهه أحمد وإسحاق، لأنه قصد الحلف بالمكتوب فيه. وإن قال: "أحلف بالله" أو "أشهد بالله" أو "أقسم لله" أو "أعزم بالله" كان يميناً، لا نعلم فيه خلافاً؛ قال الله: ﴿فيقسمان بالله﴾ ، ١ ويقول الملاعن: "أشهد بالله". وإن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً، وعنه: يكون يمينا. وقال الشافعي: ليس بيمين وإن نوى. ولنا: قوله لأبي بكر: "لا تقسم بالله"، لما قال: أقسمت عليك".
وحروف القسم ثلاثة:
(الباء) : وتدخل على المظهر والمضمر، كقولك: "بالله وبك".
و (الواو) : وتدخل على المظهر خاصة.
و (التاء) : وتختص باسم الله دون سائر الأسماء الحسنى.
ويجوز القسم بغير حرف، كقوله: الله لأفعلنَّ، بالجر والنصب، وكذا بالرفع، إلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي. وإن قال: "لاها الله"، ونوى اليمين كان يميناً، لقول أبي بكر في سلب أبي قتادة. ويكره [الحلف] ٢ بغير الله، ويحتمل أن يكون محرماً. قال ابن عبد البر: هذا أمر مجمع عليه. وقيل: يجوز لأن الله أقسم بمخلوقاته، وقوله: "أفلح وأبيه، إن صدق"، ٣ وقوله في حديث أبي العشراء: "وأبيك، لو طعنت
стр. 743
في فخذها أجزأك". ١ ولنا: قوله: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت". ٢ متفق عليه. وعن ابن عمر، مرفوعاً: " من حلف بغير الله فقد أشرك". ٣ حسّنه الترمذي. فأما قسم الله فله أن يقسم بما شاء ولا وجه للقياس. وأما قوله: "أفلح وأبيه"، فقال ابن عبد البر: هذه لفظة غير محفوظة من وجه صحيح. وحديث أبي العشراء، قال أحمد: لو كان يثبت، يعني: أنه لم يثبت. والحلف بغير الله تعظيم يشبه تعظيم الرب ﵎، ولهذا سمي شركاً.
ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:
(أحدها) : أن [تكون] ٤ اليمين منعقدة، وهي التي يمكن فيها البر والحنث. قال ابن عبد البر: اليمين التي فيها الكفارة بالإجماع التي على المستقبل، كمن حلف ليضربنّ غلامه أو لا يضربه. وذهبت طائفة إلى أن الحنث إذا كان طاعة لا يوجب الكفارة. وقال قوم: من حلف على فعل معصية فتركُها كفّارتها، قال سعيد بن جبير: اللغو: أن يحلف على ما لا ينبغي، يعني: لا كفارة. ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب، وفيه: "تركها كفّارتها"، ولنا: قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراَ منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر"، ٥ وحديث أبي موسى أخرجه البخاري. وحديثهم لا يعارض، لأن أحاديثنا أصح وأثبت. ويحتمل أن تركها كفارة لإثم الحلف.
واليمين الغموس لا كفارة لها، في قول الأكثر. فإن حلف على غيره فأحنثه، فالكفارة على الحالف. وإن قال: "أسألك بالله لتفعلنّ" وأراد اليمين فيمين، وإن أراد الشفاعة فليس بيمين.
стр. 744
ولغو اليمين: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه، وأكثر أهل العلم على عدم الكفارة، وعنه: ليس من اللغو، وفيه الكفارة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن لغو اليمين لا كفارة فيه.
(الثاني) : أن يكون مختاراً لا مكرهاً، وبه قال مالك والشافعي. وإن سبقت اليمين على لسانه لا يعقد عليها قلبه، فلا كفارة، وممن قال: "إنها لغو اليمين": عمر وعائشة وغيرها.
(الثالث) : أن يفعل أو يترك ما حلف على فعله أو تركه ذاكراً، فإن نسي فلا كفارة، وعنه: بلى. وظاهر المذهب: الأولى، إلا في الطلاق والعتاق، وعنه: لا يحنث فيهما أيضاً. وهو قول عطاء وإسحاق وظاهر مذهب الشافعي. والجاهل كالناسي.
فإن حلف فقال: "إن شاء الله" لم يحنث إذا اتصل باليمين، وبه قال مالك وغيره. وعنه: يجوز إن لم يطل الفصل، لقوله: "والله لأغزونّ قريشاً، ثم سكت. ثم قال: إن شاء الله". ١ وعن الحسن وعطاء: [يصح] ٢ ما دام في المجلس. ويشترط أن يستثني بلسانه، لا نعلم فيه خلافاً.
ويشترط: قصد الاستثناء، وهو مذهب الشافعي، ويصح في كل يمين مكفرة، كالظهار والنذر.
و"إن حرَّم أمته أو شيئاً من الحلال، لم يحرم، وعليه كفارة يمين"، يروى عن أبي بكر وعمر وغيرهما. وقال مالك والشافعي: لا كفارة عليه. ولنا: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيتين. ٣ وإن قال: هو
стр. 745
يهودي أو بريء من الإسلام أو النبي إن فعل، فقد فعل محرّماً، لقوله: "من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً متعمداً، فهو كما قال"، ١ وفي لفظ: "وإن كان صادقاً، لم يرجع إلى الإسلام سالماً"، ٢ وعليه كفارة إن فعل، وعنه: لا كفارة؛ وهو قول مالك والشافعي. وإن قال: عليَّ نذر أو يمين إن فعلت كذا، فعليه كفارة، لقوله: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين ". ٣ صححه الترمذي.
والكفارة تجمع تخييراً وترتيباً: فالتخيير: بين الإطعام والكسوة والتحرير. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة قبل الحنث أو بعده. وعنه: لا يشترط التتابع، لأنه لم يذكر؛ والأول ظاهر المذهب، لأن في قراءة أبيّ وابن مسعود "ثلاثة أيام متتابعات"، وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ قبل [الحنث] . ٤ والأول قول أكثر أهل العلم، روي عن عمر وابنه وغيرهما. قال ابن عبد البر: العجب من أصحاب أبي حنيفة، أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار في تقديم الكفارة، وأبَوْه في الكفارة مع كثرة الرواية فيها؛ والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها.
ومن كرر أيماناً قبل التكفير، فكفارة واحدة، وعنه: لكل يمين كفارة. وإذا قال: "حلفت" ولم يحلف، فقال أحمد: هي كذبة لا يمين، وعنه: عليه كفارة. وثبت "أنه ﷺ أمر بإبرار المقسم أو القسم"، وهذا، والله أعلم، على الندب، بدليل قوله لأبي بكر: "لا تقسم". ويحتمل أن يجب إذا لم يكن فيه ضرر، وامتناعه من إبرار أبي بكر للضرر. ويستحب إجابة من حلف بالله، لقوله: "من استعاذ بالله فأعيذوه" ٥ الحديث، رواه النسائي.
стр. 746
باب جامع الأيمان
يرجع في الأيمان إلى النية، فإن لم تكن، رجع إلى سبب اليمين، مثل أن ينوي بالعامِّ الخاصَّ أو عكسه، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا عبرة بالنية والسبب فيما خالف اللفظ. ولنا: قوله: " وإنما لكل امرئ ما نوى". ١ فإن لم تكن له نية، رجع إلى السبب. فإذا حلف ليقضينه غداً فقضاه، لم يحنث إذا قصد ألا يتجاوزه، وقال الشافعي: يحنث. وإذا حلف أن لا يشرب له الماء من العطش، يقصد قطع منته، حنث بأكل خبزه وكل ما فيه المنة، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ٢ أي: لا تظلمون شيئاً.
стр. 747
باب النذر
الأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع. لا يستحب النذر، للنهي عنه، وهو نهي كراهة لا تحريم، لأنه مدَح الموفين به. والنذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة، دليله: قوله لمن نذرت المشي ولم تطقه: "ولتكفّر يمينها"، وفي رواية: "ولتصم ثلاثة أيام". ١ قال أحمد: إليه أذهب. ولمسلم عن عقبة، مرفوعاً: "كفارة النذر كفارة يمين"، ٢ وقال ابن عباس للتي نذرت ذبح ابنها: "كفّري يمينك". فإن قال: "لله عليّ نذر" وجب به كفّارة يمين، في قول الأكثر، لا نعلم فيه مخالفاًً، إلا الشافعي فقال: لا تنعقد. ولنا: حديث عقبة المتقدم، وفيه: "إذا لم يسمّ". ونذر اللجاج والغضب الذي يقصد به الحض والمنع، فهي يمين يخيّر بين فعله وبين كفارة يمين، لحديث عمران، رفعه: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين". ٣ رواه سعيد. وعن أحمد: أن الكفارة تتعين للخبر.
ونذر المباح يخيّر بين فعله والكفارة، وقال مالك والشافعي: لا ينعقد، لحديث: "لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله"، ٤ ولحديث أبي اسرائيل رواه البخاري، وحديث المرأة التي نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال: "مروها أن تركب". صححه الترمذي، وحديث الأنصاري الذي نذر مثلها متفق عليه، ولم يأمره بالكفارة. ولنا: ما تقدم من نذر الغضب، وحديث المرأة، فعند
стр. 748
أبي داود: "أنه أمرها بالكفارة"، ويكون الراوي ذكر البعض وترك البعض، أو ترك ذكر الكفارة إحالة على ما علم.
فإن نذر مكروهاً كالطلاق فهو مكروه، ويستحب أن يكفّر ولا يفعل، والخلاف فيه كالذي قبله.
فإن نذر معصية لم يجز الوفاء به ويكفّر، إلا أن ينذر ذبح ولده، فعليه كفارة، وعنه: ذبح كبش. وقال الشافعي: لا كفارة فيه. ولنا: قوله: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين". ورواه أبو داود والترمذي وقال: غريب رواه سعيد، ولحديث: "النذر حلفة، وكفارته كفارة يمين". ولو نذر الصدقة بكل مالِه أخرج ثلثه، ولا كفارة عليه. وبه قال مالك. وقال ربيعة: يتصدق بقدر الزكاة. وقال الشافعي: يتصدق بماله كله. ولنا: حديث أبي لبابة أنه قال: "إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال: يجزيك الثلث"، وقوله لكعب: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". ١ متفق عليه، ولأبي داود: "يجزئ عنك الثلث"، قالوا: ليس هذا بنذر، إنما أرادوا الصدقة كما قال سعد، فأمره بالاقتصار على الثلث، قلنا قوله: "يجزيك الثلث" يدل على أنه أتى بما يقتضي الإيجاب، وإلا لما لزمه شيء يجزئ عنه بعضه، ومنعه من الصدقة بزيادة على الثلث دليل على أنه ليس بقربة. ونذر التبرر مطلقاً أو معلقاً يلزم الوفاء به، إجماعاً. والمطلق كذلك، في قول الأكثر.
وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يلزم، لأن غلام ثعلب قال: النذر عند العرب وعد بشرط. وكذلك نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف وعيادة المريض، يلزم عند الأكثر. وعن أبي حنيفة: لا يلزم، لأنه لا يجب بالنذر ما لا يجب نظيره شرعاً. ولنا: قوله: "من نذر أن يطيع الله، فليطعْه". ٢ وذمه الذين
стр. 749
لا يوفون بالنذر. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية. ١ وما ذكرتم عن غلام ثعلب لا يصح، فإن العرب تسمى الملتزم نذراً وإن لم يكن بشرط. وإن نذر المشي إلى مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لزم، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يثبت في وجوب المشي إليهما، لأن البر بإتيان بيت الله فرض، والبر بإتيانهما نفل. وإن نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يجزه في غيره، وإن نذر في الأقصى أجزأته في المسجد الحرام.
ومن نذر حجاً أو صياماً أو صدقة أو عتقاً أو غير ذلك من الطاعات ومات، فعله الوليّ عنه، وعنه: لا يصلى عن الميت، وأما سائر الأعمال فينوب الوليّ عنه، وليس بواجب ولكن يستحب على سبيل الصلة. وأفتى بذلك ابن عباس "في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء فماتت، فأمر أن تمشي ابنتها عنها". وروى سعيد "أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد ما مات". وقال مالك: لا يمشي أحد عن أحد، ولا يصوم ولا يصلي، وكذلك سائر أعمال البدن. وقال الشافعي: يقضي عنه الحج. وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على الولي، للأخبار.
و"إن نذر أن يطوف على أربع طاف طوافين"، نص عليه، وقاله ابن عباس.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله حلفت بالله، رفعاً ونصباً. وكقول: الكافر: "أشهد أن محمدٌ رسولَ الله" صار برفع الأول ونصب الثاني. ومن رام جعل جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بينهم، رام ما لا يمكن عقلاً ولا يصح شرعاً.
نص أحمد على كراهة
стр. 750
الحلف بالعتق والطلاق، وفي تحريمه وجهان، اختار الشيخ التحريم، واختار في موضع آخر: لا يحرم بل يكره. قوله: ولغو اليمين: أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه، وعنه: ليس لغواً وفيه كفارة. قال الشيخ ما معناه: الروايتان: في كل يمين حتى في عتق وطلاق؛ ومن قطع بحنثه في الطلاق والعتق هو ذهول، بل فيه الروايتان، ومحله إذا عقد على زمن ماض. قال الشيخ: وكذا على مستقبل ظاناً صدقه فلم يكن، كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل، أو ظن المحلوف عليه خلاف نية الحالف ونحو ذلك. وقال: إن المسألة على روايتين، كمن طلق من ظنها أجنبية فبانت امرأته ونحوهما، مما يتعارض فيه التعيين والقصد.
قوله: وإن فعله ناسياً فلا كفارة، وعنه: لا حنث ويمينه باقية، اختاره الشيخ. ولا يعتبر قصد الاستثناء، اختاره الشيخ. ولو أراد تحقيقاً لإرادته لعموم المشيئة، ومثله إن أراد الله وقصد المشيئة، لا إن أراد المحبة والأمر، ذكره الشيخ.
ولو شك في الاستثناء فالأصل عدمه، قال الشيخ: إلا مَن عادته الاستثناء، واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ولم تجلس أقل الحيض، والأصل: وجوب العادة. قال: ولو حلف لا يعذر كفّر، للقسم لا لعذره، مع أنها لا ترفع الإثم. قال أحمد: لا يكثر الحلف فإنه مكروه، وقيل: يستحب لمصلحة كزيادة طمأنينته وتوكيد الأمر وغيره، ومنه قوله لعمر عن العصر: "والله ما صليتها"، تطييباً لقلبه. وقاله في الهدي قال: و"قد حفظ عن رسول الله ﷺ الحلف في أكثر من ثمانين موضعاً وأمره الله به في سورة "يونس"
стр. 751
و"سبأ" و"التغابن"". ولا تغير اليمين حكم المحلوف عليه، قال الشيخ: لم يقل أحد إنها توجب إيجاباً، أو تحرم تحريماً لا ترفعه الكفارة.
قال: والعقود والعهود متقاربة أو متفقة، فإذا قال: "أعاهد الله أني أحج" فهذا نذر ويمين، وإن قال: "لا أكلم زيداً" فيمين وعهد، لا نذر. فالأيمان إن تضمنت معنى النذر - وهو أن يلتزم لله قربة - لزمه الوفاء، وهو عقد وعهد ومعاهدة لله، لأنه التزم لله ما يطلبه منه. وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس، فمعاقدة ومعاهدة يلزم الوفاء بها. وإن قال: "لعمري " فهو لغو، نصَّ عليه.
ولا يجب إبرار القسم كإجابة سؤال بالله، وقيل: يلزم، قال الشيخ: إنما يجب على معيّن، فلا يجب إجابة سائل مقسم على الناس.
وتوقف في تحريم النذر ولا يضر قوله على مذهب من يلزم أو لا أقل من يرى الكفارة، ذكره الشيخ، لأن الشرع لا يتغير بتوكيد. قال: وإن قصد لزوم الجزاء مع الشرط لزمه مطلقاً عند أحمد. نقل الجماعة فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله أو حجه: إن أراد يمينا كفّر، وإن أراد نذراً فعلى حديث عقبة.
وقال الشيخ: إذا حلف بمباح أو معصية فلا شيء عليه، كنذرهما. فإن ما لم يلزم بنذره لا يلزم به شيء إذا حلف به، فإن إيجاب النذر أقوى من إيجاب اليمين.
قوله: إلا أن ينذر ذبح ولده ... إلخ، وعنه: إن قصد اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشاً، اختاره الشيخ.
قوله: وإن نذر الصدقة بماله ... إلخ. نقل الأثرم فيمن نذر ماله في المساكين، أيكون الثلث من الصامت أم من جميع ما يملك؟ قال: إنما يكون هذا على قدر ما نوى، أو على قدر مخرج يمينه. والأموال تختلف عند الناس، قال
стр. 752
في الفروع: ويتوجه على اختيار شيخنا كل أحد بحسب عزمه.
وعنده: من نذر صوم الدهر كان له صوم يوم وإفطار يوم. وقال: القادر على فعل المنذور يلزمه، وإلا فله أن يكفّر.
ولا يلزم الوفاء بالوعد، لأنه يحرم بلا استثناء، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . ١ وذكر الشيخ وجهاً: أنه يلزم، واختاره. وقال القرافي: اتفق الفقهاء على الاستدلال بالآية، وهو في غاية الإشكال؛ فإن "إلا" ليست للتعليق، و"أنْ" المفتوحة ليست للتعليق، فما بقي في الآية شيء يدل على التعليق بمطابقة ولا التزام، وطول الأيام يحاولون الاستدلال بها ولا يكاد يفطن له ولا يفطنون لهذا المستثنى من أي شيء هو وما هو المستثنى منه، فتأمله.
والجواب: أن هذا استثناء من الأحوال، والمستثنى حالة محذوفة قبل "أن" الناصبة وعامله فيها، أعني: الحال عامله في "أن". وتقريره: ٢ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً?﴾ ٣ في حالة من الأحوال، إلا متعلّقاً بـ"إن شاء ٤ الله"، ثم حذفت معلقاً والباء من أن فيكون النهي المتقدم مع "إلا" المتأخرة قد حصرت القول في هذه الحال دون سائر الأحوال؛ فتختص هذه الحال بالإباحة وغيرها بالتحريم. وترك المحرم واجب، وليس شيء هناك يترك به الحرام إلا هذه، فتكون واجبة. وأما مدرك التعلق فهو قولنا: معلقاً، فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحالة، كما إذا قال: لا تخرج إلا ضاحكاً، فإنه يفيد الأمر بالضحك للخروج، وانتظم معلقاً مع "أن" بالباء المحذوفة، واتجه الأمر بالتعليق على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالأفعال.
стр. 753
كتاب القضاء
الأصل في مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية ٢.
وأما السنة، فقوله: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر". ٣ متفق عليه. وأجمعوا على مشروعية نصب القضاة.
وهو فرض كفاية، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأدى الحق فيه، وفيه خطر كبير ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه؛ ولذلك كان السلف يمتنعون منه.
ويجب على الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضياً، ويختار أفضل من يجد. وإن وجد غيره كره له طلبه، بغير خلاف، لقوله: "لا تسأل الإمارة" ٤ الحديث متفق عليه.
وله طلب الرزق لنفسه وأمنائه مع الحاجة، في قول أكثر أهل العلم.
ولا يجوز أن يوليه على أن يحكم بمذهب إمام بعينهن لا نعلم فيه خلافاً.
وإذا ولى الإمام قاضياً ثم مات، لم ينعزل القاضي، "لأن الخلفاء ولّوا حكاماً فلم ينعزلوا بموتهم". وكذلك لا ينعزل إذا عزل الإمام. فأما إن عزله الإمام
стр. 754
الذي ولاه أو غيره انعزل، "لأن عمر كان يولي الولاة ثم يعزلهم، ومن لم يعزله عزله عثمان بعده، إلا القليل".
وإذا تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء وحكماه بينهما، جاز ونفذ حكمه، وقيل: لا يلزمه إلا بتراضيهما، ولا يكون إلا بعد المعرفة بحكمه. ولنا: حديث أبي شريح وقوله ﷺ : "ما أحسن هذا". ولا يجوز نقض حكمه، وقيل: للحاكم نقضه إذا خالف رأيه.
стр. 755
باب أدب القاضي
ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليِّناً من غير ضعف، حليماً متأنياً، ذا فطنة. قال عمر بن عبد العزيز: "سبع إن فات القاضي منها واحدة كان فيه وصمة: العقل، والفقه، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحلم".
وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه. وإن قال: "حكمت عليَّ بغير حق" فله تأديبه، وله العفو. ويستعين بالله، ويتوكل سراً عليه، ويدعوه أن يعصمه من الزلل ويوفقه لما يرضيه.
ولا يكره القضاء في المسجد، ويبدأ بالأول فالأول. ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه والدخول عليه. ويحضر مجلسه الفقهاء ويشاورهم.
ولا يقضي وهو غضبان، ولا حاقن، ولا في شدة الجوع والعطش والهمّ والوجع والبرد المؤلم والحر المزعج والنعاس. ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، بشرط ألا يكون له حكومة، ويرد الرشوة والهدية إلى ربها، ويحتمل أن يجعلها في بيت المال، "لأنه لم يأمر ابن اللتبية أن يردها". قال أحمد: إذا أهدى البطريق لصاحب الجيش، لم تكن له دون سائر الجيش.
ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه، ويوكل فيه من لا يعلم أنه وكيله. وإن احتاج لم يكره، "لأن أبا بكر قصد السوق يتجر، حتى فرضوا له".
стр. 756
باب طرق الحكم وصفته
...
باب طريق الحكم وصفته
إذا جلس له ١ خصمان، فله أن يقول: من المدعي منكما؟ أو يسكت حتى يبتدئ. ويستحب أن يجلسا بين يديه، لما روى أبو داود "أنه ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم". ولا يقول لأحدهما: "تكلم"، لأنه تفضيل له. فإن ذهب المدعى عليه يتكلم، منعه حتى يفرغ المدعي. ثم يقول له: ما تقول فيما ادعاه؟ فإن أقر لم يحكم إلا بمسألة المدعي، ويحتمل أن يجوز له ذلك.
والحكم: أن يقول: "ألزمتك"، أو "قضيت عليك"، أو "اخرج إليه منه". وللمدعي أن يقول: "لي بينة"، فإن لم يقل، قال الحاكم: "ألك بينة؟ " لقوله للحضرمي: "ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه". ٢ صححه الترمذي. فإن قال: "لي بيّنة" أمره بإحضارها، وقيل: لا يأمره. فإذا حضرت، لم يسألها الحاكم حتى يسأله المدعي ذلك. فإذا سمعها وكانت صحيحة، حكم بها إذا سأله المدعي. ولا خلاف أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبيّنة في مجلسه، إذا سمعه معه شاهدان. فإن لم يسمعه معه أحد أو شاهد واحد فله الحكم، نص عليه.
وليس له الحكم بعلمه في غير مجلسه، وعنه: ما يدل على جوازه. وقيل: لا يحكم في حق الله بعلمه، بخلاف حق الآدميين. ولنا: قوله: "أقضي على نحو ما أسمع"، ٣ فدل على أنه لا يقضي بما يعلم. وكلامه لهند فتيا،
стр. 757
لا حكم. وما ذكروه من قصة عمر مع أبي سفيان إنكار لمنكر رآه، لا حكم، بدليل أنه ما وجد منه دعوى ولا إنكار بشروطهما.
فإن قال: "ما لي بيّنة"، فالقول قول المنكر مع يمينه. فإن سأل إحلافه أحلفه. فإن حُلّف أو حلف من غير سؤال المدعي لم يعتدّ بيمينه. وإن نكل قضى عليه بالنكول، وقيل: تردّ على الخصم، فإن نكل صرفهما. وإن ادعى بيّنة بعد قوله: "ما لي بينة" لم تقبل، ويحتمل أن تقبل، لأنه يجوز أن ينسى أو لا يعلمها. وإن قال: "لي بيّنة، وأريد يمينه"، فإن كانت غائبة فله إحلافه، وإن كانت حاضرة لم يملك إحلافه، لقوله: "شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك". ١ فإذا قال المدعي: "أريد يمينه، لا أريد إقامتها"، فله ذلك. فإن حلف المدعى عليه، ثم أراد المدعي إقامتها، لم يملك ذلك، في أحد الوجهين.
وإن حلف المنكر، ثم أحضر المدعي بيّنة، حكم بها. فإن طلب حبس المدعى عليه، وإقامة كفيل إلى إقامة بيّنته البعيدة لم يقبل منه، لأنه لم يثبت له حق. وإن قال: لي حساب أريد أن أنظر فيه، لم يلزم المدعي إنظاره، وقيل: يمهل ثلاثاً. فإن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره، جعله الخصم فيها. وهل يحلف المدعي؟ على وجهين. ولا تصح الدعوى إلا محررة تحريراً تعلم به، إلا في الوصية والإقرار، فإنه يصح بالمجهول. فإن كان أثماناً، فلا بد من ذكر الجنس والقدر والنوع. وإن كان عيناً، حاضرة عيّنها بالإشارة. وإن كانت غائبة، ذكر صفاتها إن كانت تنضبط، وإلا قيمتها. وإن كانت تالفة من ذوات الأمثال، ذكر قدرها وجنسها وصفتها.
ولا يقضي على غائب إلا في حقوق الآدميين. فإن قامت
стр. 758
بسرقة حكم بالمال دون القطع. وإن كان في البلد، لم تسمع البينة حتى يحضر؛ فإن امتنع سمعت.
ويعتبر في البيّنة: العدالة ظاهراً وباطناً، وعنه: تقبل شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة. ولا يقبل في الجرح والتعديل والترجمة والرسالة إلا قول عدلين، وعنه: يقبل واحد "لأنه ﷺ أمر زيداً أن يتعلم كتاب يهود". وعن أحمد: لا يقضي على غائب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، لقوله لعلي: "لا تقض للأول حتى تسمع الآخر". ١ صححه الترمذي. ولنا: حديث هند وحديث عليّ نقول به. إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع كلامهما، وهو يقتضي حضورهما.
وكذا الحكم في المشتهر في البلد والميت والصبي والمجنون. وهل يحلف المدعي أنه لم يبرأ إليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين. ثم إذا قدم الغائب، أو بلغ الصبي، أو زال الجنون، فهو على حجته. وإذا قضى على الغائب سلم إلى المدعي، ويحتمل أن لا يدفع إليه حتى يقيم كفيلاً.
وإذا اختلفا في دار في يد أحدهما، فأقام المدعي بيّنة أنها ملكه منذ شهر أو أمس، فهل تسمع؟ على وجهين. ومن كان له على إنسان حق لا يملك أخذه بالحاكم، لم يجز أن يأخذ قدر حقه. وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. قال ابن المنذر تفرد أبو حنيفة، فقال: لو استأجرت المرأة شاهدين فشهدا بطلاق زوجها، وهما يعلمان كذبها، فحكم الحاكم بطلاقها، حل لها أن تتزوج وحل لأحد الشاهدين نكاحها. قال ابن المنذر: يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام، كان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي.
стр. 759
باب حكم كتاب القاضي إلى القضي
...
باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي
الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إني ألقي إلي كتاب كريم﴾ ١.
وأما السنة، فـ"إنه ﷺ كتب إلى ملوك الأطراف وإلى عماله".
يقبل في المال وما يقصد به المال، كالقرض والغصب، ولا يقبل في حد الله. وهل يقبل فيما عدا ذلك، مثل النكاح والطلاق؟ على روايتين.
ويجوز أن يكتب إلى معيّن وإلى من يصل إليه من القضاة.
ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان، وحكي عن الحسن وسوار والعنبري أنهم قالوا: إذا عرف خطه وختمه قبله، وهو قول أبي ثور.
стр. 760
باب القسمة
الأصل فيها: قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ ، ١ وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية ٢.
هي نوعان:
(قسمة تراض) : وهي ما فيه ضرر أو رد عوض من أحدهما، كالدور الصغار التي لا يمكن قسمها، لا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع. وهل يلزم بالقرعة إذا قسمها حاكم أو رضوا بقاسم؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزم، والثاني: لا يلزم إلا بالتراضي.
وإن تراضيا بغير قرعة جاز ذلك. وكذلك لو خيّر أحدهما صاحبه فاختار، ويلزم ههنا بالتفرق والتراضي. والضرر المانع: نقص القيمة، وعنه: ما لا يمكن أحدهما الانتفاع بنصيبه مفردا، فيما كان ينتفع به مع الشركة، والأول ظاهر كلام الشافعي، لأن النقص ضرر وهو منفي شرعاً. وقال مالك: يجبر الممتنع ولو استضر.
الثاني: (قسمة الإجبار) : وهي ما لا ضرر فيه ولا رد عوض، وهذه إفراز حق لا بيع. وإن كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين، وإلا أجزأ واحد.
стр. 761
باب الدعوات والبينات
...
باب الدعاوى والبينات
إذا تداعيا عيناً في يد أحدهما، فهي له مع يمينه. وإن تنازع صاحب الدار والخياط الإبرة والمقص، فهما للخياط. وإن تنازعا عرصة فيها شجر أو بناء لأحدهما، فهي له. وإن تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت، فما يصلح للرجال فللرجال، وما يصلح للنساء للمرأة، وما يصلح لهما بينهما. وإذا لم يكن لأحد يد حكمية بل تنازعا في غير قماش بينهما، فلا يرجح أحدهما بصلاحية ذلك له، بل إن كان في يد أحدهما فهو له، وإن كان في أيديهما فهو بينهما، وإن كانت في يد غيرهما اقترعا، واليمين على من حكمنا له بها في كل المواضع إذا لم يكن بيّنة.
وإن كان لأحدهما بيّنة حكم له بها ولم يحلف، وهو قول أهل الفتيا. وقال شريح والنخعي: يحلف. وقال الشافعي: إذا كان المشهود عليه لا يعبر عن نفسه في دعوى القضاء والإبراء، أحلف المشهود له، وهذا حسن. وإن كان لكل منهما بيّنة، حكم بها للمدعي. وعنه: إن شهدت بيّنة المدعى عليه أنها نتجت في ملكه أو قطيعة من الإمام قدمت. وتسمى بينة المدعي بيّنة الخارج، وبيّنة المدعى عليه بيّنة الداخل. وعنه: أن بيّنة الداخل تقدم بكل حال، وهو قول الشافعي وأبي عبيد وقال: هو قول أهل المدينة وأهل الشام، وأيهما قدّم لم يستحلف صاحبها، وقيل: بلى.
وإن كانت العين في يديهما تحالفا، وقسمت بينهما، لا نعلم فيه خلافاً، لما روى أبو موسى: "أن رجلين اختصما في بعير، فأقام كل واحد
стр. 762
منهما شاهدين؛ فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين". ١ رواه أبو داود. ولا يرجح أحدهما بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة؛ وهو قول الشافعي. وقال مالك: ترجح، وإن تساوتا قسمت بينهما بغير يمين، وعنه: بلى، كمن لا بيّنة لهما. وعنه: يقرع بينهما. والأول أصح، لخبر أبي موسى.
وإن تداعيا عيناً في يد غيرهما، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها، لحديث أبي هريرة: "أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بيّنة، فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين، أحبّا أم كرها". رواه أبو داود، فإن كان لكل منهما بيّنة، فعنه: "تسقط، ويقترعان"، روي عن ابن عمر وابن الزبير. وبه قال إسحاق وأبو عبيد، لما روى الشافعي عن ابن المسيب: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في امرأة، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبي ﷺ بينهما". وعنه: "تستعمل البينات، وتقسم العين بينهما"، وهو قول قتادة وحماد، لحديث أبي موسى، وقيل: يقدم أحدهما بالقرعة، وهو قول الشافعي.
стр. 763
باب تعارض البيّنتين
إذا أتلف ثوباً فشهدت بيّنة أن قيمته ثلاثون، وشهدت أخرى أن قيمته عشرون، لزمه أقل القيمتين؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يلزمه ثلاثون.
ولو ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ابني فورثته. وقال أخوها: بل مات ابنها فورثتْه، ثم ماتت فورثناها. حلف كل على إبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه، وميراث المرأة: لزوجها واحد وأخيها نصفين. وإن أقام كل منهما بيّنة، تعارضتا وسقطتا.
стр. 764
كتاب الشهادات
الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ الآية، ١وغيرها، وقوله: "شاهداك أو يمينه" ٢.
تحمُّل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، وهل يأثم بالامتناع إذا دعي مع وجود غيره؟ قيل: يأثم، لقوله: ﴿وَلا يَأْبَ ﴿الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ ، ٣ وقيل: لا.
ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة، وكذا من لم تتعين عليه، في الأصح. ومن عنده شهادة في حد، أبيح إقامتها ولم يستحب. وللحاكم أن يعرض له بالوقوف عنها، لقصة عمر. ومن كانت عنده شهادة لإنسان، لم يقمها قبل سؤاله. فإن لم يعلم، استحب إعلامه، وله إقامتها قبل ذلك.
وتجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقيناً، وقد يحصل بالسماع؛ ولهذا قبلت رواية الأعمى، ورواية من روى عن أزواج النبي ﷺ من غير محارمهن. فإن لم يعرف المشهود عليه وعرفه إياه من يعرفه، فعنه: لا يشهد، وحمل على الاستحباب، لتجويزه الشهادة بالاستفاضة. وقال: لا تشهد على امرأة إلا بإذن زوجها، وهذا يحتمل ألا يدخل عليها بيتها إلا بإذنه لِـ"نهيه ﷺ أن يستأذن على النساء إلا بإذن أزواجهن". رواه أحمد.
стр. 765
وإذا عرف خطه ولم يذكرها، فهل يجوز له أن يشهد؟ على روايتين.
وأجمعوا على صحة الشهادة بالاستفاضة على النسب، واختلفوا فيما سواه، فقال أصحابنا: تجوز في تسعة أشياء: النكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل. وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح والموت. ولنا: أن هذه تتعذر الشهادة عليها غالباً لمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها، فجازت كالنسب. قال مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع.
وقال: السماع في الأجناس والولاء جائز. قيل لأحمد: أتشهد أن فلانة امرأة فلان، ولم يُشهد؟ قال: نعم، إذا كان مستفيضاً. فأشهد أن فاطمة بنت رسول الله، وأن خديجة وعائشة زوجتاه، وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة.
ولا تقبل الاستفاضة إلا من عدد يقع العلم بخبرهم، وقيل: تسمع من عدلين، وهو قول المتأخرين من الشافعية. وإذا مات رجل فادعى آخر أنه وارثه، فشهد شاهدان أنه وارثه، لا يعلمان له وارثاً غيره، سلّم المال إليه ولو لم يكونا من أهل الخبرة. فإن قالا: لا نعلم له غيره في هذه البلد، احتمل أن يسلّم المال إليه، واحتمل ألا يسلّم. فالأول قول أبي حنيفة، والاحتمال الثاني قول مالك والشافعي.
وتجوز شهادة المستخفي، وهو قول الشافعي، وعنه: لا. وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفاً يخدع لم يقبل عليه، وإلا قبلت. ومن سمع من يقر بحق، أو سمع حاكماً يحكم، أو يشهد على حكمه، جاز
стр. 766
أن يشهد، وعنه: لا حتى يشهده. وعنه: إن سمعه يقر بقرض لا يشهد، وإن سمعه يقر بديْن شهد، لأن المقترض يجوز أن يكون أوفاه.
وحق الآدمي المعيّن لا تسمع الشهادة به إلا بعد الدعوى، والذي على غير معيّن كالوقف أو حق خالص لله كالحدود الخالصة والزكاة أو الكفارة، فلا يفتقر إلى تقدم الدعوى، كما "شهد أبو بكرة وأصحابه وأبو هريرة على قدامة".
стр. 767
باب شروط من تقبل شهاداته
...
باب شروط من تقبل شهادته
وهي ستة:
أحدها: (البلوغ) : فلا تقبل شهادة الصبيان، وعنه: تقبل ممن هو في حال العدالة، وعنه: لا تقبل إلا في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق. قال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض.
الثاني: (العقل) .
الثالث: (الكلام) :فلا شهادة لأخرس، قيل لأحمد: فإن كتبها؟ قال: لا أدري. وقال مالك والشافعي: تقبل إذا فهمت إشارته.
الرابع: (الإسلام) : إلا في الوصية في السفر، وقيل: تقبل شهادة بعضهم على بعض، ثم اختلف من قاله؛ فمنهم من قال: الكفر ملّة واحدة، فتقبل شهادة اليهودي على النصراني وعكسه، قاله الثوري وأبو حنيفة وأصحابه. وعن إسحاق وأبي عبيد: لا تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض.
الخامس: (الحفظ) : فلا شهادة لمغفل، ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان.
السادس: (العدالة) : وهي استواء أحواله في دينه، وقيل: من لم تظهر منه ريبة. وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة وأصحابه: قبول شهادة أهل الأهواء، ويتخرج قبول شهادة أهل الذمة على شهادة أهل الأهواء إذا لم يتدين بالشهادة الموافقة على مخالفيه، كالخطابية.
وكل لعب فيه قمار فهو محرم، وهو من الميسر، وأما الذي لا عوض فيه، فمنه محرم كاللعب بالنرد، والشطرنج كالنرد في التحريم. فأما اللعب بالحراب كما فعل الحبشة وما في معناه إذا لم يتضمن ضرراً ولا شغلا عن فرض، فالأصل إباحته.
والملاهي ثلاثة:
стр. 768
محرم، وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير والعود والطنبور والمعرقة والرباب ونحوها.
ومباح، وهو الدف. فأما الضرب بالقضيب، فيكره إذا انضم إليه مكروه أو محرم، كالتصفيق والغناء والرقص.
واختلف أصحابنا في حكم الغناء، فقال بعضهم: مباح إذا لم يكن معه منكر، لحديث الجاريتين. وقال الشافعي: مكروه غير محرم. وذهب آخرون إلى تحريمه، واحتجوا بقول ابن الحنفية في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ?﴾ ، ١ قال: الغناء. ويقول ابن مسعود وابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ : ٢ "إنه الغناء".
والحداء الذي تساق به الإبل مباح، وكذلك سائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء. والشعر كالكلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، وليس في إباحته الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة والعلماء.
ولا يعتبر في التوبة إصلاح العمل، وعنه: يعتبر إصلاح العمل سنة.
وشهادة ولد الزنى جائزة في قول الأكثر، وكذا شهادة الإنسان على فعل نفسه، كالمرضعة والقاسم والحاكم. وكذا شهادة البدوي على القروي.
ويمنع قبول شهادة القرابة، فلا تقبل شهادة والد لولده وعكسه، ولو ولد بنات، وعنه: تقبل شهادة الابن لأبيه لا عكسه، وعنه: تقبل شهادة كل منهما فيما لا تهمة فيه، كالنكاح والقصاص والمال إذا كان مستغنياً عنه، وبه قال إسحاق وابن المنذر، لعموم الآيات. وتقبل شهادة بعضهم على بعض في الأصح.
ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه، وبه قال مال، وعنه: تقبل؛ وبه
стр. 769
قال الشافعي. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، وقال مالك: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف، ولا تقبل ممن يجر بها إلى نفسه نفعاً، كالوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال، ولا شهادة الشفيع ببيع ما له فيه شفعة، ولا شهادة الغرماء بديْن المفلس، ولا شهادة الموصى له للميت، ولا الوكيل لموكله بما هو موكل فيه، ولا الشريك لشريكه، لا نعلم فيه خلافاً أي: الشريك، ولا شهادة الوصي للموصى إليهم إذا كانوا في حجره، في قول الأكثر، وأجازها شريح وأبو ثور، إذا كان الخصم غيره.
ولا تقبل شهادة من يدفع بها عن نفسه ضرراً، قال الزهري: مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين وهو: المتهم. ولا تقبل شهادته على عدوه، في قول أكثر أهل العلم، لحديث: "ولا ذي غمر على أخيه". ١ وإن شهد الفاسق فردّت، ثم تاب فأعادها، لم تقبل للتهمة، وبه قال الشافعي، وقال المزني وأبو ثور: لا يشترط في التحمل العدالة ولا البلوغ ولا الإسلام. و"كان ناس يروون عنه ﷺ بعد أن كبروا، مثل الحسنين ٢ وابن الزبير"، وعن مالك: ترد فيمن أسلم وبلغ.
والمشهود به خمسة أقسام:
(أحدها) : الزنى، فلا يقبل فيه إلا أربعة، وأجمعوا على اشتراط عدالتهم باطناً وظاهراً، والأكثر على اشتراط كونهم رجالاً أحراراً. وهل يثبت الإقرار بالزنى بشاهدين أو أربعة؟ على روايتين.
(الثاني) : القصاص وسائر الحدود، فلا يقبل إلا رجلان حرّان، إلا ما روي عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه رجل وامرأتان. ولا تقبل الشهادة على القتل إلا مع زوال الشبهة في لفظ الشهادة نحو: ضربه فقتله.
стр. 770
(الثالث) : ما ليس بمال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً، كالنكاح والطلاق والوكالة في غير المال والوصية وما أشبه ذلك، فلا يقبل فيه إلا رجلان. وعنه في النكاح والرجعة والعتق: يقبل رجل وامرأتان. وعنه في العتق: شاهد ويمين المدعي. وعنه في الإعسار: لا يثبت إلا بثلاثة، لحديث قبيصة. وقال القاضي: حديثه في حل المسألة، لا في الإعسار.
(الرابع) : المال وما يقصد به المال، كالبيع والقرض والرهن وجناية الخطإ، يقبل شاهد ويمين.
(الخامس) : ما لا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة ونحوه، فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة، وعنه: لا يقبل أقل من امرأتين.
ولا نعلم خلافاً في قبول النساء المنفردات في الجملة.
والشهادة على الشهادة جائزة إجماعاً، في المال وما يقصد به المال. وقال مالك: يقبل في الحدود وفي كل حق. وشروطها تعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة إلى مسافة القصر. وعنه: لا تقبل إلا أن يموت شاهد الأصل، ولا يجوز له أن يشهد حتى يسترعيه. وثبتت شهادة شاهدي الأصل بشاهدين يشهدان عليهما. وقال ابن بطة: لا بد من أربعة، على كل واحد اثنان. قال أحمد: شاهد على شاهد يجوز، لم يزل الناس على هذا، شريح فمن دونه، إلا أن أبا حنيفة أنكره.
ومتى رجع شهود المال بعد الحكم، لزمهم الضمان، ولم ينقض الحكم. وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة. وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى. وإذا عين العدل شهادته بحضرة الحاكم فزاد فيها أو نقص، قبلت منه ما لم يحكم بشهادته.
стр. 771
والحقوق على ضربين:
أحدهما: ١ ما هو حق الآدمي وهو على ضربين:
أحدهما: مال أو مقصود به المال، كالبيع والقرض والصلح.
الثاني: ما ليس بمال ولا مقصود منه المال، وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين، كالقصاص، ففيه روايتان: إحداهما: لا يستحلف المدعى عليه. قال أحمد: لم أسمع من مضي جوّز الأيمان، إلا في الأموال خاصة. والثانية: يستحلف في الطلاق والقصاص. وقال الشافعي: يستحلف في كل حق لآدمي.
وحقوق الله لا يستحلف فيها، بلا خلاف في الحدود، وأما الزكاة، فإذا ادعى الساعي أن الحول تم أو النصاب، فقال أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم. وقال الشافعي: يستحلف. ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه في الإثبات، حلف على البت وعلى نفي فعل الغير، فإنها على نفي العلم. وقال الشافعي والنخعي كلها على نفي العلم. ومن توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة، فرضوا جاز، وإلا حلف لكل واحد يميناً. ولا تدخل اليمين النيابة، فلا يحلف الولي عن الصغير والمجنون.
стр. 772
كتاب الإقرار
يصح من كل مكلف مختار، غير محجور عليه. وإن أكره على وزن مال، فباع داره لذلك صح. ومن أقر بحق ثم ادعى إكراهاً، لم يقبل إلا ببيّنة، إلا أن يكون دلالة، كالقيد والحبس، فقوله مع يمينه. ويصح إقرار المريض المرض المخوف، بغير المال. وإن أقر بمال لمن لا يرثه صح، حكاه ابن المنذر إجماعاً. ولا يحاصّ المقر له غرماء الصحة، وقيل: بلى؛ وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد، وذكر أنه قول أكثر أهل المدينة. وإن أقر لوارث، لم يقبل إلاّ ببيّنة، وقال عطاء والحسن وإسحاق: تقبل. وقال مالك: يصح إذا لم يتهم، إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فأقل، فيصح في قول الجميع، إلا الشعبي. وإن أقر لوارث وأجنبي، فهل يصح في حق الأجنبي؟ على وجهين.
وإن أقر لوارث فصار عند الموت غير وارث لم يصح، وعكسه يصح. وإن أقرّ بوارث صح، وعنه: لا. وإن أقر بطلاقها في صحته، يعني: وهو مريض، لم يسقط ميراثها. ويصح إقراره بإحبال الأمة.
ويصح الإقرار لكل من يثبت له الحق، فإذا أقر لعبد صح، ولو كذب سيده. وإن تزوج مجهولة فأقرت بالرق، لم يقبل إقرارها. وإن أقر الورثة على موروثهم بديْن، لزمهم قضاؤه من التركة. فإن أقر به بعضهم، لزمه بقدر ميراثه. وإن أقر لكبير عاقل فلم يصدّقه، بطل إقراره، وقيل: يؤخذ المال حتى يظهر مالكه ١.
стр. 773
باب ما يحصل به الإقرار
إذا ادعى عليه ألفاً، فقال: "نعم" أو "صدقتَ"، كان مقراً. وقوله: "أنا أقر" ليس بإقرار. وإن قال::أنا مقر"، فاحتمالان. ولو قال: "بعتك إن شاء الله"، أو "زوجتك إن شاء الله"، فقال ابن شاقلا: لا أعلم خلافاً عنه في أنه إذا قيل له: قبلت هذا النكاح؟ قال: "نعم، إن شاء الله"، أن النكاح واقع.
وإن قال له: علي ألف إن شهد به فلان، لم يكن مقراً. وإن قال: إن شهد به فلان فهو صادق، احتمل وجهين. وإن قال له: عليّ ألف قد استوفاه، أو ثمن خمر، أو تكفلت به على أني بالخيار، لزمه ولا يقبل قوله.
ولا يقبل رجوع المقر إلا في الحد. وإن قال: له عندي رهن، وقال المالك: وديعة، فالقول قول المالك. وإن قال: له عندي ألف، وفسره بديْن أو وديعة، قبل منه، لا نعلم فيه خلافاً.
стр. 774
باب الإقرار بالمجمل
إذا قال: له عليَّ شيء، قيل: فسّره. فإن أبى حُبس. وإن فسّره بحق شفعة أو مال قُبل. وإن فسّره بما ليس بمال، كخمر وميتة لم يقبل، وبكلب أو حد قذف فوجهان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: ما يستفيده بالولاية لا حد له شرعاً، بل يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف. وقال: من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قُتل. وإن قال: "ينبغي"، كان جاهلاً ضالاً. ومن كان متبعاً لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى، فقد أحسن، ولم يُقدح في عدالته بلا نزاع.
وقال: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام، وقال: بل يجب، ولا ينعزل قبل علمه بالعزل، رجحه الشيخ، وقال: هو المنصوص عن أحمد، لأن في الولاية حقا لله.
قال ابن حزم: أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا مفت تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله. يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعاً، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، إجماعاً. ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده في ما لَه أو عليه، إجماعاً، قاله الشيخ. وقال: الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ
стр. 775
الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله، وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان.
ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره. فيولى للعدم أنفع الفاسقَيْن وأقلهما شراً، وأعدل المقلدَيْن وأعرفهما بالتقليد.
وقال: إن حكّم أحدهما خصمه أو حاكما، فأفتى في مسألة اجتهادية جاز. وقال في عمل الولاية بعد ذكر التحكيم: وكذلك يجوز أن يتولى متقدمو الأسواق والمساجد، والوساطات، والصلح عند الفورة والمخاصمة، وصلاة الجنازة، وتفويض الأموال إلى الوصايا، وتفرقة زكاته بنفسه، وإقامة الحد على رقيقه، وخروج طائفة إلى الجهاد تلصصاً وبياتاً، وعمارة المساجد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشباه ذلك.
وفعل الحاكم حكم، كتزويج يتيمة، وشراء عين غائبة، وعقد نكاح بلا ولي، وغيره، ذكر الشيخ أنه أصح الوجهين، وقال: فإذا قال: حكمت بصحته نفذ اتفاقاً، وإن كان ممن لا يصلح نقض أحكامه، واختار الشيخ: لا ينقض الصواب منها.
ولو ادعى شهادة له عند آخر، لم تسمع دعواه، ولم يعد عليه، ولم يحلف، خلافاً للشيخ. وقال: لو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فظاهر، ولو نكل لزمه ما ادعى به، إن قيل: كتمانها موجب لضمان ما تلف، ولا يبعد كما يضمن في ترك الإطعام الواجب، اختار فيمن كسب مالاً محرماً برضى الدافع ثم تاب، كثمن خمر ومهر بغي وحلوان كاهن، أن له ما سلف. وقال أيضاً: لا ينتفع ولا يرده لقبضه عوضه، ويتصدق به وللفقراء أكله، ولولي الأمر أن يعطيه لأعوانه. وقال أيضاً فيمن تاب: إن علم صاحبه دفعه إليه، وإلا دفعه في المصالح، وله مع حاجته أخذ كفايته.
ولا تجوز الهدية لمن شفع عند السلطان ونحوه، لأنها كالأجرة، والشفاعة من المصالح العامة، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه؛