← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

خلاف علمته. وأما قوله إذا دبرها، وهي حامل أو حملت بعد التدبير، فما الحكم في ولدها؟ فنقول: أما إذا دبرها وهي حامل، فإن ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه، لأنه بمنزلة عضو من أعضائها. وأما إذا حملت بعد التدبير، ففيه خلاف بين العلماء: فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير، ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها، وهو مروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري وأصحاب الرأي. وذكر القاضي أن حنبلا نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترطه المولى قال: فظاهره أنه لا يتبعها، ولا يعتق بموت سيدها، وهذا قول جابر بن زيد، وهو اختيار المزني من أصحاب الشافعي. قال جابر بن زيد: إنما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت، وللشافعي قولان كالمذهبين. [تصرف الفضولي] (وأما المسألة الثالثة) إذا تصرف الفضولي، وأنكره صاحب المال، فلم يجز التصرف، فما الحكم في نماء المبيع؟ (فنقول): اختلف الفقهاء في تصرف الفضولي إذا أجازه المالك، هل هو صحيح أم لا؟، والخلاف مشهور. وأما إذا لم يجز المالك لم ينعقد أصلا، ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف، بل الملك باق على ملك صاحبه، ولا ينتقل بتصرف الفضولي، ونماؤه لمالكه. وأما قوله: إذا قال الفضولي للمشتري: أنا ضامن ما لحقك من الغرامة، هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول: إن كان المشتري جاهلا أن هذا مال الغير، أو كان عالما لكن جهل الحكم، وغره الفضولي، فما لزم المشتري من الغرامة

стр. 1052

من هذا النماء الذي تلف تحت يده، فهو على الضامن من الغار. [إثبات الشفعة بالشركة والطريق] (وأما المسألة الرابعة) وهي قوله على القول بإثبات الشفعة بالشركة والطريق، هل إذا باع إنسان عقاره، وقد وقعت الحدود أن الشركة باقية في البئر والطريق ومسير الماء، هل يأخذ الشفيع المبيع كله لأجل الشركة في هذه الأمور؟ أم لا شفعة له في الطريق ومسير الماء؟ فنقول: على القول بإثبات الشفعة بالشركة في البئر والطريق، يأخذ الشفيع المبيع كله بالشركة في البئر والطريق، ولا يختص ذلك في البئر نفسها ولا بالطريق وحده، وقد نص على ذلك أحمد -رحمه لله- في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: للجار إذا كان الطريق واحدا؛ فإذا صرفت الطرق، وعرفت الحدود، فلا شفعة. ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن الأربعة من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا"١. وفي حديث جابر المتفق عليه: "الشفعة في كل ما لم يقسم؛ فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة"٢. فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأول بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطرق، والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق لأن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك، ومع بقاء الشركة في البئر والطريق يبقى الضرر بحاله، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ﵀، وهو الذي عليه الفتوى. وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفردا ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فالمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت

стр. 1053

في البناء والغراس، وإن بيع مفردًا، لعموم قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم"١، ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر، والضرر فيما لم يقسم أبلغ منه فيما ينقسم، وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "للشفيع شريك، والشفعة في كل شيء"٢ وقد روي مرسلا، ورواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعا، ولفظه: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء"٣. [وجوب الضيافة] (وأما مسألة الضيافة) والقول بوجوبها، فالضيف على من نزل به. وأما الغائب، ومن لم ينزل به الضيف، فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين. [إبراء الغريم] (وأما مسألة الغريم) الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين، فلما برئ من المرض أراد الرجوع مما زاد على الثلث، فهذا لا رجوع فيه، بل سقط الدين بمجرد إسقاطه، وإنما التفضيل فيما إذا أبرأ من الدين ومات في ذلك المرض. (وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول) بأن شرط عليه ذلولا تمشي في الجهاد دائما، ومتى ماتت اشترى أخرى، أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام، فهذا لا يصح، والبراءة والحالة هذه لا تصح، والله أعلم.

стр. 1054

رسالة ثامنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان -حفظه الله-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: الخط وصل -أوصلك الله إلى رضوانه- وهذا جواب المسائل واصلك -إن شاء الله تعالى-. [طلق زوجته في مرض موته وأبانها] (الأولى) فيمن طلق زوجته في مرض موته، وأبانها؛ فالذي عليه العمل أنها ترثه، ما دامت في العدة في قول جمهور العلماء، وكذا ترثه بعد العدة ما لم تتزوج، كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد في رواية؛ بل مذهب مالك: أنها ترثه ولو تزوجت، والراجح الأول. [المطلقة عليها أطول الأجلين] (المسألة الثانية) وهي قولهم في المطلقة عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشرا، فصورة المسألة على ما صورته في السؤال، وأما الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أن المطلقة البائن في مرض الموت تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال مالك والشافعي: تبني على عدة الطلاق. [إجارة العين المستأجرة] (وأما المسألة الثالثة): فالمشهور جواز إجارة العين المستأجرة، قال في المغني: يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وأما إجارتها قبل قبضها، فلا يجوز من غير المؤجر في إحدى الوجهين، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور

стр. 1055

من قولي الشافعي، ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة وزيادة، نص عليه أحمد، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر. [الحرز] (وأما المسألة الرابعة) وهي مسألة الحرز، فالحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، ويختلف باختلاف الأموال: فحرز الغنم الحظيرة، وحرزها في المرعى بالراعي، ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب، وأما إذا نام عنها فقد خرج من الحرز. والضابط ما ذكرناه، وهو أن الحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه، والأموال تختلف؛ وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة، فراجعه. [السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز] (وأما المسألة الخامسة) وهي السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز، فهذا لا قطع فيه، ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رؤوس النخل، لحديث رافع بن خديج: "لا قطع في ثمر ولا كثر" ١. وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة، لا قطع فيها، وتضمن بمثل قيمتها. والثمر يضمن بمثلي قيمته لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وروى الأثرم أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها، وهذا مذهب أحمد. وأما الجمهور فقالوا: لا يجب عليه إلا غرامة مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بغرامة مثليه. وحجة أهل القول الأول حديث عمرو بن شعيب قال أحمد: لا أعلم شيئا يدفعه. وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم، فلا يغرم إلا مثله من غير زيادة على المثل والقيمة، لأن الأصل وجوب غرامة المثل بمثله، والمتقوم بقيمته خولف في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل. [جامع جاهلا أو ناسيا في نهار رمضان] (وأما المسألة السادسة): إذا جامع جاهلا أو ناسيا في نهار رمضان، هل حكم الجاهل حكم الناسي أم بينهما فرق؟

стр. 1056

فالمشهور أن حكمهما واحد عند من يوجب الكفارة، وبعض الفقهاء فرق بين أن يكون جاهلا بالحكم أو جاهلا بالوقت، فأسقط الكفارة عن الجاهل بالوقت، كما لو جامع أول يوم من رمضان يظن أنه من شعبان، أو جامع معتقدا أن الفجر لم يطلع، فبان أنه قد طلع، ومن أسقطها عن الجاهل بالوقت؛ فالناسي مثله وأولى. قال الشيخ تقي الدين: لا قضاء على من جامع جاهلا بالوقت أو ناسيا، ولا كفارة أيضا. [أقسام القذف] (وأما المسألة السابعة) وهي مسألة القذف، فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية كالطلاق؛ فالصريح ما لا يحتمل غيره نحو: يا زاني يا عاهر، ونحو ذلك. والكناية التعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره، فإن فسر الكناية بالزنى فهو قذف، لأنه أقر بالقذف، وإن فسره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمينه، ويعزر تعزيرا يردعه وأمثاله، ونحو ذلك، فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره، ولم يفسره بما يوجب القذف، فإنه يعزر، ولا حد عليه. [أخذ الأب صداق ابنته] (وأما المسألة الثامنة): هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟ فالمشهور عن أحمد جوازه، وهو قول إسحاق بن راهويه. وقد روي عن مسروق أنه زوج ابنته، واشترط لنفسه عشرة آلاف يجعلها في الحج والمساكين، ثم قال للزوج: جهز امرأتك. وروي ذلك عن علي بن الحسين أيضا، واستدلوا لذلك بما حكى الله عن شعيب ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ١ وبقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"٢ وقوله: "إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم"٣ فإذا شرط لنفسه شيئا من الصداق كان آخذا من مال ابنته، وله ذلك.

стр. 1057

[استبدال الدين] (وأما المسألة التاسعة): إذا كان لإنسان طعام في ذمة رجل، وليس هو سلما، وذلك بأن يكون قرضا، أو إجارة أرض أو عمارة نخل، وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنسا آخر من الطعام، فهذا لا بأس به إذا لم يتفرقا وبينهما شيء. فإن اتفقا على المعاوضة، وتفرقا قبل التقابض لم يثبت الأول، ومتى تقابضا جازت المعاوضة، كما يجوز ذلك في بيع الأعيان، لقوله: ﷺ : "إذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد"١، وكما وردت السنة بمثل ذلك في قبض الدراهم عن الدنانير، والدنانير عن الدراهم في حديث ابن عمر. [العاصب للميت من كان أقرب من غيره] (وأماالمسألة العاشرة) فالعاصب للميت من كان أقرب من غيره، بعد العاصب أو قرب، فمتى ثبت النسب بأن هذا ابن عم الميت، ولا يعرف أحد أقرب منه فهو العاصب، ولو بعد عن الميت. فإن عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة، ولم يعرف له عاصب معين، وأشكل الأمر دفع إلى أكبرهم سنا، فإن كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه، ولم يوجد عاصب، فالرد إلى ذوي الفروض أولى من دفعه إلى بيت المال، ويرد على أهل الفروض على حسب ميراثهم إلا الزوج والزوجة، فلا يرد عليهم. [تغريب المرأة البكر في الزنى] (وأماالمسألة الحادية عشرة): إذا زنت المرأة البكر وجلدت، فهل تغرب أم لا؟ والمسألة فيها خلاف بين العلماء، والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث، أعني قوله: ﷺ : "البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام"٢. والله أعلم.

стр. 1058

رسالة تاسعة (قال جامع الرسائل): ومن جواب أسئلة وردت على حمد بن ناصر ﵀ وعفا عنه- قال: (التهليلات العشر من صلاتي المغرب والفجر) الحمد لله، أما المسائل التي سألت عنها، فأولها السؤال عن التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، إذا كان قد ثبت في الأحاديث: "من قال قبل أن ينصرف -وفي لفظ: دبر المغرب والصبح-: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له"١ إلخ، وهو الذي يفعله الناس اليوم من الجهر، هل كان من هديه ﷺ وفعله أصحابه والتابعون؟ وما أصل هذه التهليلات؟ فنقول، وبالله التوفيق: أما أصل التهليلات العشر، فهو ما أشار إليه السائل - وفقه الله- من الأحاديث الواردة فيه، فروى الترمذي في سننه حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير -عشر مرات-، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات"٢ ... الحديث. وروى الترمذي أيضا، والنسائي في اليوم والليلة من حديث عمارة بن شبيب مرفوعا: "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، على إثر المغرب، بعث الله له مَسْلحةً يحفظونه حتى يصبح"٣ الحديث. قال الترمذي: غريب. فهذان

стр. 1059

الحديثان هما أصل التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب، وهما حجة على استحباب هذه التهليلات، ولهذا استحبها العلماء، وذكروها في الأذكار المستحبة دبر الصلاة، وأن المصلي يهلل بهن دبر صلاة الفجر وصلاة المغرب. (المأثور في الأذكار عقب الصلاة ورفع الصوت بها) وأما قول السائل: هل كان هذا من هديه ﷺ أو فعله أصحابه؟ فهذا لم يبلغنا من فعله ﷺ ، والذي ثبت عنه الترغيب في ذلك، ويترتب الأجر العظيم على فعله، وذلك كاف في استحبابه. وهذا له نظائر كثيرة في السنة: فإذا وردت الأحاديث بالحث على شيء من العبادات ورغب فيه الشارع ثبت أنها مستحبة، وإن لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعلها لم تستحب. ومن تأمل الأحاديث عرف ذلك، وليس في هذا اختلاف بين العلماء، وإنما الخلاف بينهم في استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة، لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ "١. قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، يعني بالجهر. ولهذا اختلف العلماء، هل الأصل الإسرار كما هو المشهور عند أتباع الأئمة؟ أم الجهر أفضل لهذا الحديث الصحيح؟ قال في الفروع: وهل يستحب الجهر لذلك كقول بعض السلف والخلف، وقاله شيخنا، أم لا؟ كما ذكره أبو الحسن بن بطال وجماعة، وأنه قول أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم، وظاهر كلام أصحابنا مختلف، ويتوجه تخريج واحتمال يجهر لقصد التعليم فقط، ثم يتركه، وفاقا للشافعي، وحمل الشافعي خبر ابن عباس على هذا. انتهى

стр. 1060

كلامه. فهذا الاختلاف في استحباب الجهر بعد الصلوات بالأذكار الواردة من حيث الجملة، وحديث ابن عباس دليل على الاستحباب. وأما تخصيص هذه التهليلات بالجهر دون غيرها من الأذكار، فلم نعلم له أصلا، ولكن لما أثبت ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ صح الاستدلال به على رفع الصوت بالتهليلات؛ إذ هو من جملة الأذكار الواردة، فمن رفع صوته بذلك لم ينكر عليه، بل يقال: رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة مستحب، ومن أسر لم ينكر عليه، لأن ذلك من مسائل الاختلاف بين العلماء، وكل منهم قد قال باجتهاده، ﵃. (حكم التلقيح بالجدري) وأما السؤال عن التوتين الذي يفعله العوام يأخذون قيحا من المجدور، ويشقون جلد الصحيح، ويجعلونه في ذلك المشقوق يزعمون أنه إن جدر يخفف عنه، فهذا ليس من التمائم المنهي عن تعليقها فيما يظهر لنا، وإنما هو من التداوي عن الداء قبل نزوله كما يفعلون بالمجدور إذا أخذته حمى الجدري لطخوا رجليه بالحنا لئلا يظهر الجدري في عينيه، وقد جرب ذلك، فوجد له تأثير، وهؤلاء يزعمون أن التوتين من الأسباب المخففة للجدري. والذي يظهر لنا فيه الكراهة، لأن فاعله يستعجل به البلاء قبل نزوله إلا أنه في الغالب إذا وتن ظهر فيه الجدري، فربما قتله، فيكون الفاعل لذلك قد أعان على قتل نفسه، كما قد ذكره العلماء فيمن أكل فوق الشبع؛ فمات بسبب ذلك فهذا وجه الكراهة ١.

стр. 1061

(التوسل إلى الخالق بالمخلوقين) وأما السؤال عن قول الخارج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فهذا ليس فيه دليل على السؤال بالمخلوق كما قد توهمه بعض الناس، فاستدل به على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، وإنما هو سؤال الله -تعالى- بما أوجبه على نفسه فضلا وكرما، لأنه يجيب سؤال السائلين إذا سألوه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١، ونظيره قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. هذا معنى ما ذكر العلماء في الحديث الوارد في ذلك إن صح، وإلا فهو ضعيف. وعلى تقدير صحته، فهو من باب السؤال بصفات الله، لا من السؤال بذات المخلوقين، والله أعلم.

стр. 1062

رسالة عاشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حمد بن ناصر إلى الأخ إبراهيم بن محمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد): وصل الخط -أوصلك الله إلى رضوانه-، وما ذكرت صار عندنا معلوما. [ما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي] ومن جانب السؤال عما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي، فيذكرون أهل العلم أن سورة الإخلاص متضمنة للتوحيد العلمي، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ١ متضمنة للتوحيد العملي. فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٢ فيها توحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب -تعالى- من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية، ونفي الكفو المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل. فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي الشبيه والمثيل، ونفي مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. وبيان ذلك أن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والخبر نوعان: خبر عن الخالق، وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه -سبحانه- وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، كما أخلصت سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ٣ لبيان الشرك العملي القصدي.

стр. 1063

(الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية) وأما الفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية، فهي مسألة عظيمة، ومن لم يعرفها لم يعرف حقيقة التوحيد والشرك. والشيخ ﵀-١ عقد لها بابا في كتاب التوحيد فقال: (باب الشفاعة)، وقول الله -تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢، ثم ساق الآيات، وعقبه بكلام الشيخ تقي الدين. فأنت راجع الباب، وأمعن النظر فيه يتبين لك حقيقة الشفاعة، والفرق بين ما أثبته القرآن، وما نفاه. وإذا تأمل الإنسان القرآن، وجد فيه آيات كثيرة في نفي الشفاعة، وآيات كثيرة في إثباتها. فالآيات التي فيها نفي الشفاعة مثل قوله -تعالى-: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٣، ومثل قوله -تعالى-: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٤، وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن؛ فمثل قوله -تعالى-: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٧، وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٨ وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٩، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ١٠، إلى غير ذلك من الآيات. فالشفاعة التي نفاها القرآن هي التي يطلبها المشركون من غير الله، فيأتون إلى قبر النبي ﷺ أو إلى قبر من يظنونه من الأولياء والصالحين، فيستغيث به، ويتشفع به إلى الله لظنه أنه إذا فعل ذلك شفع

стр. 1064

له عند الله، وقضى الله حاجته، سواء أراد حاجة دنيوية أو حاجة أخروية. كما حكاه -تعالى- عن المشركين في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ لكن (كان) الكفار الأولون يتشفعون بهم في قضاء الحاجات الدنيوية. وأما المعاد فكانوا مكذبين به جاحدين له. وأما المشركون اليوم فيطلبون من غير الله حوائج الدنيا والآخرة، ويتقربون بذلك إلى الله، ويستدلون عليه بالأدلة الباطلة، و ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢. وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن، فقيدها -سبحانه- بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا يأذن للشفعاء أن يشفعوا إلا لمن رضي قوله وعمله، وهو -سبحانه- لا يرضى إلا التوحيد، وأخبر الرسول ﷺ أن أسعد الناس بشفاعته أهل التوحيد والإخلاص. فمن طلبها منه اليوم حرمها يوم القيامة، والله -سبحانه- قد أخبر أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وإنما تنفع من جرد توحيده لله بحيث أن يكون الله - وحده- هو إلهه ومعبوده، وهو -سبحانه- لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال -تعالى-: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٣. فإذا تأملت الآيات، تبين لك أن الشفاعة المنفية هي التي يظنها المشركون، ويطلبونها اليوم من غير الله. (وأما الشفاعة المثبتة) فهي التي لأهل التوحيد والإخلاص، كما أخبر الرسول ﷺ أن شفاعته نائلة من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1065

رسالة حادية عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السؤال بخط منصور أبا حسين ١، والجواب بخط المجيب حمد بن ناصر ﵀. من منصور أبا حسين ٢ إلى الأخ حمد بن ناصر - حفظه الله بما حفظ به عباده الصالحين، وجعله من أئمة المتقين، ومن أصحاب اليمين، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (أما بعد): أفدني أثابك الله الجنة، ما صفة الواجب وحده والمسنون وحده؟ وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب؟ كذلك ما صفة المكروه وحده، وصفة المحرم وحده؟ كذلك إذا دخل الرجل المسجد، هل يعمل على حديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وهو داخل في وقت النهي، أو يعمل على حديث "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس"٣ ... إلخ؟ كذلك بيع الدين بالدين، وبيعتين في بيعة، مثّلهما لي، ولا تخلني من صالح دعاك، واستودعك الله وأنت سالم، والسلام. (تعريف الواجب والمسنون والمكروه والمحرم) الحمد لله رب العالمين، الواجب في الشرع ما ذم تاركه إذا تركه قصدا، وأثيب فاعله، وهو يرادف الفرض عند الحنابلة والشافعية وأكثر الفقهاء. وعن أحمد رواية أن الفرض آكد من الواجب، وهو قول أبي حنيفة.

стр. 1066

وأما المسنون فهو ما أثيب فاعله، ولم يذم تاركه، والسنة في اللغة الطريقة والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ وندب إليه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز. وأما المكروه فهو ضد المندوب، وهو لغة ضد المحبوب، وشرعا ما مدح تاركه، ولم يعاقب فاعله. ومنه ما نهى عنه الشارع لرجحان تركه على فعله كالصوم في السفر إذا وجدت المشقة في الصوم، ونحو ذلك. وأما المكروه فهو في عرف المتأخرين ما نهي عنه نهي تنزيه. ويطلق على الحرام أيضا، وهو كثير في كلام المتقدمين كالإمام أحمد، وغيره كقول الإمام أحمد أكره المتعة والصلاة في المقابر، وهما محرمان، وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ١. وأما الحرام، فهو ضد الحلال، وهو ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من ترك الواجبات وفعل المحرمات. وأصل التحريم في اللغة المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ ٢. وحده شرعا ما ذم فاعله، ولو قولا كالغيبة والنميمة، ونحوهما مما يحرم التلفظ به، أو عمل القلب كالنفاق والحقد ونحوهما. (تحية المسجد وقت الكراهية) وأما قوله إذا دخل الرجل المسجد وقت النهي هل يترك التحية على أحاديث النهي ... إلخ؟ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وفيها عن أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يصلي التحية وقت النهي، وهو المذهب الذي عليه أكثر الأصحاب، وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي. والثانية يجوز

стр. 1067

وهو قول الشافعي، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"١ وهو حديث صحيح، وهو يخص أحاديث العموم. وأهل هذا القول حملوا أحاديث النهي على ما لا سبب له، وأما ذوات الأسباب كركعتي الطواف، وتحية المسجد، وإعادة الصلاة إذا صلاها في رحله، وإعادة صلاة الفجر إذا صلاها في رحله ثم حضر الجماعة وهم يصلون، ونحو ذلك، فهذا يفعل في أوقات النهي لأدلة دلت على ذلك، وهي تخص عموم النهي، وكما أن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها باتفاق العلماء، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر من دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، وليتجوز فيهما. وهذا نظير قوله في أبي قتادة: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فقد نهى عن الجلوس قبل الصلاة، وذلك أمر بالصلاة إذ لم يقل أحد أنه إذا دخل عقيب صلاة العصر يقوم قائما إلى غروب الشمس. ومما يبين رجحان هذا القول أن المانعين من فعل التحية وقت النهي أجازوا ما هو مثلها، فإن مذهب الإمام أحمد أن ركعتي الطواف تفعل في أوقات النهي، وكذلك المعادة مع إمام الحي إذا أقيمت، وهو في المسجد يصليها معهم في وقت النهي. وكذلك قضاء الفوائت تفعل في وقت النهي، وكذلك صلاة الجنازة تفعل في الوقتين الطويلين من أوقات النهي، هذا مذهب أحمد في هذه المسائل فما كان جوابهم ودليلهم على جوازه، فهو دليل من أجاز تحية المسجد في هذه الأوقات، فإن قوله: ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"٢ أمر عام لجميع الأوقات فإذا قال منازعوهم: أحاديث النهي تخص

стр. 1068

هذا العموم قالوا لهم: أنتم جوزتم الصلاة وقت الخطبة، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وقضاء الفوائت وصلاة الجنازة، فلم تعملوا بأحاديث النهي على ظاهرها بل خالفتم ظاهرها في صور معلومة. [بيع الدين بالدين] وأما بيع الدين بالدين، فله صور: منها ما هو منهي عنه بالاتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه. وهو ينقسم إلى بيع واجب بواجب، وساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط. فالذي لا شك في بطلانه بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع ما في الذمة مؤخرا بشيء في الذمة مؤخرا، فإن الكالئ هو المؤخر فإذا أسلم شيئا في ذمته في شيء في ذمة الآخر، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز باتفاق العلماء. ومثال الساقط بالساقط صورة المقاصة، فإن اتفق الدينان جنسا وأجلا فلا بأس بها، وإن اختلف الجنس كما لو كان لكل واحد من اثنين دين على صاحبه من غير جنسه كالذهب والفضة وتساقطا، ولم يحضرا شيئا فهذا فيه خلاف المنصوص عن أحمد أنه لا يجوز إذا كانا نقدين من جنسين، واختار الشيخ تقي الدين الجواز. وأما الساقط بالواجب فكما لو باعه دينا في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين الحال ممن هو في ذمته بدين لم يقبض. وأما بيع الواجب بالساقط، فكما لو كان لرجل دراهم في ذمة رجل آخر فجعل الدراهم سلما في طعام في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط عنه دين غيره؛ وقد حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا يجوز، وليس في ذلك إجماع، بل قد أجازه بعض العلماء، لكن القول بالمنع هو قول الجمهور، والله أعلم.

стр. 1069

[البيعتان في بيعة] وأما البيعتان في بيعة: فالمشهور عن أحمد أنه اشتراط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدًا آخر كبيع أو إجارة أو صرف الثمن أو قرض، ونحو ذلك، وعنه البيعتان في بيعة إذا باعه بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة، وقال في العمدة: البيعتان في بيعة أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا. انتهى. فجمع بين الروايتين، وجعل كلا الصورتين داخلا في معنى بيعتين في بيعة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الرسالة الثانية عشرة في مسائل مختلفة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . [صلاة المسبوق] (أما بعد): المسألة الأولى: مسبوق دخل مع الإمام، ولم يعلم هل هو في أول الصلاة فيستفتح، ويقرأ سورة أم في آخرها فيسكت. (الجواب): إن أهل العلم اختلفوا في ذلك على قولين هما روايتان عن أحمد: (إحداهما): أن ما يدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها، قال في الشرح الكبير: هذا هو المشهور في المذهب يروى ذلك عن ابن عمر

стр. 1070

ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري، وحكي عن الشافعي، وأبي حنيفة وأبي يوسف، لقول النبي ﷺ : "وما فاتكم فاقضوا"١ متفق عليه. فالمقضي هو الفائت، فعلى هذا ينبغي أن يستفتح، ويستعيذ، ويقرأ السورة. (القول الثاني): أن ما يدركه مع الإمام أول صلاته، والمقضي آخرها، وهو الرواية الثانية عن أحمد قال في الشرح: وبه قال سعيد بن المسيب والحسن، وهو ابن عبد العزيز وإسحاق، وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك، واختاره ابن المنذر، لقوله ﵇: "وما فاتكم فأتموا" ٢. فعلى هذه الرواية لا يستفتح. فأما الاستعاذة، فإن قلنا تسن في كل ركعة استعاذ، وإلا فلا. وأما السورة بعد الفاتحة، فيقرؤها على كل حال، قال شيخنا: لا أعلم خلافا بين الأئمة الأربعة في قراءة الفاتحة وسورة، وهذا مما يقوي الرواية الأولى. انتهى. وقال في الفروع: وقيل يقرأ السورة مطلقا، ذكر الشيخ أنه لا يعلم فيه خلافا بين الأئمة الأربعة، وذكر ابن أبي موسى المنصوص عليه، وذكره الآجري عن أحمد، وبنى قراءتها على الخلاف، ذكره ابن هبيرة وفاقا، وجزم به جماعة، واختاره صاحب المحرر، وذكر أن أصول الأئمة تقتضي ذلك. وصرح به منهم جماعة، وأنه ظاهر رواية الأثرم، ويخرج على الروايتين الجهر والقنوت وتكبير العيد وصلاة الجنازة، وعلى الأولى، يعني الرواية الأولى المشهورة أن ما يدركه المسبوق مع الإمام آخر صلاته إن أدرك من رباعية أو مغرب ركعة تشهد عقب قضاء أخرى، وفاقا لأبي حنيفة ومالك في إحدى الروايتين له كالرواية الثانية انتهى. وفي القواعد الفقهية لما ذكر ما ينبني على الروايتين من الفوائد: الفائدة الرابعة: مقدار القراءة، وللأصحاب في ذلك طريقان: أحدهما

стр. 1071

أنه إذا أدرك ركعتين من الرباعية، فإنه يقرأ في المقضيتين بالحمد وسورة معها على كلا الروايتين، قال ابن أبي موسى: لا يختلف قوله في ذلك، والطريق الثاني بناؤه على الروايتين، فإن قلنا: ما يقضيه أول صلاته فكذلك، وإلا اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجا، ونص عليه أحمد في رواية الأثرم، وأومأ إليه في رواية حرب. وأنكر صاحب المحرر الرواية الأولى، وقال: لا يتوجه إلا على رأي من يرى قراءة السورة في كل ركعة أو على رأي من يرى قراءة السورة في الأخريين إذا نسيها في الأوليين. انتهى ملخصا، والله أعلم. والذي يترجح عندنا أن ما أدركه المسبوق أول صلاته، لأن رواية من روى (فأتموا) أكثر، وأصح عند كثير من أهل الحديث مع أن رواية فاقضوا لا تخالف رواية (فأتموا)؛ لأن القضاء يرد في اللغة بمعنى التمام كما قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ١، وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٢، قال في "الفتح": قوله ﷺ : "وما فاتكم فأتموا"٣ أي: أكملوا، هذا هو الصحيح في رواية الزهري، ورواية ابن عيينة بلفظ: (فاقضوا)، وحكم مسلم عليه بالوهم في هذه اللفظة مع أنه خرج إسناده في صحيحه لكنه لم يسق لفظه قال، والحاصل أن أكثر الروايات، ورد بلفظ فأتموا، وأقلها بلفظ فاقضوا، وإنما تظهر فائدة ذلك إن جعلنا بين القضاء والإتمام مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا، واختلف في لفظة منه، وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد، كان أولى. وهنا كذلك، لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا، لكنه يطلق على الأداء أيضا، ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ٤ ... الآية، ويرد لمعان أخر، فيحمل قوله هنا: "فاقضوا" على معنى الأداء أو الفراغ، فلا

стр. 1072

يغاير قوله: فأتموا، فلا حجة فيه لمن تمسك برواية: "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخريين وقراءة السورة وترك القنوت، بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدم. وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرا له؛ لما احتاج إلى إعادة التشهد. انتهى ملخصا. فظهر لك أن هذا القول هو الراجح، والله أعلم. [تأخير الصلاة للمسافر عند فقد الماء] (المسألة الثانية): رجل في سفر، ودخل عليه وقت الزوال، وهو عادم الماء، فأخر صلاة الظهر ناويا التأخير إلى العصر، فوجد الماء في وقت الظهر، ولم يستعمله؛ فلما جاء وقت العصر إذا هو عادم للماء؟ (فالجواب وبالله التوفيق): أن المشهور عند الحنابلة أن مثل هذا لا إعادة عليه، لأنه يجوز له تأخير صلاة الظهر إلى وقت العصر، إذا كان ناويا للجمع. قال في الشرح الكبير: وإذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه، وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة، وهو قول الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت كقولنا، وإلا صلى بالتيمم، وعليه الإعادة، لأنه مفرط، ولنا أنه لم يجب عليه استعماله، أشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت. وفي شرح منصور على "المنتهى": من في الوقت أراقه، أي: الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه، ولم يفعل وهو يعلم أنه لا يجد غيره، أو باعه، أو وهبه في الوقت لغير من يلزمه بذله له، حرم عليه ذلك، ولم يصح العقد من بيع أو هبة لتعلق حق الله -تعالى-بالمعقود عليه، فلم يصح نقل الملك فيه كأضحية معينة. ثم إن تيمم لعدم غيره،

стр. 1073

ولم يقدر على رد المبيع أو الموهوب، وصلى، لم يعد، لأنه عادم للماء حال التيمم، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. انتهى. فإذا كان لا يعيد إذا مر به في الوقت، ولم ينو الجمع، فكيف إذا كان ناويا للجمع؟ والله أعلم. [البينة على من ادعى واليمين على من أنكر] (المسألة الثالثة): رجل قضى رجلا مثلا جديدة ١ والذي عندهم أنها زينة، وأخذت أياما عنده يعبرها وترد عليه، وأخرجها من يده، وربما رفعها عند أهله، ولما لم تعبر جاء بها للذي قضاه، فأنكرها أن تكون جديدته التي دفعها إليه، ولم تكن بينة، فاليمين على من تكون. (الجواب): أن الذي يظهر من كلامهم في هذه الصورة أن القول قول الدافع بيمينه، أنها ليست جديدته التي دفعها إذا كانت قد خرجت من يده. وأما إذا لم تخرج من يده ففيها قولان في المذهب: أحدهما وهو المشهور في المذهب: أن القول قول المشتري مع يمينه. قال في الإنصاف: لو باع سلعة بنقد أو غيره معين حال العقد، وقبضه ثم أحضره، وبه عيب وادعى أنه الذي دفعه إليه المشتري، وأنكر المشتري كونه الذي اشتراه به، ولا بينة لواحد منهما، فالقول قول المشتري مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته، وعدم وقوع العقد على هذا المعين، ولو كان الثمن في الذمة، ثم نقده المشتري أو قبضه من قرض أو سلم أو غير ذلك مما هو في ذمته، ثم اختلفا كذلك ولا بينة، فالقول قول البائع، وهو القابض مع يمينه على الصحيح، لأن القول في الدعاوي قول من الظاهر معه، والظاهر مع البائع، لأنه

стр. 1074

ثبت له في ذمة المشتري ما انعقد عليه العقد غير معين، فلم يقبل قوله في ذمته، -إلى أن قال-: ومحل الخلاف إذا لم يخرج عن يده. انتهى. ومراده أنه إذا أخرجه البائع من يده كما في الصورة المسؤول عنها، فالقول قول المشتري، وهو الدافع بلا خلاف عندهم، والله أعلم. [اشترط شرطا يخالف حكم الله ورسوله] (المسألة الرابعة): باع رجل ثمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع لنفي الضمان، لا حقيقة الشرط، هل يصح ذلك؟ وينتفي عنه الضمان أم لا؟ (فالجواب) وبالله التوفيق: إن مثل هذا الشرط الذي لا يقصد المتعاقدان حقيقته، وإنما قصدا إبطال ما أثبته الله ورسوله من وضع الجائحة؛ لأن المقصود في العقود معتبر، والأعمال بالنيات، ومن اشترط شرطا يخالف حكم الله ورسوله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، وكذلك إذا اشترط شرطا لا حقيقة له، وإنما قصده ونيته غير الشرط. وقد ذكر الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-، وتليمذه ابن القيم -رحمه الله تعالى- من ذلك صورا كثيرة في كتاب الإعلام، والله أعلم. [الحلف لنفي عيب السلعة] (المسألة الخامسة): لو اشترى سلعة، وخرجت من يده، وظهر بها عيب، فهل يمين البائع على البت أو على نفي العلم؟ (فالجواب): أن هذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد: (أحدهما): أن الأيمان كلها على البت في الإثبات والنفي إلا لنفي فعل غيره، أو لنفي الدعوى على الغير، فيحلف على نفي العلم، وهذا هو المشهور في المذهب. (والقول الثاني): أنها على نفي العلم مطلقا في النفي والإثبات، وهو الرواية الثانية عن أحمد، واختاره أبو بكر، واحتج بالخبر الذي ذكره أحمد وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تضروا الناس في أيمانهم

стр. 1075

أن يحلفوا على ما لا يعلمون". وعن أحمد ﵀ رواية ثالثة: يحلف لنفي عيب السلعة على العلم، وهذا هو المروي عن عثمان ﵁ في قصة العبد الذي باعه ابن عمر ﵄ ثم ظهر به عيب، فقال له عثمان: أتحلف أنك بعته، وما تعلم به عيبا؟ والله أعلم. [اشترى سلعة للسفر فوجد قيها عيبا] (المسألة السادسة): لو اشترى سلعة؛ ليسافر بها في بلد، ثم وجد بها عيبا، وأشهد على الرد، ولا حاكم يسلمها إليه، والطريق مخوف، ما وجه الحكم؟ (الجواب): أن الوجه المناسب له في هذه الصورة: أن يشهد من حضر أنه فسخ العقد، فإن أمكنه حفظها معه حتى يأتي صاحبها فعل، وإلا أودعها عند ثقة، والله أعلم. [خرج من يد المرتهن إلى الراهن] (المسألة السابعة): رجل أعار رجلا شيئا؛ ليرهنه، فرهنه عند آخر، فأودعه المرتهن المعير مع علمه، هل يزول اللزوم أم لا؟ (فالجواب): أن المشهور عند الحنابلة أن المرتهن إذا أخرجه من يده زال اللزوم، وبطل الرهن، لأن استدامة القبض عندهم شرط في لزومه، فمتى أخرجه من يده أو أعاده أو رده إلى مالكه بإعادة أو غيرها، زال لزومه. قال: في الإقناع، وإن آجره أي آجر الراهن الرهن أو أعاره، أي: الرهن لمرتهن أو لغيره بإذنه، فلزومه باق. انتهى. وعن أحمد ﵀ رواية أخرى: أنه يلزم بمجرد العقد قبل القبض في غير المكيل والموزون، وممن أوجب استدامة القبض مالك، وأبو حنيفة، قال في الشرح الكبير: وهذا التفريع على القول الصحيح، فأما من قال: ابتداء القبض ليس بشرط، فأولى أن يقول الاستدامة غير شرط، لأن كل شرط يعتبر في الاستدامة يعتبر في الابتداء، وقد يعتبر في الابتداء ما لا يعتبر في

стр. 1076

الاستدامة. وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطا، لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم يشترط استدامته كالهبة، ولنا قول الله - تعالى-: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ١. ولأنها أحد حالتي الرهن، فكان القبض فيه شرطا كالابتداء، ويفارق الهبة، فإن القبض في ابتدائها يثبت الملك، فإذا ثبت استغنى عن القبض ثانيا، والرهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه، واستيفاء الدين من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه. انتهى. وذكر في الإنصاف وغيره عن أحمد: أنه إن آجره أو أعاره لغير المرتهن زال لزومه، قال في الإنصاف: نصره القاضي، وقطع به جماعة، واختاره أبو بكر في الخلاف، قال المجد في شرحه: ظاهر كلام أحمد أنه لا يصير مضمونا بحال. انتهى. قال في الإنصاف: فلو استأجره المرتهن عاد اللزوم بمضي المدة، ولو سكنه بأجرته بلا إذنه، فلا رهن، نص عليهما. ونقل ابن منصور: إن كراه بإذن الراهن أو له، فإذا رجع صار رهنا، والكراء للراهن. انتهى. فظهر بما تقدم أن المشهور في المذهب: أنه إذا أعاره الراهن المرتهن أو غيره، أو آجره للمرتهن أو غيره بإذن المرتهن، أن لزومه باق بحاله. والقول الثاني: أنه متى خرج من يد المرتهن إلى الراهن أو غيره بإعارة أو إجارة، أو سكن المرتهن الدار بلا إذنه، فإنه يبطل لزومه، وهذا هو الذي ذكره في الإنصاف وغيره، منصوص أحمد، وهو طرد القول الصحيح عندهم، لأنهم ذكروا أنه إذا أعاره المرتهن الراهن أو استأجره زال لزومه، فأي فرق بينه وبين الأجنبي؟ مع أن الإمام أحمد ﵀ نص على أنه إذا أخرجه من يده إلى الراهن أو غيره زال لزومه، كما تقدم في رواية ابن منصور وغيره. والله أعلم.

стр. 1077

[اختلاف المعير والمستعير] (المسألة الثامنة): أعاره سيفا ليرهنه، وقال: شرطت عليك رهنه عند زيد أو في جنس كذا أو في قدر كذا، فقال: أطلقت الإذن لي، فهل قوله معتبر لاتفاقهما على الإذن واختلافهما في الصفة، أم قول المعير؟ (فالجواب): أن القول في مثل هذا قول المالك لأنه منكر لما ادعاه خصمه، والقول قول المنكر بيمينه، لقوله ﵊: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"١. قال في الإقناع وشرحه: وإن استعار أو استأجر شيئا ليرهنه، ورهنه بعشرة، ثم قال الراهن لربه: أذنت لي في رهنه بعشرة، فقال ربه: بل أذنت لك في رهنه بخمسة، فالقول قول المالك بيمينه لأنه منكر للإذن في الزيادة، ويكون رهنا بالخمسة فقط. [نبات الغرس الذي في أرض الزرع] (المسألة التاسعة): رجل استأجر أرضا للزرع، فنبت فيها غرس، لمن يكون الغرس؟ (فالجواب): أن الذي يظهر من كلامهم في مثل هذه الصورة أن الغراس يكون للمستأجر؛ لأنه نبت على مائه، فإن شاء قلعه وسوى الحفر، وإن شاء تركه لصاحب الأرض بقيمته، والخيرة في ذلك للمستأجر. [المطالبة بالأجرة بعد هلاك الدابة محل الإجارة] (المسألة العاشرة): إذا استأجر رجلا على رعي دابة، وعلى طلاها على جرب؛ فأخذ يرعاها، ثم ماتت الدابة حتف أنفها، هل يستحق شيئا من الأجرة في مقابلة رعيه وطلاه أم لا؟ (الجواب) وبالله التوفيق: أن هذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد: (إحداهما) لأنه لا يستحق شيئا من الأجرة إلا بتسليم العين، وهذا هو المشهور في المذهب، قال في الإنصاف: ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده أو تلف بفعله على الصحيح من المذهب، وقال

стр. 1078

أيضا: وتجب الأجرة بنفس العقد، هذا المذهب، وتستحق كاملة بتسليم العين أو بفراغ العمل الذي بيد المستأجر، كطباخ استؤجر لعمل شيء في بيت المستأجر. انتهى. قال في "المغني": وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل؛ لأنه عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق، والثمن في البيع، ولا ضمان عليه أي الأجير المشترك، فيما تلف من حرزه أو بغير فعله إذا لم يتعد، قال في الإنصاف: هذا المذهب. قال الزركشي: هو المنصوص عليه في رواية الجماعة، ثم قال: ولا أجرة له فيما عمل فيه، أي الذي تلف في يده، سواء قلنا: إنه لا يضمن أو عليه الضمان، هذا المذهب مطلقا، وعليه أكثر الأصحاب. والقول الثاني أنه له أجرة ما عمل في بيت ربه دون غيره، وعنه له أجرة البناء لا غير، نص عليه في رواية ابن منصور، وعنه له أجرة البناء، والمنقول إذا عمله في بيت ربه. وقال ابن عقيل في "الفنون": له الأجرة مطلقا؛ لأن وضعه النفع فيما عينه له كالتسليم إليه كدفعه إلى البائع غرارة، وقال: ضع الطعام فيها، وكاله فيها، كان ذلك قبضا لأنها كيله؛ ولهذا لو ادعيا طعاما في غرارة أحدهما كان له، قال في "الإنصاف": وهو قوي. وقال في "المنتهى" وشرحه: وله أي: الحامل، أجرة حمله إلى محل تلفه، ذكره في التبصرة. واقتصر عليه في الفروع، لأن ما عمل فيه من عمل بإذن، وعدم تمام العمل ليس من جهته، وهذا القول هو الذي يترجح عندنا، والله أعلم. [الحلف بالحرام] (المسألة الحادية عشرة): لو حرم شيئا لا يفعله، هل يكون ظهارا أم لا؟ (فالجواب) وبالله التوفيق: أنه ذكر في الإنصاف وغيره من كتب المذهب أنه لو قال: علي الحرام، أو يلزمني الحرام، أو الحرام يلزمني، فهو

стр. 1079

لغو، لا شيء فيه مع الإطلاق، وفيه مع قرينته أو نيته أي الطلاق وجهان، وأطلقهما في المغني والشرح والفروع. قلت: والصواب أنه مع النية والقرينة، كقوله: أنت علي حرام، ثم وجدت ابن رزين قدمه، وقال في الفروع: ويتوجه الوجهان إن نوى به طلاقا، وإن العرف قرينة، ثم قال: قلت: الصواب أنه مع القرينة أو النية، كأنت علي حرام، وهذا كله كلام الإنصاف. واعلم أن الحلف بالحرام له صيغتان: (إحداهما) أن يقول: إن فعلت كذا، فأنت علي حرام، أو أنت علي حرام إن فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فامرأتي علي حرام، هذا كله صيغة واحدة. (والصيغة الثانية): أن يقول: الحرام يلزمني إن فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فالحرام لازم، أو علي الحرام لا أفعل كذا، وما أشبه هذا؛ فكل هذا حلف بالحرام، وقد اختلف العلماء في ذلك قديما وحديثا حتى ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإعلام أن فيها خمسة عشر قولا، ثم سردها، ثم قال: وفي المسألة مذهب وراء هذا كله، وهو أنه إذا وقع التحريم كان ظهارا، ولو نوى أنه الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدل النص والقياس. انتهى كلامه. وهذا هو الراجح عندي في هذه المسألة لأن أكثر الناس يقصدون بها الحلف عن الحض والمنع، فعلى هذا يكون من أيمان المسلمين التي فرض الله فيها الكفارة، كما قال تعالى في أول سورة التحريم: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١ بعد قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ٢، فدل على أن الحلف بالحرام من أيمان المسلمين المكفرة، لكن هل

стр. 1080

تكون كفارته كفارة يمين مغلظة أو مخففة؟ وممن قال بأنه يكفر كفارة ظهار ابن عباس في إحدى الروايات عنه، وسعيد بن جبير وأبو قلابة ووهب بن منبه وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد. وحجة هذا القول أن الله جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارا، وجعله منكرا من القول وزورا، فالتشبيه بالمحرمة يجعله ظهارا، فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وهذا أقيس الأقوال وأفقهها، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم، وإنما ذلك إليه -سبحانه-، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحليل والتحريم، فالسبب إلى العبد وحكمه إلى الله، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أو قال: أنت علي حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وكذب، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حراما، فأوجب عليه هذا القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين، وهي كفارة الظهار. انتهى. وأما من قال: إنه يمين يكفر بما تكفر به اليمين بكل حال، وهو قول أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وجمع من التابعين، فحجة هذا القول ظاهر القرآن، فإن الله -سبحانه- فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينا، فلا يجوز جعل تحلة الأيمان بغير المذكور، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله، والله أعلم. [موت الموقوف عليه قبل الواقف] (المسألة الثانية عشرة): لو قال: عقاري هذا مسبل يفعل به فلان ما شاء أو أراد، ومات فلان قبله، والحال إن قصده من جهات بر معلومة كصوام أو مؤذن أو إمام، ما الحكم فيه؟

стр. 1081

(فالجواب): أن مثل هذا وقف صحيح، وللواقف أن يعين الجهة، أو يعين رجلا غيره يجعله في أعمال البر، هذا هو الصحيح -إن شاء الله تعالى-. قال في الإقناع وشرحه: وإن قال: وقفت كذا، وسكت، ولم يذكر مصرفه، فالأظهر بطلانه. والذي في الإنصاف وفي الروضة لأن الوقف يقتضي التمليك، فلا بد من ذكر المملك، ولأن جهالة المصرف مبطلة، فعدم ذكره أولى بالإبطال. قال في الإنصاف: الوقف صحيح عند الأصحاب، وقطعوا به، وقال في الرعاية: على الصحيح عندنا، فظاهره أن في الصحة خلافا. انتهى. ومقتضاه أن صاحب الإنصاف لم يطلع فيه على خلاف للأصحاب، وكذا لم يحك الحارثي في صحته خلافا بين الأصحاب، قال: ولنا أنه إزالة ملك على وجه القربة، فصح مطلقا كالأضحية والوصية. أما صورة المجهول فالفرق بينهما أن الإطلاق يفيد مصرف البر لخلو اللفظ عن المانع منه، وكونه متعارفا فالعرف إليه ظاهر في مطابقة مراده، وكذلك التقييد بالمجهول، فإنه قد يريد به معينا غير ما قلنا من المتعارف، فيكون إذا الصرف إلى المتعارف غير المطابق لمراده، فينتفي الصرف بالكلية، فلم يصح الشرط. انتهى ما ذكره في الإقناع. وعبارة صاحب الإنصاف: وإن قال: وقفت وسكت، يعني حكمه حكم الوقف المنقطع الانتهاء، والوقف صحيح عند الأصحاب، وقطعوا به. وقال في الروضة: على الصحيح عندنا، فظاهره أن في الصحة خلافا، فعلى المذهب حكمه حكم الوقف المنقطع الانتهاء في مصرفه على الصحيح من المذهب كما قال المصنف هنا، وقطع به القاضي في المجرد، وابن عقيل، واختاره صاحب التلخيص وغيره، وقال القاضي وأصحابه: يصرف في وجوه البر. انتهى كلامه. وصورة

стр. 1082

المسألة المسؤول عنها تقرب من هذه الصورة لأنه لم يعين الجهة، وقد تقرر أن الصحيح أن تعيين الجهة ليس بشرط. وأما إذا جعل النظر والتعيين إلى الرجل بعينه، فمات، فقال في الإقناع وشرحه: فإن لم يشترط الواقف ناظرا أو شرطه لإنسان، فمات المشروط له، فليس للواقف ولاية النصب، أي: نصب ناظر؛ لانتفاء ملكه فلم يملك النصب ولا العزل كل في الأجنبي، ويكون النظر للموقوف عليه إذا كان الموقوف عليه آدميا معينا كزيد، أو جمعا محصورا. انتهى. والله أعلم. [تأجير الوقف] (المسألة الثالثة عشرة): لو آجر الواقف مستحقه مدة طويلة، وحكم حاكم بلزومها، هل تلزم أم لا إلى أن يأتي محل الحكم، وهو موت المؤجر؟ (فالجواب): أن الذي قطع به مشايخ المذهب أن المستحق للوقف إذا كان هو الناظر، يجوز له إجارة الوقف مدة، ولم يقيدوها بطول أو قصر، فدل على جوازها وصحتها بالمدة الطويلة، ولم يذكروا في ذلك خلافا إلا تخريجا ذكره الموفق في المغني أنها تبطل. وإنما حكى الخلاف في انفساخها بموت المؤجر، هل تنفسخ بذلك أم لا؟ قال في المغني: إذا أجر الموقوف عليه مدة، فمات في أثنائها وانتقلت إلى من بعده، ففيه وجهان: (أحدهما): لا تنفسخ الإجارة لأنه أجر ملكه في زمن ولايته، فلم تبطل بموته كما لو آجر ملكه الطلق. (الثاني) تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة لأنا تبينا أنه آجر ملكه وملك غيره، فصح في ملكه دون ملك غيره كما لو آجر دارين إحداهما له، والأخرى لآخر، وذلك لأن المنافع بعد الموت حق لغيره، فلا ينفذ عقده عليها من غير ملك، ولا ولاية بخلاف الطلق، فإن الوارث من جهة الموروث، فلا يملك إلا ما خلف، وما تصرف فيه في

стр. 1083

حياته لا ينتقل إلى الوارث، والمنافع التي آجرها قد خرجت من ملكه بالإجارة، فلا ينتقل إلى الوارث، والبطن الثاني في الوقف يملكون من جهة الواقف، فما حدث منها بعد البطن الأول كان ملكا لهم، فقد صادف تصرف المؤجر ملكهم من غير إذنهم، ولا ولاية له عليهم فلم يصح، ويتخرج أن تبطل الإجارة كلها بناء على تفريق الصفقة، وهذا التفصيل مذهب الشافعي. فعلى هذا إذا كان المؤجر قبض الأجر كله، وقلنا: تنفسخ الإجارة. فلمن انتقل إليه الوقف أخذه، ويرجع المستأجر على ورثة المؤجر بحصته للباقي من الأجرة، وإن قلنا لا تنفسخ، رجع من انتقل إليه الوقف على التركة بحصته. وقال في الإنصاف: يجوز إجارة الوقف، فإن مات المؤجر، فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة في أحد الوجهين، (أحدهما): لا تنفسخ بموت المؤجر، وهو المذهب كناظر الملك، وكملكه الطلق، قاله المصنف وغيره، وصححه جماعة، وقدمه في الفروع وغيره. وقال القاضي في المجرد: هذا قياس المذهب. (والثاني): تنفسخ، جزم به القاضي في خلافه، واختاره ابن عقيل والشيخ تقي الدين وغيرهم. قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وقال ابن رجب: وهو المذهب الصحيح، لأن الطبقة الثانية تستحق العين بمنافعها بانقراض الطبقة الأولى، قلت: وهو الصواب، وهو المذهب. وقال في الفائق: ويتخرج الصحة بعد الموت موقوفة لا لازمة، وهو المختار. انتهى. ومحل الخلاف المتقدم إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، فأما إن كان المؤجر هو الناظر العام أو من شرط له، وكان أجنبيا، لم تنفسخ الإجارة بموته قولا واحدا، قاله الشيخ المصنف والشارح والشيخ تقي الدين وغيرهم. وقال ابن حمدان في رعايته وغيره: ومحل الخلاف إذا آجره مدة

стр. 1084

يعيش فيها غالبا، فأما إن آجره مدة لا يعيش فيها غالبا، فإنها تنفسخ قولا واحدا، وما هو ببعيد. فعلى الوجه الأول من أصل المسألة، يستحق البطن الثاني حصتهم من الأجرة من تركة المؤجر إذا كان قبضها، وإن لم يكن قبضها فعلى المستأجر. وعلى الوجه الثاني، يرجع المستأجر على ورثة المؤجر القابض. قال الشيخ تقي الدين: والذي يتوجه أنه لا يجوز تسليف الأجرة للموقوف عليه؛ لأنه لا يستحق المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها، فالتسليف لهم قبض ما لا يستحقونه بخلاف المالك؛ وعلى هذا فللبطن الثاني أن يطالبوا المستأجر بالأجرة؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر، انتهى كلام صاحب الإنصاف، وفيه بعض تلخيص، والله أعلم. وأما إذا حكم حاكم ممن يجوز له الحكم لكونه أهلا لذلك في هذا العقد المختلف فيه ونحوه، فإنه لا يجوز له نقضه، والله أعلم. [الخلع على مجهول] (المسألة الرابعة عشرة): لو خلع زوجته على نفقة ولده منها، وشرطت إن مات فلا رجوع له، هل يصح الخلع والشرط أو يفسد؟ (فالجواب) وبالله التوفيق: أن الذي يظهر من كلام الأصحاب أن مثل هذا الشرط يصح، لأنهم صححوا الخلع على المجهول، كحمل أمتها، وما تحمل شجرتها، وعلى ما في يدها وهو لا يظهر، وأشباه هذا. قال في الإنصاف: إذا خالعها على ما في يدها من الدراهم، أو ما في بيتها من المتاع، فله ما فيهما، فإن لم يكن فيهما شيء، فله ثلاثة دراهم، وأقل ما يسمى متاعا، قال: وظاهر كلامه إن كان في يدها شيء من الدراهم، فهي له لا يستحق غيرها ولو كان دون ثلاثة دراهم، وهو صحيح، وهو المذهب؛ وقيل يستحق ثلاثة دراهم كاملة. قال: وإن خالعها على حمل أمتها، أو ما تحمل شجرتها، فله ذلك؛

стр. 1085

فإن لم تحملا فقال أحمد: ترضيه بشيء، وهو المذهب. قال القاضي: لا شيء له، وتأول كلام أحمد: ترضيه بشيء، على الاستحباب. انتهى كلامه. فدل على صحة الخلع على المجهول، وهذه الصورة المسؤول عنها غايتها أن يكون بعضها مجهولا، وقد ذكروا أنه يجوز لها أن تخالعه على رضاع ولده عامين، قالوا: فإن مات رجع بأجرة الباقي، ومرادهم بذلك إذا لم تشترط أنه لا يرجع عليها إذا مات، والله أعلم. [تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه] (المسألة الخامسة عشرة): رجل وقف وقفا على اللاعي، وهو الذي يسأل في المساجد، أو عند أبواب المساجد، ومات الموقف، ثم بعد زمان طويل قام ابن الموقف، وقال: لنا قرابة ضعفاء، ويزعم أن مفتيا أفتاه بأنه أحق به، والوقف معين على مسجد الجامع، من تكلم فيه من فقير غريب أو غيره. (فالجواب): أن المشهور عند أكثر الفقهاء من الحنابلة وغيرهم أن مثل هذا لا يجوز صرفه إلى غير من ذكر الواقف إذا كان ذلك في جهة بر. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه باختلاف الزمان، كما لو وقف ذلك على الفقهاء والصوفية، فاحتاج الناس إلى الجهاد، صرف إلى الجند. قال في الإنصاف: يتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة له على الصحيح من المذهب، ونقله الجماعة، وقطع به أكثرهم، وعليه الأصحاب، ثم ذكر كلام الشيخ المتقدم، والله أعلم. [من يثبت له خيار المجلس] (المسألة السادسة عشرة): قول منصور في خيار المجلس بوكالة، أو ولاية في بعض أفرادها مع ما في المغني من ذلك. (فالجواب): أن مراده بذلك أن الذي يتولى طرفي العقد لا يثبت له خيار المجلس، لأنه هو البائع المشتري كالوكيل على بيع سلعة، وشراها

стр. 1086

أو الولي إذا باع ما ولي عليه، فاشتراه من نفسه لنفسه، لأنه يتولى في ذلك طرفي العقد، وعبارة منصور في شرح المنتهى: ويثبت في بيع غير كتابة، فلا خيار فيها تراد للعتق، وغير تولي طرفي عقد في بيع بأن انفرد بالبيع واحد لولاية أو وكالة، فلا خيار له كالشفيع، وغير شراء منه يعتق عليه كرحمة المحرم لعتقه بمجرد انتقال الملك إليه في العقد، أشبه ما لو مات قبل التفرق. قال المنقح: ويعترف بحريته قبل الشراء لأنه استنقاذ لا يشرى حقيقة لاعترافه بحريته، ثم ذكر الصور التي تكون بمعنى البيع ويثبت فيها خيار، كالصلح الذي بمعنى البيع، وكقسمة وهبة بمعنى البيع وإجارة، وما قبضه شرط لصحته كصرف وسلم وربوي بجنسه، والله أعلم. [طهارة الماء المتنجس بالنجاسة بتصفيته] (المسألة السابعة عشرة): الماء المتنجس بالتغيير وهو كثير، إذا حوض وترك حتى صفي، هل يطهر أم لا؟ قياسا على الخمرة إذا انقلبت لقصد التخليل. (الجواب): أن الذي ذكره الفقهاء أن الماء المتنجس بالنجاسة سواء تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه لا يطهر حتى يزول التغير بنزحه أو مكاثرته بالماء أو بزوال تغيره بنفسه إذا كان كثيرا. والكثير عند الحنابلة وغيرهم ما كان قلتين فأكثر. وأما التراب فالمشهور عندهم أنه لا يطهره؛ لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فعن غيره أولى. قال في الفروع: وقيل: بلى، وأطلق في الإيضاح روايتين، وللشافعي قولان. فعلى هذا إذا زال عنه أثر النجاسة بالكلية، ولم يبق فيه لون ولا طعم ولا ريح، فإنه يطهر لزوال النجاسة منه كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلا، وكذلك النجاسة إذا استحالت، والله أعلم. [ائتم مسبوق بمسبوق في الصلاة] (المسألة الثامنة عشرة): مسبوق ائتم بمثله حالة دخولهما مع الإمام،

стр. 1087

وأنه يأتم أحدهما بصاحبه بعد المفارقة أو تكفي بعد السلام؛ لأنه وقت ائتمامه به. (فالجواب): إن هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب أحمد، وبعضهم حكى فيها روايتين. قال في الإنصاف: وإن سبق اثنان ببعض الصلاة، فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما، فعلى وجهين. وحكى بعضهم في الخلاف روايتين، منهم ابن تميم: أحدهما يجوز ذلك، وهو المذهب، قال المصنف والشارح وصاحب الفروع، وغيرهم لما حكوا الخلاف: هذا بناء على الاستخلاف، وتقدم جواز الاستخلاف على الصحيح من المذهب، وجزم بالجواز هنا في الوجيز والإفادات، والمنور، وغيرهم، وصححه في التصحيح والنظم. (والوجه الثاني): لا يجوز، قال المجد في شرحه: هذا منصوص أحمد في رواية صالح، وعنه لا يجوز هنا، وإلا جوزنا الاستخلاف، اختاره المجد في شرحه، وفرق بينهما وبين مسألة الاستخلاف من وجهين انتهى، وفيه بعض تلخيص، والذي يترجح عندنا هو الوجه الأول، سواء نويا ذلك في حال دخولهما مع الإمام، والله أعلم. [تصاف اثنان في الصلاة ثم أتى ثالث ثم ذكر أحدهما أنه كان محدثا] (المسألة التاسعة عشرة): لو تصاف اثنان ثم أتى ثالث، ثم ذكر أحدهما أنه كان محدثا، وانصرف هل تصح صلاة الأول مع الثاني أم لا تصح صلاة الثلاثة؟ (فالجواب): أن ظاهر كلام أصحاب أحمد أن مثل هذا تصح صلاته، لأنه حال المصافة قد جهل حدثه، وقد مضوا على أنه إذا لم يعلم حدثه في

стр. 1088

حال المصافة، وجهله مصافه أيضا أنه لا يكون فذًّا. قال في الإنصاف عند قول المصنف: ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فذ. قال: (تنبيه) مفهوم كلام المصنف أنه إذا لم يعلم حدثه بل جهله، وجهله مصافه أيضا، أنه لا يكون فذا، وهو صحيح، وهو المذهب، نص عليه، وجزم به في الفائق والشرح، وقدمه في الفروع. وقال القاضي: وغيره حكمه حكم جهل المأموم حدث الإمام على ما سبق، والله أعلم. الرسالة الثالثة عشرة وهذه مسائل أخر سئل عنها الشيخ الإمام أحمد بن ناصر ﵀. [اقتتلت فئتان فتفرقوا عن قتيل من أحدهما] (المسألة الأولى) إذا التقى فئتان من المسلمين، ووقع بينهما قتال، وقتل من إحدى الطائفتين رجل، وعلم قاتله بعينه، ورضوا بالدية، فهل تكون الدية على القاتل أم على جميع الطائفة؟ فنقول، وبالله التوفيق: إذا اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة، ونحو ذلك فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى، صرح بذلك في الشرح الكبير والإنصاف والإقناع، والشيخ تقي الدين في السياسة الشرعية. قال في الإنصاف بعد قوله: "وتضمن كل، واحدة ما أتلفته على الأخرى": وهذا بلا خلاف أعلمه، لكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما تهبه كل طائفة تساقطا، كمن جهل الحرام من ماله أخرج نصفه، والباقي له. وقال أيضا: أوجب الأصحاب الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعلم عين المتلف. قال في الإقناع وشرحه: فلو دخل بينهم بصلح، وجهل قاتله ضمناه، وإن علم قاتله من طائفة، وجهل عينه ضمنته وحدها. قال ابن عقيل:

стр. 1089

ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف، أن الزحام والطواف ليس فيه تعد، بخلاف الأول. انتهى. قال مالك في الموطأ في جماعة اقتتلوا، فانكشفوا، وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سمعه في ذلك العقل، وإن عقله على القوم الذين نازعوه، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعا. انتهى. وقال في الشرح الكبير: إذا اقتتلت الفئتان، فتفرقوا عن قتيل من أحدهما، فاللوث على الطائفة الأخرى، ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا يقتله سهام بعضهم بعضا، فاللوث على عاقلة القتيل، وهذا قول الشافعي. وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا، لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه. وعن أحمد في قوم اقتتلوا، فقتل بعضهم وجرح بعض، فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح. انتهى. وقال في الإنصاف بعد ما ذكر نص أحمد هذا: قال الإمام أحمد: قضى به علي، وحمله على من ليس به جرح من دية القتلى شيء فيه وجهان، قال ابن حامد: قلت: الصواب على أنهم يشاركونهم في الدية انتهى. فهذا كلام الفقهاء فيما إذا جهل عين القاتل، وأما إذا علم القاتل، ففيه تعلق الحكم به، فإن كان القتل عمدا، فأولياؤه يخيرون إن شاؤوا اقتصوا، أو إن شاؤوا أخذوا الدية، فإن قبلوا الدية فهو من مال القاتل دون العاقلة، ولا شيء على الطائفة التي هو منها إلا أن يكونوا قطاع الطريق لأنهم ردؤهم ومباشرهم سواء، وكذا إن تواطؤوا على قتله؛ فقتله بعضهم، وأعانه الآخرون

стр. 1090

كالممسك مع القاتل عند مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فتكون الدية على المباشر والمعين؛ لأنهم سواء عند الجمهور، ذكره الشيخ تقي الدين. [قول من ادعي عليه القتل فأقر به وادعى أنه قتله خطأ] (والمسألة الثانية): إذا ادعي على رجل أنه قتل رجلا، فأقر بالقتل، ولكن ادعى أنه قتله خطأ، فهل يقبل قوله أم لا؟ فنقول: إذا لم يكن للمدعي بينة، وعلم القتل، وصار ثبوت القتل بإقرار المدعى عليه، سئل المدعى عليه عن صفة القتل، فإن كان عمد الفعل بما يقتل غالبا على تفصيل الفقهاء في أول كتاب الجنايات، فهذا لا يقبل قوله في دعوى الخطأ لأنه أقر أنه ضربه بما يقتل غالبا. وإن أنكر أن يكون تعمد الفعل بل زعم أنه خطأ محض، وفسره بذلك، فالقول قوله، ولا قصاص عليه، لأن من شرطه أن يكون القتل عمدا محضا، والأصل عدم ذلك؛ وعلى هذا فتكون الدية في ماله دون عاقلته. [شهادة الخصم] (والمسألة الثالثة): إذا اقتتلت طائفتان، وادعت إحداهما بالتعدي من الأخرى، وجاؤوا بالشهود، وادعى المشهود عليهم بأن الشهود من الطائفة المقاتلة لهم، فهل ترد شهادتهم بذلك؟ فنقول: ينظر في حال الشهود، فإن كانوا عدولا، وادعوا أنهم لم يحضروا القتال، ولم يدخلوا معهم، وعلم صدقهم بقرائن الحال، لا ترد شهادتهم بمجرد دعوى الخصوم، لأن الخصم إذا جرح الشاهد العدل لا يقبل قوله فيه إلا ببينة. وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة، أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم، وأنهم من جملتهم، لم يقبلوا، ولم تسمع شهادتهم. ومن صور المسألة: ما جرى بين الوداعين وأهل ميراث، فإن الوادعين زعموا أن معهم البينة على أنهم لم يبدؤوا بقتال، وإنما قتلوا دفعا عن أنفسهم، فلما سألنا عن شهودهم إذا هم من جملتهم الذين غزوا، فقلنا لهم: هؤلاء من جملتكم، وعليهم من الدية بقدر نصيبهم منها، ولا تقبل
следующие страницы →