أو الولي إذا باع ما ولي عليه، فاشتراه من نفسه لنفسه، لأنه يتولى في ذلك طرفي العقد، وعبارة منصور في شرح المنتهى: ويثبت في بيع غير كتابة، فلا خيار فيها تراد للعتق، وغير تولي طرفي عقد في بيع بأن انفرد بالبيع واحد لولاية أو وكالة، فلا خيار له كالشفيع، وغير شراء منه يعتق عليه كرحمة المحرم لعتقه بمجرد انتقال الملك إليه في العقد، أشبه ما لو مات قبل التفرق. قال المنقح: ويعترف بحريته قبل الشراء لأنه استنقاذ لا يشرى حقيقة لاعترافه بحريته، ثم ذكر الصور التي تكون بمعنى البيع ويثبت فيها خيار، كالصلح الذي بمعنى البيع، وكقسمة وهبة بمعنى البيع وإجارة، وما قبضه شرط لصحته كصرف وسلم وربوي بجنسه، والله أعلم.
[طهارة الماء المتنجس بالنجاسة بتصفيته]
(المسألة السابعة عشرة): الماء المتنجس بالتغيير وهو كثير، إذا حوض وترك حتى صفي، هل يطهر أم لا؟ قياسا على الخمرة إذا انقلبت لقصد التخليل.
(الجواب): أن الذي ذكره الفقهاء أن الماء المتنجس بالنجاسة سواء تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه لا يطهر حتى يزول التغير بنزحه أو مكاثرته بالماء أو بزوال تغيره بنفسه إذا كان كثيرا. والكثير عند الحنابلة وغيرهم ما كان قلتين فأكثر. وأما التراب فالمشهور عندهم أنه لا يطهره؛ لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فعن غيره أولى. قال في الفروع: وقيل: بلى، وأطلق في الإيضاح روايتين، وللشافعي قولان. فعلى هذا إذا زال عنه أثر النجاسة بالكلية، ولم يبق فيه لون ولا طعم ولا ريح، فإنه يطهر لزوال النجاسة منه كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلا، وكذلك النجاسة إذا استحالت، والله أعلم.
[ائتم مسبوق بمسبوق في الصلاة]
(المسألة الثامنة عشرة): مسبوق ائتم بمثله حالة دخولهما مع الإمام،
стр. 1087
وأنه يأتم أحدهما بصاحبه بعد المفارقة أو تكفي بعد السلام؛ لأنه وقت ائتمامه به.
(فالجواب):
إن هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب أحمد، وبعضهم حكى فيها روايتين. قال في الإنصاف: وإن سبق اثنان ببعض الصلاة، فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما، فعلى وجهين. وحكى بعضهم في الخلاف روايتين، منهم ابن تميم: أحدهما يجوز ذلك، وهو المذهب، قال المصنف والشارح وصاحب الفروع، وغيرهم لما حكوا الخلاف: هذا بناء على الاستخلاف، وتقدم جواز الاستخلاف على الصحيح من المذهب، وجزم بالجواز هنا في الوجيز والإفادات، والمنور، وغيرهم، وصححه في التصحيح والنظم.
(والوجه الثاني): لا يجوز، قال المجد في شرحه: هذا منصوص أحمد في رواية صالح، وعنه لا يجوز هنا، وإلا جوزنا الاستخلاف، اختاره المجد في شرحه، وفرق بينهما وبين مسألة الاستخلاف من وجهين انتهى، وفيه بعض تلخيص، والذي يترجح عندنا هو الوجه الأول، سواء نويا ذلك في حال دخولهما مع الإمام، والله أعلم.
[تصاف اثنان في الصلاة ثم أتى ثالث ثم ذكر أحدهما أنه كان محدثا]
(المسألة التاسعة عشرة): لو تصاف اثنان ثم أتى ثالث، ثم ذكر أحدهما أنه كان محدثا، وانصرف هل تصح صلاة الأول مع الثاني أم لا تصح صلاة الثلاثة؟
(فالجواب): أن ظاهر كلام أصحاب أحمد أن مثل هذا تصح صلاته، لأنه حال المصافة قد جهل حدثه، وقد مضوا على أنه إذا لم يعلم حدثه في
стр. 1088
حال المصافة، وجهله مصافه أيضا أنه لا يكون فذًّا. قال في الإنصاف عند قول المصنف: ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فذ.
قال: (تنبيه) مفهوم كلام المصنف أنه إذا لم يعلم حدثه بل جهله، وجهله مصافه أيضا، أنه لا يكون فذا، وهو صحيح، وهو المذهب، نص عليه، وجزم به في الفائق والشرح، وقدمه في الفروع. وقال القاضي: وغيره حكمه حكم جهل المأموم حدث الإمام على ما سبق، والله أعلم.
الرسالة الثالثة عشرة
وهذه مسائل أخر سئل عنها الشيخ الإمام أحمد بن ناصر ﵀.
[اقتتلت فئتان فتفرقوا عن قتيل من أحدهما]
(المسألة الأولى) إذا التقى فئتان من المسلمين، ووقع بينهما قتال، وقتل من إحدى الطائفتين رجل، وعلم قاتله بعينه، ورضوا بالدية، فهل تكون الدية على القاتل أم على جميع الطائفة؟
فنقول، وبالله التوفيق: إذا اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة، ونحو ذلك فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى، صرح بذلك في الشرح الكبير والإنصاف والإقناع، والشيخ تقي الدين في السياسة الشرعية. قال في الإنصاف بعد قوله: "وتضمن كل، واحدة ما أتلفته على الأخرى": وهذا بلا خلاف أعلمه، لكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما تهبه كل طائفة تساقطا، كمن جهل الحرام من ماله أخرج نصفه، والباقي له.
وقال أيضا: أوجب الأصحاب الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعلم عين المتلف. قال في الإقناع وشرحه: فلو دخل بينهم بصلح، وجهل قاتله ضمناه، وإن علم قاتله من طائفة، وجهل عينه ضمنته وحدها. قال ابن عقيل:
стр. 1089
ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف، أن الزحام والطواف ليس فيه تعد، بخلاف الأول. انتهى.
قال مالك في الموطأ في جماعة اقتتلوا، فانكشفوا، وبينهم قتيل أو جريح لا يدرى من فعل ذلك به: إن أحسن ما سمعه في ذلك العقل، وإن عقله على القوم الذين نازعوه، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعا. انتهى. وقال في الشرح الكبير: إذا اقتتلت الفئتان، فتفرقوا عن قتيل من أحدهما، فاللوث على الطائفة الأخرى، ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا يقتله سهام بعضهم بعضا، فاللوث على عاقلة القتيل، وهذا قول الشافعي. وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا، لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه.
وعن أحمد في قوم اقتتلوا، فقتل بعضهم وجرح بعض، فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح. انتهى.
وقال في الإنصاف بعد ما ذكر نص أحمد هذا: قال الإمام أحمد: قضى به علي، وحمله على من ليس به جرح من دية القتلى شيء فيه وجهان، قال ابن حامد: قلت: الصواب على أنهم يشاركونهم في الدية انتهى.
فهذا كلام الفقهاء فيما إذا جهل عين القاتل، وأما إذا علم القاتل، ففيه تعلق الحكم به، فإن كان القتل عمدا، فأولياؤه يخيرون إن شاؤوا اقتصوا، أو إن شاؤوا أخذوا الدية، فإن قبلوا الدية فهو من مال القاتل دون العاقلة، ولا شيء على الطائفة التي هو منها إلا أن يكونوا قطاع الطريق لأنهم ردؤهم ومباشرهم سواء، وكذا إن تواطؤوا على قتله؛ فقتله بعضهم، وأعانه الآخرون
стр. 1090
كالممسك مع القاتل عند مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فتكون الدية على المباشر والمعين؛ لأنهم سواء عند الجمهور، ذكره الشيخ تقي الدين.
[قول من ادعي عليه القتل فأقر به وادعى أنه قتله خطأ]
(والمسألة الثانية): إذا ادعي على رجل أنه قتل رجلا، فأقر بالقتل، ولكن ادعى أنه قتله خطأ، فهل يقبل قوله أم لا؟ فنقول: إذا لم يكن للمدعي بينة، وعلم القتل، وصار ثبوت القتل بإقرار المدعى عليه، سئل المدعى عليه عن صفة القتل، فإن كان عمد الفعل بما يقتل غالبا على تفصيل الفقهاء في أول كتاب الجنايات، فهذا لا يقبل قوله في دعوى الخطأ لأنه أقر أنه ضربه بما يقتل غالبا. وإن أنكر أن يكون تعمد الفعل بل زعم أنه خطأ محض، وفسره بذلك، فالقول قوله، ولا قصاص عليه، لأن من شرطه أن يكون القتل عمدا محضا، والأصل عدم ذلك؛ وعلى هذا فتكون الدية في ماله دون عاقلته.
[شهادة الخصم]
(والمسألة الثالثة): إذا اقتتلت طائفتان، وادعت إحداهما بالتعدي من الأخرى، وجاؤوا بالشهود، وادعى المشهود عليهم بأن الشهود من الطائفة المقاتلة لهم، فهل ترد شهادتهم بذلك؟
فنقول: ينظر في حال الشهود، فإن كانوا عدولا، وادعوا أنهم لم يحضروا القتال، ولم يدخلوا معهم، وعلم صدقهم بقرائن الحال، لا ترد شهادتهم بمجرد دعوى الخصوم، لأن الخصم إذا جرح الشاهد العدل لا يقبل قوله فيه إلا ببينة. وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة، أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم، وأنهم من جملتهم، لم يقبلوا، ولم تسمع شهادتهم.
ومن صور المسألة: ما جرى بين الوداعين وأهل ميراث، فإن الوادعين زعموا أن معهم البينة على أنهم لم يبدؤوا بقتال، وإنما قتلوا دفعا عن أنفسهم، فلما سألنا عن شهودهم إذا هم من جملتهم الذين غزوا، فقلنا لهم: هؤلاء من جملتكم، وعليهم من الدية بقدر نصيبهم منها، ولا تقبل
стр. 1091
شهادتهم بأنهم يدفعون بها عن أنفسهم. والمسألة واضحة في كلام العلماء، لا تحتاج إلى نقل عبارات الفقهاء، والله أعلم.
[إرضاع المطلقة ولدها بأجرة]
(والمسألة الرابعة): إذا أرضعت امرأة مطلقة ولدها، ولم يجر بينها وبين الأب مشارطة على الرضاع، ولكنها نوت الرجوع عليه، وأشهدت على أنها محتسبة عليه، فهل لها ذلك؟ أم لا يثبت لها أجرة إلا بالمشارطة بينها وبين الأب؟
فنقول: قد ذكر الفقهاء أن الأم أحق برضاع ولدها إذا طلبت ذلك بأجرة مثلها، ولكن اختلفوا هل لها ذلك إذا كانت في حبال الزوج أم لا؟ وأما إذا كانت مطلقة فهي أحق برضاعه، وإن طلبت أجرة مثلها، ولو مع وجود متبرعة غيرها، واستدل صاحب الشرح بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ١ فقدمهن على غيرهن، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٢. وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجرة مثلها، فما ذكرنا من الآيتين، ولأن الأم أحنى وأشفق، ولبنها امرأ من لبن غيرها، فكانت أحق به من غيرها، كما لو طلبت الأجنبية إرضاعه بأجرة مثلها، ولأن في إرضاع غيرها تفويتا لحق من الحضانة، وإضرارا بالولد، ولا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب والإضرار بالولد لغرض إسقاط حق أوجبه الله على الأب. انتهى.
فإذا عرفت أنها أحق بإرضاعه بأجرة المثل، ولو وجد الأب متبرعة تبين لك أن لها الرجوع بالأجرة على الأب إذا نوت ذلك، وأشهدت عليه، وإن لم تشارط الأب؛ لأن غاية ما يقال: لعل الأب يجد متبرعة أو يجد من يرضعه بدون أجرة المثل، فيقال في جواب ذلك: الأم أحق به، ولو حصل من يتبرع برضاعه، فحينئذ لا تأثير لكونها تشارط أو لا تشارط لأنها متى
стр. 1092
أرضعته وطلبت أجرة مثلها لزم الأب ذلك، إلا أن تكون أرضعته متبرعة برضاع ابنها، ولو تنوي الرجوع على الأب، فلا شيء لها، والله أعلم.
[منيحة الناقة]
(المسألة الخامسة): هل منيحة الناقة ونحوها كالعارية، والقول فيهما سواء؟
فيقال: المنيحة عارية لأنه قبضها للانتفاع بلبنها، فهو قابض بحظ نفسه، وللمعير الرجوع في العارية متى شاء. فإن تلفت عند المستعير، فهل هي مضمونة بكل حال كما هو المشهور عن أحمد والشافعي، أم لا تضمن مطلقا كما هو المشهور عن مالك وأبي حنيفة، وهو اختيار ابن القيم في الهدي؟ أم لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها، كما هو اختيار الشيخ؟ ولا يخفى الراجح عند التأمل، وبالله التوفيق، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وقع ذلك سنة ١٢٢٥ هجرية.
﴿تمت والحمد لله﴾
стр. 1093
القسم الثاني
رسائل وفتاوى
العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين
المتوفى سنة ١٢٨٢
رحمه الله تعالى
طبع بأمر جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها
عبد العزيز آل سعود
أيده الله تعالى
الطبعة الأولى في سنة ١٣٤٥
مطبعة المنار بمصر
стр. 1094
رسائل وفتاوى العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين
...
[الرسالة الأولى: مذهب أهل السنة في كلام الله تعالى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وعليه نتوكل
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فقد جرت مناظرة بيننا وبينكم في كلام الله -تعالى-، هل هو مخلوق أم لا؟ فذكرت أن اختياركم الوقف، فلا تقولون مخلوق، ولا غير مخلوق، وزعمت أن الخلاف في ذلك لفظي.
فأما قولكم: إن الخلاف في ذلك لفظي، فليس الأمر كذلك، وإنما يقال: الخلاف لفظي بين المعتزلة والأشاعرة، لأن المعتزلة يقولون كلام الله مخلوق، والأشاعرة يقولون ليس بمخلوق، والكلام عندهم المعنى، ويقولون الحروف مخلوقة، فقالت المعتزلة لا خلاف بيننا، وبينكم، لأن الكلام هو الحروف؛ فإذا أقررتم بأن الحروف مخلوقة ارتفع النزاع، فيكون الخلاف بين الفريقين لفظيا.
وأما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو مخالف للمذهبين خلافا معنويا لأنهم يقولون كلام الله غير مخلوق، والكلام عندهم اسم للحروف والمعاني، فتبين بذلك غلط من قال: إن الخلاف في ذلك لفظي. ومذهب أهل التوحيد والسنة أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن القرآن كلام الله حروفه
стр. 1095
ومعانيه، وأن موسى سمع كلام الله منه بلا واسطة. والقرآن والسنة يدلان على ذلك دلالة صريحة، ولله الحمد والمنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢، ففرق بين الإيحاء المشترك وبين التكليم الخاص، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٦، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٩ والآيات في ذلك كثيرة.
وأما السنة فأكثر من أن تحصى، منها أمره ﷺ بالاستعاذة بكلمات الله في عدة أحاديث، وقوله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان"١٠. فمن قال إن الله لا يتكلم، فقد رد على الله ورسوله، وكفره ظاهر.
[وقوع المجاز في القرآن]
وقد ذكرتم أن العرب يضيفون الفعل إلى غير الفاعل، فهذا لا ينكر، أعني وجود المجاز في لغة العرب، وأما وقوع المجاز في القرآن، ففيه خلاف بين الفقهاء حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أن أكثر الأئمة لم يقولوا: إن في القرآن مجازا، ورد القول بوجود ذلك في القرآن، واستدل له بأدلة كثيرة. وعلى تقدير جواز وجوده في القرآن، فمن المعلوم أنه لا يجوز
стр. 1096
صرف الكلام عن حقيقته حتى تجمع الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك؛ ولو ساغ ادعاء المجاز لكل أحد ما ثبت شيء من العبادات، ولبطلت العقود كلها كالأنكحة والطلاق والأقارير وغيرها، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. وأيضا فالكلام إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ، وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه، وأنه اللائق بحكمته، لم يشك السامع في أن مراده هو ما دل عليه ظاهر كلامه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناء كلام له*: ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز، فلا بد أن يقرن لخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما أنزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه أو مقتضاه، كان عليه أن يقرن لخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرده، لا سيما إذا كان لا يجوز اعتقاده في الله، فإنه عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده، وإذا كان ذلك مخوفا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة هو اعتقاد باطل - إلى أن قال: وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه. انتهى.
[تكلم الله تعالى حقيقة لا مجاز]
وأيضا فالأدلة الدالة على أن الله يتكلم حقيقة أكثر من أن يمكن ذكرها هاهنا، منها أن الله -سبحانه- فرق بين الإيحاء المشترك بين الأنبياء وبين التكليم الخاص لموسى فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
стр. 1097
نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢. فلو لم يكن موسى سمع كلام الله منه بلا واسطة لم يكن له مزية على غيره من الرسل، ولم يكن في تخصيصه بالتكليم فائدة، ولم يسم كليم الله. وقد قال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٣، وأيضا فقد قال الفراء: إن الكلام إذا أكد بالمصدر ارتفع المجاز، وثبتت الحقيقة، وقد أكد الفعل بالمصدر في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ٥، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ٦، وقال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ ٨ الآية. ففي هذا ونحوه دلالة صريحة أن الله كلم موسى، وناداه بنفسه بلا واسطة، وموسى سمع كلام الله، ونداءه، لأنه لا يجوز لغير الله أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٩.
وقد ذكر الإمام أحمد ﵁ في كتاب الرد على الجهمية: عن الزهري قال: لما سمع موسى كلام الله قال: يا رب هذا الكلام الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى، هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك بقدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت. فلما رجع موسى إلى قومه قالوا: صف لنا كلام ربك. فقال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله.
وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة قال: حدثني محمد بن بكار قال: أخبرنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: قال بنو إسرائيل لموسى:
стр. 1098
بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع، وأيضًا في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال: رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار، ولو بشق تمرة، فليفعل"١.
وروى جابر بن عبد الله، قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام قال رسول الله ﷺ : "يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى. قال: وما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا قال: يا عبد الله تمنَّ علي أعطك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ".
رواه ابن ماجه، وغيره. ففي هذين الحديثين ما يبطل دعوى مدعي المجاز، ويدحض حجته، ويرغم أنفه، وقال النبي ﷺ : "ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه"٢ يعني القرآن، وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه! تقرب إلى الله بما استطعت، فلن تتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه. وقال أبو بكر الصديق ﵁ لما قرئ عليه قرآن مسيلمة الكذاب فقال: إن هذا كلام لم يخرج من إلٍّ، يعني رب. فوضح بما ذكرناه أن الله يتكلم حقيقة، وأن من ادعى المجاز بعد هذا البيان، فقد شاق الله ورسوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
стр. 1099
فصل
[في شبه المعتزلة في نفي كلام الله تعالى]
وقد ذكرتم ما استدل به بعض المعتزلة على أن كلام الله مخلوق، وهو قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ ١، ولا يشك من له عقل أن مَنْ دل الخلق على أن كلام الله مخلوق بقوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ ٢، لقد أبعد النَّجْعة، هو إما مُلْغِز وإما مُدَلِّس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين، وقد قال تعالى-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ٣.
وقال النبي ﷺ : "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"٤، مع أنه ليس في هذه الآية شبهة لمن احتج بها، فلله الحمد والمنة، ولا يشبِّه بها إلا مَنْ أزاغ الله قلبه على رعاع الناس، نسأل الله العافية. وقلتم الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضا، فيلزم أن تكون مخلوقة. قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج، والله -سبحانه- غير موصوف بذلك.
وأيضا فواجب على كل مكلَّف التسليم لما جاء في الكتاب والسنة، ولا يعارضه بزخارف المبطلين وهذيان الملحدين، قال-تعالى-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٥. فَمِنَ الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
стр. 1100
فصل
[في مذهب السلف الصالح في خلق القرآن]
وقلتم: إن القول بأن القرآن غير مخلوق لم يقله السلف، وإن عدم القول بذلك هو الصواب، وإنه هو اعتقادكم فلا تقولون: مخلوق ولا غير مخلوق.
فأما قولكم: إن هذا القول لم يقله السلف، فلا ندري مَنْ تعني بالسلف عندكم. فإن كان يعني بالسلف عندكم جَعْدًا، وجَهْمًا، وابن أبي دؤاد وأتباعهم كأبي علي الجبائي وأبي هاشم، وأتباعهم من الجهمية والمعتزلة، فصدقتم بأن هؤلاء لم يقولوا هذه المقالة، وإنما قالوا القرآن مخلوق، وبُعْدًا لمن كان هؤلاء سلفه، واستبدل سبيلهم بسبيل النبي ﷺ وصحابته!
وما عَوَّضَ لنا مِنْهَاج جَهْم ... بمنهاج ابن آمنة الأمين
وإن كان يعني بالسلف عندكم: الصحابة، والتابعين، وأئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة الذين رفع الله قدرهم، وأعلى منزلتهم، الذين هم سلف الأمة حقا، فأخطأتم في نسبة عدم القول بذلك إليهم، فإنهم كلهم مجمعون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
قال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله، منه بدا، وإليه يعود.
ذُكر هذا الكلام عن علي الشيخ الحافظ عبد الغني المقدسي، وذكر -أيضا- عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس أنهما قالا: القرآن كلام الله منه بدا، وإليه يعود.
فقولهم ﵃: "منه بدا" أي: هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهمية: "إنه خُلِق في الهواء"، أو غيره، أو بدا من عند غيره. وأما "إليه يعود": فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف
стр. 1101
والصدور، فلا يبقى منه في الصدور كلمة، ولا في المصاحف منه حرف. وقال سفيان بن عُيَيْنَة سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: "القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود". رواه محمد بن جرير، وهِبَةُ الله بن الحسن الطبريان في كتاب "السُّنة" لهما.
وقد أدرك عمرو بن دينار أبا هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ .
فهذا يدل على شهرة القول بذلك في زمن الصحابة الذين أدركهم عمرو بن دينار، وعلى شهرته عند التابعين، وأنهم كلهم على ذلك. وقال البخاري: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: "القرآن كلام الله غير مخلوق". فعمرو بن دينار حكاه عن مشيخته، والناس، وسفيان حكاه -أيضا- عن مشيخته؛ فهذا صريح في الدلالة على اشتهار هذا القول في القرون التي أثنى عليها النبي ﷺ . وكلام أئمة الإسلام في ذلك أكثر من أن يمكن ذكره هنا، كأبي حنيفة ومالك، والأوزاعي والليث، والثوري والشافعي، وابن المبارك وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، والبخاري، وغيرهم من أئمة الحديث، وكلهم على ذلك مُجْمِعُون، ولكتاب ربهم وسنة نبيهم متبعون، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك.
قال الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم سألت أبي، وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازا، وعراقا، ومصرا، وشاما، ويمنا، فكان في مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله، غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله، وأن الله
стр. 1102
-تعالى- على عرشه بائن مِنْ خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كَيْفٍ، أحاط بكل شيء علما ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقد ذكرتم أن بعض السلف قال بخلق القرآن، كابن المديني، فلا شك أن ابن المديني، وابن معين وغيرهما من أئمة الحديث أجابوا في المحنة كرها، واعتذروا بالإكراه لمّا عاب عليهم الأئمة، وهجرهم الإمام أحمد، ولم يعذرهم.
واحتج عليه ابن معين بعمار ﵁ حين أكرهه أهل مكة على كلام الكفر، ورد عليه أحمد بأن قال: إن عمارا ضُرِب، وأنتم قيل لكم: نريد أن نضربكم. ومن المعلوم أنه لم يثبت في المحنة إلا القليل، والأكثرون أجابوا مُكرَهين.
ومَن نسب القول بذلك إلى ابن المديني، أو غيره مِن أهل الحديث بعد تصريحهم بأنهم إنما أجابوا كرها فقد قال ما لا يعلم، ونسب إليهم ما هم براء منه. وذكرتم أن ابن علية قال بذلك، فهذا لا يُنكَر، وابن علية معروف عند أهل السنة بالبدعة، وكلام الأئمة في ذمه كثير، والبخاري وإن روى عنه، فهو عنده من أهل البدع.
وقد روى البخاري عن غيره من أهل البدع، لأن الرجل إذا عُرِفَ منه الصدق والإتقان لما روى، جازت الروايةعنه، ولا يخرجه ذلك عن كونه مبتدعا. قال البيهقي في "مناقبه": ذكر الشافعي إبراهيم بن علية فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول، أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب، وذلك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما ما أسمعه موسى من وراء حجاب.
وأما قولكم: إن الصواب في هذه المسألة الوقف، وإنه هو اعتقادكم، لا تقولون: مخلوق، ولا غير مخلوق.
فمضمون هذه المقالة أن الله يحب منا أن نقف موقف الحيارى الشاكين، ونبقى في الجهل البسيط، لا نعرف الحق
стр. 1103
من الباطل، ولا الهدى من الضلال ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ١، وأن الله يحب عدم العلم بما جاء به الرسول ﷺ ، ويحب منا الحيرة والشك.
ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين، وقد ذم الله الحيرة بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ ٢.
ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون كلام الله في نفس الأمر مخلوقا، أو غير مخلوق، لا غير، وأن النبي ﷺ كان يعتقد أحد الأمرين لا غير.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يكون الرسول ﷺ قد دل أمته على ما يعتقدونه من ذلك، قال ﷺ : "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"٣، وقال فيما صح عنه أيضا: "ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم"٤، وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما.
محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب.
فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، وقد أخبر النبي ﷺ بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة
стр. 1104
فقد علم ما سيكون، ثم قال: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله"١. فالرب عالم بما سيقع من التنازع، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢، ومن المحال أن يأمرهم برد ما تنازعوا فيه إلى ما لا يفصل النزاع، ويبين الحق من الباطل، وقد أمرنا الله -سبحانه- أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٣.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقول إذا قام من الليل يصلي: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"٤.
فهو يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عَدِمَ الهدى في مسائل الخلاف، وقد قال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ٥، وأيضا فالشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين.
غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات يسكت، فأما مَن علم الحق بدليله الموافق لبيان رسول -الله ﷺ فليس للواقف الشاك الحائر أن ينكر على هذا العالم المتبع للرسول، العالم بالمنقول والمعقول.
قال الإمام أحمد ﵀: مَن لم يقل: القرآن كلام الله، غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، والأمر كما قال ﵀.
فإنا نجد بعض من يقول بالوقف يعيب على من ينفي الخلق عن كلام الله، ويحتج عليه بحجج القائلين بالخلق، كما أوردتم شيئا من ذلك، وعبتم على الإمام أحمد ﵀ في كلامه في هذه المسألة قلتم: إن أحمد جعل هذه المسألة عديلة التوحيد. قلتم ذلك اتباعا لمن استوفى نصيبه
стр. 1105
من الحمق والجهل صاحب الكتاب المسمى "بالعلم الشامخ"، وقد عاب في كتابه ذلك على الإمام أحمد، ونسبه إلى التعصب، وطعن -أيضا- على غيره من أئمة الحديث وأهل السنة، ولقد أحسن القائل:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
فلو أن هذا المسكين أمسك لسانه عن تَنَقُّصِ أئمة الإسلام لكان أستر له، وهو لم يضر إلا نفسه، لا يضرهم كلامه كما قيل:
وهل حط قدر البدر عند طلوعه ... كلاب إذا ما أنكرته فهرَّت
وما إن يضر البحر أن قام أحمق ... على شطه يرمي إليه بصخرة
والذي ينبغي لهذا وأمثاله إذ هجمت بهم ذنونهم عن استبانة الحق، أن يمسكوا ألسنتهم عن عيب أهل السنة، والطعن عليهم، ويلجؤوا إلى الله في سؤال الهداية.
نسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فصل
[ليس اللسان والفم شرطا في الكلام]
وقد ذكرتم قول الجهمية: إن موسى لم يسمع كلام الله منه، إنما سمعه من غيره، من الشجرة أو غيرها؛ لأن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم، ولسان وشفتين.
فأما قولكم: إن موسى لم يسمع كلام الله منه حقيقة، وإنما سمعه من غيره فهذا ظاهر البطلان، لأنه لا يجوز لغير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢.
فمن زعم ذلك، فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية
стр. 1106
والإلهية، ولو كان كما زعم القائل أن المخاطِب لموسى غير الله، كان يقول ذلك المخاطِب: يا موسى إن الله رب العالمين، يا موسى الله ربك، لا يجوز له أن يقول: إني أنا الله رب العالمين، إني أنا ربك، وهذا مما احتج به الإمام أحمد على الجهمية، فيا له من بيانٍ ما أوضحه! وحجةٍ ما أقطعها للمنازع!
وأما قولكم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم ولسان وشفتين، فهذا باطل، لأن الله -تعالى- قال للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١، أتُراها قالت بفم ولسان وشفتين؟! والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢، أتراها نطقت بلسان وأدوات؟! وقال: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣ أتراها تكلمت بجوف وفم، ولسان وشفتين؟! ولكن الله أنطقها كيف شاء، فكذلك تكلم الله كيف شاء، من غير أن نقول: بجوف ولا فم، ولا لسان ولا شفتين، وقال النبي ﷺ : "إني لأعرف حجرا كان يسلم عليَّ"٤ وسبح الحصى في كف رسول الله ﷺ وكف أبي بكر وعمر، وعثمان، وقال ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وجاء أن في آخر الزمان يكلم الرجل سوطه، ونحو ذلك كثير.
ولا خلاف في أن الله قادر على أن ينطق الحجر الأصم من غير مخارج، فبطل ما ادعوه من أن الحروف لا تكون إلا من مخارج.
ومن الدليل على اتصاف الله بالكلام حقيقة قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ٥، نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم ولا يهدي، لا يصلح أن يكون إلها، وكذلك قوله -تعالى- في الآية الأخرى عن العجل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ
стр. 1107
إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ١.
فجعل امتناع صفة الكلام والتكلم، وعدم ملك الضر والنفع، دليلا على عدم الإلهية، وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم، ويملك لعابده الضر والنفع، وإلا لم يكن إلها. ومما استدل به أحمد وغيره من الأئمة على أن كلام الله غير مخلوق قوله -تعالى-: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٢.
قالوا: فلما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بمخلوق، فقال: ﴿وَالأَمْرُ﴾. وأمْرُه هو: قولُه ﵎، فلا يكون خلقا. واستدل الإمام أحمد ﵀ أيضا على الجهمية لمَّا قالوا: "إن كلام الله مخلوق". فقال: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فشبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق.
ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم فتكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما، فجمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة!
ومما يبين أن السلف كانوا يعتقدون أن كلام الله غير مخلوق، أنهم أوجبوا الكفارة على من حلف بالقرآن إذا حنث في يمينه، وقال بعض الصحابة: عليه بكل آية كفارة، سمع ابن مسعود رجلا يحلف بالقرآن، فقال: أتراه مُكَفِّرا؟ إن عليه بكل آية كفارة.
وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الحلف بالمخلوق، ولا تنعقد به اليمين، فلو كان القرآن مخلوقا عندهم لم يجيزوا الحلف به، ولم يوجبوا على الحالف به إذا حنث كفارة، لأنه حلف بشيء مخلوق.
وأيضا من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن اسم الله في القرآن مخلوق، فيلزمه أن من حلف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق.
قال الإمام أحمد
стр. 1108
في كتاب "الرد على الجهمية": وزعمتَ أن اسم الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم ما كان اسمه. قالوا: لم يكن له اسم. فقلنا: قبل أن يخلق العلم، أكان جاهلا لا يعلم حتى خلق لنفسه علما، وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورا، وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة. فعلم الخبيث أن الله قد فضحه، وأبدى عورته للناس حين زعم أن الله -سبحانه- في القرآن، إنما هو اسم مخلوق.
فقلنا للجهمي: لو أن رجلا حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذبا، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق، ولم يحلف بالخالق؛ ففضحه الله في هذه.
وقلنا للجهمي: أليس النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء من بعدهم، والقضاة والحكام، إنما كانوا يُحَلِّفُونَ الناس بالله الذي لا إله إلا هو، وكانوا مخطئين في مذهبكم؟! إنما كان ينبغي للنبي ﷺ ولمن بعده في مذهبكم أن يحلفوا بالذي اسمه الله، وإذا أرادوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، قالوا: لا إله إلا الذي خلق الله، وإلا لم يصح توحيدهم، ففضحه الله لما ادعى على الله الكذب.
وأيضا فقد ثبت عن النبي ﷺ الاستعاذة بكلمات الله، وأرشد الأمة إلى ذلك، فقال فيما ثبت في صحيح مسلم، عن خولة بنت حكيم: "من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك"١.
ففي هذا دليل صريح على أن كلام الله غير مخلوق، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، والنبي ﷺ أبعد الناس عن الشرك.
стр. 1109
فصل
[أدلة كون كلام الله بصوت وحرف]
وقد ذكرنا فيما تقدم أن مذهب أهل السنة أن الله يتكلم بحرف وصوت، فيصفون الله بالصوت، والصوت هو ما يتأتى سماعه، والقرآن والسنة يدلان على أن الله يتكلم بصوت، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ﴾ ١ الآية، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٢ إلى قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ٤، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ ٥، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ٦.
والنداء لا يكون إلا بصوت، فدل على أنه كلمه بصوت، وموسى لم يسمع إلا الحرف، والصوت هذا مما يُعلم بالاضطرار، وقال -تعالى-: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٧ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٨ وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ ٩ الآية. والآيات في ذلك كثيرة.
وأما السنة، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار. الحديث"١٠.
وروى عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة -وأشار بيده إلى الشام- عُرَاةً غُرْلا بُهْما، قال: قلت: ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء. فيناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه مَنْ قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد
стр. 1110
من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة. ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه. قالوا: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا. قال: بالحسنات والسيئات" رواه أحمد وجماعة من الأئمة.
وقال عبد الله بن أحمد، سألت أبي فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال كذبوا، إنما يدورون على التعطيل. ثم قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، ثنا سليمان بن مهران الأعمش قال: ثنا أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله، قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرون سُجَّدا، حتى إذا فزع عن قلوبهم قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهلُ السماء أهلَ السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال كذا وكذا. ذكره عبد الله في كتاب السنة بهذا الإسناد، ورواه أبو بكر الخلال.
وروى ابن أبي حاتم في "الرد على الجهمية"، قال: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: إن الله ﵎-إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماوات له صوتا كصوت الحديد إذا وقع على الصفا، فيخرون له سُجَّدًا. فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير.
وقد قدمنا ما حكاه الإمام أحمد عن الزهري، قال: لما سمع موسى كلام الله، قال: يا رب هذا الكلام الذي سمعته هو كلامك؟ قال: يا موسى هو كلامي .. إلى أن قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا صف لنا كلام ربك. قال: سبحان الله! وهل أستطيع أن أصفه لكم! قالوا: فَشَبِّهْهُ. قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله.
وتقدم -أيضا- ما رواه عبد الله بن أحمد، عن محمد بن كعب قال: قال
стр. 1111
بنو إسرائيل لموسى: بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع.
وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الله هدايته ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ١.
وذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الفقيه نجم الدين الحنبلي، قال: كنت يوما عند القاضي فتناظروا في مسألة القرآن، وعندنا طرحان الضرير، فقال لنا: اسمعوا مني حكاية. قلنا: هات. قال: تناظر أشْعَرِي وحنبلي، فقال الأشعري للحنبلي: أخبرني إذا وقفك الله غدا بين يديه، فقال لك: من أين قلت إن كلامي بحرف وصوت؟ فماذ يكون جوابك؟ فقال الحنبلي: أقول يا رب، هو ذا أنا أسمع كلامك بحرف وصوت، قال: ثم سكت، فلم يرد هذا شيئا، فبهت القاضي، ولم يدر ما يقول، وانقطع الكلام على هذا.
واحتج مَنْ ينفي الصوت، بأن قال: الصوت إنما هو أنين جِرمين، والله -سبحانه- متقدس عن ذلك.
(والجواب): أن يُقَالَ: فهذا قياس منكم لله على خلقه، وتشبيه له بعباده، والله -تعالى- لا يُقَاسُ على مخلوقاته، ولا يشبه بمصنوعاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
وأيضا فإنه يلزمهم سائر الصفات التي أثبتوها، فإن العلم في حقنا لا يكون إلا من قلب، والنظر لا يكون إلا من حدقة، والسمع لا يكون إلا من انخراق، والحياة لا تكون إلا في جسم، والله -تعالى- يُوصَف بهذه الصفات، من غير أن يوصف بهذه الأدوات، فكذلك الصوت، وإلا فما الفرق؟
واتفق سلف الأمة، وأئمتها على أن القرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله تعالى، فالصوت المسموع صوت القارئ، والكلام كلام الباري، فهم يميزون ما قام بالعبد، وما قام بالرب ﵎.
ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد، ولا مِدَادَ المصاحف قديم، مع اتفاقهم أن
стр. 1112
المثبت بين لَوْحَيِ المصحف كلام الله، وقد قال النبي ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم"١. فالكلام الذي يقرأه المسلمون كلام الله، والأصوات التي يقرؤونها بها أصواتهم، فالكلام شيء، والصوت شيء آخر. هذا مما لا يخفى على من لم يرسخ التعطيل في قلبه. ثم ليعلم أن معتمدنا في إثبات الصفات على الكتاب والسنة، فمهما جاء فيهما، فهو الحق والصدق، لا يجوز التعريج على ما سواه، ولا الالتفات إلى هذيان يخالفه؛ فإن الله تعالى- أمرنا بالأخذ بكتابه، والاقتداء برسوله، وأخبر عن رسوله، أنه قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٣، وقال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥، وقال ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦.
وها نحن قد بينا أن قولنا في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة؛ فهاتوا أن في الكتاب أو السنة أو قول صحابي أو إمام مرضي أن الله لم يتكلم، أو أنه يتكلم مجازا، أو أن كلامه مخلوق، أو أنه لا يتكلم بحرف وصوت، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا.
فرحم الله من عَقَلَ عن الله، ورجع عن العقول التي تخالف الكتاب والسنة، وقال بقول أهل السنة، وترك دين جهم وشيعته. جعلنا الله -سبحانه- ممن هدي إلى صراطه المستقيم، ووفقنا لاتباع رب العالمين، والاقتداء بنبيه محمد ﷺ خاتم النبيين، والسلف الصالحين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1113
[الرسالة الثانية]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى جناب الأخ المكرم الشيخ الأمجد عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار. سلمه الله تعالى وعافاه، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فالموجب لتحريره إبلاغ السلام، والسؤال عن حالكم لازلتم في خير وعافية. والخط الشريف وصل، وما ذكرتَ من المسائل التي تسأل عنها:
[ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن وكسب الحجام]
فثمن الكلب هو أخذ العوض عنه، ومهر البغي هو الجُعل التي تأخذه على زناها، وحُلْوانُ الكاهن هو ما يأخذه الكاهن في مقابلة أخباره بالمغيبات، وثمن السنور هو أخذ العوض عنه، وكسب الحَجَّامِ هو ما يأخذه أُجرة على حِجَامَتِهِ، فأما ما يُعْطَى إياه بغير شرط فرخَّص فيه بعض العلماء لأن النبي ﷺ أعطى الذي حَجَّمَه. قالوا: ولو كان حراما، لم يعطه؛ وحملوا النهي على الاشتراط خاصة.
[بيع الخمر]
وتحريم بيع الخمر ظاهر، وهو المعاوضة عنه، وهذا حكم كل مسكر، وبيع الميتة، وما حرم أكله، لما في الحديث المشهور: "إن الله إذا حرم شيئا، حرم ثمنه"١.
[ثمن الحر وبيع عسب الفحل]
وثمن الحر ظاهر، وهو أخذ العوض عنه، وبيع عسب الفحل وهو أخذ العوض عن ضرابه، كما يفعله كثير من الناس في أخذ العوض عن نزو الحصان على الرمكة.
[منع فضل الماء]
وأما نهيه ﷺ عن منع فَضْلِ الماء؛ فهذا إذا كان لرجل بئر، واحتاج الناس لسقي بهائمهم، فلا يحل له أن يمنعهم ما فَضَلَ عن حاجته، وهذا إذا كان الماء في قراره.
وأما ما يخرجه الإنسان من البئر، في بركته وآنيته، فإنه يملكه ويختص
стр. 1114
به، ويجوز له بيعه.
[منع الكلأ]
وأما نهيه عن منع الكلأ، فالكلأ هو العشب، ونحوه النابت في أرضه، وبعض العلماء يقول: إذا كان في أرض محوطة، فلا يدخلها إلا بإذن صاحبها، وقال الشيخ تقي الدين: إذا ترك زرع أرضه قاصدا كلأها، فإنه يختص به، ويجوز له بيعه.
[بيع الحصاة]
وأما بيع الحصاة فهو أن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت، أو دابة، فهو لك بكذا، وفسر بأن يقول: أبيعك من هذه الأرض ما تبلغ هذه الحصاة، إذا رميت بها بكذا.
[بيع الضرر]
وبيع الضرر يدخل تحته صور كثيرة منها: بيع العبد الآبق، والدابة الشاردة ومنها: بيع الدَّيْنِ لمن هو في غير ذمته، إذا كان غير ملي، ويدخل تحته كل مَبيع لا يدري مشتريه، أيحصله أم لا؟
[بيع حبل الحبلة]
(وأما) بيع حبل الحبلة، ففيه تفسيران: أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يشترون الجزور، ونحوها إلى أن تلد الناقة، ثم يلد ولدها، فيكون النهي لأجل جهالة الأجل، وقيل: هو أن يبيعه نِتاج ما في بطن هذه الناقة وهو ولدها، لما فيه من بيع الضرر.
[بيع الملامسة]
(أما) بيع الملامسة: فنحو أن يقول: أي ثوب لمستُه، فهو لي بكذا، فيشتريه من غير نظر إليه، ولا تقليب.
[بيع المنابذة]
وبيع المنابذة: هو أن يقول: أي ثوب نبذته إلي، فهو عليَّ بكذا؛ والعلة في ذلك جهالة المبيع وقت العقد؛ ولهذا اشترط العلماء لصحة البيع معرفة المَبِيع.
[بيع المحاقلة]
(وأما) بيع المحاقلة فهو أن يبيعه زرعه القائم بكيل معلوم من الحب يقبضه. وبيع المخاضرة: هو بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد حبه.
[حكم المخابرة]
(وأما) نهيه عن المخابرة؛ ففسر بأن يدفع إليه أرضه يزرعها بالربع أو الثلث ونحوهما، وفسر بأن يزارعه على أرضه بجزء معلوم كالربع ونحوه، ويشترط
стр. 1115
زرع بقعة بعينها، أو يشترط زيادة آصع معلومة على الجزء المسمى. ونحو ذلك في المساقاة: أن يساقيه على نخله بالربع ونحوه، ويشترط زيادة نخلة معينة أو غير معينة يختارها كما يفعله كثير؛ وهذا حرام عند العلماء.
[بيع المعاومة]
وبيع المُعَاومَة نحو أن يشتري منه ثمرة هذه النخلة سنتين أو أكثر، وبيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها ظاهر.
[بيع الثنيا]
ونهيه عن الثنيا إلا أن تُعلم، فنحو أن يبيعه عددا من الدواب، أو الثياب ونحوها، ويستثني منها غير معين نحو أن يقول: بعتك هذه الغنم بكذا، ولي منها واحدة أختارها، وفيه صور كثيرة.
[بيع الطعام قبل قبضه]
وبيع الطعام قبل قبضه، إن كان بيعه على الكيل، فقبضه اكتياله، وإن كان جزافا، فقبضه بالتخلية، لكن لا يبيعه حتى ينقله من مكانه.
[بيعه على بيع أخيه]
وأما بيعه على بيع أخيه: فهو أن يقول لمن اشترى سلعة من مسلم بعشرة -مثلا-: أبيعك مثلها بتسعة ليفسخ البيع، ويعقد معه؛ وقيد بعضهم ذلك بمجلس الخيار.
وقال بعض العلماء: هذا ممنوع بعد التفرق من المجلس لأن ذلك يوجب للمشتري التحيل على رد المبيع وفسخه.
[بيع النجش]
وأما النجش: فهو أن يزيد في ثمن السلعة مَنْ لا يريد شراءها، لِيَغُرَّ المشتري ويضر به. والتصرية معروفة، وهو الذي يسمى التحيين، وهو حرام. وجميع ما تقدم حرام عند العلماء.
[بيع الحاضر للبادي]
وبيع الحاضر للبادي معروف، والبادي مَنْ لا يكون مِنْ أهل البلد مِنْ غير أن يكون بدويا، واشترط بعض العلماء لذلك شروطا مذكورة في مواضعها.
[تلقي الركبان]
وأما تلقي الركبان فهو ظاهر، والبائع بالخيار إذا قدم البلد كما في الحديث.
[ضابط الغش]
وأما الغش فأنواع كثيرة، ضابطه إذا كان المبيع غير متساوي
стр. 1116
أظهر الحسن للمشتري وأخفى الذي دونه، أو يخفي عيبا في المبيع ويكتمه عن المشتري، أو يفعل فعلا في المبيع فيحسنه في عين المشتري، وهو غير ثابت في المبيع كتحمير وجه الجارية المبيعة، وتسويد شعرها، ونحو ذلك.
[حكم الاحتكار]
وأما الاحتكار فنحو ما إذا كان بالناس حاجة إلى الطعام، فيشتري إنسان ما يُجْلَبُ للبلد من الطعام ليبيعه على أهل البلد؛ فنهي عن ذلك لما فيه من التضييق عليهم.
[أكل الربا وتأكيله والشهادة عليه وكتابته]
وأما أكل الربا وتأكيله والشهادة عليه وكتابته، فإنما يستحق هؤلاء الثلاثة اللعن إذا علموا به كما في الحديث، وأما الأصناف الستة الربوية المذكورة، فلا يجوز بيع واحد منها بجنسه إلا مِثلا بِمِثل، يدا بيد وأما بيعه بغير جنسه، فيجوز التفاضل فيه بشرط التقابض في مجلس العقد.
[النهي عن بيعتين في بيعة]
وأما النهي عن بيعتين في بيعة، فنحو أن يقول: أبيعك دابتي هذه بكذا، بشرط أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا، أو تؤجرني دارك بكذا، أو يكتب عليه طعاما، ويشترط أن يشتري منه شيئا. ومنه أن يقول: أشتري دابتك هذه -مثلا- بعشرة، ويشترط عليه أن يأخذ عن العشرة أو بعضها ثوبا، أو صرفها، ونحو ذلك كما يفعله كثير، وضابطه أن يشتري شيئا، ويشترط أحدهما على صاحبه عقدا آخر.
[النهي عن سلف وبيع]
وأما النهي عن سلف وبيع فنحو أن يشتري منه سلعة، أو يكتب عليه طعاما أو غيره، ويشترط أن يقرضه شيئا. وأما ربح ما لم يُضمن، فهو أن يبيع ما لا يدخل في ضمانه، كأن يشتري طعاما، ويبيعه قبل اكتياله.
[بيع المضامين والملاقيح]
وأما بيع المضامين والملاقيح، فقيل: المضامين ما في بطون الإناث
стр. 1117
والملاقيح: ما في ظهور الفحول، وفسر بالعكس.
وبيع الغنيمة قبل القسمة، المراد به: الإنسان يبيع نصيبه من القسمة قبل تمييزه وقبضه.
[بيع السلعة بنسيئة]
وأما بيع السلعة بنسيئة، ثم يشتريها البائع بأقل مما باعها به نقدا، نحو أن يبيعه إياها بخمسين إلى أجل، ثم يشتريها بثلاثين نقدا قبل قبض الخمسين؛ فهذه مسألة العِينَة، لكن اشترط الفقهاء لعدم الجواز أن لا تتغير صفتها، فإن تغيرت بهزال أو نحوه، فلا بأس أن يشتريها بأقل مما باعها به نقدا.
وبيع اللبن في الضرع، نحو أن يشتري منه حليبها أسبوعا، أو شهرا، أو نحو ذلك.
[بيع الكالئ بالكالئ]
وبيع الكالئ بالكالئ له صور كثيرة مذكورة في كتب الفقه، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما فيه خلاف، وهو بيع مؤخر بمؤخر. ومنها أن يسلم إليه في طعام أو نحوه، ولم يُقْبِضْه رأس مال السلم في المجلس. ومنه عند كثير من العلماء أن يكون له في ذمته دراهم ويكتبها عليه في طعام في ذمته.
والمسألة التي يسمونها التصحيح، إنما يفعلونها حيلة إلى التوصل إلى ذلك، لأنه يعطيه ريالا بكذا طعاما، ثم يرده إليه، فيرجع برياله، وهو لم يعطه إياه، ويملكه إياه تمليكا تاما، بل إنما أعطاه إياه بشرط أن يرده إليه في الحال، فيكون العقد وقع على ما في الذمة من الدراهم.
[الإسلام في ثمرة نخل بعينه]
وأما الإسلام في ثمرة نخل بعينه، أو زرع بعينه، فهذا لا يجوز، بل لا بد أن يكون السلم في ذمة. وإن أسلم إليه في ذمته، واشترط عليه أن يعطيه من ثمرة نخله، أو زرعه، فقد أجاز الشيخ تقي الدين هذا الشرط.
[منع السلم بزرع غير معلوم]
(وأما) منع السلم بزرع غير معلوم، أو كيل غير معلوم؛ فلما فيه من جهالة المسلم فيه، ومن شروط السلم ما في الحديث "من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"١.
стр. 1118
[بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته]
(وأما) بيع الدين المستقر لمن هو في ذمته، فيشترط لصحته أن يكون بسعر يومه، وأن يقبض العوض في المجلس كما إذا أخذ عن الذهب فضة وعكسه. وأما المنفعة التي يجرها القرض، فهي حرام، ومنه الهدية لأجل إقراضه إياه إلا إن حسبها من دينه، فلا بأس. وكذلك لو قضاه خيرا مما أخذ منه من غير شرط ولا مواطأة، فلا بأس، لأن النبي ﷺ استسلف بكرا، ورد خيرا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاء"١.
[انتفاع المرتهن بالمرهون]
(وأما) الرهن إذا كان محلوبا، أو مركوبا؛ فإن المرتهن يحلب ويركب بقدر نفقته متحريا للعدل.
(وأما) غير المحلوب والمركوب، فلا ينتفع به بغير إذن صاحبه، ومعنى الحديث المشهور "لا يغلق الرهن من صاحبه، له غنمه وعليه غرمه"٢.
فمعناه عند مالك، وأحمد، وغيرهما كما ذكرتم، وفسر بغير ذلك، وقول أحمد: "أكره قرض الدور .. إلى آخره"؛ وذلك لأنه قرض جر منفعة. وبعض الناس يتوصل إلى ذلك بحيلة باطلة إذا أراد أن يرتهن دارا أو أرضا في قرض، وينتفع بها، أظهروا صورة البيع وهو في باطن الأمر رهن، فيبيعه ما يساوي مائة بخمسين أو أقل أو أكثر، بأقل من قيمتها، ويشترط الخيار، وهذا يسميه بعض الناس بيع الأمانة.
(وأما) إذا كان بيعا حقيقيا ظاهرا وباطنا بأن يبيعه إياها بقيمتها من غير نقص، ويشترط الخيار، فلا بأس بانتفاعه بالمبيع في مدة الخيار كما نص عليه أحمد.
وهذه العقود المنهي عنها حرام عند العلماء، وقالوا: يحرم تعاطيهما عقدا فاسدا؛ فإذا كان العقد فاسدا فتعاطيه حرام على المتعاقدين جميعا.
[بيع اللحم بثمر أو عيش نسيئة]
(وأما) بيع اللحم بثمر، أو عيش نسيئة، فبعض العلماء رخص في
стр. 1119
ذلك، وبعضهم يمنعه. والذين يسهلون فيه يقولون: اللحم موزون، والثمر والعيش مكيلان؛ هذا الأصل فيهما على عهد النبي ﷺ ، فإذا اختلفت العلة، جاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة. وهؤلاء يقولون: العلة في الأصناف الأربعة الطعم، فإنهم يمنعون ذلك.
اشتراط البائع على المشتري اشتراء سلعة من غيره
(وأما) اشتراط البائع على المشتري اشتراء سلعة من غيره، فالذي يظهر أن هذا شرط فاسد، وإذا استسلم رجل من آخر دراهم، ثم اشترى بها منه طعاما، فهذا إذا كان بشرط أو مواطأة، فلا يجوز.
(وأما) إذا أخذ الدراهم، وذهب ليشتري بها من غيره، فلم يجد عند غيره شيئا، ثم رجع فاشترى منه، فلا بأس بذلك.
[اشتراط صاحب الأرض على مستأجرها أن يستسلم منه]
(وأما) اشتراط صاحب الأرض ونحوها على مستأجرها أن يستسلم منه، فلا يجوز، وهو كبيعتين في بيعة كما تقدم.
[دم الذبيحة الذي يبقى في مذبحها ولحمها بعد الذبح]
(وأما) دم الذبيحة الذي يبقى في مذبحها ولحمها بعد الذبح، فإنه طاهر، لأن الله إنما حرم الدم المسفوح، والمسفوح هو الذي يسيل. فالذي ليس بمسفوح، ليس بحرام، وحله يدل على طهارته.
وهذه المسائل تحتاج إلى بسط وتفصيل، لكن الموضوع لا يتسع لذلك، والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1120
[الرسالة الثالثة: العمل بالكتاب والسنة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم -أدام الله النفع بعلومكم- فيمن اعتمد على كتب المتأخرين، من غير التفات إلى ما خالفها من نصوص القرآن والسنة، وكلام السلف، والعلماء المتقدمين، ورأى أن ما حوته هو الذي شرعه الله لرسوله، وأوجب أن يعبد به، وإن قيل له في ذلك، قال: قد اختار هذه الكتب من هو أعلم منا، وأبصر بشريعة محمد ﷺ وما يقال في مثل هذا، وما يخاف عليه منه؟ أفيدونا أثابكم الله الجنة بمنِّه وكرمه.
أجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -رحمه الله تعالى- فقال:
(الجواب) وبالله التوفيق: لا ريب أن الله -سبحانه- فرض على عباده طاعته، وطاعة رسوله، قال -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٢، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٣، ولم يوجب الله -سبحانه- على الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به إلا رسول الله ﷺ .
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله. وقال الشافعي ﵀: أجمع المسلمون على أنه مَن استبانت له سُنَّةُ رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. انتهى
وقال ابن هبيرة في "الإفصاح": اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولَّى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز ذلك. وقال الشيخ
стр. 1121
أبو محمد في "المغني": يشترط أن يكون من أهل الاجتهاد، وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عاميا فيحكم بالتقليد، لأن الغرض منه فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد، جاز كما يحكم بقول المقومين. ولنا قول الله تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ١، ولم يقل بالتقليد، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢.
وروى بريدة، عن رسول الله ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار"٣ رواه ابن ماجه.
قال: والعامي يقضي على جهل؛ ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلدا، فالحكم أولى. وقال في "الإنصاف": ويشترط في القاضي أن يكون مجتهدا، هذا المذهب .. إلى أن قال: واختار في "الترغيب": ومجتهدا في مذهب إمامه للضرورة، واختار في "الإفصاح" و"الرعاية": ومقلدًا. قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا لتعطلت أحكام الناس. انتهى.
[أقوال العلماء في التقليد في الفتيا]
وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه لا يجوز الفتوى في التقليد، لأنه ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم. وهذا قول أكثر الأصحاب وهو قول جمهور الشافعية.
(والثاني): أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه. ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره، وهذا قول ابن بطة، وغيره من أصحابنا.
(والقول الثالث): أنه يجوز ذلك عند الحاجة
стр. 1122
والضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل لا سيما في هذا الوقت، وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع:
(أحدها): التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل، فهذا لا يجوز، كما قال الشافعي ﵀:أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
(النوع الثاني): التقليد مع القدرة على الاستدلال، والبحث عن الدليل بأن يكون متأهلا لذلك، فهذا مذموم -أيضا- لقدرته، وتمكنه من معرفة الدليل.
(النوع الثالث): التقليد السائغ، وهو نوعان:
(أحدهما): مَنْ كان مِن العوام الذين لا معرفة لهم بالحديث والفقه، وليس لهم نظر في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف، فإذا وقعت له حادثة، استفتى مَنْ عَلِمَهُ عالما عدلا، ورآه منتصبا للإفتاء، والتدريس، واشترط الشيخ تقي الدين -مع ذلك- الاستفاضة بأنه أهل للفتيا.
(النوع الثاني): مَن كان متأهلا لبعض العلوم، قد تفقه في مذهب من المذاهب، وتبصر في بعض كتب متأخري الأصحاب كالإقناع، والمنتهى عند الحنابلة، ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل، ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له التقليد أيضا، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة، وذلك لقول الله -تعالى-: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال النبي ﷺ : "ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال"٢. ولكن هذا لا ينبغي له التسرع إلى إفتاء غيره، فإن دعت الحاجة إلى فتواه، فهو إخبار عن مذهب إمامه الذي ينتسب إليه لا فتيا. قاله جماعة من الأصحاب، وعليه أن يتقي الله ما استطاع.
стр. 1123
فإن كان له فهم قوي وإدراك بحيث إذا نظر المسائل الخلافية ورأى أدلة كل من المختلفين، وكان فيه ذكاء وفطنة يدرك بها الراجح من المرجوح فيما يراه، عمل بما ترجح عنده.
فإذا كان طالب العلم متمذهبا بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلا مخالفا لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له معارضا، فخالف مذهبه وتبع ذلك الإمام الذي أخذ بالدليل، كان مصيبا؛ بل هذا هو الواجب عليه، ولا يخرج بذلك عن التقليد. فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماما بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض. قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: من كان متبعا لإمام، فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى، فقد أحسن.
وقال في موضع آخر: بل يجب عليه، وأن أحمد نص على ذلك. انتهى. وعلى كل حال فلا ينبغي التسرع والجسرة بقول: هذا حلال، هذا حرام، هذا واجب، قال الله -تعالى-: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ١.
فمن عرف أحوال السلف وهيبتهم الإفتاء مع علمهم وفضلهم، أفاده ذلك اتهام فهمه، وعدم التسرع إلى الفتوى؛ لأنه يخبر عن الله، والمقلد إنما يحكي عن غيره.
فالأولى إذا دعت الضرورة إلى فتواه أن يقول: ذكر أصحاب المذهب الفلاني، أو ذكر في الكتاب الفلاني كذا وكذا.
[نهي الأئمة عن التقليد]
وأما قول القائل: قد اختار هذه الكتب وما حوته مَنْ هو أعلم منا.
(فيقال) له: هذا حق، هم أعلم منا، لكن لا يلزم من ذلك تقليدهم في كل ما وضعوه.
فإذا قال كل أهل مذهب هذه المقالة في كتب من تقدمهم، فالمصيب عند الله واحد، فمن هو الذي يجب اتباعه؟ فإذا اختلفت المذاهب
стр. 1124
في حكم مسألة، فالمصيب منهم واحد. والمجتهد المخطئ إذا كان أهلا فمأجور على اجتهاده، ولا يجوز له تقليده إذا بان له خطؤه مع كونه أعلم ممن بعده، والله سبحانه- إنما أمر بالرد عند التنازع إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ .
فمن قال: إن ما أودع في بعض الكتب المصنفة هو الذي يجب اتباعه، فهو مخطئ يخاف عليه العقوبة في قلبه، ولازم هذه المقالة أنه إذا وجد عن المعصوم -صلوات الله وسلامه عليه- ما يخالف بعض ما فيها، أن الذي في هذه الكتب هو الواجب الاتباع دون ما جاء عن الرسول ﷺ ؛ بل كثير منهم يصرحون بذلك، ويلتزمونه مع أنه مخالف للكتاب والسنة، فهو مخالف لقول الأئمة الأربعة الذين صنفت هذه الكتب على مذاهبهم؛ لأنهم نهوا عن تقليدهم.
قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: "لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه".
وصرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب. وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
وقال الإمام أحمد: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا، ولا الشافعي، ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا، وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا.
وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله -سبحانه- يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ويقال أيضا لمن قال: وضع هذه الكتب مَنْ هو أعلم منا، إذا كان ممن ينتسب إلى الحنابلة فوضع كتب الشافعية والمالكية والحنفية من هو
стр. 1125
أعلم منك، فما الذي أوجب اتباع بعضها دون بعض؟
فلو قال صاحب هذه المقالة: أنا أعلم أن التقليد ليس بعلم، وأن الواجب اتباع سنة رسول الله ﷺ لكن قصور أفهامنا، وضعف إدراكنا أوجب لنا التقليد، وألجأت الضرورة إليه، فلو تبين لي في بعض ما قلدت فيه أنه مخالف للسنة اتبعت السنة، وهذا هو الواجب علي، لكني قليل التمييز لقصور فهمي، وأعتقد أن الواجب اتباع السنة، ولا عذر لأحد في مخالفتها إذا ثبتت عنده؛ وقائل ذلك يرجى له السلامة، وهذا كله في غير أصول الدين.
فأما أصول الدين من التوحيد ومعرفة الرسالة وسائر الأصول، فلا يجوز فيها التقليد عند جميع العلماء.
فنسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أن يهدينا لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الرسالة الرابعة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الولد المكرم محمد بن عبد الله بن سليم سلمه الله تعالى. سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته
(وبعد): موجب الخط إبلاغ السلام والخط وصل -أوصلك الله إلى الخير-. وما ذكرت من المسائل:
[القول بأن الرسول ﵇ حي في قبره]
فالأولى في قول من يقول: إن النبي ﷺ حي في قبره، فالله أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبة من