لا يلزم إلا بالقبض؛ لئلا يكون بيع دين بدين.
[تصرف المودع في الوديعة بغير إذن]
(مسألة): إذا أودع الإنسان دراهم، هل للمودع التصرف فيها بسلف أو غيره، ولا على المودع تلف. هل يجوز ذلك بلا إذن أم لا؟ وكذلك إذا دفعت إليه وديعة في مكان غير مكانه، وأخرجها في ذلك المكان، فإذا قدم بلده ردها على هيئتها. هل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب): أما الاقتراض من الوديعة فلا يجوز، إلا أن يعلم رضى صاحب المال، فإن شك في رضاه لم يجز، وإن لم يكن على المال خطر. وإذا دفعت إليه الوديعة في غيره بلده، وأمره صاحبها أن يذهب بها إلى بلده، وعلم من صاحب المال أنه يرضى باقتراضه منها، واقترض منها، فلما قدم إلى بلده ردها على هيئتها، فهذا لا بأس به -إن شاء الله تعالى-؛ لكن متى اقترضها فهي ثابتة في ذمته حتى يأخذها صاحبها، فلو عزلها وتلفت ضمنها، والله أعلم.
﴿مسائل في الوقف﴾
[قسمة الوقف]
(مسألة) في رجل وقف أربع نخلات على جهات، وجعل الموقوف نصفا ضحايا، ونصفا بين الإمام والصوام إنصافا، والجميع من أصل مشاع، والمراد بالتفرقة الغلة، ويقول الأمير: نبغي أن نقسم الأصل، ونجعل حق الإمام والصوام مشاعا، ونقسم غلته، ونجعل الضحايا وحدها. ويقول الذي هو في يده: أما قسم الأصل فلا، والقائل ولد من ورثة الواقف، وليس هو بولي على ذلك، وإنما جاءه من جهة القرابة، والذي يظهر أن مقصده حظ لنفسه. هل يجب قسمته أم لا؟ وهل ما قسم أصلا يقسم مصلحة أم لا؟ ويكون حكم المسألتين واحدا، فمن منعه في الأصل منعه في المصلحة أم يفرق بينهما؟
(الجواب): قسمة الوقف يعمل فيها بما هو أصلح للوقف، فإن كان
стр. 142
الأصلح قسمته قسم، وإلا ترك بحاله؛ ولا يجوز تغيير الوقف عن حاله إلا للمصلحة، ولو أراد بعضهم القسمة من غير مصلحة منع من ذلك.
[الأحق بولاية الوقف]
(مسألة) في الوقف الذي ما عين، من يقوم به أو عين إنسان ثم مات هل تورث الولاية في ذلك، ولو ما أوصى الولي بذلك، ويكون أمر ذلك إليه أم لا بد من الوصية إليه بذلك أو يكون أمر ذلك إلى أمير البلد ومتى تنقطع ولاية ذلك عن الورثة والقربى؟
(الجواب): ولاية الوقف من أحق بها فالأحق من أوصى إليه الواقف، وعينه ناظرا على الوقف، فإن لم يعين ناظرا، فإن كان الوقف على عدد محصور كقرابته مثلا، فكل إنسان ناظر على حصته، وإن كان الوقف على غير معين كالوقف على المساجد ونحو ذلك، فالنظر في ذلك إلى الحاكم، ويستنيب في ذلك من هو أصلح، ولا يجعل نيابة الوقف بيد من لا يصلح للولاية.
[دخول الوارث أو القريب في الوصية إذا لم يجعلها صاحبها إليه]
(مسألة): هل للوارث أو القريب الدخول في الوصية والوقف إذا لم يجعلها صاحبها إليه، ويكون أحق بها أم ينظر في المصلحة؟
(الجواب): هذه المسألة جوابها نظير ما تقدم، وهو أن نظر الوقف وولايته إلى من جعله الواقف إليه، فإن لم يعين الواقف أحدًا، فإن كان الوقف على معين كالأقارب ونحوهم، فكل إنسان له النظر على حصته من الوقف، فليس لأحد منهم أن يفعل في الوقف ما يضر به من أي أنواع الضرر.
وأما قولك: هل للوارث أو القريب الدخول في الوصية والوقف إذا لم يجعلها صاحبها إليه، أم ينظر في المصلحة (فجوابها) ما تقدم، وذلك بأن ينظر، فإن كان الواقف جعل الوارث أو القريب ناظرا فالنظر إليه، وإن كان لم يجعله إليه، وكان الوقف على غير معين، كالوقف على المساجد ونحوها،
стр. 143
فولاية الوقف أمرها إلى الحاكم. وإن كان الوقف على معين كزيد وعمرو، فهو أحق بولاية ما وقف عليه.
[الوقف على المسجد]
(مسألة) في الوقف الذي على المسجد، هل القيام فيه وما يصلحه، والنظر إليه وما يتعلق به على الإمام الذي يستحقه، ويتكلم على من عطله وأضاع شيئا من حقوقه، أم يسكت ولا يتعرض لمثل ذلك بشيء ومن يلزمه ذلك
(الجواب): هذه المسألة وجوابها ما تقدم، وذلك إذا عرفت أن ولايته إلى الحاكم، فإن كان الحاكم جعل ولايته إلى إمام المسجد فذلك إليه، وإن جعله الحاكم إلى غير الإمام فليس للإمام الاعتراض على نائب الحاكم؛ فإن فعل ما لا يجوز رفع أمره إلى الحاكم؛ ولا ينبغي للإمام ولا غيره السكوت إذا رأى من النائب خللا وتضيعًا للوقف.
[وقف المعين]
(مسألة): إذا أراد إنسان أن ينفع نفسه من ماله في أي جهة من جهات البر، ويجعلها في نخله الذي يملك أيما تعين الوقف بعينه، مثل نخل أو أرض أو دراهم معلومة معينة، قادمة في جميع ما وراءه مما يملك من عقار أو غيره، ويجعل ذلك تمرًا معلوما قادما في مغل النخل، أيما إحدى هذه الثلاث أحسن، وهل جميع ذلك جائز
(الجواب) إذا أراد الإنسان أن يوقف وقفا من ماله، فإن شاء جعله معينا في أرض بعينها أو نخل بعينه، إن شاء جعله شيئا معلوما قادما في غلة نخله أو أرضه، وما فعل من ذلك فهو حسن إن شاء الله.
[وقف أشياء ولم يذكر مصرفها أو ذكر مصرفا ثم انقطع]
(مسألة) في الذي يوقف أشياء في أصل ماله، لو كان في نخل أو أرض أو تمر أو دراهم، ولم يذكر مصرفها، أو ذكر مصرفا ثم انقطع، ماذا يكون في ذلك وهل يفرق بينهما؟ وكذلك الذي يوصي بأشياء كثيرة وأوقاف، هل
стр. 144
تكون قادمة في جميع المال الذي خلف أم تكون من الثلث أم يعمل على ما قال صاحب المال وإذا قال في أوقافه ووصاياه: تراه قادم في جميع ما ورائي مما أملك، هل يتم ما قال ويثبت أم لا وهذه كثيرة عندنا، وما الفرق بين الوصية والوقف؟ العوام يوصون على سبيل الوقف، ولكن ما يميزون ولا يفرقون بين الوصية والوقف.
(الجواب): إذا وقف وقفا وذكر مصرفه ثم انقطع أو لم يذكر له مصرفا، فقد اختلف العلماء في هذا الوقف هل يصح أم لا؟ وقدم في المغني أنه يصح، وذكر قول مالك وأبي يوسف وأحد قولي الشافعي. يعني إذا أوقف وقفا على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره لجهة غير منقطعة كالمساكين ونحوهم، قال في المغني: ويصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف، وبه قال الشافعي، وعن أحمد أنه يصرف إلى المساكين، واختاره القاضي والشريف. وعن أحمد رواية ثالثة أنه يجعل في بيت مال المسلمين.
وأما إذا كان وقف وقفا ولم يذكر له مصرفا بالكلية، فقال في المغني: إذا قال: وقفت هذا، وسكت ولم يذكر سبيله، فلا نص فيه. وقال ابن حامد: يصح الوقف، قال القاضي: هو قياس قول أحمد، وإذا صح صرف إلى مصارف الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليه. انتهى كلامه في المغني. فإذا عرفت أنه يصح ويصرف إلى مصارف الوقف المنقطع الذي ذكرنا في أول المسألة، وأن فيه ثلاث روايات عن أحمد، فتأمله يتضح لك الأمر إن شاء الله.
وأما قولك: الذي يوصي بأشياء كثيرة وأوقاف هل تكون قادمة في جميع المال الذي خلف أم تكون من الثلث فنقول: أما الوصايا فإنها من الثلث بلا إشكال، وأما الوقف فإن كان ذلك صادرا في حال الصحة فهو من رأس المال،
стр. 145
وإن كان لم يصدر إلا في المرض فهو من الثلث.
وقولك: إذا قال في أوقافه أو وصاياه: ترى هذا قادم في جميع ما ورائي. فقوله هذا لا عبرة به، فلو وصى بزيادة على الثلث لم يصح إلا برضى الورثة، وأما قولك: ما الفرق بين الوصية والوقف فبينهما فرق، وذلك أن الوصية تكون ملكا للموصى له إذا قبلها بعد موت الموصي. وأما الوقف فهو تحبيس الأصل، فلا يباع ولا يوهب، ويأخذ الموقوف عليه غلته بحسب ما جعل له الواقف منه، والله أعلم.
[صرف نماء الوقف]
(مسألة) في نماء الوقف، مثل فراخ النخل الموقوف على جهة من جهات البر، هل يصرف الفرخ على جهة أخرى وصورة ذلك عندنا نخل موقف على الصوام، وفيه فراخ، ويبغي الأمير والجماعة يقلعون من الفراخ ويركزونها، ويجعلونها للمسجد وللمساقاة، لأجل أن ذلك أحوج من الصوام. هل هذا جائز، ويصير من باب التصرف في الوقف للمصلحة؟
(الجواب): إذا كان في النخل الموقوف فراخ وغرست في وقف آخر، فلا أرى به بأسا إذا كان النخل الموقوف غنيا عن ذلك، وصرف الوقف من جهة إلى جهة جائز إذا كان للمصلحة.
[صرف ما فضل من الموقوف]
(مسألة): ما صرف ما فضل من تمر الصوام، الذي هو موقوف على مسجد فاستغنى عنه المسجد المخصوص به، ماذا يصرف إليه هل يصرف على مسجد آخر، سواء كان المسجد في البلد أو منتزح عنها؟ أو يصرف إلى القربى والمساكين أو يكون مصرفه على نظر الولي يتصرف فيه على نظره مما رأى فيه المصلحة، وأما الميت الواقف فلا رتب، بل جعل غلة هذا النخل على من يفطر في هذا المسجد بالخصوص، لكن استغنى المسجد عن
стр. 146
جميعه ويبقى منه شيء، ماذا يصرف إليه وما في معنى ذلك، ومن ذلك هل يكون ذلك من تغيير الوقف والتصرف فيه للمصلحة على ما قال الشيخ؟
(الجواب): أما صرف الفاضل من تمر الصوام، فإذا استغنى أهل المسجد الذي جعل الوقف عليهم فقال الشيخ تقي الدين: ما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر، لأن الواقف له غرض في الجنس، والجنس واحد. وقال في موضع آخر: يجوز صرفه، في سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه، وإن علم أن وقفه يبقى وجب صرفه، لأن بقاءه فساد. انتهى.
فعلى كلامه الأول يصرف في نظره في مسجد آخر، وعلى كلامه الثاني يجوز للناظر صرفه إلى جهة بر، وإن لم تكن نظير الجهة الأولى، إذا رأى المصلحة في ذلك.
وأما تحري المتصدق بصدقته الأوقات الفاضلة كرمضان والعشر الأواخر منه فهذا حسن، والصدقة لها مزية في الأوقات الفاضلة والأماكن المعظمة، سواء كانت الصدقة من ماله أو كان نائبا في تفريقها، إذا لم يعين له الموكل وقتًا بعينه أو مكانا بعينه.
[وصايا الجاهلية]
(مسألة) في الذي يوصي بوصايا في الجاهلية، هل هي قائمة مقام الوصايا في الإسلام، أم يفرق بينهما، أم ينظر فيما كان صحيحًا وما كان فاسدًا أم غير ذلك؟
(الجواب) الذي يوصي بوصايا في الجاهلية لا تجوز في الإسلام هذا من جنس ما قبله، فما أدركه الإسلام قبل قبضه بطل، ولا ينفذ إلا على الوجه الصحيح الشرعي. وأما إذا مات الموصي وقبض الموصى له المال ثم أسلم بعد ذلك، فهذا يقر في يده ما كان قد تملكه قبل الإسلام، ولو كان بغير وجه صحيح، والإسلام يجب ما قبله؛ وسواء في ذلك الوصية والمواريث والعقود الفاسدة.
стр. 147
[الوصية لبعض الورثة دون بعض]
(مسألة) في الذي يوصي لبعض الورثة دون بعض، أو يوصي للذكور دون الإناث، والذي يوصي لوالديه وهم على الشرك، ماذا يكون في مثل هذه المسائل؟ وما الصحيح من الفاسد؟
(الجواب): إذا أوصى إنسان لآخر بوصية ثم مات الموصي، وقبل الموصى له الوصية، فإنها تكون ملكا له، وتورث عنه كسائر ماله، إلا أن يكون الموصي قد جعل الوصية وقفا يأكل الموصى له منها ما دام حيًا، فتلك مسألة أخرى.
[القرض لأجل المنفعة]
(مسألة): إذا أعطى إنسان رجلا دراهم معلومة ينتفع بها بشرط نفع معلوم ما دامت الدراهم في يده، ثم أراد صاحب الدراهم أخذها برؤوسها، وهو قد انتفع في المدة الماضية بما لا يستحقه، ماذا يكون في ذلك وماذا يجب
(الجواب): إذا أعطى إنسان لآخر دراهم معلومة ينتفع بها بشرط نفع معلوم ما دامت الدراهم في يده، فهذا من أنواع الربا -بل كل قرض جر نفعا فهو ربا-، ويجب على من أخذ الدراهم أن يردها إلى صاحبها. ثم ينظر في حال الدافع والمدفوع إليه، فإن كانا يعتقدان أن هذا لا يجوز، وإنما فعلا حراما عليهما وجب على الأمير تأديبهما بما يزجرهما وأمثالهما عن ذلك، وما قبضه دافع الدراهم في مقابلة الدراهم وجب رده إلى ربه، ولا يباح لقابضه لأنه ربا.
(مسألة): إذا كان ذلك واقعا بينهما في الجاهلية على الشرك، ثم أسلما وجرى ذلك بينهما من أنواع الربا وغيرها في الإسلام، وأخذا في ذلك مدة يتبايعان في الربا وغيره من العقود الفاسدة، وطلب الدافع ما دفع في مقابلة الدراهم، وذلك بعد إبطال الربا، هل له أخذ ما دفع ويرجع
стр. 148
به على من أخذه منه أم لا وهل يفرق بين العقد في الشرك والعقد في الإسلام أم لا؟
(الجواب): إذا كان المتعاقدان جاهلين بالتحريم، أو كان ذلك في الجاهلية قبل الإسلام ثم أسلما، فإنه يجب على من أخذ الدراهم ردها إلى صاحبها، وربا الجاهلية موضوع، وما قبضه الدافع في مقابلة نفع دراهمه في جاهليته أو بعد إسلامه قبل أن يبلغه النهي فهو له، فإن كان العوض لم يقبض، بل كان باقيا في ذمة المقترض، فليس للمقرض إلا رأس ماله، ولا يأخذ معه زيادة.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٩]. وعقود أهل الشرك ما مضى منها في حال الشرك، وقبضه المتعاقدان قبل الإسلام، يقران على ما مضى منه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة من الآية: ٢٧٥].
[أجاز الوارث الوصية فيما زاد على الثلث ثم أراد الرجوع]
(مسألة): إذا أجاز إنسان وصية أبيه أو موروثه فيما زاد على الثلث، ثم أراد أن يرجع لما بان له أن الموصى به كثير، وربما بدا له عدم الإجازة، فهل له الرجوع على ما أقر به وأجاز؟
(الجواب): إذا أجاز الوارث وصية المورث فيما زاد على الثلث، ثم أراد أن يرجع عن إجازته هل له ذلك؟ (فنقول): ليس له ذلك، بل متى أجازه لزمه، وكذا لو أقر بدين على موروثه ثم رجع أخذ بإقراره في قدر نصيبه، وأما إذا أجاز الوارث الوصية لظنه أن الموصى به قليلا فبان كثيرا، فالقول قوله مع يمينه، وله الرجوع بما زاد على ظنه، إلا أن
стр. 149
يكون لا يخفى عليه قدره، وكذا لو أوصى بثلث التركة لبعض الورثة، فأجازه بعضهم لظنه أن مال الميت قليل فبان كثيرًا، فله الرجوع أيضا بما زاد على ظنه، إلا أن يكون المال ظاهرًا لا يخفى، والله أعلم.
[أوصى إنسان بحجة ولم يبين قدرها]
(مسألة): إذا أوصى إنسان بحجة ولم يبين قدرها، ماذا يكون إذا تشاجر الورثة، أحد يقول بالكثير، وأحد يقول بالأقل، ما المرجع في ذلك وكذلك إذا أوصى بأضحية ونحوها، ولم يبين الثمن، ماذا يكون؟
(الجواب): أما مسألة الحجة الموصى بها، فالمرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أوصت هذه المرأة بحجة أخرج من مالها ما يكفي الحاج، سواء قيل القدر عشرة أو أكثر، وكذلك الأضحية الموصى بها يجزئ فيها الجذع من الضأن، والثني من المعز، فإذا أوصى بغلة نخل في أضحية صرفت في ذلك، فإن فضل منها شيء اشترى به ثانية، لأن التعدد في الأضحية جائز، فإن أراد الولي صرف الفاضل إلى قريب محتاج فهو حسن، ولا يمنع من ذلك. وقد ذكر الشيخ تقي الدين وغيره من أهل العلم: أن صرف الوقف من جهة إلى جهة جائز للمصلحة، فإذا كان يجوز صرفه عن الفقراء إلى الجهاد ونحوه للمصلحة، فالفاضل عن الجهة أولى وأحرى.
[أرض جعل في غلتها ستة آصع وهي متعطلة وطلب أهلها قسمتها]
(مسألة) في أرض جعل في مغلها ستة آصع وقفا، للصوام ثلاثة ولأهل مسقاة المسجد ثلاثة، الأرض معطلة من ستين سنة، ولم يحصل منها منفعة، ويقول بعض الورثة: اقسموا لي نصيبي إرثي وأقوم بالذي علي من السبل، ومنهم من يقول: أبغي أبني في الأرض، ماذا يفعل بها على هذه الحال ومن يلزمه ذلك؟
(الجواب): أما الأرض التي جعل في غلتها ستة آصع وهي متعطلة وطلب أهلها قسمتها، فلا مانع للقسمة، والحالة هذه؛ فإذا اتفقوا على القسمة
стр. 150
قسمت بينهم، والسبالة قادمة في غلة الأرض المذكورة، فإن حصل في القسمة ضرر وامتنع بعضهم لم يجبر، وكذا إن كان فيه ضرر على السبل.
[وقف ثلث جميع ما يملك على من ضعف من الأقرباء]
(مسألة) في الذي وقف ثلث جميع ما يملك على من ضعف من الأقرباء، وكذا غلة النخل، الموقوف يقسم على أقرباء الميت في وقته أم لا؟ وكذا إذا عين في هذا الثلث دراهم في أضحية، وطلب الأقرباء صرفها إليهم، هل يجوز أم لا؟
(الجواب): وقف ثلث جميع ما يملك صحيح، ويكون على من ضعف من الأقربين من الرجال والنساء، يقسم بينهم بالسوية، وغلة النخل تقسم على أهل الوقف وقت محصول الثمرة، ولا تخلى دراهم تجمع.
﴿مسائل في النكاح وما يتعلق به مما في معناه﴾
[معنى النكاح]
(مسألة): قوله: النكاح لغة: الوطء، على ما قاله الأزهري، فإن كان الوطء فهو واضح، وكذلك قوله النكاح في الشرع: حقيقة في حق التزويج، مجاز في الوطء، ما معنى الحقيقة؟ وكذا المجاز ما صفته وصورته وهذا الذي يشكل الحقيقة والمجاز وخصوصا في الإشكال لفظ المجاز، وكذلك قوله: فالأشهر أن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء. ما معنى ذلك؟
(الجواب): أما قولك: ما معنى قولهم النكاح لغة: الوطء الخ. فهذه المسألة ما يترتب على تحقيقها فائدة، وصورتها أنهم اختلفوا هل النكاح إذا أطلق في الكتاب والسنة يراد به الوطء حقيقة ويكون مجازًا في العقد، أم بالعكس فبعضهم قال: إنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وبعضهم قال: حقيقة في الوطء مجاز في العقد. والأصح عند المحققين أنه مشترك، قال الشيخ تقي الدين: النكاح في الإثبات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل
стр. 151
منهما. انتهى.
وبيان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء من الآية: ٢٢]، يراد به النهي عن العقد والوطء جميعا، وكذلك قوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"١ وقوله: "لا ينكح المحرم ولا ينكح"٢، وغير ذلك من الأحاديث، يراد بذلك النهي عن العقد والوطء جميعا. فإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة تبين لك أن المراد بالنكاح لفظ مشترك يعم العقد والوطء، إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة من الآية ٢٣٠] فإن المراد بالنكاح في هذه الآية الوطء بعد العقد الصحيح، فلا تحل بوطء من غير عقد ولا يكفي العقد وحده، بل لا بد من الوطء؛ لقوله ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته"٣ الحديث.
[خطبة المرأة في عدة أختها]
(مسألة): إذا أراد رجل أن يتزوج بأخت زوجته، وهو يعلم أن الجمع بينهما لا يصح، ولكن أراد أن يخطبها في عدة أختها أو قبل طلاقها
(الجواب): فهذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلامهم، وظاهر عباراتهم جواز ذلك؛ لأنهم لم يذكروا إلا المنع من العقد خاصة، وأما الخطبة فلم يتعرضوا لها بمنع، ولم يمنعوا إلا من خطبة المعتدة من غيره، فقالوا: لا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، ولا يجوز التصريح بخطبة البائن المتوفى عنها، فإن فعل بأن عرض في موضع لا يجوز فيه التعريض، أو صرح في موضع لا يجوز فيه التصريح، ولم يعقد عليها إلا انقضاء العدة، فالعقد صحيح مع الإثم. وأما خطبة المرأة في عدة أختها أو خالتها أو عمتها فلا علمت فيه منعا.
ولكن الأحسن تركه أو ترك إظهاره، لما فيه من حصول العداوة وقطيعة الرحم التي عللوا بها في عدم جواز الجمع بينهما. فإن أراد الخطبة فلتكن سرًا بحيث لا تعلم زوجته مع أن ذلك ربما لا يفيده شيئا لأنها ربما
стр. 152
وعدته فإذا نقضت عدة أختها ربما بدا لها.
[تزوج امرأة في عدة الطلاق من البوادي وهو جاهل]
(مسألة) فيمن تزوج امرأة في عدة الطلاق من البوادي، وهو جاهل هل يصير حكمه حكم الزاني أم لا؟ أم يعذر بالجهل؟ وهل يفرق بينهما أم لا؟
(الجواب): أما حكم من تزوج امرأة في عدة الطلاق، وهو جاهل من البوادي فلا يصير حكمه حكم الزاني بل يعذر بالجهل، ويفرق بينهما حتى تنقضي العدة الأولى من الطلاق الأول، ثم تعتد من وطء الثاني الذي تزوجها في عدتها، فإذا انقضت العدتان حلت للأزواج وهو من عرضهم.
[حلف لامرأته أن يتزوج عليها وقال: إن شاء الله]
(مسألة) في رجل حلف لامرأته أن يتزوج عليها، فقال في حلفه: إن شاء الله. ماذا يكون؟
(الجواب): أما الذي حلف أن يتزوج عليها فقال في حلفه: إن شاء الله، فهذا الاستثناء يرفع حكم اليمين ولا يلزمه كفارة إذا لم يتزوج.
[قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك]
(مسألة) في رجل قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك لعدم الجمع. هل يجوز هذا أم لا؟ وما عدم إجازته؟
(الجواب): أما الذي قال لامرأته: إن حصلت لي أختك طلقتك؛ فهذا لا يلزمه به شيء ولا يكون طلاقا، ولكن الأحسن ترك مثل هذا الكلام لأن فيه قطيعة رحم بين الزوجة وأختها، خصوصا إذا فارقها وتزوج أختها.
[قال: إن حصلت له أخت زوجته فوت زوجته]
(مسألة) في هذا الرجل الذي يقول: إن حصلت له أخت زوجته فوت زوجته، وإن لم تحصل لم يفوتها، هل يجوز ذلك أم لا؟
(الجواب): أما قولك: إن حصلت له أختها فوتها، فهذا لا يجوز، وجمع الثلاث بدعة محرمة عند جمهور العلماء، ولا يترتب على ذلك له مصلحة؛ بل ليس فيه إلا تحريمها عليه من غير مصلحة تعود إلى أخرى، لأنه لو أراد
стр. 153
أن يرتجعها لم تحل له ما دامت أختها معه، فليس في التفويت إلا الضرر، فربما يفوتها، ولا تحصل له أختها؛ فيندم على ذلك.
[التلفظ بكنايات الطلاق في حال الغضب]
(مسألة): إذا غضب الرجل على زوجته، وأراد قمعها وهجرانها وقال لها: اخرجي من بيتي روحي لأهلك، ومقصده هجرها عند أهلها حتى يكون أصلح لها ولا له نية في الطلاق، ماذا يكون في مثل هذه، هل هو على النية أم لا وكذا إذا قالت المرأة: لم أنتقل إلا بطلاقي تريد لفظ الطلاق، ويقول الزوج: روحي لأهلك عن بيتي لست معي، يعني لست بشادك هذا معناه ونيته؛ وانتقلت على هذا الكلام، هل يكون على نيته ومعناه أم لا؟ والفاعل لذلك يفهم الأمر، وكل مقاصده إظهار لها من بيته لأجل المقصود لأنه أزين لطبعها وأشفق وأندم.
(الجواب): الرجل الذي غضب على زوجته وسألته الطلاق وقال لها: اخرجي من بيتي لست معي.
فهذه المسألة قد ذكر الفقهاء فيها أن الزوج إذا تلفظ بكنايات الطلاق في حال الغضب، وسؤالها الطلاق، ثم قال الزوج: لم أرد بذلك الطلاق أنه لا يقبل في الحكم بل تحسب عليه من الطلاق هذا في الظاهر. وأما فيما بينه وبين الله، فإن علم من نفسه أنه لم يرد الطلاق لم يقع عليه طلاق فيما بينه وبين الله.
[طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه]
(مسألة) في رجل طلق امرأته في طهر لم يصبها فيه فهل عليها عدة؟ وما عدتها؟
(الجواب): أما الرجل الذي طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه، فهذه لا بد أن يمضي عليها ثلاثة قروء بعد الطلاق، ولم تعتد بالحيضة التي مضت قبل الطلاق، بل لا بد أن تكون الأقراء بعد وقوع الطلاق.
стр. 154
[حلف عليها زوجها لا تدخل بيت فلان فدخلته ناسية]
(مسألة) في رجل حلف على امرأته أن لا تدخل بيت فلان أو بيت فلانة، فقال: إن فعلت فهو طلاقك، وحلف بالله أن طلاقها في دخولها البيت. فنسيت المرأة واحتاجت إلى دخول البيت، فدخلت ناسية ليمين الزوج. ماذا يكون وهل هنا كفارة مع الرجعة أم لا؟
(الجواب): أما المرأة التي حلف عليها زوجها لا تدخل بيت فلان، وعلق طلاقها على دخوله، فدخلته ناسية؛ فهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها ثلاث روايات عن الإمام أحمد. والمذهب عند المتأخرين من الحنابلة أن الطلاق يقع، وإن كانت ناسية. وعند الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء أنها لا تطلق، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب من الآية: ٥]، وبقوله ﷺ "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان"١.
﴿مسائل في العدد وما في معناها﴾
[أقل ما تنقضي به العدة]
(مسألة): ما قولهم في العدد: إن أقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون يوما ولحظتان ما هذه المسألة وصفتها والعمل عليها فيما قالوا
(الجواب): أما المسألة التي ذكروها في العدد: أن أقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون يوما ولحظتان، فهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر. فإذ طلقها في آخر الطهر، وقد بقي من الطهر لحظة، ثم حاضت يوما وليلة، ثم طهرت ثلاثة عشر يوما وليلة، ثم حاضت يوما وليلة، ثم طهرت، فقد انقضت عدتها ومجموع ذلك تسعة وعشرون يوما ولحظتان؛ وهذا هو أقل ما تنقضي به العدة. فإذا ادعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، وأقامت البينة على ذلك صدقت؛ ولا تقبل دعواها إلا ببينة، لأن هذا لا يقع إلا نادرًا، والله أعلم.
стр. 155
﴿مسائل في الإحداد وما يتعلق به﴾
[ما تجتنبه المتوفى عنها زوجها]
(مسألة): ماذا تجتنب المتوفى عنها من جنس الكلام والحديث مع الناس مثل قريب أو كالف أو صديق، إذا كان عادتها ذلك قبل موت الزوج، هل يجب عليها ترك جميع ذلك؟ أم هذا ليس من المنهي عنه إذا كان ذلك عادتها.
(الجواب): فيما تجتنبه المتوفى عنها من جنس الكلام والتحدث مع قريب أو صديق إذا كان ذلك من عادتها قبل وفاة زوجها، فهذه المسألة لم أقف عليها في كلام أهل العلم، والذي يظهر لي من كلامهم أن المتوفى عنها وغيرها في هذا النوع سواء فما كانت ممنوعة منه قبل الإحداد، فهو أشد منعا، وما كان مباحا لها من هذا النوع خاصة قبله فهو مباح؛ فيه ولم أقف على نص في المسألة بالتفرقة.
[خروج المرأة المتوفى عنها زوجها]
(مسألة): هل للمرأة الخروج من البيت إذا مات زوجها إذا كانت عادتها الظهور قبل موته، وتقوم في مؤنة الزواج داخل البيت وخارجه، هل لها ذلك بعد موته في الإحداد أم لا؟
(الجواب): في المتوفى عنها هل لها الخروج فذكر أهل العلم أن لها الخروج لحوائجها نهارا، ولو وجدت من يقضيها؛ وأما في الليل فلا تخرج ولو لحاجة، وكذلك لا تخرج نهارا لغير حاجة.
[للمتوفى عنها زوجها الخروج في حوائجها نهارا]
(مسألة): إذا كان للمتوفى عنها نخل والمنْزل خارج النخل، هل لها الخروج إلى النخل والجلوس فيه، وقضاء شيء من الحاجات إذا كان غيرها يكفيها، أم لا وما يفاد من قصة المرأة التي أذن لها رسول الله ﷺ في الخروج إلى جذاذ نخلها
(الجواب): هذه المسألة تقدم جوابها، وهو أن لها الخروج نهارًا
стр. 156
لحوائجها ولو وجدت من يقضيها؛ وحديث المرأة التي أذن لها رسول الله ﷺ في جذاذ نخلها يدل على ذلك. قال في المغني: وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها.
ثم ساق حديث جابر في المرأة التي قال لها رسول الله ﷺ : "اخرجي فجذي نخلك"١.
ثم قال: وروى مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم إلى رسول الله ﷺ وقلن: يا رسول الله نستوحش بالليل، فنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتأو كل واحدة إلى بيتها"، وليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلا إلا لضرورة، لأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار، فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما تحتاج إليه. انتهى كلامه في المغني.
[أهم ما تجتنبه المتوفى عنها زوجها]
(مسألة): ما أهم وألزم ما يكون اجتنابه على المتوفى عنها، غير الطيب والزينة والمبيت في غير منْزلها وهل يفرق بين الغنية والفقيرة في هذه الأمور
(الجواب): ذكر أهل العلم أن المتوفى عنها تجتنب ثلاثة أشياء وهي الطيب، والثاني اجتناب الزينة: فلا تختضب، ولا تحمر وجهها، ولا تكتحل بالإثمد إلا لضرورة، فإن اضطرت إليه اكتحلت في الليل ومسحته في النهار، ولا تلبس ثياب الزينة، ولا تلبس الحلي كله حتى الخاتم.
والثالث المبيت في غير منْزلها، فيجب عليها أن تبيت فيه دون غيره. وهذه الأمور هي التي نص عليها الفقهاء، وهي التي يجب عليها اجتنابها، والله أعلم.
[خروج المتوفى عنها زوجها إلى المسجد]
(مسألة): هل للمتوفى عنها الخروج إلى المسجد، لأجل الصلاة والدرس وتعلم أمر دينها، وكذلك مثل التراويح، أو قيام الليل في العشر، إذا كان ذلك عادة لها قبل موت الزوج
стр. 157
(الجواب): هل لها الخروج إلى المسجد للتراويح وقيام رمضان في العشر، فتقدم أن المتوفى عنها لا تخرج من بيتها في الليل ولو لحاجة؛ وأما خروجها في النهار للصلاة والدرس، فلم أقف على نص في المسألة إلا ما تقدم من الرخصة في الخروج نهارا لحوائجها والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين آمين.
ومن أجوبة لعبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله وعفا عنهما
(٣)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشيخ إلى الأخ جمعان بن ناصر
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) الخط وصل، وصلك الله إلى رضوانه؛ وما ذكرت من جهة كثرة السؤال، فالحرص على العلم ينفع الله به، ولا ينقد على الإنسان إلا الغفلة وما أشكل عليه.
[قال: إن زرعت أرضي حبا فهي بكذا كيلا مسمى]
(وأما المسألة الأولى) وهي قوله: إن زرعت أرضي حبا فهي بكذا كيلا مسمى أو شعيرًا بكذا أو قطنًا بكذا، ووزنا معلوما، فهذه المسألة فيها خلاف مشهور في القديم والحديث، والذي نعمل عليه من أقوال العلماء أن هذا لا بأس به، إذا كان كيلا معلوما أو وزنا معلوما أو جزءًا مشاعا معلوما كالثلث أو الربع ونحو ذلك، والله أعلم.
وأما قوله: إلا أن يكره بحق، كمن يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، فهذا لا بأس بالشراء منه سواء رضي بذلك أو لم يرض.
стр. 158
[الرجوع في العمرى والرقبى]
وأما العمرى والرقبى ففيها خلاف مشهور، والأحاديث فيها متعارضة، والذي نختاره أنه إذا شرط الرجوع فيها رجعت إلى مالكها، والله أعلم.
[الفرق بين العطية والوصية]
وأما الفرق بين العطية والوصية، فالفرق بينهما ظاهر كما ذكر في الشرح أنها تفارقها في أربعة أشياء. وأما كون أهل بلدك لا يفرقون بينهما فالألفاظ لا يعتبر بها. فإذا كان عندهم أن الوصية بمعنى العطية والهبة فهي كذلك، وكذلك لفظ الوصية. فكل هذا ينظر إلى مقصود المتكلم بذلك وعرفه في بلده، فإن كان مراده بذلك أنه يمضيها له في حياته، وبعد موته صارت بمعنى العطية والهبة. وإن كان العرف عندهم، أن مرادهم بذلك: إن مات فهي بمعنى الوصية يثبت لها أحكامها، والله أعلم.
[ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه]
وأما التي ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه، واعتدت بسنة ثم عاودها الدم قبل مضي السنة، فإنها ترجع وتعتد بالحيض ولا تحتسب بما تقدم كالبكر إذا اعتدت بالأشهر ثم جاءتها الحيضة، فإنها تعتد بالأقراء. والله أعلم.
[الإجارة بشيء مجهول]
وأما إذا آجر إنسان أرضه لمن يزرعها قطنا، وشرط عليه أن الأجرة له في السنة الأولى، فإذا خرج عنها فالشجر والثمرة لربها عن أجرة أرضه، فالظاهر أن مثل هذه لا يجوزه الفقهاء، لما فيه من الغرر؛ وإنما جوزوا الإجارة بشيء معلوم. والله أعلم.
[احتاج أهل بلد إلى أرض إنسان يجعلونها مسجدا]
وأما إذا احتاج أهل بلد إلى أرض إنسان يجعلونها مسجدًا، فطلبوا من صاحب المال أن يبيعها أو يوقفها، فالظاهر أنه لا يجبر. والله أعلم.
стр. 159
(٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشيخ إلى الأخ جمعان
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد) ما ذكرت من جهة المسائل فهذا جوابها:
[قذف إنسان جماعة بالزنى أمواتا أو أحياء]
(المسألة الأولى): إذا قذف إنسان جماعة بالزنى أمواتا أو أحياء، فالذي وقفنا عليه من كلام أهل العلم أنه إذا قذفهم بلفظة واحدة، فإنه يحد حدًا واحدًا إذا طلبوا إقامة الحد عليه. وأما قذف الأموات، فلا أدري عنه، وأقل ما فيه إذا كانوا مسلمين يعزره الإمام على قدر ما يراه. وأما ما ذكرت عن بعض المالكية من شروط القذف، فهو كلام متوجه.
(وأما الثانية): فلا يجوز التعزير بأقل الحدود.
(وأما الثالثة): إذا شهد شاهد واحد أن فلانا أصاب حدا، فلا يقام عليه بشهادة واحد، ولا بد من شهادة رجلين عدلين إلا في الزنى فأربعة شهود كما هو معلوم.
[وجد منه رائحة المسكر]
(الرابعة): إذا وجد منه رائحة المسكر فإنه يحد، وأما إذا خرج من بيته، فليس فيه إلا التعزير إذا كان مظنة ذلك.
[الرجوع في الهبة]
(الخامسة): الهبة إذا كان مراده الثواب، فإنه يرجع فيها إذا لم يثب. وأما الصدقة فليس حكمها حكم الهبة، لأن الصدقة أن يتصدق على إنسان لفقره، والهبة أن يهب لآخر شيئا، ولو مع غناه تارة يريد بها المكافآت وتارة على وجه الكرم والتفضل.
[العمرى والرقبى]
(السادسة): في العمرى والرقبى ففيها اختلاف بين الفقهاء، ولا يتبين لي الآن وجه كونها لمن أعمرها، وأما الذي يشبه العمرى عندنا فهي أن يقول:
стр. 160
لك حياة عينك، أو ما عشت، أو حياة عيني، وأشباه ذلك.
[زواج الحر بالأمة]
(السابعة): الحر فلا يجوز له تزوج الأمة ولو شرط سيدها أن أولاده أحرار، إلا بالشرطين المذكورين في كتاب الله.
(أحدهما): أن لا يجد طولا يتزوج به الحرة.
(الثاني): أن يخاف العنت على نفسه؛ وصبره مع ذلك خير له من تزوج الأمة.
[الأولاد يتبعون الأم في الحرية والرقية]
(الثامنة): إذا كان لرجل أمة ولآخر عبد، وأرادا تزويج أحدهما للآخر وشرطا أن الأولاد بينهما، فهذا شرط فاسد لا يصح، بل الأولاد يتبعون الأم في الحرية والرقية.
[التفريق بين الوالدة وولدها]
(التاسعة): التفريق بين الوالدة وولدها، وكذلك الإخوة، فالحد في ذلك البلوغ؛ فإذا بلغ واحد منهما جاز أن يفرق بينهما.
[حصة المضارب قبل القسمة]
(العاشرة): حصة المضارب قبل القسمة، ففيها خلاف؛ والأحوط تزكيتها مع المال بلغت نصابا أو لم تبلغ.
[الدين الذي يمنع الزكاة]
(الحادية عشرة): ما الدين الذي يمنع الزكاة؟ فالدين عندنا لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة ولا الباطنة.
[دفع رجل مضاربة مالا إلى آخر، وحال الحول والمال بيد المضارب بغير بلده]
(الثانية عشرة): إذا دفع رجل مضاربة مالا إلى آخر، وحال الحول والمال بيد المضارب ببلد غير بلده، فالذي وقفنا عليه من كلام أهل العلم أنه متى أخرجها أجزأته، إلا إن كان هو بنفسه ببلده أو المضارب؛ ونرجو أن ذلك يجزئه إن شاء الله تعالى.
[ما يجب على الزوج للزوجة من المؤنة]
(الثالثة عشرة): ما يجب على الزوج للزوجة من المؤنة، فكلام الشيخ ﵀ في هذه المسألة من أحسن الكلام، فإنه قال: يجب عليها ما يعتاد من مثلها لمثله. فإن كان المعروف من مثلها أنها تطبخ وتعجن لزوجها ولنفسها، وجب
стр. 161
عليها ذلك. فإن كان المعروف عند أهلها ببلدها أن مثلها لا تخدم نفسها وجب على الزوج إخدامها، وإن كان بها ما يليق من مثلها لمثله، واستدل الشيخ ﵀ وغيره على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء من الآية: ١٩]، والمعروف يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والبلدان والأزمان، وهو المفتى به عندنا.
[التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة]
(الرابعة عشرة): هل يجب على الزوج التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النّساء من الآية: ٣]، فلا بأس أن يزيد إحداهما على الأخرى إذا كانت أوفق وأصلح لحاله، إذا كان لم يرد بذلك مضارة، ولا يلحق به ضرر الزوجة الأخرى. والله أعلم.
- ٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشيخ إلى الأخ جمعان
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من المسائل:
[ما يجب على اليتيم من الحقوق غير الزكاة]
(فالأولى): ما يجب على اليتيم من الحقوق غير الزكاة، فلا نعلم شيئا يجب عليه إلا الزكاة في أصح قولي العلماء، مع أن بعض أهل العلم ذكر أنها لا تجب عليه وهو قول مرجوح. وأما إذا كان له بعيران مثلا ليس له غيرهما ورعيا أكثر من نصف السنة، ثم خلطا مع غيرهما، ففيهما خلاف بين العلماء؛ والأحوط أنه يزكيهما زكاة خلطة. وأما الحوض والمراح والمرعى والحول، فبعض العلماء يشترط ذلك، وبعضهم لا يشترطه، ولا أستحضر دليل ذلك. وأما كون أهل المسجد يخلون مكان الأمير إكراما له، فالمسجد لمن
стр. 162
سبق إليه، وأحق الناس بالمكان الذين وراء الإمام الذي يعرفون بالفقه والدين، ولو خلي لهم مكان فلا بأس؛ وإن خلوا للأمير مكانا فلا ينكر عليهم.
[جلوس الإمام ينتظر الأمير]
وأما جلوس الإمام ينتظر الأمير، فلا أعلم في ذلك بأسا إذا لم يشق على المأمومين.
[المصافحة في المسجد وغيره]
وأما المصافحة في المسجد وغيره، فلا بأس بها؛ وما بلغكم من النهي عنها فله سبب، وذلك أن بعض الناس يظن أن هذا أمر مستحب دائمًا يداوم عليه، ولو سلم قبل الصلاة؛ وأما إذا فعله بعض الأحيان وتركه في بعض فلا بأس بذلك.
[تبديل ولي الوقف تمرا بعيش]
وأما تبديل ولي الوقف تمرًا بعيش أو عيشا بتمر، فإن كان فعله للمصلحة فلا أعلم فيه بأسا إذا كان أصلح للموقوف عليهم، وأما كونه يكتب في الوقف ولا حصل بعد، فلا يجوز ويخليه إلى السنة المقبلة.
[رفع الحصى في المسجد]
وأما رفع الحصى في المسجد، فينهى عنه تأدبا في المسجد، ولا أعلم فيه دليلا بينا، لكن التأدب في المسجد والخشوع أحسن.
[انتقل أهل بلد عن بلادهم وفيها مسجد عامر]
وأما إذا انتقل أهل بلد عن بلادهم وفيها مسجد عامر، وفيه خشب فإن كان يصلى فيه فلا يجوز نقضه، وإن كان متعطلا فلا بأس أن يؤخذ خشبه ويحط في مسجد آخر.
[أرض المسجد المتعطلة]
وأما أرض المسجد المتعطلة، فلا بأس بحرثها وزرعها بأجرة، وتصرف أجرتها في عمارة مسجد آخر.
[نخل الوقف إذا تعطل]
وأما نخل الوقف إذا تعطل، فلا بأس أن يباع ويصرف ثمنه في نخل عامر، ويجعل على وقفه الأول.
[علق الطلاق ولم يأت بشيء من حروف الشرط]
وأما إذا طلق وعلق الطلاق، ولم يأت بشيء من حروف الشرط كإذا ومتى وإن، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق.
فمثل هذا ينوي به
стр. 163
الشرط والجزاء على لغة أهل بلده، ولا يشترط أن يتلفظ بلفظة العربية. هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم. وأما دلائل هذه المسألة فقد يخفى على مثلنا لعجزنا، لكن هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم. وأما الدليل فقد يخفى علينا؛ لكن هذا هو المفتى به عندنا والعمل عليه. والله أعلم.
(٦)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله وحمد إلى الأخ سعيد، جعله الله من صالحي العبيد، وبلغه في الآخرة ما يريد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وجعلك من أنصار دينه وأعوانه، وما ذكرت من حالك، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتضمن الخط السؤال عن أربع مسائل:
[شقص في أرض مشاع لا تمكن قسمتها، هل فيه شفعة؟]
(الأولى): ما قول العلماء ﵃ إذا كان لرجل شقص في أرض مشاع لا تمكن قسمتها قسمة إجبار، هل له شفعة؟ فإن قلتم له، فما معنى قولهم في شروط الشفعة: أن يكون الشقص من عقار ينقسم قسمة إجبار، ثم قالوا: ولا فيما لا تجب كحمام صغير ونحوه.
(فنقول): هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: (الأولى): أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته، فإما ما لا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والعضادة والطريق الضيق والعراص الضيقة، فلا شفعة فيه؛ وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة. قال الموفق في المغني: وهذا ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة" والمنقب الطريق الضيق رواه أبو الخطاب
стр. 164
في رؤوس المسائل.
(والراوية الثانية) تثبت الشفعة فيه، وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج ورواية عن مالك، واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي وشيخ الإسلام.
قال الحارثي: وهو الحق لعموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لا ينقسم" وسائر الألفاظ. ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره، وهذا هو المفتى به عندنا، وهو الراجح والله أعلم.
[حكم كسب الزوجة]
(وأما المسألة الثانية): إذا كانت زوجة الرجل ذات صنعة وقال زوجها: ما حصل من الحرفة، فهو لي ومؤنتك علي، وقالت الزوجة: ما حصل من صنعتي فهو لي، وأقوم في بيتك مع صنعتي، فهل تمكن من هذا أم لا؟
فهذه المسألة أنت تفهم اختلاف الفقهاء فيها، وهل يلزمها أن تخدمه في مسألة الخدمة في طبخ وعجن وخبز ونحوه أم لا فمذهب الحنابلة أنه لا يلزمها وهو الذي نصره في الشرح، ومذهب مالك والشيخ تقي الدين أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه يلزمها عادة أمثالها لمثله.
وكذلك اختلفوا هل يجب عليها أن ترضع ولدها منه، فمذهب الحنابلة أنه لا يلزمها، ومذهب مالك أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه إن كان مثلها ترضع ولدها وجب عليها أن ترضعه.
وأما مسألة التكسب المسؤول عنها، فظاهر كلامهم أنه لا يلزمها وليس له أن يجبرها عليه، ولكن ليس لها أن تكتسب إلا بإذنه، فإن أذن لها فظاهر كلامهم أنها تختص بالأجرة.
ولهذا صرح الموفق في المقنع في باب الإجارة أنه يصح أن يستأجرها على رضاع ولده منها، وصرح في كتاب النفقات أنها أحق برضاع ولدها بأجرة مثلها سواء كانت في حبال الزوج
стр. 165
أو مطلقة. وصرح أيضا في كتاب النفقات أنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها ولا على خدمته فيما يختص به.
[أخرج المرتهن الرهن إلى الراهن]
(وأما المسألة الثالثة): إذا أخرج المرتهن الرهن إلى الراهن، فهل يزول لزومه كما هو مذهب الحنابلة أم للمرتهن انتزاعه كما هو مذهب الشافعي أو هل يفرق بين ما تعلق به حق الغير كالرهن له أو بيعه وبين ما هو باق في يد الراهن وما المفتى به الآن؟
فقد اختلف العلماء هل من شرط صحة الرهن القبض، أم يصح ويكون رهنا بمجرد العقد؟ فمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه لا يلزم إلا بالقبض، وقبل القبض يكون جائزا لا لازما، ومذهب مالك ﵀ يلزم بمجرد العقد قبل القبض كالبيع. فإذا علمت الخلاف في أصل المسألة، فالقائلون باشتراط القبض اختلفوا فيما إذا أخرجه المرتهن باختياره، هل يزول لزومه ويبقى العقد كأنه لم يوجد فيه قبض؟ فمذهب الحنابلة كما ذكرته عنهم أنه يزول لزومه، فإن عاد إلى المرتهن عاد لزومه بحاله بحكم العقد السابق، وهذا مذهب أبي حنيفة. وقال الشافعي: استدامته القبض ليست شرطا كما ذكرته عنه، وذلك لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه فلم تشترط استدامته، وهذا هو المفتى به عندنا.
[إحياء الأرض بإجراء الماء عليها]
(وأما المسألة الرابعة): وهي: هل إجراء الماء على الأرض للحرث يكون إحياء أم لا؟
فقال في الإنصاف: وإحياء الأرض أن يحوزها بحائط، أو يجري لها ماء، أو يحفر فيها بئرا، هذا هو الصحيح من المذهب، نص عليه وقطع به الخرقي وابن عبدوس والقاضي والشريف وصاحب الهداية والخلاصة والوجيز وغيرهم، وقيل: إحياء الأرض ما عد إحياء وهو عمارتها بما تتهيأ
стр. 166
به لما يراد منها من زرع أو بناء أو إجراء ماء، وهو رواية عن أحمد اختارها القاضي وابن عقيل والشيرازي وابن الزاغوني والمصنف يعني الموفق في العمدة وغيرهم. وعلى هذا قالوا: يختلف باختلاف غرض المحيي من مسكن وحظيرة وغيرهما، فإن كان مسكنا اعتبر بناء حائط بما هو معتاد. وقيل: ما يتكرر كل عام كالسقي والحرث، فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء، قاله في المغني ولم يورد في المغني خلافه. وقوله: إحياء الأرض أن يجري لها ماء، يعني إحياء الأرض أن يجري لها ماء إن كانت لا تزرع إلا بالماء، ويحصل أيضا بالغراس قال في الفروع، ويملكه بغرس وإجراء ماء نص عليهما. انتهى، والله أعلم.
* * *
(و من جواب) لعبد الله بن الشيخ ﵀:
[هلك هالك عن أبوين وأخوين متفرقين أو أشقاء]
إذا هلك هالك عن أبوين وأخوين متفرقين أو أشقاء، فالذي نعمل عليه من كلام أهل العلم أن الأم في هذه الحال يكون لها الثلث كاملا؛ لأن الإخوة محجوبون بالأب. وأهل هذا القول استدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النّساء من الآية:]، ويقولون: أن معنى قوله في الآية التي بعدها: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النّساء من الآية: ١١] أي: إخوة وارثون، وأما الإخوة المحجوبون فهم كالمعدومين.
[السمن بالتمر واللحم بالتمر والأقط بالتمر]
وأما السمن بالتمر، واللحم بالتمر، والأقط بالتمر، فالذي يعمل عليه أكثر أهل العلم أنه لا يجوز وينهى عنه، وهو الذي نعمل عليه.
[الطلاق الثلاث بكلمة واحدة]
وأما الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، فالذي نفتي به أنه يصير ثلاث طلقات كما ألزمه عمر ﵁ الناس وتابعه الصحابة على ذلك.
[السفر الذي يرخص فيه]
وأما السفر الذي يرخص فيه برخص السفر كالقصر والإفطار والجمع، فالعلماء اختلفوا في ذلك، فبعضهم يحده بيومين، وبعضهم بدون ذلك، وبعضهم
стр. 167
ما يرى له حدًا لأنه لم يرد عن الشارع تحديده صلوات الله وسلامه عليه؛ بل كل ما يسمى سفرًا، وإن كان دون اليوم، جاز أن يرخص فيه برخص السفر؛ وهذا هو الصواب، وهو الذي تدل عليه النصوص.
[المرأة التي تزوجها رجل ودخل بها ولكنه لم يطأها]
وأما المرأة التي تزوجها رجل ودخل بها ولكنه لم يطأها، فالذي نعمل عليه أن العدة تجب عليها.
[قال: علي الطلاق أو الحرام لأفعلن كذا وفعله]
وأما من قال: علي الطلاق أو الحرام لأفعلن كذا أو: لا أفعلن كذا وفعله فالذي نعمل عليه أنه ليس عليه إلا كفارة يمين إذا فعل المحلوف عليه.
[الخلطة في غير السائمة]
وأما الخلطة في غير السائمة كالدراهم والحرث، فالذي يترجح من قول العلماء أنه ما يجب فيه زكاة حتى يبلغ نصيب كل واحد من الشركاء نصابا. وأما مؤنة الرجل وأهل بيته فليس عليها زكاة. والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(٧)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أسئلة لبعض الإخوان أجاب عنها الشيخ عبد الله بن الشيخ
(من يباح له الفطر في رمضان للضرورة)
(منها): إذا صار رجل ضعيفا، ويعيش من الخلاء حشيشًا أو أشباهه، ولا يقدر يحترف إلا مفطرا، فإن كان يقدر أن يعيش بلا حرفته هذه فلا يفطر، فإن كان ما هنا إلا حرفته هذه، ولو تركها لحقه الضرر، فأرجو أن يجوز له؛ فإذا وقعت الضرورات حلت المحظورات.
وأما الذي يفطر في النهار ويعتذر بالجوع، فلا عذر له، والذي يعيش به في النهار يضمه إلى وقت الإفطار إلا إن كان مثل هذا عندكم لو لم يفطر تلفت نفسه أو لحقه ضرر بين، فلا تنكروا عليه.
стр. 168
وأما الصبي الذي ما أرشد بعد، فهو إذا أطاق الصيام أمر به، وأدب عليه أي على تركه. وكذلك يصلى وراءه إذا كان أقرأ من الذي وراءه، ولو ما أرشد بعد ويقام به في الصف.
[حال الذي ختم القرآن وممشاه رديء]
وأما ما ذكرت من حال الذي ختم القرآن وممشاه رديء، وهنا من يقرأ بعض القرآن وهو حبيب في الدين من الذي يغلظ منهم، فإن كان الذي يقرأ القرآن حافظه غيبا وردا بينما يكره الدين، ويوالي المنافقين موالاة بينة، ويتجاسر على الأمور المحرمة مثل الزنى والسرقة والخيانة، فإن كانت هذه صفة حاله فلا يصلي بالجماعة، فإن كان ما هنا شيء بين، ما هنا إلا تهمة أو أن غيره أخير منه عملا مثل الجهاد والمذاكرة، فالذي يحفظ القرآن غيبا أحق من الذي ما حفظه، ولو كان أكثر منه عملا أو أحب منه للدين.
[النَزعة من الفم]
وأما النَزعة من الفم، فإن كانت ما ظهرت من الجوف ولا وصلت الفم فلا وضوء فيها، فإن كانت ظهرت ووصلت الفم، فيجب عليه الوضوء. فإن كان صائما فلا يدخلها إذا وصلت الفم يخليها تظهر، ويغسل الذي نال سلبه منه.
[يرمي أخاه المسلم بالزنى ويعتذر]
وأما الذي يرمي أخاه المسلم بالزنى ويعتذر أنه ما له قصد وأنه من الشيطان، فلا هذا بعذر؟ فإن كان المقذوف بالزنى شكاه إلى الأمير أقام عليه الحد، وإلا أدب أدبا يزجره عن مثل هذا الكلام القبيح.
[صلى الرجل وفي سلبه نجاسة ناسيها]
وأما إذا صلى الرجل وفي سلبه نجاسة ناسيها، وما درى إلا بعد فراغه من الصلاة، فلا إعادة عليه.
[إمامة المطوع الذي ما يحسن الفاتحة ولا يعربها]
وأما المطوع الذي ما يحسن الفاتحة ولا يعربها، فلا يصلى وراءه، والمطوع الرديء الذي ما له دين إن أسلم الناس أسلم، وإن ارتدوا ارتد، فلا تحل الصلاة وراءه.
стр. 169
(٨)
﴿مسائل مختلفة أجاب عنها الشيخ عبد الله بن الشيخ أيضًا﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[التمر بالعيش نسيئة]
(الأولى): أما التمر بالعيش نسيئة، فلا يجوز وهو داخل في الربا الذي حرم الله ورسوله.
[السمن بالتمر واللحم بالتمر والأقط بالتمر]
وأما السمن بالتمر، واللحم بالتمر، والأقط بالتمر، فالذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز وينهى عنه؛ وهو الذي نعمل عليه.
[مصارف الزكاة]
وأما مصارف الزكاة، فالله ذكر أهلها في كتابه، وجزأهم ثمانية أصناف، وهم الذين لا يجوز صرفها إلى غيرهم بإجماع أهل العلم. وإذا أعطيها بعض الأصناف جازت؛ ولم يذكر في الأحاديث أن رسول الله ﷺ كان يقسمها بين الثمانية الأصناف كقسمة الميراث لا يزيد أحدًا على أحد، بل يعطيها بعض الأصناف الذي ذكر الله؛ وهذا مذهب كثير من العلماء أنه لا يجب استيعاب الأصناف كلها، بل إذا أعطى بعض الأصناف أجزأت. ومن يكن له معرفة بهدي رسول الله ﷺ وسيرته، علم أن هذا هو الصواب.
[حجر الإنسان ابنة عمه أو غيرها عليه لا يزوجها إلا هو]
وأما حجر الإنسان ابنة عمه أو غيرها عليه لا يزوجها إلا هو، فهذا من أعظم المنكرات وهو من دين الجاهلية الذي أبطله الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية [النّساء من الآية: ١٩]
[الأمور التي تجب فيها الزكاة]
وأما الأمور التي تجب فيها الزكاة، فالرسول ﷺ قدر نصاب الذهب عشرين مثقالا، ونصاب الفضة مائتي درهم، ونصاب التمر والعيش خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ؛ فيكون نصاب التمر والعيش ثلاثمائة بصاع النبي ﷺ .
стр. 170
[شراء الطعام مجازفة]
وأما شراء الطعام مجازفة فليس به بأس، إلا أن يكون البائع يعلم كيله والمشتري فيه واحد.
[الطلاق ثلاثا بكلمة واحدة]
وأما الطلاق ثلاثًا بكلمة واحدة، فالذي نفتي به أنه يصير ثلاث تطليقات كما ألزم به عمر بن الخطاب ﵁ الناس، وتابعه الصحابة على ذلك.
[الرجل الذي قال لآخر: زوجتك ابنتي وهو يضحك]
وأما الرجل الذي قال لآخر: زوجتك ابنتي، وهو يضحك، فالنكاح يلزمه، وإن كان الرجل يهزل به، كما في الحديث "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة"١.
[غلاق الرهن]
وأما الرجل الذي رهن رهانة، وقال له المسترهن: إن كان ما قضيتني في هذه المدة ومضت المدة، وإلا فهي لي بالذي عندك، فهذا لا يجوز، هذا يسمى غلاق الرهن، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال "لا يغلق الرهن"٢، وفسر العلماء غلاق الرهن بمثل هذا الكلام.
[زكاة القطن والبطيخ والخضراوات]
وأما القطن والبطيخ والخضراوات فليس فيه زكاة، وأما البر بالشعير نسيئة فهو ربا.
[نذر نخلة للنبي ﵊]
وأما الرجل الذي نذر نخلة للنبي ﷺ أو لأبي صالح، وبعد ما أسلم علم أن هذا ما يجوز، وتاب إلى الله ورجع عن ذلك، وجعلها لله، فهذا هو الذي ينبغي له، وهي مصرف حسن، وتقسم ثمرتها في وجوه البر كالفقراء والمساكين والأقربين.
[مقدار السفر الذي يترخص فيه]
وأما مقدار السفر الذي يترخص فيه برخص السفر كالقصر والإفطار والجمع، فالعلماء اختلفوا في ذلك، وبعضهم ما يرى فيه تحديدًا لأنه لم يرو فيه تحديد عن الشارع صلوات الله وسلامه عليه، بل كل ما كان يسمى سفرًا، وإن
стр. 171
كان دون اليوم جاز أن يترخص فيه برخص السفر؛ وهذا هو الصواب وهو الذي تدل عليه النصوص.
[تزوجها رجل ودخل بها لكنه لم يطأها]
وأما المرأة التي تزوجها رجل، ودخل بها، لكنه لم يطأها، فالذي نعمل عليه أن العدة تجب عليها.
وأما من قال: علي الطلاق أو الحرام لأفعلن كذا ولا أفعلن كذا وفعله، فالذي نعمل عليه أنه ليس عليه إلا كفارة يمين.
[أدب المتكاسل عن الصلاة]
وأما أدب المتكاسل عن الصلاة بالجلد والخسارة، فهذا النوع عند أهل العلم يسمى التعزير، وهو أن المعاصي التي لم يقدر الشارع فيها حدا يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة، فيفعل الأمير ما فيه المصلحة من الضرب والخسارة بالمال. والنبي ﷺ هم أن يحرق على المتخلفين عن الجماعة بيوتهم، ولم يمنعه من ذلك إلا ما في البيوت من النساء والذرية.
[تأخير الزكاة إلى أجل معلوم]
وأما تأخير الزكاة إلى أجل معلوم، فإن رأى العامل في ذلك مصلحة جاز له فعله. وأما نقل الزكاة من بلد إلى بلد، فبعض العلماء يرى جواز ذلك لأجل المصلحة إذا رآه الإمام؛ وهو الذي نعمل عليه.
وأما ما ذكر السائل أن النبي ﷺ نهى عن ذلك فلا نعرف ذلك من وجه صحيح. وأما قول السائل: إنه ذكر في الخبر أنه جاءته صدقة خراسان، فلا أرى لهذا أصلا.
[مقدار الصاع]
(٨)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن الشيخ وحمد إلى الأخ سعيد بن حجي حفظه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد) وصل خطك أوصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة تحرير الصاع أن الذي تحرر لكم فيه أنه أربع حفنات بيدي الرجل
стр. 172
المعتدل في الخلقة، فالأمر على ما ذكرت وهو الذي ذكره العلماء كصاحب النهاية والقاموس. وأما كون بعض الحفنات يزيد السدس على الصاع الأول الذي هو أربع حفنات، فلم يظهر لنا ذلك، بل الذي ظهر لنا أن الزيادة تسع أو عشر على ما تحرر لنا بالحفنات. وأما الوزن فلم نعتمد عليه، لأن الحب يختلف بالرزانة وعدمها، والعمدة على ما حرره العلماء بالحفنات، وزيادة الصاع على الحفنات يسيرة؛ فلهذا تركنا الأمر على العادة القديمة في الاعتبار بالصاع الموجود. وأما الذي نفتي به فهو العمل على أربع الحفنات، وبالاعتبار بالصاع نجعل التسعة الآن عن عشرة وما دون ذلك مشكوك فيه، فالاحتياط في العبادة أولى. وأما الحبوب فالذي عليه العمل أنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، ولو اختلف الجنس إذا كان ذلك في عام واحد. وحسين وإخوانه فيما تحب والسلام.
(٩)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله وحمد إلى الأخ سعيد بن حجي حفظه الله تعالى
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وكل من تسأل عنهم طيبون عبد العزيز والعيال وآل الشيخ وعيالنا وخواص إخوانك، الجميع فيما تحب من فضل الله أسبغ الله علينا وعليكم نعمه وأعاذنا من حلول نقمه.
[الصدقة في مكة]
(وأما جواب المسائل): فمسألة الصدقة في مكة لها مزية في الفضيلة لفضيلة البقعة، ومتحري الخير يتيسر له ذلك خصوصا في أيام الحج، إذا حج ناس من المسلمين، فإنه يجد مع الحاج من فقراء المسلمين ناسا محتاجين يتصدق
стр. 173
عليهم، فيحصل فضيلة البقعة مع فضيلة أيام الحج.
وأما الصدقة على أهلها اليوم وهم على هذه الحال، فقد ذكر أهل العلم ما يدل على أن المسلم يثاب على الصدقة على الكافر كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]، وذكر أهل التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون﴾ [البقرة من الآية: ٢٧٢] أنها نزلت في الصدقة على أهل الذمة.
[هلك هالك عن ابن أخت شقيقة وابني خالين]
وأما مسألة ذوي الأرحام إذا هلك هالك عن ابن أخت شقيقة وابني خالين، فالعمل على مذهب المنْزلين، فينْزلوا كلا منْزلة من أدلى به: فيكون لابن الأخت النصف ثلاثة من ستة، ويكون لابني الخالين اثنان من ستة ويبقى واحد يرد عليهم على قدر سهامهم، فيجعل المال خمسة أسهم لصاحب النصف ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث خمسان. لكن النظر في ابني الخالين هل هما وارثان أو أحدهما محجوب بالآخر كما نص الفقهاء على ذلك. مثال ذلك ابن الخال لأب مع ابن الخال لأبوين، فالمال لابن الخال الشقيق، ولا شيء لابن الخال لأب، نبه عليه صاحب الشرح الكبير.
[البيع المعيب إذا زال ملك المشتري عنه بعتق أو غيره]
وأما مسألة البيع المعيب إذا زال ملك المشتري عنه بعتق أو موت أو وقف أو بيع، وتعذر رده، وكان تصرفه ذلك قبل علمه بالعيب، فله الأرش لتعذر الرد، في هذه الصورة الخلاف المشهور بين الفقهاء فيما إذا أمكن الرد، وامتنع المشتري وطالب بالأرش.
[العمل بالخطوط]
وأما مسألة العمل بالخطوط التي أشرت إليها، فمسألة العمل بالخط فيه خلاف بين الفقهاء لكن الذي نعمل به اليوم هو ما إذا كان الكاتب
стр. 174
معروف الكتابة موثوقا به أنه لا يكتب إلا الشهادة المحررة، وأما الخط الذي لا يعرف أو يعرف ولكن صاحبه ليس بثقة، فلا نعمل به ولا نقبل إلا شهادة الشاهد بعينه، أو يحمل شهادته من يوثق به؛ ولا ينبغي لك أن تعمل إلا على هذا، فإذا لم يتهيأ فلك عن ذلك مندوحة. وسلم لنا على سعود ومرشد وإخوانك والسلام.
[إجابة على تسع وتسعين مسألة فقهية]
(١٠)
(وله أيضًا ﵀ إجابة على تسع وتسعين مسألة فقهية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي فتح بصائر أوليائه بمشاهدة عجائب الاعتبار والعبر، واستخلص هممهم بصفاء المناجاة، ولذات المصافاة من شواغل الأسباب وشوائب الكدر، أحمده وآمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين وصفوة المرسلين وإمام المتقين وسيد البشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل الله حتى ارتفعت أعلامه على الأديان فظهر، وسلم تسليما.
(أما بعد) فإنه لما كان غرة رجب المحرم سنة ١٢١٧ سبع عشر بعد المائتين والألف، ورد علينا أسئلة ممن أراد الاسترشاد، وكان مقصده إن شاء الله بذلك سلوك طريق الرشاد، وهي مسائل فقهية، فنقلت أجوبتها من كتب الأئمة الأعلام، وأشار في مقدمة أسئلته بإيجاز الكلام، وجملة ما سأل عنه تسع وتسعون مسألة.
نسأل الله الإعانة والتسديد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[المسألة الأولى: استعمال ماء بئر تردت فيه بهيمة]
(المسألة الأولى): إذا تردت بهيمة في بئر ولم يعلم بها إلا بعد تغير رائحة الماء تغيرا ظاهرا، فهل يجوز له استعماله وتستباح به الصلاة أم لا؟
стр. 175
(الجواب): من علم بتغيير رائحة الماء لم يجز له استعماله، ولا تستباح به الصلاة.
[المسألة الثانية: عليه غسل وحضرت الصلاة ولم يجد إلا ماء زمزم]
(المسألة الثانية): إذا كان على رجل غسل، وحضرت الصلاة ولم يجد إلا ماء زمزم، فهل يجوز له استعماله أم لا؟
(الجواب): المسألة فيها خلاف، والظاهر أنه يجوز له استعماله من غير كراهة. فأما إذا وجد غيره ففيه ثلاث روايات: الأولى: لا يكره، والثانية: يكره، والثالثة: يكره الغسل دون الوضوء اختارها الشيخ.
[المسألة الثالثة: الوضوء من ماء راكد بال إنسان فيه]
(الثالثة): إذا بال إنسان في ماء راكد، وحان وقت الصلاة ولا يجد ماء غيره، فهل يباح له الوضوء منه أم لا؟
(الجواب): إذا اضطر إليه ولم يجد غيره، وهو فوق القلتين ولم تغيره رائحة النجاسة، فالظاهر أنه يتوضأ منه ويرتفع حدثه.
[المسألة الرابعة: هل يحل الدين بالموت]
(الرابعة): هل يحل الدين بالموت أم لا؟
(الجواب): المسألة فيها قولان في المذهب، والأظهر أنه لا يحل بالموت إذا وثقوه الورثة.
[المسألة الخامسة: تعذر تسليم المسلم فيه]
(الخامسة) إذا تعذر تسليم المسلم فيه، فهل ينفسخ بنفس التعذر أم لا؟
(الجواب): إذا تعذر تسليم المسلم ففيه روايتان: (إحداهما): أن المسلم بالخيار بين الصبر وبين أخذ الثمن إن كان موجودا، وإلا فمثله إن كان مثليا.
(والثانية): أنه ينفسخ بنفس التعذر، والرواية الأولى أظهر إن شاء الله تعالى.
[المسألة السادسة: هل يجوز الإقالة في جميع ما أسلم فيه]
(السادسة): هل يجوز الإقالة في جميع ما أسلم فيه أو تجوز في البعض؟
(الجواب): حكى ابن المنذر على جوازها في المسلم فيه الإجماع وفي جوازها في البعض روايتان، والأظهر جوازها في البعض.
[المسألة السابعة: صرف الثمن بعد انفساخ العقد بالإقالة]
(السابعة): إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، هل يصرف ذلك الثمن في عقد آخر أم لا؟
стр. 176
(الجواب) هذه المسألة فيها خلاف، والأظهر من ذلك المنع.
[المسألة الثامنة: دفع رجل إلى آخر دراهم وقال: اشتر طعاما مثل الذي لك]
(الثامنة): إذا دفع رجل إلى آخر دراهم، وقال: اشتر بها طعاما مثل الذي لك علي، فهل يصح أم لا؟
(الجواب) الأظهر عدم الصحة.
[المسألة التاسعة: هل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه]
(التاسعة): هل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه أم لا؟
(الجواب): الظاهر الجواز في قول أكثر الفقهاء.
[المسألة العاشرة: ضمان المستعير للعارية]
(العاشرة): هل يضمن المستعير العارية إذا تلفت أم لا؟ وهل يعتبر أم لا؟
(الجواب): أنها لا تضمن إلا بالتفريط فيها.
[المسألة الحادية عشرة: شك هل مسح على الخف قبل الظهر أو بعده]
(الحادية عشرة) إذا لبس الخف وأحدث، ثم صلى الظهر ثم شك هل مسح الخف قبل الظهر أو بعده، وقلنا ابتداء المدة من المسح.
(الجواب): إذا شك هل مسح قبل الظهر أو بعده لم تلزمه الإعادة، لأن الأصل المسح، وقيل يلزمه إعادة الظهر، ويخلع من الغد قبل الظهر فيرد كل شيء إلى أصله.
[المسألة الثانية عشرة: هل يشترط تقدم الطهارة للجبيرة؟]
(الثانية عشرة): هل يشترط تقدم الطهارة للجبيرة، وهل يجمع بين المسح والتيمم أم لا؟
(الجواب): المسألة فيها خلاف، والأظهر أنه لا يشترط تقدم الطهارة للجبيرة والمسح يكفي عن التيمم، والجمع بينهما أحسن ظهورا من الخلاف.
[المسألة الثالثة عشرة: نقض وضوء من مس فرج آخر]
(الثالثة عشرة): إذا مس إنسان فرج آخر أو نظر إليه، هل ينقض وضوؤه أم لا؟
(الجواب): النظر ليس بناقض، وأما المس فينقض الوضوء، وفرقوا هل ينقض الماس والممسوس أم الماس فقط، على روايتين؛ والأظهر من ذلك أن ينقض الكل.
стр. 177
المسألة الرابعة عشرة: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهل يبني على أحدهما أم لا؟
(الجواب) من تيقن الطهارة وشك في الحدث، بنى على ما تيقن.
[المسألة الخامسة عشرة: طاف بالبيت وهو محدث]
(الخامسة عشرة): إذا طاف بالبيت وهو محدث، فهل يصح طوافه أم لا؟
(الجواب): إذا كان طواف الزيارة، فإنه يعيد؛ وإن كان قد خرج إلى بلده جبره بدم. وإن كان غير طواف الزيارة، ففيه قولان: (أحدهما): أن الطهارة شرط لصحته، (والثاني): ليست بشرط، ويجبره بدم.
[المسألة السادسة عشرة: لم يجد ما يستجمر به إلا التراب وكان طينا]
(السادسة عشرة): إذا كان في سفر ولم يجد أحجارا يستجمر بها ولا غيرها إلا التراب، وقد كان طينا، فهل يستجمر به أم لا؟
(الجواب) إذا عدم الجميع، فإنه يصلي على حسب حاله.
[المسألة السابعة عشرة: صلى رجلان معا ونوى كل منهما أنه إمام]
(السابعة عشرة): إذا صلى رجلان معا ونوى كل منهما أنه إمام صاحبه، فهل تصح صلاتهما أم لا؟
(الجواب): هذه على روايتين: (الأولى): عدم الصحة، (والثانية): أنها صحيحة ويصليان منفردين.
[المسألة الثامنة عشرة: صلى رجلان معا ونوى كل منهما أنه مأموم]
(الثامنة عشرة): إذا نوى كل منهما أنه مأموم، فهل تصح صلاة كل منهما أم لا؟
(الجواب): هي كالتي قبلها على روايتين.
[المسألة التاسعة عشرة: أحرم منفردا فحضرت جماعة فدخل معهم]
(التاسعة عشرة): إذا أحرم منفردا فحضرت جماعة فأحب أن يصلي معهم ودخل معهم، فهل تصح صلاته أم لا؟
(الجواب): الظاهر عدم الصحة، وهي أصح الروايتين.
[المسألة العشرون: أحرم رجل مأموما ثم نوى الانفراد لعذر]
(العشرون): إذا أحرم رجل مأموما، ثم نوى الانفراد لعذر فهل تصح صلاته أم لا؟
стр. 178
(الجواب): الظاهر الصحة، لحديث معاذ.
[المسألة الحادية والعشرون: سبق الإمام الحدث قبل أن يستخلف ثم استخلفوا]
(الحادية والعشرون): إذا سبق الإمام الحدث قبل أن ينصرف ويستخلف، ثم استخلفوا من يؤم بهم فهل صلاتهم صحيحة أم لا؟
(الجواب): الظاهر صحة الصلاة.
[المسألة الثانية والعشرون: مر بين يدي المصلي كلب أحمر أو أبيض]
(الثانية والعشرون): إذا مر بين يدي المصلي كلب أحمر أو أبيض، فهل صلاته صحيحة أو يقيد الحكم بالكلب الأسود أم لا؟
(الجواب): المسألة فيها روايتان، والأظهر منهما الاقتصار على ما نص عليه الشارع ﷺ .
[المسألة الثالثة والعشرون: عليه دين لآخر فاقترض منه ليوفيه كل وقت]
(الثالثة والعشرون): إذا كان على رجل دين لآخر، فاقترض منه ليوفيه كل وقت، هل يصح أم لا؟
(الجواب): المسألة فيها خلاف، والأظهر الكراهة لا التحريم.
[المسألة الرابعة والعشرون: أقرض فلاحه شراء بقر أو بذر]
(الرابعة والعشرون): لو أقرض فلاحه شراء بقر أو بذر.
(الجواب): الظاهر المنع لأنه قرض جر منفعة.
[المسألة الخامسة والعشرون: قال الراهن للمرتهن زدني مالا ويكون الذي عندك به رهن]
(الخامسة والعشرون): إذا قال الراهن للمرتهن زدني مالا، ويكون الذي عندك به رهن، هل يصح أم لا؟
(الجواب): الأظهر في هذه المسألة عدم المنع.
[المسألة السادسة والعشرون: رهن المبيع في مدة الخيار أو رهنه المشتري]
(السادسة والعشرون): إذا رهن المبيع في مدة الخيار أو رهنه المشتري، فهل يصح أم لا؟
(الجواب): لا يصح رهن المبيع في مدة الخيار، فإن رهنه المشتري والخيار له وحده صح، وبطل خياره.
стр. 179
[المسألة السابعة والعشرون: رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين]
(السابعة والعشرون): إذا رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين، فهل يصح أم لا؟
(الجواب): إذا رهن أو باع وعلى الميت دين، صح في أصح الروايتين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
[المسألة الثامنة والعشرون: هل يلزم الرهن بغير القبض]
(الثامنة والعشرون): هل يلزم الرهن بغير القبض أم لا؟
(الجواب): لا يلزم الرهن إلا بالقبض، وفرقوا في هذه المسألة، فقالوا: ما كان مكيلا أو موزونا لم يلزم رهنه إلا بالقبض، وفيما عداهما روايتان: (إحداهما): لا يلزم إلا بالقبض، (الثانية): يلزم بمجرد العقد؛ والأولى أصح.
[المسألة التاسعة والعشرون: رهن الصبرة من الطعام]
(التاسعة والعشرون): هل يجوز رهن الصبرة من الطعام التي لا يعرف قدرها بالكيل والوزن؟
(الجواب): ما جاز بيعه جاز رهنه، ولا وجه للمنع.
[المسألة الثلاثون: استدامة القبض شرط للزوم الرهن]
(الثلاثون): هل استدامة القبض شرط لصحة الرهن أم لا؟
(الجواب): استدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإن أخرجه من يده باختياره زال لزوم الرهن. وقال مالك: لا يزول الرهن ولو أخرجه من يده، وهو الذي عليه العمل اليوم.
[المسألة الحادية والثلاثون: رهن العارية والمغصوب]
(الحادية والثلاثون): إذا استعار رجل من آخر شيئا أو غصبه فأراد صاحبه رهنه، فهل يصح أم لا؟
(الجواب): يصح رهنه في العارية والمغصوب إذا أراد صاحبه رده.
[المسألة الثانية والثلاثون: انتفاع المرتهن بالرهن]
(الثانية والثلاثون): هل يجوز لمرتهن الدار أن يسكنها بنفسه أم لا؟
(الجواب): هذه المسألة فيها خلاف، فإن سكنها بغير إذن الراهن حرم، فإن كان بإذنه وأذن الراهن للمرتهن في الانتفاع من غير عوض وكان
стр. 180
دين الرهن قرضا لم يجز، لأنه قرض يجر منفعة وذلك حرام. وإن كان الرهن بثمن مبيع أو دين غير قرض، وأذن له الراهن بالانتفاع جاز ذلك. وكذلك إن كان انتفاعه بعوض مثل أن استأجرها بأجرة مثلها من غير محاباة جاز في القرض لكونه ما انتفع بالقرض في الأجرة، فإن حاباه في دار فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض، فلا يجوز في القرض ويجوز في غيره.
[المسألة الثالثة والثلاثون: تلف الرهن في يد المرتهن]
(الثالثة والثلاثون): إذا تلف الرهن في يد المرتهن، فهل يضمنه بجميع الدين، وإن كان أكثر من قيمته أو بقيمته أم لا؟
(الجواب): إذا تلف الرهن من غير تفريط المرتهن، فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن. فإذا تلف بتفريط المرتهن فإنه يضمنه ١.
[المسألة الرابعة والثلاثون: دفع رجل لآخر رهنا وقال إن جئتك بالدراهم إلى كذا وإلا فالرهن لك]
(الرابعة والثلاثون): إذا دفع رجل إلى رجل آخر رهنا وقال: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك، هل يجوز أم لا؟
(الجواب) إذا قال هذا فهو رهن فاسد، وهذا ينافي مقتضى العقد، فإذا شرط هذا فسد العقد. ويتخرج أن لا يفسد، والأول أظهر.
[المسألة الخامسة والثلاثون: معنى حديث لا يغلق الرهن]
(الخامسة والثلاثون): ما معنى قوله ﷺ : "لا يغلق الرهن"٢
(الجواب) قيل لأحمد: ما معنى قوله ﷺ "لا يغلق الرهن"٣ قال: لا يدفع رهن إلى رجل ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك، قال ابن المنذر هذا معنى قوله ﷺ : "لا يغلق الرهن"٤.
[المسألة السادسة والثلاثون: هل يجوز مصالحة المرأة عن ثمنها؟]
(السادسة والثلاثون): هل يجوز مصالحة المرأة عن ثمنها أم لا
(الجواب): الظاهر عدم الصحة.
[المسألة السابعة والثلاثون: بنى رجل على طريق نافذ بإذن الإمام]
(السابعة والثلاثون): إذا بنى رجل على طريق نافذ بإذن الإمام، فهل يصح أم لا؟