من لا يقول بوجوبهما، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة، ونحوها فلا خلاف في القتال عليها"،* انتهى.
وأيضا فالمقصود من لا إله إلا الله البراءة من الشرك، وعبادة غير الله -تعالى-.
ومشركو العرب يعرفون المراد منها لأنهم أهل اللسان، فإذا قال أحدهم: لا إله إلا الله، فقد تبرأ من الشرك وعبادة غير الله -تعالى-. فلو قال: لا إله إلا الله، وهو مصر على عبادة غير الله لم تعصمه هذه الكلمة؛ لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١ أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٣.
وقال النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يُعبد الله وحده، لا شريك له"٤، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ ٥ أي: الطاعة وهذا معنى لا إله إلا الله.
نسأل الله أن يجعلها آخر كلامنا، ويتوفانا مسلمين برحمته
فهو أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد
........ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم
............. بإحسان إلى يوم الدين
تمت هذه النسخة الشريفة، المحتوية على الألفاظ المنيفة اللطيفة
.... أسكن الله -تعالى- مؤلفها الغرف العالية الرفيعة. آمين
........ وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله
.................... وصحبه وسلم تسليما
........................... كثيرا
стр. 2207
(رسالة)
معنى قوله ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة"، ومحاجة آدم لموسى ﵉ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الإخوان محمد آل عمر، وصالح آل عثمان، ومحمد آل إبراهيم، ثبتهم الله على الإسلام، ووفقهم للتمسك بسنة سيد الأنام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" فموجب الخط: إبلاغ السلام، والوصية بالتمسك بما من الله به عليكم من معرفة التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد، فاعرفوا حق هذه النعمة، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا أنعم الله عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
[معنى إحصاء أسماء الله]
وما سألتم عنه من معنى قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما، فمن أحصاها دخل الجنة"١ فقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- ما معناه: إن الإحصاء يتناول ثلاثة أمور: "الأول": حفظها، "الثاني": معرفة معانيها، "الثالث": اعتقاد ما دلت عليه، والعمل بمقتضاه.
[محاجة آدم لموسى]
وأما معنى محاجة آدم موسى ﵉ ولوم موسى لآدم، فذكر شيخ الإسلام وغيره: أن لوم موسى لآدم إنما هو على المصيبة التي لحقت الذرية بسبب الذنب، وآدم إنما احتج بالقدر على المصيبة، لا على الذنب.
يوضح ذلك: أنه لو جاز الاحتجاج بالقدر على الذنب، وأنه حجة صحيحة، لكان حجة لإبليس وجميع العصاة، وهذا باطل بدلائل الكتاب والسنة، وإجماع أهل الحق من الأمة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2208
الطلاق على عوض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الأخ المكرم إبراهيم آل علي -سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"وبعد" موجب الخط: إبلاغك السلام، والخط وصل -أوصلك الله إلى ما تحب-، وما ذكرت من حال طلاق الذي يذكر أنه طلق زوجته طلقة على عوض منها، ثم بعد ذلك طلقها ثلاثا، فإذا صدقته الزوجة على قوله: إنه طلقها الأولى على عوض منها، فلا يلحقها الطلاق الذي بعد ذلك، وتجوز له بعقد جديد.
وما ذكرت من حال الذي يبغي يعطي الأمير، فالذي تراه مبارك؛ إن أعطى سعر مثله فهو المطلوب، فإن قصر عن السعر، ولا سمحت نفسه بالتمام، فهذا شيء زهيد ما يسوى يكتب من طرفه، ومتى ما شفت له مبيعه تبيعه -إن شاء الله-. وسلم لنا على العيال، والأمير، وولدنا عبد العزيز، وإخوانه، وآل محمد، والطلبة يسلمون عليكم، وأنت في حفظ الله وأمانه. والسلام.
(نصيحة في التمسك بالتوحيد، والأمر بإنكار المنكر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"وبه نستعين"
من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الإخوان عبد الله آل علي، وحمود، وعلى آل عبد الله التويجر، وفقهم الله لطاعته، وحفظهم بكلاءته.
سلام عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 2209
وبعد: موجب الخط: إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم -أصلح الله لنا ولكم الدين والدنيا والآخرة-، وخطكم وصل -أوصلكم الله إلى الخير-، نسأل الله أن يحيينا، وإياكم حياة طيبة، وهي الحياة في الطاعة، وأوصيكم بتقوى الله، والاستكثار من أعمال الخير، والتمسك بما تعرفون من التوحيد الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
فأكثر الناس اليوم صار المعروف عندهم منكرا، والمنكر معروفا، وهذا زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وكل زمان شر مما قبله، وتصدّر للفتوى جهال؛ أضلوا الناس، اجتمع فيهم الجهل والفجور.
وبعض من عنده معرفة، صار يناظر وجوه أهل الدنيا ١، والمنصف اليوم أعز من الكبريت الأحمر، والحق -ولله الحمد- عليه نور.
قال ﷺ : "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها"٢ والحق مع ظهوره في غاية الغربة، ويرى المؤمن ما يذوب من قلبه.
ونرجو أن المتمسك بدين الله اليوم يحصل له أجر خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأجل ظهور الشرك في الأمصار، وظهور المنكرات، وإضاعة الصلوات.
فلم يبق -والله- من الإسلام إلا اسمه، وهذا مصداق ما أخبر به الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين-.
نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين، ويجعلنا وإياكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
هذا، وأنتم في أمان الله وحفظه. والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2210
فتاوى في الاستشفاع والاستغاثة وغيرها
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين-، عن المسائل الآتية، فأجاب عنها بما نصه:-
[معنى الاستشفاع والاستغاثة]
وما سألت عنه من إنكار النبي ﷺ على من قال: نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله؛ لأن معنى قوله: نستشفع بك على الله، أي نطلب منك أن تدعو الله أن يغيثنا؛ لأن الداعي شافع، ومعنى نستشفع بالله عليك: نطلب من الله أن يطلب منك أن تدعو لنا، وتستسقي لنا، والله يُشفع إليه، ولا يشفع هو إلى أحد.
وأما آخر الحديث الذي أشار إليه بعد قوله: "لا يستشفع به على أحد، شأن الله أعظم من ذلك. إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه هكذا"١ وقال بأصابعه مثل القبة، وفي لفظ: "وإن عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه هكذا"٢ - وقال بأصابعه مثل القبة ٣.
وأما قوله في الحديث الآخر: "إنه لا يستغاث بي" الحديث، فإن كان ٤
стр. 2211
النبي ﷺ أراد بهذا الحماية لجانب التوحيد، وإن كانت الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة، كقوله -تعالى-: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١، وإذا أقبل عليك عدو ونخيت على ربعك ٢ يعاونونك، فهذا استغاثة بهم، والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة.
[ضعف الإيمان في القلوب حتى أصبحت لا تحس بما يقع من الشرك]
والحديث المروي: "يأتي على الناس زمان يذوب فيه قلب المؤمن" الحديث؛ فهذه الأزمنة، والله كذلك، ولكن لضعف الإيمان ما نحس بذلك على حقيقته، وقد اشتدت -والله- غربة الإسلام. وأي غربة أعظم من غربة من وفقه الله لمعرفة التوحيد، الذي اتفقت عليه جميع الرسل الذي هو حق الله على عباده، مع جهل أكثر الناس اليوم به، وإنكارهم له، والأمر كما قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣. نسأل الله لنا ولكم الوفاة على التوحيد؛ الذي هو إخلاص العبادة لله وحده.
وقول الحسن ﵀، فما أحسن ذلك وأجله، وتوجعه وتأوهه، فما رأى في زمانه المثنى على أهله، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، كما قال الصادق المصدوق، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم، وإلف العادة، ضعف استنكار المنكر وعُدِم ..
فالله المستعان، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2212
معنى كلمة التوحيد
وحكم من قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشيخ أبا بطين ١ ﵀ عن معنى لا إله إلا الله، وعمن قالها، ولم يكفر بما يعبد من دون الله. وهل من قالها، ودعا نبيا، أو وليا هل تنفعه؟ أو هو مباح الدم والمال ولو قالها؟
[معنى كلمة التوحيد نفيا وإثباتا ومعنى المعبود والعبادة]
أجاب ﵀ وعفا عنه-: معنى لا إله إلا الله عند جميع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء، كلهم يفسرون الإله بالمعبود، والتأله: التعبد.
وأما العبادة فعرفها بعضهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي.
والمأثور عن السلف تفسير العبادة بالطاعة، فيدخل في ذلك فعل المأمور وترك المحظور من واجب ومندوب، وترك المنهي عنه من محرم ومكروه. فمن جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء، والسجود، والذبح، والنذر، وغير ذلك لغير الله فهو مشرك.
ولا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى لا إله إلا الله إثبات العبادة لله وحده، والبراءة من كل معبود سواه، وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى الكفر بما يعبد من دونه البراءة منه واعتقاد بطلانه، وهذا معنى الكفر بالطاغوت في قول الله -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٢. والطاغوت: اسم لكل معبود سوى الله،
стр. 2213
كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"٢.
فقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله"٣ الظاهر أن هذا زيادة إيضاح؛ لأن لا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دون الله، ومن قال: لا إله إلا الله، ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر، كدعاء الموتى والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، فهذا مشرك شاء أم أبى، والله لا يغفر أن يشرك به ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ﴾ ٤.
ومع هذا فهو مشرك، ومن فعله كان كافرا، ولكن على ما قال الشيخ: لا يقال فلان كافر حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن أصرَّ بعد البيان حكم بكفره وحل دمه وماله، وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥ أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٦. فإذا كان في بلد وثن يعبد من دون الله، قوتلوا لأجل هذا الوثن، أي: لإزالته وهدمه وترك الشرك، حتى يكون الدين كله لله.
والدعاء دين، سماه الله دينا كما في قوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٧ أي: الدعاء.
وقال ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له"٨. فمتى كان شيء من العبادة مصروفا لغير الله، فالسيف مسلول عليه. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2214
[معنى كلمة التوحيد وما تنفي وما تثبت]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سأل بعض الإخوان الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن -رحمة الله تعالى علينا وعليه- عن معنى لا إله إلا الله، وما تنفي وما تثبت.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: وما سألت عن معنى لا إله إلا الله، وما تثبت وما تنفي، "فأول" واجب على الإنسان معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ٢ أي: بلا إله إلا الله ﴿هُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. فأفرض الفرائض معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بمقتضاها، فالإله هو المعبود والتأله التعبد. لا معبود إلا الله: نفت الإلهية عمن سوى الله، وأثبتتها لله تعالى وحده.
فإذا عرفت أن الإله هو المعبود، والإلهية هي العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، فالإله هو المعبود المطاع، فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك، وذلك كالسجود، والدعاء، والذبح، والنذر، وكذلك التوكل والخوف والرجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وإفراد الله -سبحانه- بالعبادة، ونفيها عمن سواه هو حقيقة التوحيد، وهو معنى لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله بصدق ويقين، أخرجت من قلبه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، فلا يصير في قلبه محبة لما يكرهه الله ولا كراهة لما يحبه، وهذا حقيقة الإخلاص الذي قال فيه ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة، أو حرم الله عليه النار"٤.
قيل للحسن البصري: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدَّى حقها وفرضها.
وغالب من يقول لا إله إلا الله إنما يقولها تقليدًا، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه
стр. 2215
فلا يعرف ما ... ١ ومن لا يعرف ذلك يخفى عليه أن يصرف عنها عند الموت، وفي القبور أمثال هؤلاء يقولون كما في الحديث: "سمعت الناس يقولون شيئا فقلته"٢.
نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والله أعلم. اهـ.
(نقل من خط من يزعم أنه نقله من خط الشيخ العلامة والعالم الفاضل البحر الفهامة، وحيد زمانه، وفائق أقرانه، وفارس المعاني والألفاظ، وأوحد الأجلة الحفاظ، ذي الهمم السنية، والمفاخر العلية، مفتي الديار النجدية، نادرة العصر، وزينة الدهر، عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله تعالى-).
فتاوى فقهية ومسائل
(في تصرف وصي الصبي في ماله، وفي الطلاق، وأيهما يقدم من مال الميت: سداد الدين أو الحج عنه ؟)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أفتنا -عفا الله عنك-: إذا كان هنا وكيل لعيال صغار قاصرين، والوكيل كأخ، أو عم، أو أجنبي، هل تمضي وكالته بكل حال كقسم عقار، أو تصرف بمال أو غيره، أو تمضي بشيء دون شيء؟
"مسألة": إذا طلَّق رجل امرأته في حال صحته بائنا بعوض، أو ثلاث، فمات وهي في عدته، هل يجب عليها حداد أو يستحب، أم لا؟
"مسألة": إذا مات إنسان وفي ذمته دين آدميين وحجة الإسلام، وتركته ما توفي الجميع، هل يقدم الدين أو الحجة أو يتحاصَّان؟ أفتنا مأجورا. انتهى.
стр. 2216
أجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله تعالى-:
[وصي الصغير وتصرفاته في مال الصغير]
"الجواب": من طرف المسألة الأولى فالوصي على الصغار إنما يملك التصرف فيما وصي عليه به، فإذا أوصاه أبو الصغار عليهم في النظر في مالهم، وما يصلح لهم، ملك التصرف فيما فيه مصلحة لهم، وكذلك إذا كان لهم شريك في شيء، وطلب القسمة فالوصي عليهم يقسم لهم، وتمضي قسمته. ولا يملك الوصي تزويج صغير إلا إن نص له الأب على التزويج بأن يقول: وصيت إليك بتزويج بناتي ونحو هذا.
[البائن في الصحة]
وأما البائن في الصحة فلا يلزمها إحداد إذا مات زوجها وهي في عدته، ولا تنتقل عن عدة الطلاق، بل تتم عدة طلاق فقط، ولا يستحب لها الإحداد أيضا؛ لأنها غير وارثة منه.
[مات وكان قد وجب عليه الحج في حياته لاستكمال شروطه وعليه دين]
وأما من مات وعليه حجة الإسلام بأن يكون قد وجب عليه الحج في حياته لاستكمال شروطه حج عنه من ماله، فإن كان عليه دين، وماله لا يفي، فالدين ونفقة الحج سواء يقسم بالحصص. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
﴿رسالة في هبة ثواب الأعمال إلى الميت هل يجوز أم لا ؟﴾
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
هذا جواب مسائل وردت على شيخنا فقال:
أما ما ذكرت من إيراد عثمان بعض عبارات الأصحاب على جواز التشريك في نفس العمل، فهو إيراد غير صحيح، ولا ينبغي للطالب العدول عن صريح كلامهم ومعارضته بما يحتمل من موافقة الصريح من كلامهم، ويحتمل ضده ثم يحمله على ما يخالف الصريح، بل الذي ينبغي رد المحتمل من كلامهم على صريحه ومنصوصه كما يجب رد المتشابه إلى المحكم.
وأما ما رواه الكحَّال عن أحمد قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء
стр. 2217
من الخير، من صلاة وصدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه. قال: أرجو، فهذا يحتمل أن المراد جعل نصف نفس العمل، ويحتمل نصف ثوابه، ويتعين حمله على الاحتمال الثاني لوجهين:
"أحدهما": أن الأصحاب لما ذكروا جواز إهداء ثواب العمل، احتجوا لقولهم برواية الكحال عن الإمام، فدلَّ على أن هذا معنى الرواية عندهم.
"الوجه الثاني": أنهم لما نصوا على أنه إذا حرم عن اثنين وقع عن نفسه قاسوا ذلك على الصلاة، فدلَّ على أن كون الصلاة لا تقع عن اثنين لا خلاف فيه عندهم لأنهم جعلوه أصلا، وقاسوا عليه الحج، فدلَّ على أنهم لم يفهموا من رواية الكحال إلا التشريك في نفس العمل، وإنما معناها التشريك في الثواب.
ولما ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- وصول ثواب القربات إلى الأموات، وذكر ما في المسألة من الخلاف، وصحَّح القول بوصولها، وذكر حجج المخالفين، وذكر من حججهم قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت.
فأجاب بوجهين: "أحدهما": منع الملازمة. "الثاني": التزام ذلك والقول به، نصَّ عليه الإمام أحمد من رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعا، وله أن يهدي بعضه، يوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا - تحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع، وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره. اهـ.
[الوصي بالأضحية هل يأكل منها أم لا؟]
وأما الوصي في الأضحية فقاسوه على من أوصى إليه بتفرقة شيء -مثلا- على الفقراء وهو فقير. المشهور في المذاهب أنه لا يأخذ شيئا، وأجاز جماعة له الأخذ، وفيه قول يجوز له الأخذ إن دلت قرينة على الإذن وإلا فلا، وتعليلهم على أنه يجوز مع الإذن، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأكل من الأضحية جاز، وصرح ابن عبد الهادي بجواز الأكل له كغيره.
стр. 2218
وأما ما أفهمه كلام أحمد بن محمد من أنه لا يجوز له الأكل حتى مع الإذن، فالظاهر أنه ليس بصواب، لأن كلام الأصحاب قد دلَّ على جواز الأخذ لمن أوصى إليه بتفرقة شيء، أو وكل إليه فيه إذا أذن له في الأخذ، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأخذمن لحم الأضحية، وأي فرق؟
وأما إذا قال الموصي لوصيه في الأضحية: لك جلدها ونحوه على سبيل الوصية له بذلك، أو على طريق العوض، فالظاهر عدم جواز ذلك، وأما إذا قال: أذنت لك في الأكل من لحمها فلا مانع منه، والله أعلم.
[العمل بالخط في إثبات الوقف]
"وأما المسألة الثالثة": وهي العمل بالخط في إثبات الوقف، وهل ينْزع العقار ونحوه ممن هو في يده؟ بخط قاض معروف ويحكم به بمجرد الخط؟ فالذي يظهر أن هذا مبني على جواز العمل بمجرد الخط في الحكم والشهادة.
ومن المعلوم أن الذي عليه أكثر متقدمي الأصحاب أنه لا يجوز العمل بمجرد الخط، وقد علمتم ما شرطوه في كتاب القاضي إلى القاضي وغير ذلك. والذي عليه عمل المتأخرين جواز العمل بالخط، والكلام الذي نقلتموه مضمونه عدم جواز العمل بالخط. لأنه أخرجه عن كونه بينة، ولا شك أن هذا هو مقتضى قول أكثر المتقدمين.
وأما ما اعتمده كثير من المتأخرين من العمل بالخطف فمقتضى قولهم جواز العمل بذلك والاعتماد عليه، بشرط تحقق الحاكم أنه خط القاضي المعروف خطه وثقته، فلا يجوز الاعتماد على خط لا يتيقنه ولا يعرف ثقة كاتبه.
والله أعلم.
стр. 2219
رسالة
في حكم من يكفِّر غيره من المسلمين
والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل
(فلا يحكم عليه به إلا بعد أن تقوم عليه الحجة)
والذي لا يعذر
من فتاوى
﴿العلامة مفتي الديار النجدية، وعالم الطائفة السلفية﴾
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المشتهر بأبا بطين
رحمه الله تعالى
(علَّق عليه بعض الحواشي الضرورية في هذه المسألة المهمة)
السيد محمد رشيد رضا
منشئ مجلة المنار
стр. 2220
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
استفتاء
"مسألة": قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى- في رده على ابن البكري: "فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، وتزني بأهله، لأن الزنى والكذب حرام لحق الله -تعالى-، وكذلك التكفير حق لله -تعالى- فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله.
وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين، وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر"، إلى أن قال: "ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين ينفون أن يكون -تعالى- فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال"، إلخ.*
أفتونا ما معنى قيام الحجة -أثابكم الله بمنه وكرمه-؟
[حكم من يكفِّر غيره من المسلمين]
"الجواب": الحمد لله رب العالمين. تضمَّن كلام الشيخ ﵀ مسألتين: "إحداهما": عدم تكفيرنا لمن كفرنا.
وظاهر كلامه أنه سواء كان متأولا أم لا، وقد صرَّح طائفة من العلماء أنه إذا قال ذلك متأولا لا يكفر. ونقل ابن حجر الهيتمي عن طائفة من الشافعية أنهم صرَّحوا بكفره إذا لم يتأوَّل، فنقل عن المتولي أنه قال: إذا قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر. قال: وتبعه على ذلك جماعة، واحتجُّوا بقوله ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما"١، والذي رماه به مسلم، فيكون هو كافرًا، قالوا: لأنه سمى الإسلام كفرًا. وتعقب بعضهم هذا التعليل وهو قوله: لأنه
стр. 2221
سمى الإسلام كفرا فقال: هذا المعنى لا يفهم من لفظه: ولا هو مراده، إنما مراده ومعنى لفظه أنك لست على دين الإسلام الذي هو حق، وإنما أنت كافر دينك غير الإسلام، وأنا على دين الإسلام. وهذا مراده بلا شك لأنه إنما وصف بالكفر الشخص لا دين الإسلام، فنفى عنه كونه على دين الإسلام، فلا يكفر بهذا القول، إنما يعزر بهذا السب الفاحش بما يليق به. ويلزم على ما قالوه أن من قال لعبد: يا فاسق، كفر لأنه سمى العبادة فسقا، ولا أحسب أحدا يقوله، وإنما يريد أنك تفسق، وتفعل مع عبادتك ما هو فسق، لا أن عبادتك فسق. انتهى.
وظاهر كلام النووي في شرح مسلم يوافق ذلك، فإنه لما ذكر الحديث قال: وهذا مما عده العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي كالقتل والزنى، وكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام.
ثم حكى في تأويل الأحاديث وجوها: "أحدها": أنه محمول على المستحل ومعنى "باء بها" بكلمة الكفر، وكذا "حارت عليه" في رواية أي: رجعت عليه كلمة الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى. "الثاني": رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. "الثالث": أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض عن مالك، وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. "الرابع": معناه أنه يؤول إلى الكفر، فإن المعاصي كما قالوا بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. ويؤيده رواية أبي عوانة في مستخرجه على مسلم: "فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر"١. "الخامس": فقد رجع بكفره، وليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير، كونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الإسلام. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد في قوله ﷺ : "ومن دعا رجلا بالكفر وليس
стр. 2222
كذلك إلا حار عليه"١ أي: رجع عليه. وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدا من المسلمين، وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من العلماء اختلفوا في العقائد، وحكموا بكفر بعضهم بعضا.
ثم نقل عن الاستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، قال: وربما خفي هذا القول على بعض الناس، وحمله على غير محمله الصحيح.
والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعا رجلا بالكفر، وليس كذلك رجع عليه الكفر، وكذلك قوله ﷺ : "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما"٢.
وكان هذا المتكلم أي أبو إسحاق يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين، إما المكفِّر؛ وإما المكفَّر، فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع أني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. انتهى.
وظاهر كلام أبي إسحاق أنه لا فرق بين المتأول وغيره، والله أعلم.
وما نقله القاضي عن مالك من حمله الحديث على الخوارج موافق لإحدى الروايتين عن أحمد في تكفير الخوارج، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم، لأنهم كفروا كثيرا من الصحابة، واستحلوا دماءهم وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم لتأويلهم. وقالوا: من استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر. وإن كان استحلاله ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر، والله أعلم وأحكم.
[تكفير الشخص المعين وقتله مشروط بقيام الحجة عليه]
"المسألة الثانية": "إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها" إلخ.
يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة، وقد صرح بذلك في موضع آخر، ونقل ابن عقيل عن الأصحاب أنه لا يعاقب، وقال: إن عفو الله عن الذي كان يعامل، ويتجاوز
стр. 2223
لأنه لم تبلغه الدعوة، وعمل بخصلة من الخير، واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعا: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"١. قال في شرح مسلم: خص اليهود والنصارى لأن لهم كتابا، قال: وفي مفهومه أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور. قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول "لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح". اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢ في هذا دليل على أن معرفة الله -تعالى- لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. اهـ. وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر أنه يعاقب ٣. اختاره ابن حامد، واحتج بقوله تعالى-: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٤. والله أعلم.
فمن بلغته رسالة محمد ﷺ وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة ٥، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله -سبحانه- بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ٦. ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم.
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين
стр. 2224
شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة، ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنى، ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء. ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه لا عذر له بعد بلوغها له وإن لم يفهمها ١. وقد أخبر الله عن الكفار أنهم لم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
فبين -سبحانه- أنهم لم يفقهوا فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ٤ الآية.
[من قال إن من عجز عن معرفة الحق بعد النظر فهو معذور بكفره]
قال الشيخ أبو محمد موفق الدين بن قدامة -رحمه الله تعالى- لما أنجز كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب أم لا؟، ورجح أنه ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين. قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم ٥ ... إلى أن قال: وأما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله -تعالى- ورد عليه وعلى رسوله، فإنا نعلم قطعا أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم ٦ يقتل البالغ منهم. ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة
стр. 2225
اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة لرسول ﷺ وصدقه، والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى-: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٤، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ٦. وفي الجملة ذم المكذبين لرسول الله ﷺ لا ينحصر في الكتاب والسنة اهـ.
فبين رحمه الله تعالى- أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل ٧.
[التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة وفهمها]
فقول الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: "إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة"، يدل كلامه على أن هذين الأمرين -وهما التكفير والقتل- ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان ٨. بل آخر كلامه ﵀ يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور
стр. 2226
التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات.
[مسائل من الكفر يجهلها كثير من العوام]
وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح -رحمه الله تعالى- في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها ١. وهذا في كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- كثير كقوله في بعض كتبه: "فكل من غلا بنبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، نحو أن يقول: يا فلان أغثني، أو اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، او أجبرني، أو توكلت عليك، وأنا في حسبك وأنت حسبي، ونحو هذه الأقوال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل"*.
وقال أيضا: "فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم، كفر إجماعا".**
وقال: "من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله، فهو مرتد. وإن جهل أن ذلك محرم، عُرّف ذلك، فإن أصر صار مرتدا". ...
وقال: "من سب الصحابة أو واحدا منهم، أو اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره".****
وقال أيضا: "من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر".**** انتهى.
стр. 2227
[ما يعذر به الجاهل بجهله من أمور الدين واستحلال المحرمات وما لا يعذر]
فانظر كيف كفر الشاك، والشاك جاهل، فلم ير الجهل عذرًا في مثل هذه الأمور ١.
وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ولهذا قالوا: من عصى مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة، ومن فعل المحارم مستحلًّا فهو كافر بالاتفاق ... قال: والاستحلال اعتقاد أنها حلال ٢، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو الرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ويعاند فهذا أشد كفرًا ممن قبله". انتهى.*
стр. 2228
وكلامه ﵀ في مثل هذا كثير، فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه، أو فعلوه كفر، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء، لأن منها ما هو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة المجمع عليها بين علماء السلف.
وقد نص السلف والأئمة على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم مع العلم أنهم غير معاندين، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله تعالى-: من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو جحد حل الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر ونحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عُرف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يخصوا الحكم بالمعاند.
وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة -أقوالا وأفعالا- يكون صاحبها بها مرتدا، ولم يقيدوا الحكم بالمعاند.
وقال الشيخ أيضًا: "لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن آمن وعمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة ١، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق، فإن أصروا كفروا".*
وقال أيضًا: "ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا ٢ من الأحياء والأموات -لا الأنبياء ولا غيرهم- لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعانة ولا بغيرهما، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ولا إلى ميت
стр. 2229
ونحو ذلك. بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول". انتهى.*
فانظر إلى قوله: "لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول"، ولم يقل حتى يتبين لهم ١ وتتحقق منهم المعاندة بعد المعرفة.
وقال أيضا لما أنجز كلامه في ذكر ما عليه كثير من الناس من الكفر والخروج عن الإسلام قال: "وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق، فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطيء ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين الإسلام، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدا ﷺ بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين أو غيرهم، فإن
стр. 2230
هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك أو يعودون ... إلى أن قال:
وبلغ من ذلك أن منهم من يصنفون في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته، ورغب فيه ١، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون تاب عنه وعاد إلى الإسلام". انتهى.*
فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة، فقال في المقالات الخفية التي هي كفر قد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة.
فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية، فيكفر بالأمور الظاهر حكمها مطلقا، وبما يصدر منها من مسلم جهلا، كاستحلال محرم، أو فعل، أو قول شركي بعد التعريف، ولا يكفر بالأمور الخفية جهلا كالجهل ببعض الصفات فلا يكفر الجاهل بها مطلقا ٢ وإن كان داعية، كقوله للجهمية: أنتم عندي لا تكفرون
стр. 2231
لأنكم جهال، وقوله "عندي" يبين أن عدم تكفيرهم ليس أمرا مجمعا عليه لكنه اختياره. وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب، فإن الصحيح من المذهب تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن، أو نفي الرؤية، أو الرفض، ونحو ذلك، وتفسيق المقلد.
[وجوب الاحتياط في التكفير وقصره على ما اتفق عليه]
قال المجد ابن تيمية ﵀: الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية، فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن، أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه مخلوقة، أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة تدينا، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر، عليه فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع. انتهى.
فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم، والشيخ ١ ﵀ يختار عدم كفرهم، ويفسقون عنده.
ونحوه قول ابن القيم -رحمه الله تعالى- فإنه قال: وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون
стр. 2232
ما أوجب الله، ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك، وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم.
وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة ١ ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة. انتهى.
وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام، أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين، وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين.
فالواجب علينا الاتباع وترك الابتداع، كما قال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وأيضا فما تنازع العلماء في كونه كفرا، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ .
وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة، فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين، فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.
ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه، فكيف
стр. 2233
يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين، ومحنته من تينك البليتين، ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[جواز تكفير الشخص بما هو قطعي]
فائدة عظيمة
من كلام مفتي الديار النجدية عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -قدس الله سره-
(في موضوع التكفير المتقدم عنه)
قال -رحمه الله تعالى-: وأما ما سئلت عنه من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئا من المكفرات؟ فالأمر الذي دل الكتاب والسنة وإجماع العلماء عليه أنه كفر مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه-. فمن ارتكب شيئا من هذا النوع أو حسنه، فهذا لا شك في كفره، ولا بأس بمن تحققت منه شيئا من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل.
يبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدا كافرا، ويستفتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر، وحكمه أن يستتاب فإن تاب، وإلا قتل. والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي: إن القرآن مخلوق، قال: كفرت بالله العظيم. وكلام العلماء في تكفير المعين كثير.
وأعظم أنواع الكفر الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك كما أن من زنى قيل: فلان زان، ومن رابى قيل: فلان مراب، والله أعلم. (منقولة حرفا بحرف، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم).
стр. 2234
رسالة أخرى
في سكوت أكثر الناس عن المنكرات
﴿وكونه لا يعد إجماعا يحتج به على مشروعيتها ؟﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وبه نستعين)
من علي بن عبد الله إلى الوالد المكرم عبد الله بن عبد الرحمن، سلمه الله تعالى، وأسبغ عليه نعمه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد": إن قال قائل: تقرون أن إجماع الأمة حجة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وأنتم قد خالفتم جميع العلماء من أهل الأمصار قاطبة، وادعيتم ما لم يدعيه غيركم، وأنكرتم ما لم ينكر في جميع الأرض. والإشارة هنا إلى التوحيد، وإلى ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، وتكفير من أشرك بالله في ألوهيته عند المشاهد وغيرها، فما الجواب لذلك؟ أفدنا جزاك الله خيرًا جوابًا سديدًا.
"فأجاب": سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد": دعوى هذا المبطل إجماع العلماء على جواز دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، فهذا كذب، وشبهته أن هذه الأمور ظاهرة في جميع الأمصار، ولم يسمعوا أن عالما أنكرها.
فيقال: قد أنكرها كثير من علماء هذا الزمان، ووافق عليه خواص من علماء الحرمين واليمن، وسمعنا منهم مشافهة، ولكن الشوكة لغيرهم. وصنف فيه جماعة كالنعيمي من أهل اليمن، له مصنف في ذلك حسن، وكذلك الشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني وغيرهم، ورأيت مصنفا لعالم من أهل جبل سليمان في
стр. 2235
إنكار ذلك. وهذا مصداق قول النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين"١، وليس المراد بالظهور بالسيف بل بالحجة دائما، وبالسيف أحيانا.
ولو قال هذا المجادل: إن أكثر الناس على ما يرى، لكان صادقا، وهذا مصداق الحديث "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ"٢.
وأيضا فالبناء على القبور، وإسراجها، وتجصيصها، ظاهر غالب في الأمصار التي تعرف، مع أن النهي عن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ، ومنصوص عليه في جميع المذاهب، فهل يمكن هذا المبطل أن يقول: إن الأمة مجمعة على جواز ذلك لكونه ظاهرا في الأمصار. والله سبحانه- إنما افترض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأمرهم أن يردوا إلى كتابه وسنة رسوله ما تنازعوا فيه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة.
فإذا عرف أن الشرك عبادة غير الله، وعرف معنى العبادة، وأنها كل قول وعمل يحبه الله ويرضاه ٣، ومن أعظم ذلك الدعاء لأنه مخ العبادة، وعلم ما يفعل عند القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح. علم أن هذا هو الشرك الأكبر الذي هو
стр. 2236
عبادة غير الله، فإذا تحقق الإنسان ذلك عرف الحق، ولم يبال بمخالفة أكثر الناس، ويعتقد أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
فإن قال هذا المجادل: إن هذه الأمور التي تفعل عند القبور جائزة شرعا، فهو محاد لله ورسوله، فإن قال: هذه الأمور ما تجوز لكنها ليست بشرك، مع دعواه أن علماء الزمان أجمعوا على ذلك، فيلزمه أن الأمة أجمعت على ضلالة، والإنسان إذا تبين له الحق لم يستوحش من قلة الموافقين وكثرة المخالفين لا سيما في هذا الزمان.
وقول الجاهل: لو كان هذا حقا ما خفي على فلان وفلان، هذه دعوى الكفار في قولهم ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ١، ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٢. وقد قال علي ﵁ "اعرف الحق تعرف أهله".
وأما الذي في حيرة ولبس، فكل شبهة تروج عليه، فلو أن أكثر الناس اليوم على الحق لم يكن الإسلام غريبا، وهو والله اليوم في غاية الغربة. ولما ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- الشرك وظهوره قال: فما أعز من يخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره، يعني ما أقل من لا يعادي من أنكره.
وهذا قوله في زمانه، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه كما قال النبي ﷺ .
وقد نقلنا في الأوراق التي كتبنا وهي عندكم طرفا من كلام العلماء في أنواع الشرك.
ومن ذلك قول الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: "من جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين".* انتهى. وهذا الذي يفعل عند هذه المشاهد، وهذا أظهر أمور الدين، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣. نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
آمين، وصلى الله على محمد.
стр. 2237
رسالة له أخرى
(في الرد على من احتج على جواز الشرك والضلال بعمل الناس وكثرة السواد)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(رب يسر وأعن يا كريم)
من عبد الله بن عبد الرحمن إلى الولدين المكرمين محمد آل عبد الله ومحمد آل عمر آل سليم زادهما الله علما وفهما، ووهب لنا ولهما حلما وحكما. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد موجب الخط إبلاغ السلام، والخط وصل -أوصلكما الله إلى كل الخير-، وكذلك الأبيات التي نقلتم كتبنا عليها ما اتسع له المحل، وبطلان ما تضمنته ظاهر، ولله الحمد ما يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، ولكن إذا تحققتم بقول الصادق المصدوق أن هذه الأمة تتبع اليهود والنصارى فيما أحدثوا حذو القذة بالقذة مع قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"١، ٢، فإذا صدق الإنسان بذلك لم يستنكر ٣ ما حدث من الشرك والبدع وظهور المنكرات، وتضييع شرائع الإسلام، وتعطيل حدود الله.
فإذا عرف ذلك، وعلم أنه لم يضل اليهود والنصارى إلا علماؤهم، علم أن سبب ضلال هذه الأمة علماؤها كما في الحديث المشهور "علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود".
وقول القائل: لو أن هذا ما يجوز، ما خفي على فلان وفلتان، فهذه شبهة باطلة. وقد روى ابن وضاح عن عمر ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت: أجل
стр. 2238
إنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذاك يا رسول الله؟ قال: أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة بعد قليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر، أم فتنة ضلالة؟ قال: كل سيكون، قلت: وأين يأتيهم ذلك وأنت تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلون، وذلك من قبل قرائهم وأمرائهم".
قال محمد بن وضاح: الخير من بعد الأنبياء ينقص، والشر يزداد. وقال: "إنما هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم وستهلك هذه الأمة على يدي قرائهم وفقهائهم"، قال ابن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها
وقد أخبر الله -سبحانه- عن اليهود أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: يتأولون كتاب الله على غير ما أراد الله، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، وأخبر عنهم أنهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢، ولا بد أن يوجد في هذه الأمة من يتابعهم على ما ذمهم الله به.
والإنسان إذا عرف الحق وضده، لم يبال بمخالفة من خالف كائنا من كان، ولا يكبر في صدره مخالفة عالم ولا عابد، لأن هذا أمر لا بد منه، وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا عظيمة لا منكر لها، والله المستعان.
[الاستغاثة بغير الله تعالى شرك]
"قلت": والاستغاثة بالنبي ﷺ صدرت من كثير من المتأخرين ممن يشار إليه بالعلم.
وقد صنف رجل يقال له ابن البكري كتابا في الاستغاثة بالنبي ﷺ ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجلد، بين فيه بطلان ما ذهب إليه، وبين أنه من الشرك. قال الشيخ: "وقد طاف -يعني ابن البكري- على علماء مصر فلم يوافقه أحد منهم، وطاف عليهم بجوابي الذي كتبته، وطلب منهم معارضته فلم يعارضه أحد
стр. 2239
منهم مع أن عند بعضهم من التعصب ما لا يخفى، ومع أن قوما كان لهم غرض وجهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ذوي سلطان، مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم".*
قال شيخ الإسلام تقي الدين -رحمه الله تعالى-: "والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح، لكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه عند الشدائد ويدعوه".** اهـ.
والمقصود أن نوع الشرك من الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره جرى في زمان الشيخ، والشر يزيد، لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، فالله المستعان. وفي هذه الأزمنة يقال: العجب ممن نجا كيف نجا ليس العجب ممن هلك كيف هلك.
وقول من يقول: استعملها من هو أعلم منا وأعرف بكلام العرب، فبئس الحجة الواهية، والله لم يأمرنا باتباع من رأيناه أعلم منا، وإنما أوجب علينا عند التنازع الرد إلى كتابه وسنة نبيه، قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١ خاصة في أصول الدين، فإنه لا يجوز التقليد فيها بإجماع العلماء، ولأن أدلته ولله الحمد ظاهرة، ولم يقل -سبحانه- فإن تنازعتم في شيء فاتبعوا ما عليه أكثر الناس ولا ما عليه بلد من البلدان.
وأكثر الناس اليوم -خصوصا طلبة العلم- خفي عليهم الشرك، والشيخ ابن عجلان المذكور يجوز الاستغاثة بالأموات فكيف بالنبي ﷺ ؟ وكلامه صريح ما يحتمل تأويلا كقوله:
... ... .... ومنقذي من عذاب الله والألم
نسأل الله السلامة، وابن عجلان أقل الأحوال هجره، وأما النصيحة فلا تفيد في مثله. وأمره هذا إن وصل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، أو فيصل، أو ابن
стр. 2240
سعود الأدني فأخاف على نفسه، ولو له عقل ما أظهر هذا الأمر الذي يجر عليه شرًّا، ولكن قد أحسن القائل ﵀ ورضي عنه-:
يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل أوان
لكننا قلنا مقالة صارخ ... في كل وقت بينكم بأذان
الرب رب والرسول فعبده ... حقًّا وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر ... حمن فعل المشرك النصراني
كلا، ولم نغل الغلو, كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق, هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقًّا واحدًا ... من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويميننا ... وكذا متاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به ... إياك نعبد، ذاك توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذا التسبيح والتكبير والتهـ ... ـليل حق إلهنا الديان
لكنما التعزير والتوقير حـ ... ـق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان
هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجملوها يا أولي العدوان
حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير إشراك ولا شك هما ... سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله الـ ... ـمقبول إذ هو صاحب البرهان
إلى آخر كلامه ﵀ ورضي عنه-، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والله أعلم.
стр. 2241
أسئلة عن أحاديث غير صحيحة وأجوبتها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الحمد لله وحده﴾
[حديث "لو أن أحدكم أدلى بحبل"]
سئل الشيخ علامة العصر، ونادرة الدهر، عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمة الله علينا وعليه آمين- عن حديث: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"١.
فأجاب: حديث: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"٢ رواه الترمذي من رواية الحسن عن أبي هريرة. وللشيخ تقي الدين ﵀ على هذا الحديث كلام طويل، قال: "فإن كان ثابتا ٣ فقوله: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"٤ إنما هو تقدير مفروض أي: لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا لأنه عال بالذات. وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز من الجزء ... " إلى أن قال: "فكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية، فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز، لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز.
فإن قدر أن الرافع أقوى كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله، وإنما يسمى هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين من أن ما يحاذي أرجلهم يكون هابطا، ويسمى هبوطا مع تسمية إهباطه إدلاء.
وهو إنما يكون إدلاء حقيقيا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدا للحبل والدلو، لا إدلاء له، ولكن الجزء والشرط مقدران لا محققان، فإنه قال: "لو أدلى لهبط"، أي: لو
стр. 2242
فرض أن هناك إدلاء لفرض أن هناك هبوطا، وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض، وهذا منتف. ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب، وهذا المفروض ممتنع في حقنا، لا نقدر عليه فلا يتصور أن ندلي، فلا يتصور أن يهبط على الله شيء، لكن الله قادر على أن يخرق من هناك بحبل لكن لا يكون في حقه إدلاء، فلا يكون في حقه هبوط عليه، كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب، أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك كله ... " إلى أن قال:
"فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر مع خرق المركز، وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض، فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيئا بالنسبة إليه لا إدلاء ولا هبوطا، وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا. وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط، فإذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هنالك، لكن هذا التقدير ممتنع في حقنا.
والمقصود به بيان إحاطة الخالق -تعالى-، كما بين أنه يقبض السموات، ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات، ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
وهذا كله كلام على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال: وفسر بعض أهل العلم بأنه هبط على علم الله".
ثم قال الشيخ: "وتأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد، قال: وبتقدير ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة. فليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلم أمسكنا عنه".*
стр. 2243
[أحاديث ليس لها أصل]
وأما من روى أن الزيدية مجوس هذه الأمة، فلا شك أن هذا كذب وإنما المروي: "القدرية مجوس هذه الأمة".
وحديث: "القرآن كلام الله" ... إلخ، ليس له أصل عن النبي ﷺ . وحديث: "تارك الصلاة" ... إلخ، ما له أصل. وحديث ابن عطاء الله ما ذكر ما أظن له أصلا، ولا ينبغي التحديث بهذا وأشباهه. وحديث: "الحديث في المسجد" ... إلخ ما علمت له أصلا. والله -سبحانه أعلم-.
[قول بعضهم: الجمعة خلف غير المتزوج لا تصح. وإتمام التراويح ٢٠ ركعة]
(مسألة): في قول بعض الناس ما تصح الجمعة خلف إمام لم يتزوج، وكذلك قول بعضهم في التراويح يجب إتمام عشرين ركعة، ما الصحيح؟ أفتونا مأجورين.
(الجواب): الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
(وبعد)، فصلاتكم التراويح أقل من العشرين فلا بأس، والصحابة ﵃ منهم من يقل، ومنهم من يكثر، والحد المحدود لا نص عليه من الشارع صحيح.
وأما صلاتكم الجمعة خلف الإمام الذي ما تزوج فليس الزواج بشرط، وإنما الشرط البلوغ والاستيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
(الكلام على إعادة الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال ابن القيم في كتاب الروح:
[إعادة الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال]
(فصل): وأما المسألة السادسة وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا تعاد؟ فقد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة فأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه.
فقد قال البراء بن عازب ﵁: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله ... إلى أن
стр. 2244
قال في آخر الحديث: "حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي يسمع فيها الخطاب ١، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض" إلخ الحديث. ووجدت في كلام القرطبي تعليقا على هذا الحديث.
قال القرطبي في تذكرته: قوله ﷺ "حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله -تعالى-"٢ المعنى أمر الله وحكمه، وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض، ومنها يهبط ما ينْزل به منها، كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء ٣.
وفي حديث البراء: "أنه ينتهي بها إلى السماء السابعة"٤.
وقد كنت تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم وبصر، ومعنا جماعة من أهل النظر والاجتهاد فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، فذكرت له هذا الحديث فما كان إلا أن بادر إلى عدم صحته، ولعن رواته، وبين أيدينا رطب نأكله. فقلت له: الحديث صحيح خرجه ابن ماجه في السنن، ولا ترد الأخبار بمثل هذا القول، بل تتأول، وتحمل على ما يليق من التأويل، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها، فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه.
إلى هنا من التذكرة للقرطبي.
* * *
ووجدت بخط شيخنا معلقا على هذا الحديث: والهامش المنسوب للتذكرة: يا عجبا لمحرف حديث رسول الله ﷺ ومغير ألفاظه، كيف يصف رسول الله
стр. 2245
صلى الله عليه وسلم ربه بأنه في السماء كما في حديث البراء المذكور.
وكذلك حديث أبي هريرة الموافق لحديث البراء في إثبات وصف الله -سبحانه- بأنه في السماء، وكذلك حديث الرقية المرفوع في سنن أبي داود: "ربنا الله الذي في السماء"١ وكذلك قوله للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، فهذا أعلم الأمة بربه وأخشاهم له يصف ربه بأنه في السماء، ويشهد لمن وصفه بذلك بالإيمان.
ونقل الصحابة ألفاظه للتابعين، ونقلها التابعون، وبلغوها لمن بعدهم، وتداولها أهل الحديث وأئمة الإسلام، وأثبتوها في كتبهم، وأقروها على ظاهرها، وقالوا أمروها كما جاءت، وقالوا: تفسيرها قراءتها، فلما لم يتسع عطن هذا المعطل، لذلك حمله تعطيله وجهله على أن غير لفظ رسول الله ﷺ وحرفه، ولم يكفه تغيير معناه مع إقرار لفظه كما يفعله كثير، كقول القرطبي في تأويل هذا الحديث. فلهذا المحرف أوفر نصيب من مشابهة اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ففيه تصديق قوله ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم"٢.
[رد تأويل من أوّل "أن الله في السماء" وحقيقة معناها]
وأما تأويل من تأول كونه في السماء بأن أمره وحكمه ونحو ذلك، فهذا تأويل باطل قطعا، فإن أمره وحكمه لا يختص بسماء دون سماء، ولا بالسماء دون الأرض، وأيضا فيكفي في بطلانه أن القرون المفضلة أقروا هذه الأحاديث على ظاهرها، وكذلك سائر آيات الصفات وأحاديثها.
وأنكروا على من تأولها بنحو هذه التأويلات وبدعوهم، فإجماعهم على الإضراب عن تأويلها، وتبديعهم من تأولها، دليل قاطع على بطلان هذه التأويلات.
ومن توهم من قوله: "إنه -سبحانه- في السماء"، أنه سبحانه في داخل السموات فهو جاهل ضال، وليس هذا بمراد من اللفظ، ولا ظاهر فيه. إذ السماء يراد بها العلو، فكل ما علا فهو سماء، سواء كان فوق الأفلاك، أو تحتها كما قال -تعالى-: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلي السَّمَاءِ﴾ ٣.