أسئلة عن أحاديث غير صحيحة وأجوبتها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الحمد لله وحده﴾
[حديث "لو أن أحدكم أدلى بحبل"]
سئل الشيخ علامة العصر، ونادرة الدهر، عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمة الله علينا وعليه آمين- عن حديث: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"١.
فأجاب: حديث: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"٢ رواه الترمذي من رواية الحسن عن أبي هريرة. وللشيخ تقي الدين ﵀ على هذا الحديث كلام طويل، قال: "فإن كان ثابتا ٣ فقوله: "لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله"٤ إنما هو تقدير مفروض أي: لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا لأنه عال بالذات. وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز من الجزء ... " إلى أن قال: "فكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية، فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز، لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز.
فإن قدر أن الرافع أقوى كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله، وإنما يسمى هبوطا باعتبار ما في أذهان المخاطبين من أن ما يحاذي أرجلهم يكون هابطا، ويسمى هبوطا مع تسمية إهباطه إدلاء.
وهو إنما يكون إدلاء حقيقيا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدا للحبل والدلو، لا إدلاء له، ولكن الجزء والشرط مقدران لا محققان، فإنه قال: "لو أدلى لهبط"، أي: لو
стр. 2242
فرض أن هناك إدلاء لفرض أن هناك هبوطا، وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض، وهذا منتف. ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب، وهذا المفروض ممتنع في حقنا، لا نقدر عليه فلا يتصور أن ندلي، فلا يتصور أن يهبط على الله شيء، لكن الله قادر على أن يخرق من هناك بحبل لكن لا يكون في حقه إدلاء، فلا يكون في حقه هبوط عليه، كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب، أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض فإن الله قادر على ذلك كله ... " إلى أن قال:
"فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانبه الآخر مع خرق المركز، وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض، فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيئا بالنسبة إليه لا إدلاء ولا هبوطا، وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا. وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط، فإذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطا على ما هنالك، لكن هذا التقدير ممتنع في حقنا.
والمقصود به بيان إحاطة الخالق -تعالى-، كما بين أنه يقبض السموات، ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات، ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١.
وهذا كله كلام على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال: وفسر بعض أهل العلم بأنه هبط على علم الله".
ثم قال الشيخ: "وتأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد، قال: وبتقدير ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة. فليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلم أمسكنا عنه".*
стр. 2243
[أحاديث ليس لها أصل]
وأما من روى أن الزيدية مجوس هذه الأمة، فلا شك أن هذا كذب وإنما المروي: "القدرية مجوس هذه الأمة".
وحديث: "القرآن كلام الله" ... إلخ، ليس له أصل عن النبي ﷺ . وحديث: "تارك الصلاة" ... إلخ، ما له أصل. وحديث ابن عطاء الله ما ذكر ما أظن له أصلا، ولا ينبغي التحديث بهذا وأشباهه. وحديث: "الحديث في المسجد" ... إلخ ما علمت له أصلا. والله -سبحانه أعلم-.
[قول بعضهم: الجمعة خلف غير المتزوج لا تصح. وإتمام التراويح ٢٠ ركعة]
(مسألة): في قول بعض الناس ما تصح الجمعة خلف إمام لم يتزوج، وكذلك قول بعضهم في التراويح يجب إتمام عشرين ركعة، ما الصحيح؟ أفتونا مأجورين.
(الجواب): الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
(وبعد)، فصلاتكم التراويح أقل من العشرين فلا بأس، والصحابة ﵃ منهم من يقل، ومنهم من يكثر، والحد المحدود لا نص عليه من الشارع صحيح.
وأما صلاتكم الجمعة خلف الإمام الذي ما تزوج فليس الزواج بشرط، وإنما الشرط البلوغ والاستيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
(الكلام على إعادة الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال ابن القيم في كتاب الروح:
[إعادة الروح إلى الميت في قبره وقت السؤال]
(فصل): وأما المسألة السادسة وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا تعاد؟ فقد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة فأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه.
فقد قال البراء بن عازب ﵁: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله ... إلى أن
стр. 2244
قال في آخر الحديث: "حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي يسمع فيها الخطاب ١، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض" إلخ الحديث. ووجدت في كلام القرطبي تعليقا على هذا الحديث.
قال القرطبي في تذكرته: قوله ﷺ "حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله -تعالى-"٢ المعنى أمر الله وحكمه، وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض، ومنها يهبط ما ينْزل به منها، كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء ٣.
وفي حديث البراء: "أنه ينتهي بها إلى السماء السابعة"٤.
وقد كنت تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم وبصر، ومعنا جماعة من أهل النظر والاجتهاد فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، فذكرت له هذا الحديث فما كان إلا أن بادر إلى عدم صحته، ولعن رواته، وبين أيدينا رطب نأكله. فقلت له: الحديث صحيح خرجه ابن ماجه في السنن، ولا ترد الأخبار بمثل هذا القول، بل تتأول، وتحمل على ما يليق من التأويل، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها، فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه.
إلى هنا من التذكرة للقرطبي.
* * *
ووجدت بخط شيخنا معلقا على هذا الحديث: والهامش المنسوب للتذكرة: يا عجبا لمحرف حديث رسول الله ﷺ ومغير ألفاظه، كيف يصف رسول الله
стр. 2245
صلى الله عليه وسلم ربه بأنه في السماء كما في حديث البراء المذكور.
وكذلك حديث أبي هريرة الموافق لحديث البراء في إثبات وصف الله -سبحانه- بأنه في السماء، وكذلك حديث الرقية المرفوع في سنن أبي داود: "ربنا الله الذي في السماء"١ وكذلك قوله للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، فهذا أعلم الأمة بربه وأخشاهم له يصف ربه بأنه في السماء، ويشهد لمن وصفه بذلك بالإيمان.
ونقل الصحابة ألفاظه للتابعين، ونقلها التابعون، وبلغوها لمن بعدهم، وتداولها أهل الحديث وأئمة الإسلام، وأثبتوها في كتبهم، وأقروها على ظاهرها، وقالوا أمروها كما جاءت، وقالوا: تفسيرها قراءتها، فلما لم يتسع عطن هذا المعطل، لذلك حمله تعطيله وجهله على أن غير لفظ رسول الله ﷺ وحرفه، ولم يكفه تغيير معناه مع إقرار لفظه كما يفعله كثير، كقول القرطبي في تأويل هذا الحديث. فلهذا المحرف أوفر نصيب من مشابهة اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ففيه تصديق قوله ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم"٢.
[رد تأويل من أوّل "أن الله في السماء" وحقيقة معناها]
وأما تأويل من تأول كونه في السماء بأن أمره وحكمه ونحو ذلك، فهذا تأويل باطل قطعا، فإن أمره وحكمه لا يختص بسماء دون سماء، ولا بالسماء دون الأرض، وأيضا فيكفي في بطلانه أن القرون المفضلة أقروا هذه الأحاديث على ظاهرها، وكذلك سائر آيات الصفات وأحاديثها.
وأنكروا على من تأولها بنحو هذه التأويلات وبدعوهم، فإجماعهم على الإضراب عن تأويلها، وتبديعهم من تأولها، دليل قاطع على بطلان هذه التأويلات.
ومن توهم من قوله: "إنه -سبحانه- في السماء"، أنه سبحانه في داخل السموات فهو جاهل ضال، وليس هذا بمراد من اللفظ، ولا ظاهر فيه. إذ السماء يراد بها العلو، فكل ما علا فهو سماء، سواء كان فوق الأفلاك، أو تحتها كما قال -تعالى-: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلي السَّمَاءِ﴾ ٣.
стр. 2246
فلما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: "إنه في السماء"، أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء. وإذا قيل العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم موجود إلا الله، وإن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك، كان المراد أنه عليها كما قال: ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ ١ وكما قال: ﴿فسيروا في الأرض﴾ ٢، وكما قال: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ ٣، ويقال: فلان في الجبل وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء فيه.
[ليس معنى قوله: "إن الله في السماء" أن السماء تحويه]
ومن فهم من قول النبي ﷺ أن الله في السماء أن هناك ظرفا يحيط به، فهذا فهم فاسد.
فإذا كانت السموات السبع بالنسبة إلى الكرسي كسبعة دراهم في ترس، والكرسي في العرش كحلقة في فلاة، والعرش مخلوق، فكيف يتوهم هذا في الخالق -جل وعز- الذي يطوي السموات بيمينه، والأرض بيده الأخرى؟ والله -سبحانه- أعظم وأكبر وأجل من كل شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
قال ابن عباس: ما السموات السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. فلما كان هذا مستقرا في نفوس المخاطبين، كان المفهوم عندهم من كونه -سبحانه- في السماء أن المراد بذلك العلو الذي هو ضد السفل، وأنه فوق كل شيء عال على كل شيء. ومن توهم من وصف الله -سبحانه- بأنه في السماء أن السماء تحيط به، وتحويه، فهو ضال إن اعتقده في ربه، وكاذب إن نقله عن غيره.
ولو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول النبي ﷺ أن الله في السماء أن السماء تحويه، لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا لا يفهمه الناس منه، بل هو محال عندهم، ثم يريد أن يتأوله؛ بل عند المسلمين أن الله في السماء وهو على
стр. 2247
العرش واحد، إذ السماء إنما يراد بها العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل.
ومن ظن أن ظاهر قوله أن الله في السماء أن السماء تحيط به، وتحويه فقد ظن برسول الله ﷺ ما لا يليق به من كونه يخاطب أمته بما ظاهره كفر وضلال، ويشهد لمن قال ذلك بالإيمان، ولم يقل مرة واحدة: لا تعتقدوا ظواهر ما أحدثكم به في صفات ربكم، بل تأولوها، واعتقدوا فيها كذا وكذا، وإن ظاهرها غير مراد. فإنهم كانوا لا يفهمون من ظاهرها إلا ما هو حق، وهو أنه -سبحانه- فوق كل شيء عال على كل شيء، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. والله أعلم، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم.
﴿بيان الربا وما يعمله الناس اليوم من الحيل ليصلوا به إلى الربا ٢﴾ *
[ومسائل أخرى في الديون وغيرها]
[ما يعمله الناس من الحيل للوصول إلى الربا]
"مسألة"**: في تحريم الربا، وما يفعل من المعاملات بين الناس اليوم؛ ليتوصلوا به إلى الربا. وإذا حل الدين يكون المديون معسرا فيقلب الدين في معاملة أخرى بزيادة مال، وما يلزم ولاة الأمور في هذا،؟ وهل يرد على صاحب المال رأس ماله دون ما زاد في معاملة الربا؟
"الجواب": المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع "وقد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل والمحلل له"٣ قال الترمذي: حسن صحيح، فالاثنان ملعونان.
وكان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل، قال له: أتقضي، أم تربي؟ فإن وفاه، وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد
стр. 2248
هذا في المال، فيتضاعف المال، والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين.
وأما إذا كان هذا هو المقصود، ولكن توصلوا بمعاملة أخرى، فهذا تنازع فيه المتأخرون من المسلمين.
وأما الصحابة فلم يكن منهم نزاع أن هذا محرم؛ فإن الأعمال بالنيات، والآثار عنهم بذلك كثيرة مشهورة. والله -تعالى- حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين، وأكل المال بالباطل، وهذا موجود في المعاملات الربوية. وإذا حل الدين، وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يلزم لقلب لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره، وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره.
والواجب على ولاة الأمور بعد تعزير المتعاملين بالمعاملة الربوية بأن يأمروا المدين أن يؤدي رأس المال، ويسقط الزيادة الربوية، فإن كان معسرا وله مغلات يوفي منها، وفى دينه منها بحسب الإمكان، والله أعلم.
[إبطال مسألة التورق لإفضائها إلى الربا]
"مسألة"*: في رجل عليه دين يحتاج إلى بضاعة، أو حيوان ينتفع به أو يتاجر، فيطلبه من إنسان دينا فلم يكن عنده، هل للمطلوب أن يشتريه، ثم يدينه له بثمن إلى أجل؟ وهل له أن يوكله في شرائه، ثم يبيعه له بعد ذلك بربح اتفقا عليه قبل الشراء؟
"الجواب": من كان له عليه دين فإن كان موسرا وجب عليه أن يوفيه، وإن كان معسرا وجب إنظاره، ولا يجوز قلبه عليه بمعاملة ولا غيرها.
وأما البيع إلى أجل ابتداء، فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسلعة أو التجارة فيها جاز إذا كان على الوجه المباح.
وأما إذا كان مقصوده الدراهم فيشتريها بمائة مؤجلة، ويبيعها في السوق بسبعين
стр. 2249
حالة، فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء، وهذا يسمى التورق، قال عمر ابن عبد العزيز: التورق أخية الربا، والله أعلم.
[بيع الرهن]
"مسألة"*: فيمن له على شخص دين، ورهن عليه رهنا، والدين حال، ورب الدين محتاج إلى دراهمه فهل يجوز له بيع الرهن أم لا؟
"الجواب": إذا كان أذن له في البيع جاز، وإلا باع الحاكم إن أمكن، ووفاه حقه منه. ومن العلماء من يقول: إذا تعذر ذلك، دفعه إلى ثقة يبيعه، ويحتاط بالإشهاد على ذلك، واستوفى حقه منه، والله أعلم.
[إطالة المدة في البينة]
"مسألة"**: في رجل ادعى على رجل دعاوى، ولم يعترف الغريم بشيء، وخرج المدعي على أن يقيم بينة، واعتقل المدعى عليه، ولم يقم بينة بعد أربعة أيام أو خمسة، فهل يجوز تطاول المدة في البينة، أم تكون هذه البينة إلى مدة؟.
"الجواب": لا يجوز مثل هذا الحبس كما ذكر، بل قد نص أئمة المذاهب الأربعة أنه لا يجوز مثل هذا الحبس، وإنما تنازعوا هل يطلب من المدعى عليه كفيلا إلى ثلاثة أيام ونحوها، إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة، وتنازعوا فيما إذا أقام حجة شرعية، ولها شرط مثل أن يقيم بينة ولم يذكرها، فيطلب حبس الخصم حتى يأتي بشرطها، على قولين في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما. فأما هذا الحبس فلا يجوز باتفاق العلماء فيما أعلم، والله -سبحانه- أعلم.
[إبراء الزوجة زوجها من الصداق]
"مسألة" ... : في امرأة لها زوج، ولها عليه صداق، فلما حضرتها الوفاة أحضرت شاهد عدل، وجماعة نسوة، وأشهدت على نفسها أنها أبرأت زوجها من صداقها، فهل يصح هذا الإبراء أم لا؟
стр. 2250
"الجواب": إن كان الصداق ثابتا عليه إلى أن مرضت مرض الموت، لم يصح ذلك إلا بإجازة بقية الورثة. وأما إن كانت أبرأته في الصحة جاز ذلك، وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد؛ ويثبت أيضا بشهادة امرأتين ويمين عند مالك، وقول في مذهب أحمد. وإن أقرت في مرضها أنها أبرأته في الصحة، لم يقبل هذا الإقرار عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ويقبل عند الشافعي. وقد قال النبي ﷺ : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"١، وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله، والله أعلم.
[تكليم الله لموسى بغير واسطة]
"مسألة"*: في رجلين تنازعا، فقال أحدهما: إن الله كلم موسى تكليما سمعته أذناه ووعاه قلبه، وإن الله كتب التوراة بيده، وناولها من يده إلى يده إلى موسى. وقال الآخر: إن الله كلم موسى بواسطة، وإن الله لم يكتب التوراة بيده، ولم يناولها من يده إلى يده.
"الجواب": القائل الذي قال: إن الله كلم موسى تكليما كما أخبر في كتابه فمصيب، وأما الذي قال: كلم الله موسى بواسطة، فهذا ضال مخطيء؛ بل نص الأئمة على أن من قال ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، فإن هذا إنكار لما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، ولما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. قال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ٢ الآية، ففرق بين تكليمه من وراء حجاب كما كلم موسى، وبين تكليمه بواسطة رسول كما أوحى إلى غير موسى. قال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤. والأحاديث بذلك كثيرة في الصحيحين والسنن.
وفي الحديث المحفوظ عن النبي ﷺ : "التقى آدم وموسى، قال آدم: أنت
стр. 2251
موسى الذي كلمك الله تكليما، لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه"١. وسلف الأمة وأئمتها كفروا الجهمية الذين قالوا: إن الله خلق كلاما في بعض الآجام ٢ سمعه موسى، وفسر التكليم بذلك.
وأما قوله: إن الله كتب التوراة بيده فهذا قد روي في الصحيحين، فمن أنكر ذلك فهو مخطيء ضال، وإذا أنكره بعد معرفته بالحديث الصحيح، فإنه يستحق العقوبة.
وأما قوله: ناولها بيده إلى يده، فهذا مأثور عن طائفة من التابعين، وهو كذلك عند أهل الكتاب، لكن لا أعلم هذا اللفظ مأثورًا عن النبي ﷺ . فالمتكلم به إن أراد ما يخالف ذلك، فقد أخطأ، والله أعلم.
تمت بقلم الفقير إلى الله -تعالى- عبد الرحمن بن عبد العزيز بن صعب،
غفر الله له ولوالديه ومشايخه وإخوانه وجميع المسلمين،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
стр. 2252
﴿المسائل الحفظية﴾
نصيحة في تعلم التوحيد
والطريق إليه
(وبيان ما يجب على أهل القرى من حق الضيف، وحق الإمام في زكاة النقدين، والعمل بظاهر الأحاديث)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حسين وعبد الله ابني الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى جناب الأخ في الله محمد بن أحمد الحفظي -سلمه الله تعالى- من الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "أما بعد": فإنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه محمد البشير النذير، وعلى آله وأصحابه أولي الفضل الشهير، والعلم المستطير.
وقد وصل إلينا كتابك، وفهمنا ما حواه من حسن خطابك، وتذكر أنك على هذا الدين الذي نحن عليه من إخلاص الدين لله -تعالى-، وترك عبادة ما سواه، وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد، ولو قدر فواق ١، فالحمد لله الذي من علينا وعليك. وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق، ومن انتفع بهذا الدين، واستقام عليه فله البشرى في الحياة الدنيا والآخرة، وله العزة والرفعة والجاه والملابس الفاخرة.
وفي الحديث عن الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- قال: "إن الله ليرفع بهذا الدين أقواما ويضع به آخرين"٢.
стр. 2253
والذي نوصيك به، ونحضك عليه: التفقه في التوحيد، ومطالعة مؤلفات شيخنا -رحمه الله تعالى-، فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، وحقيقة الشرك الذي حرمه الله -تعالى- ورسوله ﷺ وأخبر أنه لا ينفع صاحبه، وأن الجنة على فاعله حرام، وأن من فعله حبط عمله.
والشأن كل الشأن في معرفة حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وبه يكون الرجل مسلما مفارقا للشرك وأهله، وذلك لأن كثيرا من المصنفين إذا ذكر التوحيد لم يبينه، وقد يفسره بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، ومنهم من يفسره بتوحيد الذات والصفات، وذلك -وإن كان حقا- فليس هو المراد من توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله. وكثير من المصنفين يفسر الشرك بالإشراك في توحيد الربوبية الذي أقر به كفار العرب وغيرهم من طوائف المشركين، كما قال -تعالى-: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ٢ الآية. وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وإنما الخلاف الذي بينهم وبين الرسول ﷺ هو توحيد الإلهية الذي هو توحيد العبادة، ولهذا لم يصيروا موحدين بمجرد الإقرار بتوحيد الربوبية.
فإياك أن تغتر بما أحدثه المتأخرون وابتدعوه كابن حجر الهيتمي وأشباهه، واعتمد في هذا الأصل على كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وعلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا تغتر بما حدث بعدهم من البدع المضلة في أصول الدين وفروعه، كما قال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٣.
وبهذا تعرف حقيقة أصل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا
стр. 2254
رسول الله، فإن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن لا تعبد إلا الله وحده لا شريك له. وتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، هو أن يطاع فيما أمر، وينتهى عما عنه نهى وزجر، ويكون هو الإمام المتبع، ومن سواه فيؤخذ من كلامه، ويترك فعلى أقواله وأفعاله تعرض الأقوال والأفعال، فما وافق قوله فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود.
وأما المسائل الثلاث التي سألتم عنها:
[حكم الضيافة]
"فالأولى": مسألة الضيافة هي واجبة أم لا؟
فالذي عليه العمل أنها واجبة على أهل القرى، وعلى أهل البوادي دون الأمصار الكبار التي توجد الأطعمة تباع فيها بلا كلفة.
[طلب الزكاة من الأموال الباطنة كالنقدين]
"وأما الثانية": وهي قولكم: هل للإمام وعماله طلب الزكاة من الأموال الباطنة كالنقدين، أم يختص ذلك بالأموال الظاهرة؟
فهذه مسألة اختلف العلماء فيها، فمنهم من يقول: إن للإمام أخذ الزكاة من الأموال الباطنة كالظاهرة، ويجب دفعها إليه، وهو قول مالك، وقول في مذهب أحمد. وأما الأموال الظاهرة فيجب دفعها إلى الإمام العادل إذا طلبها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد.
واتفق على أن للإمام طلب الزكاة من الأموال الظاهرة والباطنة، وإنما الخلاف في وجوب الدفع إليه، وهل يجزئ عن صاحبها إذا لم يدفعها إليه أم لا؟
[العمل بصريح الحديث وظاهره]
"وأما المسألة الثالثة": في العمل بصريح الحديث وظاهره، إذا وجده المرء في الأمهات الست، أو ما التزم مخرجه فيه الصحة والحسن، هل للإنسان العمل به والاعتماد عليه وإن لم يبحث عنه هل هو منسوخ أم لا؟ وهل عارضه أقوى منه أم لا؟
فنقول: الذي ينبغي لطالب العلم إذا رأى مثل ذلك أن يبحث عن كلام أهل العلم في المسألة التي دل عليها الحديث، هل هو معمول به عندهم، أم هو منسوخ، أم
стр. 2255
قد عارضه ما هو أقوى منه؟ فإذا فعل ذلك، وعرف مذاهب العلماء في المسألة تبين له حينئذ، هل الحديث محكم صحيح، أو منسوخ، أم قد عارضه ما هو أقوى منه عند أهل العلم؟ هذا إذا كان الإنسان من أهل المعرفة بهذا الحديث وكلام العلماء. فإذا وجد حديثا مشهورا عند أهل العلم، محكوما بصحته أو حسنه، ولم يعلم له ناسخا، ولا معارضا أقوى منه، وقد أخذ بعض العلماء من أهل المذاهب المشهورة به تعين عليه العمل بالحديث إذا كان قد سبقه من أهل العلم من يقتدى به، ولو خالف مذهبه الذي ينسب إليه.
وأما إذا كان الرجل ليس له معرفة بالحديث، وكلام العلماء، وترجيح الأقوال، فإنما وظيفته تقليد أهل العلم. قال الله -تعالى-: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ والله أعلم.
والذي نشير به عليك أنك تسافر إلينا، ونتواجه نحن وإياك، وتواجه أمير المؤمنين، ونعرف حالك، وتصبر على تحمل المشقة في ذلك، فإنه خير لك وأحسن عاقبة إن شاء الله. وسلم لنا على الوالد وإخوانك من أهل الدين، وكاتبه أحمد بن ناصر بن معمر يبلغك السلام، ثم أنت في حفظ الله وأمانه.
[رسائل للشيخ عبد الرحمن بن حسن]
(وجوب جهاد أهل الفساد ودفع فسادهم في الدين)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى كافة الإخوان، سلمهم الله من شرور الدنيا والآخرة، ووفقنا الله وإياهم للتجارة الفاخرة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد": فاعلموا، وفقنا الله وإياكم لشكر ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام، والاجتماع على ذلك، وجهاد من خرج عنه من أهل الجهل والفساد، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد أوجب الله جهادهم
стр. 2256
دفعا لعنادهم وخروجهم عن جماعة المسلمين، والسمع والطاعة لمن ولاه الله أمرهم، كما قال -تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١.
ومن فضله عليكم اجتماعكم وجهادكم لأهل الفساد، ولولا الجهاد لأفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وأنتم ولله الحمد على ملة الإسلام، تعبدون ربكم، وتوحدونه، وتعملون بفرائضه، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر.
ومن أعظم الشكر: الجهاد الذي أوجبه الله في كتابه العزيز، قال -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ٢ الآية، وقال -تعالى-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ ٣ الآية، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤ الآية.
والإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله بالمال والنفس هو التجارة المنجية من شرور الدنيا والآخرة الموجبة لخير الدنيا والآخرة، كما قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٥ الآيات.
فبشركم ربكم، فاقبلوا هذه البشارة، وامتثلوا أمره، وجاهدوا أهل الفساد، وارغبوا في ثواب الجهاد في سبيل الله.
وفي الحديث: "غدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها"٦. ولا تفرطوا في الغدوات والروحات فتضيع عليكم، وفي الحديث: "الجهاد باب من أبواب الخير ينجي الله به من الهم والغم، وخير المال ما أنفق فيه، وخير الأيام أيام المجاهدين" لأن المجاهد في حسنات تكتب له في يقظته ونومه، وفي سيره ومقامه.
فارغبوا في هذا الخير الذي رغب فيه ربكم، وابذلوا فيه المال والنفس. وأفضل المجاهدين من جاهد بنفسه وماله.
وما عذر ربنا عن الجهاد إلا الأعمى والأعرج والمريض، كذلك الذين لا يجدون ما ينفقون إذا نصحوا لله ورسوله، والنصيحة لله ولدينه واجبة على المعذور وغيره. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 2257
(الآيات في التوحيد الذي دعت إليه كل الأنبياء)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن حسن إلى الإخوان من أهل القصيم،
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد":
[توحيد العبادة]
اعلموا -وفقنا الله وإياكم لمعرفة العلم النافع والعمل به-، تفهمون أن الله -سبحانه- منَّ على أهل نجد بتوحيده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وهذه نعمة عظيمة خص الله أهل نجد بالقيام فيها من الخاصة على العامة، لكن ما عرف قدرها. والغفلة ذمها الله في كتابه، وذكر أنها صفة أهل النار، نعوذ بالله من النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.
وذم أهل الإعراض بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ٢ وذكره هو القرآن، ولا تعرفون العبادة التي خلقكم الله لها إلا من القرآن. والقرآن من أوله إلى آخره يبين لكم كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله. ولا يصح لأحد إسلام إلا بمعرفة ما دلت عليه هذه الكلمة من نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه وممن فعله، ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والموالاة في ذلك.
فمن الآيات التي بين الله -تعالى- فيها هذه الكلمة قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ٣ وهي: لا إله إلا الله.
وقد افتتح قوله بالبراءة مما كان يعبده المشركون عموما، ولم يستثن إلا الذي فطره، وهو الله -تعالى- الذي لا يصلح شيء من العبادة إلا له.
ونوع تعالى البيان لمعنى هذه الكلمة في آيات كثيرة يتعذر حصرها، كقوله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ ٤، والكلمة هي: لا إله إلا الله بالإجماع، ففسرها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٥ أي: نكون
стр. 2258
فيها سواء، علما وعملا وقبولا وانقيادا. فقال: ﴿أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ١: فنفى ما نفته لا إله إلا الله بقوله: ﴿أَلا نَعْبُدَ﴾ ٢، وأثبت ما أثبتته لا إله إلا الله بقوله: ﴿إِلا اللَّهَ﴾ ٣، وقال: ﴿أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٤.
فهذا أمر عظيم أمر الله -تعالى- به عباده وخلفهم له، ففي قوله: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٥: نفى الشرك الذي نفته لا إله إلا الله، وقوله: ﴿إِلا إِيَّاهُ﴾ ٦: هو الإخلاص الذي أثبتته لا إله إلا الله.
وقال -تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٧ قضى أي: أمر، ﴿أَلا تَعْبُدُوا﴾ ٨: فيه من النفي ما في معنى لا إله، وقوله: ﴿إِلا إِيَّاهُ﴾ ٩: هذا هو الإثبات الذي أثبتته إلا الله.
وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ ١٠ فهذا هو الذي أمر به ﷺ ودعا الناس إليه، وهو إخلاص العبادة، وتخليصها من الشرك قولا وفعلا واعتقادا.
وقد فعل ﷺ ذلك، ودعا الناس إليه، وجاهدهم عليه حق الجهاد، وهذا هو حقيقة دين الإسلام، كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١١. بين -تعالى- أن توحيد الإلهية هو الإسلام.
والأعمال كلها لا يصلح منها شيء إلا بهذا التوحيد، وهو أساس الملة ودعوة المرسلين. والدين كله من لوازم هذا الأصل وحقوقه، وقد قال -تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١٢.
فمن تدبر القرآن، وتذكر به عرف حقيقة دين الإسلام الذي أكمله الله لهذه الأمة، كما قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ١٣.
هذا ما ننصحكم به، وندعوكم إليه، وبالله التوفيق. وصلى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.
стр. 2259
أقوال العلماء في الاشتغال بفن المنطق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ القادم من بلاد الأوغان* عبد الله بن محمد -وفقه الله لحقيقة الإسلام والإيمان-. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد:
فالذي يجب علينا محبة الخير لمن أراده وقصده، فلعل الله -تعالى- أن يجعله مؤثرا للحق على غيره، لكن نبحث مع مثلك في شيئين:
(الأول): إن علم المنطق قد حرمه كثير من المحققين، وأجازه بعض العلماء ١.
стр. 2260
لكن الصواب تحريمه لأمور: "منها": أنه ليس من علوم الشريعة المحمدية، بل هو من علوم اليونان، وأول من أحدثه المأمون بن الرشيد، وأما في خلافة من قبله من أسلافه من بني العباس، وقبلهم خلفاء بني أمية فلا يعرف في عصرهم.
(الأمر الثاني): أن أئمة التابعين من الفقهاء والمفسرين والمحدثين لا يعرفون هذا العلم، وهم نقلة العلم، والإسلام في وقتهم أظهر، والعلوم النافعة عندهم أكثر، وقد توافرت دواعيهم على نقل العلم، وكذلك من أخذ عنهم من الأئمة الأربعة، ومن في طبقتهم من المحدثين، ومن الفقهاء والمفسرين، فلا تجد في كتبهم، ولا من أخذ عنهم شيئا من هذا العلم.
(الأمر الثالث): أن هذا العلم إنما أحدثه الجهمية لما ألحدوا في أسماء الله وصفاته، واستمالوا المأمون إلى تعريب كتب اليونان، فعظمت فتنة الجهمية، وظهرت بدعتهم من أجل ذلك، فصار ضرره أكثر من نفعه. وذكر العلماء أن ما فيه من صحيح فهو موجود في كتب أصول الفقه، فيتعين تركه وعدم الالتفات إليه، والمعول إنما هو على الكتاب والسنة، وما عليه السلف والأئمة.
وهذه كتبهم موجودة بحمد الله ليس فيها من شبهات أهل المنطق شيء أصلا. فهذا الذي ندين الله به.
[التوحيد وأنواعه وحقيقة كل نوع منه]
(البحث الثاني): السؤال عن التوحيد وأنواعه وحقيقة كل نوع منه، فإن كان عند القادم من ذلك تحقيق، وإلا فيجب إرشاده إلى ذلك وتعليمه، لأن العلم أقسام ثلاثة لا رابع لها.
فيجب عليك أيها الرجل القادم أن تسعى لنفسك بمعرفة الحق بدليله واللي يبي ١ يقبل علمنا هذا الذي منَّ الله به علينا من تمييز الحق من الباطل، فهو أخونا، والحمد لله على هداية من اهتدى، واللي يرى غير ذلك فلا نحن بإخوان له. والسلام وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 2261
رسالة أدبية، سياسية صوفية
فيها الإشارة إلى ما حدث للمسلمين من العقاب بذنوبهم
(وما يجب عليهم في هذا المشهد من التوبة عن السيئات، وما فوقه من مشهد الأسماء والصفات)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الابن المكرم المحب المفهم: محمد بن عمر بن سليم، سلك الله بنا وبه الصراط المستقيم، ومنَّ علينا وعليه بمخالفة أصحاب الجحيم، ورفع درجتنا ودرجته في جنات النعيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما تعاقبت غدوات الدهر وروحاته، سلام ألذ من نسيم الصبا، وأبهى من رونق الصبى. وموجب الخط إبلاغ السلام والتحية، وتفقد تلك الشمائل المرضية، لا زالت محروسة بعين الرعاية الربانية. والخط وصل لا زلت موصولا بنفحات القرب والمحبوبية، محفوظا بألطاف الله الخفية والجلية، وسرنا ما أفاده من الأخبار السارة عن تلك الذات -أدام الله سرورها، ورد أيام أنسها وحبورها-، وصار له عند المحب موقع كريم، بما تضمن من الدعوات والنصائح، جعلك الله ممن يدرأ القبائح والفضائح، ويعمل بالحق ويوصي باتباعه، ويبثه في إخوانه وأشياعه.
وما أشرت إليه من أسباب ما حدث بالإسلام وأهله، وأنه من عقوبات الذنوب، فنعم هو ذاك، كما أخبر به في كتابه المبين، على لسان نبيه الأمين. وهذا المشهد يوجب للعبد من التوبة والإنابة، وتدارك ما فرط من الشر وأسبابه ما يطهره من دنس الذنوب والعيوب، ويستقيل به عثراته وهفواته بين يدي علام الغيوب.
стр. 2262
وفوقه مشهد أكبر منه وأجلُّ، وهو مشهد الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فيشهد عزته ولطفه ورحمته وعفوه وقيوميته وجبروته وانتقامه، وما يبدئ ويعيد، وما يقدر ويريد؛ وهذا المشهد من أجلِّ مشاهد التوحيد، ومنه يطلع العبد على أسرار القدر والقضاء، ويدرك به من حقائق الإيمان ونفحات الرضاء، ما يتبوأ به منازل الصديقين، ويرى الحوادث الكونية قبل وقوعها من وراء ستر رقيق. فنسأل الله أن يجعل لنا ولكم نصيبا وافرا، وحظا كاملا من العلم به، وحسن عبادته ومعاملته، وأن لا يجعلنا ممن اتبع هواه وكان أمره فرطا.
وما ذكرته من الوصايا النافعة باجتماع المسلمين ولم شعثهم، فنسأل الله التوفيق لذلك، والإعانة على ما هنالك. والأمور بيد فاطر السموات والأرض، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وقد وصل الأمر إلى غاية لا يصل إليها الوعظ والقرآن، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
والعذر عن المكاتبة مقبول، والقلوب شواهد عدول، والدعاء للإخوان بظهر الغيب مبذول، فلا تنس أُخَيّك في أوقات المناجاة وفي ساعات التوجهات، وعليك بالإلحاح في الدعاء بظهور الإسلام ونصره، وإعلاء كلمة الله، ودحض الباطل وأهله. والله أسأل أن يمن بالاجتماع على حال يرضاها، متمسكين من التقوى بأقوى حبالها وعراها، وأن يعيد أوقاتا سلفت بمذاكرة العلم الشريف ألفت. وبلغ سلامنا الوالد والأبناء والإخوان: سهل وعبد العزيز الصقعبي وابن جربوع وناصر السيف، ومن لدينا: العيال وإسماعيل وإخوانه والإخوان ينهون السلام، وأنت سالم والسلام سنة ١٢٩١.
стр. 2263
وجوب صلاة الجمعة على أهل القرى
والعدد الذي تنعقد به جماعتها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم الشيخ عبد العزيز بن حسن -سلمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وخطك وصل، وتأخر جوابه لكثرة الاشتغال، وتشتت البال، والله المستعان.
وتسأل فيه عن وجوب صلاة الجمعة على أهل القرى الذين لم يبلغ العدد فيهم أربعين من أهل الوجوب؟
فاعلم أنهم اتفقوا على أن من شرط وجوبها وصحتها الجماعة، واختلفوا في مقدار الجماعة، فمنهم من قال: واحد والإمام، وهذا مذكور عن ابن جرير الطبري. ومنهم من قال: اثنان سوى الإمام لأن أقل الجمع عنده اثنان. ومنهم من قال: ثلاثة دون الإمام، وقائل هذا يرى أن أقل الجمع ثلاثة لا اثنان. والكلام مبسوط على أقل الجمع في شرح التحرير وغيره. والقول الأخير هو قول أبي حنيفة. ومنهم من اشترط أربعين، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال قوم: ثلاثين. ومنهم من قال: يجوز فيما دون الأربعين إلا الثلاثة والأربعة، ولم يشترط عددا، وإنما ذكر حدا أورده، وهو أنه لا تجب إلا على عدد تتقرى بهم قرية. وأصحاب القولين الأولين أخرجوا الإمام من مسمى الجمع للاختلاف في دخوله في الجماعة، وأصحاب القول الأخير يقولون: الجمع في غالب الأحوال له حكم غير ما يطلق عليه اسم الجمع في جميعها، بل هم الذين يممكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس، وهذا يروى عن
стр. 2264
مالك؛ ويروى عنه أيضا: اشتراط اثنا عشر من أهل الوجوب، وكلا القولين معروف. ومن شرط الأربعين كالشافعي وأحمد وجماعة من السلف، فإنما صاروا إلى ما صح من أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، فهذا هو حد شرطها، أعني شرط الوجوب وشرط الصحة؛ فإن من الشروط ما هو شرط للوجوب فقط، ومنها ما يجمع الأمرين.
واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الشرط للوجوب فقط، لا للصحة. وهذا من أحسن الأقوال، وبه يتفق غالب كلام المختلفين.
إذا عرف هذا، فإنهم اختلفوا أيضا في الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها ﷺ . هل هي شرط في الصحة والوجوب أم ليست بشرط؟ وتلك كالجماعة والمصر والاستيطان. فمن رآه دليلا اشترطها، ومنهم من رجح بعضها دون بعض، واشترطه في المرجح لا غير. وبعضهم لم يرها دليلا، ورجع في الاشتراط والوجوب إلى أدلة أخرى لعموم الجماعة في سائر الصلوات.
ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الأحوال شروطا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها رسول الله ﷺ ، ولا يترك بيانها لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١.
هذا ما يحضرني، فإن رأيت خللا، فلا جناح عليك في إصلاحه. وصدقة المحمل ٢ تصل إليك إن شاء الله، فعليك بتحري العدل في القسمة، وبلغ سلامنا حمد والعيال والشيخ الوالد، والعيال بخير وينهون السلام.
стр. 2265
وصية بالتقوى
(والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد الرحمن بن جربوع، وفقه الله للعمل بدينه المشروع.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد" فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، وجزيل عطائه وكرمه، وعلى ما ألبسنا من ملابس فضله، وما اختصنا به من عظيم العطاء الذي صرفه عمن شاء بعدله. والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه، ونظمك في سلك من يخشاه ويتقيه.
[حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وأوصيك بتقوى الله، والحرص على معرفة تفاصيلها على القلوب والجوارح، فإنك في وقت كثر قراؤه، وقل فقهاؤه.
وما ذكرت من طلب الفائدة بما ورد من النصوص الشرعية الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مما لا يخفى على آحاد العامة من المسلمين، فضلا عن الطلبة والمتعلمين. وهذا الأصل من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها. وقد ألحقه بعضهم بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها، وهو من فروض الكفاية، لا يسقط عن المكلفين إلا إن قام به طائفة يحصل بها المقصود الشرعي. وفرض الكفاية من فروض العين من جهة متعلقه، لأن الخطاب به لجميع الأمة، وإنما أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله. وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد عن مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته. ولا يرى تركه والمداهنة فيه إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم والإيمان. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
стр. 2266
تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات تدل على وجوبه، وأن القائم به خير الناس وأفضلهم، وأن الخيرية لا تحصل إلا بذلك. وفيها أن الفلاح محصور في أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الفوز بالسعادة الأبدية.
وأما الوعيد على تركه، فمثلقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٣ الآية. ففي هذه الآية لعنهم على ألسن أنبيائهم بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف. واللعن هو الطرد والإبعاد عن الله وعن رحمته.
وذكر بعض المفسرين هنا حديث: "إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾. والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا ٤، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم".
وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: "أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم".
وذكر أيضا من حديث ابن عمر: "لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال
стр. 2267
الله الله. لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم"١ "ولتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم".
وفي المسند مرفوعا: "يا أيها الناس، إن الله يقول: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم"٢.
وفي حديث ابن عباس: "وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يُسمع دعاؤهم" رواه الطبراني.
وذكر الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك القرى أن تخرب وهي عامرة" قالوا: كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: "إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها".
والأحاديث في هذا كثيرة تطلب من مظانها.
فصل
[في مفاسد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وترك ذلك على سبيل المداهنة، والمعاشرة، وحسن السلوك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضررا، وأكبر إثما من تركه لمجرد الجهالة. فإن هذا الصنف رأوا أن السلوك، وحسن الخلق، ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك؛ فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبائعهم، ويسالمونهم، ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للحظوظ النفسية، والدعة، ومسالمة الناس، وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته. وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة. فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعادِ فيه، فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضى الله ورسوله. وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته، والغضب له إذا انتهكت محارمه، والغضب
стр. 2268
ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم عدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته، وأي خير يبقى في قلب هذا؟
وفي بعض الآثار: "إن الله أوحى إلى جبريل أن اخسف بقرية كذا وكذا. قال: يا رب، إن فيهم فلانا العابد. قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر ١ وجهه فيَّ قط".
وذكر ابن عبد البر: "إن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمراها بمن فيها، فوجدا فيها رجلا قائما يصلي في مسجد، فقالا: يا رب، إن فيها عبدك فلانا يصلي، فقال الله دمراها ودمراه معهم، فإنه ما تمعر وجهه فيَّ قط". انتهى.
ومن له علم بأحوال القلوب، وما يوجبه الإيمان ويقتضيه من الغضب لله، والغيرة لحرماته، وتعظيم أمره ونهيه، يعرف من تفاصيل ذلك فوق ما ذكرنا.
ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم والضالين في الإنس بأهل المعاصي ومواكلتهم ومشاربتهم لكفى بذلك عيبا. والله الموفق والهادي لا إله غيره.
وبلغ سلامنا الإخوان والخواص إجازة مطلقة، والشيخ الوالد والعيال بخير وينهون السلام، ولا تنسنا من صالح دعائك والسلام.
رسالة
﴿في بيان فضل من يحيي السنة ويهدم الشرك والبدعة﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى ذي الجناب المكرم، والفضل الباذخ المقدم السيد عبد الرحمن الألوسي، سلك الله به سبل الاستقامة، وزينه بحلل التوفيق والكرامة، ورفعه إلى رتب السيادة والإمامة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2269
أما بعد: فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو كثير الخير دائم المعروف، على ما أولاه من سوابغ نعمه الباطنة والظاهرة، وما ألبسه من ملابس كرامته السنية الفاخرة، التي أعظمها وأجلها على الإطلاق هدايته لدينه الذي ارتضاه لنفسه، واختص به أولياءه، وخاصة أهل كرامته وقدسه. مع أنه قد اطرد القياس بفساد أكثر الناس، وتركهم من الإسلام أصله الأعظم والأساس، وكثرة الاشتباه في أبواب الدين والالتباس.
وجمهورهم عكَس القضية في مسمى الملة الإسلامية، ولم يميزوا بينها وبين الملة القرشية، والسنة الجاهلية، فهم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ١.
وكتابك الكريم وصل إلينا، وحسن موقعه لدينا، لما بلغنا عنك من إظهار الإسلام والسنة، وعيب أهل الشرك والبدعة، وطعنك على الدعاة إلى الضلالة، وعيبهم بما يبدونه من سوء العمل وشنيع المقالة، وأن الله قمعهم بك وقواك عليهم، فأذلهم وأهانهم، فأبشر بثواب ذلك، واعتده من أفضل أعمالك وحسناتك.
وفي الحديث: "من أحيا شيئا من سنتي، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين إصبعيه".
وفي الأثر: "إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها، وينطق بعلاماتها". فاغتنم ذلك، وكن من صالح أهله، واحرص أن يكون لك في ذلك جماعة وتلامذة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، ويجري لك مثل أجورهم إلى يوم القيامة كما صح به الخبر.
فاعمل على بصيرة، وسر إلى الله بصلاح القصد والسريرة، وإياك أن يكون لك من أهل الشرك الذين يعبدون الأولياء والصالحين جليس أو صديق، فقد جاء في الأثر: "من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى
стр. 2270
صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام". وهذا في بدع لا تخرج عن الملة، فكيف بالشرك الذي يتضمن العدل والتسوية برب العالمين؟ بل يتضمن مسبته تعالى وتقدس.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
هذا وشيخنا الوالد المكرم، والإمام الفاضل المقدم يبلغانك السلام، والسلام على من لديك من الإخوان في الله، المحبين لجلاله، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿الإشارة إلى إيواء أهل عنيزة لبعض الخارجين وأخذ العهود عليهم في الامتناع منه﴾
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم محمد بن عمر آل سليم -سلمه الله تعالى، وتولاه في الدنيا والآخرة، وألبسه ملابس ولايته السنية الفاخرة-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: الخط وصل -وصلك الله إلى ما يرضيه-، وسرنا سلامتك وعافيتك، كذلك سرنا ما ذكرت من القراءات وملازمة الدروس، فالحمد لله على ذلك.
والله أسأل أن يجعلك هاديا مهديا إماما للمتقين.
وما ذكرت وصل، فالليمون وما معه كله موجود عندنا بكثرة، والمقصود الأترنج لما فيه من الخواص والمنافع، وحيث تعذر وجوده فصلتك مقبولة، وهبتك مرضية محمولة. ولا وصلنا جوابكم إلا بعد ما أنكفنا ٢ وحرر هذا على ثرمدا ٣ وجاءنا عبد الله بن جربوع بالنصيحة بعد ما قرأها على أهل عنيزة، وخضعت لها رقابهم، ورغمت بها أنوفهم في يوم مشهود ظهر فيه الحق، وعلت كلمة الله، وقامت حجته، وجاءتنا
стр. 2271
المكاتبة من مَلإها وأكابرها يعتذرون ويتنصلون ويحلفون، والله يعلم علانيتهم وسرائرهم، ويحاسب عباده بعلمه فيهم. وقد وعدونا أنه لا يعود إلى بلدتهم ولا يدخلها، وحلف أميرهم عندي في المجلس على ذلك، وأغلظ على نفسه بعد ما جرت المعاتبة، وأغلظت له القول على حمله وتمكينه من دخول البلدة.
والرسالة المشار إليها تصلكم مع هذا الجواب -إن شاء الله-. اقرءوها، وتدبروا ما فيها، فإنها مفيدة مع اختصارها.
ونسأل الله أن يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم. وبلغ الوالد والعيال والإخوان منا السلام إجازة عامة. ومن لدينا عبد العزيز بن عبد الرحمن وإسماعيل والابن عبد الله وعيال محمد بن علي يبلغون السلام، والسلام. وصلى الله على محمد.
(عموم المصاب بقسوة القلوب وانصراف الخلق عن العبادة وغربة الإسلام)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم محمد بن عمر آل سليم -سلك الله بنا وبه صراطه المستقيم، ووفقنا بمَنِّه لمخالفة أصحاب الجحيم-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد": فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على ما أولاه من إنعامه، وما ألبسه من ملابس إكرامه، جعلنا الله وإياكم ممن عرف نعمة الله عليه، واستعملها فيما يقرب إليه، والخط وصل -وصلك الله بالرضا-، وقد سرنا ما أفاده من سلامة الحال، واعتدال الأوقات، لا زالت أحوالا محروسة، وأوقاتا بذكر الله معمورة مأنوسة.
وما أشرت إليه من قسوة القلوب، وكثرة الذنوب، وانصراف الخلق عما خلقوا
стр. 2272
له، فنعم، قد عم بذلك المصاب، واستحكم الداء، وعز الدواء، إلا أن يمن الله على من يشاء من عباده بالهداية والشفاء. واشتداد الغربة، واستحكام الشدة والكربة قد وجد منذ أزمان، والشأن في هذا الزمان في نفس الوجود. فإن غالب الأماكن والقرى والبلدان لا يعرفون فيها للدين حقيقة ولا اسما، ولا يهتدون سبيلا إلى ما جاءت به الرسل ولاسيما والإسلام عندهم هو ما نشئوا عليه، وتلقوه عن أسلافهم في باب معرفة الله ومعرفة حقه، وباب معرفة حكمه وشرعه.
فالأول حقيقته عندهم هو التعطيل المحض.
"والثاني" خلاصته ولبه فيما بينهم هو التعلق على عباده، وجعلهم شركاء له.
"والثالث" جردوا فيه متابعة الأشياخ والآباء عما جاءت به الرسل والأنبياء. وهذا هو عين العكس وقلب الحقائق.
فاجتهد في الخلاص من شبكات تلك المهالك والمضايق بلزوم السنة والكتاب، والسلوك على أثر الآل والأصحاب، ومن تبعهم من ذوي الألباب، واجتهد في التضرع إلى الله في الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، ولا تنسنا من صالح دعائك، وبلغ سلامنا الوالد والعيال والإخوان: محمد آل عبد الله وآل شومر وابن جاسر ومطلق وكافة الإخوان، ومن لدينا الشيخ المكرم وأولاده وأولادنا وعبد الرازق بخير وينهون السلام، والسلام.
﴿حكم العمل بالخط المعروف في الوصية وغيرها﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده. وجدت على ظهر وثيقة أوصى بها عبد الرحمن بن محمد القاضي ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده. إن كانت هذه الوثيقة بيد ورثة الموصي، وسبق عمل بها من وارثه أو وارث وارثه، ولم ينازع أحد من الورثة في صدورها عن مورثهم؛ فهذا
стр. 2273
منهم إقرار بالوصية، وتسليم بمقتضاها؛ فيثبت الحكم الشرعي بهذا العمل والتقرير لمضمون الوصية، وهو حجة شرعية، وإذا كان بخط من يوثق به من طلبة العلم المعروفين بالدين والأمانة؛ فهو مما يقوي ثبوت هذه الوصية والعمل بها.
قاله ممليه الفقير إلى الله عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وكتبه عن أمره أحمد بن محمد بن عبيد، وصدر في ٢٧ محرم سنة ١٢٩١.
ونقله من خط أحمد بن محمد بن عبيد بعد معرفته يقينا، وعليه ختم ممليه سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان. وصلى الله على محمد وسلم.
ونقله من خط من سمى نفسه عبد الله بن إبراهيم الربيعي.
(فتوى في حق الضيف على أهل القرى والبادية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله. من قام بما يجب عليه للضيف الذي يختص به سقط عنه ما يوضع على البلد من جهة الضيف إذا كان الخارج منه للضيف قدر ما يستحق؛ لوجوب العدل الذي أمر الله به. قاله ممليه عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وكتبه عن أمره حسن بن علي. وصلى الله على محمد وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما ذكره الوالد -رحمه الله تعالى- يلزم العمل بمقتضاه، ولا يجوز لأحد العدول عنه حتى لا يخفى. قاله ممليه محمد بن عبد اللطيف -عفا الله عنه-، ونقله من أصله وعليه ختم كل منهما: سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان. وصلى الله على محمد وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما ورد على أهل البلد من الكلف، كالضيف وشبهه يكون على كل أحد بحسبه، والذي يدفع أكثر من غيره فله الرجوع على غيره، كالرجل المعروف المنصر.
قال ذلك ممليه عبد الرحمن بن عدوان، ونقله من أصله الذي عليه ختم ممليه سليمان بن حمدان. ونقله من خط ناقله من سمى نفسه عبد الله بن إبراهيم الربيعي.
стр. 2274
المسائل الشرعية إلى علماء الدرعية
جواب مسألة سئل فيها الشيخ عبد العزيز "قاضي الدرعية" ومن حوله من العلماء* المسماة "المسائل الشرعية إلى علماء الدرعية".
فوصل الجواب، واختصر ألفاظ السؤال في كل باب، بل حُذف كثير من ذلك الخطاب، لكن بيت القصيد قد ضمن في الجواب السديد. وصلى الله على محمد النبي الأمي، وآله وصحبه وسلم.
نص الجواب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وبه التوفيق، وبيده أزِمَّة الهداية والتحقيق.
[الشرك الأكبر الذي يحل الدم والمال]
"أما المسألة الأولى" وهي السؤال الأول عن الشرك بالله، ما هو الأكبر الذي ذم فاعله؟ وماله حلال لأهل الإسلام، ولا يغفر لمن مات عليه؟ وما هو الأصغر؟
فنقول: قد ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الشرك نوعان: أكبر وأصغر فالأكبر أن يجعل لله ندا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في الأمور كما يتوكل على الله.
والحاصل أن من سوى بين الله وبين خلقه في عبادته ومعاملته، فقد أشرك بالله، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٢.
وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ قال بعض المفسرين: والله ما سووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير،
стр. 2275
ولكن سووهم به في المحبة والإجلال والتعظيم. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١ أي يعدلون به في العبادة.
ولهذا اتفق العلماء كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم فقد كفر؛ لأن هذا كفر عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٢ ثم شهد الله عليهم بالكذب والكفر فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٣ فهذا حال من اتخذ من دون الله أولياء يزعم أنهم يقربونه إلى الله. وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤.
وقد أنكره الله في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن له أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه يأذن في الشفاعة لهم حيث لم يتخذوا من دونه شفعاء، فيكون أسعد الناس بشفاعة الشفعاء صاحب التوحيد الذي حقق قول: لا إله إلا الله.
والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله هي الشفاعة الصادرة عمن أذن له لمن وحَّده، والشفاعة التي نفاها القرآن هي الشفاعة الشركية التي يظنها المشركون، فيعاملون بنقيض قصدهم، ويفوز بها الموحدون.
فتأمل قوله ﷺ لأبي هريرة - وقد سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال: "لا إله إلا الله" خالصا من قلبه"٥ فجعل أعظم الأسباب التي تنال بها الشفاعة تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله. فأكذب النبي ﷺ زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع فيه.
ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذ من دون الله شفيعا أنه يشفع له، وينفعه
стр. 2276
كما يكون عند خواص الملوك والولاة، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١ وبقي فصل ثالث وهو: أنه ما يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول ﷺ وعن هاتين الكلمتين يسئل الأولون والآخرون، كما قال أبو العالية: كلمتان يسئل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها:
"فالأول" أنه لا شفاعة إلا بإذنه. "والثاني" أنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. "والثالث" أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله.
وقد قطع الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا، يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٢ فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا فيمن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له كان معينا وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.
فنفى المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك والشرك والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية برهانا ونورا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ﴿ولكن أكثر الناس لا
стр. 2277
يشعرون﴾ بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن.
ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁ "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". والشرك وما عابه الله وذمه فإنه يقع فيه ويقره، ويدعو إليه ويصوبه ويحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره، أو شر منه أو دونه. فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويُبَدَّع الرجل لتجريد التوحيد، ومتابعة الرسول ﷺ ومفارقة أهل الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى عيانا. والله المستعان.
والكلام في هذه المسألة يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا محله، وإنما نبهناك على ذلك تنبيها يعرف به -كل من نور الله قلبه- حقيقة الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وحرم الجنة على فاعله.
ولكن من أعظم أنواعه، وأكثرها وقوعا في هذه الأزمان طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والرحيل إليهم. وهذا أصل شرك العالم كما ذكره المفسرون عند قوله -تعالى- حكاية عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١ إن هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، كما ذكر البخاري في صحيحه في تفسير سورة نوح ﵇، وكما ذكر غيره من أهل العلم، والله أعلم.
[الشرك الأصغر]
وأما الشرك الأصغر فَكَيَسِير الرياء والحلف بغير الله كما ذكر عن النبي ﷺ
стр. 2278
أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"١ ومن ذلك قول الرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده"٢ وهذه اللفظة أحق من غيرها من الألفاظ، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. وهذا الذي ذكرنا متفق عليه عند العلماء أنه من الشرك الأصغر، كما أن الذي قبله متفق عليه أنه من الشرك الأكبر.
[وجوب التوبة من كبير الشرك وصغيره]
واعلم أن التوبة مقبولة منهما، ومن سائر الذنوب قطعا، إذا صحت التوبة واستكملت شروطها، لكن ابن عباس ﵁ ومن تبعه قال: لا تقبل توبة القاتل. وقد ناظر ابن عباس ﵄ أصحابه، وخالفه جمهور العلماء في ذلك، وقالوا: التوبة تأتي على كل ذنب. فكل ذنب يمكن التوبة منه وتقبل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ٤ فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحا، فإن الله عزوجل غفار له.
فصل
[في مراتب الدين]
وأما قول السائل: هل للتوحيد والإيمان مرتبتان وحقيقتان ومجازان، يقابل كل واحد واحدة من مراتب الشرك والكفران، ويتعلق بأحدهما دون الآخر النقص والبطلان، ويخرج بفعل بعض قواعد الشرك، أو ترك بعض قواعد التوحيد عن دائرة الإسلام لا دائرة الإيمان، أو بالعكس؟
فاعلم -رحمك الله تعالى- أن العلماء ذكروا أن الدين على ثلاث مراتب:
стр. 2279
"المرتبة الأولى" مرتبة الإسلام، وهي المرتبة الأولى التي يدخل فيها الكافر أول ما يتكلم بالإسلام ويذعن وينقاد له.
"المرتبة الثانية" مرتبة الإيمان، وهي أعلى من المرتبة الأولى؛ لأن الله تعالى نفى عمن ادعوها الإيمان أول وهلة، وأثبت لهم الإسلام، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١ فأنكر -سبحانه- عليهم ادعاءهم الإيمان، وأخبر أنهم لم يبلغوا هذه المرتبة إذ ذاك.
وفي الحديث الصحيح -حديث سعد- لما قال للنبي ﷺ مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنا ٢ فقال: "أو مسلما"٣.
"المرتبة الثالثة" الإحسان، وهي أعلى المراتب كلها، وقد تضمن حديث جبريل ﵇ هذه المراتب كلها لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخبره ﷺ بذلك، ثم قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"٤.
فقد ينفى عن الرجل الإحسان ويثبت له الإيمان، وينفى عنه الإيمان ويثبت له الإسلام، كما في قوله ﵇: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"٥ ولا يخرجه عن مرتبة الإسلام إلا الكفر بالله، والشرك المخرج من الملة.
وأما المعاصي والكبائر كالزنى والسرقة وشرب الخمر وأشباه ذلك فلا تخرجه عن دائرة الإسلام عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالذنوب، ويحكمون بتخليد فاعلها في النار.
стр. 2280
واحتج أهل السنة والجماعة على ذلك بحجج كثيرة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين.
فمن ذلك ما رواه محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور: حدثنا إسحاق بن إبراهيم: حدثنا وهب بن جرير بن حازم: حدثنا أبي عن الفضل عن أبي جعفر محمد بن علي أنه سئل عن قول النبي ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"١.
فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ودونه دائرة واسعة، وهذا الإيمان ودونه دائرة صغيرة في وسط الكبيرة، فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلى الكفر بالله. انتهى.
قال: وإن الله تعالى جعل اسم الإيمان اسم ثناء وتزكية، ومدحه، وأوجب عليه الجنة فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ٢ وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٣ وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٦ الآية. قالوا: وقد توعد الله بالنار أهل الكبائر، فدل ذلك على أن اسم الإيمان زال عمن أتى بكبيرة، قالوا: ولم نجده تعالى أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام باق على حاله، واسم الإيمان زائل عنه.
[الكفر ضد أصول الإيمان]
فإن قيل: أليس ضد الإيمان الكفر؟
"فالجواب" أن الكفر ضد أصل الإيمان؛ لأن الإيمان له أصول وفروع، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر.
فإن قيل: الذي زعمتم أن النبي ﷺ أزال عنهم اسم الإيمان، هل بقي معهم من الإيمان شيء؟
قيل: نعم أصله ثابت، ولولا ذلك لكفَّرهم.