← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، محمد عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم. "المسألة الأولى": فيمن طلق امرأته ثلاثا بلفظة واحدة، أو ثلاث متتابعات كقوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق: على عوض عوضته المرأة الزوج، هل يصح لهما أن يتراجعا إذا تراضيا بملاك، أم لا؟ فنقول: "الجواب": هذا السؤال مشتمل على ثلاث مسائل من مسائل الطلاق: "الأولى": إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بكلمة واحدة، أو أكثر من الثلاث بلفظة واحدة "والثانية": إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مكررات في مجلس واحد. "والثالثة": إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا على عوض، هل يجوز أن يراجعها بملاك جديد، أم لا؟ فالجواب عن المسألة الأولى أن نقول: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من السلف والخلف، قديما وحديثا، وفيها قولان مشهوران للعلماء: "القول الأول": قول أكثر العلماء من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية من المتأخرين والمتقدمين: أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بكلمة واحدة؛ بانت منه -صارت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره-، واستدلوا على ذلك بدلائل: منها قوله -تعالى-: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١ قالوا: وهذا لا يكون إلا في المبتوتة؛ لأن غير

стр. 2487

المبتوتة ممن له عليها الرجعة ينفق عليهن حوامل، أو غير حوامل. فعلم بهذا أن قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ١ راجع إلى بعض ما انتظمه الكلام، وهي التي لم تبلغ بطلاقها ثلاثا، كما أن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ قد عم المطلقات ذوات القروء، وقوله في نسق الآية: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ٣ راجع إلى من لم يبلغ بطلاقها. وفي ذلك إباحة إيقاع ما شاء المطلق من الطلاق. وظاهر حديث ابن عمر يشهد بهذا؛ لأنه قال: "ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك"٤ فلم يخص طلاقا من طلاق، ولا عدة من عدة في الطلاق، قالوا: فله أن يطلق كم شاء، إذا كان مدخولا بها، وإن كانت غير مدخول بها طلقها كم شاء، ومتى شاء طاهرا أو حائضا؛ لأنه لا عدة عليها، ومما احتجوا به أيضا: أن العجلاني طلق امرأته بعد اللعان ثلاثا، فلم ينكره رسول الله ﷺ وأن رفاعة بن شموال طلق امرأته ثلاثا، فلم ينكره عليه رسول الله ﷺ وأن ركانة طلق امرأته ألبتة، فقال له رسول الله ﷺ "ما أردت بها"٥ فدل على أنه لو أراد ثلاثا لكانت ثلاثا، ولم ينكر ذلك عليه رسول الله ﷺ . وأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثا. ذكره الشعبي عن فاطمة، وشعبة، وسفيان، ثم أبي بكر، وكذلك قال أكثر أصحاب ابن شهاب في حديث فاطمة: طلقها ثلاثا. قالوا: ومن جهة النظر أن من كان له أن يوقع واحدة كان له أن يوقع ثلاثا، وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة. قد أباحه الله ورسوله ﷺ فعند هؤلاء أن من طلق امرأته ثلاثا مجتمعات في طهر لم يصبها فيه فقد طلقها طلاقا مباحا، ومنهم من يقول: إنه قد طلقها للسنة. "والقول الثاني": قول مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في المشهور عنه: أن طلاق السنة أن يطلقها طلقة في طهر، لم يمسها فيه، ولو كان في آخر ساعة منه، ثم يمهلها حتى تنقضي عدتها، وذلك بطهر أول الحيضة الثالثة في الحرة، أو أول الحيضة

стр. 2488

الثانية في الأمة، فيتم للحرة ثلاثة أقراء، وللأمة قرآن، القرء: الطهر المتصل بالدم عندهم، فإن طلقها في طهر تطليقة، أو طلقها ثلاثا مجتمعات في طهر لم يمسها فيه فقد لزمه، وليس بمطلق للسنة عند مالك، وجمهور أصحابه، وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد، وهذا هو المشهور عن أحمد وأصحابه. وأجابوا عما احتج به أهل القول الأول فقالوا: أما حديث العجلاني فلا حجة فيه؛ لأنه طلق في غير موضع طلاق، فاستغنى عن الإنكار عليه. وأما حديث رفاعة بن شموال فقالوا: يحتمل أن يكون طلقها ثلاثا مفترقات في أوقات. وأما حديث فاطمة بنت قيس، فقد قال فيه أبو سلمة: "بعث إلي زوجي بتطليقتي الثالثة"، وأما حديث ركانة فقد تكلموا فيه وضعفوه، فلا حجة فيه. واحتج هؤلاء بقوله -تعالى-: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ١ ثم قال: ﴿إِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ ٢ ومرتان لا تكون إلا في وقتين، والثلاث في ثلاث أوقات، كما في قوله ﵇: "من سبح الله مائة مرة" أي مرة بعد مرة، ليس المراد أن يقولها مرة واحدة، وكذلك من قال: قرأت سورة كذا مرتين، المراد مرة بعد مرة. ومن حجتهم أيضا قول الله -تعالى-: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ ٤ فأي أمر يحدث بعد الثلاث، والأمر إنما أريد به المراجعة، فبطل أن يكون وقوع الثلاث للسنة. ومن حجتهم أيضا: ما روى النسائي عن محمود بن لبيد: أن رجلا طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقام مغضبا، فقال: "أيلعب بكتاب الله، وأنا بين أظهركم؟ " قال العسقلاني: رجاله ثقات. وبما روى سعيد بن منصور عن النبي ﷺ أن عمر كان إذا أُتي برجل طلق امرأته ثلاثا، أوجع ظهره. قال العسقلاني: وسنده صحيح. وبما روى عبد الرزاق وغيره أن ابن عمر قال لمن طلق امرأته ثلاثا مجموعة: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وبما روى

стр. 2489

أبو داود بسند صحيح عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: "ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ١ وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك"، قالوا: ففي هذا دليل على أن من طلق امرأته ثلاثا مجتمعات فقد عصى ربه وفعل ما هو محرم، ومن فعل مباحا لا يقال: عصى ربه. وقال هؤلاء: يصير مطلقا امرأته ثلاثا، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن كان فعله هذا محرما عليه. ومن القائلين بالتحريم للزوم من قال: إذا طلق ثلاثا مجموعة وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق -صاحب المغازي-، ونقله ابن المنذر عن جماعة من التابعين؛ كعمرو بن دينار، وطاووس، وغيرهما. ومن أقوى ما احتجوا به ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم"٢. قال أبو عمر بن عبد البر في حديث ابن عباس هذا: لم يتابع عليه طاوس، وأن سائر أصحاب ابن عباس يروي عنه خلاف ذلك، وما كان ابن عباس يروي عن النبي ﷺ ثم يخالفه إلى رأي نفسه، بل المعروف عنه أنه كان يقول: أنا أقول لكم: سنة رسول الله ﷺ وأنتم تقولون: أبو بكر وعمر؟ قاله في فسخ الحج وغيره. قال جمهور العلماء: إن حديث طاوس في قصة أبي الصهباء لا يصح معناه. وممن روينا عنه أن الثلاث تحرم التي لم يدخل بها زوجها، حتى تنكح زوجا غيره كالدخول سواء: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر،

стр. 2490

وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن المغفل، وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وهو قول جماعة من التابعين، وبه قال جماعة فقهاء الأمصار، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد الطبري. انتهى. إذا عرفت مذهب أهل العلم في المسألة، فالقول المفتى به عندنا ما ذكره ابن عبد البر، وغيره عن جماعة العلماء: أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة، سواء كان مدخولا بها، أو غير مدخول بها، صغيرة أو كبيرة، أنها تحرم عليه، حتى تنكح زوجا غيره. [تعدد لفظ الطلاق وتكراره ثلاثا] "وأما المسألة الثانية": إذا قال لامرأته أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ثلاث كلمات مكررات، فالصحيح من مذهب أحمد: أن ذلك يرجع إلى نيته؛ فإن أراد التأكيد بطلقة واحدة، ولم يرد أنها ثلاث طلقات فهي تصير واحدة، يجوز له رجعتها، ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة لم يجز له مراجعتها إلا بملاك جديد، وإن أريد بقوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ثلاث تطليقات لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وهذا هو المفتى به عندنا؛ لأنا لا نعلم شيئا يخالفه من الكتاب والسنة. [الخلاف في كون الخلع طلاقا وعده من الثلاث] وأما المسألة الثالثة: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا على عوض، هل يجوز أن يتراجعا بملاك جديد، أم لا؟. فهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل: فإن كانت المرأة أعطت زوجها عوضا على طلاقها إذا كرهته، وخافت أن لا تقيم ما أوجب الله عليها من القيام بحقوق الزوج من المعاشرة بالمعروف، وتمكنه من الاستمتاع منها، وخدمته كما ينبغي من مثلها لمثله، فلا بأس بذلك، ولا على الزوج حرج في أخذ العوض منها، إذا كان الحال كما وصفنا-، ويسمى هذا: الخلع الصحيح، كما قال تعالى-: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا

стр. 2491

آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقد اختلف العلماء هل يكون هذا الخلع طلاقا يعد من الطلقات الثلاث، أم لا يكون طلاقا، ولو خالعها أكثر من ثلاث؟ فمذهب ابن عباس رضي الله عنهكما روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهأن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٣ وبهذا قال أحمد بن حنبل وجمهور أصحابه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، واختار هذا القول طوائف من العلماء منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، وهو اختيار شيخنا ﵀. وقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم: هو طلاق يعد من الطلقات الثلاث، وهو طلاق بائن لا رجعة فيه للزوج إلا برضى الزوجة، فعلى هذا القول: لو خالعها ثلاث مرات، أو طلقها طلقتين وخالعها مرة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، سواء تلفظ بلفظ الطلاق، أو غيره. واختلف العلماء هل يلحق المختلعة طلاق ما دامت في العدة؟ فقال مالك: إن طلقها بعد الخلع من غير سكوت طلقت، وإن كان بينهما سكوت لم تطلق، وقال الشافعي: لا يلحقها طلاق، وإن كانت في العدة، وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وهذا هو المفتى به عندنا، وهو أظهر الأقوال، وعكسه قول أبي حنيفة، وكثير من التابعين. واختلف -أيضا- في قدر عدتها؛ فقال أكثر العلماء: عدة المطلقة، وقال عثمان، وابن عباس ﵃: عدتها حيضة واحدة. وبه قال عكرمة، وابن عباس،

стр. 2492

وإسحاق بن راهويه، وحجتهم: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه جعل عدة جميلة بنت أبي سلول حيضة، حين اختلعت من زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وأصل القصة ثابت في الصحيحين. فالذين قالوا: إن الخلع الصحيح المجتمع فيه الشروط التي ذكرها الله ليس من الطلاق، يقولون: إنه إذا خالعها، ولم يذكر الطلاق لفظا ولا نواه بقلبه فإنه لا يقع به شيء من الطلاق. قال العسقلاني، واستدل لمن قال: إنه فسخ بما وقع في بعض طرق حديث امرأة ثابت بن قيس عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الربيع بنت معوذ: أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة. قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في امرأة ثابت بن قيس. قال الخطابي: في هذا أقوى دليل لمن قال: إن الخلع فسخ، وليس بطلاق، إذ لو كان طلاقا لم تعتد بحيضة. انتهى. وأما إذا تلفظ بالطلاق عند الخلع، أو نواه بقلبه، فالذي عليه الجمهور من التابعين، وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام أنه يقع طلاقا بائنا، لا يجوز له الرجعة إلا بعد عقد جديد، ورضاء الزوجة، إلا أن تقول: أنت طالق ثلاثا، فلا يجوز له مراجعتها إلا بعد زوج جديد كالمطلقة ثلاثا بغير عوض. وقيل: إنه فسخ سواء تلفظ بالطلاق أو نواه، أو لم يكن، وهو قول ابن عباس؛ فإنه صح عنه أنه قال: ما أجازه المال فليس بطلاق، وصح عنه أنه قال: الخلع يفرق وليس بطلاق. وصح عن ابن الزبير، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين، واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وعليه دل كلام أحمد، وقدماء أصحابه، قال صاحب الفروع: ومراده ما قال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس. وأما إذا كان حال الزوجين مستقيمة، ولم يوجد ما ذكر الله من الخوف ألا

стр. 2493

يقيما حدود الله، ثم خالعها زوجها مع ذلك على ما بذلته له الزوجة أو غيرها، فالذي عليه جمهور العلماء: أنه يكره، ويصح الخلع، وعن أحمد ﵀: أن ذلك لا يجوز، ولا يصح. وأما إن عضلها وأساء عشرتها لتفتدي منه، ففعلت فالخلع باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها إلا أن يذكر الطلاق فيقع رجعيا، وقيل: يقع طلاقا بائنا، إن قيل: إن الخلع يصح بلا عوض. قال العسقلاني في شرح البخاري: أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد ابن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئا، وقال: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق، وبأكثر لقوله -تعالى-: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١ ولحديث حبيبة بنت سهل. فإذا كان الخلع من قِبلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قِبله لم يحل، ويرد عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة. انتهى. "قلت": وهذا القول كان يفتي به شيخنا رحمه الله تعالى لكثرة الظلم للنساء في هذا الزمان؛ لأن كثيرا من الذين لا يخافون الله إذا أراد أن يطلق امرأته بعد أن تستقيم حالها مدة عضلها وأضر بها، ومنهم من يضربها، فإذا فعل ذلك اشترت نفسها بمال تبذله له على طلاقها فيطلقها، فكان شيخنا ﵀ يفتي إذا كان الأمر ما وصفناه أن العوض الذي بذلت له المرأة على الطلاق مردود، وتَبِين منه المرأة، فلا يمكن من مراجعتها إلا برضاها. [طلق امرأته بحضرة شاهد عدل وأنكر الزوج] وأما المسألة الثانية من المسائل المسئول عنها: فيمن طلق امرأته، بحضرة شاهد عدل، وأنكر الزوج. فالذي عليه أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أنه لا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان. [طلق امرأته وأحضر شاهدا عدلا وقال العاقد: لا بد من شاهدين عدلين] "وأما المسألة الثالثة": فيمن طلق امرأته وأحضر شاهدا عدلا، وقال العاقد: لا بد

стр. 2494

من عدلين، هل يزوج العاقدين أو يمنعهما؟ فإن كان مراد السائل ﵀ أن المرأة المطلقة من زوجها، أو وكيلها أحضرت شاهدا على طلاقها من زوجها، وطلبت من العاقد أن يعقد نكاحها على زوجها الثاني بشهادة شاهد واحد على طلاقها من زوجها الأول. فجواب هذه المسألة يؤخذ من جواب التي قبلها؛ لأن الذي عليه عامة العلماء من المالكية والشافعية والحنبلية: أن الطلاق لا يثبت إلا بشاهدين عدلين، وإن كان له مراد غير ذلك، فلم نفهمه من سؤاله. [شهادة النساء في الطلاق] "وأما الرابعة": هل تقبل شهادة النساء في الطلاق؟ فالذي عليه أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أن شهادة النساء لا تقبل في ذلك، ولا تقبل منفردات إلا فيما لا يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال: كالرضاع، وكعيوب المرأة التي تحت الثياب، والثيوبة، والبكارة، والاستهلال، وما جرى هذا المجرى. [له دين على مليء أو مفلس وأراد صاحب الدَّين أن يسلم على المدين] "وأما المسألة الخامسة": فيمن له دَين على مليء أو مفلس، وأراد صاحب الدَّين أن يسلم على المدين، ويقضيه إياه، هل يجوز أم لا؟ فإذا كان المدين مفلسا فلا يجوز ذلك؛ لأن ذلك يكون حيلة على الربا، والحيل لا تجوز في الدين. وأما إذا كان المدين مليئا، وكل من أراد أن يكتب عليه في ذمته ويسلم فعل، سواء كان رب الدَّين أو غيره، وكل يشتهيه؛ لأجل ملاءته، فلا أعلم في ذلك بأسا عند أكثر العلماء. واشتراط بعض المالكية: دفع رأس مال السلم، ويذهب به عن مجلس العقد إلى السوق، أو إلى بيته، ثم إن بدا له بعد ذلك أن يوفيه أوفاه. [التسمية بعبد المطلب] "وأما المسألة السادسة": ما معنى قوله في كتاب التوحيد: "اتفقوا على تحريم كل مُعبَّد لغير الله ١ حاشا عبد المطلب" ما الحكمة في هذا الاستثناء؟

стр. 2495

فسبب الاستثناء: أن بعض العلماء أجاز التسمية بعبد المطلب على ظاهر ما صح عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة حنين، لما انهزم عنه أصحابه إلا قليل "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"١ ولِما حكى ابن حزم الإجماع على تحريم كل اسم معبد لغير الله، استثنى التسمية بعبد المطلب من ذكر الإجماع، لأجل ما تقدم عن بعض العلماء. [بيع الصفر بالصفر والرصاص بالرصاص والنحاس بالنحاس] "وأما المسألة السابعة": هل الصفر والنحاس والرصاص تدخل في المنصوص عليه في قوله "الذهب بالذهب"٢ إلخ، الحديث؟ فهذه مسألة اختلف فيها كثير من العلماء، يقولون: إن العلة في الذهب والفضة كونهما موزونين من جنس واحد، فيطّردون العلة في كل موزون من جنس واحد، فلا يجوز بيع الصفر بالصفر، أو الرصاص بالرصاص، أو النحاس بالنحاس، أو الحديد بالحديد، وكذلك الأصناف الأربعة: البر، والشعير، والتمر، والملح، المنصوص عليها في حديث عبادة المُخرَّج في صحيح مسلم "الذهب والفضة" يقولون: العلة في البر، والشعير، والتمر، والملح: الطعم والكيل، فيطردون ذلك في كل مطعوم ومكيل. وأما المطعوم الذي لا يكال ولا يوزن كالمعدودات، كالبطيخ والرمان، وكالبعير والفرس، وما جرى هذا المجرى فيجوز التفاضل في ذلك إذا كان يدا بيد، ولا يجوز بيع ذلك بعضه ببعض نسيئة، هذا الذي عليه قول أكثر العلماء، وعليه الفتوى عندنا. واستدلوا على ذلك بما روى الإمام أحمد في المسند: أن رسول الله ﷺ قال "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء"٣ وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: "لا بأس إذا كان يدا بيد"٤.

стр. 2496

[زكاة الطعام] "وأما المسألة الثامنة": إذا حال عند رجل تمر، أو عيش يزكي زكاة الحرث، فإن كان أراده للتجارة فهو يزكيه زكاة التجارة، بحسب قيمته وقت حلول زكاة التجارة، وإن كان أراده للأكل له أو لبهائمه فليس عليه زكاة، ولو أقام عنده سنين، وإن نقص عن قيمة النصاب، ولم يكن عنده ما يضيفه إليه من الذهب والفضة، أو العروض فلا زكاة فيه، هذا هو الذي عليه الفتوى، والعمل عندنا. [أركان الصلاة] "وأما التاسعة": ما أركان الصلاة؟ فاعلم أن أركان الصلاة المعمول بها عندنا ثلاثة عشر: "الأول": القيام مع القدرة بإجماع أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ١. "الثاني": تكبيرة الإحرام، واستدلوا عليه بقوله ﵇: "تحريمها التكبير" وبقوله في حديث المسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبّر"٢. "الثالث": قراءة الفاتحة لمن يقدر على تعلمها ٣ لقوله ﵇ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"٤ وأما العاجز عن تعلمها فيقرأ ما تيسر معه من القرآن، أو يذكر بالتهليل، والتكبير، والتحميد.

стр. 2497

"الرابع": الركوع حتى يطمئن راكعا، لحديث المسيء في صلاته وفيه: "اركع حتى تطمئن راكعا"١. "الخامس": الاعتدال من الركوع حتى يطمئن قائما ويقيم صلبه، لقوله ﵇ في حديث المسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائما"٢. "السادس": السجود حتى يطمئن ساجدا، لقوله في حديث المسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا"٣. "السابع": الاعتدال من السجود حتى يطمئن جالسا. "الثامن": السجدة حتى يطمئن ساجدا. "التاسع": قراءة التشهد الأخير إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" لما جاء في حديث ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. "العاشر": الجلوس له حتى يفرغ. "الحادي عشر": الترتيب على ما ذكر الله ورسوله. "الثاني عشر": الطمأنينة في جميع أحوال الصلاة. "الثالث عشر": التسليم لقوله ﵇ "وتحليلها التسليم"٤. واعلم أن أكثر هذه الأركان قد تضمنها حديث المسيء في صلاته، وهو ما ثبت في الصحيحين والسنن عن أبي هريرة ﵁ "أن رجلا دخل المسجد، ثم صلى، ورسول الله ﷺ جالس، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فعل ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في

стр. 2498

صلاتك كلها"١. قال العلماء: فدل على أن الطمأنينة في هذا الحديث لا تسقط بحال، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي الجاهل. [النية في الاستجمار] "وأما المسألة العاشرة": فيمن صلى، ولم يستنج وهو مستجمر، وغسل أطرافه، لكنه لم ينو بالاستجمار عن الصلاة. "فالجواب": أن الاستجمار بثلاثة أحجار، أو أكثر إذا أزال الإنسان بذلك النجاسة وبِلتها يكفي عن الاستنجاء، باتفاق العلماء، لكن الاستنجاء بالماء مع الاستجمار أفضل وأكمل. والاستجمار لا يحتاج إلى نية الصلاة؛ لأنه من التروك، والتروك لا تحتاج إلى نية. [تحية المسجد في الأوقات المنهي عنها] "وأما المسألة الحادية عشرة": في أوقات النهي التي نُهي عن الصلاة فيها، هل يدخل في النهي تحية المسجد، وسنة الوضوء، وسنة الطواف، وأشباه ذلك؟. فهذا مخصوص من النهي، واستدلوا على ذلك بحديث بلال في سنة الوضوء، وبأن النبي ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، واستدلوا بحديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت أية ساعة من ليل أو نهار، وصلى ركعتين"٢ واستدلوا بدلائل أخرى غير ما ذكرنا. [الحديث الغريب والمتصل] "وأما المسألة الثانية عشرة": في الحديث الغريب والمتصل، فالغريب: الذي ليس له إلا سند واحد كما يقول الترمذي في بعض الأحاديث: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد يكون صحيحا إذا كان رواته موثقين، وقد يكون ضعيفا، فعلى كل تقدير هو ضعيف في الحديث. والمتصل هو ما اتصل

стр. 2499

سنده من أوله إلى أن يصل إلى منتهاه، سواء كان مرفوعا، أو موقوفا، أو مقطوعا فيخرج المرسل، والمنقطع، والمعضل. [الإجارة بنصف الثمرة] "وأما المسألة الثالثة عشرة": فيمن أجر بلده بنصف غرسها، وشرط عليه المستأجر أن يقومها سنين معلومة، فإذا مضت السنون تقاسما النخل. فالذي عليه الفتوى عندنا: أن هذه إجارة صحيحة لازمة، ليس فيها شيء من الغرر. [بيع العينة] "وأما المسألة الرابعة عشرة": فيمن باع سلعة مؤجلة، فلما حل الأجل رد السلعة بما عليه من الثمن وألحق عليه دراهم، أو باعه إياها بدون ثمنها، هل يصح ذلك، أم لا؟ وكذلك مسألة العِينة، بيّنْها لنا. "فالجواب عن المسألة الأولى": أن الذي ذكره العلماء في صفة العِينة المحرمة هي المسئول عنها، قال علماؤنا ﵏: ومن باع سلعة بنسيئة، أو بثمن لم يقبضه لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به، فإن فعل بطل البيع الثاني، ولو كان بعد حلول أجله. قال الشيخ تقي الدين: إن قصد بالعقد الأول الثاني بطل الأول والثاني جميعا، وهو قول أبي حنيفة ومالك. وهذه هي مسألة العينة المشهورة، وروي تحريمها عن ابن عباس، وعائشة -أم المؤمنين-، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأصحاب الرأي، واحتجوا على ذلك بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا؛ لا ينزعه عنكم، حتى تراجعوا دينكم"١ وهذا وعيد شديد يدل على التحريم. وروي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن امرأته العالية قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة على عائشة -أم المؤمنين-، فقالت أم ولد زيد: إني بعت غلاما من

стр. 2500

زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور. قالوا: والظاهر أنها لا تقدم على مثل هذا الوعيد الشديد إلا بتوقيف من النبي ﷺ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، فإنه يدخل السلعة ليستبيح به بيع ألف بخمسمائة، ولذلك قال ابن عباس في مثل هذا: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة، ولم يستثن من ذلك إلا أن تتغير صفتها بما ينقصها أو ينقص ثمنها، مع أن أحمد ﵀ توقف في رواية مثنى فيما إذا نقص في نصه؛ لأن علة المنع باقية. واختار الموفق وغير واحد من أصحاب أحمد الجواز إذا تغيرت الصفة، وذلك مثل هزال العبد، وسوء الصنعة، أو تخرق الثوب، وذلك لأن الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا. فهذه صورة مما استثنوها من بيع العينة المحرمة. "الصورة الثانية": إذا كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد. "الصورة الثالثة": إذا كان بيعها الأول بنقد، واشتراها بعرض. قال في المغني: لا نعلم فيه خلافا. "الصورة الرابعة": إذا باعها بنقد واشتراها بنقد آخر فقيل: يجوز، وقال الموفق وغير واحد: لا يجوز، قال في "الإنصاف": وهو الصواب. "الخامسة": إذا باعها بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، فإن ذلك جائز، قاله غير واحد من علمائنا ﵏. "الصورة السادسة": إذا باعها بأكثر من ثمنها الأول جاز أيضا، فأما إن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه، فهي كمسألة العينة. "السابعة": إذا وجدها تباع مع غيره إلا أن يكون وكيلا له. وقال أحمد في رواية حرب: لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا، فهي كمسألة العينة.

стр. 2501

ونقل أبو داود عن أحمد ﵀: يجوز بلا حيلة، فأما إن اشترى السلعة التي باعها بنقد بسلعة أخرى، أو بأقل من ثمنها، أو بمثله جاز، فإن اشتراها بنقد آخر بأكثر من ثمنها، فهو كمسألة العينة أيضا. ونقل المروزي فيمن يبيع الشيء، ثم يجده يباع: أن يشتريه بأقل مما باعه بالنقد، قال: لا، ولكن بأكثر لا بأس. قال الموفق ﵀: يحتمل ألا يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إذا لم يكن مواطأة ولا حيلة، بل وقع اتفاقا بلا قصد. ومن مسائل العينة أيضا: إذا باعه شيئا بثمن لم يقبضه، ثم اشتراه بأقل مما باعه نقدا على الخلاف المتقدم لم يصح، ذكره غير واحد من أئمة الحنابلة، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ قاله في الإنصاف. [لبس الحرير في الحرب] "وأما المسألة الخامسة عشرة": وهي مسألة لبس الحرير في الحرب، فذكر العلماء أنه يباح لبسه وقت الملاقاة للعدو، كما يباح التبختر في المشي عند ملاقاة العدو، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا يتبختر بين الصفين فقال "إن هذه المشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموطن". [بيع المكيل جزافا] "وأما المسألة السادسة عشرة": إذا كان تمر أو عيش مجموع، وأخبر البائع المشتري بكيله، ورضي بذلك، هل يجوز، أم لا؟ "فالجواب": إن ذلك لا يجوز، واحتجوا بما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال: "قدم طعام لعثمان ﵁ على عهد رسول الله ﷺ فقال: اذهبوا إلى عثمان نعينه على طعامه، فقال عثمان: إن في هذه الغرارة كذا وكذا، وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ "إذا سميت الكيل فكِلْ" واحتج به أحمد،

стр. 2502

فعلى هذا: إذا أعلمه بالكيل أو الوزن، ثم باعه إياها مجازفة على أنه بذلك الثمن، زاد أو نقص، لم يجز. [العدة بالخلوة] "وأما المسالة السادسة عشرة": فيمن دخل بامرأة ١ وأغلق بابا، وأرخى حجابا، هل تجب العدة، ولو أقر أنه لم يجر بينهما جماع. "فالجواب": إن الذي عليه قول أهل العلم: إن العدة تجب في هذه الصورة. [مسافة الرخصة في السفر] "وأما المسألة السابعة عشرة": ما المسافة التي يترخص فيها برخص السفر؟ "فالجواب": إن الذي عليه كثير من العلماء: أن ذلك يتحدد بقدر مسيرة يومين للأحمال، وفيها اختلاف كثير بين العلماء، والذي يختاره الشيخ: أن ذلك لا يتحدد بمسافة، بل كل ما سمي سفرا جاز الترخص فيه برخص السفر؛ لأن الله ذكر السفر، وأطلق ولم يحدد، وكذلك لم يصح عن الرسول ﷺ تحديد ذلك. [بيع الحيوان بالحيوان نسيئة] "المسالة الثامنة عشرة": بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، البعير بالبعيرين، أو أقل أو أكثر، إلى أجل معلوم. "فالجواب": إن بعض العلماء كره ذلك، وكثير منهم لا يرى بذلك بأسا؛ لما روي أن عليا باع بعيرا يقال له: عصيفير بأربعة أبعرة إلى أجل معلوم. [عسب الفحل] "وأما المسألة التاسعة عشرة": في أخذ الأجرة على من أراد أن يعلي فرسه بحصان غيره. "فالجواب": إن ذلك لا يجوز، ولا يصح؛ لنهي النبي ﷺ عن عسب الفحل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

стр. 2503

مسائل وفتاوى فقهية لبعض علماء نجد جاءتنا غير معزوّة إلى أحد* من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها أيده الله ووفقه (وقد وقفها على من ينتفع بها من أهل العلم والدين) ﴿لا يحل لمن وقعت بيده بيعها﴾

стр. 2504

مسائل وفتاوى في المعاملات من بيع وإجارة والأيمان وغيرها، وهي عشرون مسألة لأحد علماء نجد ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسائل وأجوبتها [ثبوت خيار المجلس وصوره] "الأولى": بمَ يثبت خيار المجلس، وما صورته؟ "الجواب": خيار المجلس يثبت للمتبايعيْن، ولكل منهما فسخه ما داما مجتمعين لم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل العلم، لما في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وان تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع"١ والمرجع في التفرق إلى عُرف الناس وعادتهم. [تبايعا وشرطا أن ما بينهما خيار مجلس] "الثانية": إذا تبايعا وشرطا أن ما بينهما خيار مجلس. "الجواب": يلزم البيع ويبطل الخيار؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع"٢ يعني لزم البيع. قال في الشرح: وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح -إن شاء الله- لحديث ابن عمر. [قبض رأس مال السلم في مجلس العقد] "الثالثة": إذا تواعد رجلان يبي يكتب أحدهما على الآخر مائة جديدة، ويوم صار باكر جاءه بالدراهم يبي يكتب عليه، قال: بدا لي، هل يلزمه، أم لا؟ ٣ "الجواب": لا بد من قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبضه لم يصح، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين، أو ثلاثا، أو أكثر ما لم يكن ذلك شرطا.

стр. 2505

[بيع الطعام قبل قبضه] "الرابعة": إذا شرى رجل من آخر مائة صاع، وواعده يبي يكيلها الصبح، ويوم جاء يبي يكيلها، قال: بدا لي، وهو ما بعد نقد الدراهم، هل يلزمه، أم لا؟ "الجواب": يلزمه البيع بمجرد العقد، ولا يوافق على فسخ المبيع إلا برضاء المشتري، ولكن لا يجوز بيعه قبل قبضه؛ لقول النبي ﷺ "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه"١ متفق عليه. [عقد الإجارة والمساقاة] "الخامسة": الإجارة والمساقاة، هل هما عقد لازم، أم جائز وما معنى اللازم والجائز؟ "الجواب": أما الإجارة: فهي عقد لازم، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنها بمعنى البيع، وأما المساقاة فأكثر الفقهاء على أنها عقد لازم، واختاره الشيخ تقي الدين، وعند شيخنا أنها عقد لازم من جهة المالك، وعقد جائز من جهة العامل. وأما معنى اللازم والجائز؛ فاللازم: هو الذي لا يتمكن أحد المتعاقدين من فسخه إلا برضاء الآخر. والجائز: هو الذي يفسخه كل منهما بغير رضاء صاحبه. [الاختلاف بين البائع والمشتري في الثمن] "السادسة": إذا باع رجل بعيرا على آخر، وقال البائع: الثمن عشرة، وقال المشتري: بل تسعة. "الجواب": إذا اختلفا في قدر الثمن، ولا بينة لأحدهما تحالفا؛ فيحلف البائع أولا: ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري: ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا، فإذا تحالفا، ولم يرض أحدهما بقول الآخر انفسخ البيع، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن مالك، وعن أحمد: أن القول قول البائع، أو يترادّان البيع لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال "إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادّان البيع"٢ رواه سعيد بن منصور وابن ماجه. قال الزركشي: وهذه الرواية، وإن كانت خفية مذهبا فهي ظاهرة دليلا، وذكر دليلها، ومال إليها.

стр. 2506

[الاختلاف في أجرة الكراء] "السابعة": إذا أكرى رجل بعيرا، وقال صاحب البعير: الأجرة عشرة، وقال المكتري: الأجرة ثمانية. "الجواب": إذا اختلفا في قدر الأجرة، وهو كما إذا اختلفا في قدر الثمن في البيع -كما تقدم- في المسألة التي قبلها، نص أحمد على أنهما يتحالفان، وهو مذهب الشافعي قال في الشرح: وهو الصحيح -إن شاء الله-. [الخلاف بين المالك والمستأجر في مدة الكراء] "الثامنة": إذا استكرى رجل بيتا، وقال صاحب البيت: أنا مكريك سنة، وقال المستأجر: أما مستكر سنتين. "فالجواب": إن القول قول المالك مع يمينه. قال في الشرح: لأنه منكر للزيادة، فكان القول قوله بيمينه، كما لو قال: بعتك هذا العبد بمائة، وقال "المشتري": بل هذين العبدين بمائتين. [حكم غلة المبيع في مدة الخيار] "التاسعة": إذا تبايعا نخلا، وشرطا الخيار: عشر سنين، وأخذ المشتري العمارة في هذه العشر السنين، ويوم فك البائع النخل، هل العمارة ترد على البائع، أو تكون للمشتري يأخذها مع الدراهم؟ "الجواب": ما حصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار، فهو للمشتري -أمضيا العقد أو فسخاه-؛ لقول النبي ﷺ "الخراج بالضمان"١، ٢ قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له بمقابلة ضمانه. [ضمان تلف الرهن] "العاشرة": إذا رهن رجل قِدرا، وضاع القدر، وهو لم يفرط فيه ٣ هل يسقط الدَّين، أو الدين ثابت، ولو ضاعت الرهانة؟ "الجواب": إذا تلف الرهن في يد المرتهن؛ فإن كان بتعديه، أو تفريطه في حفظه ضمنه، قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا، فأما إن تلف من غير تعد منه

стр. 2507

ولا تفريط فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن، يروى ذلك عن علي ﵁ وبه قال عطاء، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، فإذا تلف بغير تعد ولا تفريط لم يضمنه، ولم يسقط شيء من الدَّين، بل هو ثابت في ذمة الراهن؛ لأن الدَّين ثابت في ذمة الراهن، ولم يوجد ما يسقطه. [مطالبة الضامن والمضمون عنه] "الحادية عشرة": إذا ضمن رجل على آخر، وادعى للمضمون عنه أني أعطيت الغني. "الجواب": لصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه، وبه قال الشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأبو عبيد؛ لقوله ﵇ "الزعيم غارم"١ فإن أدى المضمون عنه برئت ذمة الضامن بغير خلاف، وإن أدى الضامن الدَّين، ونوى الرجوع رجع على المضمون عنه بما أداه لصاحب الحق، وهو مذهب مالك والشافعي. [براءة الذمة بالإحالة على المليء] "الثانية عشرة": إذا أحال رجل آخر بعشرة جدد على مليء وقبله، وبعد هذا أفلس المحال عليه، هل ينحرف على صاحبه، أم لا؟ "الجواب": إذا أحاله على مليء برئت ذمة المُحيل، ولم يعد الحق إليه، سواء أمكن الاستيفاء، أم لا، وبه قال الليث، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر؛ لأنه أحاله على مليء برضاه وقبله، فلم يكن له على المحيل رجوع، بشرط أن تكون الحوالة صحيحة بشروطها. [معنى تعارض البينتين] "الثالثة عشرة": ما معنى تعارض البَيِّنَتَيْن؟ "الجواب": معنى تعارض البينتين: تساويهما من كل وجه، فإذا أقام المدعي بينة، وأقام المدعى عليه بينة وتساويتا، فقد تعارضتا، (ومتى تعارضت) بينتاهما سقطتا، وكانا كمن لا بينة لهما.

стр. 2508

[بينة الداخل والخارج] "الرابعة عشرة": ما معنى قولهم: بَيِّنَة الداخل والخارج؟ "الجواب": بينة الخارج بينة المدعي، وبينة الداخل بينة المدعَى عليه. [قسمة التراضي وقسمة الإجبار] "الخامسة عشرة": الفرق بين قسمة التراضي والإجبار. "الجواب": قسمة الإجبار: هي التي لا ضرر فيها على أحد من الشركاء. ويمكن تعديل السهام من غير رد عوض، فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع؛ لقول النبي ﷺ "لا ضرر ولا ضرار"١ فإن كان فيها رد عوض، فهي بمعنى البيع فلا يجبر عليها الممتنع، فإذا لم تكمل هذه الشروط فهي قسمة تراض، لا يجبر الممتنع عليها، بل برضاه. [المنع من المباني الضارة بالجار] "السادسة عشرة": إذا بنى رجل بيتا، وبنى فيه مدابغ وكنيفا، وبنى جاره بعده بيتا، وأقام الثاني بينة: أن كنيفك، ومدابغك تضر بي. "الجواب": إذا كانت المدابغ والكنيف سابقة على ملك جاره، ولا حدثت دار جاره إلا بعد بناء الكنيف والمدابغ، فلا تُزال؛ لأنها سابقة على ملك الجار، والجار هو الذي أدخل الضرر على نفسه. وفي إزالة ضرره إضرار بجاره، فلا يزال الضرر بالضرر، فإذا كانت المدابغ ونحوها سابقة على ملك الجار لم تزل، وإن أضرت بالجار، والله أعلم. "السابعة عشرة"٢: إذا بنى رجل مدابغ أو بنى كنيفا تحت جاره، وأقام الأول البينة أن هذه البنية التي حدثت في ملكك تضر بي. "الجواب": يمنع الجار أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره؛ لقول النبي ﷺ "لا ضرر ولا ضرار"٣ فإذا أراد أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره فإنه يمنع للحديث، وهذه المسألة عكس التي قبلها في الصورة والحكم. [الأيمان على البت والقطع لا على نفي فعل الغير] "الثامنة عشرة": إذا مات رجل، وجاء آخر إلى الوارث يدعي أن له دَينا على الميت، وليس على المدعي (؟) شهود، أيش صفة يمين الوارث؟ "الجواب": إذا لم يكن مع المدعي بينة، وأراد أن يستحلف الوارث، فإنه

стр. 2509

يحلف على نفي العلم، قال في "المغني": والأيمان كلها على البت والقطع لا على نفي فعل الغير، فإنها على نفي العلم، فإذا حلف على نفي مثل أن يدعي عليه، أي: على الغير دينا أو غصبا؛ فإنه يحلف على نفي العلم لا غير. "التاسعة عشرة" إذا ادعى رجل على آخر بدعوى وليس عند المدعي بينة ما صفة يمين المنكر؟ "الجواب" يحلف المنكر على البت والقطع لأن الأيمان كلها على البت لا على نفي فعل الغير فإنها على نفي العلم كما تقدم في المسألة قبلها. [الحكم إذا نكل المنكر عن اليمين] "العشرون" إذا تداعى اثنان ولا بينة معهما، وصارت اليمين على المنكر؛ فإن حلف قضي له، وإن أبى أن يحلف، فهل يقضى عليه بنكوله أم تردون اليمين على المدعي؟ "الجواب" فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد. "إحداهما" لا ترد، بل إذا نكل من توجهت عليه اليمين قضي عليه بالنكول، وهو قول أبي حنيفة. "والرواية الأخرى" أن اليمين ترد على المدعي فيقال له: رد اليمين على المدعي؛ فإن ردها حلف المدعي، وحكم له بما ادعاه اختاره أبو الخطاب وقال: قد صوبه أحمد، وما هو ببعيد يحلف ويستحق، واختار هذا القول ابن القيم في الطرق الحكمية والموفق في العمدة، وهو قول أهل المدينة. وروي ذلك عن علي ﵁ وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك في المال خاصة، وقال الشافعي: بل في جميع الدعاوي. وقال الشيخ تقي الدين*: مع علم مدع وحده بالمدعى به لهم ردها، وإذا لم يحلف لم يأخذ كالدعوى على ورثة ميت حقًا عليه بتركته، وإن كان المدعى عليه هو العالم بالمدعي به دون المدعى مثل أن يدعي الورثة أن الوصي على غريم الميت؛ فينكر فلا يحلف المدعي، وأما إن كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم، فهنا يتوجه القولان، يعني المتقدمين، هل يقضي بالنكول أم ترد؟ والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2510

مسائل وفتاوى أخرى في الصلاة ومصطلح الحديث والنسخ والإجماع والتكفير، وهي عشرون مسألة لبعض علماء نجد ... مسائل وفتاوى أخرى لبعض علماء نجد* بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وأصحابه الذين كانوا نصرة لدين الله. "المسألة الأولى" ما قولكم فيمن ترك السنة ١ من غير استخفاف ما حكمه؟. "الجواب" الذي ذكر أهل العلم أن من ترك السنة وداوم عليها من غير استخفاف بها أنه يكون ناقصا ولا تقبل شهادته. [الرواتب كم قدرها ووقتها وأيها أفضل] "الثانية" ما قولكم في الرواتب كم قدرها ووقتها وأيها أفضل؟ "الجواب" ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: "حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الصبح" وفي حديث في الصحيحين عن عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يصلي قبل الظهر أربعا"٢ فيحتمل أنه كان يصلي تارة أربعا قبل الظهر وتارة ركعتين. وذكر العلماء أن آكد التطوع الكسوف، ثم الوتر ثم ركعتا الفجر؛ لأن رسول الله ﷺ لم يدعهن لا حضرا ولا سفرا. [المسند والمرسل معناهما وأيهما أقوى] "الثالثة" المسند والمرسل أيهما أقوى؟ "الجواب" إن المسند أقوى من المرسل؛ وذلك لأن المسند ما اتصل سنده إلى رسول الله ﷺ فإذا كان رجال المسند كلهم ثقات وليس فيه شذوذ؛ فأجمع العلماء

стр. 2511

على الاحتجاج به ١ إذا لم يعارض بمثله أو أقوى منه، وأما المرسل؛ فهو ما يرويه التابعي عن النبي ﷺ كقول الحسن: قال رسول الله ﷺ كذا. وقول محمد بن شهاب الزهري: قال رسول الله ﷺ ، أو قول عطاء: قال رسول الله ﷺ ، فسقط الصحابي بينه وبين الرسول ﷺ وكثير من أهل العلم لا يحتج بالمرسل إلا إذا اتصل وأسند من وجه صحيح، فإذا كان ذلك كذلك تبين لك أن المسند أقوى وأصح من المرسل بكثير. "الرابعة" ما قولكم في معناهما؟ "الجواب" يتبين لك من جواب المسألة قبلها. ومن أصح المراسيل عندهم مراسيل سعيد بن المسيب القرشي المديني عالم المدينة. وقيل: إنه عالم التابعين وأفضلهم، ﵁. [ترجيح الحديثين المتعارضين في الأمر والنهي] "الخامسة" إذا جاء خبران عن النبي ﷺ أحدهما يدل على الأمر، والآخر يدل على النهي أيهما أرجح؟ "فالجواب" أن الراجح ما صح سنده إلى النبي ﷺ بنقل العدول الثقات الضابطين، فإن قدر اتحادهما في الصحة، فإن أمكن معرفة الآخر منهما أخذ بالآخر؛ لأنه هو الناسخ، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من فعل رسول الله ﷺ أو قوله، فإن لم يمكن معرفة ذلك وأمكن الجمع بينه جمع بينهما، فإن لم يمكن ذلك أخذ بالأحوط، وهو الذي عليه الأكثر من العلماء والفقهاء. [مذاهب العلماء في قراءة البسملة والجهر بها في الصلاة] "السادسة" ما قولكم في حذف البسملة في الصلاة وما الدليل على ذلك؟ "فالجواب" أن البسملة اختلف الفقهاء فيها، هل هي آية من الفاتحة وغيرها من كل

стр. 2512

سورة، أو هي آية من الفاتحة دون غيرها من السور؟ أو ليست من الفاتحة ولا غيرها من السور بل هي آية من القرآن تكتب في أول كل سورة وتقرأ سوى سورة براءة؟ هذه أقوال ثلاثة، ذهب إلى كل قول طائفة من العلماء، والذي يترجح عندنا القول الأخير، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث. وأما الجهر بها في الصلاة؛ فالأحاديث الصحيحة تدل على أن الرسول ﷺ كان لا يجهر بها لا هو ولا الخلفاء الراشدون اللهم إلا أن يكون بعض الأحيان، فإنه قد روي في بعض أحاديث كما ثبت ذلك في الصحيح عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون القرآن بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ في أول القراءة ولا في آخرها، يعنى أن أول ما يجهر به في الصلاة من القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ وبذلك أخذ الإمام أحمد وجماعة من فقهاء الحديث واستحبوا ترك الجهر بها من غير إنكار على من جهر بها. [رفع اليدين ووضعهما في الصلاة] "السابعة" ما قولكم في الرفع والضم وما الدليل على ذلك؟ "فالجواب" إن كان مراد السائل رفع اليدين في الصلاة، وجعل اليمين على الشمال في الصلاة، فهذا سنة مؤكدة ثابتة عن رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد ومن أشهر ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ المتفق على صحته قال: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع". وأما وضع اليمين على الشمال ففي حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"٣ وإن كان مراد السائل غير ذلك فيبينه بعبارة صحيحة واضحة.

стр. 2513

[التأمين آخر الفاتحة] " الثامنة" ما قولكم في التأمين آخر الفاتحة؟ "فالجواب" إنه سنة مؤكدة وصح أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١ قال: آمين يجهر بها، وصح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٢ فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" وأجمع العلماء من أهل السنة على استحباب ذلك. [قول المؤذن الصلاة خير من النوم] "التاسعة" ما قولكم في قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" وما الدليل على ذلك؟ "الجواب" دليله ما رواه أهل السنن قالوا: كان بلال إذا أذن أيقظ النبي ﷺ لصلاة الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، ورفع بها صوته، قال ابن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في أذان الفجر، واتفق الأئمة الأربعة على استحباب ذلك. [دعاء الاستفتاح في الصلاة] "العاشرة" ما قولكم في استفتاح الصلاة بما الناس عليه وما الدليل على ذلك؟. "فالجواب" أنه قد ثبت في السنن الأربعة "أن رسول الله ﷺ كان يستفتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك"٣. وصح في صحيح مسلم أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يعلمهن الناس في مسجد رسول الله ﷺ بحضرة الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فلأجل ذلك أخذ به الإمام أحمد وجماعة من فقهاء الحديث قال أحمد: أنا اختاره وإن استفتح رجل بغيره مما صح عنه ﷺ فحسن.

стр. 2514

[أول من وضع علم النحو] "الحادية عشرة" ما قولكم في النحو، هل شيء جاء في الاجتهاد أم لا؟ "الجواب" إن علم النحو وضعه بعض العلماء بسبب تغير لغة العرب، وقيل: إن أول من وضعه علي ﵁ وذلك لأن الله أنزل القرآن والسنة على لغة العرب، فيجب على الأمة معرفة اللغة وضبطها ليعرف بذلك كتاب الله وسنة نبيه ﵊. [النسخ في الكتاب والسنة] "الثانية عشرة" هل ينسخ القرآن بعضه بعضا، وهل ينسخ السنة والسنة تنسخه أم لا؟ "الجواب" الذي عليه أئمة أهل العلم أن القرآن ينسخ بعضه بعضًا، وفيه آيات معروفة منسوخة، والآية التي نسختها معروفة، يعرف ذلك من طلبه من مظانه. وكذلك القرآن ينسخ السنة بإجماع. وأما نسخ القرآن بالسنة، فالذي عليه المحققون من العلماء أن السنة لا تنسخ القرآن، لكن السنة تفسر القرآن وتبينه وتفصل مجمله، لأن الله امتن على أزواج نبيه بما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة، قال كثير من العلماء: كان جبرائيل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن، ولا يسمى ذلك نسخا، بل هو تفسير له وتوضيح وتشريع للأمة؛ لأن الله ضمن لنبيه ﷺ جمع القرآن في صدره وبيان معناه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١. [رواية الكتاب والسنة بالمعنى] "الثالثة عشرة" هل تجوز رواية الكتاب والسنة بالمعنى أم لا؟ "الجواب" أما قراءة القرآن بالمعنى فما علمت أحدا يجوز ذلك، وكيف يجوز تغيير كلام الله وتغيير نظمه الذي أعجز الله به جميع الخلق وجعله آية ودلالة باهرة على نبوة محمد ﷺ ؟ هذا لا يقوله أحد. وأما رواية الحديث بالمعنى، فهو مما اختلف

стр. 2515

فيه العلماء وأجازه طائفة ومنعه كثيرون من أهل الحديث وغيرهم. [حجية إجماع الصحابة] "الرابعة عشرة" هل إجماع الصحابة حجة وقول الواحد منهم حجة أم لا؟. "الجواب" إن إجماعهم حجة قاطعة يجب الأخذ بها بالإجماع من أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٢ وقوله في أعظم سورة من القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ وهم أصحاب رسول الله ﷺ . وأما قول الواحد منهم فهو حجة عند العلماء يأخذ به الإمام أحمد وغيره إذا لم يخالفه مثله، وأما إذا خالفه غيره من الصحابة فليس قول أحدهما حجة على الآخر. [إجماع علماء الإسلام] "الخامسة عشرة" إجماع علماء الإسلام من غير الصحابة حجة. "الجواب" نعم حجة قاطعة ٤ لكن لا يوجد إجماع صحيح إلا وله سند من

стр. 2516

الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وكثير من المسائل يدعى بعضهم فيها الإجماع، وليس هو قول جميع علماء الإسلام، بل يوجد فيها خلاف لبعض العلماء لا يعلمه من حكى الإجماع. وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة بل قد أجارها الله من ذلك. [الواجب من قراءة القرآن في الصلاة] "السادسة عشرة" كم الواجب من القرآن في الصلاة وما الدليل على ذلك؟ "فالجواب" الواجب من ذلك هو قراءة الفاتحة لا غير لمن قدر على تعلمها واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"١ أخرجه مسلم في صحيحه وفيه دلالة واضحة. [قراءة المأموم في الصلاة] "السابعة عشرة" هل يجب أن يقرأ المأموم لنفسه أم الإمام يتحمل ذلك؟ "فالجواب" هذه مسألة اختلف العلماء فيها؛ فأوجب طائفة من العلماء قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد واستدلوا بالحديث المتقدم، وكرهها آخرون للمأموم في السر والجهر وتوسط فيها آخرون فأوجبوها على الإمام والمنفرد في كل ركعة، واستحبوها للمأموم في الصلاة السرية وكرهوها للمأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الإمام، واستدلوا على ذلك بقوله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٢ قال أحمد: هذه الآية في الصلاة، وبما روي في الحديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"٣ وهذا الذي عليه العمل عندنا ونختاره. [قراءة المأموم مع الإمام] "الثامنة عشرة" إذا قرأ المأموم مع الإمام هل تفسد صلاته؟ "فالجواب" إن صلاته لا تفسد ولا أعلم أحدًا قال بفسادها بذلك، بل كرهها من كرهها من العلماء للآية المتقدمة التي قبلها، ولدلائل أخر ليس هذا موضع بسطها ولم يبطلوها بذلك.

стр. 2517

[حكم صلاة الجماعة والعيدين] "التاسعة عشرة" ما قولكم في صلاة الجماعة والعيد هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ وما الدلائل على ذلك؟ فنقول: أما صلاة الجماعة فاختلف العلماء في وجوبها، وهل هي شرط لصحة الصلاة أو ليست بواجبة ولا شرط لصحة الصلاة، بل سنة مؤكدة؟ فالمشهور عن أحمد وغيره من فقهاء الحديث أنها واجبة على الرجال المكلفين حضرًا وسفرًا، واستدلوا على ذلك بما ثبت في الصحيحين أن رجالا كانوا يتخلفون عن صلاة الجماعة مع النبي ﷺ فهَمَّ ﷺ بتحريق بيوتهم بالنار، وإنما منعه من ذلك ما فيها من النساء والذرية، وقال: "لقد هممت أن آمر رجلا يؤم الناس ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم"١ وقال ابن مسعود: "لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق"٢ ولدلائل أخر ليس هذا موضع بسطها، وأما صلاة العيدين، فالصحيح من أقوال العلماء: أنها فرض كفاية، ومن قال: إنهما سنتان قال: إذا اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام، واستدلوا على أنها فرض كفاية بأن النبي ﷺ أمر بهما مالك بن الحويرث وصاحبه. [النهي عن سب الصحابة وجزاء من يفعل ذلك] "العشرون" من سب الصحابة هل يكفر أو يفسق، وما الدليل على ذلك؟. "فالجواب" إن فسقه لا خلاف فيه لقوله ﵇: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"٣ وأما تكفيره فاختلف العلماء في ذلك فمنهم من كفره ويذكر عن مالك، واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٤ قال: فكل من سبهم فهو كافر لهذه الآية. والذي عليه الأكثر عدم تكفيره، وتوقف أحمد في تكفيره وقتله، وأما تعزيره وتأديبه بالضرب والحبس الذي يزجره عن ذلك فلا خلاف فيه. وهذا ما تحتمله الورقة ونسأل الله أن يوفقنا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2518

مسائل وفتاوى في القراءة في الصلاة والطهارة والوضوء والتيمم والطلاق والعدة وعورة الأمة والكلام عند الأذان وتلاوة القرآن وغير ذلك لأحد علماء نجد ، غير معروف اسمه* من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها أيده الله ووفقه (وقد وقفها على من ينتفع بها من أهل العلم والدين) ﴿لا يحل لمن وقعت بيده بيعها﴾

стр. 2519

مسائل وفتاوى أخرى في الطهارة والصلاة والطلاق والغيبة وغيرها، وهي ست عشرة مسألة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الحمد لله والصلاة على خير خلق الله وآله وأصحابه الذين كانوا أنصارًا لدين الله. [الصلاة خلف الإمام] "المسألة الأولى" ما قول العلماء ﵃ فيمن صلى خلف الإمام ما حكمه؟ "الجواب" وبالله التوفيق: السنة أن يقف المأموم خلف الإمام، وإن كان واحدا صلى عن يمينه، فإن كان معهم امرأة قامت خلفهم، فإذا وقف المأموم قدام الإمام لم تصح صلاته، وإن وقف الرجل خلف الصف أو خلف الإمام وحده فصلى ركعة فأكثر لم تصح صلاته. [صلاة من أخل بإعراب الفاتحة] "المسألة الثانية" هل تصح صلاة من أخل بإعراب الفاتحة أم لا؟ "الجواب" وبالله التوفيق: يلزم القارئ أن يقرأ الفاتحة مرتبة مشددة غير ملحون فيها لحنا يحيل المعنى، نحو أن يقول: "أنعمتُ" برفع التاء، فإن فعل لم يعتد بقراءته إلا أن يكون عاجزا، وهذا مذهب الشافعي، فإن كان لحنا لا يحيل المعنى نحو أن يكسر النون من "نستعين" لم تبطل صلاته. [الصلاة في ثوب به نجاسة وهو لا يعلم] "المسألة الثالثة" إذا صلى من في بدنه أو ثوبه نجاسة نسيها أو جهلها ولم يعلم بها إلا بعد انقضاء صلاته هل يعيدها أم لا؟ "الجواب" وبالله التوفيق: هذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: "أحدهما" لا تفسد صلاته، وهو قول ابن عمر وعطاء لحديث النعلين وفيه: "كان رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه إلى أن قال: إن جبرائيل أتأنى فأخبرني أن فيهما قذرا"١ رواه أبو داود ولو بطلت لاستأنفها. "والثانية" يعيد وهو مذهب الشافعي، فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير كخلع النعال والعمامة

стр. 2520

ونحوهما أزالها، وبنى على ما مضى من صلاته وإلا بطلت. [صلاة الإمام محدثا جاهلا هو والمأمومون] "الرابعة" إذا صلى الإمام محدثا جاهلا والمأمون حتى سلموا ما حكم صلاتهم؟ "الجواب" صلاتهم صحيحة دون الإمام فإنه يعيد، يروى عن عمر وعثمان وعلي ومالك والشافعي، وإن علمه وهو في الصلاة بطلت وأعادها. [في بدن الجنب نجاسة فزالت بغسل الوضوء أو غسل الجنابة ولم ينو إزالتها] "الخامسة" إذا كان في أعضاء الوضوء أو في بدن الجنب نجاسة؛ فزالت بغسل الوضوء أو غسل الجنابة، ولم ينو إزالتها هل تزول أم لابد من النية؟. "الجواب" غسل النجاسة لا يفتقر إلى نية، بل متى زالت عين النجاسة بالماء طهر المحل؛ لأنها من التروك بخلاف الأوامر، فإنها مفتقرة إلى نية لقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات"١ الحديث، لكن عليه أن يزيل النجاسة عن أعضائه وعن بدنه قبل الغسل. [تعدد الصلوات بوضوء واحد] "السادسة" إذا توضأ الإنسان لمشروع كالنافلة وصلاة الجنازة ولم ينو به الفرض هل يصلي به الفرض أم لا؟ "الجواب" يصلي به ما شاء فرضا أو نفلا، وأيضا قال في "الشرح الكبير": ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد لا نعلم فيه خلافا. انتهى. [تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء] "المسألة السابعة" إذا دخل الوقت على عادم الماء، ويرجو أن يصل إليه في آخر الوقت، هل يصلي بالتراب في أول الوقت أو يؤخر الصلاة حتى يأتي الماء؟. "الجواب" قال في الشرح: يستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء، روي ذلك عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل. انتهى. [عدة المرضعة] "المسألة الثامنة" إذا طلقت المرأة وهي ترضع، ولم يأتها الحيض بسبب الرضاع ما عدتها؟ "الجواب" هي في عدة حتى يأتيها الحيض، فتعتد به ثلاث حيضات أو تصير آيسة فتعتد بثلاثة أشهر.

стр. 2521

[ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه] "المسألة التاسعة": إذا ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه هل تصدق أم لا؟ وإذا شهدت امرأة أو امرأتان أنها اعتدت بالحيض هل تقبل شهادتهن في ذلك لعدم اطلاع الرجال أم لا؟ "الجواب" تصدق لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ١ الآية، وإذا شهدت امرأة عدل أنها حاضت ثلاث حيض وهو يمكن قبلت، والأحوط شهادة امرأتين. [كشف الأمة المملوكة لوجهها] "المسألة العاشرة": هل وجه الأمة المملوكة عورة فيلزمها الخمار كالحرة أم لا؟ "الجواب": لا يلزمها؛ لأن عمر بن الخطاب كان ينهى الإماء عن التقنع فاشتهر فلم ينكر، فكان إجماعا، لكن إذا كانت الأمة جميلة يخشى بها الفتنة لم يجز النظر إليها بشهوة. وأما الحرة فلا يجوز كشف وجهها في غير الصلاة بغير خلاف ٢ والأمة إذا عتقت فهي حرة. [حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن وعند الجماع] "المسألة الحادية عشرة": ما حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن، والكلام عند الجماع. "الجواب": قال في الشرح: يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا مستحب لا نعلم فيه خلافا، ثم يقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودًا الذي وعدته"٣ رواه البخاري، انتهى. وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة، وأما الكلام عند تلاوة القرآن فقال النووي ﵀ في كتاب التبيان: ويتأكد الأمر باحترام القرآن من أمور، فمنها اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القرآن إلا كلاما يضطر إليه وليمتثل أمر الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤ وعن ابن عمر أنه كان إذا قرئ

стр. 2522

القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأ انتهى. وأما الكلام حال الجماع: فيكره كثرة الكلام حال الوطء، قيل إن منه الخرس والفأفأة ١. [نداء والديه أو قرابته أو معلميه بأسمائهم] "المسألة الثانية عشرة": هل نداء الشخص والديه أو قرابته بأسمائهم من العقوق المنهي عنها أم لا؟ "الجواب": قال في كتاب الأذكار: "باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ أن ينادي أباه أو معلمه أو شيخه باسمه" رُوِّينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معه غلام فقال: "يا غلام من هذا؟ قال: أبي، قال: لا تمش أمامه، ولا تستسب له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه" قلنا: معنى لا تستسب له أي: لا تفعل فعلا تتعرض فيه لأن يسبك أبوك زجرا لك وتأديبا لك على فعلك القبيح. ورُوّينا عن عبد الله بن زحر قال: كان يقال: "من العقوق أن تسمي أباك باسمه، وأن تمشي أمامه في الطريق" انتهى.٢ وأما القرابة غير الوالدين فلا أعلم في ندائهم بأسمائهم بأسا. [التفريق بين المملوكة وولدها في البيع والهبة] "المسألة الثالثة عشرة": هل يجوز التفريق بين المملوكة وولدها في البيع والهبة أم لا؟ "الجواب": لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ؛ لقوله ﷺ "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"٣ حديث حسن. [افتقار غسل النجاسة إلى عدد] "المسألة الرابعة عشر": هل يفتقر غسل النجاسة إلى عدد أم لا؟ "الجواب": أما نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما إذا أصابت غير

стр. 2523

الأرض فيجب غسلها سبعا إحداهن بالتراب سواء من ولوغه أو غيره؛ لأنهما نجسان وما تولد منهما ١ لقوله ﷺ "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب"٢ متفق عليه ولمسلم: "أولاهن بالتراب"٣ وأما النجاسات على الأرض فيطهرها أن يغمرها بالماء فيذهب عينها أو لونها لقوله ﷺ في بول الأعرابي: "صبوا عليه ذنوبا من ماء"٤ متفق عليه وأما باقي النجاسات ففيها عن أحمد ثلاث روايات: "الأولى" سبعا "والثانية" ثلاثا "والثالثة" تكاثر بالماء حتى يذهب عينها ولونها من غير عدد لقوله ﷺ "اغسله بالماء" ولم يذكر عددًا. وهذا مذهب الشافعي، واختاره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وهو المفتى به عندنا. [كلام المصلي أثناء الصلاة] "المسألة الخامسة عشرة": إذا تكلم المصلي في نفس الصلاة أو تنحنح هل تبطل صلاته أم لا؟. "الجواب": إن تكلم فيها عمدًا لغير إصلاح صلاته بطلت بالإجماع، وإن تكلم فيها ناسيا أو جاهلا لتحريمه لم تبطل في إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في صلاته، ولم يأمره بالإعادة، وكذلك إن تنحنح لم تبطل، وقيل: إن بان حرفان بطلت. والله أعلم.

стр. 2524

المسالة السادسة عشرة: هل يحل عرض أحد من المسلمين أم لا؟ "الجواب": الغيبة محرمة بالإجماع، وهي ذكرك أخاك بما يكرهه لو كان حاضرًا، وتباح لستة أسباب: "الأول": التظلم فيجوز أن يقول لمن له قدرة على إنصافه: فلان ظلمني أو فعل بي كذا ونحو ذلك. "الثاني": الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره. "الثالث": الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي، أو فلان بكذا ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة. "الرابع": تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم فمنها جرح المجروحين من الرواة والشهود، ومنها إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو معاملته، ونحو ذلك، فيجب عليك أن تذكر له ما تعلم منه على وجه النصيحة، ومنها إذا رأيت من يشتري سلعة معيبة، فعليك أن تبين ذلك للمشتري، وهذا على كل من علم بالعيب وجب عليه بيانه. "الخامس": أن يكون مجاهرًا بالفسق أو ببدعة كالمجاهر بشرب الخمر وخيانة الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر. "السادس": التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعرج والأعمى ونحوهما جاز تعريفه بذلك بنية التعريف لا التنقيص. فهذه الستة ذكرها العلماء مما يباح بها الغيبة ودلائلها مشهورة في الأحاديث. فرحم الله من نظر فيها، وأصلح خلل ألفاظها ومعانيها بعد التحقيق ١ فإن الإنسان لا يعصم من الخطأ والنسيان، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.

стр. 2525

هذه مسائل سئل عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فأجاب والسائل عامي.١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المدة التي يحكم بها بموت المفقود] أما المفقود فلا يحكم بموته إلا بعد أربع سنين. وإذا أخذ الكفار مال مسلم وتملكه مسلم آخر بشراء أو هبة لم يكن لصاحبه الأول عليه طريق؛ لانتقال ملك الأول عنها؛ لأن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر والاستيلاء كما هو مذهب أحمد في إحدى الروايتين وهي المذهب، ومذهب مالك وأبي حنيفة، لكن يكون صاحبه أحق به بالثمن بعد قسمه أو شرائه. [النخلة متى تصير وقفا] والنخلة: ما تصير وقفا إلا بشهادة رجلين مقبولين. [أعطى بعض بنيه عطية وحازها المعطى ولم يعط الآخرين] والوالد: إذا أعطى بعض بنيه عطية، وحازها المعطى، ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه، البيع يصح إذا انقطع الخيار ولو كان بدون القيمة. [البعير إذا غدت عينه وهو مثل قاطر] والبعير: إذا غدت عينه وهو مثل فاطر ذبحت، ولا علم القصاب أنها غادية إلا بعد ما ذبحها فلا له طلابه. [رد الدين على المعسر] ورد الدين على المعسر ما يجوز، لا ثمن زاد ولا غيره، وإذا أوفاه بالعقد الفاسد مثل الرد على المعسر ماله إلا رأس ماله. [قسم الدين في الذمة] ويصح قسم الدين في الذمة. [استغرق دين من عليه الدين] وإذا استغرق دين من عليه الدين لم يصح الرهن إلا بأمر الديانين. [اختلف المقرض والمقترض] وإذا اختلف المقرض والمقترض، فقال المقرض: أقرضتك، وقال الآخر: أرهنتني، فالقول قول المقرض مع يمينه. [تلفت الصبرة والمشتري متمكن من القبض ولم يقبض] وإذا تلفت الصبرة والمشتري متمكن من القبض ولم يقبض؛ فهي من ضمان المشتري. [اشترى ثوبا فصبغه أو نسجه أو اختاطه وهو معيب] وإذا اشترى ثوبا فصبغه أو نسجه أو اختاطه، وهو معيب عند البائع، فهو يرده المشتري؛ لإمساكه مع الأرش، وله قدر صبغه أو نسجه أو خياطته وقت الرد، ويلحق البائع قدر استعماله له.
следующие страницы →