← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

[ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه] "المسألة التاسعة": إذا ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه هل تصدق أم لا؟ وإذا شهدت امرأة أو امرأتان أنها اعتدت بالحيض هل تقبل شهادتهن في ذلك لعدم اطلاع الرجال أم لا؟ "الجواب" تصدق لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ١ الآية، وإذا شهدت امرأة عدل أنها حاضت ثلاث حيض وهو يمكن قبلت، والأحوط شهادة امرأتين. [كشف الأمة المملوكة لوجهها] "المسألة العاشرة": هل وجه الأمة المملوكة عورة فيلزمها الخمار كالحرة أم لا؟ "الجواب": لا يلزمها؛ لأن عمر بن الخطاب كان ينهى الإماء عن التقنع فاشتهر فلم ينكر، فكان إجماعا، لكن إذا كانت الأمة جميلة يخشى بها الفتنة لم يجز النظر إليها بشهوة. وأما الحرة فلا يجوز كشف وجهها في غير الصلاة بغير خلاف ٢ والأمة إذا عتقت فهي حرة. [حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن وعند الجماع] "المسألة الحادية عشرة": ما حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن، والكلام عند الجماع. "الجواب": قال في الشرح: يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا مستحب لا نعلم فيه خلافا، ثم يقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودًا الذي وعدته"٣ رواه البخاري، انتهى. وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة، وأما الكلام عند تلاوة القرآن فقال النووي ﵀ في كتاب التبيان: ويتأكد الأمر باحترام القرآن من أمور، فمنها اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القرآن إلا كلاما يضطر إليه وليمتثل أمر الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ٤ وعن ابن عمر أنه كان إذا قرئ

стр. 2522

القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأ انتهى. وأما الكلام حال الجماع: فيكره كثرة الكلام حال الوطء، قيل إن منه الخرس والفأفأة ١. [نداء والديه أو قرابته أو معلميه بأسمائهم] "المسألة الثانية عشرة": هل نداء الشخص والديه أو قرابته بأسمائهم من العقوق المنهي عنها أم لا؟ "الجواب": قال في كتاب الأذكار: "باب نهي الولد والمتعلم والتلميذ أن ينادي أباه أو معلمه أو شيخه باسمه" رُوِّينا في كتاب ابن السني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معه غلام فقال: "يا غلام من هذا؟ قال: أبي، قال: لا تمش أمامه، ولا تستسب له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه" قلنا: معنى لا تستسب له أي: لا تفعل فعلا تتعرض فيه لأن يسبك أبوك زجرا لك وتأديبا لك على فعلك القبيح. ورُوّينا عن عبد الله بن زحر قال: كان يقال: "من العقوق أن تسمي أباك باسمه، وأن تمشي أمامه في الطريق" انتهى.٢ وأما القرابة غير الوالدين فلا أعلم في ندائهم بأسمائهم بأسا. [التفريق بين المملوكة وولدها في البيع والهبة] "المسألة الثالثة عشرة": هل يجوز التفريق بين المملوكة وولدها في البيع والهبة أم لا؟ "الجواب": لا يجوز التفريق بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ؛ لقوله ﷺ "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"٣ حديث حسن. [افتقار غسل النجاسة إلى عدد] "المسألة الرابعة عشر": هل يفتقر غسل النجاسة إلى عدد أم لا؟ "الجواب": أما نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما إذا أصابت غير

стр. 2523

الأرض فيجب غسلها سبعا إحداهن بالتراب سواء من ولوغه أو غيره؛ لأنهما نجسان وما تولد منهما ١ لقوله ﷺ "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب"٢ متفق عليه ولمسلم: "أولاهن بالتراب"٣ وأما النجاسات على الأرض فيطهرها أن يغمرها بالماء فيذهب عينها أو لونها لقوله ﷺ في بول الأعرابي: "صبوا عليه ذنوبا من ماء"٤ متفق عليه وأما باقي النجاسات ففيها عن أحمد ثلاث روايات: "الأولى" سبعا "والثانية" ثلاثا "والثالثة" تكاثر بالماء حتى يذهب عينها ولونها من غير عدد لقوله ﷺ "اغسله بالماء" ولم يذكر عددًا. وهذا مذهب الشافعي، واختاره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وهو المفتى به عندنا. [كلام المصلي أثناء الصلاة] "المسألة الخامسة عشرة": إذا تكلم المصلي في نفس الصلاة أو تنحنح هل تبطل صلاته أم لا؟. "الجواب": إن تكلم فيها عمدًا لغير إصلاح صلاته بطلت بالإجماع، وإن تكلم فيها ناسيا أو جاهلا لتحريمه لم تبطل في إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في صلاته، ولم يأمره بالإعادة، وكذلك إن تنحنح لم تبطل، وقيل: إن بان حرفان بطلت. والله أعلم.

стр. 2524

المسالة السادسة عشرة: هل يحل عرض أحد من المسلمين أم لا؟ "الجواب": الغيبة محرمة بالإجماع، وهي ذكرك أخاك بما يكرهه لو كان حاضرًا، وتباح لستة أسباب: "الأول": التظلم فيجوز أن يقول لمن له قدرة على إنصافه: فلان ظلمني أو فعل بي كذا ونحو ذلك. "الثاني": الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره. "الثالث": الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي، أو فلان بكذا ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة. "الرابع": تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم فمنها جرح المجروحين من الرواة والشهود، ومنها إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو معاملته، ونحو ذلك، فيجب عليك أن تذكر له ما تعلم منه على وجه النصيحة، ومنها إذا رأيت من يشتري سلعة معيبة، فعليك أن تبين ذلك للمشتري، وهذا على كل من علم بالعيب وجب عليه بيانه. "الخامس": أن يكون مجاهرًا بالفسق أو ببدعة كالمجاهر بشرب الخمر وخيانة الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر. "السادس": التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعرج والأعمى ونحوهما جاز تعريفه بذلك بنية التعريف لا التنقيص. فهذه الستة ذكرها العلماء مما يباح بها الغيبة ودلائلها مشهورة في الأحاديث. فرحم الله من نظر فيها، وأصلح خلل ألفاظها ومعانيها بعد التحقيق ١ فإن الإنسان لا يعصم من الخطأ والنسيان، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.

стр. 2525

هذه مسائل سئل عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فأجاب والسائل عامي.١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المدة التي يحكم بها بموت المفقود] أما المفقود فلا يحكم بموته إلا بعد أربع سنين. وإذا أخذ الكفار مال مسلم وتملكه مسلم آخر بشراء أو هبة لم يكن لصاحبه الأول عليه طريق؛ لانتقال ملك الأول عنها؛ لأن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر والاستيلاء كما هو مذهب أحمد في إحدى الروايتين وهي المذهب، ومذهب مالك وأبي حنيفة، لكن يكون صاحبه أحق به بالثمن بعد قسمه أو شرائه. [النخلة متى تصير وقفا] والنخلة: ما تصير وقفا إلا بشهادة رجلين مقبولين. [أعطى بعض بنيه عطية وحازها المعطى ولم يعط الآخرين] والوالد: إذا أعطى بعض بنيه عطية، وحازها المعطى، ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه، البيع يصح إذا انقطع الخيار ولو كان بدون القيمة. [البعير إذا غدت عينه وهو مثل قاطر] والبعير: إذا غدت عينه وهو مثل فاطر ذبحت، ولا علم القصاب أنها غادية إلا بعد ما ذبحها فلا له طلابه. [رد الدين على المعسر] ورد الدين على المعسر ما يجوز، لا ثمن زاد ولا غيره، وإذا أوفاه بالعقد الفاسد مثل الرد على المعسر ماله إلا رأس ماله. [قسم الدين في الذمة] ويصح قسم الدين في الذمة. [استغرق دين من عليه الدين] وإذا استغرق دين من عليه الدين لم يصح الرهن إلا بأمر الديانين. [اختلف المقرض والمقترض] وإذا اختلف المقرض والمقترض، فقال المقرض: أقرضتك، وقال الآخر: أرهنتني، فالقول قول المقرض مع يمينه. [تلفت الصبرة والمشتري متمكن من القبض ولم يقبض] وإذا تلفت الصبرة والمشتري متمكن من القبض ولم يقبض؛ فهي من ضمان المشتري. [اشترى ثوبا فصبغه أو نسجه أو اختاطه وهو معيب] وإذا اشترى ثوبا فصبغه أو نسجه أو اختاطه، وهو معيب عند البائع، فهو يرده المشتري؛ لإمساكه مع الأرش، وله قدر صبغه أو نسجه أو خياطته وقت الرد، ويلحق البائع قدر استعماله له.

стр. 2526

[استأجر أجيرًا إلى مكان يأتي له منه بشيء فحصل له مانع] وإذا استأجر أجيرًا إلى مكان يأتي له منه بشيء فحصل له مانع لزمته الأجرة، والصبي أبو خمسة عشر سنة أنا راجي أن مثله ما يضمن ومثله ... ١. [الزكاة في مال اليتامى] ومال اليتامى ما فيه زكاة حتى يصيب كل واحد منهم نصاب. [قال الزوج لامرأته اطلعي من داري] وإذا قال الزوج لامرأته: اطلعي من داري؛ فليست بقرينة ويحلف أنه ما أراد الطلاق. [متى يطلب المهر] والمهر إذا كان عادة الناس أنه ما يطلب إلا إذا طلقت المرأة، أو مات الزوج فلا يطلب إلا إذا طلق أو مات. [وصاحب الدين المؤجل إذا قال لست بمزكيه إلا بعد قبضه] وصاحب الدين المؤجل إذا قال: لست بمزكيه إلا بعد قبضه فوافقوه، وبعد ما جد يوم يشتري النخل فيعطي زكاة ثمنه. [يشتري صبر التمر في الحصاد فلا يبيعها مشتريها حتى يشيلها] والذي يشتري صبر التمر في الحصاد، فلا يبيعها مشتريها حتى يشيلها، وما ذكرت من قبل الذي يسرق من الثمرة فهو على المشتري. [الهبة تلزم بمجرد العقد] والهبة تلزم بمجرد العقد، وإذا وهبه وقال: أوهبتك عمرك أو عشر سنين فهذا جائز. [تنفيل بعض أولاده في العطية] ولا يجوز للوالد تنفيل بعض أولاده في العطية على بعض. [المرأة إذا حلفت بالظهار] والمرأة التي حلفت بالظهار فليس عليها إلا كفارة يمين. [الضرر المانع من القسمة] والضرر المانع من القسمة هو إذا نقص قيمته مفردًا فهو يمنع. [النخل الذي بين الشركاء وبعضهم يرفض القسمة] والنخل الذي بين الشركاء واحد يشتهي القسمة، وواحد ما يشتهي، فإن كان على بعضهم مضرة لم يقسم. [كان في ذمة رجل لآخر دراهم واشترى من رجل شيئا بشرط أنه يقبل الثمن من ذمة فلان] وأما إذا كان في ذمة رجل لآخر دراهم واشترى من رجل شيئا بشرط أنه يقبل الثمن من ذمة فلان فلا أرى فيه بأسا. [بيع الثمرة وقت الجذاذ] وأما الذين يبيعون الثمرة وقت الجذاذ فبيعهم صحيح ولو ما نقد المشتري الثمن وقبض الثمرة فإنه يلزم إذا خلى بينه وبينها ويكون قبضا؛ لأن قبض هذا بالتخلية. [أوصى بوصية وعلقها على الموت ثم بعد ذلك أوصى بثلث ماله] وإذا أوصى بوصية وعلقها على الموت ثم بعد ذلك أوصى بثلث ماله فالوصية من الثلث إلا إن كان منجزها. [الصغير الذي ورث عصبة له] ومسألة الصغير الذي ورث عصبة له، فإن كان الأمير يقول: بيعها أصلح له فلا تعارضه، وإن كان الأمير والجماعة يقولون: غاديه أصلح فالذي أرى أن البيع ما يتم. [الرهن إذا ظهر مستحقا] ومسألة الرهن إذا ظهر مستحقا فالتالي يرجع على الثاني والثاني يرجع على الأول. "انتهى والله أعلم"

стр. 2527

مسائل وفتاوى في الطلاق والعدة والإجارة والثمار والعاقلة، والتيمم لنجاسة الثوب والبدن، والحدود والنكاح والإقرار وغير ذلك للعلامة الشيخ سعيد بن حجي الحنبلي النجدي ﵀ وعفا عنه آمين

стр. 2528

مسائل في الطهارة والطلاق والعدة والإجارة والحدود والنكاح وغيرها، وهي سبع عشرة مسألة للشيخ سعيد بن حجي ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من: سعيد بن حجي إلى الأخ: مسفر بن عبد الرحمن. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد": الخط وصل -وصلك الله إلى رضوانه- وتسأل فيه عن مسائل: [طلقت قبل الدخول مرتين من رجلين هل تحل للأول] "الأولى": قول العلماء في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أعني الجماع، ثم تزوجها بعده آخر فطلقها قبل أن يدخل بها، هل تجوز أم لا؟ "الجواب": لا تحل له إن كان الأول طلقها ثلاثا بكلمة واحدة لعدم تمام شروط النكاح الثاني، وإن كان طلاقه أعني الأول دون الثلاث حلت له. [عتق العبد وتحته أمة ولم تعتق هي ما الحكم] "الثانية": إذا عتق العبد وتحته أمة ولم تعتق هي ما الحكم؟. "الجواب": قال في الإنصاف: لو عتق العبد وتحته أمة فلا خيار له على الصحيح من المذهب. وقاله الموفق والشارح؛ لأن الكفاءة تعتبر فيه لا فيها، انتهى. وكذا قال في المغني والإقناع، فقد علمت أنه لا بأس باستدامة النكاح لهما. [طلاق البتة] "الثالثة": طلاق البتة هل المراد به جمع الثلاث بكلمة واحدة أو غيره؟ "الجواب" في المطلع: وبتة بمعنى مقطوعة يقال: طلقها ثلاثا بتة، وفي حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو طلقها البتة وهو غائب. وفي رواية طلقها ثلاثا. الحديث متفق عليه. قال ابن دقيق العيد على هذا الحديث ما نصه: أن لفظة البتة يعبر بها عن طلاق الثلاث دفعة، وتارة عن طلقة يتم بها الثلاث. [المعتدة في حكم الزوجات] "الرابعة": إذا كان عند الرجل أربع نسوة فطلق واحدة بالثلاث، وأراد أن يتزوج رابعة، والتي طلق لم تزل في العدة هل يجوز أم لا؟. "الجواب": مذهب أحمد بن حنبل وأبي حنيفة لا يجوز حتى تنقضي عدة المطلقة فيتزوج رابعة إن شاء، قال في الإقناع وشرحه: ومن طلق واحدة من

стр. 2529

نهاية جمعه لم يجز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها ولو كانت بائنا؛ لأن المعتدة في حكم الزوجات، وإن ماتت واحدة جاز في الحال نص عليه انتهى. ولأنه لا يجوز أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة، وهذا هو المفتى به عندنا الآن، ومذهب مالك والشافعي في البائن بخلافه. [استأجر أرضا بطعام وبقطعة من أرض معلومة] "الخامسة": إذا استأجر أرضا بطعام وبقطعة من أرض معلومة هل يصح أم لا؟. "الجواب": إذا تمت شروط الإجارة صح إن كان المراد رقبة الأرض؛ لأن الأرض من العروض، وإن كان المعنى على حذف مضاف، تقديره وزرع قطعة من أرض لم يصح؛ لأنه من المخابرة المنهي عنها، ولأنه يعود بجهالة الأجرة. [بيع الثمار خرصا وقبل بدو صلاحه] "السادسة": إذا كان رجلان شريكان في ثمرة نخل، واحتاج أحدهما إلى أخذ ثمرة نخلة بعضها ثمر وبعضها بسر، وقال لشريكه: إذا صرم النخل؛ فخذ قيمتها ثمرًا هل يصح أم لا؟. "الجواب": قد ذكر العلماء أنه يجوز قسمة الثمار خرصا، ولو كانت الثمار على شجر قبل بدو صلاحه أي: الثمر ولو بشرط التبقية، وأنه يجوز تفرقهما قبل القبض؛ لأنها إفراز حق لا بيع، وأما المسألة المسئول عنها؛ فلا تجوز؛ لأنها في الحقيقة بيع وهو غير صحيح. [الأب وإن علا والابن وإن سفل من العاقلة] "السابعة": هل الأب وإن علا والابن وإن سفل من العاقلة أم لا؟ "الجواب": المسألة فيها روايتان عن أحمد بن حنبل المذهب عند متأخري الحنابلة أنهم من العاقلة؛ لأنهم أحق العصبات بميراثه؛ فكانوا أولى بتحمل عقله ولحديث عمرو بن شعيب وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. [إحصان الأمة] "الثامنة": وهل الإحصان للأمة من قبل إقامة الحد عليها إذا زنت الإسلام أو التزويج؟. "الجواب": قال في المغني: إذا زنى العبد أو الأمة جلد كل واحد منهما خمسين

стр. 2530

ولم يغربا، بكرين كانا أو ثيبين، في قول أكثر الفقهاء منهم عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي انتهى. ثم ذكر اختلاف العلماء في المسألة وأصلها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ ١ الآية. وقد استدلوا على ما ذكرنا بقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٢ والعذاب الجلد منه؛ فينصرف التنصيف له دون غيره، وبقوله ﷺ لعلي: "إذا تعالت من نفاسها فاجلدوها خمسين"٣ رواه عبد الله بن أحمد. ورواه مالك عن ابن عمر، وبعمومات الأحاديث التي وردت في إقامة الحد على الإماء. [التيمم لإزالة نجاسة الثوب والبدن] " التاسعة": رجل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة وعدم الماء وصلى بها هل يعيد إذا وجد الماء أم لا؟ " الجواب": قال الشيخ تقي الدين*: أما التيمم للنجاسة على الثوب؛ فلا نعلم له قائلا من العلماء، وإن كانت النجاسة في البدن فهل يتيمم لها؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد: "إحداهما" لا يتيمم لها وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة والشافعي إلى أن قال: لما كان عاجزًا عن إزالة النجاسة سقط وجوب إزالتها وجازت الصلاة معها بدون تيمم انتهى ملخصًا. وقال في الكافي: وفي وجوب الإعادة روايتان: "إحداهما" لا يجب لقوله ﵇: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" وقياسا على التيمم. والأخرى تجب الإعادة. [اللواط وإتيان البهيمة] "العاشرة": ما حكم من فعل اللواط وأتى بهيمة؟. "الجواب": أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وأما حكمه فإنه اختلفت الرواية عن أحمد، فعنه أن حده الرجم بكرًا كان أو ثيبًا، وهذا قول علي وابن عباس وجابر وغيرهم ومالك وأحد قولي الشافعي.

стр. 2531

"والرواية الثانية" حده حد الزنى وبه قال ابن المسيب وغيره. ووجه الرواية الأولى قوله ﷺ "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"١ رواه أبو داود. وفي لفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل" ولأن الصحابة أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته. انتهى ملخصا من المغني. وقال الشيخ تقي الدين في جواب له*: وفي السنن عن النبي ﷺ "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"٢ ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعا، لكن اختلفوا في صفة القتل فمذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما كانا يرجمان بكرين كانا أو ثيبين، حرين كانا أو مملوكين أو كان أحدهما مملوكا للآخر، واتفق المسلمون على أن من استحلها من مملوك أو غيره أنه كافر مرتد انتهى. وإنما يثبت هذا الحد ببينة أو إقرار كالزنى سواء. وأما من أتى بهيمة فهو يعزر ويبالغ في تعزيره ولا حد عليه. روي ذلك عن ابن عباس وحماد ومالك وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي، وتقتل البهيمة، ويكره أكل لحمها، وإنما يثبت هذا التعزير بشهادة رجلين عدلين أو إقراره ولو مرة. [سرقة الثمر وجمار النخل] "الحادية عشرة": ما معنى قوله ﵇: "لا قطع في ثمر ولا كثر"٣ رواه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجه، ما الكثر؟ "الجواب": الكُثْر -بضم الكاف وسكون الثاء- جُمّار النخل، والجمار بالضم والتشديد شحم النخل الذي في جوفه، وجمرت النخلة قطعت جمارها. [الفرق بين المختلس والمنتهب] " الثانية عشرة": ما الفرق بين المختلس والمنتهب؟ "الجواب": السرقة أخذ مال محترم على وجه الاختفاء فلا قطع على منتهب، وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة لما روى جابر مرفوعا قال: "ليس على

стр. 2532

منتهب قطع"١ رواه أبو داود ولا على مختلس، والاختلاس نوع من الخطف والنهب، وإنما سمي اختفاء في ابتداء اختلاسه. انتهى من "الإقناع" وشرحه. [اشتراط المرأة طلاق ضرتها] "الثالثة عشرة": إذا شرطت المرأة طلاق ضرتها، هل يصح هذا الشرط أم لا؟. "الجواب": قال في "الشرح": وإن شرطت طلاق ضرتها فالصحيح أنه باطل لنهيه ﷺ أن تشترط المرأة طلاق أختها رواه البخاري. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وعند متأخري الحنابلة: أنه صحيح للزوجة بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه ولا يجب عليه الوفاء به بل يسن. [إقرار المريض في المرض المخوف] "الرابعة عشرة": إذا أقر المريض في مرضه المخوف بشيء لوارث أو لغيره هل يصح أم لا؟. "الجواب": قال في الشرح: ويصح إقرار المريض في المرض المخوف بغير المال، وإن أقر بمال لمن لا يرثه، صح حكاه ابن المنذر إجماعا، وإن أقر لوارث لم يقبل إلا ببينة، وقال عطاء والحسن وإسحاق: يقبل، وقال مالك: يصح إلا أن يتهم إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فأقل، فيصح في قول الجميع إلا الشعبي. انتهى. [الوكالة في النكاح] "الخامسة عشرة": إذا شهد رجل عدل أن فلانا وكل فلانا على تزويج ابنته فزوجها، ثم أنكر الموكل، هل تمضي الشهادة أم لا؟. "الجواب": للولي أن يوكل من يزوج موليته، قال في "المغني": ولا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل، ولا يفتقر إلى حضور شاهدين؛ لأنه إذن من الولي في التزويج، فلم يفتقر إلى إذن المرأة، ولا إلى الإشهاد كإذن الحاكم انتهى. لكن لابد من إذنها للوكيل، فقد علمت أنه إذا أذن للوكيل صح وإن لم يشهد، والإشهاد أحوط.

стр. 2533

[شهادة العبد إذا كان عدلا] "السادسة عشرة": هل تجوز شهادة العبد إذا كان عدلا في كل شيء، أم لا؟. "الجواب": تجوز شهادته في كل شيء إلا في الحدود والقصاص في إحدى الروايتين عن أحمد، وعنه تقبل فيهما أيضا على الصحيح من المذهب، واختاره ابن القيم في إعلام الموقعين، ونصره هو وغيره بأدلة، ولعل مذهب الأئمة الثلاثة على خلافه. [إقرار السارق] "السابعة عشرة": هل يقطع السارق بإقراره مرة أم لا بد من مرتين؟. "الجواب": قال في المغني: ولا يقطع إلا بشهادة عدلين أو اعترف مرتين، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع انتهى. أو يعترف مرتين، روي ذلك عن علي، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وقال أبو حنيفة والشافعي: يقطع بإقراره مرة. ولنا ما روى أبو داود أنه ﵇ أتي بلص قد اعترف فقال: "ما إخالك سرقت؟ قال: بلى. فأعاد عليه مرتين فأمر به فقطع"١ انتهى، ولحديث علي، وهذا مذهب الحنابلة والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 2534

رسالة في الرد على صاحب جريدة القبلة التي كانت لسان الحسين بن علي بمكة المكرمة فيما افتراه على أهل نجد من تنقيص الرسول ﷺ وغير ذلك من الفرى والضلال وضعها أحد علماء نجد، لم يذكر اسمه على الأصل* من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها أيده الله ووفقه (وقد وقفها على من ينتفع بها من أهل العلم والدين) ﴿لا يحل لمن وقعت بيده بيعها﴾

стр. 2535

رسالة في الرد على صاحب جريدة القبلة الهاشمية، لأحد علماء نجد ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [بعثة النبي محمد وظهور نور الشريعة] الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، ونشهد أنه ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وفتح الله به عيونا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله مخلصا له الدين حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. "أما بعد": فاعلم يا من نور الله قلبه بالإسلام أن الله ما أنعم على خلقه نعمة أجل وأعظم من نعمته ببعثة محمد عبده ورسوله ﷺ فإن الله بعثه وأهل الأرض عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم، قرويهم وبدويهم، جهال ضلال على غير هدى، ولا دين يرتضى، إلا من شاء الله من غُبَّر ١ أهل الكتاب - فصدع بما أوحي إليه وأمر بتبليغه، وبلغ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الديانات المتفرقة، والملل المتباينة المتنوعة، ودعاهم إلى صراط مستقيم، ومنهج واضح قويم، يصل بسالكه إلى جنات النعيم، ويتطهر به من كل خلق ذميم، وجاءهم من الآيات والأدلة القاطعة الدالة على صدقه وثبوت رسالته، بما أعجزهم وأفحمهم عن معارضته، ولم يبق لأحد على الله حجة. ومع ذلك كابر من كابر وعاند من عاند، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ورأوا أن الانقياد له ﷺ وترك ما هم عليه من النحل والملل يجر عليهم من مسبة آبائهم، وتسفيه أحلامهم، أو نقص رياستهم، أو ذهاب مآكلهم، ما يحول بينهم وبين مقاصدهم ومآربهم. فلذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الرد والمكابرة، والتعصب على باطلهم والمثابرة، وأكثرهم

стр. 2536

يعلمون أنه محق، وأنه جاءهم بالهدى ودعا إلى الله، لكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ومؤاخاة ورياسات لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها إلا بمخالفته، وترك الاستجابة له وموافقته، وهذا هو المانع في كل زمان ومكان من متابعة الرسل وتقديم ما جاءوا به، ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله وإسلام الوجه له خصمان. ثم بعد أن ظهر نور الشريعة وطبق مغارب الأرض ومشارقها، وشامها ويمنها، حدث بعد ذلك في الدين من الأغيار، ما لا يعلمه إلا العليم الغفار، وتفرق الناس في أديانهم، وتشعبت بهم الأهواء، وصاروا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، ومن طاف البلاد وخبر أحوال الناس منذ أزمان متطاولة عرف انحرافهم عن الأصل الأصيل، وبعدهم عما جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل. فكل بلد وكل قطر وكل جهة فيما نعلم فيها من الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات، وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات، ما هو معروف مشهور لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن ادعوا لمعبوديهم مشاركة في الربوبية بالعطاء والمنع والتدبير، ومن أنكر ذلك عليهم فهو خارجي ينكر الكرامات، وكذلك في باب الأسماء والصفات، ورؤساؤهم وأحبارهم معطلة، وكذلك يدينون بالإلحاد والتحريفات، وهم يظنون أنهم من أهل التنزيه والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وسبرتهم في باب فروع العبادات، رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات. هذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات. وأما من كذب بأصل الرسالة أو أعرض عنها ولم يرفع بذلك رأسا؛ فهؤلاء نوع آخر وجنس ثان ليسوا مما جاءت به الرسل في شيء، بل هم كما قال تعالى: ﴿وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١.

стр. 2537

[ملخص عقيدة الوهابية السلفية الحنبلية] فإذا تقرر هذا فاعلم أن الذي نعتقده وندين الله به هو إفراد الله بإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، فلا ندعو إلا الله وحده لا شريك له، ولا نستغيث إلا به، ولا نستعين إلا به، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نرجو إلا إياه ولا نخاف إلا منه، ولا ننيب إلا إليه، ولا نذبح إلا له، ولا نستعيذ إلا به، ولا ننذر إلا له، ولا نرغب إلا إليه - إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي من صرفها لغير الله كان مشركا، ونقر أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، وأنه رب كل شيء وخالقه ومليكه - إلى غير ذلك من أفعال الربوبية التي لا يقدر أحد عليها إلا هو سبحانه. وبالجملة فنحن على ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الفقه والتقوى في باب معرفة الله وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية وتلقاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، نثبتها ونؤمن بها، ونمرها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ونحن في هذا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه تعالى- خلافا لما يزعمه أعداء الله ورسوله من أن مذهبنا مذهب خامس. ولبسط هذه الجمل موضع آخر، مذكورة فيه بأدلتها من الكتاب والسنة ليس هذا موضع بسطها، وما ذاك إلا أنا اتبعنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وقدمناهما على قول كل أحد كائنا من كان، فزعموا أن ذلك مذهب خامس، فمن أنكر شيئا مما ذكرناه وأراد المناظرة على ذلك ناظرناه، ومن سألنا عن بيان ذلك أجبناه بحول الله وقوته. إذا تحققت هذا فاعلم أن السبب الداعي لهذا الكلام وتسطيره، والباعث على تصويره وتحريره، هو ما رأيناه في جريدة صاحب القبلة مما نسب إلينا معاشر الوهابية من الأكاذيب والأوضاع، التي تمجها النفوس وتنفر منها الطباع، وتستك عند سماعها الأسماع.

стр. 2538

(افتراؤه عليهم تفضيل العصا على المصطفى) وذلك أنه زعم أنا نقول: إن العصا أنفع من النبي ﷺ . فنقول: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة الذين ينفرون الناس عن الدخول في دين الله، ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ١ ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ ٣. فمن نسب هذا إلينا، وافتراه علينا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وفضحه على رءوس الأشهاد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٤. ويا سبحان الله، كيف يتصور وقوع هذا عاقل أو جاهل أو مجنون؟ ولا يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنه موقوف بين يدي الله، ومسئول عن ذلك، بل لا يقوله إلا من هو أضل من حمار أهله، نعوذ بالله من رين الذنوب، وانتكاس القلوب ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٥. بل نشهد الله وملائكته وجميع خلقه أنا نشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، بعثه للإيمان مناديا، وإلى دار السلام داعيا، وللخليقة هاديا، ولكتابه تاليا، وفي مرضاته ساعيا، وبالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا. أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقه. وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتحها لأحد إلا من طريقه، فلو أتوا من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتح لهم حتى يكونوا خلفه من الداخلين، وعلى منهاجه وطريقته من السالكين.

стр. 2539

إذا تحققت ما قدمته لك فكيف يصح مع هذا أن نقول: إن العصا أنفع من النبي ﷺ ؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ﴿فرية أنهم اتخذوا ملة إبراهيم وأعرضوا عن ملة محمد﴾ وأما قوله فيما نسبه هذا المفتري إلينا: إنا اتخذنا ملة إبراهيم وأعرضنا عن سنة محمد ﵊ فنقول: وهذا أيضا من الكذب علينا والظلم والعدوان، والزور والبهتان، فإن دين محمد ﷺ وما سنه هو من ملة إبراهيم ﵇، وملة إبراهيم هي دين محمد لا فرق في ذلك قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٥. فمن زعم أنا نفرق بين دين محمد وملة إبراهيم فقد كذب علينا، وافترى وأعظم الفرية على الله وعلى رسله ودينه وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد قال ﷺ "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، الأب واحد والأمهات متفرقات" فدين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- من أولهم إلى آخرهم دين واحد وشرائعهم مختلفة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٦. ومراد هؤلاء الملاحدة بهذه الأوضاع الكاذبة الخاطئة تنفير الناس عن دين الله ورسوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٧.

стр. 2540

﴿فرية أن الوهابية يلزمون الناس تكفير آبائهم وأجدادهم﴾ وأما قوله: إنا نلزم الناس أن يكفروا آبائهم وأجدادهم فنقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله من الكذب والبهتان. والذي نقوله في ذلك: إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة إليه فالذي يحكم عليه إذا كان معروفا بفعل الشرك: ويدين به ومات على ذلك فهذا ظاهره أنه مات على الكفر فلا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه. وأما حقيقة أمره فإلى الله -تعالى- فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله. وأما من لا نعلم حاله في حال حياته ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره وأمره إلى الله. فمن نسب إلينا غير هذا فقد كذب علينا وافترى، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم لو قدر أن بعض الجهال الذين لا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله قال ذلك جهلا منه بحقائق الأمور ومدارك الأحكام وتفاصيلها، أفينسب إلينا ما قاله هذا الجاهل؟ نحن نبرأ إلى الله من هذه المقالة التي قالها من قالها بغير دليل ولا برهان من الكتاب والسنة. ﴿إبطال قياس دعاء الموتى على الأسباب الطبيعية وبيان أن هناك أسبابا محرمة لا يجوز تعاطيها﴾ وأما قوله: في اعتقادهم في الأنبياء والصالحين أنه كما يقول الرجل لابنه: رد إبلي علي، أو لجاره رد ناقتي علي. "فالجواب" أن نقول: هذا قياس من هؤلاء الملاحدة على أن هذه الأسباب العادية

стр. 2541

الطبيعية يقاس عليها دعاء الأنبياء والصالحين بمعنى أنهم أسباب ووسائط بينهم وبين الله. فيقال لهذا الجاهل: ليس الأمر كما زعمت ولا على ما توهمت، فإن هذا القول لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه؛ لأنه من المعلوم بالضرورة أن من الأسباب أسبابا محرمة لا يجوز لأحد أن يتعاطاها ويجعلها أسبابا إلى ما حرمه الله ورسوله ونحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟. ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيا كان أو غيره كان سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟. فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمة وهي أن الأسباب المشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببا كونيا يجوز تعاطيه، فإن المسافر قد يكون سفره سببا لأخذ مال وكلاهما محرم. والدخول في دين من الأديان غير الإسلام قد يكون سببا لمال يعطونه وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببا لنيل المال يؤخذ من المشهود له وهو محرم، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطلب وهو محرم. وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين بل وعبادة البشر قد يكون سببا لبعض المطالب وهو محرم. فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كان مفسدته راجحة على مصلحته كالخمر وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانا. وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية.

стр. 2542

(جواز الاستعانة بالأسباب الظاهرية الحسية) وأما قوله في الأسباب العادية: مثل قول الرجل لابنه: رد إبلي علي أو لجاره رد ناقتي علي. فنقول: لا نزاع بين العلماء في جواز الاستعانة بالأسباب العادية الطبيعية الظاهرة الحسية، كأن يستعين الرجل بأصحابه في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه من الأسباب العادية المتعلقة مسبباتها بأسبابها، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، لكن هذه الأفعال العادية القائمة بفعالها تنسب إليه وتضاف إليه حقيقة، من إضافة الفعل إلى فاعله، فيقال: أكل وشرب وقام وقعد وحكى ودعا واستغاث حقيقة لا مجازًا بإجماع العقلاء، ولم يخالف في إضافة الأفعال إلى فاعلها حقيقة إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم عن سواء السبيل. إذا عرفت هذا؛ فالالتفات إلى الأسباب غير المشروعة شرك في التوحيد، ومحو الأسباب العادية أن تكون أسبابا نقص في العقل. والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. إذا تبين لك هذا فقياس الأموات من الأنبياء والصالحين في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله على الأحياء القادرين على الأسباب العادية المقدور عليها من أفسد القياس وأبطل الباطل وأمحل المحال؛ لأن الله فرق بين الأحياء والأموات ولم يسو بينهما بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢ وقال تعالي: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ

стр. 2543

اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢. هذا ملخص الجواب عما افتراه علينا كل آفك كذاب، ونحن نعلم أن من خالفنا في ديننا، وعاب علينا سلوك طريق نبينا ﷺ وأصحابه ومن تبعهم من السلف الصالح والصدر الأول، أن عندهم من الترهات والأكاذيب والخرافات أضعاف أضعاف ما ذكره هذا المفتري. وجوابنا عن كل ما يفتريه علينا أعداء الله ورسوله مما خالف دين الإسلام، وما كان عليه الأئمة الأعلام من سلف هذه الأمة وأئمتها أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. تم بحمد الله وحسن توفيقه، والحمد لله أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنا. وصلى الله تعالى على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه. "انتهى الرد على الجريدة المسماة بالقبلة"

стр. 2544

الكَلامُ المُنْتَقى مما يتعلّق بكلمَة التقوى "لا إله إلّا الله" تأليف العلامة سعيد بن حجي الحنبلي النجدي ﵀ وعفا عنه آمين تنبيه قد ظفرنا بهذه الرسالة بعد طبع الرسائل التي أرسلها إلينا الإمام والملك الهمام، فاستحسنا أن نجعلها مسك الختام من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية، ومحيي السنة المحمدية الإمام عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها أيده الله ووفقه (وقد وقفها على من ينتفع بها من أهل العلم والدين) ﴿لا يحل لمن وقعت بيده بيعها﴾

стр. 2545

الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة التقوى للشيخ سعيد بن حجي ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "رب عونك" إلى الأخ الشيخ: محمد بن أحمد الحفظي -حفظه الله من الآفات، وجنبه الشرك والبدع المضلات- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "أما بعد" فوصل الكتاب، وفهمنا مضمون الخطاب، وهو قولكم: الشوق إلى الاطلاع على فوائدكم، وما تنتجه القريحة من عوائدكم، وهاهنا عشرة أفصاص في كلمة الإخلاص، أفيدونا بالكلام عليها وهي هذه: لفظها، معناها، حقها، حقيقتها، حكمها، لازمها، فائدتها، مقتضاها، نواقضها، متمماتها. اهـ ملخص جوابكم. [أصل التقوى وحقيقة معناها] "فالجواب وبالله التوفيق" قولكم: هاهنا يشعر أن العشرة لديكم أفصاص، لو قلت أفحاص، أي أبحاث لكان أنسب للمقام ١ وكلمة الإخلاص هي لا إله إلا الله، فأمرها عظيم، وخطبها جسيم، أعلاها مثمر، وأسفلها مغدق، وهي كلمة التقوى. قال الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ٢ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: كلمة التقوى "لا إله إلا الله" وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. اه من البغوي، وقال البيضاوي وغيره: أضاف الكلمة إلى التقوى لأنها سببها، أو كلمة أهلها اهـ. وأصل التقوى اتخاذ وقاية تقيه مما يخافه ويحذره. فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه، وهي امتثال أوامره، واجتناب زواجره.

стр. 2546

وقولكم: أفيدونا بالكلام عليها. فلست أهلا لذلك؛ لأن علمي لم يصل إلى ذلك، "وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. ونذكر قبل الشروع في المرام، مقدمة في فضل العلم لتكون له كالتمام: وقد ورد في فضل العلم آيات كثيرة، وأخبار صحيحة شهيرة، وله آداب وشروط، من أهمها الإخلاص لله تعالى في طلبه. قال الإمام عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي في شرحه على الأربعين النووية المسمى "جامع العلوم والحكم": وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله -تعالى- كما خرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله -تعالى-١ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة ٢ يوم القيامة". وخرج الترمذي من حديث كعب بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار"٣ وخرجه ابن ماجه بمعناه. وجاء من حديث جابر: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار" اهـ. وقال الشهاب أحمد بن حجر العسقلاني في شرح الأربعين النووية عند قوله ﷺ : "فإنما أهلك الذين من قبلكم"٤ الحديث: إن كثرة السؤال من غير ضرورة مشعر بالتعنت أو مفض إليه، وهو حرام. وقد نهى الشارع عن قيل وقال وكثرة السؤال اهـ. وقال في الإحياء: حقيقة الإخلاص أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وتخلص عنه يسمى خالصا، ويسمى الفعل المخلص المصفى، والتصفية إخلاصا، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ ٥ فإذا خلص الفعل عن الرياء كان لله خالصا اهـ.

стр. 2547

وقال ابن القيم ﵀: من الناس من يحرم العلم لعدم حسن السؤال إما أنه لا يسأل، أو يسأل عن شيء وغيره أهم منه. وقال سلمان لحذيفة: إن العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه. [ضبط ألفاظ كلمة التوحيد وإعرابها] (رجعنا إلى الجواب) "أما لفظها" فقال في المختصرة المسماة "فاكهة القلوب والأفواه، في تحقيق ما يتعلق بلا إله إلا الله، محمد رسول الله" المنتخبة من شرح محمد بن يوسف السنوسي: فصل في ضبط هذه الكلمة فينبغي للذاكر أن لا يمد ألف "لا" جدا، وأن يقطع الهمزة من إله، إذ كثيرا ما يلحن بعض الناس فيردها ياء، وكذلك يفصح بالهمزة من "إلا" ويشدد اللام بعدها، إذ كثيرا ما يلحن بعضهم فيرد الهمزة أيضا ياء ويخفف اللام، وأما كلمة الجلالة والتعظيم التي بعد "إلا" فلا يخلو إما أن يقف عليها الذاكر أو لا، فإن وقف تعين عليه السكون، وإن وصلها بشيء آخر كأن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فله فيها وجهان: الرفع وهو الأرجح، والنصب وهو مرجوح. وقد ذكر أهل التجويد في اسم الله تعالى: المحافظة على ترقيق ألفه، وأن لا يزيد فيها على مقدار المد الطبيعي، وترقق لام "الله" إذا كسرت، أو كسر ما قبلها، وقد أجمعوا على تفخيمها بعد فتحة أو ضمة. فصل (في إعراب هذه الكلمة) قد احتوت على صدر وعجز، فعجزها ظاهر الإعراب، إذ هو جملة من مبتدأ وخبر ومضاف إليه، وأما صدرها فلا فيه نافية "وإله" مبني معها لتضمنه معنى "من"

стр. 2548

إذ التقدير لا من إله، ولهذا كانت نصا في العموم، كأنه قد نفى كل إله غيره من مبدأ ما يقدر منها إلى ما لا نهاية له، بني الاسم معها للتركيب، وذهب الزجاج إلى أن اسمها معرب منصوب بها، وإذا فرعنا على المشهور من البناء فموضع الاسم نصب ب"لا" العاملة عمل "إن"، وقال الأخفش: "لا" هي العاملة فيه. ونقل السنوسي كلاما قال: قال أهل العلم: إن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع، وهو الكثير ولم يأت في القرآن غيره، وقد ينصب، فالرفع بالبدلية أو على الخبرية، فالقول بالبدلية هو المشهور، وهو رأي ابن مالك، ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر، أما القول بالخبرية في الاسم المعظم فقد قال به جماعة. ومن البسيط الوافي: "لا إله إلا الله" الأصل فيه: الله إله، فلما أريد قصر الخبر على المبتدأ، وهو من قصر الصفة على الموصوف، قدم الخبر فاقترن بإلا لأن المقصور عليه هو الذي يلي إلا، والمقصور هو الواقع في سياق النفي. ومن القواعد: أن المبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر. والله مرفوع على أنه بدل من اسم "لا" حملا على محله البعيد الذي هو الرفع بالابتداء الحاصل بالتحويل إليه بعد التقديم وقبل اعتبار النسخ، والتقدير: لا إله موجود في الوجود إلا الله، وهذا هو التقدير المشهور. فصل [معنى كلمة التوحيد] وأما معنى هذه الكلمة فلا تتسع له هذه الرسالة، لكن لا نخل ببعضه والله المستعان. فلا شك أنها محتوية على نفي وإثبات، فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة الإله غير مولانا والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد، وهو مولانا وأتي بإلا لقصر حقيقة الإله على الله تعالى-، وهو الواجب الوجود المستحق للعبادة، المعبود بحق، وهو الخالق المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل من عداه. انتهى كلام صاحب فاكهة القلوب ملخصا.

стр. 2549

ومنه قال العماد ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية: هذا الخطاب يعم أهل الكتاب ومن جرى مجراهم، والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وثنا، ولا صليبا، ولا صنما، ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا نبيا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل ثم قال تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير: يعني يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، وقال عكرمة: يعني يسجد بعضنا لبعض، انتهى ملخصا. فقد علمت أن معنى لا إله إلا الله أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وشيئا أنكر النكرات، وأن لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. ومنه قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ٢ الآية، فالكلمة الطيبة كلمة التوحيد، أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل بالأركان. انتهى من تفسير الحنفي. وفي تفسير البغوي "كلمة طيبة" لا إله إلا الله. انتهى. ثم ذكر نحو ما تقدم. ومنه الكفر بعبادة غير الله وتوحيده، قال العماد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ٣ الآية: أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحَّد الله، فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٤ أي: فقد ثبت على الصراط المستقيم قال مجاهد: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٥ يعني الإيمان، وقال سعيد بن جبير

стр. 2550

والضحاك: يعني لا إله إلا الله. انتهى ملخصا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ١ الآية، أي: بريء من عبادتكم إلا الذي فطرني؛ لأنهم كانوا يعبدون الله والأوثان، أو إني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، انتهى ملخصًا من البيضاوي. ومنه قوله ﷺ "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله "٢ رواه البخاري. وقال الشيخ أبو علي إمام أهل نجد في زمانه محمد بن عبد الوهاب في معنى لا إله إلا الله في"كتاب التوحيد" شيئًا عجبيًا، قال: "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله" إلى أن قال: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب فليراجع. ومنه قوله ﵀ في نبذة تسمى "كشف الشبهات": إذا تحققت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون هو التوحيد في العبادة، وهو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكًا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرزاق، فإنهم يعلمون أن ذلك هو الله وحده، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد. فأتاهم رسول الله ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ هو إفراد الرب بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منهم. فإنه لما قال لهم: "قولوا: لا إله إلا الله قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣ الآية" انتهى كلامه ﵀.

стр. 2551

[تعريف لفظ الإله ومدلوله] "فرعان" "الأول" في تعريف الإله، قال الإمام البيضاوي في تفسيره: الله، أصله إله، فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام: ولذلك قيل يا ألله بالقطع، إلا أنه مختص بالمعبود بالحق، والإله في الأصل يقع على كل معبود، ثم غلب على المعبود بحق، واشتقاقه من أله إلهة وألوهة وألوهية، بمعنى عبد، وقيل: من أله إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته، أو من ألهت إلى فلان أي: سكنت إليه؛ لأن القلوب تطمئن بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، إذ العباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، وقيل: إنه علم لذاته العلية لأنه يوصف ولا يوصف به، والأظهر أنه وصف في أصله، لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره صار له كالعلم، انتهى كلام البيضاوي ملخصا. وذكر العماد ابن كثير القولين. "تنبيه" انظر إلى قول البيضاوي المتقدم: والإله في الأصل يقع على كل معبود، ثم غلب على المعبود بحق، وقوله: والأظهر أنه وصف في أصله إلى آخره، وقول صاحب الفاكهة المتقدم، وهو من قصر الصفة على الموصوف، وقول أهل اللغة: أله يأله من باب تعب إلاهة بمعنى عبد عبادة، وتأله تعبد، والإله المعبود، وهو الله سبحانه- ثم استعاره المشركون لما عبدوا من دونه، وإله على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي: معبود، ككتاب بمعنى مكتوب، وإمام بمعنى مؤتم به. انتهى من المصباح. وانظر أيضا إلى قول الشيخ محمد المتقدم وهو قوله: فإن الإله عندهم هو الذي يقصد ... إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ١ الآية قال البيضاوي: يعبده إفرادًا وإشراكا، انتهى. فسمي المعبود إلها. وعن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن

стр. 2552

حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة"١ رواه الترمذي في صحيحه فتأمل هذا الحديث وقصة بني إسرائيل المشار إليها تجدها مصرحة بما ذكرنا. إذا ثبت هذا فالمقصود أن لفظة "إله" اسم صفة لكل من قصد بشيء من العبادة، كاسم القاضي لمن ولي القضاء، والأمير لمن تأمر، والإمام والمؤذن ونحو ذلك، فكل من قصد مخلوقا بشيء من العبادة فهو إله لمن قصده، والإله الأعظم المستحق للعبادة، المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال هو الله ﵎. وهذا بخلاف اسم الجلالة، فإنه علم على الرب ﵎ مختص به وهو المعبود بالحق، فإنه لم يسم به غيره قال الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢. [تعريف العبادة] الفرع الثاني (في تعريف العبادة) قال العماد ابن كثير في تفسيره: العبادة في اللغة من الذلة، يقال طريق معبد أي مذلل، وبعير معبد أي: مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف انتهى. وعبارة البيضاوي في تفسيره: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق معبد أي: مذلل، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة؛ ولذلك

стр. 2553

لا يستعمل إلا في الخضوع لله تعالى انتهى. وفي حاشية الشهاب على البيضاوي: العبادة أبلغ من العبودية التي هي إظهار التذلل، وعرفت العبادة بأنها فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى. انتهى. والعبادة اسم جنس يشمل جميع أنواعها ١. تنبيه اعلم أن مبنى العبادة على الأمر لتظاهر الأدلة على ذلك، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إ﴾ ٢ في أمر الدين والعبادة ﴿إِلَاا لِلَّهِ﴾ ٣ ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٤ الثابت الذي دلت عليه البراهين الآية وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٥ أمر أمرًا مقطوعا به ﴿أَلَاا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٦ "أن" مفسرة، ولا تعبدوا أي: بأن لا تعبدوا، انتهى من تفسير الحنفي ٧. وقال البغوي في تفسيره: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٨ أي: أمر ربك. قاله ابن عباس وقتادة والحسن. انتهى. وقد تقدم في حديث أبي واقد الليثي قول الصحابة: يا رسول الله اجعل لنا.

стр. 2554

ذات أنواط، فإنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر. وقد ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله على التوحيد، ومنه قوله ﷺ "وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"١ الحديث، متفق عليه وقال ابن القيم ﵀ في نونيته: حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان إذا تمَّ هذا فالأمر هو استدعاء الفعل بالقول، ممن هو دونه على سبيل الوجوب عند الإطلاق والتجرد عن القرينة. فيحمل عليه والله أعلم. فصل في حكم كلمة التوحيد وأما حكمها فقال في "فاكهة القلوب والأفواه": اعلم أن الناس مؤمن وكافر، فأما المؤمن بالأصالة فيجب أن يذكرها مرة في عمره وينوي بها الوجوب ٢. ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها وليعرف معناها لينتفع بها، وأما الكافر فذكره

стр. 2555

لهذه الكلمة واجب، وهو شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة. انتهى ملخصا. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"١. قال علماؤنا ﵏: إذا قال الكافر: لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"٢. ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه وصار ماله ودمه معصومين، ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين، فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله "٣ متفق عليه. فبين أن تمام العصمة إنما يحصل بذلك ٤ ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام.

стр. 2556

وقال النَوَوِيُّ ﵀: قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله. فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله "١. قال الخَطَّابِيُّ: "معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف". وذكر القاضي عِيَاض ﵀ معنى هذا، وزاد عليه وأوضح، فقال: "اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال: لا إله إلا الله. تعبيرا عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دُعِي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرُّ بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله. إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده؛ ولذلك جاء في الحديث الآخر: "أني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة"". هذا كلام القاضي. "قلت" ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ﵁ "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به" انتهى كلام النَوَوِيّ، انتهى من رسالة الشيخ أحمد بن ناصِر الحَنْبَلِيّ المُسَمَّاة "الفَوَاكِهُ العِذَاب، في الرَّدِ على مَنْ لم يُحَكِّمْ السُّنَةَ والكِتَاب". وقال الحافِظُ ابنُ رَجَبٍ في شرح "الأَرْبَعِين": "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاء يريد الدخول في الإسلام الشهادتين، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما، وقد أنكر على أسامة بن زيد قتله من قال: لا إله إلا الله. واشتد نكيره عليه". وقال شهابُ الدين أحمد بن حَجَر على شرح "الأربعين النووية" نحو ذلك. والمقصود أن حكم من قال: لا إله إلا الله. أنها تعصم ماله ودمه، ثم يُطالب بمعناها وحقها، كالكفر بعبادة غير الله، وشهادة رسالة مُحَمَّدٍ ﷺ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر شرائع الإسلام، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك.

стр. 2557

فصل [حق كلمة التوحيد] وأما حقها ١ فقال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": على حديث ابن عُمَر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"٢ إلخ وتقدم، فقوله ﷺ "إلا بحقها"٣ وفي رواية: "إلا بحق الإسلام"٤ قد سبق أن أبا بكر الصديق ﵁ أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضا. ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد روي تفسير حقها بذلك. خرج الطَبَرَانِيُّ وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله قيل: وما حقها؟ قال: زِنا بعد إِحْصان، وكُفْر بعد إيمان، وقَتْل نفسٍ فيقتل بها"٥. ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّانِي، والنَّفس بالنفس، والتارِك لدينه المُفارِق للجماعة"٦ انتهى. وقد ذكر ابن رجب في شرح هذا الحديث أنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الثلاث، فمنها اللُّواط، ومنها من أتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ، ومنها الساحِر، وذكر غير ذلك.

стр. 2558

وأما لازمها، فالظاهر لي -والله أعلم- أنه داخل في حكمها وحقها المتقدمين، فتأملهما ١. فصل [نواقض كلمة التوحيد] وأما نواقضها، فقال في "المطلع على أبواب المقنع": "النواقض واحدها ناقض، وهو اسم فاعل من نقض الشيء إذا أفسده، فنواقض الوضوء مفسداته"، انتهى. ومنه "انقض الأمر بعد استقامته": فسد. فنسأل الله الرحمن الرحيم، اللطيف الكريم، أن يحفظ علينا ديننا، وأن يمتِّعنا به، ويزيدَ إيماننا، وأن يدخلنا جنته برحمته، وأن يعيذنا من أليم نقمته، إنه جَوَادٌ كريم، ويجيب دعوة العباد. فأما نواقض "لا إله إلا الله" فعسيرٌ إحصاؤها، ولا يكاد يُطاق استقصاؤها، وقد تقدم في معنى "لا إله إلا الله" وفي حكمها جمل من نواقضها، فتأمله، فنحيلك على باب المرتد. [قول الفقهاء في حكم المرتد] قال في "الإقناع" وشرحه -وهو العمدة عند متأخري الحنابلة-: (باب حكم المرتد) وهو الذي يكفر بعد إسلامه؛ نطقا أو اعتقادا أو شكا أو فعلا، ولو كان هازلا،

стр. 2559

وأجمعوا على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو صفة من صفاته أو اتخذ له -أي الله- صاحبة أو ولدا، كفر، ومن ادَّعى النبوة أو صدَّق من ادَّعَاها أو جحد البعث، أو سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، كفر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١. وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن تيمية: "أو كان مبغضا لرسوله، أو لما جاء به الرسول اتفاقا". وقال أيضا: "أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم إجماعا". أي: كفر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ انتهى من "الإقناع" وشرحه*. فتأمل قوله: "وهو الذي يكفر بعد إسلامه، فإن ظفرت بهذا الباب، ففيه ما يكشف الحجاب. ونحيلك أيضا على كتاب "الإِعلام بقواطِعِ الإسلام" تأليف شهاب الدِّين أحمد بن حَجَرٍ الهَيْتَمِيّ الشَّافِعِيّ، فإنه ذكر فيه الألفاظ والأفعال التي توقع في الكفر عند الأئمة، حتى إنه ذكر أن العزمَ على الكفرِ كفرٌ في الحال. [الردة التي وقعت بعد وفاة النبي ﷺ ] ونحيلك -أيضا- على نبذة ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وذكر في آخرها سبع قصص. "أولاهن" قصة الرِّدَّة بعد وفاته ﷺ : وصورتها أن العرب افترقت في رِدَّتِها؛ فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام، وقالوا: لو كان نبيا ما مات. وطائفة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي. وطائفة أقرَّت بالإسلام وصلُّوا، ولكن منعوا الزكاة. وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله، ولكن صدَّقوا مُسَيْلِمَة الكَذَّاب: أن النبي ﷺ أشركه معه في النبوة، ولم يشُك أحد من الصحابة في كفر من ذكرنا إلا مانعي الزكاة، فناظر أبو بكر عمر فيهم، فاقتنع عمر، وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر، فقاتلوهم.

стр. 2560

"الثانية" قصة وقعت في زمن الخلفاء الراشدين، وهي أن بقايا بني حَنِيفة لما رجعوا إلى الإسلام وتبرءوا من مسيلمة تحملوا إلى الثغر بأهليهم، فنزلوا الكوفة، فسمع منهم كلام معناه: أن مسيلِمة على حق، وهم جماعة، فجمع عبد الله بن مسعود من عنده من الصحابة فاستشارهم، فاستتاب بعضهم وقتل بعضهم. وهذه القصة في "صحيح البخاري". "الثالثة" قصة أصحاب عَلِيٍّ بن أبي طَالِب رضي الله عنهلما اعتقدوا فيه الإلهية، فدعاهم إلى التوبة فأبوا، فخدَّ لهم الأخاديد، فأضرم فيها النار، فقذفهم فيها وهم أحياء، وأجمع الصحابة وأهل العلم على كفرهم. "القصة الرابعة" قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهو رجل ظهر في العراق زمن التابعين يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، واستولى على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود، وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة، لكن في آخر أمره ادَّعَى أمورا باطلة، وغلا غلوًّا فاحشا، وزعم أنه يوحى إليه، فسيَّر إليه عبد الله بن الزبير جيشا فهزم جيشه فقتلوه. وأجمع العلماء على كفر المختار بن أبي عبيد هذا. "الخامسة" ما وقع في زمن التابعين، وهي قصة الجَعْد بن دِرْهَم، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة، فلما جحد صفات الله ضحَّى به خَالد بنُ عبد الله القَسْرِيّ بـ"واسط" يوم الأضحى وقال: "يا أيها الناس، ضحُّوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجَعْدِ بنِ دِرْهَم؛ فإنه يزعم أن الله لم يَتَّخِذ إبراهيم خليلا، ولم يُكَلِّم موسى تكليما"، ثم نزل فذبحه. ولم نعلم أحدا من العلماء أنكر عليه ذلك، بل ذكر ابن القيم في "النونية" إجماعهم على استحسانه فقال: شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان ثم ذكر قصة بني عبيد الله القداح، ثم ذكر قصة التتار. اهـ ملخصا من كلام الشيخ المتقدم ذكره.
следующие страницы →