إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، [النساء، من الآية: ٣٥].
فالذي عليه جمهور العلماء في معنى الآية أنّ الحاكم يبعث حكمًا ثقة من أهلها، وثقة من قوم الرّجل، فإن حصل بينهما التّوفيق وإلّا صارا إلى التّفريق. وإذا اتّفقا عليه ففرقا بطلقة أو طلقتين أو ثلاث على حسب ما يريان فهما حكمان من جهة الحاكم، ووكيلان من جهة الزّوجين إذا تراضيا على توكيلهما فلهما التّفريق. وعن الإمام أحمد أنّهما حاكمان يفعلان نصًّا ما يريانه من جمعٍ وتفريقٍ وغيره، ولو لم يرضيا ولا وكلا. وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يذكر العلماء فيما وقفت عليه بذل العوض. والله أعلم.
- ٣٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخوين المحبّين: صالح بن محمّد وأحمد بن عتيق، كان الله في عونهما.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط أوصلكما الله إلى ما يرضيه. وما ذكرتما من توزيع الجمل على الجمل والأفراد على الجمل، والأفراد على الأفراد، فهذه الكلّيّة ذكرها الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في المسح على الخفّين، وفي مسألتكما هذه، وفي الوقف. وأنا أصوّرها في مسألة السّؤال وهي مدّ عجوة، ومن صورها مدّ ودرهم بدرهمين. فالجمهور من الفقهاء قالوا بعدم الجواز بناء على أنّ جملة المدّ والدرهم في مقابلة الدّرهمين، فلم يتميّز ما يقابل الدّرهم من جميع الدّرهمين ولا ما يقابل المدّ. وإنّما الجملة مقابلة للجملة فلا تحصل المماثلة بين الجنس الذي هو لغة للجمل بما يقابل كلّ جنس من جنسه، وكذلك إذا وزعت الأفراد على الجمل كما إذا اعتبر الدّرهم
стр. 387
الذي مع المدّ في مقابلة مجموع الجملة من الدّرهمين والمدّ كذلك، فلم يتميّز ما يقابل الجنس من جنسه، هل هو درهم أو أقل أو أكثر؟ والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وذهب شيخ الإسلام كأبي حنيفة إلى الجواز فوزعوا الأفراد على الأفراد فصار الدّرهم يقابل درهمًا من غير زيادة المد يقابل الدّرهم الآخر. فجعلت المماثلة والتّساوي في الجنس. وهو مشكل. والله أعلم.
- ٣٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ جمعان، منحه الله من العلوم أنفعها ومن الفضائل أرفعها. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فقد وصل إلينا كتابك فاستبان به مرامك وخطابك وسررنا به غاية السّرور، جعله الله تعالى من مكاسب الأجور، وقد سألت فيه أمدك الله عن ثنتَي عشرة مسألة:
أولاها: قول العلماء ﵃: فيمَن حرم زوجته الخ؟
فالجواب - وبالله التّوفيق، ومنه أستمدّ العون -: والتّحقيق تحريم الزّوجة ظهار ولو نوى به طلاقًا أو يمينًا. نصّ عليه إمامنا ﵀ في رواية الجماعة، وهو المذهب. ونقل عنه ما يدلّ على أنّه يمين وفاقًا للثّلاثة -رحمهم الله تعالى-. وجزم شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات والفتاوى المصرية في باب الظّهار بالأوّل، لكن قال ابن القيم ﵀ في الإعلام: إنّه إن وقع التّحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطّلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفِّرة. وهذا اختيار شيخ الإسلام، وعليه يدلّ النّصّ والقياس. فإنّه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظّهار مِمَّن شبّه
стр. 388
امرأته بالمحرم، وإذا حلف به كان يمينًا من الأيمان كما لو التزم الاعتاق والحجّ. وهذا محض القياس والفقه. انتهى.
قلت: قوله: وإذا حلف كان يمينًا إلى آخره، بناء على ما ذهب إليه من أنّ المعلّق للطّلاق على شرط يقصد بذلك الحض أو المنع أو الالتزام؛ فإنّه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الإيقاع عند وجوب المعلّق عليه طلّقت. وصرح به الشّيخ -رحمه الله تعالى- في باب تعليق الطّلاق بالشّروط. قال: وكذا الحلف بعتق وظهار وتحريم.
المسألة الثّانية: إذا أحال إنسان على آخر ولم يعلم بذلك حتّى قضاه دَينه أو قضاه مَن أحاله عليه ثانيًا. الخ؟
فالجواب: قد برئت ذمّة المدين من الدَّين إذا دفعه إلى صاحبه أو إلى مَن أذن له أن يدفعه إليه لوجوب القضاء بعد الطّلب فورًا، ولا يلزم المدين غرم ما قضاه من الدَّين؛ لأنّ الشّرائع لا تلزم إلّا بعد العلم فلا تبعة عليه فيما لم يعلم، وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقدّس روحه- هذه القاعدة وقرّر أدلّتها، فعلى هذا، يرجع مَن أحيل أوّلًا بدَينه على المحيل كما قبل الحوالة. والله أعلم.
المسألة الثّالثة: إذا رهن إنسان زرعه أو نخله ونحوه، فاحتاج الرّاهن لما يصلح الرّهن فطلب من المرتهن أن يداينه لذلك أو يطلق الرّهن لِمَن يداينه لإصلاحه فامتنع، وعلى الرّاهن ضرر؟
فالجواب: أنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ القبض والاستدامة شرط للزوم الرّهن. قال في الشّر: ولا يلزم الرّهن إلّا بالقبض، ويكون قبل قبضه رهنًا جائزًا يجوز للرّاهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال
стр. 389
بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أنّه يلزم بمجرّد العقد. ونصّ عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رواية الميموني. وهو مذهب مال ﵀.
ووجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، [البقرة، من الآية: ٢٨٣]. فعلى هذا، إن تصرّف الرّاهن فيه قبل القبض بهبةٍ، أو بيعٍ، أو عتقٍ، أو جعله صداقًا، أو رهنه ثانيًا بطل الرّهن الأوّل سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرّهن الثّاني أو لم يقبضه. فإن أخرجه المرتهن إلى الرّاهن باختياره زال لزومه وبقي العقد كأنّه لم يوجد فيه قبض. انتهى.
قال في الإنصاف: هذا المهذب وعليه الأصحاب. وعنه أن استدامته في المعيّن ليس بشرط. واختاره في الفائق. انتهى ملخصًا.
فقد عرفت الأصحّ من الأقوال الذي عليه أكثر العلماء -رحمهم الله تعالى-، فعليه لا ضرر على الرّاهن لبطلان الرّهن بالتّصرّف إذا لم يكن في قبضة المرتهن. وقد ذكر العلماء أيضًا أنّ المرتهن لا يختص بثمن الرّهن إلّا إذا كان لازمًا وما عدا هذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ويترتّب على الفتوى به من المفاسد ما لا يتّسع لذكره هذا الجواب.
وليس مع مَن أفتى به إلّا محض التّقليد. وأنّ العامّة تعارفوه فيما بينهم ورأوه لازمًا. وأنت خبير بأنّ هذا ليس بحجّة شرعية، وإنّما الحجة الشّرعية الكتاب والسّنة والإجماع. وهو اتّفاق مجتهدي العصر على حكمٍ ولا بدّ للإجماع من مستندٍ، والدّليل الرّابع القياس الصّحيح، وكذا الاستصحاب على خلاف فيه. فلا إله إلّا الله، كم غلب على أحكام الشّرع في هذه الأزمنة من التّساهل في التّرجيح. وعدم التّعويل على ما اعتمده المحقّقون من القول الصّحيح. وقد ادّعى بعضهم أنّ شيخنا الإمام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب -رحمه الله تعالى- كان يفتي
стр. 390
بلزوم الرهن وإن لم يُقبض، فاستبعدت ذلك على شيخنا -رحمه الله تعالى-. ولو فرضنا وقوع ذلك، فنحن بحمد الله متمسكون بأصلٍ عظيمٍ: وهو أنّه لا يجوز لنا العدول عن قولٍ موافقٍ لظاهر الكتاب والسنّة، لقول أحدٍ كائنًا مَن كان. وأهل العلم معذورون وهم أهل الاجتهاد، كما قال الإمام مالك ﵀: ما منّا إلّا راد ومردود عليه إلّا صاحب هذا القبر، يعنِي رسول الله ﷺ ، ثم بعد زعم هذا الزّاعم من الله عليّ بالوقوف على جواب شيخنا الإمام -رحمه الله تعالى- فإذا هو جار على الأصحّ الذي عليه أكثر العلماء.
وصورة جوابه: أنّ الرّاجح الذي عليه كثير من العلماء ﵏ أو أكثرهم أنّ الرّهن لا يلزم إلّا بالقبض، وقبض كلّ شيء هو المتعارف، فقبض الدّار والعقار هو تسلم المرتهن له ورفع يد الرّاهن عنه. هذا هو القبض بالإجماع، ومَن زعم أنّ قوله مقبوض يصيره مقبوضًا فقد خرق الإجماع مع كونه زورًا مخالفًا للحسّ.
إذا ثبت هذا، فنحن إنّما أفتينا بلزوم هذا الرّهن لضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبه أن يأكل أموال النّاس ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها فالرّجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة. فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في إيجاب العدل وتحريم الخيانة فهذا هو الأقرب قطعًا، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء -رحمهم الله تعالى- فهم لا يلزمون ذلك إلّا برفع يد الرّاهن وكونه في يد المرتهن. انتهى المقصود.
فذكر -رحمه الله تعالى- في هذه الفتيا أنّ الرّاجح الذي عليه أكثر العلماء أنّ الرّهن لا يلزم إلّا بالقبض، وأنّه إنّما أفتى بخلافه لضرورة وحاجة، وأنّه رجع إلى قول الجمهور لما قد ترتّب على خلافه من الخروج من العدل، ومن
стр. 391
الخيانة، وهذا الذي أشار إليه ﵀ من الخروج عن العدل وأكل أموال النّاس بالباطل والخيانة في الأمانة قد رأيناه عيانًا. وسببه الإفتاء بخلاف قول الجمهور في هذه المسألة. وقد قرّر -رحمه الله تعالى- في هذه الفتيا أنّ قول الجمهور أقرب إلى العدل فلا يجوز أن ينسب إليه غير هذا القول المقرّر هنا. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: إذا استأجر إنسان أرضًا للزّرع أو نحوه ثم رهنه فقصرت الثّمرة عن الدَّين والأجرة وعن الحداد والخراز إلى آخره.
فالجواب: إذا انتفى لزوم الرّهن لعدم القبض أو الاستدامة تحاصوا في الثّمرة وغيرها على قدر الذي لهم؛ لأنّ محلّ ذلك ذمّة المدين وتقديم أحدهم على غيره ترجيح من غير مرجّح، وما اشتهر بين النّاس من تقديم العامل في الزّرع ونحوه بأجرته فلم نقف له على أصلٍ يوجب المصير إليه. والله أعلم.
المسألة الخامسة: إذا دفع إنسان إلى آخر عروضًا مضاربة وجعل قيمتها رأس مال المضاربة هل يجوز هذا أم لا؟
الجواب: يشترط في المضاربة وشركة العنان أن يكون رأس المال من النّقدين، أو أحدهما، وهو المذهب. وعنه رواية أخرى: أنّها تصحّ بالعروض. اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وصاحب الفائق وغيرهم. قال في الإنصاف: قلت: وهو الصّواب. فعلى هذه الرّواية يرجع عند المفارقة بقيمة العروض عند العقد كما جعلنا نصابها قيمتها. وسواء كانت مثلية أو غير مثلية. والله أعلم.
المسألة السّادسة: إذا دفع إنسان مالًا مضاربةً وعمل فيه المضارب
стр. 392
ثم تلف من المال شيء بخسارة أو نحوها ثم فسخ المضارب هل عليه أن يعمل فيه حتّى يكمل رأس المال أم لا؟
الجواب: في ذكر القواعد الفقهية عن ابن عقيل ما حاصله: أنّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتّى ينض رأس المال ويعلم به ربّه لئلا يتضرّر بتعطيل ماله عن الرّبح. وأمّا المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الرّبح ولا يسقط به حقّ العامل. قال: وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدّ الذّرائع. ولهذا قلنا: إنّ المضارب إذا ضارب الآخر من غير علم الأوّل وكان عليه في ذلك ضرر ردّ حقّه من الرّبح في شركة الأوّل. انتهى.
أقول: مراده بقوله: حتّى ينض رأس المال، يعنِي: به إذا لم ينقص، أمّا إذا نقص فليس على المضارب إلّا تنضيض ما بقي في يده من رأس المال؛ لأنّ المضاربة عقد جائز، ولا ضمان على المضارب فيما تلف من غير تعدٍ ولا تفريطٍ. الله أعلم.
المسألة السّابعة: هل يلزم صاحب الأصل إذا أكرى أرضه أو شجره عند مَن يجوّز ذلك ما يلزمه في عقد المساقاة من سدّ حائطٍ أو إجراء نهرٍ ونحوه أم لا؟
فالجواب: لم أقف في هذه المسألة للعلماء -رحمهم الله تعالى- على نصّ. والله أعلم.
المسألة الثّامنة: ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار ثم اشتراه بعض التّجار من آخذه ثم باعه على آخر الخ؟
فالجواب: أمّا حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار الأصليّون فذكر القاضي أبو يعلى -رحمه الله تعالى- أنّهم يملكونه بالقهر، وهو المذهب عنده.
стр. 393
وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنّهم لا يملكونه، يعنِي: ولو حازوه إلى دراهم. قال في الإنصاف: وهي رواية عن أحمد اختارها الآجري وأبو الخطاب في تعليقه وابن شهاب وأبو محمّد الجوزي وجزم به ابن عبدوس في تذكرته. قال في النّظم:
لا يملكونها في الأظهر
وذكر ابن عقيل في فنونه ومفرداته روايتين، وصحّح فيها عدم الملك، وصحّح في نهاية ابن رزين ونظمها. انتهى.
قال في الشّرح: وهو قول الشّافعي وابن المنذر لحديث ناقة رسول الله ﷺ ؛ ولأنّه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب. ولأنّ مَن لا يملك رقبة غيره لا يملك ماله به، أي: بالقهر، كالمسلم مع المسلم.
ووجه الأولى: أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك به الكافر مال المسلم كالبيع، فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دراهم. وهو قول مالك.
وذكر القاضي أنّهم إنّما يملكونها بالحيازة إلى دراهم. وهو قول أبي حنيفة. وحكي عن أحمد في ذلك روايتان. قال ابن رجب: ونصّ أحمد أنّهم لا يملكونها إلّا بالحيازة إلى دراهم. فعليها يمتنع ملكهم لغير المنقول كالعقار ونحوه؛ لأنّ دار الإسلام ليست لهم دارًا وإن دخلوها، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنّ أحمد لم ينصّ على الملك؛ ولا على عدمه، وإنّما نصّ على أحكام أخذ منها ذلك. قال: والصّواب أنّهم يملكونها مقيدًا لا يساوي أملاك المسلمين من كلّ وجهٍ. انتهى.
قلت: قد صرّح في كتاب الصّارم والفتاوى المصرية وغيرها أنّ القيد المشار إليه هو إسلام آخذها. ونصّه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلمٍ، قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه كان له ملكًا ولم يردّه إلى الذي
стр. 394
كان يملكه عند جماهير العلماء من التّابعين ومن بعدهم، وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الرّاشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص أحمد ﵏. وهو قول جماهير أصحاب أحمد بناء على أنّ الإسلام والعهد قرّر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكًا له فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحقّها. قال في الاختيارات: قال أبو العبّاس: وهذا يرجع إلى أنّ كلّ ما قبضه الكفّار من الأموال قبضًا يعتقدون جوازه فإنّه يستقرّ لهم بالإسلام. قال: ومن العلماء مَن قال يرده على مالكه المسلم، وهو قول الشّافعي وأبي الخطاب بناء على أنّ اغتنامهم فعل محرّم ولا يملكون به مال المسلم؛ كالغصب؛ ولأنّه لو أخذه منهم المسلم أخذًا لا يملك به مسلم من مسلم؛ بأن يغنمنه أو يسرقه فإنّه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النَّبِيّ ﷺ ، وهو مما اتّفق النّاس فيما نعلمه. ولو كان قد ملكوه لملكه الغانم منهم ولم يرد إلى مالكه. انتهى. واختار أنّ الكافر يملكه بالإسلام عليه.
أقول: تأمّل ما ذكره شيخ الإسلام من حجّة الشّافعي وموافقيه على أنّ الكفّار لا يملكون أموال المسلمين فلو كان الكافر يملك مال المسلم بالاستيلاء أو بالحيازة إلى داره لم يردّ النَّبِيّ ﷺ على ابن عمر عبده وفرسه التي كان أخذها العدوّ لما ظهر عليهم المسلمون، فلو لم يكن باقيًا على ملك ابن عمر لم يرد إليه وليس لتخصيصه بذلك دون سائر الغانمين معنى غير ذلك. وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده، والأحاديث في ذلك مشهورة في كتب الأحكام وغيرها.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا غنم المسلمون مال مسلم ثم وجده المسلم)، قال ابن نمير: حدّثنا
стр. 395
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ذهب فرس له فأخذه العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبق عبد له فلحق بالرّوم فظهر عليهم المسلمون فردّه عليه خالد بن الوليد بعد النَّبِيّ ﷺ ، ثم ساقه بسنده متّصلًا.
وما استدلّ به القائلون بأنّهم يملكونها بالقهر من أنّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فملك به الكافر مال المسلم. فهذا قياس مع الفارق لا يصحّ دليلًا لو لم يكن فيه مقابلة الأحاديث، فكيف والأحاديث تمنعه؟!
ولو لم يكن مع الشّافعي وأبي الخطاب وابن عقيل فيما صحّحه من الرّوايتين، ومَن وافقهم كابن المنذر إلّا حديث مسلم: أنّ قومًا أغاروا على سرح النَّبِيّ ﷺ فأخذوا ناقته وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أيامًا ثم خرجت في بعض اللّيل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلّا رغت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثم توجّهت إلى المدينة ونذرت إن نجّاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة استعرفت النّاقة فإذا هي ناقة النَّبِيّ ﷺ فأخذها فقلت: يا رسول الله إنِّي نذرت أن أنحرها قال: "بئس ما جازيتها، لا نذر في معصية الله". وفي روايةٍ: "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم". هذا هو الحديث المشار إليه فيما تقدم.
وقد عرفت من كلام شيخ الإسلام المتقدم أنّ من العلماء مَن قال: يرده على مالكه المسلم ولو أسلم عليه وعزاه إلى الشّافعي وأبي الخطاب. وذكر ما يدلّ لهذا القول. وأنا أذكر ما يدلّ لذلك أيضًا. وإن لم يذكره شيخ الإسلام. وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر، قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرضٍ. فقال أحدهما: إنّ هذا انْتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن
стр. 396
عبدان، قال: "بيّنتك؟ "، قال: ليس لي بيّنة. قال: "يمينك". قال: إذًا يذهب بها؟ قال: "ليس لك إلّا ذلك". الحديث.
وأمّا حكم ما أخذه المسلمون منهم مِمّا قد أخذوه من مال المسلم فالجمهور من العلماء يقولون: إذا علم صاحبها قبل قسمها ردّت إليه بغير شيءٍ. قال في الشّرح في قول عامّة أهل العلم منهم عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيثي والثّوري ومالك والأوزاعي والشّافعي وأصحاب الرّأي. وحجّتهم ما تقدم من قصة ابن عمر. قال في الشّرح: وكذلك إذا علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسم وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء؛ لأنّ قسمته كانت باطلةً من أصلها، فهو كما لو لم يقسم.
فأمّا إن أدركه بعد القسم ففيه روايتان:
إحداهما: يكون صاحبه أحقّ به بالثّمن الذي حسب به على آخذه. وكذلك إن بيع ثم قسم بثمنه، فهو أحقّ به بالثّمن. وهذا قول أبي حنيفة والثّوري والأوزاعي ومالك. لئلا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة أو تضييع الثّمن على المشتري. يعنِي: من الغنيمة وحقّهما ينجبر بالثّمن، فيرجع صاحب المال في غير ماله بمنْزلة مشتري الشّقص المشفوع.
والرّواية الثّانية: أنّه لا حقّ له فيه بعد القسمة بحالٍ. نصّ عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره. وهو قول عمر وعلي وسلمان بن ربيعة وعطاء والنّخعي واللّيث. وقال الشّافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح؛ لأنّه لم يزل عن ملك صاحبه فوجب أن يستحقّه بغير شيءٍ كما قبل القسمة, ويعطى من حسب عليه القيمة لئلا يفضي إلى حرمان آخذه حقّه من الغنيمة. وجعل من سهم المصالح؛ لأنّ هذا منها، فإن أخذه أحد الرّعية بهبةٍ أو سرقةٍ أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيءٍ. وقال
стр. 397
أبو حنيفة: لا يأخذه إلّا بالقيمة، وهو محجوج بحديث ناقلة النَّبِيّ ﷺ المتقدّم؛ ولأنّه لم يحصل في يده بعوضٍ فصار صاحبه أحقّ به بغير شيءٍ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة.
فأمّا إن اشتراه رجل من العدوّ فليس لصاحبه أخذه إلّا بثمنه. وهذا كلّه إنّما هو في الكافر الأصلي.
وأمّا المرتد فلا يملك مال المسلم بحال عند جميع العلماء، ولا يعلم أحد قال به. وقد تتبعت كتب الخلاف كالمغني والقواعد والإنصاف وغيرها فما رأيت خلافًا في أنّه لا يملكه، وإنّما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفةٍ ممتنعةٍ أو لحق بدار حربٍ، والمذهب أنّه يضمن ما تلف في يده مطلقًا، فافهم ذلك، فالمسلم يأخذ ماله من المرتدّ أو مِمَّن انتقل إليه بعوضٍ أو غيره بغير شيءٍ. وما تلف في يد المرتدّ من مال المسلم أو تلف عند مَن انتقل إليه من جهة المرتد فهو مضمون كالمغصوب.
ثم اعلم أنّه قد يغلط مَن لا تمييز عنده في معنى التّلف والإتلاف فيظنّ أنّه إذا استنفق المال أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يعدّ إتلافًا، وليس كذلك بل هنا تصرّف وانتفاع.
وقد فرّق العلماء ﵏ بين هذا وبين الإتلاف. ومن صور الإتلاف والتّلف أن يضيّعه أو يضيّع أو يسرق أو يحرق أو يقتل ونحو ذلك. فإن كان بفعله فهو إتلاف، وإن كان بغير فعله فهو بالنّسبة إليه تلف يترتّب عليه أحكام ما تلف بيده، وبالنّسبة إلى الفاعل إتلاف. وضابطه: فوات الشّيء على وجه لا يعدّ من أنواع التّصرف.
إذا عرفت أنّ حكم المرتدّ يفارق حكم الكافر الأصلي. فاعلم أنّه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيمَن اشترى مال مسلمٍ من التتر لما دخلوا الشّام إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح وأعطي مشتريه ما اشتراه به؛ لأنّه لم
стр. 398
يصر لها إلّا بنفقته، وإن لم يقصد ذلك. انتهى من الإنصاف.
وسُئِل أيضًا* عمَّن اشترى فرسًا ثم ولدت عنده حصانًا، وأخذ السلطان الفرس وأهدى الحصان لرجلٍ فأعطاه عوضه، ثم ظهرت الفرس أنّها كانت مكسوبة نهبًا من قوم، فهل يحرم ثمن الحصان؟
فأجاب: إن كان صاحب الحصان معروفًا ردّت إليه فرسه، ورجع المشتري بالثّمن على بائعه ويرجع عليه بقيمة الحصان، أو قيمة نصفه الذي يستحقّه صاحبه لكونه غرّه. وإن كانت مكسوبة من التتر أو العرب الذين يُغير بعضهم على بعضٍ، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، ولم يعرف صاحبها لم يحرم على مُهدي الحصان عوض هديته. والله أعلم.
وقد صرّح شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- بأنّ هذا المنهوب يردّ إلى صاحبه أو قيمته إن تصّرف فيه ويرجع المشتري بالثّمن على البائع. وأنّه إن لم يعرف صاحب ما أخذ من التّتر والعرب لم يحرم عليه عوضه. فمفهومه أنّه إن عرف صاحبه فعوضه حرام على مَنِ اعتاض عنه لكونه ظهر مستحقًّا لمسلمٍ معصومٍ. وهذا أيضًا يفيده ما تقدم من قوله فيمَن اشترى مال مسلم من التّتر إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح ... الخ. وهو صريح في أنّ التّتر لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء والحيازة. ومن المعلوم أنّ التّتر من أعظم النّاس كفرًا لما جمعوه من المكفِّرات في الاعتقادات والأعمال. ومع ذلك قال شيخ الإسلام: يردّ ما أخذوه لصاحبه المسلم من غير أن يدفع إلى مشتريه منهم شيئًا كما يفيده الجواب الثّاني. ولم يقل فيه إنّه لا يحرم على مَن اعتاض عن الحصان شيئًا إلّا بقيد عدم معرفة صاحبه بناء على أصله في الأموال التي جهلت أربابها. ولذلك قال في المكوس: إذا أقطعها
стр. 399
الإمام الجند، هي حلال لهم إذا جهل مستحقّها.
وبهذا يظهر الجواب عن المسألة التّاسعة، وهو أنّ ما وقع في هذه السّنين من النّهب والظّلم يردّ ما وجد منه إلى مالكه من غير أخذ ثمنٍ ولا قيمةٍ. وحكم يد المشتري منهم حكم الأيدي المترتّبة على يد الغاصب لما تقرّر من أنّ الخلاف إنّما جرى في حقّ الكافر الأصلي.
وأمّا المرتدّ ونحوه فالقول بأنّه لا يملك مال المسلم مسألة وفاق. وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الفتاوى المصرية ما يفهم به الفرق بين الكافر الحربي والمرتدّ. فقال: وإذا قدر على كافرٍ حربيٍ فنطق بالشّهادتين وجب الكفّ عنه بخلاف الخارجين عن الشّريعة؛ كالمرتدّين الذين قاتلهم أبو بكر - رضي الله - والتّتر وأمثال هؤلاء الطّوائف مِمَّن نطق بالشّهادة ولا يلتزم شعائر الإسلام. وأمّا الحربي فإذا نطق بها كفّ عنه.
وقال أيضًا: ويجب جهاد الكفّار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأموالهم باتّفاق المسلمين، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة على الكفّار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله. انتهى.
فيعلم ما تقرّر أنّ الأموال المنهوبة في هذه السّنين غصوب يجري فيها حكم الغصب، وما يترتّب عليه. وبهذا أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن شيخنا الإمام محمّد ﵏. وأفتى به الشّيخ محمّد بن عليّ الشّوكاني قاضي صنعاء اليمن، وما ظننت أنّ أحدًا له أدنى ممارسة في العلم يخالف ذلك. والله أعلم.
المسألة العاشرة: قال السّائل: وجدت نقلًا عن الإقناع وشرحه: إذا ذبح السّارق المسلم أو الكتابي المسروق مسميًا حلّ لربّه ونحوه أكله
стр. 400
ولم يكن ميته كالمغصوب. انتهى. قال السّائل: وهل هذا إلّا مغصوب ويعارضه حديث عاصم بن كليب عن أبيه ... الخ؟
الجواب: لا معارضة؛ إذ ترك رسول الله ﷺ وأصحابه الأكل منها لا يدلّ على أنّها ميتة من وجوه:
منها: أنّها ليست ملكًا لهم، ولا لِمَن ذبحها فهي وإن حرمت عليهم فلا تحرم على مالكها، ولا مَن أذن له مالكها في الأكل منها، ويحتمل أنّه ترك الأكل منها تنَزُّهًا. ويدلّ على حلّها بهذه الذّكاة قوله: "أطعميه الأسارى". وهو لا يطعمهم ميتة. وقوله: كالمغصوب، راجع لقوله: حلّ، لا لقوله: ميتة شبه بذح الحيوان المغصوب في الحلّ لا في الحرمة. والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة: إذا كان لإنسان على آخر دَين من طعامٍ أو نحوه فأشفق في الوفاء فطلب غريمه أن يعطيه الثّمرة عن ماله في ذمّته فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالجواب -وبالله التّوفيق-: قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب إذا قاص أو جازفه في الدَّين فهو جائز). زاد في رواية كريمة: تمرًا بتمرٍ، أو غيره. وساق حديث جابر ﵁ أنّ أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجلٍ من اليهود فاستنظره جابر فأبَى ينظره، فكلّم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه فجاء رسول الله ﷺ فكلّم اليهود ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى ... الحديث. وبه استدلّ ابن عبد البرّ وغيره من العلماء ﵏ على جواز أخذ الثّمر على الشّجر عمّا في الذّمّة إذا علم أنّه دون حقّه إرفاقًا بالمدين، وإحسانًا إليه، وسماحة بأخذ الحقّ ناقصًا وترجم البخاري ﵀ بهذا الشّرط فقال: (إذا قضى دون حقّه أو حلّله فهو جائز). ساق
стр. 401
حديث جابر ﵁ أيضًا.
فأمّا إذا كان يحتمل أنّه دون حقّه أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائزٍ أن يأخذ عمّا في الذّمّة شيئًا مجازفة، أو خرصًا لاسيما إذا كان دَين سلم. لما روى البخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَن أسلف في شيءٍ فليسلف في كيلٍ معلومٍ أو وزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ". ومضمون هذا الحديث عام. وبه أخذ الجمهور. وقد يقال: إنّ قضيّة جابر قضية عينٍ لا عموم لها. ويترجّح المنع سدًّا للذّريعة لاسيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل والجراءة بأدنَى شبهة. والله أعلم.
المسألة الثّانية عشرة: ما حكم الباطل والفاسد عند أهل الأصول الخ؟
الجواب: هما مترادفان عند الأصوليّين والفقهاء من الحنابلة والشّافعية. وقال أبو حنيفة: إنّهما متباينان؛ فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلّيّة؛ كبيع المضامين والملاقيح. والفاسد؛ ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصفٍ محرّمٍ؛ كالرّبا. وعند الجمهور كلّ ما كان منهيًّا عنه إمّا لعينه أو وصفه ففاسد وباطل، لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التّفرقة بين ما أجمع على بطلانه وما لم يجمع عليه، فعبّروا عن الأوّل بالباطل وعن الثّاني بالفاسد ليتميّز هذا من هذا، لكون الثّاني تترتّب عليه أحكام الصّحيح غالبًا، أو أنّهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التّعبير؛ لأنّ من عادة الفقهاء من أهل المذاهب -رحمهم الله تعالى- مراعاة الخروج من الخلاف. وبعضهم يعبّر بالباطل عن المختلف فيه مراعيًا للأصل. ولعلّ مَن فرّق بينهما في التّعبير لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلًا فلا اختلاف.
ومثل ذلك: خلافهم في الفرض والواجب. قال في القواعد الأصولية: إنّهما مترادفان شرعًا في أصحّ الرّوايتين عن أحمد.
стр. 402
اختارها جماعة منهم: ابن عقيل. وقاله الشّافعية. وعن أحمد الفرض آكد اختارها جماعة. وقاله الحنفية. فعلى هذه الرّواية؛ الفرض ما ثبت مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد. وقيل: ما لا يسقط في عمدٍ ولا سهوٍ. وحكى بدليل ابن عقيل عن أحمد رواية أنّ الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسّنة.
وفائدة الخلاف: أنّه يثاب على أحدهما أكثر. وأنّ طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون. ذكره القاضي. وذكرهما ابن عقيل على الأوّل, قال غير واحد: النِّزاع لفظي، وعلى هذا الخلاف ذكر الأصحاب مسائل فرّقوا فيها بين الفرض والواجب. والله أملم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
و قال شيخنا ووالدنا الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في أثناء كلامٍ له*:
وأمّا ما ذكرت من عقد المساقاة، هل هو جائز أو لازم؟
فالصّحيح اللّزوم، وهو الذي عليه الفتوى من زمن شيخنا شيخ الإسلام محمّد، ومن أخذ عنه، لا يختلف فيه اثنان منهم، واستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. وهو الصّواب. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقول بعض متقدمي الأصحاب إلّا أنّه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة، فيفتقر إلى ضرب مدّة. وأمّا ما ذكره الفقهاء من أنّ مؤنة ردّ مبيع تقايلاه على بائعه فهو المشهور. والسّلام.
وقال أيضًا: وأمّا قوله في النّخل أن تحمرّ أو تصفرّ، فهو هذا الذي نراه. وذلك انقلابه بعد الخضرة إلى الحمرة والصّفرة. وأمّا أخذ بعض دَين السّلم خرصًا فالجمهور على المنع. وذكر ابن عبد البرّ ﵀ عن بعض العلماء أنّه يجوز إذا أخذ دون حقّه. وبه أفتى شيخنا الشّيخ عبد الله بن الشّيخ محمّد رحمهما الله تعالى.
وأمّا المسألة الثّانية: الذي ينبت على ماء المستأجر بغير إذن المالك
стр. 403
فهو للكداد، فإن أراد المالك أخذ بقيمته إذا تراضيا جاز ذلك، وإن قال: أقلعه فيقلعه. والسّلام.
وما ذكرت من أمر مواريث كان في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرّفون فيها تصرّف الملّاك.
فالجواب: أنّ الذي استقرّت عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام هذه الدّعوة الإسلامية أنّ العقار ونحوه إذا كان في يد إنسانٍ يتصرّف فيه تصرّف المالك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس له فيه منازع في تلك المدّة أنّ القول قوله أنّه يملكه؛ إلا أن تقوم بيّنة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنّه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك. وأمّا الأصل فلا يلتفت إليه هذا الظّاهر. فقدم شيخنا -رحمة الله عليه- الظّاهر هنا على الأصل لقوّته وعدم المعارض. والله أعلم.
- ٣٩ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى المكرّم عثمان بن عيسى سلّمه الله.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل خطك وصلك الله إلى خيرٍ والمحبّ بخير وعافية، ويحمد إليك الله لا إله غيره ولا ربّ سواه، وخواص إخوانك بخيرٍ وعافيةٍ، جعلنا الله وإيّاكم مِمَّن عرف النّعمة وقدرها، وشكر الله تعالى عليها بالاعتراف بها والذّلّ والخضوع والعبودية لمسديها. آمين.
وتسأل عمَّن نفر من الحجّ ولم يطف طواف الزّيارة والسّعي ثم أراد السّفر لقضاء ما تركه فهل له إذا وصل إلى الميقات أن يحرم بعمرة مفردة ثم يأتي بما بقي عليه، وهل يجوز
стр. 404
إن كان الوقت لم يتّسع أن يحرم بالحجّ فإذا فرغ من أعماله أتى ببقيّة أعمال حجّه الأوّل؟ هذا ملخص السّؤال.
الجواب: قال في شرح المنتهى: فلو تركه، أي: طواف الزّيارة وأتى بغيره من فرائض الحجّ وبَعُدَ عن مكّة مسافة القصر رجع إلى مكّة معتمرًا فأتى بأفعال العمرة ثم يطوف للزّيارة انتهى.
وهذه مسألة السّائل أحد جزئياتها فيحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحجّ، فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طوافٍ وسعيٍ. أمّا إذا ضاق الوقت بأن لم يمكنه قدوم مكّة قبل الوقوف فيحرم قارنًا أو مفردًا، فإذا رمى جمرة العقبة وأفاض إلى مكّة وطاف طواف الزّيارة وسعى بعده رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أوّل من طواف وسعي. فإن قدم الطوّاف والسّعي الذي تركه على طواف حجّه الذي هو في أعماله جاز ذلك؛ لأنّ وقت طواف الزّيارة والسّعي موسّع فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا وأصوله.
وغير مأمور، سلّم لنا على حمد بن فارس وحمد بن عبد الجبار وابن ناجم وخواص الإخوان. ومن عندنا خواص الإخوان وفيصل وآل الشّيخ وإبراهيم وابنه وكاتبه ناصر العربي يسلّم وأنت في أمان الله. والسّلام.
- ٤٠ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرّحمن بن حسن إلى الأخ عثمان بن بشر، سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصل الخط وصلك الله إلى ما يرضيه وسرّنا طيبك وصحّة حالك
стр. 405
عافانا الله وإيّاكم من كلّ سوء، وأعاذنا وإيّاكم من ولاة السّوء. والإمام وآل الشّيخ وخواص الإخوان تسرك حالهم كذلك طلبة العلم نبشّرك أنّهم كثيرون ويا أخي؛ المؤمن مرآة أخيه. جعلنا الله وإيّاكم من المؤمنين.
وخطك سرّني من وجه وساءني من وجهٍ. وهو السّجع والمجازفة في المدح. فيا أخي لسنا مستحقّين لشيءٍ من ذلك فلا تعاملنا بمثل ذلك دعوة صالحة خير كلمة اشتهرت على الألسنة من غير قصدٍ، وهو قول الكثير في المكاتبات إذا سأل الله شيئًا قال: وهو القادر على ما يشاء. وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرًا وكلّ ما في القرآن: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، [المائدة، من الآية: ١٢٠]. وليس في الكتاب والسّنة ما يخالف ذلك أصلًا؛ لأنّ القدرة شاملة كاملة، وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات. وإنّما قصد أهل البدع بقولهم، وهو القادر على ما يشاء، أي: إنّ القدرة لا تتعلّق إلّا بما تعلّقت المشيئة به.
وأمّا الرّجل الذي ذكرت لي عنه فالذي ذكرت عنه من طرف الشّيخ ﵀ والثّناء عليه ودعوته التي أنعش الله بها الخلق الكثير والجم الغفير في آخر هذا الزّمان والمشار إليه ما نظنّ فيه إلّا بحسن الرّأي في ذلك. بقي أنّ هنا أمورًا جزئية ينبغي من صاحب المقام التّخلّق بغيرها. وأمّا الأمر الذي عمت به البلوى فالسّالم منه قليل نادر، نسأل الله التّوفيق لحسن المتاب، وأمّا ما يقول النّاس من الكذب والافتراء لأجل أغراضهم الدّنيوية؛ فهذا طبعهم خصوصًا في هذه الأوقات والذي يصدق النّاس فيما نقلوه من الأوهام والأكاذيب يتعب ويأثم.
وبلغ إخوانك السّلام، ومن لدينا الإمام ومَن ذكرنا وكاتبه عبد العزيز بن موسى ينهون السّلام. وأنت سالم. والسّلام.
стр. 406
- ٤١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وجدت بخط الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن ﵀ ما صورته:
مسألة: هل (عَلَيَّ الطّلاق)، صريح أو كناية؟
أجاب بما لفظه: إنّ (عليّ الطّلاق) صريح كما قاله الضّمري. قال العلّامة زكريا: وهو الأوجه. بل قال الزّركشي: إنّه الحقّ في هذا الزّمن لاشتهاره في معنى التّطليق. فقول ابن الصّلاح في فتاويه: إنّه لا يقع به شيء محمول على أنّه لم يشتهر في زمنه، ولم ينو به الطّلاق. وقال الرّوياني في البحر عن المزني: إنّه كناية. انتهى. والمعتمد أنّه صريح وإن جرى شيخنا العلّامة المزني في عبابه على أنّه كناية. والله أعلم. انتهى من فتاوى ابن زياد.
مسألة: رجل أسلم إلى آخر في طعامٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثم طلب المستحقّ المذكور من المستحقّ عليه المذكور أن يبيع عليه أرضًا يملكها بدَين السّلم المذكور في مجلس عقد السّلم فهل يصحّ البيع أم لا؟
الجواب: لا يصحّ البيع المذكور؛ لأنّه اعيتاض عن دَين السّلم، وهو غير صحيحٍ. والله أعلم.
- ٤٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رأيت في فتاوى الإمام عبد الكريم بن زياد الشّافعي -رحمه الله تعالى- ما لفظه:
وأمّا الوقف على الذّكور من الأولاد دون الإناث فقد عمّ في جهة الجبال لاسيما الجهة الوصابية والقرائن مشعرة بقصد حرمانهن بل ربّما يصرّحون بذلك، فالواجب القيام في إبطال هذا الوقف، وإن كنّا لا نشترط
стр. 407
القربة في الوقف لقيام القرينة الدّالّة على قصد الحرمان الذي هو معصية. ومِمَّن أفتى ببطلان الوقف على الذّكور دون الإناث العلامّة الكمال الرّداد، وغيره. وقد أفتيت به مرارًا. والله أعلم. اهـ.
ورأيت في موضعٍ آخر من فتاواه أيضًا: اعلم أنّ العلّامة الكمال الرّداد المعول عليه في الإفتاء في عصره أفتى ببطلان هذا الوقف المقترن بقصد الحرمان مع اطّلاعه على مقتضى كلام الشّيخين، وإنِّي أفتي بالبطلان لوجود المعصية، وهذا لا يخالف فيه الشّيخان ولا غيرهم، فالوقف باطل عند الشّيخين وغيرهم، وينتقض الحكم بصحّته ولا يخلو هذا القاضي من ارتكاب هوى أو عدم تأمّل لما أفتى به العلّامة الكمال الرّداد. وكيف يسع الرّداد أن يفتي بالبطلان ويخالف الشّيخين والأكثرين كما زعم هذا الزّاعم. وهذا مما لا يجوز اعتقاده فنعوذ بالله من نسبة العلماء إلى مثل ذلك.
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السّقيم
﴿فائدة﴾: قال شيخنا الوالد الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن -رحمه الله تعالى- تحت رسالة أعماله من مسائل الرّبا والحيل المحرّمة: إنّ الأعمام -رحمهم الله تعالى- اختاروا بعد ذلك عدم التّفصيل خوفًا من الاسترسال، وردع العامّة الذين لا يحسنون التّفصيل ولا يفهمون الشّروط إلى الوقوع في الرّبا الصّريح فحسموا المادّة حسمًا تامًّا. انتهى كلامه ﵀ وعفا عنه.
стр. 408
رسائل وفتاوى للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن بن حسن بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ﵏ جميعًا-.
- ١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد، سلّمه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
نحمد الله إليك الذي لا إله إلّا هو على نعمه. جعلنا الله وإيّاك من الشّاكرين الصّابرين.
جاءنا منك خط وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضًا لاسيما في أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج، وأوصيك بتقوى الله تعالى، والقوّة في دينك ونشر العلم خصوصًا في كشف الشّبهة التي راجت على مَن لا بصيرة له، ولم يفرّق بين البغاة والمشركين، ولم يدر أن نصر مَن استنصر من أهل الملّة على أهل الشّرك واجب على أهل الإيمان والدِّين. قال تعالى فيمَن ترك الهجرة واستنصر بالمؤمنين: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، [الأنفال، من الآية: ٧٢].
ومن عقيدة أهل السّنة: أنّ الجهاد ماضٍ مع كلّ إمامٍ برٍّ أو فاجرٍ إلى يوم القيامة. واكتب لي جوابًا يكون عونًا على البرّ والتقوى. وردعًا لأهل الجهل والهوى، وبلّغ سلامنا الشّيخ حسين وحسين وحسين ورشيد ورشيد وخواص الإخوان. ومن لدينا العيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام.
стр. 409
وله -رحمه الله تعالى- رسالة إلى زيد بن محمّد أيضًا وهذا نصّها:
- ٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ زيد بن محمّد سلّمه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله على إنعامه، والخط وصل وسرّنا سلامتك وعافيتك، وتعرف أنّ زمانك أشبه بزمن الفترات، وقلَّ مَن يعرف حقيقة الإسلام فضلًا عَمَّن يعمل به، ولله على مثلك عبودية هي من أفرض الفرائض وأوجب الواجبات، فلا تغفل عن نفسك ومعرفة ما أنت طالب به. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، [الحجر الآيتان: ٩٢ - ٩٣]. وبلّغ عمّك وأولادك وأولاده السّلام. كذلك إخواننا في الله والوالد والعيال بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام.
وله -رفع الله درجاته وتجاوز عن سيّئاته- رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان أيضًا وهذا نصّها:
- ٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المحبّ زيد بن محمّد - زاده الله علمًا ووهب له حكمًا)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو على سوابغ نعمه، والخط وصل وبه الأنس حصل؛ حيث أفاد سلامة مَن نحب ونشفق عليه.
стр. 410
وما ذكرت من عدم المكاتبة فليس ذلك عن إهمالٍ، وإنّما كثرة الاشتغال وتشتت البال، وعدم الشّعور بأكثر القادمين إليكم، والسّؤال عنكم كثير، والدّعاء لكم غير قليلٍ، أرجو أنّه في ذات الله ولجلاله. وما ذكرت من حال أكثر النّاس وأنّهم دخلوا في الفتنة ولا أحسنوا الخروج منها، فالأمر كما وصفت. ولكن ذكر الحافظ الذّهبي أنّ حسينًا الصّائغ قال للإمام أحمد: سألت أبا ثور عن اللّفظية، فقال: مبتدعة. فغضب أحمد وقال: اللّفظية جهمية من أهل الكلام، ولا يفلح أهل الكلام أو كما قال؛ فأنكر على أبي ثور التّساهل في الإنكار، ورأى أنّ تعظيم الأمر والنّهي يقتضي غير ذلك من ذكر أوصافهم الخاصّة الشّنيعة، والغلظة في كلّ مقامٍ بحسبه. وفتنة البغي فتحت ناب الفتنة بالشّرك والمكفرّات ووصل دخنها وشررها جمهور من خاصّ فيها من منتسب إلى العلم وغيره. والخلاص منها عزيز إلّا مَن تداركه الله وردّه إلى الإسلام. ومَنَّ عليه بالتّوبة النّصوح وعرف ذنبه. وبلّغ سلامنا الأولاد والإخوان، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وإسماعيل وإخوانه ينهون إليك السّلام. وأنت سالم. والسّلام.
وله أيضًا - قدّس الله روحه ونوّر ضريحه - رسالة إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها:
- ٤ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم المحبّ زيد بن محمّد آل سليمان، حفظه الله تعالى من طوائف الشّيطان، وجعلنا وإيّاه من أوعية العلم والإيمان، وحرسنا وإيّاه من مضلات الفتن وتلاعب الشّيطان.
стр. 411
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيءٍ قدير. وأسأله اللّطف بنا وبكم، وبكافّة المسلمين عند كلّ كربٍ عسيرٍ، وقد بلغكم خبر الوقعة التي جرت على إخوانكم وتفاصيلها عن ألسن القادمين. وقد لطف الله بنا ودفع ما هو أشدّ وأعظم من استباحة البيوت والمحارم حين صارت الهزيمة، وجنّب عبد الله الديرة وكتب لسعود خطًا، ونادى في مخيمه بالكفّ عن الرّياض، وأنّ البلد سلمت فدفع الله بذلك شرًّا عظيمًا. وفي اليوم الثّاني وصلته في مخيمه، وأكثرت عليه في أمر المسلمين، وأظهر القبول وكفّ عن كثيرٍ من النّاس، وأدخل له طارفة في القصر واستقرّ أمره. وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه
* وهل عند رسمٍ دارسٍ من معولِ *
فالجواب: مساعدة إخوانكم بصالح الدّعاء ونشر العلم وبذل النّصائح وتقديم خوف الله على مخافة خلقه، وما منكم من أحدٍ إلّا وهو على ثغرٍ من ثغور الإسلام فلا يؤتى الإسلام من قبله، كذلك هذه الشّبهة التي حصلت والمكاتبات التي رسمت في شأن هذه الفتن مِمَّن ينتسب إلى العلم والدِّين، لا يسوغ لمثلك السّكوت عليها بل يجب التّنبيه على ما فيها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، [الطّلاق، من الآية: ٢]. فاكتب لي بما يسّر عن مثلك وما هو الظّنّ بك، ولقولك بحمد الله موقع في نفوس المسلمين، كذلك لا تدّخر نصح سعود بالكتابة والنّصائح والتّذكير وابسط القول.
وبلّغ السّلام الشّيخ حسين وأخبره أنّ حمولته بعافية ما مسّهم سوء، ولا تنسنا من صالح دعائك. والعيال: عبد الله وعبد العزيز أصابهم جراح سليمة إن شاء الله وهم يبلّغون السّلام. والسّلام.
стр. 412
وله أيضًا ﵀ رحمة الأبرار، وجمعنا به في دار القرار- رسالة أيضًا إلى زيد بن محمّد آل سليمان، وهذا نصّها:
- ٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم زيد بن محمّد، لا زال من العلم في مزيد، مناضلًا عن الإيمان والتّوحيد.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك الله إلى ما يرضيه. والأخبار عن سلامتك وعافيتك تسرّنا لاسيما في وقت الهرج والفتن، وتتابع الزّلازل والمحن، عصمنا الله وإيّاك بالإسلام على كلّ حالٍ وفي كلّ حالٍ. وما ذكرت من وصول الخط وتدبّر ما فيه صار معلومًا، نسأل الله أن ينفعنا وإيّاك بمواعظ كتابه وزواجر خطابه، وتذكر أنّه ما اعترض على حمد بن عتيق إلّا طلبته وبعض إخوان الحوطة، وأنّهم ما نقموا إلّا الميل مع أحد الرّجلين. فلا يخفاك أنّ المقام مقام ضنك واشتباه لا ينخلص منه إلّا مَن كان له نصيب وافر من نور الوحي والوراثة النّبويّة، ومَن سلم من الهوى وأدركته العناية الرّبانية. وفي حديث حذيفة: فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: "فتن كقطع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيًّا من أي". انتهى.
ومَن أشرت إليه من أهل الاعتراضات عامّتهم قد عرف قصورهم عن مقاومة الخصوم الفضلاء وأنَّى يدرك الضّالع شأو الضّليع، وترجيح أحد الرّجلين لا يذمّ مطلقًا إلّا إذا خلا من مرجّح شرعي. فالواجب عليك سدّ الباب عمّا يوهن الإسلام والتّوحيد، ويقوّي جانب الشّرك والتّنديد، فمن هذا الباب دخل من
стр. 413
كاتب العساكر ووالاهم وساكنهم وجامعهم، ولله ما استبيح بهذه الشّبهة من عرضٍ ومالٍ ودمٍ، وما أصاب الإسلام من نقصٍ وهدمٍ وهضمٍ.
ومثلك لو سدّ هذا الباب، وأغلظ في الخطاب والجواب حتّى تتّفق الكلمة ويجتمع أهل الإسلام على جهاد عدوّ الله وعدوّهم، لكان خيرًا وأقوم قيلًا، وأهدى عند الله منهجًا وسبيلًا. والشّيخ محمّد بن عجلان رسالته عندي أظنّها بقلم ولده فجحدها مكابرة، والأولى لنا وله التّوبة ظاهرًا من الجناية الظّاهرة، لئلا يضلّ الغاوي ويحلّ القدر السّماوي؛ ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [المائدة: ٧٤].
وقد عرفت ما جرى وقت إسماعيل وخالد وما قيل فيمَن ركن إليهم واستنصر بهم وقاتل تحت رايتهم، بل قد عرفت ما قيل وما أفتى به المشايخ الأعلام فيمَن أقام بين ظهرانيهم وإن لم يحصل منه غير ذلك، ولكن الإسلام يخلق كما يخلق الثّوب وتضمحل حقائقه من القلوب حتّى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا. والفتنة بالسّكوت عن نصر دِين الله من هؤلاء المنتسبين إلى العلم أضرّ على الإسلام من بعض كلام غيرهم من العامّة. والله المسؤول المرجو الإجابة أن يعيذنا وإيّاكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يَمُنَّ علينا بالثّبات على دينه وسلوك سبيل رسوله؛ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، [الأحزاب: ٣٩].
وبلّغ سلامنا الأولاد والشّيخ حسين وحسين بن عليّ، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وأعمامه بخيرٍ وينهون السّلام. والسّلام. انتهى.
وقد ورد عليه -رحمه الله تعالى- صورة استفتاء:
стр. 414
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وجه تسطيره والباعث على رقمه وتحريره هو أنّ الشّيخ أحمد بن عثمان بن شبانة لما ترشح للولاية حين كان يومئذٍ أهلًا لذلك نصب نفسه للاستنابة للمسلمين عدلًا منه، فأجر الشّيخ أحمد بن محمّد قطعة الأرض التي في قبلية الرّميحية وهي وقف إبراهيم بن سيف تصرّف غلتها على قوَّام دلو مسقاة مسجد إبراهيم بن سيف في الحوش في بلد المجمعة، فكانت حينا تزرع وأكثر الأعوام ما تزرع، فاجتهد أناس عدول في النّظر في المصلحة في دلو مسقاة، وفيما هو أنفع للمسلمين. وأنّ المصلحة أن تؤجّر الأرض المذكورة عدّة سنين، فتجعل الأجرة مقسطة على الأعوام فآجر أحمد المذكور أحمد المذكور الأرض المفروزة المحصورة كلّ عامٍ بعشرين محمّدية بصرية من ضرب البصرة الرّائجة يومئذٍ بين النّاس، فاستأجر أحمد المذكور من أحمد المذكور مع توفّر أركان الإجارة الخمسة المعروفة عند أهل المعرفة فصحّت الإجارة للإتيان بشروطها الثّلاثة المعتبرة، فصارت إجارة شرعيةً صحيحةً لازمةً مرضيةً جاريةً على قانون الشّرع وجادته النّقية وأحكامه الواضحة الجليّة. لا يتطرّق إليها بطلان ولا فساد بالكلّيّة، فبموجب ذلك شرعًا وصحّته ونفوذه ولزومه حكمًا لم يبق لِمَن آجر ولا لِمَن يأتِي من جهتهم في ذلك المؤجّر حقّا ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكًا ثابتًا وحقّا لازمًا ومالًا محيوزًا لأحمد بن محمّد التّويجري يتصّرف فيه ما شاء بما شاء من غير مانعٍ ولا موازع.
شهد على ذلك من أوّله إلى آخره الشّيخ سليمان بن عبد الوهّاب.
стр. 415
وشهد على ذلك من أوّله إلى آخره وحرّره وأثبته وثبت عنده وصحّ شرعًا وأمضاه وألزمه حكمًا خادم الشّرع الشّريف الفقير إلى عفو ربّه سبحانه محمّد بن عثمان بن عبد الله بن شبانة.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. جرى ذلك سنة: ١١٨٦ هـ.
فأجاب عن ذلك بما يأتي:
- ٦ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الإخوان: حمد بن ركبان، وسليمان الحقيل، ومحمّد الحمضي، وعبد الله السّناني، وحمد بن عثمان بن صالح، وعبد الله بن محمّد، وعثمان بن عبد الله بن عولة، وجماعة أهل مسجد إبراهيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصورة الحفيظة وصلت، وما ذكرتم صار معلومًا خصوصًا من جهة الصّبرة التي في وقف ابن سيف وما أصابه من التّعطيل فلا يخفاكم أنّ مدّة الإجارة إذا انقضت وفي الأرض شجر أو بناء فيبقى الشّجر والغرس والبناء بأجرة المثل إن شاء ربّ الأرض، فإن كانت وقفًا فأمرها إلى النّاظر الخاصّ إن كان، وإلّا فإلى الحاكم الشّرعي؛ لأنّ له النّظر العامّ ولا عبرة بأجرة الأرض مدّة الإجارة المذكورة بعد انقضائها، فالذي أرى أنّ الأرض المغروسة تبقى على عادة المغارسة في تلك البلد حتّى يفنى الغراس ولا يحتاج لذكر مدّة. هذا إن كان فيه مصلحة الوقف، وإلّا فالأمر إلى النّاظر المتقدم ذكره.
والحجّة التي نقلت من وثيقة ابن شبانة وصلت إلينا ولها مائتا سنة وسنتان، وعلى القول بصحّتها قد انقضت
стр. 416
مدّة الإجارة التي يصحّحها بعض الفقهاء مع أنّ الوثيقة لم تذكر فيها مدّة الإجارة، وترك ذكر المدّة للعقد فيحتمل أنّ المدّة ذكرت في مجلس العقد ولم تذكر في الوثيقة. والله أعلم أيّ ذلك كان.
وفي الحجّة أنّ ابن شبانة نصب نفسه وتولّى الأحكام من غير ولاية شرعية، والإجارة لم تصدر عمَّن يعتبر تصرّفه في الوقف. وفي الحجّة أنّه قال: لم يبقَ لِمَن آجر ولا لِمَن يأتي من جهته في ذلك المؤجر حقّ ولا تبعة ولا طلبة بوجهٍ من الوجوه الشّرعية، بل صار ذلك ملكًا ثابتًا وحقًّا لازمًا ومالًا محيوزًا لأحمد بن محمّد التّويجري، وليس الأمر كذلك في الإجارة؛ لأنّ الملك للمؤجّر لا للمستأجر، والمستأجر له الانتفاع فقط، وإنّما يقال ذلك في البيع الشّرعي. وهذا الجهل قادح في حكمه، وليس للمستأجر إلّا ما أحدث من شجرٍ أو بناءٍ. وبعد انقضاء مدّة الإجارة يبقى في الأرض بأجرة المثل إن شاء النّاظر وكانت المصلحة في ذلك كما تقدم.
وبلّغوا سلامنا الجماعة. والعيال يسلّمون عليكم. والسّلام. سنة: ١٢٨٩ هـ.
وصلّى الله على محمّد وآله وأصحابه أجمعين.
- ٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم الشّيخ عبد العزيز بن حسن -سلّمه الله تعالى-. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو على نعمه. وخطك وصل وتأخّر جوابه لكثرة الاشتغال. والله المستعان. وتسأل عن وجوب صلاة الجمعة على أهل القرى الذين لم يبلغ العدد فيهم أربعين من أهل الوجوب.
стр. 417
اعلم أنّهم اتّفقوا على أنّ من شرط وجوبها وصحّتها الجماعة.
واختلفوا في مقدار الجماعة. فمنهم مَن قال: واحد. والإمام. هذا مذكور عن ابن جرير الطبّري. ومنهم مَن قال: اثنان سوى الإمام. لأنّ أقلّ الجمع اثنان. ومنهم مَن قال: ثلاثة دون الإمام. وقائل هذا يرى أنّ أقلّ الجمع عنده ثلاثة لا اثنان. والكلام مبسوط في أقل الجمع في شرح التّحرير وغيره. والقول الأخير هو قول أبي حنيفة. ومنهم مَن اشترط أربعين. وهو قول الشّافعي وأحمد. وقال قوم: ثلاثين. ومنهم مَن قال: يجوز بما دون الأربعين إلّا الثّلاثة والأربعة. ولم يشترط عددًا، وإنّما ذكر جوابًا أوردوه. وهو أنّه لا تجب إلّا على عددٍ تتقرى بهم قرية. وأصحاب القولين الأوّلين أخرجوا الإمام عن مسمَّى الجمع للاختلاف في دخوله في مسمّى الجماعة.
وأصحاب القول الأخير يقولون: الجمع في غالب الأحوال له حكم غير ما يطلق عليه اسم الجمع في جميعها بل هم الذين يمكنّهم أن يسكنوا على حدّة من النّاس. وهذا يروى عن مالك. ويروى عنه أيضًا اشتراط اثني عشر من أهل الوجوب، وكلا القولين معروف. ومن شرط الأربعين كالشّافعي وأحمد وجماعة من السّلف فإنّما صاروا إلى ما صحّ من أنّ هذا العدد كان في أوّل جمعة صلّيت بالنّاس، فهذا هو أحد شرطيها، أعنِي شرط الوجوب وشرط الصّحّة؛ فإنّ من الشّروط ما هو شرط الوجوب فقط، ومنها ما يجمع الأمرين. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنّ هذا الشّرط للوجوب فقط لا الصّحّة، وهذا من أحسن الأقوال وبه يتّفق غالب كلام المحقّقين.
إذا عرفت هذا، فإنّهم اختلفوا في الأحوال المرتّبة التي اقترنت بهذه الصّلاة عند فعله إيّاها ﷺ ، هل هي شرط في الصّحة والوجوب أم ليست بشرطٍ؟
стр. 418
وتلك الجماعة والمصر والاستيطان فمَن رآه دليلًا اشترطها، ومنهم مَن رجّح بعضها دون بعضٍ واشترطه في المرجّح لا غير، وبعضهم لم يرها دليلًا، ورجع في الاشتراط والوجوب إلى أدلّة أخرى لعموم الجماعة في سائر الصّلوات، ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الأحوال شروطًا في صحّة الصّلاة لما جاز أن يسكت عنها رسول الله ﷺ ، ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، [النّحل، من الآية: ٤٤]. هذا ما يحضرنِي، فإن رأيت خللًا فلا جناح عليك في إصلاحه. والسّلام.
- ٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم -سدّد الله أقوالكم- فيمَن يدعو المسلم لأمّه مع معرفة أبيه، هل يسوغ ذلك أو لا؟
وما قولكم في الاستئذان، هل يسوغ تركه إذا كان في المجلس من الرّجال الأجانب مَن قد أذن له، أو لا بدّ من الاستئذان والحالة هذه؟
فالجواب: أنّ الله جلّ ذكره قال في شأن زيد بن حارثة ﵁ لما دعاه النّاس: زيد بن محمّد: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، [الأحزاب، من الآيتين: ٤ - ٥]. وهذه الآية الكريمة دلّت على وجوب دعاء الرّجل لأبيه، فإن جهل فيدعى بالإخوة الإسلامية أو بمولى فلان أو آل فلان، ولم يذكر قسمًا رابعًا، وهو دعاؤه إلى أمّه، ونسبة الرّجل إلى أمّه تأنف منه العرب وأهل المروءة فضلًا عن أهل العلم والدِّين لما في ذلك من غمط والده والتّنويه بأمّه بين الأجانب وما ظننت عاقلًا يرضى هذا، ويستحسنه فضلًا عن أن ينكر على مَن كرهه ونهى عنه. والآية وإن كانت نصًّا في دعوة الرّجل إلى مَن تبنّاه، غير أبيه
стр. 419
فهي عامّة في دعائه لأمّه؛ لأنّ قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٥] نصّ في أنّه لا يدعى لغيره، ولا شكّ في دخول الأمّ في الغير، وعلى هذا، فالنّصّ عامّ. وإن قيل بخصوصه أخذًا من خصوص السّبب فلا مانع من إلحاق النّظير بنظيره. والجمهور يرون في هذه المسألة أنّ عموم اللّفظ مقدّم في الاعتبار على خصوص السّبب، والأوّل قال به بعض الأصوليّين، وجماهير أهل العلم، والتّأويل قد رجّحوا الثّاني، وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٥]، عامّ في ترك دعائهم لغيرهم وإن كان المدعوّ إليه أُمًّا فتفطن.
وأمّا المسألة الثّانية: فنصّ آية الاستئذان عامّ تدخل فيه هذه الصّورة المسؤول عنها، وإدخال زيد وعمرو ليس فيه دلالة على الإذن لبكر وخالد، فكلّ قادم يشرع له أن يستأذن إذا أراد دخول بيت وغيره، إلّا أن يأذن ربّ البيت إذنًا عامًا صريحًا لكلّ مَن دخل، والمعروف من أقوال أهل العلم أنّ فتح الباب ليس صريحًا في الإذن كما في الحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". والله أعلم.
وورد عليه ﵀ هذه المسألة:
- ٩ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الأخ المكرّم والحبر المفخم الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن لطف الله به في الدّارين، وجعله مِمَّن يؤتى أجره مرّتين، وحفه بالألطاف وأمنه مما يحذر ويخاف. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
متّعنا الله بحياتك دعت الحاجة إلى الفتيا المباركة من عندك، وهي أنّ رجلًا تزوّج امرأة على صداق خمسة ريالات فلما جاء
стр. 420
الصّبح أعطاها ثلاثة ريالات فلما أتى بعد ذلك ادّعى أنّ الثّلاثة التي أعطاها صباحة من الصّداق المذكور، وعادة بنات عمّها وأخواتها صباحتهن أكثر من ذلك. أفتنا مأجورًا وأجب جوابًا شافيًا تغنم أجرًا وافيًا. وأنت في أمان الله وحفظه. والسّلام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الجواب: ما أعطاه الزّوج زوجته من الهبة عند الدّخول والبناء بها مما به جرت العادة لأمثالها من أمثاله كالذي تعطاه صبيحة الدّخول لا يحتسب به من صداقها عند المفارقة أو المطالبة بالصّداق، ولو نوى ذلك لعدم الإعلام والإشهاد عند القبض. والله أعلم.
- ١٠ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ المكرّم خالد بن إبراهيم آل قطنان، ومحمّد بن عيسى سلّمهما الله تعالى وتولّاهما.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
فنحمد إليكما الله الذي لا إله إلّا هو على سوابغ نعمه، جعلنا الله وإيّاكم من عباه الشّاكرين. والخطوط وصلت وصلكم الله إلى ما يرضيه. وأنا حريص على جوابها لكن ما تيسّر لي طارش قبل حامل هذا الخط.
ومن جهة الفائدة فأجل الفوائد وأشرفها ما دلّ عليه الكتاب العزيز من معرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وآياته ومخلوقاته، ومعرفة ما يترتّب على ذلك من عبادته وطاعته وتعظيم أمره ونهيه، وأدلّة ذلك مبسوطة في كتاب الله، وأكثر النّاس ضلّ عن هذين الأصلين مع أنّهما زبدة الرّسالة، ومقصود
стр. 421
النّبوّة، ومدار الأحكام عليهما، والعجب كلّ العجب أنّ حفظة القرآن وحملة الأحاديث والآثار ضلّوا عمّا هو محفوظ في صدورهم، متلوّ بألسنتهم، وطلبوا العلم من غيره فضلّوا وأضلّوا، فعليكم بطلب العلم النّافع لاسيما ما يُسْأَل عنه العبد في قبره: مَن ربُّك، وما دينك، ومَن نبيّك؟ اعرفوا تفاصيل هذا، ومعنى الرّبّ في هذا المحلّ، وتفقّهوا في هذه الأصول قبل أن تزلّ قدم وتزول. وأمّا الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والتّغافل عن ذلك لغرضٍ دنيويٍّ، وهوى نفساني، كما في حديث: "إنّ مَن كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرًا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها ويآكلونهم ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس"، فالاستئناس والمعاشرة مع القدرة على الإنكار هي عين المداهنة. قال الشّاعر:
وثمود لو لم يدهنوا في ربّهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار
وأمّا المداراة فهي درء الشّرّ المفسد بالقول اللّين، وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف شرّه أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. وفي الحديث: "شرّكم مَن اتقاه النّاس خشية فحشه". وعن عائشة ﵂ أنّه استأذن على النَّبِيّ ﷺ رجلٌ فقال: "بئس أخو العشيرة هو"، فلمّا دخل على النَّبِيّ ﷺ ألان له الكلام. فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: "إنّ الله يبغض الفحش والتّفحش". والمسألة تحتاج لبسط إذا جاء منيف نملي عليه إن شاء الله ما تيسّر.
وبلّغوا سلامنا إخوانكم وعيالكم ومنيفًا وابن عجيم. ولدينا الإمام وعيالنا طيّبون يبلّغون السّلام.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
стр. 422
- ١١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه المسائل سألنا عنها أهل نجد وأجاب عنها الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن:
الأولى: عمّا يحكم به أهل السّوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد، هل يطلق عليهم بذلك أنّهم كفّار بعد التّعريف أم يخصّ به واحد معلوم أم هم يمنعون من التّكفير معًا؟
الجواب: إنّ مَن تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله بعد التّعريف فهو كافر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، [المائدة، من الآية: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية، [النّساء، من الآية: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية، [النّحل، من الآية: ٣٦]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأمّا المعاملات في الدّيون؛
فالمسألة الأولى: رجل باع ربويًا بدارهم نسيئة والأجل بينهم حصاد الزّرع فلمّا حلّ الأجل عسرت الدّراهم على المبتاع وهو موسر بحبّ أو تمر، هل يحلّ للبائع أخذ الطّعام بسعر الدّراهم أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. والمذهب في ذلك المنع. وهو الذي عليه مشايخنا. وجوّز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية إذا لم يكن بينهما حيلة.
стр. 423
المسألة الثّانية: صفة الأوّل لكن المباع قهوة، هل يحلّ أخذ الطّعام بسعره مع عدم الدّارهم أم لا؟
الجواب: عن هذه المسألة جواب ما قبلها.
المسألة الثّالثة: هل يحلّ الدَّين في الصّمغ أم لا؟
الجواب: نعم. يجوز؛ لأنّه يضبط بالصّفة.
المسألة الرّابعة: إذا كان عند إنسانٍ طعام أو قهوة أو نحو ذلك، وأتاه رجل وقال له أعطنِي سعر ريال بريالين نسيئة، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: يصحّ بغير خلاف.
المسألة الخامسة: رجل قال لرجلٍ: اشتر لي هذه الدّابّة ونحوها بمثنٍ عاجلٍ وبعنيه بالمثلين آجل، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة مسألة العينة التي وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ فيها بتحريمها وأنّها عين الرّبا.
تَمَّت المسائل. نفع الله بها السّائل مسفر بن محمّد العجيلان، والمجيب الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن. سنة: ١٣٨٥ هـ.
- ١٢ -
صورة سؤال ورد على الشّيخ عبد اللّطيف ﵀.
أوصى عبد الله بن أحمد بثلث ماله تقربًا إلى الله وطلبًا للثّواب، وقفًا على أولاده ما تعاقبوا وتناسلوا، والوقف المذكور على أولاده لصلبه مِمَّن ينتسب إليه، وأوصى عبد الله المذكور بأنّ عثمان ابن ابنه أحمد داخل في وقف الثّلث له مثل ما لأبيه.
الجواب: أشرفت على ما ذكر باطن هذه الوصية، فرأيتها صحيحة
стр. 424
يشترك فيها أولاد الموصى لصلبه ذكرهم وأنثاهم، وما ذكر لعثمان ولد ولده صحيح، ينْزل منْزلة أبيه وأعمامه، ويقاسمهم حصتهم كما ذكره الموصي، ولا يحجب الأعلى منهم مَن دونه.
- ١٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ محمّد بن عمير وفّقه الله تعالى لفعل الإيمان وقول الخير.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله المسؤول أن يَمُنَّ علينا وعليك بمعرفة الحقّ بدليله، والدّعوة إلى الله وإلى سبيله، وتعرف أنّا رأينا من أجناس المعاندين وأعيان المشركين خلقًا كثيرًا ولم نر مثل هذا المفتون في جهله وضلالته وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سمّاه: (جلاء الغمّة) * ورأيت حشوه من مسبّة دِين الله والصّدّ عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه وأئمة الهدى ما لم نرَ مثله للمويس وابن فيروز والقباني وأمثالهم، مِمَّن تجرّد لعداوة الدِّين ومسبّة مشايخ المسلمين، فابتدأ مصنِّفه بمسبّة الشّيخ وأنّ الله ابتلى به أهل نجد وجزيرة العرب، وأنّه كفر الأمّة عامّها وخاصّها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأنّ قوله يتناقض، وأنّه أخذ أموال المسلمين وجعلها فيئًا له ولعياله، وأنّ خطاب النَّبِيّ ﷺ ، وخطاب الموتى بطلب الشّفاعة وغيرها من المطالب ليس بشركٍ، ويستدلّ على ذلك بأحاديث موضوعة وحكايات مكذوبة، ويزعم أنّ مَن له الشّفاعة يوم
стр. 425
القيامة يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدّنيا ويسوغ التّوجّه إليه، وأنّ صاحب البردة قد أحسن وأصاب ويستدلّ من جهله على ذلك بأنّه رواها عن فلان وفلتان، وهيان ابن بيان، وابن حجر وأبي حيان، وغير ذلك من طوائف الشّيطان، ويرد بمثل هذا نصوص السّنة والقرآن، نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان. وكأنّ الرّجل من رجال الجاهلية الأولى لم يأنس بشيءٍ مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السّلف الصّالحون والأولياء، ويحتجّ على بطلان دعوة شيخنا بأنّ بلاده بلاد مسيلمة الكذّاب، ولم يدر أنّه عاب بذلك أهل الإسلام مَن سكن مصر والشّام والعراق والحرمين، وسائر البلاد الإسلامية التي سكنها مَن نازع الله في الرّبوبية والألهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة ... لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركة القول وفهاهة الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب، ما يوجب تشبيهه بسائمة الأنعام وثور الدّولاب. وقد حررت إليك بهذه البطاقة لتقرأها على الخاصّة والجماعة، وتنذر مَن سمع شيئًا من مقالته أن يغترّ بجهالته وضلالته، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيل﴾، [الأحزاب، من الآية: ٤]. وسلام على إخواننا الصّادقين ورحمة الله وبركاته.