النّبوّة، ومدار الأحكام عليهما، والعجب كلّ العجب أنّ حفظة القرآن وحملة الأحاديث والآثار ضلّوا عمّا هو محفوظ في صدورهم، متلوّ بألسنتهم، وطلبوا العلم من غيره فضلّوا وأضلّوا، فعليكم بطلب العلم النّافع لاسيما ما يُسْأَل عنه العبد في قبره: مَن ربُّك، وما دينك، ومَن نبيّك؟ اعرفوا تفاصيل هذا، ومعنى الرّبّ في هذا المحلّ، وتفقّهوا في هذه الأصول قبل أن تزلّ قدم وتزول. وأمّا الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والتّغافل عن ذلك لغرضٍ دنيويٍّ، وهوى نفساني، كما في حديث: "إنّ مَن كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرًا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها ويآكلونهم ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس"، فالاستئناس والمعاشرة مع القدرة على الإنكار هي عين المداهنة. قال الشّاعر:
وثمود لو لم يدهنوا في ربّهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار
وأمّا المداراة فهي درء الشّرّ المفسد بالقول اللّين، وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف شرّه أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. وفي الحديث: "شرّكم مَن اتقاه النّاس خشية فحشه". وعن عائشة ﵂ أنّه استأذن على النَّبِيّ ﷺ رجلٌ فقال: "بئس أخو العشيرة هو"، فلمّا دخل على النَّبِيّ ﷺ ألان له الكلام. فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: "إنّ الله يبغض الفحش والتّفحش". والمسألة تحتاج لبسط إذا جاء منيف نملي عليه إن شاء الله ما تيسّر.
وبلّغوا سلامنا إخوانكم وعيالكم ومنيفًا وابن عجيم. ولدينا الإمام وعيالنا طيّبون يبلّغون السّلام.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
стр. 422
- ١١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه المسائل سألنا عنها أهل نجد وأجاب عنها الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن:
الأولى: عمّا يحكم به أهل السّوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد، هل يطلق عليهم بذلك أنّهم كفّار بعد التّعريف أم يخصّ به واحد معلوم أم هم يمنعون من التّكفير معًا؟
الجواب: إنّ مَن تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله بعد التّعريف فهو كافر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، [المائدة، من الآية: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية، [النّساء، من الآية: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية، [النّحل، من الآية: ٣٦]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأمّا المعاملات في الدّيون؛
فالمسألة الأولى: رجل باع ربويًا بدارهم نسيئة والأجل بينهم حصاد الزّرع فلمّا حلّ الأجل عسرت الدّراهم على المبتاع وهو موسر بحبّ أو تمر، هل يحلّ للبائع أخذ الطّعام بسعر الدّراهم أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. والمذهب في ذلك المنع. وهو الذي عليه مشايخنا. وجوّز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية إذا لم يكن بينهما حيلة.
стр. 423
المسألة الثّانية: صفة الأوّل لكن المباع قهوة، هل يحلّ أخذ الطّعام بسعره مع عدم الدّارهم أم لا؟
الجواب: عن هذه المسألة جواب ما قبلها.
المسألة الثّالثة: هل يحلّ الدَّين في الصّمغ أم لا؟
الجواب: نعم. يجوز؛ لأنّه يضبط بالصّفة.
المسألة الرّابعة: إذا كان عند إنسانٍ طعام أو قهوة أو نحو ذلك، وأتاه رجل وقال له أعطنِي سعر ريال بريالين نسيئة، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: يصحّ بغير خلاف.
المسألة الخامسة: رجل قال لرجلٍ: اشتر لي هذه الدّابّة ونحوها بمثنٍ عاجلٍ وبعنيه بالمثلين آجل، هل يصحّ ذلك أم لا؟
الجواب: أنّ هذه المسألة مسألة العينة التي وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ فيها بتحريمها وأنّها عين الرّبا.
تَمَّت المسائل. نفع الله بها السّائل مسفر بن محمّد العجيلان، والمجيب الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن. سنة: ١٣٨٥ هـ.
- ١٢ -
صورة سؤال ورد على الشّيخ عبد اللّطيف ﵀.
أوصى عبد الله بن أحمد بثلث ماله تقربًا إلى الله وطلبًا للثّواب، وقفًا على أولاده ما تعاقبوا وتناسلوا، والوقف المذكور على أولاده لصلبه مِمَّن ينتسب إليه، وأوصى عبد الله المذكور بأنّ عثمان ابن ابنه أحمد داخل في وقف الثّلث له مثل ما لأبيه.
الجواب: أشرفت على ما ذكر باطن هذه الوصية، فرأيتها صحيحة
стр. 424
يشترك فيها أولاد الموصى لصلبه ذكرهم وأنثاهم، وما ذكر لعثمان ولد ولده صحيح، ينْزل منْزلة أبيه وأعمامه، ويقاسمهم حصتهم كما ذكره الموصي، ولا يحجب الأعلى منهم مَن دونه.
- ١٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن إلى الأخ محمّد بن عمير وفّقه الله تعالى لفعل الإيمان وقول الخير.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وصلتنا خطوطك ومنظومتك، والله المسؤول أن يَمُنَّ علينا وعليك بمعرفة الحقّ بدليله، والدّعوة إلى الله وإلى سبيله، وتعرف أنّا رأينا من أجناس المعاندين وأعيان المشركين خلقًا كثيرًا ولم نر مثل هذا المفتون في جهله وضلالته وشناعة معتقده ومقالته. وقد رأيت كتابه الذي سمّاه: (جلاء الغمّة) * ورأيت حشوه من مسبّة دِين الله والصّدّ عن سبيله، والكذب على الله وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه وأئمة الهدى ما لم نرَ مثله للمويس وابن فيروز والقباني وأمثالهم، مِمَّن تجرّد لعداوة الدِّين ومسبّة مشايخ المسلمين، فابتدأ مصنِّفه بمسبّة الشّيخ وأنّ الله ابتلى به أهل نجد وجزيرة العرب، وأنّه كفر الأمّة عامّها وخاصّها، وجعل من يبني المساجد ويرفع المنار مشركين أصليين، وأنّ قوله يتناقض، وأنّه أخذ أموال المسلمين وجعلها فيئًا له ولعياله، وأنّ خطاب النَّبِيّ ﷺ ، وخطاب الموتى بطلب الشّفاعة وغيرها من المطالب ليس بشركٍ، ويستدلّ على ذلك بأحاديث موضوعة وحكايات مكذوبة، ويزعم أنّ مَن له الشّفاعة يوم
стр. 425
القيامة يجوز دعاؤه وطلبه في هذه الحياة الدّنيا ويسوغ التّوجّه إليه، وأنّ صاحب البردة قد أحسن وأصاب ويستدلّ من جهله على ذلك بأنّه رواها عن فلان وفلتان، وهيان ابن بيان، وابن حجر وأبي حيان، وغير ذلك من طوائف الشّيطان، ويرد بمثل هذا نصوص السّنة والقرآن، نعوذ بالله من الجهل والحمق والخذلان. وكأنّ الرّجل من رجال الجاهلية الأولى لم يأنس بشيءٍ مما جاءت به الأنبياء، ولم يدر ما كان عليه السّلف الصّالحون والأولياء، ويحتجّ على بطلان دعوة شيخنا بأنّ بلاده بلاد مسيلمة الكذّاب، ولم يدر أنّه عاب بذلك أهل الإسلام مَن سكن مصر والشّام والعراق والحرمين، وسائر البلاد الإسلامية التي سكنها مَن نازع الله في الرّبوبية والألهية.
فيا ويحه إن لم تداركه توبة ... لسوف يرى للمجرمين مرافقا
وله من ركة القول وفهاهة الخطاب، وعدم المعرفة بقواعد الإعراب، ما يوجب تشبيهه بسائمة الأنعام وثور الدّولاب. وقد حررت إليك بهذه البطاقة لتقرأها على الخاصّة والجماعة، وتنذر مَن سمع شيئًا من مقالته أن يغترّ بجهالته وضلالته، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيل﴾، [الأحزاب، من الآية: ٤]. وسلام على إخواننا الصّادقين ورحمة الله وبركاته.
стр. 426
رسائل وفتاوى للشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ حسن بن الشّيخ حسين بن الشّيخ محمّد -رحمهم الله تعالى-:
- ١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهمّ على نعمك وآلائك، ونصلّي ونسلّم على خاتم رسلك وأنبيائك.
(من حسن بن حسين إلى الأخ إبراهيم بن عيدة)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛
فقد وصل الكتاب بطلب الجواب عن سؤالات ثلاثة، وهذا جوابها وقدمنا الجواب عن معنى الحديثين وإن تأخّر في السّؤال تعظيمًا لهما وإجلالًا.
السّؤال الأوّل: عن معنى قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار".
فالجواب: قال أبو الفرج ابن رجب في شرح الأربعين في الكلام على هذا الحديث: وقد اختلفوا هل بين اللّفظتين -أعنِي الضّرر والضّرار- فرق أم لا؟
فمنهم مَن قال: هما بمعنىً واحدٍ على وجه التّأكيد. والمشهور أنّ بينهما فرقًا، ثم قيل: إنّ الضّرر: الاسم، والضّرار: الفعل، فالمعنى: أنّ الضّرر نفسه منتفٍ في الشّرع، وإدخال الضّرر بغير حقٍّ كذلك.
وقيل: الضّرر أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع به هو، والضّرار أن يدخل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به؛ كمَن منع ما لا يضرّه ويتضرّره به الممنوع.
وقيل: إنّ الضّرر أن يضرّ بِمَن لا يضرّه، والضّرار أن يضرّ بِمَن قد أضرّ به بوجهٍ غير جائز.
وبكلّ حال فالنَّبِيّ ﷺ إنّما نفى الضّرر والضّرار بغير حقٍّ. فأمّا إدخال الضّرر على أحد بحقٍّ إمّا لكونه تعدّى حدود الله فيعاقب
стр. 427
بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعًا. وإنّما المراد إلحاق الضّرر بغير حقٍّ. وهذا على نوعين:
أحدهما: أن يكون في ذلك غرض سواء ضرر بذلك أو لا، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه. وقد ورد النّهي في القرآن عن المضارّة في مواضع؛
منها: الوصيّة، قال الله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، [النّساء، من الآية: ١٢]. والإضرار بالوصيّة يكون تارة بأن يخصّ بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي كتب الله له فيستضرّ بقية الورثة بتخصيصه. ولهذا قال النَّبِيّ ﷺ : "لا وصيّة لوارثٍ". وتارة بأن يوصي لأجنبِيّ بزيادة على الثّلث فينقص حقوق الورثة، ولهذا قال النَّبِيّ ﷺ : "الثّلث والثّلث كثير". ومتى أوصى لوارثٍ أو لأجنَبِيٍّ بزيادةٍ على الثّلث لم ينفّذ ما أوصى به؛ إلّا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد.
وأمّا إن قصد المضارة لأجنَبِيّ بالثّلث فإنّه يأثم بقصده المضارة، وهل ترد الوصية إذا ثبت ذلك بإقراره أم لا؟
حكى ابن عطيّة رواية عن مالك أنّها ترد، وقيل: إنّه قياس مذهب أحمد.
ومنها: الرّجعة في النّكاح، قال الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، [البقرة، من الآية: ٢٣١].
وقال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾، [البقرة، من الآية: ٢٢٨]. فدلّ ذلك على أنّ مَن كان قصده بالرّجعة المضارة فإنّه آثم بذلك.
ومنها: الإيلاء، فإنّ الله تعالى جعل مدّة الإيلاء للمولي أربعة أشهر إذا حلف على امتناع وطء زوجته؛ فإنّه يضرب له أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبة، وإن أصرّ على الامتناع لم يمكن من ذلك. ثم فيه قولان للسّلف والخلف:
أحدهما: أنّها تطلق عليه بمضي هذه
стр. 428
المدّة.
والثّاني: أنّه يوقف فإن فاء وإلّا أمر بالطّلاق.
ومنها: الرّضاع، قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، [البقرة، من الآية: ٢٣٣]. قال مجاهد: لا يمنع أمّه أن ترضعه ليحزنها بذلك. وقال عطاء وقتادة والسّدّي والزّهري وسفيان وغيرهم: إذا رضيت بما يرضى به غيرها فهي أحقّ به، وهذا هو المنصوص عن أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزّوج. وقيل: إن كانت الأم في حبال الزّوج فله منعها عن إرضاعه إلّا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها وهو قول الشّافعي وبعض أصحابنا. لكن إنّما يجوز ذلك إذا قصد الزّوج توفير الزّوجة للاستمتاع لا مجرّد إدخال الضّرر عليها.
ومنها: البيع، وقد ورد النّهي عن بيع المضطرّ، وقال حرب: سُئِلَ أحمد عن بيع المضطّر فكرهه. فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين. وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح العشرة خمسة فكره ذلك.
ومن أنواع الضّرر في الشّرع التّفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيرًا حرم بالاتّفاق، فإن رضيت الأم بذلك ففي جوازه اختلاف. ومسائل الضّرر في الأحكام كثيرة، وإنّما ذكر هذا على وجه المثال.
وأمّا النّوع الثّاني: أن يكون له غرض غير صحيحٍ؛ مثل: أن يتضرّر في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدّى ذلك إلى ضرر غيره أو يمنع غيره من الانتفاع في ملكه توفيرًا فيتضرّر الممنوع.
فأمّا الأوّل: فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصفٍ فيحترق ما يليه فإنّه متعدٍ بذلك وعليه الضّمان،
стр. 429
وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران:
أحدهما: لا يمنع من ذلك. وهو قول الشّافعي وأبي حنيفة وغيرهما.
والثّاني: المنع. وهو قول أحمد ووافقه مالك في بعض الصّور.
فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو أن يبنِي عاليًا ليشرف على جاره ولا يستره فإنّه يلزمه أن يستره، نصّ عليه أحمد. ووافقه طائفة من أصحاب الشّافعي. قال الرّويانِي منهم في كتاب الحلية: يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التّعفن في الفساد. قال وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشّمس والقمر. وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعًا حديثًا طويلًا في حقّ الجارية، وفيه: "ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الرّيح إلّا بإذنه".
ومنها: أن يحفر بئرًا بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماءها، فإنّها تطم في مذهب مالك وأحمد. وأخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تضارّوا في الحفر". وذلك أن يحفر الرّجل إلى جنب بئر الرّجل ليذهب بمائه.
ومنها: أن يحدث بما يضرّ بملك جاره من هزّ ودقّ ونحوهما، فإنّه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحد الوجوه للشافعية.
ومنها: أن يكون له ملك في أرض غيره ويتضرّر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنّه يجبر على إزالته ليدفع به ضرر الدّخول، وخرّج أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمّد بن عليّ أنّه حدّث عن سمرة بن جندب أنّه كان له عضيد من نخلٍ في حائط رجلٍ من الأنصار، ومع الرّجل أهله فكان سمرة يدخل إلى أهله فيتأذى به، ويشقّ عليه، فطلب إليه أن ينقله فأبى، فأتى النَّبِيّ ﷺ فذكر له ذلك، فطلب النَّبِيّ ﷺ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن
стр. 430
ينقله فأبى. قال: "فهبه لي ولك كذا وكذا "، أمرًا أرغبه فيه. قال: فقال: أنت مضارّ فقال النَّبِيّ ﷺ للأنصار: "اذهب فاقلع نخله". وقد روي عن أبي جعفر مرسلًا. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث: فما كان على هذه الجهة وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلّا أجبره السّلطان ولا يضرّ بأخيه في ذلك إذا كان من فعاله. وذكر حديثًا من نحوه، ثم قال: ففي هذا والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في شركة وعلى وجوب العمارة على الشّريك الْممتنع من العمارة وعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة. ومتى تعذرت القسمة بكون المقسوم يتضرّر بقسمته وطلب أحد الشّريكين البيع أجبر الآخر وقسم الثّمن. نصّ عليه الإمام أحمد وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة.
وأمّا الثّاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به، فإن كان ذلك يضرّ بِمَن انتفع بملكه فله المنع، وأمّا إن لم يضرّ به فهل يجب عليه التّمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا؟
فَمَن قال في القسم الأوّل: لا يمنع المالك من التّصرّف في ملكه، وإن أضرّ بجاره قال هنا للجار المنع من التّصرّف في ملكه بغير إذنه.
ومَن قال هناك بالمنع فاختلفوا ههنا على قولين:
أحدهما: المنع ههنا. وهو قول مالك.
والثّاني: أنّه لا يجوز المنع. وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره. ووافقه الشّافعي في القديم. وفي الصّحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره". قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله
стр. 431
لأرميَنّها بين أكتافكم. وقضى عمر بن الخطاب على محمّد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه. وقال: ليمرّن ولو على بطنك. وفي الإجبار على ذلك روايتان عن أحمد، ومذهب أبي ذرّ الإجبار على إجراء المال بأرض جاره إذا أجراه في قتاة في باطن أرضه. نقله عنه حرب الكرماني.
ومما ينهى عن منعه للضّرر الماء والكلأ، وذكر حديث أبي هريرة وغيره، ثم قال: وذهب أكثر العلماء إلى أنّه لا يمنع الماء الجاري والنّابع مطلقًا سواء قيل إنّ الماء لمالك أرضه أم لا؟
ومِمَّا يدخل في عموم قوله: "لا ضرر ولا ضرار"، أنّ الله لم يكلّف عباده ما يضرّهم البتة، فإنّ ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فسادهم في دينهم ودنياهم، لكنه ما يأمر عباده بشيءٍ هو ضارّ لهم في أبدانهم أيضًا، ولهذا أسقط الطّهارة بالماء عن المريض، وأسقط الصّيام عن المريض والمسافر، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام عمّا كان مريضًا أو به أذى من رأسه وأمره بالفدية.
ومِمَّا يدخل في عمومه أيضًا أنّ مَن عليه دَين لم يطالب به مع إعساره بل ينظر إلى حال يساره. انتهى كلام ابن رجب ملخّصًا في الفتح المبين في الكلام على هذا الحديث.
وينبنِي عليه - يعنِي على القاعدة المشهورة - أنّ الضّرر يزال في كثيرٍ من أبواب الفقه؛ كالرّدّ بالعيب، وجميع أنواع الخيار من إخلاف الوصف المشروط والتّعزير وإفلاس المشتري وغير ذلك، والحجر بأنواعه والشّفعة؛ لأنّها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود، والكفارات، وضمان المتلف، ونصيب الأئمة والقضاة، ودفع الصّائل، وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النّكاح بالعيوب أو الإعسار والقسمة. انتهى.
стр. 432
وقال عبد الرّحمن الحضرمي الشّافعي في شرح الأربعين في الكلام على هذا الحديث: فائدة: يؤخذ من هذا الحديث قاعدتان عظيمتان وهما: رعاية المصالح ودرء المفاسد، ويتفرّع منهما أيضًا قواعد أخرى كقولهم: الضّرر يزال، وقولهم: إذا ضاق الأمر اتّسع، والمشقّة تجلب التّيسير والضّرر يبيح المحظورات، وما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها، والضّرر لا يزال بالضّرر، وقولهم: يراعى أخف الضّررين، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، والحاجة، أو العامّة، أو الخاصّة تُنَزَّل مَنْزلة الضّرورة. وكلّ واحدةٍ من هذه القواعد لها فروع منتشرة في كتب الفقه لا يمكن حصرها. انتهى.
السّؤال الثّاني: ما معنى قوله ﵇: "الأرواح جنود مُجَّنَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"؟
فالجواب: قال النّووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: قوله ﷺ : "الأرواح جنود مُنَجَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". قال العلماء معناه: جموع مجتمعة وأنواع مختلفة.
أمّا تعارفها فهو لأمرٍ جبلها الله عليه، وقيل: إنّها موافقة صفاتها التي خلقها الله تعالى عليها وتناسبها في شبهها، وقيل: لأنّها خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها فمَن وافق قسيمه ألفه، ومَن باعده نافره وخالفه. قال الخطابي وغيره: تألّفها هو ما خلقها الله عليه من السّعادة والشّقاوة في المبتدأ، وخلقت الأرواح قمسين متاقبلين من ائتلافٍ واختلافٍ.
стр. 433
- ٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حسن بن حسين إلى الإخوان: جمعان بن ناصر، ومحمّد بن المبارك، ومَن معهم من الإخوان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل، وبه السّرور حصل حيث أفاد المحب عن طيب أحبابه، وصحّة أمور خلاصة أصحابه.
بعد؛
فيا أيّها الإخوان ألهمكم الله الصّبر والاحتساب، وأحسن لنا ولكم العزاء في المصاب، والحمد لله، على كلّ حالٍ. المأمول فيكم الصّبر والاحتساب والتّعزّي بعزاء الله تعالى، فقد قال بعض العلماء ﵀: إنّك لن تجد أهل العلم والإيمان إلّا وهم أقلّ النّاس انزعاجًا عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلّهم قلقًا عند النّوازل، وما ذاك إلّا لما أوتوا مِمّا حرمه الجاهلون، قال الله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، [البقرة الآيات: ١٥٥ - ١٥٧]. فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة، فإنّها تضمنت أصلين عظيمين إذا تحقّق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته:
أوّلًا: أنّ العبد وأهله وماله ملك لله تعالى، يتصرّف فيه كيف يشاء، جعله ﵎ عند عبده عارية والمعير مالك قاهر قادر، وهو محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد متعة معارة.
الثّاني: أنّ مصير العبد ومرجعه ومردّه إلى مولاه الحقّ
стр. 434
الذي له الحكم والأمر والأبدان يخلف ما خوله في هذه الدّار وراء ظهره، ويأتي فردًا بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ، ولكن بالحسنات والسّيّئات، ومَن هذه حاله لا يفرح بموجودٍ ولا يأسف على مفقودٍ، وإذا علم المؤمن علم يقين أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه المصيبة. وقد قيل:
ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
ولتعلمي أنّ المقدر كائن ... يجري عليك عذرت أو لم تعذري
ومن صفات المؤمن أنّه عند الزّلازل وقور، وفي الرّخاء شكور، ومما يخفّف المصائب بردّ التّأسي فانظروا يمينًا وشمالًا، وأمامًا ووراء فإنّكم لا تجدون إلّا مَن قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها ولم يبق إلّا التفاوت في عوض الفائت، نعوذ بالله من الخسران، ولو أمعن البصير نظره في هذا العالم جميعه لم ير إلّا مبتلى إمّا بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأنّ سرور الدّنيا أحلام ليل أو كظلٍّ زائلٍ، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن أحسنت حينًا أساءت دهرًا، جمعها إلى انصداع، ووصلها إلى انقطاع، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، حالها انتقال، وسكونها زلزال، غرّارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، ويكفي في هوانها على الله أنّه لا يعطي إلّا فيها، ولا ينال ما عنده إلّا بتركها، مع أنّ المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن وزيادة في درجاته، كما قال بعض السّلف: لولا مصائب الدّنيا وردنا الآخرة مفاليس، والرّبّ سبحانه لم يرسل البلاء لعبده ليهلكه ولا ليعذّبه، ولكن امتحانًا لصبره ورضاه عنه، واختبارًا لإيمانه،
стр. 435
وليراه طريحًا ببابه لائذًا بجنابه منكسر القلب بين يديه، فهذا من حيث المصائب الدّنيوية.
وأمّا ما جرى عليكم فأنتم به بالتهنئة أجدر من التّعزية، كيف وقد نالكم من الأذى والتّطريد كما نال الرّسل وأتباعهم، فهذا سيّد المرسلين غير خافٍ ما جرى عليه، وتطرق من الأذى إليه، فنسأل الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سنة أن يجعل لنا ولكم فيه أسوة حسنة، ولعمر الله إنّ مَن سلم دِينه فالمحن في حقّه منح، والبلايا عطايا، والمكروهات له محبوبات إلى غير ذلك.
وأمّا المصيبة والخطاب الأكبر والكسر الذي لا يجبر والعثار الذي لا يقال، فهي المصيبة في الدِّين كما قيل:
من كلّ شيءٍ إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض
وقد مضت عادة أحكم الحاكمين لِمَن أراد به خيرًا وإمامة في الدِّين أن يقدّم له الابتلاء بين يدي ذلك. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾، [السّجدة: ٢٤].
خاتمة: روى الإمام أحمد والطّبرانِي عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "طوبَى للغرباء"، قلنا: ومَن الغرباء؟ قال: "قوم صالحون قليل في قومٍ سوءٍ كثيرٍ مَن يعصيهم أكثر مِمَّن يطعيهم". وفي لفظٍ: قيل: ومَن الغرباء؟ قال: "الفرّارون بدِينهم يبعثهم الله مع عيسى بن مريم ﵇". كذا ورد في بعض طرق الحديث المشهور. وعن ابن مسعود قال: سَمِعت رسول الله ﷺ يقول: "سيأتي النّاس زمان لا يسلم لذي دِينٍ دِينُهُ إلّا مَن فرَّ بدِينه من قريةٍ إلى قريةٍ، ومِن شاهقٍ إلى
стр. 436
شاهقٍ، ومِن جحرٍ إلى جحرٍ كالثّعلب". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا لم تنل المعيشة إلّا بمعاصي الله" الحديث. وروى الطّبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ لكلّ شيءٍ إقبالًا وإدبارًا، وإنّ لهذا الدِّين إقبالًا وإدبارًا، وإنّ من إدبار الدِّين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني به، ومن إقبال الدِّين أن تفقه القبيلة بأسرها حتّى لا يوجد فيها إلّا الفاسق والفاسقان، فهما مقهوران ذليلان إن تكلّما قمعا وقهرا واضطهدا، ألا وإنّ من إدبار الدِّين أن تجفو القبيلة بأسرّها حتّى لا يوجد فيها إلّا الفقيه والفقيهان، فهما مقهوران ذليلان إن تكلّما فأمرا بمعروفٍ أو نهيا عن منكرٍ قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على الحقّ أعوانًا ولا أنصارًا". إلى غير ذلك مما لا تتّسع لذكره هذه الورقة. وما أحسن ما قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
قد عرف المنكر وأنكر الـ ... معروف في أيّامنا الصّعبه
صار أهل العلم في وهدة ... وصار أهل الجهل في رتبه
فقلت للأبرار أهل التّقى ... والدِّين لما اشتدّت الكربه
لا تنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربه
يشير إلى قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا" الخ.
وصلّى الله على محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
стр. 437
- ٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمد الله على نعمه وآلائه، وأصلّي وأسلّم على خاتم رسله وأنبيائه.
من حسن بن حسين إلى الأخ راشد بن مبارك أولاه الله من نعمه وبارك.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإن تسأل عنِّي فأحمد إليك الله، وأشكره كما شكره الأواه، بخيرٍ وعافية، ونعم وافيه، وقد سألت رحمك الله عن مسألتين والخاطر مشغول، وقد آن بحمد الله أن نشرع في الجواب:
المسألة الأولى: قوله ﷺ في حديث أبي ثعلبة: "وللعامل منهم أجر خمسين". قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". كيف ساووا الصّحابة ﵃ وهم أفضل النّاس ولن يبلغ من بعدهم أدنى درجة من درجاتهم.
فالجواب -وبالله التّوفيق-: اعلم أوّلًا أنّ هذا الحديث المشار إليه خرجه أبو داود والتّرمذي وابن ماجه من طريق عتبة بن حكيم عن عمرو بن حارثة عن أبي أمية الشّعباني عن أبي ثعلبة الخشنِي ﵃ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، [المائدة، من الآية: ١٠٥]. أمّا والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متّبعًا ودنيا مؤثّرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا بدّ لك منه -وفي بعضها لا يدان لك به- فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، فإنّ وراءكم أيّام الصّبر، فمَن صبر فيهن كان كَمَن قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله". قالوا: يا رسول الله أجر خمسين
стр. 438
منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". وعتبة هذا قال الحافظ المنذري في مختصر السّنن لأبي داود هو: العبّاس بن أبي حكيم الهمدانِي الشّامي، وثّقه غير واحدٍ، وتكلّم فيه غير واحدٍ.
قلت: وقد حكم التّرمذي على هذا الحديث أنّه حسن غريب.
إذا عرفت ذلك فالمعنى الذي لأجله استحقّ الأجر العظيم والثّواب، وساوى فضل خمسين من الصّحاب، إنّما هو لعدم المعاون والمساعد على ما ذكره الحافظ أبو سليمان الخطابي، وأبو الفرج عبد الرّحمن بن رجب وغيرهما، فالمستقيم على المنهج السّويّ، والطّريق النّبويّ عند فساد الزّمان، ومروج الأديان غريب، ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع، وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التّغيير في الدِّين والتّبديل، واتّباع الهوى والتّضليل، وفقد المعين، وعزَّ مَن تلوذ به من الموحِّدين، وصار النّاس كالشّيء المشوب، ودارت بين الكلّ رحى الفتن والحروب، وانتشر شرّ المنافقين، وعيل صبر المتّقين، وتقطعت سبل المسالك، وترادفت الضّلالات والمهالك، ومنع الخلاص، ولات حين مناص. فالموحِّد بينهم أعزّ من الكبريب الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا راعٍ، ولا قابل لما يقول ولا واعٍ، وقد نصبت له رايات الخلاف، ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزر العيون، وأتاه الأذى من كلّ منافقٍ مفتونٍ، واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام، وعراه من الانثلام والانفصام، والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره، ومع هذا كلّه فهو على الدِّين الحنيف مستقيم، ولحجج الله وبراهينه مقيم. فبالله قل لي
стр. 439
هل يصدر هذا إلّا عن يقين صدقٍ راسخٍ في الجنان، وكمال توحيدٍ وإيمانٍ، وصبر ورضا وتسليم لما قدره الرّحمن، وقد وعد الله الصّابرين الثّواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، [الزّمر، من الآية: ١٠].
وقد قال بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- مَن اتّبع القرآن والسّنة وهاجر إلى الله بقلبه واتّبع آثار الصّحابة لم يسبقه الصّحابة إلّا بكونهم رأوا رسول الله ﷺ . اهـ. وفي ذلك الزّمان فالكلّ له أعوان وأخوان ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المدينِي -رحمه الله تعالى- كما ذكره عنه ابن الجوزي في كتاب صفوة الصّفوة: ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد بن حنبل، قيل: يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصّدّيق؟ قال: إنّ أبا بكرٍ الصّدّيق ﵁ كان له أصحاب وأعوان وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. اهـ.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بدا الإسلام غريبًا وسيعود غربيًا كما بدأ فطوبى الغرباء". قيل: يا رسول الله: ومَن الغرباء؟ قال: "النّزاع من القبائل". ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي. وعنده قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد النّاس". ورواه غيره. وعنده قال: "الذين يفرّون بدِينهم من الفتن".
ورواه التّرمذي عن كثيرٍ عن عبد الله المزني عن أبيه عن جدّه عن النَّبِيّ ﷺ بلفظٍ: "الذين يصلون ما أفسد النّاس من سنتِي". ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص. ورواه الطّبراني من حديث عبد الله بن عمر عن النَّبِيّ ﷺ قال: "طوبى للغرباء". قيل: ومَن الغرباء؟ قال: "قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير مَن يعصيهم أكثر مِمَّن يطيعهم". قال الأوزاعي في تفسيره:
стр. 440
أمّا أنّه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السّنة حتّى ما يبقى في البلد منهم إلّا رجلٌ واحدٌ أو رجلان. رواه البخاري عن مرداس السّلمي ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : "يذهب الصّالحون الأوّل فالأوّل ويبقى حثالة كحثالة الشّعير أو التّمر لا يباليهم الله باله". وكان الحسن البصري يقول لأصحابه: يا أهل السّنة ترفقوا - رحمكم الله - فإنّكم من أوّل النّاس، وقال يوسف بن عبيد ليس شيء أغرب من السّنة، وأغرب منها من يعرفها.
وروى أبو القاسم الطّبراني وغيره بإسنادٍ فيه نظر من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتمسّك بسنّتِي عند اختلاف أمّتِي له أجر شهيدٍ".
وروى مسلم في صحيح عن معقل بن يسار أنّ رسول الله ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إلِيَّ". وعن الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: لو أنّ رجلًا من الصّدر الأوّل بعث ما عرف من الإسلام شيئًا إلّا هذه الصّلاة، ثم قال: أمّا والله لئن عاش على هذه المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعوا إلى بدعته وصاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله، وقلبه يحن إلى ذلك السّلف ويتّبع آثارهم ويستنّ بسنّتهم ويتّبع سبيلهم كان له أجرٌ عظيمٌ.
وروى المبارك بن فضالة أحد علماء الحديث بالبصرة عن الحسن البصري أنّه ذكر الغني المترف الذي له سلطان يأخذ المال ويدّعي أنّه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضّال الذي خرج على المسلمين، وتأوّل ما أنزل الله في الكفّار على المسلمين ثم قال: سنّتكم والله الذي لا إله إلّا هو بينها وبين الغالي والجافي والمترف والجاهل فاصبروا عليها. فإنّ أهل السّنة كانوا أقلّ النّاس الذين لم يأخذوا مع أهل الأتراف في أترافهم ولا مع أهل البدع أهواءهم وصبروا على سنّتهم حتّى أتوا ربّهم فكذلك فكونوا إن شاء الله، ثم قال: والله لو أنّ رجلًا
стр. 441
أدرك هذه المنكرات يقول هذا هلم إليّ، ويقول هذا: هلم إليّ، فيقول: لا أريد إلّا سنة محمّد ﷺ يطلبها ويسال عنها أنّ هذا له أجرٌ عظيمٌ، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى، وعن مورق ﵀ قال المتمسّك بطاعة الله إذا جنب النّاس عنها كالكارّ بعد الفارّ. قال أبو السّعادات بن الأثير في النّهاية: أي: إذا ترك النّاس الطّاعات ورغبوا عنها كان المتمسّك بها له ثواب كثواب الكارّ في الغزو بعد أن فرّ النّاس عنه.
فصل: ولنذكر طرفًا مما في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إذ له تعلّق بما تقدّم. قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، [آل عمران: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، [آل عمران: من الآية: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، [التّوبة، من الآية: ٧١].
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، [المائدة الآيتان: ٧٨ - ٧٩].
وقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، [الأعراف، من الآية: ١٦٥]. والآيات في هذا الباب كثيرة.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبِيٍّ بعثه الله في أمّةٍ قبلي إلّا كان له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره ثم إنّها تخلف من بعدهم خلوف يقولون
стр. 442
ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان وزن خردل من إيمانٍ".
وقد روى الإمام أحمد عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمّتي عمّهم الله بعذابٍ من عنده". فقلت: يا رسول الله! أمّا فيهم يومئذٍ صالحون؟ قال: "بلى". قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب النّاس ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ".
وروى البخاري عن زينب بنت جحش قالت: قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: "نعم. إذا كثر الخبث".
وروى التّرمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
وروى الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي والنّسائي من حديث عمرو بن مرّة عن سالم عن أبي الجعد عن أبي عيبدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ مَن كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه النّاهي تعزيرًا فإذا كان الغد جالسه وآكله وشاربه، كأنّه لم يره على خطيئةٍ بالأمس، فلمّا رأى الله ذلك منهم ضرب بلقوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيّهم داود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، [البقرة، من الآية: ٦١، وآل عمران، من الآية: ١١٢، والمائدة، من الآية: ٧٨].
والذي نفس محمّد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السّفيه، ولتأطرنه على الحقّ إطرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضًا ثم يلعنكم كما لعنهم".
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ فأقبل
стр. 443
علينا بوجهه، وقال: "يا معاشر المهاجرين خمس خصال - وأعوذ بالله أن تدركوهن - ما ظهرت الفاشحة في قومٍ حتّى أعلنوها إلّا ابتلاهم الله بالطّواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نص قومٌ المكيال والميزان إلّا ابتلوا بالسّنين وشدّة المؤنة وجور السّلطان، وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قومٌ العهد إلّا سلّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلّا جعل بأسهم بينهم".
وروى البخاري عن النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا في سفينة فصار لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم يؤذ مَن فوقنا فتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا". قال النّووي: القائم في حدود الله معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما نهى الله عنها والأحاديث في هذا كثيرة، قد أفردنا لها رسالة وجمعنا فيها جميع ما ورد، ونقصنا سائر ما شرد. ولله الحمد، فلتراجع.
المسألة الثّانية: سألت عن قول الجدّ ﵀ في ثمان الحالات كما جرى لسعد مع أمّه ما الذي جرى لسعد مع أمّه؟
فالجواب: سعد هو: ابن أبي وقاص، أحد الشعرة المبشّرين بالجنة ﵁. وأمّه: حمنة بنت أبي سفيان بن أبي أمية، وقصته معروفة. قال الحافظ الطّبرانِي: حدّثنا أحمد بن أيوب بن راشد حدّثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن سعد ﵁ قال: كنت بارًّا بوالدتِي فقالت لي أمِّي:
стр. 444
يا سعد! ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دِينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب ولا أستظلّ حتى أموت فتعير بي، ويقال: قاتل أمّه. فقلت: لا تفعلي يا أمّه؛ فإنِّي لا أدع هذا لشيءٍ. فمكثت يومًا وليلةً لم تأكل ولم تشرب ولم تستظلّ فأصبحت وقد اشتدّ جهدها فمكثت يومًا آخر وليلةً لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها، فقلت: يا أمّه والله لو كان لكِ مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت دِينِي هذا لشيءٍ؛ فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فأكلت. رواه مسلم في صحيحه. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب حدّثنا الحسن بن موسى حدّثنا زهير حدّثنا سماك بن حرب حدّثني مصعب بن سعد عن أبيه فذكره بنحو هذا السّياق. وفيه: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أوجروها فنَزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ الآية، [الأحقاف، من الآية: ١٥].
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
- ٤ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مانح الهداية والتّوفيق، والصّلاة والسّلام على محمّدٍ الهادي إلى أوضح طريق.
(من حسن بن حسين إلى الأخ إبراهيم بن عبيد)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وتضمن السّؤال عن مسائل:
الأولى: في المرأة إذا جهّزها أبوها بجهاز إلى بيت زوجها هل تمكله بنقله أو لا تملكه؟
فالجواب: أنّها تملكه بذلك. قال في المغني في (باب الهبة): فرع
стр. 445
ما جهّزت به المرأة إلى بيت زوجها من مالها، أو مال أمّها، أو أبيها يكون ليس لواحدٍ منهما ولا غيرهما أخذه ولا شيء منه. وقال في الإقناع: وتنعقد بإيجاب وقبول وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدلّ عليها فتجهيز ابنته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها. انتهى.
وقال في الإنصاف في كتاب البيع: وتجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تميلك لها. انتهى.
فعلى هذا، إذا أرادت أمّها أن تأخذ منه شيئًا لم يكن لها ذلك، وإن أراد الأب الرّجوع لأجل التّسوية بين أولاده كما ذكرت في السّؤال فلا مانع له بشرطه، وهو أن لا يتعلّق به حقّ غير أو رغبة نحو أن يتزوّج الولد أو يفلس أو يفعل ما يمنع التّصرّف مؤبّدًا أو مؤقّتًا. فإن تعلّق به شيء مما ذكر؛ فإنّه لا يرجع. اختاره المصنّف وابن عقيل والشّيخ تقيّ الدّين، وهو مذهب مالك. لأنّ في رجوعه إبطال حقّه يؤيّده قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". كذا علّلوا. هذا الذي يظهر لنا. والله أعلم.
الثّانية: ما المعتمد عليه من أقوال الفقهاء في رجوع الأمّ فيما أعطت ولدها، وهل هي كالأب أم لا؟
فالجواب: الخلاف في هذه المسألة مشهور في مذهب أحمد وغيره. ومذهب المتأخّرين من أصحابه أنّ الأم لا رجوع لها. قال في الإنصاف: وهو الصّحيح من المذهب نصّ عليه. وقيل: هي كالأب. اختاره المصنّف والشّارح. انتهى. وبه قال الشّافعي، والذي يترجّح هو الأوّل؛ لأنّ النّصّ إنّما ورد في الأب دون الأم، فقصره على مورده أولى. ولا يصحّ قياس الأم على الأب؛ لأنّ للأب ولاية ولده، ويحوز جميع المال في الميراث بخلاف الأم.
стр. 446
الثّالثة: متى تردّ شهادة الشّاهد هل تردّ بجرحه قبل تحمل الشّهادة وقبل أدائها، أو تردّ شهادته بما جرحه قبل التّحمّل وقبل الأداء؟
فالجواب: أنّه متى وجد الجرح المؤثّر سواء كان قبل التّحمّل أو بعده إذا كان قبل الأداء ردّت به شهادة الشّاهد إلّا أن يجرح بجرح سابق قد تاب منه قبل تحمّل الشّهادة؛ فإنّه لا يضرّ والحالة هذه. لأنّ التّوبة ماحية لما قبلها.
الرّابعة: هل تقدم شهادة الجرح على شهود التّعديل أو بالعكس؟
فالجواب: قال في المقنع: وإن عدّله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى. قال في الإنصاف: هذا بلا نزاع. انتهى. ومراده في المذهب. وهو مذهب الشّافعي، وأبي حنيفة؛ لأنّ الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدِّل، فوجب تقديمه؛ لأنّ التّعديل يتضمن ترك الذّنب والمحارم، والجارح مثبت لوجود ذلك، والإثبات مقدّم على النّفي. قاله في المغني. لكن قال في حاشية الإقناع: وإن قال الذين عدلّوه: ما جرحاه به قد تاب منه قدم التّعديل؛ لأنّ بيّنته ناقلة. وكذا إذا عصى في بلد فانتقل عنه فجرحه اثنان في بلده وزكاه اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدم التّزكية. انتهى. فاعلم ذلك.
الخامسة: إذا أعطى إنسان بعض ورثته جميع ماله، وهو صحيح فقبض المعطى وتصرّف فيه برهنٍ أو هبةٍ أو غير ذلك، ثم مات المعطي فقام الوارث الذي منع من الإرث فلم يبق له شيء من مال مورثه لكونه صار في يد المعطى كلّه فطالبه وقد تعلّقت به حقوق النّاس ما الحكم في ذلك؟
стр. 447
فالجواب: إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصّحّة وفضلهم على الآخرين أو خصّهم وقبض المعطى العطية ومات الوالد ولم يرجع في عطيته فإنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومالك والشّافعي وأصحاب الرّاي وأكثر العلماء إلى أنّه ليس لهم الرّجوع؛ لأنّها صارت لازمة في حقّ المعطى بانتقالها إليه في حياة المعطي واتّصل بها القبول والقبض، قالوا: والإثم على الوالد المفضل بينهم. وعن أحمد رواية ثانية: أنّها لا تثبت وللباقين الرّجوع. اختارها ابن بطة وأبو الوفاء ابن عقيل والشّيخ تقيّ الدّين الذي ذكره عنهم صاحب الإنصاف. وروي عن عروة بن الزّبير وإسحاق بن راهويه. فعلى هذه الرّواية الأخيرة إمّا أن تردّ، وإمّا أن تحسب عليه من ميراثه. قال الوالد والعمّ عبد الله في جوابهما للعماني: وهذا القول أقرب إلى الدّليل وأحوط. والله أعلم. انتهى. لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب واستمرّت عليه الفتوى مذهب الجمهور.
السّادسة: رجل باع لآخر تمرًا وقت جذاذ النّخل بدراهم حالة، ولم يكن عند المشتري دراهم يوفيه منها, ونيّة البائع عند بيع الثّمرة طمع في معاملته، فلمّا جاء وقت ثوار الزّرع ما أعطاه المشتري وعجز عن الدّراهم ولم يكن عند البائع دراهم يسلّمها عليه فاستقرض دراهم وأسلمها عليه بآصع بر أو شعير فغاب بها قدر نصف يومٍ أو يوم ثم ردّها المسلم على مَن أقرضه إيّاها، وربّما كانت أمانة عند المسلم أخذها بغير إذن صاحبها فأسلمها على مَن اشترى منه التّمر بعيش ثمّ ردّها عليه وردّها المسلم مكانها حيث أخذ فكأنّه قلب ثمن التّمر الذي في ذمّته بعيش، هل تصحّ هذه الصّورة أم لا؟
стр. 448
فالجواب: قد علمت أنّ قلب الدَّين على المعسر لا يجوز؛ لأنّه إنّما قلبه عليه لعجزه عن الوفاء فكأنّه حيلة، فإن كان هذا المسؤول عنه مليئًا ولم يكن المسلم شرط عليه الوفاء بها، فإذا قبضها البائع وذهب بها إلى بيته قدر اليومين أو الثّلاثة وتملّكها تملكًا تامًّا بحيث يتصرّف فيها بما شاء فلا بأس أن يوفيه بها عمّا في ذمّته له من الدّراهم وكونها قرضًا لا يضرّ، وأمّا إن كان أخذها من أمانته بغير إذن صاحبها فإنّه لا يصح. اللهم إلّا أن يعلم منه الرّضا بذلك. هذا ما ظهر لنا. والله أعلم.
السّابعة: رجل له أرض فقال مَن أراد أن يبني له فيها دارًا يسكنها هو وأولاده ويكريها إن احتاج؛ فإذا أراد الانتقال عنها فليأخذ خشبه وأبوابه ولا يبيع ولتعد إلى أرضي فجاء إنسان فبنى في أرضه المذكورة فأخبر بعضهم بذلك الشّرط، وبعضهم سكت عنه مستكفيًا بما قال أوّلًا فبنا فيها أناس كثير وسكنوا فيها مدّة من الدّهر وتصرّفوا بنحو رهن وكراء، وبعضهم منذ عشرين سنة وبعضهم منذ عشر سنين، وبعضهم منذ خمس سنين، ثم بعد ذلك مات ربّ الأرض الذي أذن في سكناها، فهل يكون إذنه في عمارتها والسكنى فيها هبة لا رجوع فيها أو هبة بشرط الرّجوع؟ ومع عدمه لا ترجع أو ملحقة بالعارية فإن قلتم: ترجع على ربّها فإذا قال ساكنها: أعطني قيمة الخشب والأبواب وأتركها لك فأبى صاحب الأرض دفع القيمة، فهل يلزم به؛ لأنّه أذن له في إشغال ملكه بالخشب والأبواب التي في ملكه أو يؤمر بقلعه؟
فالجواب: أنّ هذه فيما يظهر من سؤالكم ملحقة بالعارية، ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح الكبير في أوّل باب العارية ملخّصًا حتّى يتبيّن لك الصّواب. قال فيه:
стр. 449
باب العارية: وهي إباحة الانتفاع بعينٍ من أعيان المال وتنعقد بكلّ لفظٍ وفعلٍ يدلّ عليه، وهي هبة منفعة تجوز في كلّ المنافع إلّا منافع البضع، وتجوز مطلقة ومؤقتة، وللمعير الرّجوع فيها متى شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال مالك: إن كانت مؤقتة فليس له الرّجوع قبل الوقت، وإن لم يوقت مدّة لزمه تركه مدّة ينتفع بها في مثلها؛ لأنّ المعير قد ملكه المنفعة مدّة وصارت العين في يده بعقدٍ مباحٍ، فإن شغله بإذنه في شيء يستضرّ المستعير برجوعه لم يجز له الرّجوع. مثل: أن يعيره سفينة لحمل متاعه لم يجز له الرّجوع ما دامت في لجة البحر، وله الرّجوع قبل دخولها في البحر، وبعد خروجها منه لعدم الضّرر. وإن أعاره أرضًا للدّفن لم يرجع حتّى يبلى الميّت، وله الرّجوع فيها قبل الدّفن، وإن أعاره حائطًا ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه، فإن سقط عنه بهدم أو غيره لم يملك ردّه، وإن أعاره أرضًا للزّرع لم يرجع إلى الحصاد، إلّا أن يكون مما يحصد قصيلًا فيحصده. وإن أعارها للغرس أو البناء وشرط عليه القلع في وقت أو عند رجوعه ثم رجع لزمه القلع. لقول النَّبِيّ ﷺ : "المؤمنون على شروطهم". حديث صحيح. وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافًا.
فأمّا تسوية الحفر فإن كان مشروطًا عليه لزمه لما ذكرنا، وإلّا لم يلزمه، وإن لم يشرط المعير القلع لم يلزم المستعير لما فيه من الضّرر، فإن ضمن له النّقص لزمه، فإن قلع فعليه تسوية الأرض، وكذلك إن اختار أخذ بنائه وغراسه فإنّه يملكه، فإن أبى القلع في الحال التي لا يجبر عليها فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير قهرًا عليه؛
стр. 450
كالشّفيع مع المشتري، والمؤجّر مع المستأجر، فإن قيل: المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يلزم المعير. وبهذا كلّه قال الشّافعي. وقال أبو حنيفة: يطالب المستعير بالقلع من غير ضمانٍ إلّا أن يكون أعاره مدّة معلومة فرجع قبل انقضائها؛ لأنّ المعير لم يعره، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النّقص وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجرة لم يقلع، ثم إن اتّفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها وبنائها ودفع إلى كلّ واحدٍ منهما قدر حقّه، وإن أبيا البيع ترك بحاله وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا حتّى تتّفقا. اهـ المقصود ملخصًّا. فتأمّله يستبين لك منه الجواب عن سؤالك ولاسيما قوله: وإن أعارها للغراس أو البناء إلى آخره.
المسألة الثّامنة: إذا كان نهر بين قومٍ لكلٍ منهم فيه نصيب وأراد أحدهم بيع نصيبه من النّهر المذكور هل يصحّ أم لا؟
فالجواب: جواز بيعه مبنِيّ على ملك الماء وعدمه، والصّحيح أنّ الماء يملك بالعمل فيه لا نفس النّبع؛ فإنّه لا يملك إذا لم يكن قد نبع في ملكه، والعمل هو احتفار السّواقي وإصلاحها وبعث الآبار وعمارتها فبهذا تكون مملوكة.
ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح ملخّصًا، قال فيه: أمّا الأنهار النّابعة في غير ملك؛ كالأنهار الكبار فلا تملك بحالٍ، ولا يجوز بيعها ولو دخل إلى أرض رجلٍ لم يملكه بذلك كالطّير يدخل في أرضه، ولكلّ أحدٍ أخذه ويملكه إلّا أن يحفر منه ساقيه فيكون أحقّ بها من غيره.
وأمّا ما ينبع في ملكه كالبئر والعين المستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض والماء الذي فيها غير مملوك في ظاهر المذهب.
стр. 451
وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشّافعي، والوجه الآخر يملك؛ لأنّه نماء الملك، وقد روي عن أحمد نحو ذلك. فإنّه قيل له في رجلٍ له أرض ولآخر ماء يشترك صاحب الماء وصاحب الأرض وصاحب الزّرع يكون بينهما. فقال: لا بأس. اختاره أبو بكر. وهذا يدلّ من قوله على أنّ الماء مملوك أصحابه، وجواز بيع ذلك مبنِيّ على ملكه. قال أحمد: لا يعجبنِي بيع الماء البتة. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن قومٍ بينهم نهر تشرب منه أرضوهم لهذا يوم، ولهذا يومان، فيتّفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدارهم؟ قال: ما أدري. أمّا النَّبِيّ ﷺ فنهى عن بيع الماء. قيل له: إنّه ليس بيعه إنّما يكريه. قال: إنّما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيءٍ هذا إلّا البيع؟!
وروى الأثر بإسناده عن جابر أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الماء. وروى أبو عبيد والأثرم أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "المسلمون شركاء في ثلاثة: الكلأ والنّار والماء".
فإن قلنا: يملك جاز بيعه، وإن قلنا: لا يملك فصاحب الأرض أحقّ به من غيره لكونه في ملكه. والخلاف في بيع ذلك إنّما هو قبل حيازته.
فأمّا ما يحوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن، فإنّه يملكه بذلك بغير خلافٍ بين أهل العلم. وليس لأحد أن يشرب منه ولا يأخذ ولا يتوضّا إلّا بإذن مالكه؛ لأنّه ملكه. قال أحمد: إنّما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره. ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحقّ بمائها. ثم ذكر حديث بئر رومة. وقال: بعد ذكره: وفي هذا دليل على صحّة بيعها وتسبيلها وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها بالمهايأة، وكون مالكها أحقّ بمائها وجواز قسمة ما فيه حقّ وليس مملوك.
فأمّا المصانع المتّخذة
стр. 452
لمياه الأمطار تجمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أن يملك ماؤها ويصحّ بيعه؛ لأنّه مباح حصل بشيءٍ معدّ له فملكه؛ كالصّيد يحصل في شبكةٍ، والسّمك في بركة معدّة له، ولا يحلّ أخذ شيء منه بغير إذن مالكه، وكذلك إن أجرى من نهرٍ غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقرّ الماء فيها لا يخرج منها فحكمه حكم مياه الأمطار تجتمع في البركة قياسًا عليه. اهـ كلامه ملخّصًا. وقد عرفت ما قدمناه. والحمد لله وحده وصلّى الله على خير خلقه؛ محمّدٍ وآله ورضي عن صاحبته والتّابعين.
[فوائد]
فائدة: لا يجوز أن يجمع مع البيع ستة عقود ونظمها بعضهم فقال:
عقود منعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللّفظ جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقّق
فالجيم للجعل، والصّاد للصّرف، والميم للمساقاة، والشّين للشّركة، والنّون للنّكاح، والقاف للقرض. اهـ.
فائدة: قال في شرح الإقناع: ويكره زلزلة الكيل عند القبض لاحتمال زيادة الواجب. قال في شرح المنتهى: لأنّ الرّجوع عند الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم يعهد فيها. اهـ. وفيه نظر، بل عهد ذلك في بعض الأشياء فعليه لا يكره فيها كالكشك. اهـ.
فائدة: قال في حاشية المنتهى: قال في الإنصاف: ولا يضمن إذا استعاره وتلفت بغير تفريطه ككتب العلم وغيرها على ظاهر كلام أحمد والأصحاب. قاله في الفروع.
فائدة: ذكر في الإنصاف في باب طريق الحكم وصفته عند قول المصنّف: ومَن كان له على إنسان حقّ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على
стр. 453
مال أخذه. أنّ محلّ الخلاف إذا لم يكن الدَّين الذي في ذمّته قد أخذه فهرًا، فأمّا إن كان قد غصب ماله فيجوز له الأخذ بقدر حقّه. ذكره الشيخ تقيّ الدّين وغيره، وقال: ليس هذا من هذا الباب. انتهى. وجزم باختيار الشّيخ في الإقناع.
مسألة: إذا غارس رجل رجلًا في أرضٍ، على أن يغرس فيها قدرًا معلومًا من النّخل والنّخل من العامل وينفق عليه العامل حتّى يثمر، ثم يقتسمان النّخل والأرض، هل يصحّ ذلك؟ أم لا يصحّ إلّا على أنّ الأرض لربّها والنّخل بينهما؟ أو تصحّ في الصّورتين كما أفتى به أبو العبّاس رحمه الله تعالى؟
فالجواب: قال في الشّرح: لو دفع أرضه إلى رجلٍ يغرسها على أنّ الشّجر بينهما لم يجز، ويحتمل الجواز بناء على المزارعة، فإنّ الزّارع يبذر في الأرض فيكون بينه وبين صاحب الأرض. وهذا نظيره.
فأمّا إن دفعها على الأرض والشّجر بينهما، فذلك فاسد وجهًا واحدًا. وقال الشّيخ -قدّس الله روحه-: المذهب صحّته. وبه قال مالك والشّافعي وأبو يوسف ومحمّد ولا نعلم فيه مخالفًا. انتهى. وكذا قال أبو محمّد في المغني، وعلّله بأنّه شرط اشتراكهما في الأصل ففسد كما لو دفع إليه الشّجر والنّخل ليكون الأصل والثّمر بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزّرع بينهما. انتهى. وقال في الإنصاف: واختار الشّيخ جواز المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه بجزءٍ معلومٍ من الشّجر أو الثّمر كالمزارعة. وذكر أنه هو المذهب. قال: ولو كان مغروسًا، ولو كان ناظر وقفٍ وأنّه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف بلا حاجة. وأنّ للحاكم الحكم بلزومها ومحلّ النِّزاع فقط والحكم به من جهة عوض المثل، ولو لم يقم به بيّنة؛ لأنّه الأصل. ويتوجّه
стр. 454
اعتبار بيّنة. وقال في التّوضيح: وإن ساقاه على شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتّى يثمر بجزءٍ معلومٍ من الثّمر أو من الشّجر أو منهما، وهي المغارسة والمناضبة صحّ إن كان الغرس من ربّ الأرض، وقيل: يصحّ حكونه مساقًا ومناضبًا وعليه العمل. انتهى.
وقال في الرّوض المربع: ولا يشترط في المزارعة والمغارسة كون البذر والغراس من ربّ الأض، فيجوز أن يخرج العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونصّ عليه في روايةٍ منها، وصحّحه في المغني والشّرح. واختاره أبو محمّد الجوزي والشيخ تقيّ الدين، وعليه عمل النّاس؛ لأنّ الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النَّبِيّ ﷺ أنّ البذر على المسلمين، وظاهر المذهب اشتراطه. نصّ عليه في رواية الجماعة، واختاره عامّة الأصحاب. وقدّمه في التّنقيح وتبعه المصنّف في الإقناع وقطع به في المنتهى. انتهى.
فقد علمت أنّه فاسد في الثّانية بلا خلاف، وإنّما الخلاف في الأولى، وأنّ العمل على جوازه، وقوله: وهي عقد جائز، أي: من الطّرفين فلا تفتقر إلى ضرب مدّة؛ لأنّه ﵇ قال لأهل خيبر: "نقرّكم على ذلك ما شئنا". ولو كان لازمًا لم يجز بغير تقدير مدّة، وقياسًا على المضاربة؛ لأنّها عقد على جزء من النّماء في المال فعليها يبطل بما تبطل به الوكالة من موتٍ وجنونٍ وحجرٍ لسفهٍ وعزلٍ، وقيل: إنّها عقد لازم من جهة المالك فعلى المذهب أيضًا لكلّ منهما فسخها متى شاء، فإن فسخ بعد ظهور الثّمرة فهي بينهما، وعليه تمام العمل. وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له؛ لأنّه رضي بإسقاط حقّه للعامل أجرة عمله.
стр. 455
فائدة: إذا ظهر الشّجر مستحقًا؛ فله أجرة مثله على غاصبه ولا شيء على ربّه.
فائدة: قال ابن رجب في الشّامخ: العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين لم يجز ولا ينفذ، إلّا أن يمكن استدراك الضّرر بضمانٍ أو نحوه. فيجوز على ذلك. انتهى.
- ٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من حسن بن حسين إلى الشّيخ جمعان جمع الله شمله)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والأسئلة وصلت وصلك الله تعالى تحقيق المعاني بتوحيد المباني، وسدّدنا وإيّاك في أفهامنا بلطفه وعطفه، وهذا الجواب واصلك إن شاء الله تعالى:
المسألة الأولى: أشرتم في جوابكم عن السّؤال المتقدم عام اثنين وأربعين إلى الفرق بين النّكاح الفاسد والباطل، فأشكل علينا فأفيدونا بإيضاحه.
الجواب: نعم. أسلفنا لكم في الجواب المتقدم بالتّاريخ المذكور أنّ النّكاح الباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ ولا يوجب مهرًا بدون الوطء بخلاف الفاسد، ونحن نذكر لكم هنا من عبارات الفقهاء ما تبدو معه وجوه الفرق في مسفرة ضاحكة. قال في الإقناع: ويقع الطّلاق في النّكاح المختلف في صحّته؛ كالنّكاح بولاية فاسقٍ، أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدّة أختها، أو نكاح الشّغار، أو المحلّل، أو بلا شهود، أو بلا ولي وما أشبه ذلك، كفقد حكم بصحّته. ويثبت به النّسب والعدّة والمهر، ولا يقع في نكاح باطلٍ إجماعًا. ولا في نكاح فضولي قبل إجازته
стр. 456
وإن نفذناه بها. انتهى ملخّصًا.
وقال في المنتهى وشرحه لتقيّ الدِّين الفتوحي: ولا فرق في عدّة وجبت بدون وطء بين نكاح فاسدٍ وصحيحٍ نصّ عليه. والمراد بالفاسد المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوّج بلا ولي ونحو ذلك، ولا عدّة في نكاح باطلٍ أي مجمع على بطلانه إلّا بوطء؛ لأنّ وجود صورته كعدمه. انتهى ملخّصًا.
وقال في الرّوض المربع: تلزم العدّة كلّ امرأة فارقت زوجها بطلاقٍ أو فسخٍ أو خلعٍ حتى في نكاح فاسدٍ في خلاف كنكاح بلا ولي إلحاقًا له بالصّحيح. ولذلك وقع فيه الطّلاق. وإن كان النّكاح باطلًا وفاقًا أي: إجماعًا كنكاح خامسة أو معتدّة لم تعتدّ للوفاة إذا مات عنها، ولا إذا فارقها في الحياة قبل الوطء؛ لأنّ وجود هذا العقد كعدمه. انتهى. وبنحو ما ذكره مَن نقلنا كلامهم قاله غيرهم. فلا نطول بنقله. وقد أسلفنا لك في الجواب السّابق قول المغني والشّرح؛ لأنّه أي: النّكاح الفاسد يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق. ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى كلامه في المغني والشّرح.
فظهر مما نقلناه الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ أو فسخٍ ولا يجب به عدّة ولا مهر بون الوطء. ومن صور الباطل أيضًا: نكاح الخامسة ونكاح المعتمد كما مثل به صاحب الرّوض. ومنها أيضًا: نكاح الموطوءة بشبهةٍ ونكاح زوجة الغير وذات المحرم من نسب ورضاع. والله أملم.
المسألة الثّانية: ما معنى قوله في شرح الزّاد: ويقبل قول قابضٍ
стр. 457
في ثابت في ذمّة من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ ونحوه إن لم يخرج عن يده انتهى. فما صورة ذلك؟
الجواب: معنى هذه العبارة: أنّه إذا ثبت على عمرو لزيدٍ عشرة آصع مثلًا، سواء كانت ثمن بيع باعه زيد إلى عمرو أو قرض أقرض زيد عمرًا أو دَين سلم في ذمّة عمرو لزيد أو أجرة دار في ذمّة عمرو لزيدٍ أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيد فثبت غرمها في ذمّته فبعد ما قبضه زيد من عمرو بعيبٍ وجده فيها وأنكر عمرو كون الآصع المردودة هي الآصع التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو قول زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بثاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت، والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبّرنا بالقابض ليشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر ونحوهم.
المسألة الثّالثة: هل تجوز الإقالة في غير المسلم بأكثر من رأس المال سواء تقابضا أم لا؟ وهذا كثير في النّاس إذا اشترى الإنسان سلعة بنقد أو غائب ثم طلب المشتري من البائع الإقالة ويدفع إليه شيئًا من المال يتراضيان عليه.
الجواب: لا تصحّ مع زيادة على ثمن معقود به أو مع نقصه أو بغير جنسه؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر على ما كان عليه ورجوع كلّ منهما إلى ماله، فلو قال: أقلنِي ولك كذا، ففعل فكرهه أحمد لشبهه بمسائل العينة؛ لأنّ السّلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم.
قال ابن رجب: لكن محذور الرّبا هنا بعيد. انتهى من المنتهى وشرحه.
ولا فرق فيما قبل القبض أو بعده حتى في مكيلٍ وموزونٍ لكونها فسخًا
стр. 458
على المشهور المختار للأصحاب؛ لإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر على جوازها في السّلم مع النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه.
المسألة الرّابعة: إذا قلنا إنّه ليس إلّا الرّدّ والإمساك في المعيب كما هو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة، وكان ظهور العيب بموضع ضرورةٍ كالمسافر على الدّابّة وراكب السّفينة فهل يتعيّن الأرش في هذه الحال على هذا القول حضر البائع أو غاب؟
الجواب: لا ريب أنّ القائلين بهذا القول كأبي حنيفة والشّافعي وأبي العبّاس يقيّدونه بما إذا لم يتعذر ردّه، لكن الذي يظهر من كلامهم أنّ ما ذكرته في السّؤال ليس من صور التّعذّر الذي عنوه، وإنّما الذي أرادوه كعتق العبد وإعتاقه وقتله وموته ونحو ذلك مما ييأس معه من الرّدّ غير عالمٍ بعينه. أمّا ما ذكرته فلا يظهر أنّه تعذر ولا يوصف بموضع الضّرورة؛ لاندفاعه بالإمساك مجانًا لاسيما واللّزوم والجواز عارض، ثم رأيت بعض القائلين بهذا القول صرّح في كتابه باعتبار اليأس من الرّدّ وانحصار أسبابه يستحقّ معها الأرش في ثلاثة أمور. فقال: ولغير مقصر أيس من ردّ بتلف ونكاح وتعيب لا بيع أرش. انتهى. قال الشّارح: قوله: أرش مبتدأ خبره: ولغيره مقصر أيس، ويجوز أن يجعل قوله: أرش فاعلًا لفعلٍ مقدّرٍ دلّ عليه قوّة الكلام، وأيس صفة لغير، والمعنى: ويثبت لغير مقصر في أداء المعيب أرش، وأفاد انحصار الأسباب في الأمور الثّلاثة. انتهى من بعض كتب الشّافعية. وقوله: لا بيع، جرى على أحد القولين عندهم من أنّ البيع لا يحصل به اليأس من ردّ المعيب؛ لأنّه ربّما عاد، والقول الثّاني لهم أنّ البيع أثر رابع يحصل به اليأس كالتّلف والنّكاح والتّعيب.
стр. 459
إذا تقرّر لك ما ذكرناه فاعلم أنّه إن كان من التزام ما لا يلزم أن يقوى عندنا من المذهبين في هذه المسألة ما عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- من القول بالأرش مع الإمساك مطلقًا، أو الرّدّ سواء أمكن الرّدّ أو تعذّر؛ لأنّه أمكن تقرير العقد من غير ضررٍ. قال في الشّرح الكبير: ولأنّه ظهر على عيبٍ لم يعلم به فكان له الأرش كما لو تعيب عنده. اهـ. ولرضاء المتعاقدين على أنّ العوض في مقابلة المعوض فكلّ جزء من العوض في مقابلة جزء من المعوض ومع العيب فإنّه جزء فيرجع ببدله، وهو الأرش. انتهى من شرح المنتهى لمنصور.
وأجابوا عن حديث المصراة الذي استدلّ به المانعون من الإمساك مع الأرش سوى ما ذكروه بأنّ المبيع في المصراة ليس فيه عيب، وإنّما ثبت له الخيار بالتّدليس لا لفوات جزء كما في المعيب فلم يستحقّ شيئًا. اهـ. وحيث اختير الرّدّ على كلّ من المذهبين فإنّه لا يفتقر إلى حضور البائع كما لا يفتقر إلى رضاه، والمبيع بعد فسخ؛ لأنّه ذكره في المنتهى وغيره.
المسألة الخامسة: إذا طلقت المرأة وهي حامل فلمّا انقضت عدّتها بوضع الحمل تزوّجت ثم طلّقها الثّاني ولم تحض بعد طلاقته هل تعتدّ بثلاثة أشهر أم يصير حكمها حكم مَن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟
الجواب: صرح الفقهاء من الحنابلة والشّافعية بأنّ المعتدّة إذا علمت ما رفع حيضها من رضاعٍ، أو نفاسٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو قحطٍ أو ضيق عيش وجوعٍ ونحو ذلك، فإنّها لا تزال في عدّة حتّى يعود الحيض فتعتدّ به، وإن طال الزّمن أو تباعدت الأقراء أو حتّى تصير إلى سنّ الإياس فتعتدّ عدّة الآيسة. نصّ عليه الإمام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وابن
стр. 460
منصور، وهو المجزوم به عند المتأخّرين من الأصحاب والمحقّقين من الشّافعية؛ لقصة حبان بن منقذ وزوجته، وهي مشهورة. وهذه المرأة المسؤول عنها تذكر أنّها عالمة لما رفع حيضها وهو الرّضاع فلا تزال في عدّة حتّى يعود إليها أو تبلغ سن الإياس على هذا القول المعتمد من الأقوال.
المسألة السّادسة: إذا ارتفع حيض المرأة مدّة طويلة لا تدري ما رفعه، وهي تلك المدّة مع زوجٍ ثم طلّقها هل تعتدّ بسنة أو بثلاثة أشهر؟
الجواب: أنّها تعتدّ بسنة من الطّلاق. قال في شرح الإقناع: مَن ارتفع حيضها ولو بعد حيضةٍ أو حيضتين لا تدري ما رفعه اعتدّت بسنة منذ انقطاع بعد الطّلاق، فإن كان انقطاعه قبل الطّلاق فمن تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدّة. انتهى. والقاعدة: عود الضّمير إلى أقرب مذكورٍ. فقد عرفت أنّ العدّة المسؤول عنها سنة من الطّلاق.
المسألة السّابعة: ما الرّاجح عندكم من الأقوال فيمَن اتّجر بمال الغير بغير إذنه إلى آخر السّؤال؟
الجواب: الأشبه بالقواعد الشّرعية ما اقتضته المعاقد المذهبية من تحريم التّصرّف في مال الغير بغير إذنه. إذا علم بالحال وأنّ حكمه حكم الغاصب لتعدّيه بتناوله المحظور عليه شرعًا بغير إذن مالكه، فنصحّح تصرّفه، يعنِي: أنّ الرّابح الحاصل بتصرّفه لمالك المال كأصله؛ لأنّه ملكه ونتيجته وليس للمتصرّف من الرّبح شيء، ونصّ عليه الإمام أحمد في المتجر بالوديعة في رواية الجماعة. قال ابن نصر: نصوص أحمد متّفقة على أنّ الرّبح للمالك.
المسألة الثّامنة: إذا أوقف إنسان آصعًا في نخله أو أرضه عمومًا ثم