← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الله، أو مسكين تصدّق عليه، فأهدى لغني". فيفهم منه أنّ مَن كان قائمًا بمصلحة عامّة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتّدريس أنّ له الأخذ بما يقوم به مدّة القيام بالمصلحة، وإن كان غنيًّا. ذكر ذلك بعض شرّاح الحديث، وقد بوّب على هذا البخاري فقال: باب رزق الحكام والعالمين عليها. والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم ... رسائل وفتاوى للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... رسائل وفتاوى ﴿الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب﴾ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى أمين. وهي رجل يشكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ وهل قصده أم لا؟ وهل سمعته أذناه أم لا؟ وهل طلق واحدة أم ثلاثًا أم لم يطلق أصلًا؟ هل الورع الإلزام بالثّلاث أم الأولى أن يطرح الشّكوك كلّها ولا يعبأ بها شيئًا؟ الجواب: أمّا إذا شكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ فليس بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم جريانه. وفي ذلك حديث عبد الله بن بريد في الرّجل يخيّل إليه أنّه يحدث في الصّلاة. وأمّا إذا جرى وشكّ هل قصد الوقوع، فليس هذا الشّكّ بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم إلغاء كلام المكلّف

стр. 492

والعادة أنّ النّاس يقصدون وقوعه إذا جرى على ألسنتهم. وأمّا إن كان الشّكّ في جريانه وفي وقوعه إن كان جرى فليس بشيءٍ كالأوّل. وأمّا إذا شكّ هل سمعته أذناه أو لا، فيقع؛ لأنّه لا يشترط في إيقاع الطّلاق أن يسمعه بل يشترط التّكلّم به وقد تكلّم به. وأمّا قولك هل الورع الإلزام بالثّلاث أم لا؟ الخ. فاعلم أنّ الذي ذكرنا لك هو الصّحيح، وأمّا الورع في الشّكّ في واحدة فالأولى أن يلزمها واحدة، وإن شكّ في الثّلاث فكذلك على ما قاله الموفّق وغيره، أعنِي: أن يلزمها وتكون ثلاثًا، أمّا إذا شكّ في واحدة هل أوقعها أم لا؟ فليس من الورع أن يجعلها ثلاثًا، بل ذلك من الورع المظلم. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. فائدة: قال الشّيخ العلّامة سليمان بن الشّيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ﵏ آمين. اختلف العلماء في أصحّ الأسانيد فقال الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري: أصحّ الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵁. القول الثّاني: قول الإمام أحمد ﵀: أصحّها: الزّهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄. الثّالث: قول عبد الرّزّاق بن همام اليماني: أصحّها: ما رواه زين العابدين عليّ بن الحسين عن أبيه حسين عن عليّ ﵃. الرّابع: قول عمرو بن عليّ الغلاس: أصحّها: ما رواه محمّد بن سيرين البصري عن عبيدة السّلماني الكوفي عن عليّ ﵁. الخامس: قول يحيى بن معين: أصحّها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النّخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود ﵃ أجمعين.

стр. 493

قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصّواب عدم التّعميم مطلقًا، بل يقال: أصّح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصحّ أسانيد المكيّين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر ﵃ أجمعين. وأصحّ أسانيد المدنيّين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصحّ أسانيد المصريّين: اللّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر ﵃. وأصحّ أسانيد اليمانيّين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵃. قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة. وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود ﵁. وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس ﵁. والله أعلم. فائدة أصوليّة نافعة: قال الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ في آخر المسوّدة: كلّ ما كان طاعةً ومأمورًا به فهو عبادة عند أصحابنا والشّافعية والمالكية، وعند الحنفية ما كان من شرطه النّيّة فدخل في كلام أصحابنا ومَن وافقهم الأفعال والتّرك كترك المعاصي والنّجاسة والزّنا وكلّ محرّم والأفعال كالوضوء والغسل والزّكاة مع النّيّة وقضاء الدَّين وردّ المغصوب والودائع والنّفقة الواجبة ولو بلا نية. - ٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل: الأولى: إذا باع رجل شقصًا واستثنى سهمًا معلومًا من غلّة الشّقص فهل يصحّ ذلك أم لا؟

стр. 494

الجواب: لا يصحّ هذا الاستثناء، فإنّ استثناء الغلّة مدّة سنين لا أعلم أحدًا قال بجوازه من العلماء. وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا باع نخلًا لم يؤبّر واستثنى البائع غلّته الموجودة تلك السّنة، فمالك ﵀ لا يجوز، والحنابلة يقولون: بالجواز. وعلّلوا ذلك بأنّه مبيع حال العقد فصّح استثناؤه كغيره من العين المبيعة. وأمّا استثناء الغلّة مدّة سنين معلومة فقد جاء في الحديث عن النَّبِيّ ﷺ أنّه نهى عن الثّنيا إلّا أن تعلم، بل منع كثير من الفقهاء استثناء الحمل الذي في بطن الدّابّة أو الأمة مع كونه موجودًا حالة العقد كما هو المشهور في المذهب. فإذا كان هذا كلامهم في الموجود حالة العقد فما ظنّك بالمعوم؟ الثّانية: المطلقة إذا تزوّجت في العدّة ثم ماتت والحالة هذه هل يصحّ التّوارث بينهما أم لا؟ الجواب: النّكاح في العدّة باطل بالإجماع، فإذا ماتت لم يرثها هذا الزّوج الذي عقد عليها في العدّة سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأنّ النّكاح باطل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، [البقرة، من الآية: ٢٣٥]. الثّالثة: إذا كان لرجلٍ طعام على آخر فطلبه إيّاه فقال المديون لا أجد طعامًا أوفيك به، فقال اشتر لي طعامًا من فلان وأنا ضامن له الثّمن الذي عليك، هل يصحّ ذلك الضّمان أم لا؟ الجواب: ظاهر المذهب صحّة الضّمان؛ لأنّ غايته أن يؤول الضّمان إلى نقد الثّمن عن المضمون عنه, وقد صرّحوا في باب القرض بأنّه إذا قال: أقرضنِي دراهم أشتري لك بها البر الذي عليّ لك، أنّه جائز. وهذا هو المذهب. وفيه رواية بالكراهة. وكرهه سفيان كراهة شديدة أعنِي في مسألة القرض.

стр. 495

الرّابعة: إذا كان لرجلٍ على آخر طعام فلم يجد عنده ما يوفيه فأعطاه دراهم على السّعر عن الطّعام الذي في ذمّته هل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب: لا يجوز ذلك. وهو قول جمهور العلماء. قال في المغنِي والشّرح: لا نعلم فيه خلافًا. أعنِي إذا كان الطّعام سلمًا أو مبيعًا، وإن لم يكن سلمًا، فأمّا إن كان عمارة نخل أو قرضًا أو أجرة أو قيمة متلف، فهذا يجوز لصاحبه أن يأخذ ثمنه مِمَّن هو في ذمّته بشرط قبضه في المجلس، لئلا يكون بيع دَينٍ بدَينٍ؛ لأنّه ليس مبيعًا. وأمّا السّلم والمبيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه ولو لبائعه. وذلك لصحّة الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالنّهي عنه. فثبت في الصّحيحين عنه ﷺ قال: "مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتّى يستوفيه". وفي لفظٍ في الصّحيحين: "فلا يبعه حتّى يكتاله". فإذا باعه ربّ الدَّين لبائعه قبل قبضه فقد خالف النّصوص الواردة عن النَّبِيّ ﷺ من وجهين: أحدهما: أنّه باعه قبل قبضه، والنَّبِيّ ﷺ نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه، ولم يفرّق بين بيعه لِمَن هو عليه وبين غيره، ومَن زعم أنّ بيعه لِمَن هو عليه جائز فعليه الدَّليل الذي يخصّص العموم وإلّا فلا يجوز مخالفة السّنة الثّابتة عن رسول الله ﷺ لقول أحدٍ من النّاس. الثّاني: أنّه قد ثبت في السّنن عن النَّبِيّ ﷺ أنّه نهى عن ربح ما لم يضمن، فإذا باعه لبائعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن؛ لأنّه لا يدخل في ضمانه إلّا بعد قبضه فيصير هذا الرّبح حرامًا. وقد أخذ جمهور العلماء بظاهر الأحاديث الثّابتة عن النَّبِيّ ﷺ في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأجروها على ظاهرها وعمومها وشمولها للبائع وغيره حتّى إنّهم منعوا من الاعتياض عن المسلم فيه فقالوا: لا يجوز أن يأخذ عنه عوضًا ولا يستدلّ به، واحتجوا

стр. 496

لذلك بما روى أبو داود وابن ماجه عن النَّبِيّ ﷺ أنّه قال: "مَن أسلم في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره". وغاية ما يحتج به مَن أجاز بيعه لبائعه قبل قبضه كلام الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ الذي حكاه صاحب الإنصاف وغيره نّه أجاز ذلك، واحتجّ بكلام ابن عبّاس الذي رواه عنه ابن المنذر. ومثل هذا لا تعارض به النّصوص الصّحيحة عن النَّبِيّ ﷺ في منع بيع الطّعام قبل قبضه، والشّيخ -رحمه الله تعالى- من الأئمة المجتهدين، لكن إذا خالف كلامه الحديث الصّحيح وجب الأخذ بالحديث دون ما خالفه. وما أحسن ما قال الشّافعي ﵁: إذا صحّ الحديث عن رسول الله ﷺ بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط. ومعلوم أنّ الشّيخ ﵀ قد اطّلع على هذه الأحاديث في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأنّه تأوّلها، لكن إذا لم نعلم وجه تأويله ولم يتبيّن لنا رجحان دليله لم يجز لنا أن نخالف هذه الأدلّة الثّابتة عن النَّبِيّ ﷺ في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. بل نجريها على عمومها للبائع وغيره حتّى يثبت عندنا دليل راجح يخصّص هذا العموم وإلّا فلا يجوز لنا أن نتركها تقليدًا للشّيخ ﵀ ولا غيره. بل يجب اتّباع النّص. فإذا أفتى بعض المفتين بخلافها وعارض الأحاديث بكلام الشّيخ وكلام ابن عبّاس ﵄ أجيب بما أجاب به ابن عبّاس لِمَن خالفه في مسألة المتعة حيث يقول: يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السّماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، وأبلغ من هذا في الزّجر عن مخالفة النّصوص لقول بعض العلماء قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [النّور، من الآية: ٦٣]. كما استدلّ بها الإمام ﵀ فقال: عجبت لقومٍ

стр. 497

عرفوا الإسناد يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [النّور من الآية: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشّرك لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزّيغ فيهلك. فالواجب فيما تنازع فيه العلماء ردّه إلى الله والرّسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، [الشّورى، من الآية: ١٠]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، [النّساء، من الآية: ٥٩]. فإذا وجدنا مسألة قد اختلف العلماء فيها وجب علينا الرّدّ إلى النّصوص، فما وافق النّصوص وجب الأخذ به، وما خالفها وجب ردّه إليها. وأما تركها لقول بعض العلماء والتّعليل بأنّهم أعلم منا بمعانيها فلا يجوز، بل هذا عين التّقليد المذموم الذي أنكره شيخنا -رحمه الله تعالى- كما أنكره العلماء قبله. والله أعلم. [أربع مسائل] - ٣ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مسألة: إذا أبدل صاحب الملك صاحب الوقف فإن كان ذلك لمصلحة الوقف بحيث يكون دامرًا أو كثير الغلط وأراد إبداله بمصحف عامر، فهذا يجوز على القول الرّاجح، وهو القول بجواز المناقلة بالوقف للمصلحة، كما هو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم -رحمهما الله تعالى-، لكن بشرط أن يكون ذلك صادرًا مِمَّن له ولاية على الوقف من جهة الواقف أو من جهة الحاكم، وأمّا على كلام الحنابلة من كثير من الفقهاء فلا يجوز إلّا أن تتعطّل منافع الوقف، وحينئذٍ فمتى صدرت المناقلة غير الوجه المأذون فيه فالوقف بحاله لا تتغيّر وقفيته ولا يملك بالمبادلة. مسألة: إذا اغتسلت من الحيض فوطأها زوجها ثم رأى على ذكره

стр. 498

أثر الدّم فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى؛ لأنّ قصاراه أنّ الدّم عاودها بعد الطّهر وذلك حيض عند الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يومًا وقد وطأها في حال جريان الدّم جاهلًا فيكون معذورًا ولا إثم عليه لقوله ﷺ : "عفي لأمّتِي عن الخطأ والنّسيان". وأمّا الكفّارة ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والنّاسي أم تجب على الجميع؟ والذي عليه الجمهور أنّه لا كفّارة على الجميع بل مَن تعمد ذلك آثم وليس عليه إلّا التّوبة، وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور. والثّانية: عليه الكفّارة إذا تعمّد لحديث ابن عبّاس المرفوع أنّه يتصدّق بدينار أو نصف دينار. والحديث رواه أبو داود والتّرمذي والنّسائي. لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم. لأنّه من حديث فلان أظنّه. قال عبد الحميد وقال لو صحّ ذلك الحديث عن النَّبِيّ ﷺ : "كنا نرى عليه الكفّارة". وقال في موضعٍ آخر: ليس به بأس قد روى النّاس عنه. فاختلاف الرّواية في الكفّارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث. وهاتان الرّويايتان عن أحمد في العامد، وأمّا الجاهل والنّاسي فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهو المذهب لعموم الخبر. والثّاني: لا تجب، لعوم قوله: "عفي لأمَّتِي عن الخطأ والنّسيان". فعلى هذا لو وطئ طاهرًا فخاضت في أثناء وطئه فلا كفّارة عليه، وعلى الأوّل عليه الكفّارة. مسألة: إذا جلس المسبوق مع الإمام في التّشهّد الأخير هل يصلّي على النّبِيّ ﷺ ويدعو أم يكرّر التّشهّد الأوّل؟ الجواب: المشهور أنّه يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ ﷺ -

стр. 499

نصّ عليه أحمد فيمَن أدرك مع الإمام ركعةً؛ قال: يكرّر التّشهّد ولا يصلّي على النَّبِيّ ﷺ ، ولا يدعو بشيءٍ مما يدعو به في التّشهّد؛ لأنّ ذلك إنّما يكون في التّشهّد الذي يسلم عقبه وليس هذا كذلك. مسألة: في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، [الأعراف، من الآية: ١٩٠]. قال قتادة: شركاء في طاعته ولم تك في عبادته. وفي تفسير العلماء معنى آيات العبادة يفسّرونها بالطّاعة وهذا فرق بينهما. الجواب: اعلم أنّ الكلام يختلف باختلاف الأحوال والمقامات والاجتماع والافتراق والإجمال والتّفصيل، فتفسير قتادة في هذه الآية بأنّ المراد بها على كثير من كلام المفسِّرين آدم وحواء، فناسب تفسيرها بالطّاعة؛ لأنّهما أطاعا الشّيطان في تسمية الولد بعبد الحارث، وهو معصية من المعاصي. والصّحيح من أقوال العلماء أنّ المعاصي الصّغائر تقع من الأنبياء لكنهم يتوبون منها ولا يقرّون عليها، وأمّا تفسيرهم الآيات التِي فيها العبادة بالطّاعة فمعلوم أنّ العبادة إذا أطلقت دخلت فيها الطّاعة وترك المعصية؛ لأنّ العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وترك المعاصي من الكبائر والصّغائر، لكن المعاصي تنقسم إلى كفرٍ وشركٍ، وإلى كبائرَ دون الكفر الشّرك، وإلى صغائرَ دون الكبائر، فإذا أطلقت العبادة دخل فيها جميع طاعات الله ورسوله، وإذا فرق بينهما فسّرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وفسرّت العبادة الطّاعة بجميع الدِّين كلّه. والله أعلم.

стр. 500

رسائل وفتاوى للشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... رسائل وفتاوى الشّيخ حسين بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى* - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (من حسين بن الشّيخ إلى الأخ جمعان بن ناصر) سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ خطك الشّريف وصل وصلك الله إلى رضوانه، وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله تعالى: الأولى: مَن صلّى محدثًا أو صلّى صلاةً فاسدةً ثم صلى بعدها صلوات صحيحة قبل أن يقضي تلك الصّلاة الفاسدة ما حكم التّرتيب؟ فهذه المسألة فيها تفصيل، فإن كان لم يذكر الصّلاة الفاسدة إلّا بعد فراغه من الصّلاة الصّحيحة فليس فيه ترتيب؛ لأنّ التّرتيب يسقط بالنّسيان، قلّت الصّلوات أو كثرت، لقوله ﵇: "عفي لأمَّتِي عن الخطأ والنّسيان"، وإن ذكر أنّ عليه صلاةً وهو في أخرى كما لو ذكر أنّ عليه صلاةَ الظهر وقد شرع في صلاة العصر، فإنّه يتمّ العصر، ثم هل يجب عليه إعادة العصر؟ فيه قولان للعلماء، والأحوط الإعادة، كما هو المشهور عن أحمد؛ لأنّه ﵇ عام الأحزاب صلّى المغرب فلمّا فرغ قال: "هل علم أحد منكم أنِّي صلّيت العصر؟ "، قالوا: يا رسول الله ما صلّيتَها. فأمر المؤذّن فأقام الصّلاة فصلّى العصر، ثم أعاد المغرب. رواه أحمد. الثّانية: ما الفرق بين كون المرأة تشترط أن لا يتزوّج عليها وبين قولها: إن تزوّجت عليّ فهو طلاقي؟

стр. 501

الجواب: الظّاهر أنّ الكّلّ شرط صحيح تملك به الفسخ إذا تزوّج. وأمّا وقوع الطّلاق فشرطه أن يكون حال التّعليق صادرًا من زوجٍ، فلو علقه قبل العقد عليها على شرط لم يكن طلاقًا؛ لأنّ الزّوجة لم تكن حال التّعليق في نكاحه، فإن كان قد عقد عليها وعلق طلاقها على شرط صحّ التّعليق ووقع عند وجود شرطه. الثّالثة: إذا أخذ الكفّار مال مسلم ثم استولى عليه المسلمون قهرًا ولم تقع فيه قسمة كما لو قتل مسلمًا كافر وأخذ سلاحه وعرفه مسلم أو أخذه بعض المسلمين من الكفّار واختصّ به من غير قسمة. ففي هاتين الصّورتين يأخذه المسلم مِمَّن غنمه بغير شيءٍ لعدم وقوع القسمة المانعة، وذلك لما روى مسلم عن عمران بن حصين أنّ قومًا أغاروا على سرح النَّبِيّ ﷺ فأصيبت العضباء وأسرت امرأة من الأنصار فكانت المرأة في وثاق وأقامت عندهم أيّامًا ثم انفلتت من الوثاق فأتت الإبل فركبت العضباء ونذرت إن نجّاها الله لتنحرنّها فلما قدمت المدينة أخبرت أنّها نذرت لتنحرنّها، فقال رسول الله ﷺ : "لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد". الرّابعة: إذا سرق إنسان تمرًا أو حبوبًا هل يغرم قيمته مرّتين؟ فأكثر العلماء يقولون عليه غرامة مثله من غير زيادة. وأحمد يقول: عليه غرامة مثليه. وحديث عمرو بن شعيب صريح الدّلالة لمذهب أحمد. قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه. وهذا إذا أخذ التّمر من الحوائط كما إذا أخذ ذلك من النّخل، وأمّا إذا أخذه من الجرين، فهذا عليه القطع بشرطه لقوله ﵇ في حديث عمرو بن شعيب: "ومَن خرج بشيءٍ منه

стр. 502

فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". رواه أحمد والنّسائي وأبو داود. الخامسة: الحضانة هل تسقط بالتّزويج أم لا تسقط بالتّزويج لقصة بنت حمزة، فإنّ النَّبِيّ ﷺ قضى بها للخالة وهي مع زوجٍ. فالذي عليه الجمهور أنّ الأم إذا تزوّجت سقط حقّها من الحضانة، لقوله ﷺ : "أنت أحقّ به ما لم تنحكي". وأمّا قصة بنت حمزة فإنّما قضى بها لخالتها؛ لأنّ زوجها من أهل الحضانة، ولا يساوي جعفرًا في الاستحقاق إلّا عليّ، وقد ترجّح جعفر بأنّ امرأته من أهل الحضانة فكان أولى، فالحديث يدلّ على أنّه لو تنازع العمّان في الحضانة وأحدهما متزوّج بالأمّ أو الخالة فهو أحقّ بالحضانة فليس بين قصة بنت حمزة وبين قوله: "أنتِ أحقّ به ما لم تنكحي"اختلاف بل الحديثان متّفقان. ولله الحمد. وأمّا قولك: هل قرابة الأمّ أحقّ أم قرابة الأب؟ فالمشهور عن أحمد أنّ الأمّ وقراباتها يقدمن على الأب وقراباته، وعن أحمد رواية أخرى أنّ الأب وقراباته أحق. قال في الاختيارات: العمّة أحقّ من الخالة، وكذا نساء الأب يقدمن على نساء الأمّ؛ لأنّ الولاية للأقرب. فكذا أقاربه، وإنّما قدمت الأمّ؛ لأنّه لا يقوم هنا مقامها في مصلحة الطّفل. وإنّما قدم الشّارع ﷺ خالة بنت حمزة على عمّتها صفية؛ لأنّ صفية لم تطلب وجعفر طلب نائبًا عن خالتها فقضى لها بها في غيبتها. السّادسة: نصاب السّرقة ربع دينار؛ والدّينار اثنا عشر درهمًا، فإذا سرق من الحرز ما يبلغ ثلاثة دراهم قطع كما جاءت به السّنة، فإذا حصل الشّكّ هل المسروق مما يساوي ثلاثة دراهم من الفضّة الخالصة أم لا؟

стр. 503

الجواب: يقطع بمجرّد الشّكّ. وفي الحديث: "ادرؤوا الحدود بالشّبهات". وأمّا الحرز فهو ما جرت العادة به في حفظ الأموال، والأموال تختلف، فالدّراهم لها حرز، والقماش له حرز، والدّواب لها حرز، والثّمار لها حرز، والمسافر بماله له حرز، والنّائم على متاعه في المسجد والسّوق ونحو ذلك له حرز، والمسألة لها ضابط، وهو أنّ الحرز ما جرت به العادة يختلف ذلك باختلاف الأزمان والمكان وعدل السّلطان وجوره. وأمّا المسألة السّابعة: إذا سرق إنسان شيئًا محرّمًا مثل التّنباك هل يجب فيه القطع؟ فاعلم أنّ للقطع شروطًا: منها: أن يكون المال محترمًا فلا يقطع بسرقه الخمر والتّتن وآلة اللهو وكتب البدع ونحو ذلك. وأما قولك: وهل حدّ السّرقة حقّ لله يقام على السّارق وإن لم يطلبه المسروق؟ فالأمر كذلك، يقام على السّارق وإن لم يطلبه المسروق منه، بل لو وهب السّارق المال بعد رفعه إلى الإمام لم يسقط الحدّ عنه، لقصة صفوان. والخلاف بين الفقهاء إنّما هو في المطالبة بالمال هل هي شرط في القطع أم لا؟ وفي ذلك عن أحمد روايتان: (إحداهما) يشترط مطالبة المسروق منه بماله، وهو المشهور في المذهب. (والرّواية الأخرى) ليس ذلك بشرط. اختارها الشّيخ تقيّ الدّين وابن القيم -رحمهما الله- عملًا بإطلاق الآية الكريمة والأحاديث. وأمّا قولك: وهل يجتمع القطع وردّ المال؟ فالأمر كذلك، فتردّ العين المسروقة إلى مالكها، فإن كانت تالفة غرم قيمتها وقطعت يده. والله أعلم.

стр. 504

- ٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ هذا كلام ذكره الشّيخ حسين بن الشّيخ لبعض الإخوان أحسن الله إلى السّائل وإلى المفتي آمين. وأمّا ما ذكرت من أمر رجلٍ قال لامرأته: الله يرزقك وطلعت من العدّة فلا له طريق عليها إلّا بملاك. وأيضًا إن كان هو قائل لحرمته الله يرزقك ثلاث مرات ونيّته أنّها ثلاث تطليقات فلا له طريق عليها إلّا عقب ما تأخذ رجلًا آخر ويطلقّها، والرّجل الذي طلبت الحرمة منه الطّلاق وتبرؤه من النّفقة وطلّقها ثم طلبته بالنّفقة إن كانت الحرمة مبغضة للرّجل يوم يطلّقها البغضاء المعروفة فلا لها طريق عليه في النّفقة، فإن كان يوم تطلبه بالطّلاق مضيقًا عليها ومشينا عليها الطّبع فنفقتها تلزمه إلى أن تعتد، فإن كانت حاملًا فإلى أنّ تضع، والمرأة إذا عصت وطلعت من بيت الرّجل فالمعصية عليها والنّفقة عليه. والرّجل إذا طلق امرأته الطّلقات الثّلاث فالذي يظهر ما لها عليه نفقة والرّجل الذي معه حرمتان فالتي يأتيها الحيض فهو يقسم لها في وقت الحيض وراعية النّفاس في عرفنا أنّها ما تشره أن يقاضيها، والرّجل الذي طلّق امرأته عدّة خوص النّخل فلا له طريق عليها، والإمام إذا سلم وقال بعض الجماعة بعد ركعة، وبعضهم يقول تامّة فهو يعمل بعمل الذي عليهم العمل، فإن كان أكثر ظنّه أن يلحقه شكّ فهو يعمل بقول الآخرين، والرّجل الذي قرأ في الرّكعتين الأخيرتين غير الفاتحة ساهيًا فلا علمنا عليه شيئًا،

стр. 505

والرّجل الذي طلق امرأته مرّة أو مرّتين، ولو قال: أنا طيبة نفسي فهو يراجعها، فإن كانت طلعت من العدّة فهو بملاك إن اشتهت. والرّجل الذي طلق امرأته بعد ما تملك قبل أن يدخل بها فلها نصف جهاز أبناء جنسها، والرّجل إذا قال لامرأته: أنتِ عليَّ مثل أمِّي فعليه كفّارة الظّهار، والذي يقول عليّ الحرام، ولا فعل فيفعل الذي هو حالف ويكفّر كفّار يمين، والبنت التي أرضعت وهي أم أربع أو خمس سنين فهي ما تحرم، والرّجل الذي قال لامرأته: الله يرزقك ثم طلّقها طلقتين تتالى، فهو ينشد عن نيّته إن هو ناو ثلاثًا فهي ثلاث، أو يبغي أن يسمعها وقصده طلقة واحدة، فإن كان قصده واحدة فهي تحل. ونذكر بعد هذا جواب عبد الله بن الشّيخ إلى بعض الإخوان أحسن الله إلى السّائل وإلى المفتي. وأمّا ما ذكرت من المسائل فنجاوبك عليها إن شاء الله: منها: الذي صار رجلًا ضعيفًا ويعتاش من الخلا حشيشًا وأشباهه ولا يقدر أن يحترف إلّا مفطرًا، فإن كان يقدر أن يعيش بلا حرفته هذه لم يجز له أن يفطر، فإن كان ما هنا إلّا حرفته هذه ولو يتركها لحقه الضّرر هو وعياله ضرر بين فأرجو أنّه يجوز له، فإذا وقعت الضّرورات حلّت المحظروات، وأمّا الذي يفطر في البلد ويعتذر بالجوع فلا له عذر، والذي يبنغي يعتاش به في النّهار يضمنه إلى وقت الإفطار إلّا إن كان مثل هذا عندكم لو ما يفطر تلفت نفسه أو لحقه ضرر بيّن فلا تنكروا عليه. وأمّا الصّبي الذي ما أرشد بعد فهو إن أطاق الصّيام أمر به وأدب على تركه، وكذلك يصلّي وراءه إذا كان أقرأ من الذي وراءه، ولو ما أرشد بعد، ويقام به في الصّفّ، وأمّا ما ذكرت من أمر الذي ختم القرآن وممشاه رديء وهنا

стр. 506

مَن يقرأ بعض القرآن وهو حبيب في الدِّين من الذي يقلط منهم، فإن كان الذي يحفظ القرآن حافظه غيبًا ورداه بين يكره الدِّين ويوالي المنافقين موالاةً بيّنة أو يتجسر على الأمور المحرمة، مثل: الزّنا والسّرقة والخيانة، فإن كان هذا صفة حاله فلا يصلّي بالجماعة، فإن كان ما هنا شيء بيّن ما هنا إلّا تهمة أو أنّ غيره أخير منه عملًا مثل الجهاد والمذاكرة فالذي يحفظ القرآن غيبًا أحقّ بالتّقديم من الذي ما حفظه ولو كان أكثر منه عملًا وأحبّ منه للدِّين. وأمّا الثّغرة من الفهم فإن كان ما ظهرت من الجوف ولا وصلت الفهم فلا فيها وضوء، فإن كان ظهرت ووصلت الفهم فيستحب له الوضوء، فإن كان صائمًا فلا يدخلها إذا وصلت الفم بل يخليها تظهر ويغسل فمه ويتوضّأ. وأمّا الخارج من الجسد من الدّم والقيح فالصّحيح أنّه ما ينقض الوضوء ويغسل الذي يجيء سلبه منه. وأمّا الذي يرمي أخيه المسلم بالزّنا ويعتذر أنّه ما له قصد وأنّه من الشّيطان فليس هذا بعذرٍ، فإن كان المقذوف بالزّنا شكاه إلى الأمير أقام عليه الحدّ وإلّا أدِّب أدبًا يزجره عن مثل هذا الكلام الخبيث. وأمّا إذا صلّى الرّجل وفي سلبه نجاسة ناسيًا ولا درى إلّا بعد فراغه من الصّلاة فلا عليه إعادة. وأمّا المطوّع الذي ما يحسن قراءة الفاتحة ولا يعربها فلا تصلّى وراءه. وأما المطوّع الرّديء الذي ما له دِين إن أسلم النّاس أسلم، وإن ارتدّوا ارتدّ ما تحلّ الصّلاة وراءه. والله أعلم.

стр. 507

﴿هذه رسالة للشّيخ عليّ بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عليّ بن الشّيخ حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ وصل خطك وصلك الله إلى ما يرضيه ونحو، ولله الحمد بخيرٍ وعافيةٍ، كذلك الإخوان وجملة آل الشّيخ وخواص إخوانك، وما ذكرت من جهة مسألة التّثويب في أذان الفجر هل هو في الأوّل أو في الثّاني؟ وما الموجب لكونه عندنا في الثّاني على أنّ في سنن أبي داود ما يدلّ على كونه في الأوّل؟ فالجواب: إنّ الأمر في ذلك عندنا على السّعة، فإذا جعله في الأوّل أو في الثّاني فالكلّ إن شاء الله حسن، ولكن الأحسن لِمَن أراد الاقتصار على التّثويب في أحد الأذانين أن يكون في الأوّل لما ذكرت من الحديث، وأحسن منهما التّثويب في الأذانين جمعًا بين الأحاديث، وعملًا بظاهر إطلاقات الفقهاء. فأمّا ما يدلّ على أنّ التّثويب في الأوّل فالحديث الذي ذكرت في سنن أبي داود دليل على ذلك. وفي رواية فيه للنّسائي: "الصّلاة خيرمن النّوم، الصّلاة خير من النّوم، في أذان الأوّل من الصّبح". قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وهاتان الرّويتان صريحتان في أنّ التّثويب بالصّلاة مخصوص بالأذان الأوّل دون الثّاني؛ لأنّ الأذان الأوّل إنّما شرع لإيقاظ النّائم كما في الحديث: "ليوقظ نائمكم". وأمّا الثّاني فإنّما هو للإعلام بدخول الوقت لِمَن أراد أن يصلّي في أوّل الوقت ولكون المصلّين فيه غالبًا قد استيقظوا بالأذان الأوّل واستعدّوا للصّلاة بالوضوء وغيره. انتهى. ولكن قوله: إنّ الرّوايتين صريحتان

стр. 508

في التّخصيص بالأوّل ليس كذلك بل ظاهرتان. وأمّا ما يدلّ على أنّه في الثّاني فقال ابن ماجه في سننه: حدّثنا عمر بن رافع حدّثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزّهري عن سعيد بن المسيب عن بلال أنّه أتى النَّبِيّ ﷺ يؤذن بصلاة الفجر فقيل هو نائم فقال: "الصّلاة خير من النّوم". فأقرّت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك. صحيح الإسناد. وفيه انقطاع، ووجه الاستدلال به على أنّه في الثّاني أن بلالًا إنّما كان يؤذّن للنَّبِيّ ﷺ بالصّلاة بعد طلوع الفجر، فإنّه إذا طلع الفجر جاءه بلال فأذنه بالصّلاة، لا يقال إنّ هذه في أذان بلال، وبلال إنّما كان يؤذّن قبل الفجر كما في الصّحيح: "إنّ بلالًا يؤذّن بليلٍ"، لأنّ ذلك في بعض الأوقات لا في كلّ السّنة، يدلّ على ذلك ما روى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدّثنا أبو عوانة عن عمران بن مسلم، قال: قال سويد بن غفلة اذهب إلى مؤذننا رباح فمره أن لا يثوب إلّا في صلاة الفجر بعد الفجر، إذا فرغ من أذان الفجر فليقل: الصّلاة خير من النّوم، الصّلاة خير من النّوم، وليقل في آخر أذانه وإقامته: لا إله إلّا الله، والله أكبر. هذا أذان بلال. فهذا مرسل يدلّ على أنّ بلالًا يؤذّن بعد الفجر وأنّه يثوّب في أذانه. وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يؤذن حتّى يرى الفجر هكذا". ومد يديه: حدّثنا أبو خالد عن حجاج عن طلحة عن سويد عن بلال، قال: كان لا يؤذّن حتّى ينشق الفجر، فهذا يدلّ على أنّ بلالًا كان يؤذّن بعض الأوقات بعد طلوع الفجر بلا ريب، وأيضًا فإنّه كان يسافر ويغزو مع رسول الله ﷺ حيث لا يوجد ابن أمّ مكتوم، وكان هو المؤذّن فلا بدّ

стр. 509

من أذانه بعد طلوع الفجر. وقد ثبت أنه كان يقولها في أذانه فتعين عدم الإنكار على من جعلها في الأول أو الثاني. أما الأول فلأن ظاهر حديث أبي محذورة يدل عليه وأما الثاني فلما ذكرنا من الآثار وغيرها أيضًا فلا يجوز الإنكار لأنها مسألة اجتهاد. وأما كون جعلها في الأول أحسن لمن أراد الاقتصار فلأن الحديث فيه دلالة أظهر من كونها في الثاني. وأما كون الجمع بينهما أحسن فلأن فيه جمعًا بين هذه الآثار وعملًا بإطلاقات الفقهاء، فإن الفقهاء من الحنابلة قالوا ويقول في أذان الصبح الصلاة خير من النوم، فظاهره أنه يقوله في الأذانين لأن كليهما أذان للصبح. وقال النووي من الشافعية في شرح المهذب ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لا فرق بين الأول والثاني، وصرح بتصحيحه في التحقيق. وقال الأسنوي مثله أيضًا ففي هذا العمل بالأحاديث جميعًا والله أعلم.

стр. 510

فتويان من فتاوى الشيخ سليمان بن علي، جد شيخ الإسلام ... رسائل وفتاوى ﴿الشّيخ سليمان بن عليّ﴾ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل وجدتها سألها محمّد بن عبد الله بن إسماعيل سليمان بن عليّ: الأولى: هل يصحّ التّيمّم بتراب المسجد أم لا؟ الجواب: نعم. يصحّ التّيمّم بتراب المسجد علّلوا ذلك بأنّه تسفوه الرّياح، وإنّما الممنوع من التّيمّم إن أثار المتيمِّم غبارًا من جدار المسجد أو أثار أرض المسجد. الثّانية: مَن نوى استيطان بلدٍ سنةً أو سنتين أو ثلاثًا فهل حكمه حكم مَن نوى استيطانًا مطلقًا فتصحّ إمامته في الجمعة ويحسب من العدد؟ الجواب: وأمّا مَن نوى الاستيطان فإنّه يصير من أهل البلد فتصح فيها إمامته وغير ذلك، ولو بدا له الانتقال بعد مدّة قصيرة، وأمّا الذي نزل ولم ينو الإقامة ولو حدّ إقامته سنتين فلا يكون من أهل البلد؛ لأنّ نيّته مباينة للاستيطان. الثّالثة: إذا حصل من رمل المسجد ضرر بالمصلّين لكثرة غبار أو غيره وأرادوا إخراجه لإزالة الضّرر. الجواب: أمّا رمل المسجد وترابه فإن أضرّ بالمصلّين وجب إخراجه، وإن لم يضرَّ لكن رفعه وجعل مكانه أنفع فهذا جائز. الرّابعة: هل تصحّ استنابة قادر على الحجّ يحجّ عنه حجّة الإسلام

стр. 511

لكونها غير واجبة على المستنيب لعدم أمن الطّريق أو غيره أم لا يصح؟ وهل يصحّ أن يحجّ عن غيره مَن لم يحجّ عن نفسه لعدم وجوبها؟ الجواب: أمّا القادر على حجّ الفرض فلا يستنيب ولو مع خوف الطّريق، ولا تشترط العدالة إن كان متبرِّعًا أو معينه الموصي وهو غير وارثٍ. الخامسة: هل تشترط العدالة ظاهرًا وباطنًا في المستناب في الحجّ ولم يعيّنه الموصي، فإذا بان فسقه بعد انقضاء الحجّ فسد حجّه؟ أم لا تشترط العدالة إلّا ظاهرًا، فلو بان فاسقًا صحّ حجّه أم كيف الحكم؟ الجواب: لا تشترط العدالة في النّائب إن كان متبرِّعًا أو معينه الموصي، وهو غير وارثٍ، وإن كان المستنيب وصيّا للميت لم يجز له أن يستنيب إلّا العدل وتكفي العدالة ظاهرًا؛ فلا يحتاج لتزكية، فمتى استناب مَن ظاهره العدالة ثم بان فسقه بعد ذلك صحّ كولي المرأة في النّكاح. السّادسة: إذا اشتريت سكينًا أو سيفًا أو غيره أظنّه ذكرًا فبان بخلافه فهل أملك فسخ البيع أم لا أملكه لكوني لم اشترطه ذكرًا؟ الجواب: أمّا السّكين فإذا بذل فيها ثمن السّكين الذّكر ثم بانت أثنى فهو عيب. السّابعة: إذا حدث في الوقف خيس يصلح أن يكون بناتًا وأراد الموقوف عليه قلعه لكونه نماء لحدوثه بعد الوقت فهل يجوز له قلعه أم يلزمه تركه؟ الجواب: الفسيل الحادث بعد الوقف في أصول النّخل نماء. الثّامنة: الفسيل الموجود حين الوقف إذا صلح أن يكون بناتًا لكن

стр. 512

قلعه أصلح لأمّه وتركه أصلح للوقف فهل يصحّ قلعه أم لا؟ الجواب: وأمّا السّابق للوقف فيقلع أيضًا وينفق في مؤنة الوقف كالبناء والسّقي وغيرهما. التّاسعة: إذا ساقيت عاملًا على نخل من الجذاذ إلى الجذاذ بجزء من ثمرته فما قدر ما يلزمه من السّقي هل فيه شيءٌ مقدّرٌ أم يرجع إلى عادة بلده، فإذا كانت عادتهم تركه عشرة أيّام في الشّتاء وخمسة في غيره ثم يسقى ويتركون السّقي في الصّيف شهرين وأقل وأكثر، فهل يلزمه شيء غير عادة بلده أم لا؟ الجواب: المساقي المذكور لا يلزمه من السّقي إلّا عرف أهل بلده. العاشرة: هل يشترط لصحّة تملك الأب مال ولده مشاهدته بعينه حيث تملكه كالقبض في الهبة والرّهن والقرض أم لا تشترط، بل إذا كان الأب يعرفه معرفة يصلح البيع معها جاز تملكه ولو لم يشاهده بعينه أم كيف الحكم؟ الجواب: يشترط لتملك الأب مال ولده القبض للمنقول والمشاهدة للعقار كالهبة والرّهن. الحادية عشرة: إذا أتت المرأة بولد بعد أربع سنين وهي غير فراش فمعلوم أنّه لا يلحق بأبيه، لكن إذا تعور في بطنها وأقام فيه أكثر من أربع سنين فهل يلحق به لكون الحمل موجودًا حين الموت أو الفرقة بيّنة أو إقرار أم لا يلحق مطلقًا أم كيف الحكم؟ الجواب: أمّا الولد فيلحق ولو بعد أربعة أعوام إذا علم وجوده قبلها وكان احتباسه للآفة. والله أعلم. الثّانية عشرة: إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها وما وقفه وسكت

стр. 513

مع القول بصحّته فإنّه يصير لورثة الواقف نسبًا وقفًا عليهم، فهل إذا استحقّه وارث للواقف ثم حدث من يحجبه عن إرث الواقف فهل ينتقل الوقف إلى الوارث الحادث مع حياة الأوّل؟ مثاله: إذا وقف شخص شيئًا وسكت فإنّه يصير لوارثه ولم يكن له وارث سوى أخيه فاستحقّه أخوه لكونه الوارث له إذًا، ثم حدث للواقف ابن فهل ينتقل الوقف إلى الابن بمجرّد وجوده مع حياة عمّه المستحقّ للوقف قبله أم لا ينتقل إلى الابن إلّا بعد موت عمّه، أم لا يرجع إلى ابن الواقف مطلقًا فيصير للعمّ ثم لورثته من بعده أم كيف الحكم؟ الجواب: قال في حاشية ابن قندس قوله: ويصرف ما وقفه وسكت ونحوه إلى ورثة الواقف هل المراد ورثته حين موته أو حين الانقطاع؟ وإذا صرف إليهم فماتوا فهل ينتقل إلى ورثتهم أم لا؟ فأمّا الأوّل فقال في الرّعاية ما يقتضي أنّ المراد حين الانقطاع؛ لأنّه قال ورثته إذًا. وأمّا الثّاني ففي الزّركشي وحيث قلنا يصرف إلى الأقارب فانقرضوا ولم يوجد قريب فإنّه يصرف إلى بيت المال؛ لأنّه مال لا مستحقّ له. نصّ عليه أحمد. انتهى كلامه في الرّعاية. فعلى هذا، لا شكّ أنّ الواقف إذا ورثه أخوه ثم حدث للواقف ابن أو ابن ابن أنّه ينْزع الوقف من يد أخ الميت. الثّالثة عشرة: إذا ادّعيت عينًا في يد إنسانٍ تلفت عليّ في ماضي الزّمان بغصبٍ أو غيره وأقمت بيّنة فشهدت أنّ هذه العين تلفت من يدي على طريق الغصب. الجواب: إذا كانت العين بيد إنسانٍ فأقام المدّعي بيّنة أنّها له بمثل

стр. 514

هذا اللّفظ سمعت الشّهادة على هذا المنوال وصحّت وانتزعت العين من صاحب اليد، ولا يشترط لصحّة شهادة البيّنة ذكر أنّها غصب. الرّابعة عشرة: جلد الأضحية وجلها ذكروا أنّه ينتفع بهما أو يتصّدق بهما فهل تَختصّ الصّدقة بهما على الفقير والمسكين أم يصحّ إعطاؤهما الغني هدية أو صدقة؟ الجواب: أمّا جلد الأضحية وجلّها وغير ذلك فإذا قيّدوا أيّ: العلماء بذكر الصّدقة لم يكن مصرف الصّدقة إلّا الفقراء والمساكين في الغالب من كلامهم؛ لأنّ تعبيرهم لغير الفقير بالهدية ونحوه. الخامسة عشرة: إذا أوصى إنسان بحجّة وأطلق فلم يقدرها بشيء وليست الحجّة فرضًا لعدم وجود الشّرط المعتبر من أمن الطّريق أو غيره فهل تصير من الميقات أو من بلده أو دون مسافة قصر عنها إذ العادة جارية به، ولو يعلم الموصي بالحكم لقدر لها ما لا يحجّ به عنه من بلده، ولم يعهد عندنا مع الإطلاق إلّا حجّتها من بلده فما الحكم فيها؟ الجواب: أمّا الحجّة المذكورة مع الإطلاق فلا تكون إلّا من الميقات؛ لأنّ كلاهم في ذلك صريح، وكذلك الأضحية المطلقة لا يجوز فيها إلّا قدر الأجزاء، هذا ولو كانت العادة جارية بذلك لاسيما إذا كان في الورثة غير مكلّف، فهذا لا يجوز إلّا أن يكون الورثة كلّهم مكلّفين ورضوا بذلك. السّادسة عشرة: الجدَّاء لا يصحّ أن يضحّى بها فهل إذا جدّ شطر وسلّم الشّطر الآخر تجزئ أم لا؟ والجداء: ما لا لبن فيها فهل إذا كان فيها لبن قليل جدًّا لا يزيد في ثمنها تجزيء أم لا؟

стр. 515

الجواب: الجداء: اسم لما لم يكن في ضرعها لبن فإذا وجد فيه لبن فليست بجداء ولو جد شطر وسلم آخر أو بعضه لم تكن جداء. السّابعة عشرة: إذا أحسّ المصلِّي رطوبة في رأس ذكره ومضى في صلاته؛ لأنّه لا يدري هل هي شيء خارج أم لا؟ فلمّا فرغ من صلاته ونظرها تحقّق أنّ تلك الرّطوبة التي أحسّ في صلاته خارجة من ذكره، فهل تصحّ صلاته؛ لأنّه لم يتحقّق أنّها خارجة من ذكره إلّا بعد فراغه، أم لا تصحّ؛ لأنّ الخارج حاصل في صلب الصّلاة؟ الجواب: أمّا المصلِّي فإذا خرج من صلاته ووجد خارجًا من ذكره وشكّ هل فاض إلى حكم الظّاهر في فرض الذّكر الذي يلحقه حكم التّطهير وهو في صلاته أم هل سلم وإنّما فاض أوّلًا بعد السّلام؟ فإنّ الصّلاة على مثل هذا صحيحة ولا تبطل إلّا بتحقّق المصلِّي فيضه إلى فرض الذّكر وهو في الصّلاة. الثّامنة عشرة: ليف الشّجر الذي يسقى بالنّجاسة وسعفه وجماره هل حكمه حكم التّمر فيصير نجسًا أم هو طاهر ولا يتنجّس إلا الثّمرة؟ الجواب: أمّا ليف النّخل وجماره وخوصه وغير ذلك إذا كان يسقى بالنّجس فلا ينجس من ذلك إلّا الثّمر فقط والزّرع وتنجيس سائر الأجزاء من القياسات الفادسة، فإنّ العلم نقل لا عقل وتنجيس ما سوى الثّمرة تهوس ووسواس يفعله بعض أهل العارض. والله أعلم. التّاسعة عشرة: هل يشترط لصحّة بيع الدّار رؤية داخل الحشّ ونحوه أم تكفي رؤية ظاهره فقط؟ الجواب: لا بدّ من رؤية المبيع إلّا ما ذكروا التّسامح فيه، فيكفي

стр. 516

رؤية الدّار أي غالبها المعتمد عليه الذي يزيد به الثّمن وينقص، وأمّا داخل الحشّ ونحوه فلا تشترط رؤية ذلك؛ لأنّهم صرّحوا بالتّسامح في أكثر من ذلك، فقالوا: يكفي رؤية وجه الرّقيق وظاهر الصّبرة ونحو ذلك. العشرون: إذا اشتريت ثوبًا ونحوه ثم بعته لآخر فوجد به عيبًا فردّه عليَّ؛ لأنّ القول قوله، ولم أملك ردّه على البائع الأوّل؛ لأنّه خرج عن يدي، فإذا ادّعيت على البائع الأوّل أنّ العيب موجود في المبيع وهو في يد البائع الأوّل، لكن لا أعلم به أنا يا أيها المشتري الأوّل إلّا بعد ما ردّه المشتري الثّاني، فإن أقمت بيّنة بدعواي فلا كلام، وإن لن أقم بيّنة فهل يثبت لي يمين البائع الأوّل أم لا؟ وإن ثبت لي يمين فما صفتها هل تكون على البتّ فيحلف لقد بعته بريئًا من العيب أو من هذا العيب أم على نفي العلم؟ الجواب: أمّا إذا خرج من يد المشتري ثم ردّ عليه بعيبٍ فلا ردّ له ولا أرش بعد خروجه عن يده، لكن متى قامت بيّنة البائع الثّاني الذي خرج عن يده أنّ ذلك العيب كان موجودًا عنده قبل بيعه ردّ عليه ومع عدمها عليه اليمين لقد بعته ما علمت به عيبًا. الحادية والعشرون: الحائط الذي بين جارين إذا جهلت حاله هل الأصل فيه الاشتراك أم عدم الاشتراك فلا يصحّ لوليّ اليتيم ووكيل الغائب إخراج شيءٍ من مالهما في بناء الجدار الذي بينهما وبين جارهما حتّى يحضر الغائب ويرشد الصّغير، أو يكون في بنائه مصلحة أو إزالة ضرر عهما؟ الجواب: أمّا الحائط المشترك الذي بين ملكين فإن علم ملكه لهما فغنمه وغرمه لهما، وإن لم يعلم، فإن قامت بيّنة للمدّعي اشتركا على ما

стр. 517

ثبت بالبيّنة وإلّا كان الأصل عدم الاشتراك. الثّانية والعشرون: الوثيقة إذا لم يحكم بصحّتها كاتبها هل يصحّ العمل بها أم لا يصحّ؟ وإذا لم يستوعب جميع الشّروط في البيع والهبة وغيرهما أيصحّ العمل بها أم لا يصحّ ولو حكم بصحّتها لعدم استيعاب جميع الشّروط؟ الجواب: الوثيقة إن علم أنّها خط رجل من أهل العلم وهي على عقدٍ صحيحٍ صحّ ذلك ووجب العمل بذلك إذا كملت الشّروط أو ذكر الفقيه معنى ذلك نحو قول الكاتب: عقد صحيح، أو بالشّروط المعتبرة أو نحو ذلك. الثّالثة والعشرون: إذا دفعت جلد الأضحية لقريبٍ أو صديقٍ لي غني على طريق الإباحة والانتفاع لا على طريق التمليك، فهل يصحّ الدّفع إليه على هذا المنوال وينتفع به كما أنتفع أنا ولا يصحّ له بيعه؛ لأنِّي لم أدفعه له إلّا لينتفع به أم لا يصحّ دفعه مطلقًا؟ الجواب: أمّا جلد الأضحية فانتفاع القريب ونحوه به مع غناه جائز لكون الدّافع أقامه مقامه فله أن ينتفع ويَمنع مما أنت ممنوع منه كالبيع ونحوه من المعاوضات. الرّابعة والعشرون: إذا حصل من النّخل الموقوف على غير معيَّن كالإمام والمدِّرس ونحوه غلة تبلغ نصاب الزّكاة، فهل تجب الزّكاة على مستحقّه أم لا؟ الجواب: أمّا النّخل الموقوف على غير معيّن كالإمام والمؤذّن فالثّمرة الحاصلة من ذلك لا زكاة فيها لتصريحهم في كتاب الزّكاة أنّها لا تجب في غلة الموقوف على غير معيّن، وجدك ﵀ يقول الإمام ونحوه يملك الثّمرة بالظّهور، فإذا حصل منها له نصاب زكّاه. هذا قوله ﵀ فجعله كالموقوف على معيّن وصريح كلامهم يخالف ذلك.

стр. 518

الخامسة والعشرون: الكيّ في المركوب وغيره من الحيوان هل هو عيب مطلقًا أم إن نقص القيمة فهو عيب وإلّا فلا؛ لأنّهم ذكروا أنّه عيب وأطلقوا؟ الجواب: أمّا الكي في الفخذ والبطن ونحوه مما لا ينقصه عند التّجار فليس بعيب، وإن كان مما ينقصه كالكي على المفاصل ونحوها فعيب، وحاصله ما نقصه في العرف فعيب وما لا فلا. السّادسة والعشرون: إذا انهدم حائط داري أو غيره من غير آفة حصلت له لكن من نفسه أو من آفة سماوية وحصل في ملك إنسانٍ أو في طريق نافذ وأضرّ بالمسلمين فهل يلزمنِي إزالته أم لا يلزمنِي لحصوله بغير تفريط منِّي؟ وهل إذا انقطع الحائط أو تعيب أسه فتركت هدمه وإصلاح أسه تماديًا ولم أطالب بنقضه حتّى سقط فهل يكون ذلك تفريطًا منِّي فيلزمنِي إزالته أم لا؟ الجواب: أمّا إذا انهدم الجدار لم يكن هدمه من مكلّف فصار في الطّريق أو في ملك الغير لم يلزم مالكه إزالته، وأمّا إذا مال الحائط أو انشقّ طولًا أو عرضًا لم يلزم صاحبه أيضًا ما تلف به ولا إزالة انقاضه من ملك الغير والطّريق، وسواء طولب بنقضه أم لا. قال في الإنصاف على الصّحيح من المذهب. وفي رواية ذكرها في الإقناع أنّه متى طولب بنقضه ولم يفعل ضمن، والأوّل المذهب، أي عدم الضّمان ولو طلوب بالنّقض، وكلّ التّفريع في الإقناع وغيره على هذه الرّواية، والمذهب عدم اللّزوم ولو طولب بالنّقض. السّابعة والعشرون: جريد النّخل الموقوف اليابس والمصفر وكربه

стр. 519

وليفه هل هو نماء فيجوز للموقوف عليه أخذه أم لا يصحّ فيصير حكمه حكم عين الوقف؟ الجواب: أمّا سعف النّخل وجريده اليابس وليفه الذي لا يضرّ وفرخه النّابت بعد الوقف فغلة لا إشكال فيها، صرح بذكر الفرخ منصور في باب الغصب من شرح الإقناع. والله أعلم. الثّامنة والعشرون: إذا دفعت فطرة زوجتِي أو ولدي أو من يلزمنِي فطرته إلى قريب لي محتاج لكن أنا أرثه لو يموت، فهل يصحّ هذا الدّفع أم يكون حكم فطرتهم حكم فطرتِي بنفسي فلا يصحّ الدّفع إليه؟ الجواب: أمّا إقامة الفطرة مقام الزّكاة فلا يجوز دفع ما يلزمك من الفطرة لزوجتك ونحوها إلى مَن أنت ترثه بفرض أو تعصيب فحكمها حكم فطرة نفسك. التّاسعة والعشرون: هل يجوز إخراج الفطرة من التّمر المعجون أو الضّميد إذا أخرجت الواجب بيقين؟ الجواب: إخراج الفطرة من التّمر المعجون أو الضّميد أو العبيط إذا أخرج ما يتيقن أنّه صاع نصّ على جواز إخراج الفطرة من مليح التّمر. الثّلاثون: إذا كان هنا أرض وقف على الصّوام يوضع في المسجد وغلتها عيش وله أيضًا نخل وقف على الصّوام وقصر التّمر عن إتمام الشّهر وصار التّمر ما يكفي رمضان كلّه، فهل يصحّ بيع العيش ويشتري بثمنه تمرًا يوضع في المسجد أم لا يصحّ بيعه بل يوضع فيه ويؤكل بنفسه، والتّمر أنفع للصّوام كما لا يخفى عليك؟ الجواب: أمّا بيع الغلة البر الموقوف بتمر فجائز سيما إذا كان أنفع.

стр. 520

الحادية والثّلاثون: إذا وجد كتاب فقهٍ أو تفسيرٍ أو حديثٍ مع قطاع الطّريق فهل يصحّ لي شراؤه مثل المصحف ويصير استنقاذًا أم لا يصحّ ويصير حكمه حكم سائر الأموال أم كيف الحكم؟ الجواب: كتاب الفقه والتّفسير والحديث مع قطاع الطّريق فحكمه حكم المصحف. والله أعلم. تَمَّت في ١٠ شوّال ١٣٤٣ هـ. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم -٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وله ﵀ جواب عن سؤالٍ ولم يذكر النّاسخ السّؤال: وأمّا إذا كان لرجلٍ على رجلٍ دَيْنَان: دَينٌ من ثمن نخل، ودَين من ثمن أرض مثلًا، وأوفَى الغريم مدينه أحد الدَّينين، وقال له المدين: أنا بريء. قال الغريم: أنت بريء، وشهد على البراءة شاهدان ثم قال المبرئ: ما أبرأتك من جميع الدَّين وإنّما أبرأتك من ثمن النّخل دون ثمن الأرض مثلًا، وأنت تعلم، فهل إذا شهد شاهدان على البراءة يكون عليه يمينًا بالله لقد برئت ذمّتِي وما علمت أنّك غالط ولا ناس والله ليس في ذمّتِي لك شيء لا من ثمن الأرض ولا غيرها؟ فاعلم، أنّ المبرئ إذا ادّعى على المبرأ علم الغلط في البراءة فله يمينه، ولو كان معه شاهدان أو أكثر لقد برئت ذمّتِي وما علمت أنّك غالط ولا ناس، وأنّه ليس في ذمّتِي لك شيء لا من ثمن الأرض ولا غيرها. والله أعلم. مسألة: وأمّا إذا وقف زيد على عمرو مثلًا عقارًا ثم على أولاده وشكّ هل الواقف أراد أولاده أو أولاد الموقوف عليه، فإن قامت لأولاد

стр. 521

الموقوف عليه بيّنة أنّ الواقف أراد الوقف عليهم بعد أبيهم فلا كلام وإلّا فمع الشّكّ في هذا اللّفظ وجود قول الواقف ثم على أولاده كعدمه ويكون الوقف على الموقوف عليه فقط لا على أولاده مع عدم بيّنتم، فإذا مات الموقوف عليه انصرف إلى عصبة الواقف نسبًا. والله أعلم. فصل: ولا يستحبّ للرجل في الصّلاة شد وسطه بمنديلٍ أو منطقةٍ ونحوها، نصّ عليه ويكره للمرأة. وقال ابن عقيل: يكره الشّدّ بالحياصة وعن أحمد ﵀ يكره لبس المنطقة في الصّلاة وغيرها ويحرم إسبال الثّوب والعمامة وغيرهما خيلًا، وإن فعل ذلك لحاجة من ستر ساق قبيح ونحوه فلا بأس، والسّنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف السّاق إلى الكعبين ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه نصّ عليه. وقال أبو بكر: يستحبّ أن يكون قميص الرّجل إلى الكعب أو إلى شراك النّعل وطول الإزار إلى مداق السّاقين، قال وقيل: إلى الكعبين، ويزيد ذيل المرأة على ذيله ما بين الشّبر إلى الذّراع. قال السّامري: هذا في حقّ مَن يمشي بين الرّجال كنساء العرب فأمّا نساء المدن فذيلها كذيل الرّجل -إلى أن قال-: باب اجتناب النّجاسة في البيوت وموضع الصّلاة، طهارة بدن المصلّي وثيابه وموضع صلاته من النّجاسة غير المعفو عنها واجب وفي اشتراطه روايتان، فمتى حملها أو لاقها موضع صلاته بشيء من بدنه أو ثيابه لم تصحّ صلاته. وذكر ابن عقيل في سترته المنفصلة عن ذاته إذا وقعت حال سجوده على نجاسة احتمالًا أنّ صلاته لا تبطل، فإن لصق ثوبه بثوبٍ نجَس على إنسان أو بحائط نجَس ولم يستند إليه فوجهان، وإن لصق حال قيامه أو

стр. 522

ركوعه أو سجوده بجدار نجَس مستندًا إليه لم يصحّ، ولو قابل بدنه حال ركوعه أو سجوده فوجهان: الصّحّة والبطلان، وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته، ولو حمل قارورة مسدودة فيها نجاسة بطلت صلاته، ولو حمل طائرًا طاهرًا لم تبطل، وإذا ذهب أثر النّجاسة على الأرض بريح أو شمس لم تطهر كما لو وقع ذلك في غيرها، وخرج بعض أصحابنا الطّهارة بذلك على التّطهير بالاستحالة ومَن رأى عليه نجاسة بعد الصّلاة ويعلم أنّها لم تكن في الصّلاة فصلاته صحيحة. وذكر القاضي في التّبصرة وجهًا آخر أنّها تبطل، وإن علم أنّها كانت في الصّلاة لكن جهلها أو نسيها حتّى صلى أو عجز عن إزالتها فلا إعادة عليه، وعنه يلزمه الإعادة. قال القاضي: يجب مع النّسيان رواية واحدة. وإن علم بالنّجاسة في أثناء الصّلاة إلى أن قال: فإن كانت النّجاسة رطبة أو ماء وجهًا واحدًا، ومتى صلّى ففي الإعادة روايتان. وذكر القاضي رواية أنّه لا يصلّي تخريجًا، وإذا خفي موضع النّجاسة من الثّوب أو البدن غسل ما يعلم به طهارته وكذا حكم البقعة الصّغيرة، وإن اشتبه موضع النّجاسة من الصّحراء صلّى حيث شاء، فإن طيَّن الأرض النّجسة أو بسط عليها شيئًا طاهرًا ثم صلّى كره له ذلك في أصحّ الرّوايتين، وفي صحّة صلاته روايتان. وكذا لو صلّى على بساط على باطنه نجاسة لم تنفذ إلى ظاهره. واختار ابن أبي موسى إن بسط على نجاسة رطبة لم تصحّ، وإن كانت يابسة صحّت، ولو بسط على الأرض الغصب ثوبًا له وصلّى عليه لم تصّح، ولو كان له علو وسفل فصلّى في ملكه مع غصبه السّفل صحّت صلاته.

стр. 523

وفي باب صفة الأئمة قوله: والجواز للإمام الأعظم خاصّة. وإذا أقيمت الصّلاة وهو في المسجد والإمام مِمَّن لا يصلح فإن شاء صلّى خلفه وأعاده، وإن شاء صلّى وحده إلى أن قال في الباب الآخر: قوله: فإن كبر عن يمينه وجاء آخر فإنّه يكبّر معه ويخرجان إلى وراء الإمام، فإن كبّر الثّاني عن يساره أخّرهما الإمام بيده إلى ورائه ولا يتقدّم الإمام إلّا أن يكون وراءه ضيّقًا. وإن أدركهما في التّشهّد كبّر وجلس عن يمين صاحبه أو عن يسار الإمام. انتهى. ... رسالة للشيخ عبد الوهاب بن الشيخ سليمان، والد شيخ الإسلام ... هذه رسالة للشّيخ عبد الوهّاب بن الشّيخ سليمان بن عليّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن أحمد بن سحيم إلى جناب الأخ في الله الشّيخ المكرّم عبد الوهّاب بن الشّيخ سليمان بن عليّ سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ فالمرجو من إحسانكم تكتب لنا جوابًا عن أحوال هؤلاء الفقراء الْمُنكرة من أخذهم النّار وضربهم أنفسهم بالحديد ونطوطهم من السّطوح ولعبهم بذكر الله حتّى إنّهم يفعلونه كالنّبح والمسؤول من جنابك أن تطيل لي الكلام في ذلك. والسّلام. وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وما ذكرت من أمر هؤلاء الشّياطين الفسقة الذين يسمّون أنفسهم الفقراء فاعلم يا أخي أنّ هؤلاء شياطين وأنّ أفعالهم منكرة بل، والعياذ بالله بعض أفعالهم كفر ولا شكّ ولا ريب عند مَن له أدنى عقل ومسكة في الدِّين أنّهم منافقون أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من أفعالهم.

стр. 524

وأمّا دخولهم النّار ونطوطهم من السّطوح وضربهم أنفسهم بالحديد. فاعلم أنّ منشأ البدعة من المجوس والصّابئين الكافرين بالله ورسوله وقوم من المجوس يسمّون الزّطّ يدخلون النّار ولا يحسّون بها ويضربون أبدانهم بالحديد ويحمون الحديد حتّى يحمي ويضعونه على أبدانهم ولا يحسّون بذلك، ومن هؤلاء مَن يطير في الهواء، ومنهم مَن يركز الرّمح ويرقي عليه ويجلس على الحربة ويحدّث النّاس ولا يحسّ بذلك. ومنهم مَن يمضي له عشرة أيّام وأقلّ وأكثر ولا يأكل شيئًا من الطّعام. ومنهم مَن يخاطب من الهوى يسمعون الحسّ ولا يرون الشّخص. ومنهم مَن يظهر له الكشف عن أحوال بعض النّاس الخفية ويخبر بذلك، وكلّ هذه الشّعبذة من المنكرات وأحوال شيطانية. وأمّا ضربهم بالسّلاح ولا يحسّون بذلك فاعلم يا أخي أنّهم ليسوا بأفضل من الأنبياء، فإنّ أنباء بني إسرائيل قتلهم فساقهم، منهم زكريا ﵇ نشر بالمنشار وزهقت نفسه، ويحيى بن زكريا قتل وقطع رأسه، والنَّبِيّ ﷺ شجّ رأسه وكسرت رباعيته، ولا يخفاكم مَنْ قُتِلَ مِن أصحابه. أفترون هذا الفاسق الزّنيم الذي يسمّونه الذّيخ عنيد وأضرابه من الفاسقين أفضل من الأنبياء؟ ومن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وهل يشكّ عاقل يعزّ عليه دِينه في أنّ هذه أمور شيطانية، فإنّ أحدهم إذا لبسه الشّيطان فعل ما أراد من دخول النّار والنّطوط من السّطوح والإخبار بالمغيّبات. وسلِّم لي على الشّيخ عثمان بن عبد الله بن شبانة، والشّيخ عبد القادر العديلي وسائر الإخوان. واعلموا أنّ أهل حرمة وأضرابهم الذين اتّبعوا هذا الشّيطان أتباع كلّ ناعق وأنّ مَن حضرهم منهم أو جادل عنهم أو قال: إنّ لهم أشياء مستحسنة فلا يصلّى خلفه، ولا تقبل شهادته. واعملوا أنّه حرام

стр. 525

عليكم قبول شهادتهم الصّلاة خلفهم. وأمّا نسبة هؤلاء الشّياطين الفاسقين المعلنين ذلك إلى الشّيخ عبد القادر الجيلاني فحاشاه من ذلك، وهو من كبار العلماء، ومن أولياء الله، وكتبه وتصانيفه عندنا لم يعرف أنّه أمر بذلك ولا ضرب أحد عنده بدفّ ولا ضرب أحد نفسه عنده بدبوس أو نطّ من شيء عال، ولو رآهم لقاتلهم على ذلك، وقيل لنا: إن صحّ إنّ شخصًا من أهل حرمة رأى في المنام أنّ شيطانًا على سرير يحمله شياطين، وأنّه قال: أنا عبد القادر، وأنّ مَن تعرّض لفقرائنا مات، وهذا لا شكّ أنّه من الفاسقين الكاذبين. فالله الله في إنكار ذلك يا إخوانِي، والتّحذير عنهم، وإنكار هذه المنكرات باليد واللسّان، ولولا ضيق الورقة لذكرنا كثيرًا من كلام العلماء وإنكارهم لذلك. والله أعلم. ﴿انتهى القسم الثّاني﴾ ﴿من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجدية﴾

стр. 526

القسم الثالث رسائل وفتاوى لغير سلالة الشيخ من علماء نجد ... رسائل وفتاوى للشيخ حمد بن ناصر بن معمر ... القسم الثّالث من الجزء الأوّل ﴿من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجدية﴾ رسائل وفتاوى لبعض علماء نجد الأعلام ﴿رسائل وفتاوى الشّيخ حمد بن ناصر بن معمر﴾ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. مسائل*: الأولى: ما قول العلماء ﵃ فيمَن صلّى خلف الإمام، ما حكمه؟ الْجواب -وبالله التّوفيق-: السّنة أن يقوم المأمومون خلف الإمام، فإن كان واحدًا صلّى عن يمينه، فإن كانت معهم امرأة قامت خلفهم، فإن وقف المأموم قدام الإمام لم تصّح صلاته، وإن وقف الرّجل خلف الصّفّ أو خلف الإمام لم تصحّ صلاته. الثّانية: هل تصحّ صلاة مَن أخلّ بإعراب الفاتحة أم لا؟ الْجواب -وبالله التّوفيق-: يلزم القارئ أن يقرأ الفاتحة مرتّبة مشدّدة غير ملحون فيها لحنًا يحيل المعنى نحو أن يقول: (أَنْعَمْتُ) برفع التّاء، فإن فعل لم يعتد بقراءته إلّا أن يكون عاجزًا وهذا مذهب الشّافعي، فإن كان لحن فيها لحنًا لا يحيل المعنى، نحو أن يكسر النّون لم تبطل صلاته. الثّالثة: إذا صلّى مَن في بدنه أو ثوبه نجاسة نسيها أو لم يعلم بها إلّا بعد انقضاء صلاته هل يعيدها أم لا؟

стр. 527

الْجواب -وبالله التّوفيق-: هذه المسألة فيها روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تفسد صلاته. وهو قول ابن عمر وعطاء، لحديث النّعلين، وفيه: "يصلّي بأصحابه إذا خلع نعليه إلى أن قال: إنّ جبريل أتانِي فأخبرنِي أنّ فيهما أذى". رواه أبو داود، ولو بطلت لاستأنفها. والثّانية: يعيد، وهو مذهب الشّافعي، فإن علم بها في أثناء الصّلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثيرٍ كخلع النّعال والعمامة ونحوها أزالها وبنى على ما مضى من صلاته وإلّا بطلت. الرّابعة: إذا صلّى الإمام محدثًا جاهلًا هو والمأمومون حتّى سلّموا ما حكم صلاتهم؟ الْجواب -وبالله التّوفيق-: صلاتهم صحيحة دون الإمام؛ فإنّه يعيد. روي عن عمر وعثمان عليّ ومالك والشّافعي، وإن علمه في الصّلاة بطلت وأعادها. الخامسة: إذا كان في أعضاء الوضوء نجاسة أو في بدن الجنب نجاسة فزالت بغسل مَن نوى غسل الجنابة ولم ينو إزالتها هل تزول أم لا بدّ من النّيّة؟ الجواب: غسل الجنابة لا يفتقر إلى النّيّة بل متى زالت النّجاسة بالماء طهر المحلّ؛ لأنّها من باب التّروك بخلاف الأوامر فإنّها تفتقر إلى النّيّة لقوله ﵊: "إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى". الحديث لكن عليه أن يزيل النّجاسة عن أعضائه وعن بدنه قبل الغسل. السّادسة: إذا توضّأ الإنسان لمشروع كالنّافلة وصلاة الجنازة لم ينو به الفرض هل يصلّي به الفرض أم لا؟

стр. 528

(الجواب): يصلي به ما شاء فرضًا أو نفلًا، قال في "الشرح الكبير": ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد. لا نعلم فيه خلافًا. (السابعة): إذا دخل الوقت على عادم الماء، وهو يرجو أن يصلي في آخر الوقت، هل يصلي بالتيمم في أول الوقت أو يؤخر الصلاة حتى يأتي الماء؟ (الجواب): قال في "الشرح": يستحب تأخير التيمم لآخر الوقت كمن يرجو وجود الماء، روي ذلك عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل. انتهى. (الثامنة): إذا طلقت المرأة وهي ترضع، ولم يأتها الحيض بسبب الرضاع ما عدتها؟ (الجواب): هي في عدة حتى يأتيها الحيض، فتعتد به ثلاث حيض أو تصير آيسة فتعتد بثلاثة أشهر. (التاسعة): إذا ادعت المرأة أنها اعتدت بعد الطلاق في وقت تمكن العدة فيه، هل تصدق أم لا؟ وإذا شهدت امرأة أو امرأتان أنها اعتدت بالحيض، هل تقبل شهادتهن في ذلك لعدم اطلاع الرجال أم لا؟ (الجواب): تصدق، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية، وإذا شهدت امرأة عدلة أنها حاضت ثلاث حيض وهو ممكن قبلت، والأحوط شهادة امرأتين. (العاشرة): هل وجه الأمة المملوكة عورة، فيلزمها الخمار كالحرة أم لا؟ (الجواب): لا يلزمها؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء عن التقنع، فاشتهر ولم ينكر فكان إجماعًا، لكن إن كانت المرأة جميلة يخشى بها الفتنة فلا يجوز النظر إليها بشهوة. وأما الحرة فلا يجوز كشف

стр. 529

وجهها في غير الصّلاة بغير خلاف، والأمة إذا عتقت فهي حرّة. الحادية عشرة: ما حكم الكلام عند الأذان والإقامة وتلاوة القرآن والكلام عند الجماع؟ الجواب: قال في الشّرح: يستحبّ لِمَن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذّن إلّا في الحيعلة فإنّه يقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وهذا مستحبّ لا نعلم فيه خلافًا. ثم يقول: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. رواه البخاري. وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة. وأمّا الكلام عند تلاوة القرآن فقال النّووي في كتابه: (التّبيان) ويتأكّد الأمر باحترام القرآن من أمور، فمنها: اجتناب الضّحك واللّغط والحديث في خلال القرآن إلّا كلام يضطرّ إليه ويتمثل لأمر الله. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، [الأعراف: ٢٠٤]. أي: اسكتوا، وعن عمر أنّه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلّم حتّى يفرغ مما أراد أن يقرأه. انتهى. وأمّا الكلام حال الجماع فيكره كثرة الكلام حال الوطء، قيل: إنّه يكون منه الخرس والفأفاء. الثّانية عشرة: هل ينادي الشّخص والديه بأسمائهم، أو قرابته أم هو من العقوق؟ الجواب: قال في (كتاب الأذكار): باب نهي الولد، والمتعلّم والتّلميذ أن ينادي أباه، أو معلّمه، أو شيخه باسمه. رويناه في كتاب ابن السّنِي عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا معه غلام، فقال: "يا غلام مَن هذا؟ "

стр. 530

قال: أبِي. قال: "لا تَمْش أمامه، ولا تستبر* له، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه". قلت: معنى "لا تستبر* له"، أي: لا تفعل فعلًا تتعرّض فيه إلى أن يسبك زجرًا وتأديبًا على فعلك القبيح. وروينا فيه عن عبد الله بن زحر قال: كان يقال من العقوق أن تدعو أباك باسمه، وأن تمشي أمامه في الطّريق. انتهى. وأمّا القرابة غير الوالدين فلا أعلم بندائهم بأسمائهم بأسًا. الثالثة عشرة: هل يجوز التّفرقة بين المملوكة وولدها في البيع أم لا؟ الجواب: لا يجوز التّفريق بين ذوي رحم محرّم قبل البلوغ لقوله ﷺ : "مَن فرَّق بين والدة وولدها فرّق بينه وبين أحبّته يوم القيامة". حديث حسن. الرّابعة عشرة: هل يفتقر غسل النّجاسة إلى عددٍ أم لا؟ الجواب: أمّا نجاسة الكلب والخنْزير وما تولد منهما إذا أصابت غير الأرض فيجب غسله سبعًا إحداهن بالتّراب سواء من ولوغه أو غيره؛ لأنّهما نجسان وما توالد منهما؛ لقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا". متّفق عليه. ولمسلم: "أولاهن بالتّراب". وأمّا النّجاسة على الأرض فيطهرها أن يغمرها في الماء، ويذهب عينها ولونها لقوله ﷺ : "صبوا على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء". متّفق عليه. وأمّا باقي النّجاسات ففيه عن أحمد ثلاث روايات: الأولى: تغسل سبعًا. والثّانية: ثلاثًا. والثّالثة: تكاثر بالماء حتّى تذهب عينها ولونها من غير عددٍ لقوله ﷺ : "اغسليه بالماء". ولم يذكر عددًا، وهو مذهب الشّافعي واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المفتى به عندنا. الخامسة عشر: إذا تكلّم المصلّي في نفس الصّلاة أو تنحنح هل تبطل صلاته أم لا؟
следующие страницы →