← Джавами‘

Джавами‘ · id 16865

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - ط المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (2 581 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وإن نفذناه بها. انتهى ملخّصًا. وقال في المنتهى وشرحه لتقيّ الدِّين الفتوحي: ولا فرق في عدّة وجبت بدون وطء بين نكاح فاسدٍ وصحيحٍ نصّ عليه. والمراد بالفاسد المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوّج بلا ولي ونحو ذلك، ولا عدّة في نكاح باطلٍ أي مجمع على بطلانه إلّا بوطء؛ لأنّ وجود صورته كعدمه. انتهى ملخّصًا. وقال في الرّوض المربع: تلزم العدّة كلّ امرأة فارقت زوجها بطلاقٍ أو فسخٍ أو خلعٍ حتى في نكاح فاسدٍ في خلاف كنكاح بلا ولي إلحاقًا له بالصّحيح. ولذلك وقع فيه الطّلاق. وإن كان النّكاح باطلًا وفاقًا أي: إجماعًا كنكاح خامسة أو معتدّة لم تعتدّ للوفاة إذا مات عنها، ولا إذا فارقها في الحياة قبل الوطء؛ لأنّ وجود هذا العقد كعدمه. انتهى. وبنحو ما ذكره مَن نقلنا كلامهم قاله غيرهم. فلا نطول بنقله. وقد أسلفنا لك في الجواب السّابق قول المغني والشّرح؛ لأنّه أي: النّكاح الفاسد يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق. ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى كلامه في المغني والشّرح. فظهر مما نقلناه الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ أو فسخٍ ولا يجب به عدّة ولا مهر بون الوطء. ومن صور الباطل أيضًا: نكاح الخامسة ونكاح المعتمد كما مثل به صاحب الرّوض. ومنها أيضًا: نكاح الموطوءة بشبهةٍ ونكاح زوجة الغير وذات المحرم من نسب ورضاع. والله أملم. المسألة الثّانية: ما معنى قوله في شرح الزّاد: ويقبل قول قابضٍ

стр. 457

في ثابت في ذمّة من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ ونحوه إن لم يخرج عن يده انتهى. فما صورة ذلك؟ الجواب: معنى هذه العبارة: أنّه إذا ثبت على عمرو لزيدٍ عشرة آصع مثلًا، سواء كانت ثمن بيع باعه زيد إلى عمرو أو قرض أقرض زيد عمرًا أو دَين سلم في ذمّة عمرو لزيد أو أجرة دار في ذمّة عمرو لزيدٍ أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيد فثبت غرمها في ذمّته فبعد ما قبضه زيد من عمرو بعيبٍ وجده فيها وأنكر عمرو كون الآصع المردودة هي الآصع التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو قول زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بثاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت، والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبّرنا بالقابض ليشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر ونحوهم. المسألة الثّالثة: هل تجوز الإقالة في غير المسلم بأكثر من رأس المال سواء تقابضا أم لا؟ وهذا كثير في النّاس إذا اشترى الإنسان سلعة بنقد أو غائب ثم طلب المشتري من البائع الإقالة ويدفع إليه شيئًا من المال يتراضيان عليه. الجواب: لا تصحّ مع زيادة على ثمن معقود به أو مع نقصه أو بغير جنسه؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر على ما كان عليه ورجوع كلّ منهما إلى ماله، فلو قال: أقلنِي ولك كذا، ففعل فكرهه أحمد لشبهه بمسائل العينة؛ لأنّ السّلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم. قال ابن رجب: لكن محذور الرّبا هنا بعيد. انتهى من المنتهى وشرحه. ولا فرق فيما قبل القبض أو بعده حتى في مكيلٍ وموزونٍ لكونها فسخًا

стр. 458

على المشهور المختار للأصحاب؛ لإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر على جوازها في السّلم مع النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. المسألة الرّابعة: إذا قلنا إنّه ليس إلّا الرّدّ والإمساك في المعيب كما هو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة، وكان ظهور العيب بموضع ضرورةٍ كالمسافر على الدّابّة وراكب السّفينة فهل يتعيّن الأرش في هذه الحال على هذا القول حضر البائع أو غاب؟ الجواب: لا ريب أنّ القائلين بهذا القول كأبي حنيفة والشّافعي وأبي العبّاس يقيّدونه بما إذا لم يتعذر ردّه، لكن الذي يظهر من كلامهم أنّ ما ذكرته في السّؤال ليس من صور التّعذّر الذي عنوه، وإنّما الذي أرادوه كعتق العبد وإعتاقه وقتله وموته ونحو ذلك مما ييأس معه من الرّدّ غير عالمٍ بعينه. أمّا ما ذكرته فلا يظهر أنّه تعذر ولا يوصف بموضع الضّرورة؛ لاندفاعه بالإمساك مجانًا لاسيما واللّزوم والجواز عارض، ثم رأيت بعض القائلين بهذا القول صرّح في كتابه باعتبار اليأس من الرّدّ وانحصار أسبابه يستحقّ معها الأرش في ثلاثة أمور. فقال: ولغير مقصر أيس من ردّ بتلف ونكاح وتعيب لا بيع أرش. انتهى. قال الشّارح: قوله: أرش مبتدأ خبره: ولغيره مقصر أيس، ويجوز أن يجعل قوله: أرش فاعلًا لفعلٍ مقدّرٍ دلّ عليه قوّة الكلام، وأيس صفة لغير، والمعنى: ويثبت لغير مقصر في أداء المعيب أرش، وأفاد انحصار الأسباب في الأمور الثّلاثة. انتهى من بعض كتب الشّافعية. وقوله: لا بيع، جرى على أحد القولين عندهم من أنّ البيع لا يحصل به اليأس من ردّ المعيب؛ لأنّه ربّما عاد، والقول الثّاني لهم أنّ البيع أثر رابع يحصل به اليأس كالتّلف والنّكاح والتّعيب.

стр. 459

إذا تقرّر لك ما ذكرناه فاعلم أنّه إن كان من التزام ما لا يلزم أن يقوى عندنا من المذهبين في هذه المسألة ما عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- من القول بالأرش مع الإمساك مطلقًا، أو الرّدّ سواء أمكن الرّدّ أو تعذّر؛ لأنّه أمكن تقرير العقد من غير ضررٍ. قال في الشّرح الكبير: ولأنّه ظهر على عيبٍ لم يعلم به فكان له الأرش كما لو تعيب عنده. اهـ. ولرضاء المتعاقدين على أنّ العوض في مقابلة المعوض فكلّ جزء من العوض في مقابلة جزء من المعوض ومع العيب فإنّه جزء فيرجع ببدله، وهو الأرش. انتهى من شرح المنتهى لمنصور. وأجابوا عن حديث المصراة الذي استدلّ به المانعون من الإمساك مع الأرش سوى ما ذكروه بأنّ المبيع في المصراة ليس فيه عيب، وإنّما ثبت له الخيار بالتّدليس لا لفوات جزء كما في المعيب فلم يستحقّ شيئًا. اهـ. وحيث اختير الرّدّ على كلّ من المذهبين فإنّه لا يفتقر إلى حضور البائع كما لا يفتقر إلى رضاه، والمبيع بعد فسخ؛ لأنّه ذكره في المنتهى وغيره. المسألة الخامسة: إذا طلقت المرأة وهي حامل فلمّا انقضت عدّتها بوضع الحمل تزوّجت ثم طلّقها الثّاني ولم تحض بعد طلاقته هل تعتدّ بثلاثة أشهر أم يصير حكمها حكم مَن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟ الجواب: صرح الفقهاء من الحنابلة والشّافعية بأنّ المعتدّة إذا علمت ما رفع حيضها من رضاعٍ، أو نفاسٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو قحطٍ أو ضيق عيش وجوعٍ ونحو ذلك، فإنّها لا تزال في عدّة حتّى يعود الحيض فتعتدّ به، وإن طال الزّمن أو تباعدت الأقراء أو حتّى تصير إلى سنّ الإياس فتعتدّ عدّة الآيسة. نصّ عليه الإمام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وابن

стр. 460

منصور، وهو المجزوم به عند المتأخّرين من الأصحاب والمحقّقين من الشّافعية؛ لقصة حبان بن منقذ وزوجته، وهي مشهورة. وهذه المرأة المسؤول عنها تذكر أنّها عالمة لما رفع حيضها وهو الرّضاع فلا تزال في عدّة حتّى يعود إليها أو تبلغ سن الإياس على هذا القول المعتمد من الأقوال. المسألة السّادسة: إذا ارتفع حيض المرأة مدّة طويلة لا تدري ما رفعه، وهي تلك المدّة مع زوجٍ ثم طلّقها هل تعتدّ بسنة أو بثلاثة أشهر؟ الجواب: أنّها تعتدّ بسنة من الطّلاق. قال في شرح الإقناع: مَن ارتفع حيضها ولو بعد حيضةٍ أو حيضتين لا تدري ما رفعه اعتدّت بسنة منذ انقطاع بعد الطّلاق، فإن كان انقطاعه قبل الطّلاق فمن تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدّة. انتهى. والقاعدة: عود الضّمير إلى أقرب مذكورٍ. فقد عرفت أنّ العدّة المسؤول عنها سنة من الطّلاق. المسألة السّابعة: ما الرّاجح عندكم من الأقوال فيمَن اتّجر بمال الغير بغير إذنه إلى آخر السّؤال؟ الجواب: الأشبه بالقواعد الشّرعية ما اقتضته المعاقد المذهبية من تحريم التّصرّف في مال الغير بغير إذنه. إذا علم بالحال وأنّ حكمه حكم الغاصب لتعدّيه بتناوله المحظور عليه شرعًا بغير إذن مالكه، فنصحّح تصرّفه، يعنِي: أنّ الرّابح الحاصل بتصرّفه لمالك المال كأصله؛ لأنّه ملكه ونتيجته وليس للمتصرّف من الرّبح شيء، ونصّ عليه الإمام أحمد في المتجر بالوديعة في رواية الجماعة. قال ابن نصر: نصوص أحمد متّفقة على أنّ الرّبح للمالك. المسألة الثّامنة: إذا أوقف إنسان آصعًا في نخله أو أرضه عمومًا ثم

стр. 461

اقتسم الورثة وجعلوا للوقف قطعة تفي بالآصع ثم تعطّل نفعها أو نقص فهل يرجع الوقف على أهل القسمة ويوزع على قدر السّهام النّقص أو الكلّ إذا تعطلّ؟ الجواب: الذي تقتضيه قواعد الفقهاء أنّ الإفراز المذكور للوقف لا يصحّ لوجوب العمل بنصّ الواقف وتعيينه. وهذا تحيل على إبطال الوقف أو تقليله بتحويله عن جميع الملك إلى جزءٍ يسيرٍ منه يتلف بتلفه ويضعف بضعفه، ومن المعلوم ضرورةً أنّ غرض الواقف أن يجعله في غلّة جميع الملك وبقاؤه على الدّوام، وعبارة الفقهاء طافحة بمنع التّصرّف في الوقف مِمَّن له الولاية عليه بالأحظّ أو مصلحة الوقف فيه، أو بما يقلّل الرّغبات فيه ولو مآلًا. فأقول: الآصع المذكورة باقية في غلّة جميع الملك ما بقي الملك، لا تزول ولا تغير والحال ما حال. الله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. - ٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُئِلَ الشّيخ حسن بن حسين عن رجلٍ أوصى لآخر بوصيّة فماتا بحادثٍ عمّهما ولم يعلم أيّهما السّابق، هل تنفذ الوصّية والحال ما ذكر فيستحقّها ورثة الموصى له أم لا تصح؟ فالجواب: الذي يظهر أنّها لا تنفّذ، ولا تصحّ من وجهين: الأوّل: أنّ الوصيّة هي ... ١ بالتّصرّف بعد الموت، فهي جارية

стр. 462

مجرى الميراث من حيث كونها انتقال مالٍ من إنسانٍ بغير عوضٍ فلا تستحقّ إلا بتحقّق حياة الموصى له بعد الموت الوصيّ. الوجه الثّاني: أنّ الذي عليه جمهور الفقهاء أنّ الملك لا يثبت للموصى له إلّا بالقبول بعد الموت إذا كان الموصى له واحدًا أو جمعًا محصورًا، قال أحمد: الهبة والوصيّة واحد. وقد عرفت أنّ الوصيّة المذكورة لا تنفّذ ولا تصحّ. والله أعلم. - ٧ - وله أيضًا قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصّلاة والسّلام على رسول الله ﷺ وآله وصبحه أجمعين. أمّا بعد؛ فهذا جواب ما سأل عنه الأخ عبد الله الفائز كثّر الله تعالى فوائده على الوجه الأخصّ. قال السّائل: المسألة الأولى: إذا دخلت باء البدلية على المسلم فيه وكان بلفظ البيع هل يكون بيعًا أم سلمًا؟ لأنّهم ذكروا أنّ ما دخلت عليه الباء فهو الثّمن ولو أنّ أحدهما نقد هنا دخلت على المثمن. الجواب: اعلم أنّ أصل تأسيس القاعدة المذكورة اختلاف وقع في الثّمن، هل هو النّقد أو ما التصقت به الباء؟ وإن كان أحد العوضين نقدًا فهو الثمن. وإلا يكن فما دخلت عليه الباء فيه أقوال ثلاثة. إذا عرفت ذلك، فالمذكور على الوجه المزبور سلم؛ لأنّا إن قصرنا القاعدة على بيوع الأعيان دون غيرها بقرينة ذكرهم لها في قبض المبيع أو في الصّرف للاحتياج فيها أي: في بيوع الأعيان إلى تمييز الثّمن من المثمن المعينين

стр. 463

الحاضرين، فهي لا تتناول عقد السّلم ويرشحه ما نبّه عليه بعضهم من أنّ قواعد الأصحاب توكيلية وأكثرية، وإن لم تقصر القاعدة على بيوع الأعيان لكوننا لم نجده صريحًا في كلامهم، وإن صرّح به غيرهم في قوله لما تساوى الثّمن المعيّن والمبيع احتيج إلى معرفة الثّمن من المثمن بالباء. انتهى. فالذي أظهره أمام التّصحيح في التّنقيح أولى بالتّرجيح حيث قال: وقيل: إن كان أحدهما نقدًا فهو الثّمن وإلّا تميّز بالباء، وهو أظهر. انتهى. المسألة الثّانية: إذا أجّر إنسان أرضًا ونحوها من غير تقدير مدّة معلومة بل قال: كلّ سنة بكذا، هل يكون لهما أو أحدهما الفسخ عند مضي السنة أم لا؟ الجواب: إن أكرى الدّار ونحوها كلّ شهر بدرهم أو أكراه للسّقي كلّ دلو بثمنٍ صحّ العقد فعلى هذا تلزم الإجارة في الشّهر الأوّل بإطلاق العقد. قاله في المغني والشّرح, وما بعده يكون مراعى، ونبّه عليه بقوله: وكلّما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة إن لم يفسخا الإجارة أو له ولكلّ واحدٍ منهما، أي: من المؤجِّر والمستأجر عقب انقضاء كلّ شهر الفسخ على الفور في أوّل الشّهر، وليس بفسخ على الحقيقة؛ لأنّ العقد الثّاني لم يثبت. قاله في المغني والشّرح والرّعاية. قال في المغني والشّرح: إذا ترك التلبس به فهو كالفسخ لا تلزمه أجرة. انتهى من الإقناع وشرحه. المسألة الثّالثة: هل يجوز خلط البرّ بالشّعير؟ الجواب: أمّا للبيت فيجوز. وأمّا للبيع ونحوه فمكروه لما فيه من الغشّ والتّدليس. وضابط الغشّ المحرم اشتمال البيع ونحوه على وصف نقصٍ لو علم به المشتري امتنع من شرائعه، وأكثر النّاس لا يعلمون قدر المشوب وإن شاهدوه. وروى ابن ماجه وابن عساكر عن صهيب مرفوعًا:

стр. 464

"ثلاثة فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمعاوضة، وخلط البرّ بالشّعير للبيت، لا للبيع". لكن قال الحافظ الذّهبي: إنّه واهٍ جدًّا. وقال البخاري فيما نقله عنه ابن حجر: إنّه موضوع. المسألة الرّابعة: الأرض المحتكرة ما هي هل المسمّاة في زماننا المصبرة أم لا؟ الجواب ١: لا تصحّ لكونها من أنواع البيع لكنها اختصت بهذه الأسماء كاختصاص الصّرف والسّلم باسمائهما والجميع بيع. فالتولية البيع برأس المال، والشّركة بيع بعضه بقسطه من الثّمن، ولا يصحّ بيع المسلم فيه قبل قبضه. قال في المغني والشّرح: بغير خلاف نعلمه لنهيه ﵊ عن بيع الطّعام قبل قبضه. انتهى. المسألة الخامسة: الرّهن المنقول كالسّيف ونحوه إذا رهنه شخص عند آخر ثم رهنه المرتهن عند غيره بغير إذن راهنه الأوّل، هل يزول لزومه بإخراجه عن يده؟ فإن قلتم: يزول، فهل عنهما أو عن أحدهما؟ الجواب: يزول لزومه عنهما معًا أمّا المرتهن فلإخراجه له باختياره واستدامة قبضه شرط للزومه فانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. قال في شرح الإقناع: فإذا لم يكن المرهون في يده زال. انتهى. وأمّا الثّاني وهو راهنه؛ لأنّه ممنوع التّصرّف مطلقًا بغير إذن الرّاهن. صرّح به في شرح الإقناع وغيره. المسألة السّادسة: إذا استدان زيد من عمرو دينًا ورهنه به رهنًا ثم استدان عمرو من بكرٍ دَينًا فرهنه به مرهون زيد برضا زيدٍ، هل يصحّ أم لا بدّ من فسخ عمرو للرّهن ويقع عقد الرّهن بين زيد وبكر أم لا يصحّ في الصّورتين؟

стр. 465

الجواب: ظاهر كلامهم صحّة رهن المرتهن للمرهون بإذن راهنه عند أجنبِي، ويكون فسخًا للرهن الأوّل كالبيع بالإذن. وأمّا قولهم: المشغول لا يشغل، والمرهون لا يرهن، فمرادهم به جعله مرهونًا بالدَّينين معًا فاعمله. المسألة السّابعة: إذا اشتريت مكيلًا فهوة أو نحوها كيلًا كلّ عشرة آصع بكذا فكانت من الصّبرة عشرة ووزنته بالميزان وعرفت مبلغ العشرة وزنًا ثم أخذت الباقي وزنًا على هذا التّقدير فهل يصحّ هذا القبض أم لا؟ الجواب: إذا انتفى الغرر وحصل العلم بالمبيع المكيل وزنًا فلا مانع من صحّة القبض لنصّ الفقهاء على جواز قبض المكيل وزنًا وبالعكس في غير بيع الجنس الواحد بعضه ببعض وفي غير اقتضاء دَين السّلم في رواية المروذي واختارها جمع منهم: ابن أبي عمر وجزم به في الوجيز، وسيأتي في جواب العاشرة قول المنتهى وشرحه كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة مع أنّ كلّ مائع مكيل. المسألة الثّامنة: إذا اشترط المشتري على البائع قوّة الكيل وزاد بها زيادة بيّنة بمشاهدة البائع له ورضاه به، هل تحلّ هذه الزّيادة للمشتري؟ الجواب: إذا اتّفق البائع والمشتري على ما ذكر ولا غرر في ذلك فلا مانع، وقد نصّ الإمام أحمد ﵀ على كراهة الزلزلة عند القبض لاحتمال زيادة على الواجب. قال الفتوحي في شرح المنتهى: ولأنّ الرّجوع في كيفية الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم تعهد فيها. انتهى. قال الشّيخ منصور: وفيه نظر. بل عهد ذلك في بعض الأشياء، فعليه لا يكره فيها. انتهى. قلت: وعليه أيضًا لا يكره في القهوة ونحوها لكون العرف

стр. 466

فيها زلزلة المكيال، وذكر الشّيخ محمّد الخلوتي أنّ الآية محمولة على ما يتضمّن أخذ زيادة لا تسمح بها النّفوس عادةً. المسألة التّاسعة: إذا باع إنسان آخر موزونًا كتمر متحيل مثلًا مشاهدًا بظروفه على أنّ كلّ رطلٍ بدرهمٍ والظّروف تحسب تمرًا ولم يعلما قدرها لا مع العقد ولا بعده هل يصحّ العقد أم لا؟ الجواب: يصحّ بيع بوعاء كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة كلّ رطلٍ بكذا مطلقًا، أي: سواء علما مبلغ الوعاء أو ما به أو لا لرضاه بشراء الظّروف كلّ رطلٍ بكذا كالذي فيه. ويصحّ ما بوعاء دونه، أي الوعاء مع الاحتساب بزنته، أي: الوعاء على مشتريه إن علما حال العقد مبلغ كلّ منهما وزنًا؛ لأنّه إذا علم أنّ ما بالوعاء عشرة أرطال وأنّ الوعاء رطلان، واشتري كذلك كلّ رطلٍ بدرهمٍ صار كأنّه اشترى العشرة التي بالوعاء باثني عشر درهمًا، فإن لم يعلما مبلغ كلّ منهما لم يصحّ البيع لأدائه إلىجهالة الثّمن. انتهى من المنتهى وشرحه. فتأمّله، فإنّه صريح في المسألة وافهم الفرق بين الصّورتين. المسألة العاشرة: الأرض المغصوبة والنّخل إذا استأجرها إنسان وسوقي على النّخل بجزءٍ معلومٍ من الثّمرة وأجرة معلومة للأرض هل يحرم على العامل نصيبه لتولّده من الأرض المغصوبة أم يكره أم لا كراهة ولا تحريم في حقّه؟ الجواب: يد هذا العامل إحدى الأيدي المترتبة على يد الغاصب، وكلّها أيدي ضمان، وقد مثلوا الثّالثة بيد المستأجر والسّابعة بيد المساقي والمضارب والشّريك فأرجى هذه اليد العاشرة مما عدا التّحريم والتّغريم. المسألة الحادية عشرة: إذا آجر إنسان أرضًا ونحوها مدّة معلومةً

стр. 467

كلّ سنة بجديدة أو ربع مثلًا وبطل التّعامل بها ولم نعلم وقت العقد قيمتها ما الحكم فيها؟ الجواب: يبعد تعذر معرفة القيمة في الجديدة أو الرّبع لقرب العهد بالتّعامل بل بقاء التّعامل، وإذا فرضناه فقياس كلامهم فيما إذا كان رأس مال السّلم جوهرة ونحوها، وفيما إذا باعه الشّقص المشفوع بجوهرة ونحوها وجهلت القيمة أنّ القول قول المستأجر هنا؛ لأنّه غارم، وإن جهلها المؤجّر والمستأجر معًا فمقتضى القواعد الرّد إلى أجرة المثل، وهي ما انتهت إليه رغبات النّاس بعد الاشتهار لا ما قوّمه المقوّمون قياس ما ذكروه فيما إذا وقع ثمن الشقص المشفوع عوضًا وكان موجودًا أنّه يعرض على المقوّمين ليشهدوا بقيمته. المسألة الثّانية عشرة: إذا اشترط الغريم على المدين أنّ دَينِي قادم في زرعك أو نخلك هل يكون هذا رهنًا إذا كان عرف البلد كذلك؟ الجواب: إذا توفّرت شروط الصّحّة واللّزوم واطّرد العرف بهذه الصّيغة أو بالمعاطاة فيما يتناول أو بالتّخلية المعتبرة في نحو ما ذكر بدون صيغةٍ لفظيةٍ فلا مانع. قال في الغاية: وينعقد بلفظ ومعاطاة. انتهى. فأمّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. قاله أبو العبّاس. المسألة الثّالثة عشرة: ما ضابط الإعسار الذي يحرم قلب الدَّين على مَن قام به؟ الجواب: اختلف في ضابطه ولعلّه أقرب الأقوال فيه أنّه عدم القدرة على الوفاء بإعدام أو كساد متاع ونحوه أو كون موجوده أقلّ من دَينه. قال الشّيخ تقيّ الدِّين بعد كلام سبق: وإن كان معسرًا وله مغلاة يوفى

стр. 468

منها أو في دَينه بحسب الإمكان. انتهى. فسمّاه معسرًا وله مغلاة. المسألة الرّابعة عشرة: هل يقوم أمير البلد مقام الحاكم عند عدمه فيما يتعلّق بالحاكم أم لا؟ الجواب: أمّا مطلقًا فلا. وأمّا في الجملة أو في بعض المسائل فربّما. قال في الإقناع: فإن عدم الوليّ مطلقًا أو عضل زوجها ذو سلطانٍ في ذلك المكان كوالي البلد وكبيره وأمير القافلة ونحوه. فإن تعذر زوجها عدل بإذنها، قال أحمد في دهقان القرية، أي: رئيسها يزوّج من لا ولي لها إذا احتاط في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرّستاق قاضٍ. انتهى. قال الزّركشي: لأنّ دهقان القرية هو كبيرها فهو بمنْزلة حاكمها والقائم بأمرها. انتهى. وقال ابن عقيل في الفصول في الصّلاة على الميّت: إذا اجتمع السّلطان وغيره قدّم السّلطان، فإن لم يحضر أمير البلد فالحاكم. انتهى. وصرح ابن عطوة -رحمه الله تعالى- بالإلزام بما يصدر من واحدٍ ككبار نجد الحاكمين على قراهم هو ووجوه أهل قريته من بيع تركة أو قضاء دَين على الوجه الشّرعي. المسألة الخامسة عشرة: هل يحرم إنشاء الحجّ على الحيوان المغصوب من بلد مريد الحجّ أم يختصّ التّحريم وعدم الصّحة بما بعد الإحرام. الجواب: أمّا التّحريم فمطلقًا، وأمّا عدم الصّحّة فظاهر كلامهم ما صرح به في الغاية حيث قال: أو حجّ بغصب عالمًا به ذاكرًا له وقت على عبادة لم تصحّ وإلّا صحّت. ويتجّه لو تاب في حجّ قبل دفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف مع تجديد إحرام الصّحة لتلبسه بالمباح حال فعل الأركان. انتهى. ولا يبعد قبول خبر الأعرابي إن حفته قرائن ونحوها. المسألة السّادسة عشرة: تقدير وقت النّهي عن الصّلاة بعد طلوع

стр. 469

الشّمس بالرّمح هل هو الطّويل أم الزّانة في عرف أهل الوقت الخ؟ الجواب: في حديث عمرو بن عنبسة ثم أقصر عن الصّلاة حتّى ترتفع الشّمس قيس رمح أو رمْحين. قال في المبدع: والظّاهر أنّه الرّمح المعروف. وقال في المستوعب: حتّى تبيض. انتهى. ولأنّه المنصرف إليه عند الإطلاق، وذكر الفقهاء أنّه تقريب لا تحديد. والمراد قدره في رأي العين وإلّا فالمسافة بعيدة جدًّا. كذا قال بعضهم. وأمّا الزّانة فهي أقرب شبهًا بالعنَزة لقول أبي السّعادات في النّهاية: العنَزة: مثل نصف الرّمح أو أكثر شيئًا. المسألة السّابعة عشرة: ما ضابط معاطن الإبل الخ؟ الجواب: هي التي تقيم فيها وتأوي إليها، قال أحمد: وقيل: مكان اجتماعها إذا صدرت عن المنهل. زاد بعضهم: وما تقف فيه لورود الماء. قال في المغني والشّرح: والأوّل أجود؛ لأنّه جعله في مقابلة مراح الغنم لا نزولها في سيرها. قاله في المبدع. المسألة السّابعة عشرة: إذا صلّى بعد التّراويح، وقبل الوتر، هل يُسَمّى تعقيبًا أم لا؟ وهل يكون مسنونًا أو مباحًا أم كيف الحكم؟ الجواب: التّعقيب صلاته بعد التّراويح والوتر جماعة. نصّ عليه أحمد وجزم به جمهور الأصحاب. قال في المبدع: وظاهره أنّه إذا تطوّع بعدها وحده لا يكره، وصرّح به ابن القيم ﵀ وذكره منصوصًا وهو ظاهر المغني وغيره. انتهى. قال ابن القيم في البدائع: قال حنبل كان أبو عبد الله يصلّي معنا إذا فرغنا من التّرويحة جلس وجلسنا وربّما تحدّث ويُسْأَل عن الشَّيء فيجيب

стр. 470

ثم يقوم فيصلّي ثم يدعو بعد الصّلاة بدعوات، ثم ينصرف. انتهى. فقد عرفت أنّه لا يُسَمَّى تعقيبًا، وأنّ الإمام أحمد كان يفعله فيكون مباحًا. المسألة التّاسعة عشرة: ما الفرق بين حدّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا؟ الجواب: بينها فرق اصطلاحي عند المحدِّثين، فإذا قال المحدِّث: حدَّثنا، حمل على السّماع من الشّيخ، وإذا قال: أخبرنا، حمل على سماع الشّيخ فلفظ الأخبار أعم من التّحديث فكلّ تحديثٍ إخبارٌ ولا ينعكس. قاله ابن دقيق العيد. وأنبأنا من حيث اللّغة واصطلاح المتقدِّمين بمعنى: أخبرنا إلّا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعنه، فلما كثر واشتهر استغنى المتأخّرون عن ذكره. قاله خاتمة المحدِّثين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى. والله أعلم. - ٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الرّحمن سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل، وتسأل فيه عن مسائل: الأولى: هل قيء الغلام طاهر أم نجس كبوله؟ الجواب: حكم قيئه حكم بوله إلّا أنّه أخفّ منه صرح به في الإقناع وغيره. وهو ظاهر الرّوض وغيره. الثّانية: إذا أسلم عجلًا في بقرة موصوفة فلمّا حلّ الأجل وجدت الصّفة في عين رأس المال هل يجزئ دفعه ويلزم قبوله أم لا؟ الجواب: إذا اتّحدا صفةً ولم يفعل ذلك لينتفع بالعين أجزأ ولزم قبوله وقطع به في الإقناع.

стр. 471

الثّالثة: هل تصحّ المساقاة إلى أجلٍ مجهولٍ؟ الجواب: إن تكون عند الجمهور على أنّها عقدٌ لازمٌ فتفتقر إلى ضرب مدّةٍ معلومةٍ كالإجارة، والقول بأنّها عقد جائز من المفردات، واختار صاحب التّبصرة قولًا ثالثًا وهو أنّها لازمة من جهة المالك فقط. وقيد بعض المحقِّقين القول بجواز عقدها بقيدٍ حسنٍ. الرّابعة: إذا قلنا إنّها عقد لازم هل يثبت فيها خيار الشّرط؟ الجواب: نعم. على الأوّل قياسًا على الإجارة. وقد اختار أبو العبّاس ثبوت خيار الشّرط في كلّ عقدٍ. الخامسة: هل يورث خيار الشّرط أم يسقط كسائر الحقوق؟ الجواب: إن طالب به قبل موته ورث عنه كالشّفعة وحد القذف وإلّا فلا. السّادسة: هل يصحّ الخيار المجهول أم لا؟ فالجواب: لا يصحّ. سواء كان أبدًا أو مدّة مجهولة أو أجلًا مجهولًا أو تعليقًا على مشيئةٍ أو على نزول مطرٍ ونحوه، كما صرّح بذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى. والله أعلم. السّابعة: رجلان اشتركا في جمع زرعيهما بعد الصّلاح أو قبل الحصاد ويداسان معًا ويكونان نصفين ولأحدهما زيادة دراهم هل يصحّ أم لا؟ الجواب: الحمد لله، شرط زيادة الدّراهم يبطل الشّركة. والله أعلم. الثّامنة: ما قول العلماء -رحمهم الله تعالى- في امرأة ماتت عن زوجٍ وبنين وبنات وخلفت شيئًا من الصّوغ وصار تحت يد الزّوج جمعيه فمات ولم يوص به لعياله ولم يشهد، هل يملكه أبوهم بمجرّد ذلك أم لا يملكه إلّا بشهادة أو القول قوله؟

стр. 472

الجواب: قال في المقنع: وإن تصرّف فيه يعنِي: الأب في مال ولده قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دَين لم يصحّ تصرّفه. انتهى. وهذا المذهب، وله ملكه بالقبض نصّ عليه مع القول أو النّيّة. قاله الفقهاء -رحمهم الله تعالى- من أصحاب أحمد. فقد عرفت أنّه لا يصحّ التّصرّف قبل التّملك؛ لأنّ مجرّد قبض الوالد لمال ولده لا يكتفى به في ثبوت الملك، بل لا بدّ معه من القول المصرّح بالتّملّك مع القبض والإشهاد عليه، مع أنّ مذهب مالك والشّافعي وأصحاب الرأي أنّ الأب لا يتملّك من مال ولده إلّا ما احتاج إليه فقط. ذكره عنهم في المغني وغيره خلافًا لأحمد. والله أعلم. - ٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وتضمّن السّؤال عن ستّ مسائل: الأولى: ما قول العلماء عفا الله عنهم في بيع الفضولي إذا حكم الحاكم بفساده والمبيع إبل أو غيرها من الدّواب ومضى مدّة لها قدر أجرة لكونه سقى عليها زرعه أو نخله فهل التّقويم في عينها بما ينقص إذا كانت موجودة أو تقدر المدّة بأجرة مثلها؟ فالجواب -وبالله التّوفيق- كلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقدٍ فاسدٍ أشبه ما لو كان الثّمن ميتة، ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن المغصوب؛ لأنّه

стр. 473

ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب. قاله في الكافي. وقال في الإنصاف: منافع المقبوض بعقدٍ فاسدٍ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتّفويت. انتهى. وقال في الإقناع: والمقبوض بعقدٍ فاسدٍ لا مالك به ولا ينفذ تصرّفه فيه ويضمنه كالغصب ويلزمه ردّ النّماء المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه، وإن تلف فعليه ضمانه بقيمته. انتهى. وقال أيضًا في (باب الغصب): وإن كان المغصوب منفعة تصحّ إجارتها، فعلى الغاصب أجرة مثله مدّة بقائه في يده استوفى المنافع أو تركها تذهب. وإن ذهب بعض أجزائه في المدّة كمخمل المنشفة لزمه الأجرة وأرش نقصه، وما لا تصحّ إجارته مما لا منفعة له لم يلزمه أجرة. انتهى ملخّصًا. فقد عرفت -رحمك الله- أنّه يلزم المشتري بالعقد الفاسد الأجرة وأرش النّقص معًا. المسألة الثّانية: أرض موات تبايعها أناس على الجاهلية أو في الإسلام كما إذا كان بإزاء بلاد عامرة ولو مسيرة ثلث فرسخ أو نصف فرسخ صار محتجرًا لأهل العامرة على عادة مشوا عليها ولو عدمت شروط التّحجّر هل إذا أحياها إنسان يملكها ولو ادّعى مدّعٍ أنّها بشراء لكنها موات كما ذكرنا. الجواب عن هذا السّؤال: يظهر مما نورده من كلام الفقهاء. قال: في الشّرح الكبير: الموات قسمان: أحدهما: ما لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف. القسم الثّاني:

стр. 474

ما جرى عليه ملك وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما له مالك معيّن وهو ضربان: (أحدهما): ما ملك بشراء أو عطية فهذا؛ لا يملك بالإحياء بغير خلاف. قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ ما عرف بملك مالك غير منقطع أنّه لا يجوز إحياؤه لأحدٍ غير أربابه. (الثّاني): ما ملك بالإحياء ثُمّ ترك حتّى دثر وعاد مواتًا فهو كالذي قبله سواء. النّوع الثّاني: ما يوجد عليه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الرّوم ومساكن ثمود ونحوهم، فهذا يملك بالأحياء في أظهر الرّوايتين. (والثّانية) لا يملك لأنّها آثار لمسلم أو ذمي أو بيت المال أشبه ما لو تعيّن مالكه، قال شيخنا ويحتمل أنّ كلّ ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الإسلام أنّه لا يملك. النّوع الثّالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معيّن فظاهر كلام الخرقي، أنّه لا يملك بالإحياء وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن أحيا أرضًا موانًا في غير حقّ مسلم فهي له". فقيده في غير حقّ مسلم؛ ولأنّ هذه الأرض لها مالك فلم يجز إحياؤها كما لو كان معينًا، فإنّ مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة ورثها المسلمون. (والثّانية) أنّها تملك بالإحياء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لعموم الأخبار، وكلّما قرب من عامر وتعلّق بمصالحه من طرق ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه لا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب. وكذلك ما تعلّق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها ومسيل مائها لا يملك بالإحياء لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، وكلّ مملوك لا يجوز إحياؤه ما تعلّق بمصلحة لقوله ﷺ : "مَن أحيا أرضًا ميتة في غير

стр. 475

حقّ مسلمٍ فهي له". مفهومه: أنّ ما تعلّق به حقّ مسلمٍ لا يملك بالإحياء. انتهى من الشّرح الكبير ملخّصًا. وقال في الإقناع: وهي - أي: الموات - الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فإن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحدٍ ولم يوجد فيه أثر عمارة ملك بالإحياء، وإن ملكها مَن له حرمة أو شكّ فيه فإن وجد واحد من ورثته لم يملك بالإحياء، وإن علم ولم يعقب لم يملك واقطعه الإمام مَن شاء، وإن كان قد ملك بالإحياء ثم ترك حتّى دثر وعاد مواتًا لم يملك بإحياء إذا كان لمعصومٍ، وإن علم ملكه لمعيّن غير معصومٍ فإن كان بدار حرب واندرس كان كموات أصلي يملكه مسلم بإحياء، وإن كان فيه أثر ملك غير جاهلي كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ملك بالإحياء، وكذا إن كان جاهليًا قديمًا كديار عادٍ. انتهى. فقد عرفت أنّ هذا المحي الثّاني للأرض المذكورة لا يملكها بإحيائه لها إذا ثبت الإحياء الأوّل بشروطه وثبت التّبايع المذكور ودعوى الشّراء. والله أعلم. المسألة الثّالثة: إذا تزوّج إنسان امرأة بعقدٍ فاسدٍ هل المفتَى به عندكم أنّه يطلق فإن أبى فسخه الحاكم أم لا يحتاج؟ إلى آخر السّؤال. الجواب: المعتمد المفتَى به عندنا أنّه لا يحل تزويج من نكاحها فاسد لغير مَن تزوّجها حتّى يطلقها أو يفسخ نكاحها فإن أبى فسخه الحاكم. وهذا المنصوص عن الإمام أحمد، وهو المذهب المقرّر عند أصحابه خلافًا للشّافعي. قال في المغني والشّرح: لأنّه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق، ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها

стр. 476

كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر، ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى. فافهم الفرق بين الفاسد والباطل؛ فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ ولا فسخٍ ولا يجب به مهر فهو بخلاف الفاسد. المسألة الرّابعة: أصول دية النّفس من الإبل والذّهب والفضّة والبقر والغنم والحلل غير خافٍ عليكم. وقدر عبد العزيز مائة من الإبل بثمانمة ريال، فهل هذا التّقدير برخصة من الشّيخ ﵀ أم لا؟ والآن صارت قيمة الإبل ناقصة عما هو معلوم فما المعمول به؟ إلى آخر السّؤال. الجواب: لا نزاع أنّ دية الحرّ المسلم مائة من الإبل وإنّ الإبل أصل في الدّية. واختلف عن أحمد هل هي الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه؛ لأنّها الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه أنّها الأصل؛ لأنّ في حديث عمرو بن حزم: "في النّفس مائة من الإبل"، رواه النّسائي ومالك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. قال: قضى رسول الله ﷺ أنّ مَن قتل خطأ فديته من الإبل مائة ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقّة وعشرة ابن لبون ذكر. رواه أبو داود والنّسائي، وذكر حديث عقبة ابن عامر بن أويس وحديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: وظاهر هذه الأحاديث أنّ الدّيّة هي الإبل خاصّة، ويؤيّد ذلك أنّ النَّبِيّ ﷺ فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ دية العمد وخفّف الخطأ ولم يرد ذلك عنه إلّا في الإبل، وعنه أنّها خمسة أشياء كلّ منها أصل برأسه: الإبل، والبقر، والغنم، والذّهب، والفضّة. أمّا في الإبل فلّما تقدّم، وأمّا في البقر والغنم فلأنّ في حديث لعمرو بن شعيب مرفوعًا. قضى على أهل البقرة بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة. وأمّا في الذّهب والفضّة فلِمَا روى

стр. 477

ابن عبّاس أنّ رجلًا من بنِي عدي قتل فجعل رسول الله ﷺ ديته اثنَي عشر ألفا. رواه التّرمذي والنّسائي وأبو داود، وهذا لفظه. ولمالك في الموطأ بلغه أنّ عمر بن الخطاب قوّم الدّية على أهل القرى فجعل على أهل الذّهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك: فأهل الذّهب أهل الشّام ومصر وأهل الورق أهل العراق. وعنه أنّها ستة أشياء فيضاف إلى الخمسة السّابقة مائتا حلّة. وهذا اختيار القاضي وكثير من أصحابه لما روى عطاء بن أبي رباح أنّ رسول الله ﷺ قضى في الدّية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشّاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئًا لم يحفظه محمّد بن إسحاق والرّواية الأولى أظهر دليلًا على أنّ أحاديث تلك الرّواية لا تقاوم تلك الأحاديث وعلى تقدير مقاومتها فيحمل على أنّه جعل ذلك بدلًا عن الإبل، وظاهر في حديث عمرو بن شعيب إذًا، وله أنّ رسول الله ﷺ كان يقوّم على أثمان الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقوّمها على أثمان الإبل إذا غلت رفع في قيمتها. وإذا "هاجت رخصت". نقصت من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ أربعمائة إلى ثمانمائة، وعدلها ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة، وهذا ظاهر في أنّه إنّما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نصّ في الذّهب والورق، أنّه كان يعتبرهما بالإبل، وحديث ابن عبّاس واقعة عينٍ لا عموم له، وفعل عمر ظاهر في أنّ تلك على سبيل التّقويم فهو مؤيّد لما قلناه. وأبو محمّد يختار في العمد قولًا رابعًا هو بعض الرّواية الثّانية، وهو أنّ الدّية مائة من الإبل أو ألف مثقال أو اثنا عشر ألف

стр. 478

درهم، وهذا ظاهر في الورق لحديث ابن عبّاس إن صحّ، وعلى الرّواية الأولى مَن وجب عليه الدّيّة متى قدر على الإبل لا يجزؤه غيرها، وإن عجز عنها انتقل إلى ما شاء من الأربعة أو الخمسة على اختلاف الرّوايتين، وكذلك إذا لم توجد إلإّ بأكثر من ثمن المثل. قال أبو محمّد: وهذا ينبغي فيما إذا كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلّا أنّ هذا لا يجدها لكونها في غير بلده ونحو ذلك، فإذن ينتقل إلى غيرها. أمّا إذا غلت الإبل كلّها فلا ينتقل إلى غيرها، وظاهر كلام الخرقي أنّ الواجب الإبل من غير نظر إلى قيمة. وهذا إحدى الرّوايتين، واختيار الشّيخين لظاهر حديث عمرو بن حزم وحديث عمرو بن شعيب وغيرهما، فإنّه ﷺ أطلق الإبل ولم يقيّدها بقيمة فتقييدها بها يحتاج إلى دليلٍ، وكذلك الأحاديث التي فيها ذكر البقر والغنم والحلل ليس فيها اعتبار قيمة، وأيضًا فإنّه ﷺ فرّق بين دية العمد والخطأ فغلّظ دية العمد وشبّهه، وخفّف دية الخطأ، واعتبار القيمة يفضي إلى التّسوية بينهما وهو خلاف ما تضمنته سنة رسول الله ﷺ . (والرّواية الثّانية) يعتبر أن لا تقص بغير المائة عن دية الأثمان نظرًا لأن عمر قوّمها كذلك فجعل على أهل الذّهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وظاهره أنّ قيمتها كذلك، وأجيب بأنّه اتّفق أنّ قيمتها في ذلك الوقت كان كذلك فصرنا إليه عند ذلك حذرًا من التّنازع، وحكى أبو محمّد الكافي في الرّواية أنّه يعتبر أن يكون قيمة كلّ بعيرٍ مائة وعشرين درهمًا، وقال في المغني: إنّ الأصحاب ذكروا أنّ ذلك مذهب أحمد والتّحقيق هو الأوّل. انتتهى ملخّصًا من شرح الزّركشي على الخرقي.

стр. 479

إذا تقرّر هذا، فالمتعيّن المعمول به هو ما نصّ عليه الشّارع -صلوات الله وسلامه عليه- مهما أمكن، ولا يقال بالقيمة إلّا عند التّعذر، فحينئذٍ يرجع إلى القيمة في الجميع كلّ أصلٍ بقيمته. وقيمة الرّيال بالدّراهم الإسلامية بالتّحرير تقريب تسعة دراهم كذا قيل. وما علمنا فيما بلغنا عن شيخ الإسلام رخصة بتقدير قيمة الإبل خاصّة بما ذكر. وإنّما ذلك من ولي الأمر في دية أعوز السّن فيها ذلك الوقت، فقومت المائة بثمانمائة ريال؛ لأنّها بدل وقيمة مطلقًا بل في وقت تكون قيمتها الثّمان، وفي وقتٍ آخر أربعًا، وفي غيره ثلاثًا وغير ذلك بحسب الغلاء والرّخص، وقد عرفت المتعيّن المعمول به. وهذا ما ظهر لي. والله أعلم. المسألة الخامسة: هل ورد حديث في تسنين الإبل في دية الشّجاج والحكومات وما دون دية النّفس، وهل ذكر ذلك الفقهاء؟ فالجواب: إنِي لم أقف على حديث في ذلك. وما رأيته في كلام الفقهاء ﵏، ولعلّه فيما فاتنا، ثم رأيت صاحب الإقناع أفاد ذلك بقوله: وتغلّظ دية طرف كتقل -إلى أن قال-: فإن لم يكن قسم دية الطّرف مثل أن يوضحه عمدًا أو شبه عمدٍ فإنّه يجب أربعة أرباع، والخامس من أحد الأنواع الأربعة قيمته قيمة ربع الأربع، وإن كان خطأ وجبت الخمس من الأنواع الخمسة من كلّ نوعٍ بعير، وإن كان الواجب دية أنملة وجبت ثلاثة أبعرة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها، وإن كان خطأ ففيها ثلثها ثلثا قيمة الخمس. انتهى. ووجهه -والله أعلم- اتّفاقهما في السّبب الموجب. المسألة السّادسة: إذا ضمن ضامن لصاحب حقّ على غيره، وقال: الضّمين للمضمون عنه: لا أضمن عليك إلّا أن ترهنَنِي كذا وكذا، وأرهنه،

стр. 480

فهل يصحّ أم لا؟ فإن قلتم يصحّ فما وجه الصّحّة والدَّين لغيره؟ فالجواب: الذي يظهر الصّحّة، فيما ذكر؛ لكونه تبرّع بالتزام حقّ إنّما يلزم ويثبت ويجب بالتزامه، فإذا أراد التزامه وطلب الوثيقة عليه فلا مانع كسائر الدّيون، وكون الدَّين لغيره ليس مانعًا، فإنّ للإنسان أن يرهن مال نفسه على دَين غيره ويأذن لعبده أن يضمن على غيره كما هو مقرّر في موضعه. هذا حسب ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم بالصّواب. وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله وصحبه. وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين. ذكر النّاقل أنّه نقله بتاريخ رجب سنة: ١٢٤٢ هـ مائتين واثنين وأربعين وألفا. - ١٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ هذا جواب سؤالك الذي صورته: ما قولكم -دام فضلكم- فيما إذا انقضت مدّة إجارة أرض طلق أو موقوفة استؤجرت للغراس أو البناء وقد أوقف المستأجر بعض الغرس فما الحكم في الطّلق من هذا الغراس أو البناء والوقف؟ الجواب: حاصل ما ذكره فقهاؤنا ﵏ في حكم هذه المسألة أنّه إن كان شرط قلع الغراس أو البناء عند انقضاء مدّة الإجارة أو في وقت معيّن وليست مشاعًا للشّريك، فإنّ المستأجر يقلعه مجانًا ولا يسوي الحفر، ولا يغرم مالك الأرض نقصه بالقلع، وإن لم يشترط قلعه أو شرط بقاءه ولم يقلعه مالكه خيّر مالك الأرض بين ثلاثة أمور: أخذه بقيمته،

стр. 481

فتقوّم الأرض مغروسة أو مبنية ثم تقوّم خالية منهما فما بينهما فهو القيمة، ومحلّ تملكه بقيمته إذا كان مالك الأرض تام الملك فخرج الموقوف عليه والمستأجر والمرتهن ونحوهم؛ لأنّ ملكهم غير تامٍّ. الأمر الثّاني: تركه بالأجرة. الأمر الثّالث: قلعه وضمان نقصه. هذا إذا لم يختر مالكه قلعه كما تقدم. أمّا إن اختاره فله ذلك، قال في الغاية: ويتّجه لو أبى الثّلاثة ومالك القلع بيع أرض بما فيها كعارية. انتهى. وكون المستأجر وقف الغراس أو البناء في الأرض المستأجرة لا يمنع الخيرة بين الثّلاثة الأمور، وإذا لم يترك لم يبطل وقفه بالكلّيّة، فيكون كما يؤخذ بسبب قلعه وضمان نقصه أو تملكه بقيمته ويشتري بها ما يقوم بها ما يقوم مقامه كقيمته إذا أتلف يشتري بها ما يقوم مقامه ذكر معناه في الفروع وغيره، قال في الإقناع وهو ظاهر: وظاهر كلامهم لا يقلع الغراس إذا كانت الأرض وقفًا. قال في الشّرح: وتقدم أنّه لا يتملكه إلّا تام الملك وحينئذٍ فيبقى بأجرة المثل. انتهى. قال في منته: بل قال الشّيخ: ليس لأحدٍ أن يقلع غرس المستأجر وزرعه صحيحة كانت الإجارة أو فاسدة. بل إذا بقي فعليه أجرة المثل، وفي الفائق قلت فلو كانت الأرض وقفًا لم يتملّك إلّا بشرط واقف أو رضاء مستحقّ. انتهى. قال: المنقح إذا حصل به نفع كان له ذلك. انتهى. والله أعلم. - ١٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حضر عندي عثمان الغرشي وكيلًا لأبيه وعبد العزيز بن زامل وكيلًا لابن مسعد من طرف مشتري سهم الغرشي الكائن في النّخل الْمُسَمَّى بالطّرفية في الحوطة، فادّعى عبد العزيز أنّ الرّوم أجبروا الغرشي على بيع

стр. 482

السّهم المذكور بعينه دون ابن مسعد، والجماعة فلا لهم مدخل في الإجبار وأنكر عثمان وقوع المباشرة للإكراه من الرّوم، وادّعى أن ابن مسعد وبعض الجماعة هم الذّين أكرهوا والده على البيع، وأقام عثمان البيّنة على ذلك فحكمت بأنّ البيع والحالة هذه غير صحيح لعدم الشّرط المعتبر. وما قبضه ابن مسعد من مصالح السّهم المذكور مضمون عليه، وقت أخذه له ويحسب مما ساقه من مطلب السّهم بعد ما يثبت بالبيّنة أنّه سائق والباقي منه يدفعه الغرشي لابن مسعد حالًا. قاله حاكمًا به حسن بن حسين بن الشّيخ محمّد عفا الله عنهم. ويرفع ابن مسعد يده عن السّهم. ... رسائل وفتاوى للشيخ علي بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... رسايل وفتاوى الشّيخ عليّ بن حسين بن الشّيخ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عليّ بن حسين إلى الأخ المكرّم الأجل الأحشم الشّيخ جمعان بن ناصر جمع الله له بين العلم والعمل، وسدّ به طرق الميل والخلل. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛ فقد وصل إلينا كتابكم السّابق المتضمّن للبحث والسّؤال عن المسائل الدّقائق فتركنا الجواب عن المبادرة به من أجل أن وافق ذلك وفاة الشّيخ حسن -رحمة الله عليه- فتشوش الخاطر واشتغل القلب، ثم على أثر ذلك سافرنا إلى العارض من أجل تعزية الأهل والإخوان والاجتماع بهم من أجل ذلك قدر حصول المقصود من ردّ الجواب بحسب الطّاقة

стр. 483

والإيجاز فذكر أوّلًا: إذا قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمِّي أو قاله لِمَن أبانها ثم تزوّجها ما المفتَى به عند علمائنا؟ فالجواب: أنّ الأمر كما قال صاحب المحرّر وعليه تدلّ نصوص أحمد. قال في الإقناع: وإن قال لأجنبيّة أنتِ عليّ كظهر أمِّي أو إن تزوّجتك فأنت عليَّ كظهر أمِّي فتزوّجها لم يطأها حتّى يكفّر كفّارة الظّهار؛ لأنّه إذا تزوّجها تحقّق معنى الظّهار بينها وعلم صحّة الظّهار من الأجنبيّة. روى ذلك الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال في رجلٍ قال: إن تزوّجت فلانة فهي علي كظهر أمِّي، فتزوّجها. فقال عمر: عليه كفّارة الظّهار. قال الشّارح: لأنّها يمين مكفِّرة فصحّ عقدها قبل النّكاح كاليمين بالله تعالى والآية الكريمة خرجت مخرج الغالب وهي قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، [الْمجادلة، من الآية: ٢، و ٣]. والفرق بينه وبين الطّلاق أنّ الطّلاق حلّ قيد النّكاح ولا يمكن حلّه قبل عقد والظّهار تحريم للوطء فيجوز تقديمه على العقد، وإنّما اختصّ حكم الإيلاء بنسائه لكونه يقصد الإضرار بيمين والكفّارة في الظّهار لكون المنكر والزّور فلا يختصّ ذلك بنسائه. الثّانية: قول السّائل: هل حكم مَن ظاهر منها ووقت كشهر سمّاه وجامع قبل مضي المدّة ولزمته الكفارة هل إذا مضى الوقت المحدود الذي وقع الظّهار فيه قبل أن يكفّر هل حكمه حكم المظاهر منها مطلقًا حتّى يكفّر أم لا؟ الجواب: قال في الإقناع وشرحه: وإن وطئ المظاهر التي ظاهر منها قبل التّكفير أثم واستقرّت عليه الكفّارة ولو كان مجنونًا فلا تسقط

стр. 484

بعد ذلك كالصّلاة، وتحريم المظاهر باقٍ عليه لقوله ﷺ : "لا تقربها حتّى تفعل ما أمرك الله تعالى به"، وتجزؤه كفّارة واحدة لحديث سلمة بن صخر؛ لأنّه وجد الظّهار والعود في عموم الآية. والله أعلم. المسألة الثّالثة: سفر المظاهر هل يقطع التّتابع أم لا يقطعه لأجل عذر السّفر؟ الجواب: أنّ فيه نظرًا. قال في الإقناع وشرحه: سفر المظاهر إذا أفطر فيه لا يقطع التّتابع. وقال في موضع آخر: وإذا تخلّله فطر كالسّفر أو المرض المبيحان للفطر في السّفر لم ينقطع التّتابع، أو تخلّله فطر لحامل أو مرضع لخوفهما على أنفسهما أو على ولديهما لم ينطقع التّتابع؛ لأنّه فطر أبيح لعذر. والله أعلم. المسألة الرّابعة: قول السّائل عافاه الله: إذا كان لرجلٍ على آخر فضة كريالات النّاس وللأخر عليه مثلها فتصارفا بالقول الذي عندك لك عن الذي عليّ لك هل يصحّ ذلك أم لا بدّ كلّ واحدٍ يدفع لصاحبه ما عليه؟ الجواب: أنّ هذا ليس بصرفٍ، وإنّما هو تساقط، وليست هذه الصّورة التي ذكرها صاحب الشّرح بقوله: إذا كان لرجلٍ في ذمّته لآخر ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا لم يصحّ؛ لأنّه بيع دَين بدَينٍ؛ لأنّه تصارف في الذّمم، وهذا تساقط فيصحّ. قال في المنتهى وشرحه: ومَن استحقّ على غريمه مثل ما له عليه من دَينٍ جنسًا، وقدرًا وصفة حالين بأن اقترض زيد من عمرو دينارًا مصريًا ثم اشترى عمرو من زيد شيئًا بدينار مصري حال أو من أجلين أجلًا واحدًا، كثمنين اتّحد أجلهما تساقطا إن استويا أو سقط من الأكثر بقدر الأقلّ إن تفاوتا قدرًا؛ لأنّه لا فائدة

стр. 485

في أخذ الدَّين من أحدهما ثم ردّه إليه. انتهى. والله أعلم. المسألة الخامسة: رجل بينه وبين آخر معاملة فأوصى عند الموت بقوله: صدّقوا فلانًا فيما ادّعى به. فالجواب: إذا كان المقرّ له غير وارث فظاهر كلام أهل المذهب أنّه يصدق فيما ادّعى به إذا كان يمكن أن يتصوّر منه التزامه بخلاف ما لو ادّعى بما لا يتصوّر كدعواه عليه جناية من عشرين سنة وعمره عشرون سنة أو أقلّ، فهذا لا يصحّ إقراره بذلك. قلت: ومثل ذلك: لو كان هذا المصدّق فقيرًا كالذي يعرفه أهل بلده بالفقر فيدعي أنّ عند هذا المقرّ ما لا يعرف أنّه قد ملكه كمَن رأسُ مالِهِ الذي يعامل فيه عشرون درهمًا مثلًا أو قريبًا، فيدّعي على هذا المقرّ لما سمع قوله صدّقوه لي عنده مائة دينار أو مائتان، فالظّاهر أنّه لا يصدق وما أمكن صدقه فيه صدق. والله أعلم. المسألة السّادسة: قول السّائل: كتاب عمر لأبي موسى ﵄ المسلمون عدول بعضهم على بعضٍ إلّا مجلود في حدٍ أو مجرّب عليه شهادة زورٍ أو ظنّين في ولاء أو نسب. فالجواب: أنّ الظّنين هو المتّهم. قاله صاحب النّهاية. ومنه حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنةٍ ولا مجلود في حدٍّ ولا ذي غمرٍ على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت". رواه التّرمذي. وقال: هذا حديث غريب. وفي إسناده يزيد بن زياد الدّمشقي الرّاوي منكر الحديث. والله وأعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.

стр. 486

- ٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عليّ بن حسين إلى الأخ جمعان جمع الله له بين خيري الدّنيا والآخر وغفر ذنبه أوّله وآخره. وأصلح أعماله الباطنة والظّاهرة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛ فقد وصل السّؤال عن المسائل الجلال فعوقت العوائق عن الجواب لما اشترطت علينا من مطالعة الكتاب. المسألة الأولى: سألت عن قسمة الإجبار ومحلّ الإشكال عليك أنّ أهل المذهب أطلقوا فيها على أشياء من غير شرط غرر. قال في المحرّر: فأمّا ما لا ضرر فيه، ولا ردّ عوضٍ في قسمته كالقرية والبستان والدّار الكبيرة والأرض والدّكان الواسعة ... إلى أن قال: إذا طلب الشّريك قسمة أجبر الآخر عليها. انتهى. فأطلق على البستان ولم يشترط ضررًا والبستان والنّخل قد يكثر ويقل وتكثر سهامه وتقل فأشكل عليه إطلاقهم نفي الضّرر عن البستان قليله وكثيره. فالجواب -وبالله التّوفيق- أنّ المسألة كما ذكروا. لكن الغالب أنّ الضّرر وردّ العوض يقلّ فيما ذكروا لسعة المكان فتمكن قسمة بلا ضرر ولا ردّ عوض والصّغير بالعكس. فمتى وجدنا الضّرر وردّ العوض كبر المكان أو صغر، كثر الشّجر أو قلّ، وكثرت السّهام أو قلّت فهي قسمة تراض. وهذا هو المفتي به عند مشائهنا. وهو صريح عبارات الأصحاب في القسمة. قال في الشّرح الكبير: والقسمة نوعان: قسمة تراضٍ، وقسمة إجبارٍ. فأمّا قسمة التّراضي فهي ما فيه ضرر على أحد الشّركاء أو ردّ عوض من

стр. 487

أحدهم كالدّور الصّغار التِي لا يمكن قسمها فلا يجوز فيها إلّا ما يجوز في البيع وهل تلزم بالقرعة إذا قسمها حاكم أو رضوا بقاسم فيه وجهان: أحدهما: يلزم القسم. والثّاني: لا يلزم إلّا بالتّراضي. واختلفوا في الضّرر. فقال بعضهم الضّرر والمانع نقص القيمة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وعنه الضّرر ما لا يمكن أحدهما الانتفاع بنصيبه مفردًا فيما كان ينتفع به مع الشّركة والأوّل ظاهر كلام الشّافعي؛ لأنّ النّقص ضرر، وهو منفي شرعًا. الثّاني: قسمة الإجبار وهي ما لا ضرر فيه ولا ردّ عوض. وهذه القسمة إفراز حقّ لا بيع. انتهى كلام الشّارح. المسألة الثّانية: فيمَن أوصى في داره ببيت لإنسانٍ وتضرّر أهل الدّار بسكنى الموصى له ما الحكم؟ الجواب: أنّ هذه الوصيّة صحيحة وليس لأهل البيت منع الموصى له من السّكنى في الموصى به وإن تضرّروا فلهم طلب القسمة، فإن كانت قسمة إجبار أفرز له حقّه، وإن كانت قسمة تراضٍ لم يقسم إلّا برضاهم، لكن إن تضرّروا فللحاكم بيعه، وقسم الثّمن على قدر الملك إن لم يرضوا بالقسمة ولا بسكناه معهم. المسألة الثّالثة: قال علماؤنا في المحجور عليه لحظ نفسه كالسّفيه والمجنون والصّبي لا يصحّ تصرّفهم قبل الإذن، ومن دفع إليهم ماله ببيعٍ أو قرضٍ رجع فيه ما كان باقيًا فإن أتلفه واحد منهم فمن ضامن مالكه؛ لأنّه سلطه عليه برضاه علم بالحجر أو لم يعلم. قلت: فإذا بلغ الصّبي وانفكّ الحجر عن السّفيه وأفاق المجنون هل يضمنون أم لا؟ الجواب: لا يضمنون شيئًا من ذلك إلّا إن حصل في يد أحدهم

стр. 488

بغير رضا صاحبه كالغصب والجناية، فعليه ضمانه. وإن أودع عند الصّبي أو المجنون أو أعارهما فلا ضمان عليهما، وإن أتلفاه فوجهان. قال في الشّرح الكبير: (الضّرب الثّاني): المحجور عليه لحظ نفسه، وهو الصّبي والمجنون والسّفيه فلا يصحّ تصرّفهم، ومَن دفع إليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقيًا، فإن أتلف واحد منهم فمن ضمان مالكه؛ لأنّه سلط عليه برضاه علم بالحجر أو لم يعلم. فإن حصل في يده برضا صاحبه من غير تسليط كالوديعة والعارية، فاختار القاضي أنّه يلزمه الضّمان إن كان تلفه بتفريطه وإلّا يحتمل أن لا يضمن، وأمّا ما أخذه من ذكر بغير اختيار المالك كالغصب أو الجناية فعليه ضمانه. المسألة الرّابعة: إذا غصب رجلٌ شجرًا أو نخلًا ثم بايع به آخر بنخل مثله ونزع المغصوب من يد مشتريه وضمن زوائده مدّته في يده ما حكم نخل المشترى الذي بايع به الغاصب هل يضمن الغاصب غلاة نخلٍ من بايعه كما ضمن الغاصب نماء الغصب لمالكه، ومعلوم أنّ البيع فاسد والبيع الفاسد لا يملك به؟ فالجواب: أنّ هذا المغصوب من أفسد العقود، وقد ذكروا في العقد الفاسد ما يبيّن أنّ لصاحب النّخل أو الشّجر الرّجوع على الغاصب بما أخذ منه المالك، قال في الإقناع: ومنافع المقبوض بعقدٍ فاسدٍ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتّفريت. المسألة الخامسة: قول علمائنا: الأيدي المترتّبة على يد الغاصب عشر، ما هي؟ فالجواب -وبالله التّوفيق-: الأولى والثّانية من الأيدي المترتّبة على يد

стр. 489

الغاصب يد المشتري منه ويد المستعير. الثّالثة: يد المستأجر. الرّابعة والخامسة: يد المتملّك بلا عوض، ويد القابض بعقد أمانة. السّادسة: يد المتزوّج للأمة المغصوبة إذا تزوّجها وكانت بيده وماتت. السّابعة: يد المتصرّف في المال بما ينمّيه كالمضارب والشّريك والمساقي والمزارع، إذا تلف ذلك بيد العامل ونحوه. الثّامنة: يد القابض تعويضًا بغير عقد البيع بأن يجعل المغصوب عوضًا في نكاحٍ أو خلعٍ أو طلاقٍ أو عقدٍ أو صلحٍ، أو إيفاء دَينٍ ونحوه. التّاسعة: يد المتلف للمغصوب نائبًا للغاصب كالذّابح للحيوان المغصوب والطّابخ له، وهذا يرجع بما ضمنه للمالك على الغاصب إن لم يعلم بالحال لوقوع الفعل للغاصب فهو كالمباشرة، لكن إن أتلفه على وجه محرّمٍ كأن قتل العبد أو أحرق المال المغصوب عالمًا بتحريمه ففي التّلخيص يستقرّ عليه الضّمان لعلمه بالتّحريم، ورجّح الحارثي دخوله في قسم المغرور لعدم علمه بالتّحريم والضّمان. العاشرة: يد الغاصب من الغاصب فالقرار على الثّاني مطلقًا ولا يطالب بِما زاد على مدّته. وهذا كلّه يعلم مما ذكره بالتّأمّل. ومتى وجدت زيادة بيد أحدهما كسمن وتعلم صنعة ثم زالت، فإن كانت في يد الثّاني فكما لو كانت بأيديهما، وإن كانت بيد الأوّل اختصّ بضمان تلك الزّيادة. وأمّا الأصل فعلى ما سبق قاله في الإقناع وشرحه. المسألة السّادسة: هل وجدت في كتب المذهب جواز الأخذ من الزّكاة مع الغنَى لِمَن قام بمصلحة من مصالح المسلمين عامّة كالقضاء والتّدريس والإفتاء، أو ما هنا إلّا عموم كقول أحمد في التّطوّع لما ذكر الجهاد ذكر

стр. 490

رواية أخرى أنّ طلب العلم أفضل، وأنّه داخل في الجهاد، وأنّه نوع منه إلى آخر السّؤال. فالجواب: أمّا هذه المسألة فأكثر أهل العلم على المنع من الأخذ مع الغنى عمومًا، وأمّا مع التّخصيص فلم أجد لأهل المذهب تصريحًا في الأخذ مع الغنى غير عموم الأخذ من بيت المال وإن كثر، والأخذ من الزّكاة لِمَن له الأخذ منها بقدر الكفاية، وأمّا قياسه على الجهاد وأنّه نوع منه، وأنّ للغازي الأخذ من الزّكاة مع الغنى فالغازي مخصوص في الآية الكريمة، وهو الثّامن وليس فيه تصريح بجواز الأخذ مع الغنى لغير الغازي إلّا بفهم عمومات كالقياس على الغازي والعامل والغارم مع الغنى. قال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، [التّوبة، من الآية: ٦٠]، أنّ العامل عطّل نفسه لمصلحة الفقراء فكانت كفايته وكفاية أعوانه في مالهم؛ كالمرأة لما عطّلت نفسها لحقّ الزّوج كانت نفقتها ونفقة أتباعها من خادم أو خادمين على زوجها، ولا يقدر رزق العامل بالثّمن؛ بل تعتبر الكفاية؛ ثمنًا كان أو أقلّ أو أكثر؛ كرزق القاضي. وقال في موضعٍ آخر: دلّ قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، [التّوبة، من الآية: ٦٠]، على أنّ كلّ ما كان من فروض الكفايات؛ كالسّاعي والكاتب والقسّام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة فإنّ الصّلاة وإن كانت متوّجهة على جميع الخلق، فإنّ تقدّم بعضم بهم من فروض الكفايات، ولا جرم أنّه يجوز له الأخذ عليها، وهذا أصل الباب وإليه أشار النَّبِيّ ﷺ بقوله: "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة". قاله ابن العربي. ومن ذلك قوله ﷺ : "لا تحلّ الصّدقة لغني إلّا خمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازي في سبيل

стр. 491

الله، أو مسكين تصدّق عليه، فأهدى لغني". فيفهم منه أنّ مَن كان قائمًا بمصلحة عامّة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتّدريس أنّ له الأخذ بما يقوم به مدّة القيام بالمصلحة، وإن كان غنيًّا. ذكر ذلك بعض شرّاح الحديث، وقد بوّب على هذا البخاري فقال: باب رزق الحكام والعالمين عليها. والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم ... رسائل وفتاوى للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... رسائل وفتاوى ﴿الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب﴾ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب رحمهم الله تعالى أمين. وهي رجل يشكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ وهل قصده أم لا؟ وهل سمعته أذناه أم لا؟ وهل طلق واحدة أم ثلاثًا أم لم يطلق أصلًا؟ هل الورع الإلزام بالثّلاث أم الأولى أن يطرح الشّكوك كلّها ولا يعبأ بها شيئًا؟ الجواب: أمّا إذا شكّ هل جرى الطّلاق على لسانه أم لا؟ فليس بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم جريانه. وفي ذلك حديث عبد الله بن بريد في الرّجل يخيّل إليه أنّه يحدث في الصّلاة. وأمّا إذا جرى وشكّ هل قصد الوقوع، فليس هذا الشّكّ بشيءٍ؛ لأنّ الأصل عدم إلغاء كلام المكلّف

стр. 492

والعادة أنّ النّاس يقصدون وقوعه إذا جرى على ألسنتهم. وأمّا إن كان الشّكّ في جريانه وفي وقوعه إن كان جرى فليس بشيءٍ كالأوّل. وأمّا إذا شكّ هل سمعته أذناه أو لا، فيقع؛ لأنّه لا يشترط في إيقاع الطّلاق أن يسمعه بل يشترط التّكلّم به وقد تكلّم به. وأمّا قولك هل الورع الإلزام بالثّلاث أم لا؟ الخ. فاعلم أنّ الذي ذكرنا لك هو الصّحيح، وأمّا الورع في الشّكّ في واحدة فالأولى أن يلزمها واحدة، وإن شكّ في الثّلاث فكذلك على ما قاله الموفّق وغيره، أعنِي: أن يلزمها وتكون ثلاثًا، أمّا إذا شكّ في واحدة هل أوقعها أم لا؟ فليس من الورع أن يجعلها ثلاثًا، بل ذلك من الورع المظلم. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. فائدة: قال الشّيخ العلّامة سليمان بن الشّيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب ﵏ آمين. اختلف العلماء في أصحّ الأسانيد فقال الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري: أصحّ الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵁. القول الثّاني: قول الإمام أحمد ﵀: أصحّها: الزّهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄. الثّالث: قول عبد الرّزّاق بن همام اليماني: أصحّها: ما رواه زين العابدين عليّ بن الحسين عن أبيه حسين عن عليّ ﵃. الرّابع: قول عمرو بن عليّ الغلاس: أصحّها: ما رواه محمّد بن سيرين البصري عن عبيدة السّلماني الكوفي عن عليّ ﵁. الخامس: قول يحيى بن معين: أصحّها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النّخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود ﵃ أجمعين.

стр. 493

قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصّواب عدم التّعميم مطلقًا، بل يقال: أصّح أسانيد عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصحّ أسانيد المكيّين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر ﵃ أجمعين. وأصحّ أسانيد المدنيّين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصحّ أسانيد المصريّين: اللّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر ﵃. وأصحّ أسانيد اليمانيّين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵃. قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة. وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود ﵁. وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس ﵁. والله أعلم. فائدة أصوليّة نافعة: قال الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ في آخر المسوّدة: كلّ ما كان طاعةً ومأمورًا به فهو عبادة عند أصحابنا والشّافعية والمالكية، وعند الحنفية ما كان من شرطه النّيّة فدخل في كلام أصحابنا ومَن وافقهم الأفعال والتّرك كترك المعاصي والنّجاسة والزّنا وكلّ محرّم والأفعال كالوضوء والغسل والزّكاة مع النّيّة وقضاء الدَّين وردّ المغصوب والودائع والنّفقة الواجبة ولو بلا نية. - ٢ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مسائل: الأولى: إذا باع رجل شقصًا واستثنى سهمًا معلومًا من غلّة الشّقص فهل يصحّ ذلك أم لا؟

стр. 494

الجواب: لا يصحّ هذا الاستثناء، فإنّ استثناء الغلّة مدّة سنين لا أعلم أحدًا قال بجوازه من العلماء. وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا باع نخلًا لم يؤبّر واستثنى البائع غلّته الموجودة تلك السّنة، فمالك ﵀ لا يجوز، والحنابلة يقولون: بالجواز. وعلّلوا ذلك بأنّه مبيع حال العقد فصّح استثناؤه كغيره من العين المبيعة. وأمّا استثناء الغلّة مدّة سنين معلومة فقد جاء في الحديث عن النَّبِيّ ﷺ أنّه نهى عن الثّنيا إلّا أن تعلم، بل منع كثير من الفقهاء استثناء الحمل الذي في بطن الدّابّة أو الأمة مع كونه موجودًا حالة العقد كما هو المشهور في المذهب. فإذا كان هذا كلامهم في الموجود حالة العقد فما ظنّك بالمعوم؟ الثّانية: المطلقة إذا تزوّجت في العدّة ثم ماتت والحالة هذه هل يصحّ التّوارث بينهما أم لا؟ الجواب: النّكاح في العدّة باطل بالإجماع، فإذا ماتت لم يرثها هذا الزّوج الذي عقد عليها في العدّة سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأنّ النّكاح باطل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، [البقرة، من الآية: ٢٣٥]. الثّالثة: إذا كان لرجلٍ طعام على آخر فطلبه إيّاه فقال المديون لا أجد طعامًا أوفيك به، فقال اشتر لي طعامًا من فلان وأنا ضامن له الثّمن الذي عليك، هل يصحّ ذلك الضّمان أم لا؟ الجواب: ظاهر المذهب صحّة الضّمان؛ لأنّ غايته أن يؤول الضّمان إلى نقد الثّمن عن المضمون عنه, وقد صرّحوا في باب القرض بأنّه إذا قال: أقرضنِي دراهم أشتري لك بها البر الذي عليّ لك، أنّه جائز. وهذا هو المذهب. وفيه رواية بالكراهة. وكرهه سفيان كراهة شديدة أعنِي في مسألة القرض.

стр. 495

الرّابعة: إذا كان لرجلٍ على آخر طعام فلم يجد عنده ما يوفيه فأعطاه دراهم على السّعر عن الطّعام الذي في ذمّته هل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب: لا يجوز ذلك. وهو قول جمهور العلماء. قال في المغنِي والشّرح: لا نعلم فيه خلافًا. أعنِي إذا كان الطّعام سلمًا أو مبيعًا، وإن لم يكن سلمًا، فأمّا إن كان عمارة نخل أو قرضًا أو أجرة أو قيمة متلف، فهذا يجوز لصاحبه أن يأخذ ثمنه مِمَّن هو في ذمّته بشرط قبضه في المجلس، لئلا يكون بيع دَينٍ بدَينٍ؛ لأنّه ليس مبيعًا. وأمّا السّلم والمبيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه ولو لبائعه. وذلك لصحّة الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالنّهي عنه. فثبت في الصّحيحين عنه ﷺ قال: "مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتّى يستوفيه". وفي لفظٍ في الصّحيحين: "فلا يبعه حتّى يكتاله". فإذا باعه ربّ الدَّين لبائعه قبل قبضه فقد خالف النّصوص الواردة عن النَّبِيّ ﷺ من وجهين: أحدهما: أنّه باعه قبل قبضه، والنَّبِيّ ﷺ نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه، ولم يفرّق بين بيعه لِمَن هو عليه وبين غيره، ومَن زعم أنّ بيعه لِمَن هو عليه جائز فعليه الدَّليل الذي يخصّص العموم وإلّا فلا يجوز مخالفة السّنة الثّابتة عن رسول الله ﷺ لقول أحدٍ من النّاس. الثّاني: أنّه قد ثبت في السّنن عن النَّبِيّ ﷺ أنّه نهى عن ربح ما لم يضمن، فإذا باعه لبائعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن؛ لأنّه لا يدخل في ضمانه إلّا بعد قبضه فيصير هذا الرّبح حرامًا. وقد أخذ جمهور العلماء بظاهر الأحاديث الثّابتة عن النَّبِيّ ﷺ في النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه وأجروها على ظاهرها وعمومها وشمولها للبائع وغيره حتّى إنّهم منعوا من الاعتياض عن المسلم فيه فقالوا: لا يجوز أن يأخذ عنه عوضًا ولا يستدلّ به، واحتجوا
следующие страницы →