وألحم بحرير وغيره، وظاهر كلامهم تناوله لغير تلك الصّورة. والله أعلم.
وأمّا قول الإنسان لمن شرب هنيئا وأنّ بعض النّاس يستدلّ بقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [الحاقة، من الآية:٢٤]، فلو كان في الآية دليل لذلك لفعله السّلف الصّالح.
وأمّا ما روي عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: "لا عهد لظالم عليك، وإن عاهدته فانقضه؛ فيحتمل أنّ مراده نحو ما إذا طلب ظالم قادر مالًا من إنسان ظلمًا وعاهده أنّه يأتيه به أو عاهد لصًا أنّه لا يخبر به ونحو ذلك والله أعلم. انتهى كلام شيخنا عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين -أيّده الله تعالى-.
(مسألة): ومن أعطى أرضه لرجل يغرسها بجزء معلوم وشرط عليه عمارتها فغرس بعض الأرض وتعطل باقي الأرض من الغراس ، فإذا لم يقم بما شرط عليه كان لربّ الأرض الفسخ، وإذا فسخ العامل أو كانت فاسدة فلربّ الأرض أن يتملك نصيب الغارس بقيمته إذا لم يتّفقا على القلع.
أفتنا -عفى الله عنك- عن حكم ما إذا وجد البدوي ماله عند حضري ونحوه ولم يعلم أنّه غصب، هل يفرق بين كون البدوي حربًا للآخر وقد أخذ ماله أم لا؟
وكذا إذا عرف الحضري ماله عند حضري أو بدوي وادعى أنّه قد اشتراه من حربي للمدّعي وربّما أنّه قد أخذ مالًا للبائع، فما الحكم في ذلك ؟ وابسطوا الجواب -أثابكم الله تعالى-.
الّذي نرى أنّه في مثل هذه الأزمان الّتي ينهب البدو بعضهم مال بعض أنّ من عرف منهم ماله عند حضري مشتريه من بدوي أنّه ليس
стр. 667
له أخذ منه بل يعطيه الثّمن الّذي اشتراه به، وكذا نرى إذا لم يكن إمام في مثل نجد فصار الحضري ينهب البدوي والبدوي ينهب الحضري فالحكم عندي كذلك.
وأمّا إذا صار في نجد مثلًا إمام كان البدو والحضر بعضهم عن بعض كفا مستقرًا فلا فرق بين الحضري والبدوي وأنّ من وجد سرقته عند إنسان أخذها ويرجع المأخوذ منه على بائعه. والله أعلم.
- ٢٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين -رحمه الله تعالى- عن نهب البدو بعضهم بعضًا وهل يجوز الشّراء منهم؟
فأجاب ﵀ أمّا المسألة الأولى وهي نهب البدو بعضهم بعضا فالّذي أرى عدم الشّراء منهم مطلقًا إذا تحقق أنّه بعينه نهبًا لاشتباه أمرهم، وأمّا إذا عرف أحدهم ماله عند حضري وثبت أنّه منهوب منه بالبيّنة فالّذي نفتي به في أزمنة هذا الاختلاف أن يعطى المشتري ثمنه الّذي دفعه ويأخذ ماله إن لم يكونوا حربًا للحضري وقد أفتى بذلك غير واحد من متأخري الأصحاب. انتهى جوابه ﵀.
- ٢٤ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال شيخنا الشّيخ عبد الله أبو بطين عفى الله عنه.
وأمّا مسألة الجزار إذا ذبح ناقة وصارت أنقص ممّا ظنّ فيها فمثبت الخيار له غالط والفقهاء ذكروا خيار الغبن في ثلاث صور وهذا يثبت
стр. 668
صورة رابعة وهي ما إذا اشترى جزافًا فبان دون ما ظنه كمشتري الصبرة جزافًا فهل قال أحمد بثبوت الخيار في ذلك لمشتري الجزور ظانا أنّه يحصل منه مثلًا ثلاثون رطلًا من شحم فبان أقلّ من ذلك.
وقد تنازع فقهاء نجد وغيرهم في الهزال هل هو عيب؟ فقال سليمان بن عليّ وابن ذهلان أنّه عيب، وقال عبد الهادي وابن عطوه ليس بعيب، لكن قال الأوّلون إذا كان قيمتها بعد الذّبح تقارب ثمنها الّذي اشتريت به فلا فسخ ولا ردّ، وبكلّ حال فهذا القول غلط. والله أعلم. انتهى ملخّصا.
- ٢٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم -أدام الله النفع بعلومكم- في دين السّلم الثّابت في الذمّة هل يصحّ الشّراء به من صاحبه الّذي هو في ذمّته عرض من أرض أو نخل أو غير ذلك؟
أجاب الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين: لا يجوز عند أكثر العلماء أن يأخذ عرضًا عن دين السلم ممّن هو في ذمّته، واحتجّوا بحديث: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره". وعن أحمد رواية أخرى أنّه يجوز أن يأخذ عرضًا بدون حقّه اختاره الشّيخ تقي الدّين؛ لقول ابن عبّاس: إذا أسلفت في شيء فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلّا فخذ عرضًا أنقص منه ولا تربح مرّتين، وعند مالك يجوز أن يأخذ غير الطّعام يتعجله ولا يتأجله، فبان ذلك أنّ الجمهور على المنع مطلقًا واختيار الشّيخ الّذي هو رواية عن أحمد ما ذكرته، وعليه عمل أهل هذه البلدان فيما مضى. والله أعلم.
стр. 669
- ٢٦ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ عثمان بن عيسى زاده الله فهمًا وعلمًا ووهب لنا وله حكمًا.
سلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخط إبلاغك جزيل السّلام والسّؤال عن حالك أحسن الله لنا ولك والحال في الدّنيا والآخرة، والخط الشّريف وصل، وبه الأنس والسّرور حصل حيث أفاد صحّة حالكم، وإن سألت عن المحب فبخير ونعم من المولى متوافرة نسأل الله أن يوزعنا شكرها ومن حال المسألتين المسؤول عنهما.
(فالأولى): إذا نذر إنسان شيئًا معيّنًا لشخص معيّن نذر تبرر فردّه أو مات قبل قبوله أو قبله وقبضه ثمّ ردّه، فأمّا إذا ردّه أو مات قبل القبول والرّد فالّذي يظهر بطلان هذا النّذر كما تبطل الصّدقة بذلك لأنّ الصّدقة نوع من الهبّة صرح به الأصحاب كما في المغني وغيره، وهو ظاهر كلام أحمد لقوله في رواية حنبل؛ إذا تصدّق على رجل بصدقة دار وما أشبه ذلك فإذا قبضها الموهوب له صارت في ملكه انتهى.
وقد صرحوا باعتبار القبول للهبّة وأنّها تبطل بالرّد وبموت الموهوب له قبل القبول، فإذا كان هذا حكم الهبّة فالصّدقة نوع من الهبّة، وقد جعل الأصحاب حكم الصّدقة المعيّنة حكم النّذر كما نقله في القواعد عنهم ولفظه بعد كلام سبق، فإذا قال هذه صدقة تعينت وصارت في حكم المنذورة صرح به الأصحاب، لكن هل ذلك إنشاء للنّذر أو إقرار به فيه خلاف بين الأصحاب انتهى.
стр. 670
فقوله: هل ذلك إنشاء للنّذر أو إقرار به؟ صريح في أنّه إذا تصدق بشيء معيّن؟ فقال هذا صدقة أنّه نذر حقيقة.
فإذا علمت ما ذكره علماؤنا -رحمهم الله تعالى- من أحكام الهبّة وقد صرحوا بأنّ الصّدقة نوع من الهبّة لها حكم الهبّة، بل صرحوا باعتبار القبول للصّدقة ولم يخصوا بذلك نوعًا منها، وجعلوا حكم الصّدقة المعيّنة حكم المنذورة ظهر لك حكم مسألة السّؤال -إن شاء الله تعالى-.
وقال الزّركشي بعد حكايته الوجهين: قال ابن حمدان وابن المنجا أنّهما مبيّنان على انتقال الملك إلى الموقوف عليه إن قلنا ينتقل اشترط وإلّا فلا، قال: والظّاهر أنّهما على القول بالانتقال انتهى فظهر بما ذكروه من التّعليل اعتبار القبول في مسألتنا؛ لأنّ المنذور له يملك النّذر ويتصرّف فيه بالبيع وغيره ولا يتعلّق به حق لغيره، فإذا لم يقبله المنذور له جاز للنّاذر التّصرّف فيه، يقوي ذلك أيضًا ما ذكره جماعة من الأصحاب وصرح به في الإقناع والمنتهى أنّ الوقف يرجع إلى الواقف إذا انقطعت الجهّة الموقوف عليها والواقف حيّ فمسألتنا أولى.
وأمّا إذا قبضه المنذور له ثمّ ردّه فعلى ما قررناه حكمه حكم الصّدقة المردودة بعد القبض، قال في الفروع ومن سأل فأعطي فقبضه فسخطه لم يعط لغيره في ظاهر كلام العلماء انتهى، وذكر في الاختيارات ما معناه أنّهما إن تفاسخا عقد الهبّة صحّ والله أعلم.
(المسألة الثّانية): وهي ما إذا أوصى إنسان بشيء من ماله يحج به لبعض ورثته أو يضحي به عنه، فالّذي يظهر صحة هذه الوصيّة ولزومها في الثّلث بدون إجازة لأنّ الموصى له لا يملكها ولا ينتفع بها، وإنّما يرجو
стр. 671
ثوابها في الآخرة فهي كصدقته في مرضه وجعل ثوابها للوارث.
وقد قال الأصحاب في تعليل صحّة وقف المريض ثلثه أو وصيته بوقفه على بعض الورثة بأنّهم لا يبيعون ذلك ولا يهبونه وإنّما ينتفعون به ومسألة السّؤال أولى بالجواز لأنّ الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به ولا ينتفع به في الدّنيا، والموقوف عليه ينتفع بالوقف ويملكه على المشهور. ولمّا ذكر الزّركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة قال قلت فكأنّه عتق الوارث. انتهى.
يشير والله أعلم إلى ما ذكروه في تصرّف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه، وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى والله أعلم.
- ٢٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ عثمان بن عيسى -سلّمه الله وعافاه-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخطّ إبلاغك السّلام وغير ذلك عثرت على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي مضمونها أنّه سئل عمن أوصى بأن يحجّ عن أمّه من ماله وأمّه حيّة فأفتى بأنّ ذلك يتوقّف على إجازة الورثة والله أعلم.
- ٢٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المكرّم عليّ بن فراج -سلّمه الله تعالى-.
стр. 672
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل وما ذكرت من المسائل الثّلاث.
(المسألة الأولى): إذا اشترى إنسان من آخر طعامًا يجري فيه الرّبا بنسيئة ثمّ اشترى منه بذلك الثّمن مالا يجوز بيعه به نسيئة ففي المسألة خلاف مشهور؛ فمذهب أحمد وطائفة تحريم ذلك، ومذهب الشّافعي جوازه، واختار الشّيخ تقيّ الدّين جواز ذلك للحاجة، وكثير من أهل هذا الزّمان لو لم يأخذ منه غريمه طعامًا ما أوفاه، فلو امتنع من أخذ الطّعام ذهب حقّه فالظّاهر أنّ الشّيخ يجير، ذلك؛ لأنّ هذا حاجة أبلغ من احتياجه إلى الطّعام.
والحنابلة يتوصّلون إلى إجازة ذلك بأن يشتري الّذي له الدّين من غريمه الطّعام بثمن في الذّمة، فإذا ثبت الثّمن في ذمّة المشتري الثّاني قال لغريمه: في ذمّتك لي مثلًا ريال وفي ذمّتي لك ريال؛ فهذا بهذا ولا ينقد شيئًا ويسمّون هذا مقاصة وهو جائز عندهم والله أعلم.
(المسألة الثّانية): وهي ما إذا صلّى إنسان في ثوبٍ نجس لكونه لا يجد غيره أو على بدنه نجاسة لا يمكنه إزالتها، فهذا يصلّي على حسب حاله، وهل يجب عليه إعادة أم لا؟
فقد حكوا فيمَن لم يجد إلّا ثوبًا نجسًا وصلّى فيه هل عليه إعادة أم لا؟ حكوا في المسألة قولين للعلماء هما: روايتان عن أحمد، والمشهور عن أحمد أنّه يعيد. والله أعلم.
(المسألة الثّالثة): وهي ما إذا رمى إنسان بعيرًا ولم يمكنه تذكيته، فهذا إذا سقط البعير أو سقط في بئر ولم يمكن نحره فهذا حكمه حكم الصّيد إذا رماه إنسان فإن أدركه حيًّا حياة مستقرّة فلا بدّ من ذبحه، فإن لم يكن فيه حياة إلّا مثل حياة المذبوح فلا يحتاج إلى تذكيته، وإن أصابه وغاب
стр. 673
عنه ثم وجده ميّتًا ولا أثر به غير رميته فإنّه يباح ويشترط التّسمية عند رميه قاصدًا قتل المرمي، وهكذا حكم البعير الشّارد أو المتردّي في بئرٍ ونحوها. انتهى.
- ٢٩ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المكرّم سلمان بن عبد المحسن سلّمه الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من التّشريك في سبع البدنة أو البقرة فلم أر ما يدلّ على الجواز ولا عدمه، وإن كان بعض الذين أدركنا يفعلون ذلك لكن ما رأيت ما يدلّ عليه. والله أعلم.
وأمّا الذين يتصدّق عليه بجلد الأضحية أو لحمها أو يهدى إليه ذلك فإنّه يتصرّف فيه بما شاء من بيعٍ وغيره.
وأمّا ما ذكرت من تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده؛ لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلّد، بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّنّ، وأمّا في الصّحو فيجوز الاعتماد على أذان المؤذّن إذا كان ثقة.
وأمّا أخذ الرّهن والضّمين بدين السّلم ففيه عن أحمد روايتان.
(إحداهما): لا يجوز أخذ الرّهن ولا أخذ الكفيل بذلك وهذا هو المشهور في المذهب.
(والرّواية الأخرى): يجوز واختاره الموفّق وغيره وهو قول أكثر العلماء وهو الصّحيح إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
стр. 674
- ٣٠ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وله أيضًا -رحمه الله تعالى- إجابة عن هذه المسائل*:
ما قولكم فيما إذا كان لإنسان على آخر دين وقال دينك قادم في هذا الزّرع أو هذه الثّمرة هل يكون هذا رهن أم لا؟ وفي رجل عليه دين ولا يفي دينه بما عليه وعند إنسان له رهن هل صاحب الرّهن مقدّم على من سواه، وفيما إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين وأبى أن يأذن في بيع الرّهن وتعذر إجباره وتعذر الحاكم، فهل إذا قام عدل وباع الرّهن وقضى الدّين هل ينفذ تصرّفه أم لا؟
وهل إذا أعطت الأمّ ابنتها الصّغيرة حليا تلبسه ولم يقبضه وليها لها وليست ذات زوج فهل تملكه أم لا؟ وهل إذا شرط البائع للثّمرة بعد بدو صلاحها القطع على المشتري فتلقت بجائحة أو تعيبت بها فهل يكون ضمانها على المشتري أم لا؟
وهل إذا باع الرّاهن الرّهن بغير إذن المرتهن فهل يكون بدله الّذي أبدله به رهن والحالة هذه. وإذا ادعى إنسان على آخر عقارًا فقال المدّعي عليه ورثته من أبي ولم أعلم أنّ لك فيه حقًا هل تقبل يمينه هذه على صفة جوابه؟
وإذا ادّعى إنسان شيئًا وأنّه يملكه الآن وشهدت البيّنة أنّه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات هل تسمع أم لا؟ أفتونا مأجورين.
الجواب -وبالله التّوفيق- أمّا المسألة الأولى فيما إذا قال حقك أو دينك قادم في هذا الزّرع الخ فهذا ليس برهن وإنّما هو وعد فيصير المقول
стр. 675
له ذلك أسوة الغرماء، وإن لم يكن غريم غيره فيستحبّ للقائل الوفاء بوعده ولا يجب عند أكثر العلماء.
وأمّا إذا ضاق مال الإنسان عن دينه وكان له عين مرهونة عند بعض الغرماء فإنّ المرتهن أحقّ بثمن الرّهن من سائر الغرماء إذا كان رهنا لازما بلا نزاع.
قال في الشّرح: لا نعلم فيه خلافًا؛ فإن كان الرّاهن حين الرّهن قد ضاق ماله عن دينه أنبني صحّة رهنه على جواز تصرّفه وعدمه وهو أنّه هل يكون محجورًا عليه إذا ضاق ماله عن ديونه بغير حكم حاكم كما هو قول مالك، ويحكى رواية عن أحمد اختاره الشّيخ تقيّ الدّين، أو لا يكون محجورًا عليه إلا بحكم حاكم كما هو قول أبي حنيفة والشّافعي وأحمد في المشهور عنه.
وأمّا إذا امتنع الرّاهن من قضاء الدّين فقال الشّيخ تقيّ الدّين*: "جوز بعض العلماء للمرتهن دفع الرّهن إلى ثقة يبيعه ويحتاط بالإشهاد على ذلك ويستوفي في حقه إذا تعذر الحاكم ولم يكن الرّاهن قد أذن للمرتهن في بيع الرّهن بعد حلول الأجل"، وهذا قول حسن إن شاء الله تدعو الحاجة إليه في كثير من البلدان والأزمان والله أعلم.
وأمّا إذا ألبست الأمّ ابنتها حليًا الخ فقد رأيت في ذلك جوابًا لأحمد بن يحي بن عطوة فإنّه سئل عمّا إذا وجد على البنت الصّغيرة حلي وثياب فاخرة فما حكم ذلك وهل تسمع دعوى الأمّ أنّ ذلك لها، وإنّما ألبستها إيّاه تجميلًا أو دعوى الورثة أنّه لموروثهم وإنّما جملها به، وهل بين الصّغير والكبير فرق أم لا؟ وهل ذلك عام في الأبّ والأمّ أفتونا مأجورين.
стр. 676
أجاب ﵀ الظّاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرّة أنّ تجميل الأبوين بنتهما بكلّ ما يعد تجميلًا أنّه تخصيص لها بذلك دون سائر من يرثهما إذا لم تجر عادتهما بأنّه عارية تجري عليها أحكامها.
إذا علم ذلك فلا كلام لسائر الورثة في ذلك بعد موت المخصص المعطي للزوم ذلك بموته كما صرح به الأصحاب، والتّخصيص سائغ أيضا في مسائل كفقر وعلم ونحوهما في رواية.
وأمّا الأمّ فإن أقامت بيّنة شرعيّة أنّ ذلك لها وإنّه عارية ساغت دعواها بذلك، وإلّا فلا فرق بين الصّغيرة والمميّزة الكبيرة في ذلك.
وأمّا غير المميّزة فمحل نظر وتأمل، والّذي يظهر لي أنّ ذلك عام في الأبّ والأمّ وإنّما يعد الأبّ لأنّه الغالب والشّيء إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. إلى أن قال:
فحيث ثبت إمكان ملك البنت في المسألة المذكورة بما ذكر فلا يجوز انتزاع ما صار إليها إلّا بدليل راجح يسوغ المصير إليه شرعا اهـ.
ومن جواب للشّيخ سليمان بن عليّ وقد سئل عن هذه المسألة: إذا كان الحلي على البنت ولو لم تذهب به إلى بيت زوج وادعته الأمّ لم تقبل إلّا ببيّنة أنّه للأمّ وأنّه على البنت عارية، ولو أقامت الأمّ بيّنة أنّها هي الّتي اشترته لم تقبل حتّى تقول وهو عارية على البنت اهـ.
وأمّا إذا باع الثّمرة بعد بدو صلاحها بشرط القطع فقدم في الشّرح وغيره يجوز هذا الشّرط وهو ظاهر، وإذا تلفت والحالة هذه فإن كان تلفها قبل تمكن المشتري من أخذها فهي من ضمان بائع، وإن كان تلفها بعد التّمكن من أخذها فهي من ضمان مشتر لتفريطه، وقد صرح
стр. 677
وقد صرح الأصحاب فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فتلفت بجائحة سماوية بعد تمكنه من قطعها، فهي من ضمانه، وإن تلفت قبل تمكنه من قطعها، فهي من ضمان بائع؛ لعموم الحديث. وصرحوا أيضا فيما إذا اشتراها بعد بدو الصلاح ولم يشترط القطع في الحال، بأنها من ضمان بائع، ما لم يؤخرها المشتري عن وقت أخذها المعتاد، فإن أخر أخذها عن الوقت المعتاد فالثمرة التالفة من ضمان مشتر لتفريطه، والله أعلم.
وأما إذا باع الراهن العين المرهونة بغير إذن المرتهن فالبيع فاسد بلا خلاف بين العلماء، فإن أمكن المرتهن استرجاع الرهن، استرجعه وهو رهن بحاله، وإن لم يتمكن من استرجاعه لزم الراهن دفع قيمته للمرتهن، فتكون رهنا، سواء كانت القيمة مثل الثمن الذي بيع به، أو أقل أو أكثر. والله علم.
وأما إذا ادعى إنسان عقارًا في يد غيره، فلا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه؛ فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك هذا. وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه، ونحو ذلك. فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئا، أو أنك لا تستحق شيئا فيما ادعيته كان جوابا صحيحا، ولا يكلف سواه.
(والحال الثاني): أن يدعي على من هو في يده بأن أباك غصبني هذا، أو أنه وديعة عنده، ونحو ذلك، فيمين المدعى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة ما علمت أنك أودعته إياه ونحو ذلك.
وفي سنن أبي داود "أن النبي ﷺ قال للحضرمي: ألك بينة؟
стр. 678
قال: لا ولكن أحلفه والله ما يعلم أنّها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيّأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النّبيّ ﷺ " ولأنّه لا تمكّنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلّف اليمين على البت.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين له الآن وشهدت البيّنة بأنّها كانت له أمس أو أنّها كانت في يده أمس لم تسمع بيّنته لعدم تطابق البيّنة والدّعوى.
قال في الإنصاف في أصحّ الوجهين حتّى يتبيّن سبب يد الثّاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنّه كان ملكه اشتراه من ربّ اليد فإنّها تقبل اهـ.
وأمّا إذا شهدت البيّنة بأنّ هذه العين لهذا المدّعي بهذه الصّيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدّعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن.
وأمّا إذا ادّعى أنّ هذه العين كانت لأبيه أو أمّه أو أخيه ومات وهي في ملكه سمعت البيّنة بذلك، وإن قالت البيّنة كانت ملكا لأبيه ونحوه ولم تشهد بأنّه خلفها تركة لم تسمع هذه البيّنة.
وفي الفروع والإنصاف عن الشّيخ تقيّ الدّين ﵀ أنّه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند حاكم أنّه كان لجدّه إلى موته ثمّ لورثته ولم يثبت أنّه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدّة الطّويلة، ولو فتح هذا الباب لاتنْزع كثير من عقار النّاس بهذه الطّريق والله أعلم، وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وأمّا تقليد المؤذّن إذا كان في السّماء غيم ونحوه فلا ينبغي تقليده، لأنّه يؤذّن عن اجتهاد فلا يقلد بل يجتهد الإنسان لنفسه فلا يفطر حتّى يتيقن أو يغلب على ظنّه الغروب فيجوز له الفطر مع غلبة الظّن.
стр. 679
وأما في الصحو، فيجوز الاعتماد على أذان المؤذن إذا كان ثقة. والله أعلم.
- ٣١ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ أحمد بن دعيج -سلّمه الله-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وما ذكرت من أمر روائح الأشياء إذا شمّها الصّائم فلا بأس بذلك إلّا الدّخان إذا شمّه الصّائم متعمّدًا لشمّه فإنّه يفطر بقصد شمّ الدّخان أي دخان كان، وإن دخل في أنفه من غير قصد لشمّه لم يفطر لمشقّة التّحرز منه والسّلام.
- ٣٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم -أدام الله النّفع بعلومكم- فيمن لا يعرف الإيمان بالله ولا معنى الكفر بالطّاغوت، وهذه حال الأكثر ممّا لدينا، يدعي الإسلام ويلتزم شرائعه الظّاهرة ويزعم حبّ أهل الحقّ وينتسب إليهم على الإجمال، وأمّا على التّفصيل فيبغض أهل التّوحيد ويمقتهم ويرى منهم الخطأ في الأمور الّتي تخالف عادته وما يعرف فيعتقد خلاف ما عرف خطأ، لأنّ الّذي في ذهنه أنّ ما عرف النّاس عليه هو الدّين، ولا يعرف دليلا يرد به عليه، ولا يرعوي ولا يلتفت إليه، لأنّه يرى الدّين ما تظاهر به المنتسبون، فما حال من هذا وصفه؟ ومنهم كثيرون يصرحون بالبغض والعداوة لأهل الحقّ ويحرصون على اتّباع عوراتهم والوقوع في عثراتهم، ونرى مثل هؤلاء الّذين منهم هذا المذكور مع عدم معرفة أصل الإسلام وضدّه كفارا لأنّهم لم يعرفوا
стр. 680
الإسلام أوّلًا، وثانيا عادوا أهله وأبغضوهم، ورأوا الدّين ما عليه أكثر المنتسبين، فهل رأينا فيهم صواب أم لا؟ وبيّنوا حال الصّنف الأوّل لنا أيضا هل يطلق عليهم الكفر أم لا؟ وفيمن يزعم أنّ النّفاق لا يوجد في هذه الأمة بعد زمن النّبيّ ﷺ أو قريبا منه، ثمّ بعد ذلك لا يوجد إلّا الإسلام المحض أو الكفر المحض.
ويحتج بما رواه البخاري عن عبد الله بن عقبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: إنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي وإنّ الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقرّبناه وليس لنا من سريرته من شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إنّ سريرته حسنة.
وعن حذيفة ﵁ قال: إنّما النّفاق كان على عهد النّبيّ ﷺ فأمّا اليوم إنّما هو الكفر والإيمان. رواه البخاري.
ما الجواب عن قول حذيفة وعن قول عمر وما علامات النّفاق الّذي يصير به الرّجل في الدّرك السفل من النّار، وما معنى قول الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب ﵀ في كتاب التّوحيد رد المسألة المشكلة إلى المسألة الواضحة ليزول الإشكال في (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغيره)، وقوله في (باب الدّعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) في كلامه على حديث معاذ الرّابعة عشرة: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم أشكل علينا استخراج هذه المسألة من الحديث، وعن قول النّبيّ ﷺ في آخر حديث رواه مسلم "ومن مات وليس في عنقه بيعة فإنّه يموت ميتة الجاهليّة" أفتونا مأجورين.
أجاب الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين -رحمه الله تعالى-:
стр. 681
الحمد لله، (الجواب) عن حكم الصنفين المسئول عنهما الموصوفة حالهما يرجع إلى شيء واحد وهو إن كان الرّجل يقرّ بأنّ هذه الأمور الشّركية الّتي تفعل عند القبور وغيرها من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتّقرب إليهم بالنّذور والذّبائح إنّ هذا شرك وضلال، ومن أنكره هو المحق ومن زينه ودعا إليه فهو شرّ من الفاعل فهذا يحكم بإسلامه؛ لأنّ هذا معنى الكفر بالطّاغوت والكفر بما يعبد من دون الله، فإذا اعترف بأنّ هذه الأمور وغيرها من أنواع العبادة محض حق الله لا يصلح لغيره لا لملك مقرب، ولا نبيّ مرسل فضلًا عن غيرهما.
فهذا حقيقة الإيمان بالله والكفر بما يعبد من دون الله. قال النّبيّ ﷺ "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" وفرض على كلّ أحد معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامي الّذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانيّة الرّب سبحانه ورسالة محمّد ﷺ ويؤمن بالبعث بعد الموت وبالجنّة والنّار.
وإنّ هذه الأمور الشّركيّة الّتي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال فإذا كان يعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا شكّ فيه فهو مسلم وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالبًا.
ذكر النّووي في شرح مسلم في الكلام على حديث ضمام بن ثعلبة قال: قال أبو عمرو بن الصّلاح فيه دلالة لما ذهب إليه أئمّة العلماء من
стр. 682
أنّ العوام المقلّدين مؤمنون وإنه يكتفى منهم بمجرّد اعتقاد الحق جزمًا من غير شكّ وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنّه ﷺ قرّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرد إخباره إيّاه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك النّظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلّة القطعيّة اهـ.
وأمّا من قال: إنّ هذه الأمور الّتي تفعل عند هذه المشاهد من دعا غير الله والنّذر والذّبح لهم إنّ هذا ليس بحرام، فإطلاق الكفر على هذا النّوع لا بأس به بل هذا كفر بلا شكّ، وأمّا من يوافق في الظّاهر على أنّ هذه الأمور شرك ويبطن خلاف ذلك فهو منافق نفاقًا أكبر، فإن كان يظهر منه بغض من قام بهذه الدّعوة الإسلاميّة عامة فهذا دليل نفاقه.
قال بعض العلماء في قول النّبيّ ﷺ في الأنصار "لا يحبّهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق" قال فمن أبغض من قام لنصرة دين الله وسنّة نبيّه ﷺ استحق هذا الوصف وهو النّفاق، وأمّا من يبغض بعضًا دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
وأمّا من صرح بالسب فقد قال شيخ الإسلام تقيّ الدّين ﵀ فيمن يسبّ أصحاب رسول الله ﷺ قال: اختلف العلماء في حكمهم على قولين: قيل بكفرهم، وقيل بفسقهم، توقف أحمد في كفره وقتله، وقال يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال وهذا هو المشهور من مذهب مالك اهـ.
فإذا كان هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله ﷺ الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم ولم يقل أحد من العلماء بكفر
стр. 683
من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب: من سبّ إمامًا عدلًا، أو عدلًا غيره عزر.
وأمّا قول من قال: إنّ النّفاق لا يوجد إلّا في أفضل القرون فهذا جاهل بحقيقة النّفاق ضال أو معاند فاجر بل كافر إذا قال: إنّه لا يوجد بعد ذلك إلا الإسلام المحض، وصاحب هذا القول مكذب لله ولرسوله ولجميع علماء المسلمين، ومثل هذا يرد عليه بكلام العلماء الّذي لا يمكنه ردّه.
وقد أجمع علماء السّنّة والجماعة على كفر الاتّحاديّة الّذين يقولون الخالق هو المخلوق، وكذلك أجمعوا على تكفير الحلوليّة الّذين يقولون: إنّ الله بذاته في كلّ مكان، وهاتان الطّائفتان منتشرتان في أمصار المسلمين.
ولمّا ذكر صاحب الإقناع حكم هاتين الطّائفتين قال شارحه: وقد عمت البلوى بهذه الفرق فأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التّوحيد فأخبر الشّارح بكثرة هؤلاء المجمع على كفرهم، وذكر هاتين الطّائفتين، وكذا من قذف عائشة ﵂ أو ادّعى أنّ جبريل غلط ونحو ذلك ممّا لا يقدر أحد على إنكاره.
وأمّا أمر الشّرك فالكلام معهم فيه يطول وكفر هذا فضيحة، قوله: إنّ النّفاق والكفر يوجد في أفضل القرون ويستحيل وجوده فيما بعده. وهذا في حقيقة أمره ينكر على الفقهاء وضعهم باب حكم المرتدّ إذا لم يكن إلا الإسلام المحض فيلزم تخطئتهم بأن نقول لا كفر ولا نفاق بعد القرن الأوّل الفاضل.
وأمّا احتجاج بعضهم بقول عمر ﵁ أنّ النّاس كانوا يؤاخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ الخ فأيّ حجة له في هذا على نفي الكفر
стр. 684
والنّفاق عن الأمّة، وإنّما هذا مثل قوله ﷺ فيمن أتى بشرائع الإسلام حيث قال: "وحسابهم على الله تعالى"، ومراد عمر ﵁ أن من رأينا عمله حسنًا ولم ير منه ما يعاب أمناه وقرّبناه وحسابه في سريرته إلى الله، ومن رأينا ما يكرهه الله من المعاصي كشرب الخمر وشهادة الزّور والكذب والنّميمة والغيبة وغير ذلك من الذّنوب أو إخلال في فرض لم نأمنه ولم نقرّبه، وإن قال: إنّ سريرته حسنة.
وقوله: من أظهر لنا سوءًا، أي من أطلعنا منه على ذلك وعلمناه ليس مراده أنّه يظهر ذلك ويجاهر به وهكذا كما يقول العلماء في الشّاهد إذا علم منه ما يقدح في شهادته، ردّت شهادته، وإن كان لا يظهر إلّا الخير، وكذا إذا رأينا من ظاهره الخير لكن رأيناه يألف الفسقة أو أهل البدع والضّلال، قلنا هذه خصلة سوء يتّهم بها وإن قال سريرته حسنة.
نقل أبو داود عن الإمام أحمد ﵀ في الرّجل يمشي مع المبتدع لا تكلّمه، ونقل غيره إذا سلم على المبتدع فهو يحبّه، وقال أحمد ﵀ إنّما هجر النّبيّ ﷺ الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خفنا عليه وهذا الّذي ينكر وجود النّفاق سببه عدم معرفة الإسلام وضدّه.
وحقيقة النّفاق إظهار الخير وإسرار ضدّه، فإذا كان إنسان عند أهل السّنة يظهر بطلان مذهب الاتّحاديّة والحلوليّة ونحوهم وهو يعتقد في الباطل صحّة بعض هذه المذاهب فهو منافق نفاقًا أكبر، وكذا إذا أظهر تضليل غلاة الرّافضة وهو في الباطن يرى رأيهم فهو منافق، وكذا من اعترف بصحّة هذا الأمر الّذي ندعو إليه وهو التّوحيد وإفراد الله بالعبادة يعترف به ظاهرًا ويبطن خلافه فهو منافق نفاقًا أكبر.
стр. 685
وأمّا قول حذيفة فهو كما روي عنه من وجه آخر أنّه قال المنافقون على عهد رسول الله ﷺ يخفون نفاقهم وهم اليوم يظهرونه، فمراد حذيقة أنّهم في زمانه تبدو منهم أمارات ظاهرة بخلاف حالهم زمن النّبوّة، وقال: إن كان الرّجل ليتكلّم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير بها منافقًا وإنّي لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرّات.
وسمع حذيفة رجلًا يقول: اللهمّ أهلك المنافقين فقال يا ابن أخي لو أهلك المنافقين لاستوحشتم في طرقاتكم من قلّة السّالكين، وهذا النّافي للنّفاق عن جميع الأمّة قائل بغير علم كاذب وما يدريه أنّه ليس في الأمّة حاضرها وباديها منافق؛ لأنّ من أظهر الإسلام وهو يشكّ في البعث بعد الموت أو في رسالة محمّد ﷺ فهو منافق نفاقًا أكبر.
وهل اطّلع هذا المتخرص على قلوب الأمّة شرقًا وغربًا وهل يأمن على نفسه من النّفاق بأن يزيغ الله قلبه إذا زاغ عن الحقّ ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف، من الآية:٥]، وقد أثنى الله سبحانه على الرّاسخين في العلم بسؤالهم إيّاه أن لا يزيغ قلوبهم في قولهم ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران، الآية:٨].
ومن دعاء النّبيّ ﷺ : "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" فقيل له أوتخاف علينا؟ قال: "نعم، ما من قلب إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الرّحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه" ومن دعائه ﷺ عند الانتباه من النّوم: "ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني". قيل للإمام أحمد ﵀ ما تقول فيمن لا يخاف النّفاق على نفسه؟ فقال ومن يأمن على نفسه النّفاق؟
стр. 686
وروي عن الحسن أنّه حلف ما مضى مؤمن قطّ ولا بقي إلّا وهو من النّفاق خائف، ولا مضى منافق قطّ ولا بقي إلّا وهو من النّفاق آمن وكلام السّلف في هذا كثير، ويكفي في بيان بطلان قول هذا إثباته الكفر والنّفاق في أفضل قرون الأمّة ونفي ذلك عن القرون الّتي وصفها ﷺ بأنّها شرّ إلى يوم القيامة، ويفضح شبهة هذا وشبهة من قال إنّه يستحيل وجود الكفر في أرض العرب ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس عن النّبيّ ﷺ قال "ليس من بلد إلّا سيطوله الدّجّال إلّا مكّة والمدينة، وما من نقب من أنقابها إلّا وعليه الملائكة صافين تحرسهما فينْزل السّبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله تعالى منها كلّ كافر ومنافق" فأخبر ﷺ أنّ في المدينة إذ ذاك كفّارًا ومنافقين موجودين قبل خروج الدّجّال، فإذا كان هذا حال المدينة فغيرها أولى وأحرى. والله أعلم.
وقوله ﷺ : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة" فأرجو أنّه ما يجب على كلّ إنسان المبايعة وأنّه إذا دخل تحت الطاعة وانقاد ورأى أنّه لا يجوز الخروج على الإمام ولا معصيته في غير معصية الله أنّ ذلك كاف، وإنّما وصف ﷺ ميتته بالميتة الجاهليّة؛ لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يأنفون من الانقياد لواحد منهم ولا يرضون بالدّخول في طاعة واحد فشبه حال من لم يدخل في جماعة المسلمين بحال أهل الجاهليّة في هذا المعنى والله أعلم.
وقول الشّيخ ردّ المسألة المشكلة إلى آخره الظّاهر أنّه أراد أنّ الّذي سأل النّبيّ ﷺ من حكم نذره أنّه أشكل هل يوفي به أم لا؟ فلّما أخبر ﷺ أن ذلك المعيّن خال ممّا ذكر زال الإشكال.
стр. 687
وأمّا قوله: كشف العالم الشّبهة عن المتعلّم فلا يتبيّن لي مراده إلّا إن كان يشير إلى أنّ النّبيّ ﷺ فصل له صفة ما يدعو إليه والله أعلم.
- ٣٣ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الولد المحب عليّ بن عبد العزيز بن سليم -زاده الله علمًا ووهب لنا وله حكمًا-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والسّؤال عن الحال أصلح الله لنا ولكم الدّين والدّنيا والآخرة، والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من حكم صرف ما ذكرت بعضه ببعض كالرّيال بالجدد والإرباع والقاروني بشيء من ذلك، وهل ذلك من مسألة مد عجوة؟
فقال في الإقناع وشرحه: وإن باع دينارًا أو درهمًا مغشوشًا بمثله أي بدينار أو درهم مغشوش والغش فيهما أي المثمن والثّمن، أو غير معلوم المقدار لم يجز؛ لأنّ الجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل، وإن علم التّساوي في الذّهب الّذي في الدّينارين وعلم تساوي الغش الّذي فيهما جاز بيع أحدهما بالآخرة لتماثلهما في النّقود وهو الذّهب، ولتماثلهما في غيره أي الغش وليس من مسألة مد عجوة لكون الغش غير مقصود فكأنّه لا قيمة له كالملح في الخبز انتهى.
ونقل في الفروع عن الشّيخ جواز بيع فضّة لا يقصد غشّها بخالصة مثلّا بمثل، ورأيت أيضا في فتوى للشّيخ تقيّ الدّين بعد كلام سبق في مسألة مد عجوة، قال وكذا يجوز بيع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها
стр. 688
شعير يسير فإنّ ذلك يجوز عند الجمهور، وكذا إذا باع الدّراهم الّتي فيها غشّ بجنسها فإنّ الغشّ غير مقصود والمقصود بيع الفضّة وهما متماثلان.
وقال أيضا: إذا باع درهما خالصًا بمغشوش فإن كانت فضّة الدّراهم الخالص تزيد على فضّة المغشوش تزيد على فضّة المغشوش زيادة يسيرة بقدر النّحاس الّذي في الآخرة جاز ذلك في أحد قولي العلماء، فظهر من كلام الشّيخ عدم جواز صرف ما ذكرتم بعضها ببعض كالقاروني بالجدد أو الإرباع ونحو ذلك وهو صريح الإقناع وشرحه والله أعلم.
- ٣٤ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الولد عليّ بن عبد العزيز -وفقه الله لطاعته وأصلح له دنياه وآخرته-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
موجب الخطّ إبلاغ السّلام والخطّ وصل أوصلك الله إلى ما تحب، وما سألت عنه من الجهر بالتّهليل بعد الصّبح والمغرب فما علمت ورود شيء يخصّه، وإنّما اختلف العلماء في الجهر بالذّكر المشروع في إدبار الصّلوات ولم يخصوا ذكرًا دون ذكر والله أعلم.
(وأمّا قولك) إذا ظهر من إنسان الكفر وقامت عليه الحجّة وامتنع إنسان من تكفيره فكأنك تشير إلى حال أهل هذه المشاهد الّتي يقع عندها الشّرك الأكبر.
ومن المعلوم أنّه لا يصحّ إسلام إنسان حتّى يكفر بالطّاغوت وهو كلّ ما عبد من دون الله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، [البقرة، من الآية:٢٥٦]، وفي الحديث الصّحيح: "من قال لا إله إلّا الله وكفر بما
стр. 689
يعبد من دون الله حرم ماله ودمه"، والكفر بذلك البراءة منه واعتقاد بطلانه نسأل الله لنا ولكم الهدى والسّداد والله أعلم.
[فوائد]
(فائدة في قراءة الجنب) قوله ولا يزيد على ما يجزيء من القراءة وظّاهر العبادة مطلقا وهذا في الجنب لا في المحدث حدثا أصغر. قاله الجراعي في حواشي الفروع، وفي شرح المحرم للسيسي أنّ ذلك محرم، وفي الغاية ولا يزيد على ما يجزيء في قراءة وغيرها ويتّجه ندبا وفي زائد عن الفاتحة لجنب وجوبا، وفي خطّ زامل تلميذ المصنّف على هامش المنتهى، فإذا زاد حرم وبطلت والله أعلم.
(فائدة يجب التّنبّه لها والتّحرز منها) قال وقول بعضهم: لو أنّي حاضر ما سنه الله. هذه كلمة كفر، يردّ قضاء الله بزعمه في ذلك، وقول بعضهم أنا متوجّه عليك بالله، هذا من الشّرك بالله، ومثل قول بعض العوام: الحديث ما غدى أحدًا ولا عشى أحدًا ونحو هذه الألفاظ كلمة كفر نعوذ بالله؛ لأنّ هذا استنقاص للسنّة نسأل الله العفو والعافية، وقول بعض العوام فلان ما يلقى في قبره إلّا الدّواب ونحو ذلك لا يجوز ذلك لأنّه اعتراض على الله، ومثل قولهم فلان المرحوم؛ بل يقول الله يرحمه لأنّه لا يدري والله أعلم.
(مسألة): ما يعمله بعض الجهّال من توديعهم الفطرة عند جار ونحوه الّذي يجيء يعطونها إيّاه وهذا لا يجزئ؛ لأنّهم لم يخرجوها على وجهها فلا يسقط قدر الفطرة من الثّمرة المكنوزة بل الّذين جربوه يقولون قدر وزنتين إلّا ثّلث.
(فائدة): وقال حذيفة ﵁ لا تفرّ من الفتنة ما عرفت دينك
стр. 690
إنّ الفتنة إذا اشتبه عليك الحقّ بالباطل، وقال ابن الجوزي المحرم من الدّم هو المفسوح، ثمّ قال القاضي فأمّا الدّم الّذي يبقى في خلال اللّحم بعد الذّبح وما يبقى في العروق فمباح، قال المجد في شرح الهداية: وكذلك ما يبقى على اللّحم بعد السّفح فمباح حتّى لو مسه بيده فظهر عليها أو مسه بقطنة لم ينجس نصّ عليه، وبه قال الثّوري وابن عيينة وإسحاق وأبو يوسف. قال ابن قندس: فعلى هذا النّجس من الدّم هو المفسوح أو لا فقط. قال أبو العبّاس: إنّما حرّم الله الدّم المفسوح المصبوب المراق فأمّا ما يبقى في العروق فلم يحرمه أحد من أهل العلم والله أعلم.
(فائدة): قال في الإنصاف يجوز دفع الزّكاة إلى أقاربه الّذين لا تلزمه نفقتهم وإن كان يرثهم وهو المذهب انتهى، وقال في جمع الجوامع: هل يجوز دفع الزّكاة إلى من يرثه بفرض أو تعصيب أو لا؟ ثمّ قال يجوز: نقلها الجماعة واختارها جماعة، وقطع بها في المنور وفاقًا لأبي حنيفة وأصحابه، ومن لا تجب نفقته فيجوز الدّفع إليه إجماعًا ثمّ قال: ولا يخل القريب من غير عمودي النّسب إمّا أن تجب نفقته على الدّافع أو لا؟ فإن لم تجب جاز الدّفع إليه بلا نزاع أو وجبت ففيه روايتان، ومن كلام لأبي العبّاس شيخ الإسلام: يجوز الدّفع إلى الوالدين والولد إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن الانفاق عليهم وهو أحد القولين عن أحمد وما أخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنيّة الزّكاة وتسقط ولو لم يكن على صفتها. انتهى.
стр. 691
رسائل وفتاوى للشيخ سعيد بن حجي
...
رسائل وفتاوى
الشّيخ سعيد بن حجي
- ١ -
بسم الله الرحمن الرّحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر كان الله له ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وجعلك من أعوانه وسر الخاطر ما ذكرت من نصر الله لدينه، فالله المحمود على ذلك وتسأل عن مسائل:
(الأولى): ما قول العلماء ﵏ في الهاشمة والمنقلة في الرأس إذا لم توضح، بل دمغت وهشمت ونقلت عظامها بعد ما شقوا الجلد ولحمته الفوقية ما حكم الدّية؟
(الجواب): اعلم أولًا أنّ الشّجاج العشر اسم لجراح الرّأس والوجه خاصة، فأمّا الهاشمة فهي التي توضح العظم أي تبرزه وتهشمه وتكسره ففيها عشر من الإبل، وأمّا إن ضرب رأسه فهشم العظم ولم يوضحه ففيه وجهان:
(أحدهما): فيه خمس من الإبل.
(والثّاني): تجب الحكومة وهو المذهب، وأمّا المنقلة فهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها بتكسرها وفيها خمس عشر من الإبل بالإجماع، وأمّا الدّامغة فليست من أولئك وأمّا إذا هشم العظم فقط وشق الجلد واللحمة الّتي فوق العظم ثمّ نقلت العظام.
فالجواب: إن كان ذلك بإذن المجني عليه وهو رشيد فلا شيء له أو بإذن وليه إن كان غير رشيد فلا شيء له، وإن فعله أجنبي بغير إذن فعلى الشّاق الّذي أوضح العظم خمس من الإبل وعلى منقل العظام خمس من
стр. 692
الإبل، وعلى الهاشم الأول خمس من الإبل، فإن تأملت كلام الفقهاء وتفصيلهم في الموضحة والجائفة وجدته كذلك والله أعلم.
(المسألة الثّانية): الأسنان إذا جني عليها وبقي لها سنوخ لم ينتفع بها المجني عليه هل يحكم بديتها تامة أم لا؟ الخ.
(الجواب): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنّ دية السّن خمس من الإبل، وإنّما يجب هذا الضّمان في سن من قد ثغر وهو الّذي أبدل أسنانه وبلغ حدًا إذا تلف سنه لم يعد بدلها، فأمّا سن الصّبي الّذي لم يثغر فلم يجب بقلعها في الحال شيء فإن مضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة أو طويلة ففيها حكومة، وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأنّ ذلك هو المسمى سنا وفي اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثمّ جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة، وإن قلعها الأول بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها والله أعلم.
(المسألة الثّالثة): حضانة الأم إذا تزوجت وسقطت هل الجدة أم الأم أولى بالحضانة أم الأب؟
الحمد لله (الجواب): الحضانة واجبة كالإنفاق فالأم أحق بها من أبيه ثمّ أمهاتها القربى فالقربى، ثمّ أمهاتها إلى آخر كلامهم.
(المسألة الرّابعة): هل على سيدة الغلام إذا كان لها فيه شركة أن تحتجب عنه أم لا؟.
(الجواب): وللعبد النّظر إلى الوجه والكفّين من مولاته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النّور من الآية: ٣١]، فأمّا النّظر إلى شعرها فكرهه الحسن وأباحه
стр. 693
ابن عباس لقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، [النّور من الآية: ٥٨]. وعبارة الإقناع وشرحه والعبد المشترك، وأفتى الموفق في المشترك أنّه كالعبد له نظر ذلك أي الوجه والرّقبة واليد والقدم والرّأس والسّاق من مولاته لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النّور من الآية: ٣١]؛ ولأنّه يشق على رب العبد التّحرز انتهى.
(المسألة الخامسة): إذا دفن ميت مسلم بغير تكفين أو تغسيل وهو ممن يغسل بلا عذر وهما فرضا كفاية ما الحكم؟
(فالجواب): لو دفن قبل الغسل من أمكن غسله لزم نبشه إن لم يخف تفسخه أو تغيره، ومثله من دفن غير متوجه إلى القبلة أو قبل الصّلاة عليه أو قبل تكفينه انتهى.
وذكر في المبدع ثماني صور في نبش الميت إلى أن قال: قال في الشّرح فإن تغير الميّت لم ينبش بحالٍ وكلّ موضعٍ أجزنا نشبه فالأفضل تركه. انتهى.
(المسألة السّادسة): إذا دفع إنسان إلى آخر دابته يرعاها بأجرة ثمّ دفعها الأجير إلى أجير آخر بغير إذن صاحب الدّابة فهلكت ما الحكم؟.
فإن أفتيتم بالضمان فهو على الأول أو على الثّاني أو هو مخير.
الحمد لله (الجواب): لا ضمان على الرّاعي إذا لم يتعد بلا نزاع فإن تعدى ضمن مثل أن ينام عنها أو يتركها تتباعد عنه أو تغيب عن نظره أو يسلك بها موضعًا تتعرض فيه للتلف انتهى، فإذا كان هو يضمن بهذه الأمور فإذا تعدى وآجرها غيره إذن فمن باب أولى، اللهم إلّا أن يكون محسنًا فلا يبعد عدم الضّمان، وأمّا ضمانها عليه فهو مبني على معرفة الأجير الخاص من المشترك والله أعلم.
стр. 694
- ٢ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فائدة لَخصها سعيد بن حجي على بعض الحساد لما اعترض عليه في معرفة وقت الظّهر:
أمّا بعد فلما رأيت بعض من يدعي العلم وليس بعالم اعترض علي في معرفة وقت الظّهر وهو لنفسه ظالم، فإنّه قد قيل بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يغنيك فأحببت أن أبين له الدّليل ليكون كالدّواء للعليل فمن قبل الحق انتفع ومن أعرض عنه ذل وارتدع.
(فائدة): تجب في معرفة أوقات الصلاة لأنّها من شروطها، قال يحي بن محمد بن هبيرة الحنبلي الوزير ﵀ في كتابه المسمى (الإفصاح) الّذي وضعه لما أجمع عليه العلماء وما اتفق عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه من مسائل الفقه، واختلفوا في وقت وجوب الصلاة، فقال مالك ﵀ والشّافعي وأحمد تجب بأول الوقت، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره، وأجمعوا على أنّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وأنّه لا يجوز أن يصلي قبل الزّوال انتهى.
وقال الإمام موفق الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (الكافي) الأولى هي الظهر لما روى أبو برزة الأسلمي قال كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشّمس يعني تزول. متفق عليه، وأوّل وقتها إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الّذي زالت الشمس عليه لما روى ابن عباس عن النّبي ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظّهر
стр. 695
في المرة الأولى حين زالت الشّمس والفيء مثل الشراك، ثمّ صلّى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله وقال الوقت ما بين هذين" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ويعرف زوال الشّمس بطول ظل بعد تناهي قصره انتهى.
وقال الشّارح: يعني صاحب الشرح الكبير على المقنع والظهر هي الأولى ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الّذي زالت عليه الشمس، ومعنى زوال الشمس ميلها عن وسط السّماء وإنّما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره لأنّ الشمس حين تطلع يكون الظل طويلا وكلما ارتفعت الشمس قصر الظل، فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول فذلك علامة زوال الشمس.
فمن أراد معرفة ذلك فليقوم ظل شيء ثم ليصبر قليلا ثم يقوم ثانيا فإن نقص لم يتحقق، وإن زاد فقد زالت الشمس، وكذلك إن لم ينقص لأن الظل لا يقف فيكون قد نقص، وتعجيلها في غير الغيم أفضل بغير خلاف علمناه، ويستحب تأخيرها في شدة الحر، قال القاضي إنّما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلاد الحارة ومساجد الجماعات.
فأمّا صلاة الجمعة فلم ينقل أنّه ﷺ أخرها، بل كان يعجلها. ثمّ العصر وهي الوسطى، وأول وقتها من خروج وقت الظّهر وآخره إذا صار ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال اهـ من الإقناع، وهو قول مالك والشّافعي. وعنه ما لم تصفر الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها لوقتها وتعجيلها أفضل بكل حال اهـ.
стр. 696
وقال في الكافي: وتعجيلها أفضل بكل حال لقول أبي برزة في حديثه كان رسول الله ﷺ يصلي العصر ثمّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية. متفق عليه انتهى، وقد نظم بعض العلماء معرفة وقت الظّهر والعصر فقال:
يا سائلي عن زائد الظّل والقصر ... وظل زوال هاك وصفا على العصر
فخذ أنت عودًا ذا اعتدال وطوله ... كشبر وإن زاد القياس على الشّبر
ومن بعد فانصبه بأرض سوية ... لتعلم كون الظّل في دائم الدّهر
فما زال في نقص فزده بنقصه ... إلى أن تراه واقفًا زائد القدر
فأوّل وقت للزّوال زيادة ... وحين زوال الشّمس من أوّل الظّهر
وكن عارفًا للظّل كم قد مضى به ... لتعلم تحقيق الصّواب من القدر
وصف سبعة الأقدام فوق الّذي مضى ... فذلك حقٌ أوّل الوقت للعصر
وقال في الإقناع: طول ظل كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه تقريبًا إلا ثلث قدم اهـ.
فقد عرفت رحمك الله تعالى ممّا مرّ أنّ أول وقت الظهر الزوال بالإجماع، وأنّ الزّوال يعرف بطول الظل بعد تناهي قصره، وأن آخره إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزّوال، وأن تعجيلها أفضل لا مستثنى وأن أول وقت العصر من حين خروج وقت الظهر، وأن تعجيلها أفضل بكل حال، فمن اتضح له الحق وبان فليرجع فإن الصواب يقبله أولو الألباب، ولكنه عدل إلى فعل الحسود، وقد قيل: إنّ الحسود ما يسود لا سيما أن عرفت مذهب المعترض -إن كان له مذهب- هو ما قاله ابن هبيرة فيما مر وهو قوله: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة تجب بآخره اهـ.
стр. 697
فإن تاب المعترض بعد هذا وبين وإلا فيزع الله بالسلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن وبالله التّوفيق، ونسأل الله أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، ونعوذ بالله من علم لا ينفع وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ٣ -
بسم الله الرحمن الرحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من جهة القضاء فهو جمرة من الغضا إلا من عصمه الله بالتقوى ومنها القوة والأمانة فالأمانة العلم والقوة تنفيذه والعمل به، وقد جاءك مني رسالة فيما مضى فيها مقدمة فيها فوائد فلا بأس لو راجعتها. وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى): هل الإقالة لها خيار مجلس كالبيع أم لا؟
فالجواب: -وبالله التوفيق- ليس لها خيار مجلس لأنها ليست بيعًا ولا بمعناه وإنّما هي فسخ للعقد من أصله فلا فيها خيار مجلس وتجوز الإقالة في دين السلم، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم؛ لأنّها فسخ للعقد إذا قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة هذا المختار عند الموفق والشّارح وصاحب المبدع وغيرهم يعني قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة.
(المسالة الثّانية): إجارة الإنسان نفسه أو غيره بجزء مشاع من ثمرة زرع أو نخل قبل بدو صلاحها هل يجوز إلى آخره؟
стр. 698
(فالجواب): يشترط معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن بغير خلاف نعلمه، لأنه ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره. رواه أحمد إلا أنه يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته. روي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى ﵃ لما تقدم من قوله ﷺ "رحم الله أخي موسى" الخبر، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وإنّ العادة جارية به من غير نكير فكان كالإجماع، ولأنه مقيس على الظّئر، وكذلك الظئر إجماعا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: من الآية: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: من الآية: ٢٣٣]، اهـ ملخصًا من المبدع، فقد علم السّائل أنه لا بد من معرفة الأجرة وأنّها لا تصح مجهولة إلا في الظئر بالنص أو في الأجير بطعامه وكسوته بدليل فعل الصّحابة ولأنه مقيس على الظئر.
(المسألة الثّالثة): عمد الصّبي والمجنون هل هو في ماله أو عاقلته؟ الخ.
(فالجواب): عمد الصبي والمجنون خطأ لا قصاص فيه؛ لأنه عقوبة وغير المكلف ليس من أهلها، والدية على العاقلة حيث وجبت في الخطأ والكفارة وما جرى مجراه اهـ، وعبارة غيره وجناية الصبي والمجنون الخ.
(المسألة الرابعة): إذا دفع بعيره إلى آخر يرعاه مدة معلومة بأجرة معلومة ثم هلك البعير بآفة سماوية إلى آخره ما الحكم؟
(فالجواب): تنفسخ الإجارة بتلف المعقود عليه كدابة نفقت أو عبد مات؛ لأن المنفعة زالت بالكلية بتلف المعقود عليه فانفسخت كتلف المبيع قبل قبضه وله أحوال ثلاثة: أن تتلف بعد مضي بعض المدة فافسخ فما بقي من المدة خاصة في الأصح اهـ مبدع وغيره، لكن تسقط الأجرة بأن يكون أجرها في الصّيف أكثر من الشّتاء أو العكس.
стр. 699
(المسألة الخامسة): المقدر من الشجاج كالموضحة إذا كانت لم تبن حين الجناية ثمّ بانت بعد مدة بسبب معالجة الدواء هل يحكم بذلك أم لا؟
(الجواب): الموضحة هي التي توضح العظم؛ أي: تبدي بياضه، أي: تبرزه ولو بقدر رأس إبرة، وموضحة الوجه والرّأس سواء، وفيها إن كانت من حر مسلم ولو أنثى خمس من الإبل لحديث عمرو بن حزم رواه الخمسة، ولا يعتبر إيضاحها للناظر، فلو أوضحه برأس مسلة أو إبرة وعرف وصولها إلى العظم كانت موضحة فحد الموضحة ما أفضى إلى العظم اهـ كلامهم ولم يذكروا ما أبرزه الدواء.
(المسالة السّادسة): ما حد الجائفة في القرب والبعد؟
(فالجواب): قال: وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى الجوف وهذا قول عامة أهل العلم، والجائفة ما وصل غاى باطن الجوف من بطن أو ظهر أونحر أو صدر أو ورك وغيره؛ فإن جرحه في جوفه فخرجت من الجانب الآخر فهي جائفة هذا القول أكثر أهل العلم، قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، ولما روي أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر بثلثي الدية ولا مخالف له فيكون إجماعًا. أخرجه سعيد اهـ مغني فقد علمت أنّه لا يعتبر القرب والبعد، بل متى نفذ إلى الجوف وجبت الدية.
(المسألة السابعة): إذا كان إنسان في بلد ومال في آخر هل الزكاة تتبع البدن أم المال؟
(الجواب): إذا كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده أي المال نص عليه؛ لأن المال سبب الزكاة، وأما زكاة الفطر فيخرجها في
стр. 700
البلد الذي هو فيه، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمّد وآله وصحبه وسلم.
- ٤ -
بسم الله الرحمن الرحيم.
من سعيد بن حجي إلى جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى): العاقلة الذين يعقلون في الدية ما حدهم الذي ينتهون إليه في البعد والقرب؟
(فالجواب): -وبالله التوفيق- لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوى الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليس هم من العاقلة وسائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من النسب والولاء، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وحماد ومالك والشّافعي ولا أعلم عن غيرهم خلافهم ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا -إلى أن قال- وليس على فقير من العاقلة ولا صبي ولا زائل عقل حمل شيء من الدية. وأكثر أهل العلم على أنّه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل.
قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان، وأجمعوا على أنّ الفقير لا يلزمه شيء وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرّأي اهـ مخلصًا من المغني، فقد علمت أنّ العاقلة العصبات الّذين يرثون بالتعصيب وأنّهم يعصبون وإن حجبوا، وأن الفقير والمرأة والصبي لا عقل لهم.
стр. 701
(الثّانية): عورة المرأة إذا جني عليها هل للرجال النظر إليها من غير ذوي محارمها كالنّظر للطبيب عند الحاجة أم لا؟
(الجواب): ونعم. له ذلك واعلم أنّ الطبيب اسم للعالم بالطب وهو في الأصل الحاذق في الأمور، ويعرف العلة بالتّأمل وغيره، قال الفقهاء في باب تحريم نظر الرجل إلى الأجنبية: وللطبيب نظر ولمس ما ندعو الحاجة إلى نظره ولمسه من جميع بدنها من العورة وغيرها، وليكن ذلك مع حضور محرم أو زوج. اهـ.
(الثّالثة): إذ جنى الزوج على زوجته وألقت جنينًا ميتًا هل تجب عليه الغرة ولا يرث منها أم لا؟
(فالجواب): إذا شربت الحامل دواء وألقت جنينًا فعليها غرة عبد أو أمة ولا ترث منها شيئا لأن القاتل لا يرث المقتول وتكون الغرة لسائر ورثته وعليها عتق رقبة وليس في هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه، ولو كان الجاني المسقط الجنين أبًا أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة وهذا قول الزّهري والشّافعي وغيرهما قاله في المغني.
(الرّابعة): إذا قتل امرأة حاملًا خطأ هل تجب الدّية والغرة معا أم لا؟.
(فالجواب): ولو قتل حاملا فلم اسقط جنينها فلا شيء فيه لأنّه لا يثبت حكم الولد إلّا بخروجه اهـ اقناع وشرحه، وعبارة الكافي وإن قتل فلم يسقط لم يضمن جنينها لعدم اليقين لحملها اهـ، وكذا قال الزّركشي وغيره، وكذا قال ابن المقري الشّافعي في شرح الإرشاد فقد علمت أن قاتل الحامل ليس عليه إلا الدّية إذا لم يسقط جنينها.
(المسألة الخامسة): إذا دفع ولي الأمر زكاة أهل بلد إلى أمير تلك
стр. 702
البلد أو بعضها لنوائبه وما يتعلق به وأراد المعطى أن يعطي غيره ممن ليس من أهلها هل تحل للمعطي الثّاني كما إذا دفع إلى المسكين فأهدى إلى الغني لا يجوز؟
فالجواب: -وبالله التوفيق- اعلم أنّ الله تعالى حصر الزّكاة في ثمانية أصناف بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠]، وهذا إجماع، قال الموفق وغيره من الحنابلة: وأربعة يأخذون أخذًا مستقرًا. لا يرجع عليهم بشيء: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة؛ لأنّهم ملكوها ملكًا مستقرًا، وأربعة يأخذون أخذًا مراعي: الرّقاب والغارمين والغزاة وابن السّبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلّا استرجع منهم، وكذا إن فضل معهم شيء بعد قضاء ما أخذوا له استرجع منهم، فقد علمت أنّ الأصناف الأربعة المتقدمة وهم: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة، يملكون ما أخذوه من الزّكاة فعلى هذا يملكون جميع التّصرفات فيه، ولا يحرم على غيرهم ما أخذه منهم هبة أو صدقة أو نحوهما والله أعلم.
(السّادسة): إذا أسلم إنسان إلى آخر في نخل أو زرع أو غيرهما من الثّمار بعد بدو صلاحه وحلول بيعه هل هو سلم صحيح أم لا يجوز التّعيين ولو قد بدأ فيه الصّلاح الخ؟
فالجواب: -وبالله التّوفيق- إذا أسلم في نمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة أو في نتاج فحل بني فلان أو غنمه لم يصح؛ لأنّه لم يأمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معلوم أو صنجة بعينها دليل الأصل ما روي عن النّبي ﷺ أنّه أسلف إليه اليهودي من ثمر حائط بني فلان فقال النّبي ﷺ "أما من حائط بني فلان فلا" رواه ابن ماجه ورواه الجوزاني
стр. 703
وفي المترجم قال: أجمع العلماء على كراهة هذا البيع، قال ابن المنذر المنع منه كالإجماع لاحتمال الجائحة.
ونقل أبو طالب وغيره يصح إذا بدأ صلاحه واستحصل ويعارضه ما سبق اهـ مبدع، وعبارة الشّرح الكبير، وقال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم الثّوري ومالك والشّافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرّأي اهـ، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك، فقد علمت أنّ العقد المسؤول عنه ليس بصحيح، وإنّ الخلاف فيه ضعيف والله أعلم.
(السّابعة): نصاب السرقة الّذي نفهم ثلاثة دراهم أو أربع دينار، وقدروا المائتي درهم في نصاب الزّكاة واحدًا وعشرين ريالًا فعليه بم يقدر نصاب السرقة الآن من الجدد والذهب والفضة؟
(فالجواب): نصابٍ السرقة في قدره إختلاف كثير ومعرفة الدينار وهو المثقال والدرهم أيضا صعبة لتغير النّقدين وزنًا وغشًا ونقص حب الشّعير الّذي يعرف به المثقال والدّرهم، والجدد عرض من العروض ليست من النّقدين والحدود تدرأ بالشّبهات، فنقول الله أعلم وصلى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٥ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه. وسر الخاطر سؤالك وورعك عن القول بلا علم، لكن نذكر
стр. 704
قبل الشّروع في المرام مقدمة نافعة إن شاء الله لمن تأملها وعمل بها. قال ابن القيّم في أعلام الموقعين:
(فصل): وكان السّلف من الصّحابة والتّابعين يكرهون الشّروع في الفتوى ويود أحدكم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنّها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسّنة وأقوال الخلفاء الرّاشدين، ثمّ أفتى، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أراه قال في المسجد فما كان منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلّا ود أن أخاه قد كفاه الفتيا.
قال ابن عباس أن كل من أفتى النّاس في كل ما يسألون عنه لمجنون وقال سحنون بن سعيد أجسر النّاس على الفتيا أقلهم علمًا اهـ ملخصًا. وقال في كتاب آداب الفتيا اعلم أنّ الأفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لكنه معرض للخطأ أو الخطر، ولهذا قال المفتي موقع عن الله تعالى قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهالًا يفتون بغير علم فضلّوا وأضلّوا" رواه الشّيخان، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول أنّ الله أمر بكذا أو عني كذا وكذا ويقول الله له كذبت. رواه الطّبراني.
وعن الشّافعي وقد سئل عن مسألة فسكت ولم يجب، فقيل له ألا تجيب؟ فقال حتى أدري أن الفضل في سكوتي أو في الجواب، وعنه أنّه ربّما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول:
стр. 705
من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنّة والنّار وكيف خلاصه ثمّ يجيب، وعن أبي حنيفة أنّه سئل عن تسع مسائل فقال فيها لا أدري، وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري وذلك لما عرف من الأقاويل انتهى ملخصًا.
ومن كان يهوى أن يرى متصدرًا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
إذا تم ذلك فلنرجع إلى المسائل المسؤول عنها:
(الأولى): تضمن السؤال عنها أن جماعتكم يكرون الأرض للزرع بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها فأصاب الزّرع جائحة أذهبته أو بعضه وأنّك قلت للأمير يحط من الكراء قدر ما أذهبت الجائحة، فإن كان ذهب الزّرع كله فهل على العامل شيء من الكراء؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق- نذكر لك شيئًا من كلام الفقهاء لعل الحق يتبين لك، قال في المغني: أمّا إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها ففيه روايتان:
(إحداهما): المنع وهي قول مالك لما تقدم من الأحاديث.
(والثّانية): جواز ذلك وهو قول أبي حنيفة والشّافعي انتهى.
وأمّا قدر وضع الجائحة من الكراء فقال في المغني أيضًا: ومتى غرق الزّرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غير ذلك فلا ضمان على المؤجر ولا ضمان على المكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، وهو مذهب الشّافعي؛ لأن التّالف غير المعقود عليه وإنّما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانًا فاحترق متاعه فيه، ثمّ إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزّرع أو بالزّرع في بقية المدة فله ذلك فالأجر لازم له؛ لأن تعذره لفوات وقت