Полный текст (2 581 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
(الثّانية): عورة المرأة إذا جني عليها هل للرجال النظر إليها من غير ذوي محارمها كالنّظر للطبيب عند الحاجة أم لا؟
(الجواب): ونعم. له ذلك واعلم أنّ الطبيب اسم للعالم بالطب وهو في الأصل الحاذق في الأمور، ويعرف العلة بالتّأمل وغيره، قال الفقهاء في باب تحريم نظر الرجل إلى الأجنبية: وللطبيب نظر ولمس ما ندعو الحاجة إلى نظره ولمسه من جميع بدنها من العورة وغيرها، وليكن ذلك مع حضور محرم أو زوج. اهـ.
(الثّالثة): إذ جنى الزوج على زوجته وألقت جنينًا ميتًا هل تجب عليه الغرة ولا يرث منها أم لا؟
(فالجواب): إذا شربت الحامل دواء وألقت جنينًا فعليها غرة عبد أو أمة ولا ترث منها شيئا لأن القاتل لا يرث المقتول وتكون الغرة لسائر ورثته وعليها عتق رقبة وليس في هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه، ولو كان الجاني المسقط الجنين أبًا أو غيره من ورثته فعليه غرة لا يرث منها شيئا ويعتق رقبة وهذا قول الزّهري والشّافعي وغيرهما قاله في المغني.
(الرّابعة): إذا قتل امرأة حاملًا خطأ هل تجب الدّية والغرة معا أم لا؟.
(فالجواب): ولو قتل حاملا فلم اسقط جنينها فلا شيء فيه لأنّه لا يثبت حكم الولد إلّا بخروجه اهـ اقناع وشرحه، وعبارة الكافي وإن قتل فلم يسقط لم يضمن جنينها لعدم اليقين لحملها اهـ، وكذا قال الزّركشي وغيره، وكذا قال ابن المقري الشّافعي في شرح الإرشاد فقد علمت أن قاتل الحامل ليس عليه إلا الدّية إذا لم يسقط جنينها.
(المسألة الخامسة): إذا دفع ولي الأمر زكاة أهل بلد إلى أمير تلك
стр. 702
البلد أو بعضها لنوائبه وما يتعلق به وأراد المعطى أن يعطي غيره ممن ليس من أهلها هل تحل للمعطي الثّاني كما إذا دفع إلى المسكين فأهدى إلى الغني لا يجوز؟
فالجواب: -وبالله التوفيق- اعلم أنّ الله تعالى حصر الزّكاة في ثمانية أصناف بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠]، وهذا إجماع، قال الموفق وغيره من الحنابلة: وأربعة يأخذون أخذًا مستقرًا. لا يرجع عليهم بشيء: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة؛ لأنّهم ملكوها ملكًا مستقرًا، وأربعة يأخذون أخذًا مراعي: الرّقاب والغارمين والغزاة وابن السّبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلّا استرجع منهم، وكذا إن فضل معهم شيء بعد قضاء ما أخذوا له استرجع منهم، فقد علمت أنّ الأصناف الأربعة المتقدمة وهم: الفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة، يملكون ما أخذوه من الزّكاة فعلى هذا يملكون جميع التّصرفات فيه، ولا يحرم على غيرهم ما أخذه منهم هبة أو صدقة أو نحوهما والله أعلم.
(السّادسة): إذا أسلم إنسان إلى آخر في نخل أو زرع أو غيرهما من الثّمار بعد بدو صلاحه وحلول بيعه هل هو سلم صحيح أم لا يجوز التّعيين ولو قد بدأ فيه الصّلاح الخ؟
فالجواب: -وبالله التّوفيق- إذا أسلم في نمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة أو في نتاج فحل بني فلان أو غنمه لم يصح؛ لأنّه لم يأمن تلفه وانقطاعه أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معلوم أو صنجة بعينها دليل الأصل ما روي عن النّبي ﷺ أنّه أسلف إليه اليهودي من ثمر حائط بني فلان فقال النّبي ﷺ "أما من حائط بني فلان فلا" رواه ابن ماجه ورواه الجوزاني
стр. 703
وفي المترجم قال: أجمع العلماء على كراهة هذا البيع، قال ابن المنذر المنع منه كالإجماع لاحتمال الجائحة.
ونقل أبو طالب وغيره يصح إذا بدأ صلاحه واستحصل ويعارضه ما سبق اهـ مبدع، وعبارة الشّرح الكبير، وقال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، منهم الثّوري ومالك والشّافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرّأي اهـ، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك، فقد علمت أنّ العقد المسؤول عنه ليس بصحيح، وإنّ الخلاف فيه ضعيف والله أعلم.
(السّابعة): نصاب السرقة الّذي نفهم ثلاثة دراهم أو أربع دينار، وقدروا المائتي درهم في نصاب الزّكاة واحدًا وعشرين ريالًا فعليه بم يقدر نصاب السرقة الآن من الجدد والذهب والفضة؟
(فالجواب): نصابٍ السرقة في قدره إختلاف كثير ومعرفة الدينار وهو المثقال والدرهم أيضا صعبة لتغير النّقدين وزنًا وغشًا ونقص حب الشّعير الّذي يعرف به المثقال والدّرهم، والجدد عرض من العروض ليست من النّقدين والحدود تدرأ بالشّبهات، فنقول الله أعلم وصلى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
- ٥ -
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان بن ناصر.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه. وسر الخاطر سؤالك وورعك عن القول بلا علم، لكن نذكر
стр. 704
قبل الشّروع في المرام مقدمة نافعة إن شاء الله لمن تأملها وعمل بها. قال ابن القيّم في أعلام الموقعين:
(فصل): وكان السّلف من الصّحابة والتّابعين يكرهون الشّروع في الفتوى ويود أحدكم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنّها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسّنة وأقوال الخلفاء الرّاشدين، ثمّ أفتى، وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أراه قال في المسجد فما كان منهم أحد يحدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلّا ود أن أخاه قد كفاه الفتيا.
قال ابن عباس أن كل من أفتى النّاس في كل ما يسألون عنه لمجنون وقال سحنون بن سعيد أجسر النّاس على الفتيا أقلهم علمًا اهـ ملخصًا. وقال في كتاب آداب الفتيا اعلم أنّ الأفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لكنه معرض للخطأ أو الخطر، ولهذا قال المفتي موقع عن الله تعالى قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتّى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهالًا يفتون بغير علم فضلّوا وأضلّوا" رواه الشّيخان، وعن ابن مسعود: عسى رجل أن يقول أنّ الله أمر بكذا أو عني كذا وكذا ويقول الله له كذبت. رواه الطّبراني.
وعن الشّافعي وقد سئل عن مسألة فسكت ولم يجب، فقيل له ألا تجيب؟ فقال حتى أدري أن الفضل في سكوتي أو في الجواب، وعنه أنّه ربّما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول:
стр. 705
من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنّة والنّار وكيف خلاصه ثمّ يجيب، وعن أبي حنيفة أنّه سئل عن تسع مسائل فقال فيها لا أدري، وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول لا أدري وذلك لما عرف من الأقاويل انتهى ملخصًا.
ومن كان يهوى أن يرى متصدرًا ... ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
إذا تم ذلك فلنرجع إلى المسائل المسؤول عنها:
(الأولى): تضمن السؤال عنها أن جماعتكم يكرون الأرض للزرع بطعام معلوم من جنس ما يخرج منها فأصاب الزّرع جائحة أذهبته أو بعضه وأنّك قلت للأمير يحط من الكراء قدر ما أذهبت الجائحة، فإن كان ذهب الزّرع كله فهل على العامل شيء من الكراء؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق- نذكر لك شيئًا من كلام الفقهاء لعل الحق يتبين لك، قال في المغني: أمّا إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها ففيه روايتان:
(إحداهما): المنع وهي قول مالك لما تقدم من الأحاديث.
(والثّانية): جواز ذلك وهو قول أبي حنيفة والشّافعي انتهى.
وأمّا قدر وضع الجائحة من الكراء فقال في المغني أيضًا: ومتى غرق الزّرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو غير ذلك فلا ضمان على المؤجر ولا ضمان على المكتري نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافًا، وهو مذهب الشّافعي؛ لأن التّالف غير المعقود عليه وإنّما تلف مال المكتري فيه فأشبه من اكترى دكانًا فاحترق متاعه فيه، ثمّ إن أمكن المكتري الانتفاع بالأرض بغير الزّرع أو بالزّرع في بقية المدة فله ذلك فالأجر لازم له؛ لأن تعذره لفوات وقت
стр. 706
الزّراعة بسبب غير مضمون على المؤجر لا لمعني في العين انتهى كلامه.
وقال في الإنصاف: متى زرع فغرق أو تلف أو لم ينبت فلا خيار له وتلزمه الأجرة انتهى.
وهذا مذهب متأخري الحنابلة، ثمّ قال في الإنصاف: وإن تعذر زرعها لغرقها فله الخيار، وكذا له الخيار لقلّة ماء قبل زرعها أو بعده أو عابت بغرق تعيب به بعض الزّرع، واختار الشّيخ تقي الدين ابن تيمية أو برد أو نار أو تعذر قال أمضى العقد فله الأرش كعيب الأعيان فإن فسخ فعليه القسط قبل القبض ثمّ أجرة المثل إلى كماله انتهى.
وقال في الإنصاف أيضًا: لا جائحة في غير النخل، واختار الشّيخ تقي الدين الجائحة في زرع مستأجر وحانوت نقص نفعه عن العادة وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام انتهى. فتنبّه لقوله: وإن تعذر زرعها لغرقها إلى قوله بعض الزرع؛ فإنّه غير الّذي قبله، فهذا كلام الفقهاء كما ترى.
(الثّانية): أن عندكم من يساقي على النخل بمئات أو آلاف من الثّمرة لصاحب النّخل هل من أجاز هذا إذا أصاب الثّمرة جائحة يحط عن العامل قدر الجائحة أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: ليس هذه مساقاة وإنّما المساقاة أن يدفع الرّجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره فهذه جائزة لحديث ابن عمر قال: عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع حديث صحيح متّفق عليه.
والإجماع منعقد على جوازها، وأمّا إجارة الشّجر كالمسألة المسؤول عنها فقال في الإنصاف: ولا تجوز إجارة أرض أو شجر كحملها حكاه أبو عبيد إجماعًا، وجوّزه ابن عقيل تبعًا للأرض ولو كان الشّجر أكثر، اختاره الشّيخ
стр. 707
تقي الدّين بل جوز إجارة الشّجر مفردًا ويقوم عليه المستأجر كأرض الزّرع، فإن تلفت الثّمرة فلا أجرة، وإن نقصت عن العادة فالفسخ أو الأرش لعدم المنفعة المقصودة بالعقد كجائحة انتهى.
فقد علمت -رحمك الله- أنّ من أجاز إجارة الشّجر إذا أصابته جائحة يحط عن العامل قدرها وإن أذهبت جميع الثّمرة فلا شيء على العامل.
(الثّالثة): هل حكم من جامع وهو صائم قضاء رمضان كمن جامع في نهار رمضان في إيجاب الكفّارة عليه عند من أوجبها أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا كفارة على من جامع وهو صائم في قضاء رمضان لعدم حرمة الزّمان. قال الموفق في الكافي: ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان لعدم حرمة الزّمان انتهى.
وقال في المبدع والإقناع نحو ذلك، وقال في الذّيل وشرحه للشّافعية: لما ذكر الكفّارة على من أفسد صوم رمضان بالجماع: فلا كفارة على من أفسده بغير جماع أو بجماع في غير رمضان كنذر وقضاء لأنّ النّص إنّما ورد في إفساد صوم رمضان بجماع اهـ.
(الرّابعة): من أوجب النية للصّوم الواجب من اللّيل هل محلها كلّه حتّى يطلع الفجر أم تختص بوقت من اللّيل؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح الكبير ولا يصح صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل وهو مذهب مالك والشّافعي انتهى. وفي الكافي عن حفصة عن النّبي ﷺ أنّه قال: "من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له" رواه أبو داود انتهى.
وقال في المبدع: ولا يصحّ صوم واجب إلّا أن ينويه من اللّيل لما روى ابن عمر عن حفصة أن النّبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الخمسة، وعن عائشة
стр. 708
مرفوعًا: "من لم يبيّت الصّيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الدارقطني، وظاهره أنّه في أيّ وقت من اللّيل نوى أجزأه لإطلاق الخبر وسواء وجد بعدها ما يبطل الصّوم كالجماع والأكل أو لا. نص عليه انتهى كلام صاحب المبدع على المقنع ملخصًا. فقد عرفت أنّه متى نوى من اللّيل قبل الفجر في الصّوم الواجب صحّت منه.
(الخامسة): قول الفقهاء: لا يقبل في الطّلاق إلّا شهادة رجلين عدلين هل دليلهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه إلى آخره، هل هناك نصّ غير هذا الحديث؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قد ذكر الفقهاء أنّ ما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرّجال غالبًا كنكاح وطلاق ورجعة ونسب إلى آخره لا يقبل فيه أقل من رجلين لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: من الآية: ٢]، قاله في الرّجعة والباقي قياسًا انتهى.
وقد ذكر شارح رسالة ابن أبي زيد المالكي نحوًا من ذلك، وعن أحمد رواية أخرى يقبل فيه رجل وامرأتان، وقال القاضي: النّكاح وحقوقه لا يثبت إلّا بشاهدين وما عدا يخرج فيه رويتان، والأولى هي المذهب عند متأخري الحنابلة. وأمّا حديث عمرو بن شعيب فقال في إعلام الموقعين لابن القيّم: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النّبي ﷺ : "إنّ المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطّلاق فإن حلف الزّوج أنّه لم يطلق لم يقض عليه وإن لم يحلف حلفت المرأة ويقضى عليه". وقد احتج الأئمّة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، ولا نعرف في أئمّة الفتوى إلّا من احتاج إليها، واحتج بها في هذه الحكومة أنّه يقضى في الطّلاق وما يقوم مقام
стр. 709
شاهد آخر من النّكول ويمين المراة. انتهى ملخصًا.
(السّادسة): كفارة الظّهار إذا كان المظاهر لا يملك إلّا ثمن الرقبة هل تلزم أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الكافي بعد ما ذكر الآية والحديث في كفارة الظّهار: فمن ملك رقبة أو مالا يشتري به رقبة فاضلًا عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه وما لا بدّ له منه من مؤنة عياله ونحوه لزمه العتق لأنّه واجد، وإن كانت له رقبة لا يستغني عن خدمتها لم يلزمه عتقها؛ لأنّ ما استغرقته حاجته كالمعدوم انتهى، وقال غيره نحو ذلك حتى قالوا: إن كان عليه دين ولو لم يكن مطالبًا به أو له دابة يحتاج إلى ركوبها أو كان له رقرق يتقوت بخراجهم أو له عقار يحتاج إلى غلته أو عرض للتّجارة ولا يستغني عن ربحه في مؤنته ومؤنة عياله وحوائجه الأصلية لم يلزمه العتق؛ يعني وينتقل إلى الصّوم، وقال في الإرشاد للشّافعية نحو ذلك.
(السّابعة): إذا انتقل المظاهر إلى صيام شهرين هل يشترط أن لا يكون فيهما يوم عيد؟ وهل من أفطر فيهما شيئًا من الأيام يكفيه قضاء ذلك اليوم ونحوه أم يستأنف شهرين متتابعين؟
(فالجواب): وبالله التّوفيق: قال في الكافي ومن لم يجد رقبة وقدر على الصّيام لزمه صيام شهرين متتابعين، وإن شرع في أوّل شهر أجزأه صيام شهرين بالأهلة تامين كانا أو ناقصين، فإن دخل في أثناء شهر صام شهرًا بالهلال وأتم الشّهر الّذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يومًا، فإن أفطر يومًا لغير عذر لزمه استئناف الشّهرين لأنّه أمكنه التتابع، وإن حاضت المرأة أو نفست أو أفطرت لمرض مخوف أو جنون أو إغماء لم ينقطع التتابع؛
стр. 710
لأنّها لا صنع لها في الفطر، وإن أفطر لسفر فظاهر كلام أحمد أنّه لا ينقطع التتابع؛ لأنّه عذر مبيح للفطر أشبه المرض، ويتخرج في السّفر والمرض غير المخوف أنّه ينقطع التتابع؛ لأنّه أفطر باختياره، وإن أفطر يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التّشريق لم ينقطع به التتابع؛ لأنّه فطر واجب ويكمل الشّهر الّذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين يوما لأنّه بدأ من أثنائه، وإن صام ذي الحجة قضى أربعة أيّام حسب بعد ما أفطر؛ لأنّه بدأ من أوّله، وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان لم يقطع التتابع؛ لأنّه زمن منع الشّرع صومه في الكفارة أشبه زمن الحيض انتهى.
(الثّامنة): وهل المرأة الّتي ظاهر منها زوجها إذا تمت عدتها تزوج إذا لم يفعل زوجها ما وجب عليه وتصير مظاهرته محل طلاق أم كيف الحكم؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق-: لا يكون الظّهار طلاقًا وإن نوى به الطّلاق أو صرح به قال في الإقناع وشرحه: وإن قال لزوجته أنت عليّ كظهر أمّي، فهو ظهار ولا يقع به الطّلاق ولو نواه ولو صرح به، فقال بعد قوله أنت عليّ كظهر أمّي أعني به الطّلاق لم يصر طلاقًا لأنّه لا تصلح الكناية عنه، ذكره في الشّرح والمبدع انتهى، وقال في الكافي وغيره نحو ذلك، وقال في الإرشاد للشّافعية: إذا قال لزوجته: أنت حرام كظهر أمّي فله أحوال إلى أن قال الخامس أن ينعكس فينوي بالحرام الظّهار وبالآخرة الطّلاق فيصح الظّهار فقط؛ لأنّ قوله كظهر أمّي لا يصلح كناية عن الطّلاق اهـ.
وقاله في شرح الرّسالة، وأمّا حكم الظّهار فقال أيضًا في الإقناع وشرحه ويحرم على مظاهر منها الوطء قبل التّكفير للآية ولحديث ابن عبّاس ومن مات منهما ورثه الآخر، ولو مات أحدهما أو طلقها المظاهر
стр. 711
قبل الوطء فلا كفارة عليه، وإن عاد المظاهر فتزوجها لم يطأها حتى يكفر اهـ ملخصًا، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك.
وأمّا إذا ظاهر من زوجته ولم يكفر إضرارًا بها بلا عذر وطلبت زوجته منه ذلك فقد ذكر بعض فقهاء الحنابلة أنّ حكمه كحكم المولي من زوجته فتضرب له مدة أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر ولم يكفر ويطأ أو يفيء: لسانه إن كان له عذر ورافعته إلى الحاكم أمره الحاكم بذلك، فإن أبى أمره الحاكم بالطّلاق إذا طلبته الزّوجة، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه بعد طلب الزّوجة، فلو طلق عليه الحاكم طلقة أو طلقتين أو فسخ صح ذلك لأنّ الحاكم قائم مقام الزّوج؛ لأنّه نائبه انتهى ملخصًا وذلك يوم الاثنين السّابع من شهر ربيع أوّل سنة ١٣١٨ هـ.
- ٦ -
بسم الله الرحمن الرّحيم.
من سعيد بن حجي إلى الأخ جمعان وفقه الله للإيمان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الكتاب وتقول أفتنا في مسائل ممّا تفضل الله به عليك:
(الأولى): هل يجوز رهن ثمرة النخل قبل بدو صلاحها وإلا تتبع للأصول، وهل يجوز رهن الزّرع الأخضر قبل اشتداد حبه أم لا؟
(فالجواب): -وبالله التّوفيق وبه الثّقة-: نعم يجوز. قال الموفق ﵀: (باب ما يصلح رهنه وما لا يصلح) إلى أن قال: ويصحّ رهن الثّمرة قبل بدو صلاحها والزّرع الأخضر مطلقًا وبشرط التّبقية لأنّ الغرر يقل فيه لاختصاصه بالوثيقة مع بقاء الدّين بحاله بخلاف البيع اهـ. وكذا قال غيره من فقهاء الحنابلة ولا شيء يرده.
стр. 712
(الثّانية): إذا قال لزوجته أنت طالق إلى مكة ونحوها ما حكم هذه اللفظة؟
(الجواب): قال في الإقناع وشرحه: وإن قال أنت طالق إلى مكة ولم يرد بلوغها مكة، أو قال: أنت طالق بعد مكة طلقت في الحال ويأتي ذلك في باب الطّلاق في الماضي والمستقبل اهـ. وكذا قال في الإنصاف اهـ. فقد علمت أنّه إذا قال ذلك في الحال، وإنّه إذا نوى بلوغ مكة لم تطلق حتّى تبلغها.
(الثّالثة): هل لأب المرأة أن يأخذ صداقها أو بعضه أم لا؟
(الجواب): نعم له ذلك بشروط واستدل الفقهاء بجوازه بقصّة شعيب، مع موسى، وبقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" وبقوله ﵇: "أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه أبو داود والتّرمذي وحسنه هذا ممّن كان لا يصح تملكه من مال الولد على ما تقدم تفصيله في الهبة، ومن شرطه أنّه لا يجحف بمال البنت، قال في المجرد وابن عقيل والموفق والشّارح: وهذا مذهب المتأخرين، وقال الثّوري وأبو عبيد يكون كله للمرأة وكلام الحنابلة أقرب على شروط تملك الأب من مال الولد في الهبة فليراجع والله أعلم.
(الرّابعة): إذا كان لإنسان بناء مشرف على جاره وهذا البناء سابق متقدم على جاره وطلب منه الجار الحادث سترة نفسه عن الإشراف عليه هل يدفع الضّرر المتقدم أم لا؟
(فالجواب): لم نقف على تفرقة بين البناء المتقدم والحادث وإنّما ذكروا في المغني والشّرح وغيرهما أنّه إذا كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر فليس لصاحب العلو الصّعود على وجه يشرف على جاره إلا أن يبني سترة تستره؛ لأنّه إضرار بجاره ويشرف على حرمه فأشبه ما لو اطّلع إليه من
стр. 713
ظاهر بابه، وقد دل على المنع قوله ﷺ : "لو أن رجلًا اطّلع عليه وخذفه بحصاه ففقأت عينه لم يكن عليه جناح" اهـ. لكن قال في الإقناع والرّوض المربع: فإن استويا اشتركا وأيّهما أبى أجبر مع الحاجة إلى السترة اهـ.
(الخامسة): التّكبير في ليلة عيد الفطر هل هو مطلق أو مقيد بعد الفرائض؟
(فالجواب): هو مطلق غير مقيد، قال القاضي: والتّكبير في الفطر مطلق غير مقيد، وقال أبو الخطّاب: يكبّر من غروب الشّمس إلى خروج الإمام إلى المصّلى اهـ كافي، وعبارة المقنع وشرحه يسنّ التّكبير في ليلتي العيدين وفي الفطر آكد اهـ.
(السّادسة): إذا حملت من لا زوج لها ولا سيّد هل تحد بمجرّد الحمل أم لا؟ وإن أدعت شبهة ها يقبل منها؟
(الجواب): المسألة فيها خلاف قديم ولا يمكننا التّكلم فيها إلّا عند الحاجة، وأمّا إذا أدعت شبهة فلا خلاف أنّ الحدّ يدرأ عنها بالشّبهات، قاله في المغني.
(السّابعة): هل يجوز بيع الدّين لغير من هو في ذمّته إلى آخره؟
(فالجواب): أمّا بيع دين السّلم قبل قبضه فقال في الشّرح وغيره لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه بغير خلاف علمناه؛ لأنّه ﷺ نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه وعن ربح ما لم يضمن اهـ وهذا المفتى به.
والرّواية الثّانية عن أحمد أنّه يجوز وقاله الشّيخ تقي الدّين فمعناه بقدر القيمة لئلا يربح فيما لم يضمن، ولا يجوز أخذ غيره مكانه. وبه قال أبو حنيفة والشّافعي، وعن ابن عبّاس قال: إذا أسلمت في شيء إلى أجل
стр. 714
فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عرضًا أنقض منه ولا تربح مرتين رواه سعيد. ولنا قوله ﷺ : "من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره" رواه أبو داود وابن ماجه.
وأمّا بيع الدّين غير دين السّلم فيجوز بيع الدين المستقر لمن هو في ذمّته بشرط أن يقبض عوضه في المجلس ولا يجوز لغيره لحديث ابن عمر كنّا نبيع الإبل إلى آخره، فدلّ على جواز بيع ما في الذّمة من أحد النّقدين بالآخر وغيره مقاس أو دلّ على اشتراط القبض في المجلس قوله: "لا بأس أن يأخذها بسعر يومها ما لم يتفرقا وليس بينهما شيء"رواه أبو داود والأثرم، فإن باع الدّين لغير من هو في ذمّته لم يصح. وبه قال أبو حنيفة والثّوري وإسحاق اهـ من الشّرح الكبير، ويوضحه عبارة الإقناع قال: ويصحّ بيع دين مستقر من ثمن وقرض ومهر بعد دخول وأجرة استوفى نفعها أو فرغت مدّتها وأرش جناية وقيمة متلف ونحوها لمن هو في ذمّته ورهنه له بحقّ له ولا يصحّ بيعه لغيره اهـ. وعبارة مختصر المقنع وشرحه: ويصحّ بيع دين مستقرّ كقرض وثمن بيع لمن هو عليه بشرط قبض عوضه في المجلس اهـ.
(الثّامنة): إذا عقد على امرأة هل يلزمه نفقة لها قبل الدّخول بها أم لا؟ وإذا دخل بها وتحول إلى مسكنه هل لها عليه نفقة؟
(فالجواب): قال الموفّق: باب نفقة الزّوجات يجب على الرجل نفقة زوجته وكسوتها بالمعروف إذا أسلمت نفسها إليه ومكنته من الاستمتاع بها كما روى جابر أنّه- ﷺ -قال: "اتقوا الله في النّساء فإنهنّ عوان عندكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف". رواه مسلم، فإن امتنعت من تسليم نفسها التّسليم
стр. 715
التّام فلا نفقة لها، وإن عرضت عليه التّمكين التّام وهو حاضر لزمته النّفقة وإن كان غائبًا لم تجب حتّى يقدم هو أو وكيله، وإن لم تسلّم إليه ولم تعرض عليه فلا نفقة عليه، ولو عرضت صغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة لها اهـ ملخصًا, فقد علمت أنّ المرأة بعد العقد وقبل الدّخول لا نفقة لها إلّا أن تمكنه من نفسها لتمكين التّام أو تعرض عليه، وإنّه إذا دخل بها ومكّنته من نفسها التّمكين التّام أنّ لها النّفقة والكسوة.
(التّاسعة): إذا طلقت المرأة وحاضت حيضة أو حيضتين ثمّ أمسك عنها ولا تدري ما رفعه حتّى مضت سنة بعد ما أمسك عنها الدّم هل تتزوّج والحالة هذه أم لا؟
(الجواب): نعم تتزوّج بعد تسعة أشهر للحمل؛ لأنّها مدّته غالبًا وثلاثة أشهر عدة الآيسة. قال الشّافعي ﵀ هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصاري لا ينكره منكر علمناه فصار إجماعًا.
(العاشرة): ما قول أهل العلم في الأب إذا أعطى بعض ولده ولم يعط الآخر ومات الأبّ هل للإخوة الرّجوع على المعطى بالتّسوية أم لا؟
(فالجواب): ليس لهم الرّجوع، قال في المغني والشّرح: إذا مات يعني الأبّ قبل أن يسترده ثبت ذلك للموهوب له ولزم وليس لبقية الورثة الرّجوع، هذا المنصوص عن أحمد وبه قال مالك وأصحاب الرّأي وأكثر أهل العلم انتهى، لكن بشرط صحّة العطية وأن لا تكون في مرض الموت والله أعلم.
(الحادية عشرة): هل تجب الزّكاة في المشاخصة الّتي تعلق مع الحلي للبس وتدعي صاحبتها أنّها حلي أم لا بدّ أن تصاغ على عادة النّساء في الحلي؟
(فالجواب): لا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال لقوله ﷺ :
стр. 716
"ليس في الحلي زكاة" رواه الطّبراني وهو قول ابن عمر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وجماعة من التّابعين، ويباح للنّساء من الذّهب كل ما جرت عادتهنّ بلبسه قلّ أو كثر، وقال ابن حامد إن بلغ ألف مثقال حرم وفيه الزّكاة إلى أن قال: فرع يجوز للمرأة التّحلي بدراهم ودنانير معراة أو في مرسلة في وجه وعليها تسقط الزّكاة اهـ مبدع.
وقال في الإقناع: ولا زكاة في حلي مباح إلى أن قال: ويباح للنّساء من ذهب وفضة ما جرت عادتهنّ بلبسه كطوق وخلخال وسوار إلى أن قال: ولو زاد على ألف مثقال حتّى دراهم ودنانير معراة أو في مرسلة اهـ، وقال الشّيخ تقي الدّين الحصني الشّافعي ﵀: قوله هل تجب الزّكاة في الحلي المباح فيه قولان: أحدهما: لا وهو الأظهر؛ لأنّ عائشة ﵂ كانت تحلي بنات لأخيها يتامى في حجرها فلا تخرج منها الزّكاة رواه في الموطّأ -إلى أن قال- وفي جواز التّحلي بالدّراهم والدّنانير المثقوبة الّتي في القلادة وجهان أصحّهما الجواز.
قال الأسنائي: وحكاية الخلاف ممنوع، بل يجوز لبس ذلك للنّساء وبلا كراهة وصرح به في البحر اهـ ملخصًا، فقد علمت أنّ المسألة المسؤول عنها وهو لبس المشاخصة مع الحلي لا زكاة فيها تبعًا للحلي ومراده بالشروط المتقدّمة، لكن إن كان اتّخاذ المشاخصة في الحلي للفرار من الزّكاة ففيها الزّكاة والله أعلم.
(الثّانية عشرة): هل يعتبر بينة على وكالة المرأة المعتبر إذنها لوليّها في التّزويج أم يصدق؟
(فالجواب): قال الفقهاء: ولا يشترط الإشهاد على إذنها لوليّها أن يزوّجها
стр. 717
ولو غيره أو مجبرة، والاحتياط الإشهاد فإن ادعى زوج إذنها في التّزويج للولي وأنكرت صدقت قبل الدّخول ولا تصدق بعد الدّخول؛ لأن تمكينها من نفسها دليل على إذنها اهـ إقناع وشرحه، قال في الإنصاف: وإذن الثيّب الكلام بلا نزاع في الجملة، وإذن البكر الصمات هذا المذهب إلى أن قال: وفي التّرغيب وغيره: لا يشترط الإشهاد على إذنها، وكذا قال ابن المني في تعليقه لا تعتبر الشّهادة على رضى المرأة وقدمه في الفروع اهـ فقد علمت أن الإشهاد أحوط لاسيّما في هذه الأزمنة اهـ.
- ٧ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
ما قول العلماء -أيدهم الله ونفع بهم المسلمين- في المبيع المقبوض بعقد فاسد، هل يملك به وهل ينفذ تصرف المشتري فيه؟ وهل يضمنه أو نقصه وزوائده وأجرته إن كانت؟ وهل عليه مؤنة ردّه أم لا؟
الحمد لله (الجواب): قال في الإقناع ويحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلا يملك به ولا ينفذ تصرفه ويضمنه وزياداته بقيمته كمغصوب لا بالثّمن اهـ.
وقال الموفّق في الكافي لما ذكر الاختلاف في الشّروط في البيع: وكلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقد فاسد أشبه ما لو كان الثّمن ميتة ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المنفصل والمتّصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب؛ لأنّه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب اهـ.
стр. 718
وقال في الإنصاف: فائدة يحرم تعاطيهما عقدًا فاسدًا فلو فعلا لم يملك به ولا ينفذ تصرّفه على الصّحيح من المذهب. وقال الشّيخ تقي الدّين: يترجّح أنّه يملك بعقد فاسد فعلى المذهب حكمه حكم المغصوب في الضّمان.
وقال ابن عقيل وغيره: حكمه حكم المقبوض على وجه السّوم، وعلى المذهب أيضًا يضمنه بقيمته، وذكر أبو بكر يضمنه بالمسمّى واختاره الشّيخ تقي الدّين اهـ وكلامه في المبدع قريب من كلام الإنصاف فهذه عبارات الحنابلة كما ترى.
وأمّا كلام الشّافعيّة فقال في كتاب الأنوار (تكملة) حيث فسد البيع وحصل القبض لم يملكه المشتري ولم ينفذ تصرّفه فيه ولزمه الرّد ومؤنته وأجرة المثل لمدّة يده وإن لم ينتفع، وأرش النّقص إن نقص وأقصى القيم من القبض إلى التّلف إن تلف والزّوائد مضمونة عليه ولو اتفق مدّة لم يرجع وإن جهل الفساد اهـ.
وقال في الحاوي وحيث فسد لو قبض المشتري فهو كالمغصوب أي في موضع فسد البيع بانضمام شرط فاسد أو للإخلال بشرط أو ركن لو قبض المشتري المبيع بذلك البيع الفاسد فالمشتري المقبوض مثل المغصوب وإن قبضه بإذن البائع حتّى لا يجوز تصرفه فيه ولزم أقصى القيم أو المثل ويجب عليه مؤنة الرّد ولا يرجع بما أنفق سواء علم الفساد أو ظنّ الصّحة ويجب عليه أجرة المثل لمدّة التّصرف سواء استوفى المنفعة أو لا ورد الزّوائد متّصلة كانت أو منفصلة اهـ.
وأمّا كلام المالكيّة فقال أبو الجودي في شرحه على رسالة ابن أبي زيد المسمّى (إيضاح المسالك على المشهور من مذهب مالك) ص: وكلّ بيع فاسد فضمانه من البائع فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه
стр. 719
فإن حال سوقه أو تغير في يده فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان ممّا يوزن أو يكال فعليه مثله ولا يفيت المبتاع حوالة سوق. ش، إذا وقع عقد المبيع فاسدًا فضمان المبيع على البائع لأنّ المبيع الفاسد لا ينقل الملك فإن قبضه المبتاع انتقل الضّمان إلى المتباع، فإذا فسد ردّ المبيع إلى بائعه ولا شيء على المبتاع ممّا اغتله لأنّه خراج والخراج للضّامن، فإن تعذّر الرّد لفوات المبيع ضمن قيمته في المقوم ومثله في المثلي، والمشهور أنّ التّقويم يوم القبض لا يوم الفوات اهـ، ثمّ ذكر أنواع الفوات.
وقال محمّد بن غانم البغدادي الحنفي في كتابه مجمع الضّمانات: البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، ولو هلك المبيع في يد المشتري كان أمانة عند بعض وعند البعض يكون مضمونًا؛ لأنّه لا يكون من المقبوض على سوم الشّراء إلى أن قال: والفاسد يفيد الملك عند القبض، ويكون الْمبيع مضمونًا في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثليًا والقيمة إن كان قيميًا كما في الهداية. اهـ.
وذكر في المقبوض بعقدٍ غير صحيحٍ من الخلاف ما يطول ذكره عند الحنفية، فمَن تأمّل هذه العبارات اتّضح له الحقّ. والله الموفّق وهو المستعان، وعليه التّكلان.
- ٨ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعيد بن حجي إلى الأخ رشيد السّردي.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
وصل الكتاب وتسأل فيه عن مسائل:
стр. 720
(الأولى): إذا قال الإنسان في كلامه: وأبي أني صادق، أو وأبي أنّك كاذب ونحو ذلك هل هذا شرك؛ لأنّه أدخل عليه واو القسم وينكر على قائله أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق- هو شرك وينكر عليه، قال في الإقناع وشرحه ويحرم الحلف بغير الله ولو كان الحلف بنبي؛ لأنّه إشراك في تعظيم الله تعالى، ولحديث ابن عمر مرفوعًا: "من حلف بغير الله فقد أشرك"رواه التّرمذي وحسّنه، وروى ابن عمر النّبي ﷺ سمع عمر يحلف بأبيه فقال: "إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"متّفق عليه، فإن حلف بغير الله أو صفاته استغفر الله وتاب بالنّدم والإقلاع والعزم أن لا يعود اهـ. وقال في الشّرح: والحلف بغير الله يشبه تعظيم الرّب ﵎ ولهذا سمي شركًا اهـ.
(المسألة الثّانية): هل يعصب بنو الإخوة أخواتهم من الميراث كالإخوة أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في المغني أربعة من الذّكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهنّ الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين وهم: الابن وابن الابن وإن نزل والأخ من الأبوين والأخ من الأب وسائر العصبات ينفرد الذّكور بالميراث دون الإناث وهم بنو الإخوة والأعمام وبنوهم، ثمّ ذكر الدّليل والتّعليل -إلى أن قال- وهذا لا خلاف فيه بحمد الله اهـ فقد عرفت أن بني الإخوة المسؤول عنهم ينفردون بالميراث دون أخواتهم.
(الثّالثة): إذا كان الأخوات عصبة مع الغير هل يحجبن الأخ للأب ومن أبعد منه من العصبة أم لا؟
стр. 721
(الجواب وبالله التّوفيق): الأخوات مع البنات عصبات لهنّ ما فضل بعد الفرض، والمراد بالأخوات من الأبوين ومن الأب وإلى هذا ذهب عامّة الفقهاء، فإنّ ابن مسعود قال في بنت وبنت ابن وأخت: لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ ، للبنت النّصف ولبنت الابن السّدس وما بقي فللأخت. رواه البخاري وغيره وما تأخذه مع البنت ليس بفرض وإنّما هو بالتّعصيب كميراث الأخ، وأجمع أهل العلم على أنّ بنات الابن بمنْزلة البنات عند عدمهنّ في إرثهنّ، وفي جعل الأخوات منهنّ عصبات وغير ذلك انتهى ملخصًا من المغني.
قال الشّنشوري تتمة حيث صارت الأخت الشّقيقة عصبة مع الغير صارت كالأخ الشّقيق فتحجب الإخوة للأبّ ذكورًا كانوا أو إناثًا ومن بعدهم من العصبات، وحيث صارت الأخت للأبّ عصبة مع الغير صارت كالأخ للأبّ فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات اهـ.
(الرّابعة): إذا كان الإنسان قبل أن يسلم أو في الإسلام يبيع عشرة آصع من البر أو من التّمر بعشرين صاعًا نساء ونحو ذلك، ثمّ نهي عن ذلك فتحيل وقال للآخر أعطيك قروشًا على عشرين واشترى بها منّي على عشرة هل يجوز هذا التّحيل أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): لا يجوز بيع الربوي بالربوي إلّا يدًا بيد فإن كان جنسًا واحدًا كالتّمر بالتّمر والبرّ بالبرّ ونحوها اشترط فيه المساواة والتّقابض في مجلس العقد، وإن كان جنسًا بجنس آخر كالتّمر بالبرّ ونحوها اشترط التّقابض في المجلس ولم تشترط المساواة فيجوز صاع تمر بصاعي برّ ونحو ذلك بشرطه المتقدّم.
стр. 722
وأمّا مسألة الحيلة المسؤول عنها فلا تجوز لاسيّما إذا كان يعامل بالرّبا ثمّ نهي عنه، قال في الشّرح: وأمّا الحيل فهي محرمة كلّها. قال أيّوب السّختياني: إنّهم ليخادعون الله كما يخادعون صبيًّا لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون علي.
وقال أبو حنيفة: هي جائزة إذا لم يشترطا عند العقد، ولنا أنّ الله عذب أمّة بحيلة احتالوها وجعل ذلك نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتّقين يتعظون بهم اهـ، وذكر في الإقناع نحوًا من ذلك وهل إذا أسلم إليه القروش وتقابضا واشترى منه بذلك الثّمن ربويًا، أمّا إذا لم يتقابضا شيئًا فالبيع فاسد.
(الخامسة): هل يصحّ الأذان إلى غير القبلة أم لا؟، وإذا تكلّم المقيم في أثناء الإقامة هل يعيدها أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الشّرح: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ من السّنّة أن يستقبل القبلة في الأذان وكره طائفة من أهل العلم الكلام في الأذان، وقال الأوزاعي: لا نعلم أحدًا يقتدى به فعله ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره، قيل لأحمد: الرّجل يتكلّم في أذانه؟ قال نعم، قيل وفي الإقامة؟ قال لا، وعن الأوزاعي إذا تكلّم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنّها تجزيء قياسًا على الأذان اهـ، فقد عرفت أن استقبال القبلة في الأذان سنّة، وأن تركها لا يبطله، وأنّ الكلام في الأذان والإقامة مكروه وأن فعل المكروه لا يبطلها.
(المسألة السّادسة): إذا سمع الإنسان الأذان هل يجوز له أن يقوم من حين يسمعه أم لا؟
стр. 723
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع يستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذّن في الأذان، بل يصبر قليلًا؛ لأنّ في التّحرك عند النّداء شبهًا بالشّيطان اهـ، فلعل مراده قوله ﷺ : "إذا نودي للصّلاة أدبر الشّيطان وله ضراط حتّى لا يسمع التّأذين" رواه البخاري ومسلم.
(السّابعة): هل يجوز الفصد والكحل في نهار رمضان أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): قال في الإقناع وغيره ولا يفطر بفصد ولا شرط ولا رعاف انتهى، وقال في الكافي: وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر لأنّ العين منفذ وإن شكّ في وصوله لكونه يسيرًا كالميل ونحوه ولم يجد طعمه لم يفطر نصّ عليه انتهى، وكذا قال غيره. وقال الشّافعي لا يفطر الكحل واختاره الشّيخ تقي الدّين فقد عرفت أنّ الأحوط تركهما في نهار رمضان.
(الثّامنة): هل تجوز المبالغة في المضمضة للصّائم أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: قال في الشّرح: في سنن الوضوء والبداءة بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما إلّا أن يكون صائمًا انتهى. قال في الإقناع وغيره: فتكره يعني للصّائم، قال في المطلع: المضمضة إدارة الماء بجميع فمه والاستنشاق جذبه بنفسه إلى أقصى أنفه اهـ.
(التّاسعة): هل الفرخ في بيضة المأكول نجس أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: إن كان الفرخ حيًا فهو طاهر، وإن كان ميّتًا أو دما فهو نجس.
(العاشرة): هل يجوز التّدخن بروث الفرس أم لا؟.
(الجواب): وبالله التّوفيق: يجوز التّدخن بروثها؛ لأنّه طاهر بخلاف
стр. 724
الحمار؛ فإنّ روثه نجس ودخان النّجاسة نجس وفيه تفصيل، قال في الكافي: ودخان النّجاسة وبخارها نجس فإن اجتمع منه شيء أو لاقا جسمًا صقيلًا فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النّجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء ولا ظهر له صفة فهو معفو عنه لعدم إمكان التّحرز منه اهـ وكذلك ذكر غيره.
(الحادية عشرة): إذا كان ماء قيمة أربعين صاعًا أو أكثر ووجد فيه أثر كلب هل يجوز الوضوء منه أم لا؟
(الجواب): -وبالله التّوفيق-: يجوز الوضوء منه؛ لأنّ الصّحيح من أقوال العلماء أنّ الماء لا ينجس إلّا أن يتغيّر بالنّجاسة، قال في الشّرح.
(الرّواية الثّانية): لا ينجس الماء إلّا بالتّغيّر، روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عبّاس ومالك وابن المنذر وهو قول الشّافعي لقوله ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة: "الماء طهور لا ينجسه شيء" رواه أبو داود والنّسائي والتّرمذي وحسّنه وصحّحه أحمد اهـ وهو اختيار الشّيخ تقي الدّين والشّيخ محمّد -يعفو الله عنهما-، وأيضًا نجاسة الكلب مختلف فيها فمذهب مالك طهارته وسؤره.
(الثّانية عشرة): إذا كان للإنسان لقب غير اسمه هل ينهى عن ذلك أم لا؟
(الجواب): وبالله التّوفيق: قال النّووي ﵀ في كتاب الأذكار باب النّهي عن الألقاب الّتي يكرهها صاحبها قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِاْلأَلْقَابِ﴾ الآية، [الحجرات: من الآية ١١]، واتّفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكره سواء كان صفة له كالأعمى والأعمش والأجلح والأعرج، أو كان صفة لأبيه أو لأمّه أو غير ذلك ممّا يكرهه، واتّفقوا على جواز ذكره بذلك على سبيل التّعريف لمن لا يعرف إلّا بذلك، وأدّلة كلّ ما ذكرته كثيرة مشهورة
стр. 725
حذفتها اختصارًا واستغناءًا لشهرتها.
(باب جواز استحباب اللّقب الّذي يحبّه صاحبه)
فمن ذلك أبو بكر الصّديق اسمه عبد الله بن عثمان واتّفق العلماء على أنّه لقب الخير، ومن ذلك أبو تراب لقب علي بن أبي طالب وكنيته أبو الحسن، في الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ وجده نائمًا في المسجد وعليه التّراب فقال: "قم أبا تراب" فلزمه هذا اللّقب الحسن الجميل وكان أحب أسماء علي إليه اهـ. فقد عرفت الفرق بين اللّقب الّذي يحبّه صاحبه واللّقب الّذي يكرهه صاحبه فإنّه ينهى عنه، قال الشّيخ تقي الدّين في جواب سائل سأله عن الألقاب.
(فصل): وأمّا الألقاب فكانت عادة السّلف الأسماء والكنى فإذا أكرموه كنوه بأبي فلان وتارة يكنون الرّجل بولده وتارة بغير ولده كما يكنون مَن لا ولد له إمّا بإضافة اسمه أو اسم أبيه أو ابن سميه أو إلى أمر له به تعلق كما كنَّى النَّبِيّ ﷺ عائشة باسم ابن أختها عبد الله، وكما يكنون داود أبا سليمان لكونه باسم داود الّذي اسم ولده سليمان، وكذلك كنَّي إبراهيم أبا إسحاق وكما كنَّى النَّبِيّ ﷺ أبا هريرة باسم هرة كانت تكون معه إلى أن قال ولا ريب أن الّذي يصلح معه الإمكان ما كان السّلف يعتادونه اهـ، فقد عرفت أنّ هذه الألقاب الّتي يكرهها صاحبها ليست من عادة السّلف وهم القدوة والخير في اتّباعهم والله أعلم. قال كاتب الأصل تاريخ الخط في شهر الله المحرّم ١٧ سنة ١٢٢٢ هـ.
стр. 726
رسالة للإمام عبد العزيز آل سعود
...
رسالة لصاحب الجلالة
الإمام عبد العزيز بن سعود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن سعود إلى الإخوان من أمراء المسلمين وعامّتهم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
جرى بين أمير حرمة والعسكر طلابة في عقد بيع نخل متقدّم ودخل عليه عقد ثانٍ وفسد عليه وفلج العسكر وأصل وجه الدّعوى لأمير حرمة وصاح الشّيطان في النّاس ولبوا له، وكلّ جماعة قام بعضهم على بعض وقاموا يتقلّبون في عقود ماضية طول هذا في أموال مستول عليها أهلها من سنين طوال وحضروا عندنا آل الشّيخ واتّفق رأيهم على أنّ ما أفتى به الشّيخ ﵀ أو غيره من قضاة المسلمين واستغله الّذي هو في يده مدّة والمدّعي ما جود ولا أنكر وادعى فلا له طريق إلّا إن تبيّن بمقالة فيها نص صحيح، أو إجماع أهل العلم، أو ما اتّفق عليه قضاة المسلمين الموجودين، وإلّا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثلها بمقالة؛ كتلك المقالة الّتي يقضي فيها قاضٍ من قضاة المسلمين فلا يتعرضها الآخر إلّا بإجماع القضّاة، إنّ هذه الفتيا مخالفة للشّرع؛ فإن نقضها واحد ما صحّ نقضه، فإن تعدّى أمير أو مأمور على مسلم وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد فهذا يجيئي وأقوم له إن شاء الله. ويذكر لنا بعض النّاس الّذين حضروا الشّيخ محمّد ﵀ أنّه إذا عرض عليه حفيظة بخط مطوع من مطاوعة الجاهليّة أمضاها ولا نكثها، فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر استغله ثلاث سنين أو أربع سنين وراعي الدّعوى حاضر ولا ادّعى في هذه المدّة سدّ عليه الباب. والسّلام.
стр. 727
رسالة للشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير الأشيقري
...
﴿رسالة الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري ﵀ عن رجل أوصى بقدر معلوم يشتري به أرض ثمّ توقف هل يجوز شراء نخل معها أرض أو أوصى بشراء نخل هل يجوز شراء أرض إذا ظنّ أنّها أصلح ومراد الموصي والله أعلم أنّ الأرض والنّخل سواء لكن ما عنده بهذا شيء أم لا يجوز؟
وعن امرأة وقفت نخلًا على المسجد واستثنت غلته مدة حياتها وأكلته ثلاث سنين ثمّ توفيت والنّخل قد ركب الجريد، فقال إمام المسجد الموقوف عليه الثّمرة تابعة للأصل، وقال ورثة المرأة الثّمرة إرث لنا؛ لأنّها مستثناة.
وعمّا إذا كان لإنسان دار بجنب المسجد والسّوق بينها وبين المسجد فأراد صاحب الدّار أن يخرج سطحًا على السّوق ويجعل خشبه على جدار المسجد ويكون المسجد فيه سعة له وظلّ لمن مشى تحته أو قعد وذلك بأمر والي البلد هل يصحّ ذلك أم لا؟
وعمّا إذا كان ثمّ حمل هدوم بين شركاء وليس هو مشاع بينهم بل كلّ واحد له هدوم معلومة متميّزة موسومة وأخذ منها ظالم عشر عبيات مثلًا من هدوم أحدهم والظّالم آخذهنّ من جميع الهدوم أي الحمل أو منعهم قاطع طريق بجزء مشاع من الهدوم وقاسمهم وصار نصيب القاطع هدوم أحدهم هل تذهب المأخذات على صاحبهنّ أم يرجع صاحبهنّ على شركائه؟
وعمّا إذا أخذ ظالم من إنسان بسبب دين أو إتلاف أو غضب مالًا للظّالم المذكور عند أقارب الإنسان المظلوم المذكور أو جيرانه أو
стр. 728
أهل بلده هل يرجع به المظلوم عليهم أم لا؟
وعمن لم يمكنه استنقاذ مال غيره من يد نحو قاطع طريق إلا بشرائه منه بثمن ونوى الشّراء لمالكه على وجه المصلحة لمالكه هل يرجع بالثّمن على مالكه أم لا؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: إذا أوصى بشراء أرض ثمّ توقف أو نخل وجب العمل بما قال فلا يجوز شراء غيره عملًا بقول الموصي ولو كان غيره أنفع. وأمّا ثمرة النّخل المذكور فالّذي نفهم من كلامهم أن ثمرة النّخل الموقوف إذا تشقق والموقوف عليه حي والواقف استثنى ثمر ما وقف كمسألتكم فإنّ الثّمر يصير للوارث من بعده لصيرورة الثّمر إذا ظهر على ملك مورثهم كما يقال في مولود من قوم موقوف عليهم، فإن كان وضعه قبل التّأبير شاركهم، وإن كان مولودًا بعده فلا يستحق معهم شيئًا لظهور الثّمرة على ملكهم صرح به غير واحد من الأصحاب.
وأمّا وضع الخشب على السّوق وعلى المسجد فإن كان الأمر كما ذكرتم وأذن فيه والي البلد القاهر لهم بسيفه حتّى أذعنوا له جاز ذلك على صحيح المذهب لكن بشرط انتفاء الضّرر عن المارة وعن جدار المسجد، مثل أن يوضع على الجدار أطراف خشب تعيبه، فإن خيف شيء من ذلك لم يصحّ وضعه عليه.
وأمّا إذا قصد ظالم مال قوم فضرب عليهم ضريبة تعديا منه ولم يقصد مال أحد منهم دون غيره وجب على الملاك التّساوي في غرم ذلك وتكون قيمته موزعة على قيم أموالهم كلّ بقدره، وإذا ظلم قومًا دفعة واحدة أي لم يخص أحدًا منهم دون غيره وجب عليهم التّساوي في الظّلم كما يجب التّساوي
стр. 729
في العدل ذكره الشّيخ تقي الدّين، ولم يزل يفعل ذلك في كلّ عصر ومصر، إذا ضرب السّلاطين الظّلمة أو نوابهم ونحوهم من أهل البادية على أهل بلد أو قافلة أو حاج ضريبة ظلمًا أنّه يجب عليهم التّساوي على قدر أموالهم ولم يظهر في ذلك نكير فجرى مجرى الإجماع، فعلى هذا لو أخذ الظّالم مال أحدهم , بعضهم عن مال الآخرين فله الرّجوع عليهم بقدر مال كلّ منهم.
وأما إذا ظلم إنسان إنسانًا بأخذ ماله أو نحوه فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه على أن يؤدّوا عنه فلهم الرّجوع عليه مع النّية عند الدّفع منه إذا دفعوا جنس ما لزم الظّالم، هذا المذهب فيمن أدى عن غيره دينًا واجبًا غصبا أو غيره، وعند الشّيخ تقي الدّين يرجع مطلقًا حيث قال: ومن صودر على أخذ مال وأكره أقاربه أو أصدقاءه أو جيرانه على أن يؤدوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا لأجله ولم يذكر هو بنية رجوع ولا غيره، فظاهره لهم الرّجوع عليه مطلقًا لظاهر تعليله.
وأمّا إذا وجد إنسان مال مسلم في يد ظالم أخذه الظّالم بغير حق فلكل مسلم أن يستنقذ مال أخيه من يد ذلك الظّالم بأي حيلة وكيد بشرط أن ينوي بذلك الثّواب باستنقاذ مال أخيه المسلم فعند ذلك له من الله الثّواب. وأمّا المعاوضة عنه بمال لأجل استنقاذه فذلك جائز في نفس الاستنقاذ وهو محسن في ذلك كلّه بشرطه المذكور لكن لا يرجع بذلك العوض الّذي سمّاه ثمنًا على المالك بغير إذنه له، وعند الشّيخ تقي الدّين وفي زعمي وابن القيّم إنّه يرجع مطلقًا والله أعلم.
وسئل أيضًا -رحمه الله تعالى-: عن أكيلة السّبع إذا أكل بعض أمعائها
стр. 730
وذكيت هل تحل أم لا؟ وعن قولهم أو أبينت حشوته ما معناه، وإذا أصلح مفت بين خصمين وتراضيا هل يلزم أم لا؟ وإذا كان أرض قادم في غلتها كل عام أضحية وما بقي فعلى الفقراء والمساكين وغاب وليّها ولم تذبح تلك السّنة فهل يذبح في القابل أضحيتين قادمتين في الغلة أم كيف الحكم؟ وهل إذا لم يوجد تلك السّنة أضاحي تباع هل يرصد من غلّة هذا العام أضحية، وهل يجوز ذبحها في غير أيّام النّحر أم لا يجوز إلّا في العام المقبل؟ وما معنى قوله في الإقناع: وإن فات الوقت قبل ذبح هدي أو أضحية ذبح الواجب قضاء وسقط التّطوّع، والوليّ على الأضحية هل يحرم عليه أخذ شيء من بدنه وشعره أم لا؟ وهل يجوز له الأكل منها والادخار أم لا؟ والدّهن المتنجس هل يجعل في طعام الصّبيان الّذين لا يصلون يأكلونه وتدهن به رؤوسهم أم لا؟ وإذا لمس الطّفل الّذي لا يصلي طعامًا أو شرابًا أو أكل أو شرب منه فهل يكون ذلك في حكم النّجس المحرم أكله وشربه إذا لم ير على الصّغير نجاسة وهو كما تخبرون يباشر النّجاسات.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا أكيلة السّبع فإذا لم يستكمل السّبع أمعاءها وأبان بعض الأمعاء ولم تبن كلّها ووجد بها حياة مستقرة فذكيت وهي فيها حلت والعكس بالعكس.
وأمّا المفتي إذا أصلح بين الخصمين ورضيا بذلك الصّلح ثمّ افترقا على الرّضا به فلا يحل لأحد منهما بعد ذلك نقضه. وأمّا لزوم ذلك وعدمه فلا يلزم إذا لم يحكم به من هو للحكم أهل.
وأمّا الأضحية الموصى بها مقدمة في غلة أرض موقوفة تذبح في كلّ عام فيجب العمل بذلك لكن إن فات وقت الذّبح ولم تعين الأضحية ذبحت من العام المقبل في أيّام النحر تكون قضاء عن الماضي، وإن اشتريت
стр. 731
من الغلة ومضت أيّام النّحر ولم تذبح لعذر أو غيره ذبحت أي وقت كان لأنّها وجبت بنفس الشّراء من الغلة فتعيّنت به، وإن مضت أيّام النّحر قبل الشّراء فكما ذكرنا تذبح في العام المقبل مع أضحية فيكونان اثنتين، وكذا عامان أو أكثر فيذبح لكلّ عام أضحية فلا تسقط بمضي الزّمان، وكذا لو عدمت في عام ثمّ وجدت في آخر لكن مع العدم لا إثم بالتّأخير على النّاظر ومع الوجود يأثم إثمًا عظيمًا بتأخيرها عن وقتها.
وأمّا قوله: وإن فات الوقت الخ فمراده إذا عين الإنسان شاة مثلًا ناويًا بقلبه قائلًا بلسانه: هذه أضحية أضحيها وهذا هدي سواء كان ذلك الهدي عن واجب كهدي التّمتع أو القران أو من فعل محصور أو ابتدأه تطوّعًا سماه هديًا يريد التّقرب به إلى فقراء الحرم ونحوه، فهذا هو الواجب فيجب ذبحه متى زال عذره، ويكون قضاء؛ لأنّ وقته قد فات وما سواه بأن لم يعين شيئًا من بهيمة الأنعام وطلب القربة بذبح شيء يريده هديًا أو أضحية وفات الوقت وهو أيّام النّحر فلا يستفيد شيئًا من ذلك؛ لأنّه والحالة هذه تطوع فسقط، وإن فعل فهو لحم يأكله ما لم يكن نذر فلا يأكل ولا يبيع منه شيئًا بل يتصدّق به على الفقراء والمساكين.
وأمّا النّجس فلا يجوز أكله وكذلك المتنجّس قبل تطهيره فلا يجوز أكل ذلك ولا شربه سوى دفع لقمة غص بها، ولا يجوز إطعامه الأطفال؛ لأنّ كلّ نجس العين كالميتة وكذا المتنجس وهو الطّاهر الّذي طرأت عليه النّجاسة وهو يمكن تطهيره كلّ ذلك حرام أكله وشربه، ولا يحلّ لولي الطّفل ونحوه كالمجنون ومن ليس بمكلّف إطعامه من ذلك؛ لقوله ﷺ : "لحم نبت على السّحت -وهو الحرام- فالنّار أولى به" وليس
стр. 732
هو المغصوب فقط، بل كلّ ما حرم الله ورسوله فهو سحت كائنًا ما كان.
وأمّا إذا لمس الطّفل شيئًا وبه بلل أي اللامس أو ما لمسه، فإن علم نجاسة العضو الّذي لمس به الشّيء يقينا فنجس، وإن علمت طهارته يقينًا فطاهر، وإن شك في ذلك فما لمسه طاهر بيقين والنّجاسة الطّارئة عليه من الطّفل شك ولا يزال اليقين بالشّك، لكن الأطفال معلوم أنّهم لا يتنَزهون من النّجاسات جدًا فالتنَزُّه عنهم وعمّا يباشرونه أحوط وأسلم، وإن لم يكن طهر بعد ولادته فهو نجس لمباشرته النّجاسة الّتي لا تخفى غالبًا تعرف بالعقل والحس ولا ينكرها إلا جاهل فتطهيرهم أحسن.
وأمّا الوصي على تفريق لحم الأضاحي ونحوها كالصّدقات المتقرب بها فلا يجوز له أخذ شيء منها.
وأمّا الوارث ونحوه الّذي يستحق الولاية بأصل الشّرع لا بالوصية فيجوز له الأكل والادخار.
واعلم أنّه من أراد التّضحية فدخل عليه عشر ذي الحجة حرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته إلى الذّبح، قال ابن منجا في شرحه على المقنع إجماعًا للحديث الشّريف المتّفق على صحته.
وأمّا الوكيل والوصي على شرائها أو تفريق لحمًا فليس من النّهي في شيء ولا جناح عليه لو أخذ شيئًا من ذلك بخلاف المضحي عن نفسه والمضحى عنه كما قدمنا والله أعلم.
وسئل أيضًا ﵀ عن رجل له بستان وعليه جدار فانهدم الجدار فقال له جاره: ابن جدارك؛ لأنّك إذا تركته أضر بي فأبى فهل يجبره على بنائه أم لا؟ وإذا قال الزّوج لزوجته: ما هي معي أو قال: ما تحلّ لي بالمذاهب
стр. 733
الأربعة، ومات أحدهما هل يتوارثان أم لا؟
وعن الأرض المشتراة بشرط الخيار إذا أجّرها المشتري لِمَن يزرعها وفسخ البيع بعد ما زرعت من يستحقّ الأجرة، هل للبائع أو للمشتري أم كيف الحكم؟
أجاب -رحمه الله تعالى-: أمّا إذا انهدم جدار بستانه وهو متّحد بملكه لا مشارك له فيه فلا يجبر على بنائه بخلاف الجدار المشترك، فإنّ الشّريك يجبر شريكه على إعادته.
وأمّا إذا قال لزوجته، أو لغيرها ما هي معي أو لا تحلّ لي في المذاهب الأربعة فالصّحيح أنّ هذه قرينة يرجع فيها إلى نيّته بهذا اللّفظ، فإن نوى به طلاقًا فهو طلاق أو ظهارًا فهو ظهار، أو يمينًا فهو يمين. هذا في الصّورة الأخيرة نظير قوله: أنتِ عليّ كالميتة، أو الدّم، أو الخنْزير، فإنّ هذا اللّفظ يصلح لذلك كلّه، ثم إذا مات الزّوج مثلًا ولم تعلم نيّته فبينونة الزّوجة منه في حياته شكّ لعدم الاطّلاع على قصده بما تلفظ تلفّظ به، لكن نحكم بأنّ النّكاح ثابت عقده بيقين وانحلاله هنا شك، فلا يزال انعقاده ابتداء إلّا بيقين انحلاله انتهاء، فعلى هذا، الزّوجية بحالها، ويتوارثان، وإن كان الموت أصاب الزّوج ويسأل الزّوج عن قصده بنيّته؛ لأنّ ذلك لا يعرف إلّا من قبله فقبل قوله في نيّته ثم يعمل بمقتضى قوله.
وأمّا الأرض المشتراة بشرط الخيار فأجّرها المشتري وزرعت ثم فسخ البيع فالأجرة كلّها للمشتري؛ لأنّها حصلت في زمن ملكه. ولأنّها تجب بالعقد ولو لو تسلم إليه.
ولما ورد في الحديث: "الخراج بالضّمان"، لكن الذي يظهر لي أنّ المشتري لا يسوغ له أن يؤجّرها مدّة تزيد على مدّة الخيار، فإن فعل فالإجارة
стр. 734
صحيحة لصدورها ابتداء من مالك العين والمنفعة والأجرة له قبل الفسخ وبعده لبائعها؛ لأنّه لو يحكم بها أي بالإجارة فيما بقي من المدّة بعد الفسخ للمشتري ونحوه أضرّ بالبائع؛ لأنّ المشتري لو يظفر بملك منفعة عين في مدّة لم يملك الرّقبة فيها لأجرها أمدًا بعيدًا. وهذا لا سبيل إليه لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". والله أعلم.
...
رسالة للشيخ محمد بن عبد الله بن إسماعيل
...
﴿رسالة الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل﴾
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل الأشيقري -رحمه الله تعالى- عن رجلٍ قال لزوجته: اشتري نفسك منِّي بعوض وعوضته شيئًا. وقال: أنا خالع زواجك وجهازك من رقبتِي، هل تبين منه أم لا؟ وعن الغزاة إذا أرادوا أن يشتروا ذهابًا وحملانًا ونحوه مما يحتاجون إليه هل يحرم البيع عليهم، ويكون حكمه حكم السّلاح أم لا؟ وعمّا إذا ظلم واحد من الغزو إنسانًا وأخذ منه مالًا وقدر المظلوم على واحدٍ من الغزو هل له أن يأخذ قدر ماله منه؛ لأنّهم يعين بعضهم بعضًا والرّدء كالمباشر أم لا؟ وعما إذا أوصى شريك شريكه على أولاده هل له أن يقاسم نفسه أم لا؟ وإذا كان عليه جرح في اجتماع المال كيف يصنع في عزل المالين.
أجاب -رحمه الله تعالى-: الخلع المذكور صحيح تبين به الزّوجة، لأنّ الخلع يصح بكل لفظ يؤدي معناه مع أنّ هذا لفظ صحيح؛ صريح لأنّه إذا قال أنا خالع زواجك من رقبتي فهذا صريح، وقولها أنا شارية نفسي أوهاك هذا واخلعني أو خلني صحيح أيضًا.
وأمّا لفظة الجهاز فلا أصل لها وهي زيادة ما تضر.
وأمّا قطاع الطّريق وأهل الفتنة فلا يجوز بيع السّلاح عليهم ونحوه كدرع وترس.
وأمّا بيع الزّاد
стр. 735
والثّياب والقرب فلا عندي فيه علم بالمنع، والظّاهر صحة بيعة إلا بدليل.
وأمّا الرّحل والدّابة فلا أدري، لكن أكره ذلك؛ لأنّه يعين على المعصية، وهو من التّعاون على الإثم والعدوان.
وأمّا الغزو إذا اجتمعوا واعتصبوا وتظاهروا لقطع الطّريق ثمّ أخذ بعضهم مالًا وهم حوله يكونون ردءًا له إذا رأى ما يكره؛ فالكل منهم ضامن، ومن وجدت منهم فلك أخذ قدر مالك منه قهرًا؛ لأنّ أهل العلم قالوا ردء وطليع كمباشر وإن أخذ مالك بعضهم والباقي بعيد بحيث لا يكون ردأ لو رأوا ما يكرهون فلا ضمان على البعيد، بل على الآخذ ومن حوله فقط.
وأمّا الوصي على الأيتام وهو شريك لهم فله أخذ نصيبه وإفرازه من المكيل ونحوه وغير المكيل والموزون لا يقاسم نفسه، فإن تضرر بعدم القسمة ولم يصبر حتّى يرشدوا فله عزل نفسه عن الوصية ثمّ ينظر في مال الأيتام الحاكم إن كان حاكم وإلا فعدل إن تعذر الحاكم، ثمّ ينظر الحاكم أو العدل فإن كانت قسمة أجبار قاسمك، وإن كانت نوع قسمة التّراضي فإن رأى لهم مصلحة ظاهرة في القسمة وحظًا فله المقاسمة وإلًا فلا والله أعلم.
وسئل أيضًا عن مسائل:
(منها) إذا وهب إنسان ملكه لورثته في حياته واستثنى من غلته ثلثها مدة حياته هل يصحّ ذلك أم لا؟
(ومنها): إذا أبرأ الغريم غريمه بعد ما ضمن له ظانا عدم براءة الضّامن منه؛ لأنّه جاهل بحكم الشّرع هل تصحّ براءة الغريم على هذه الصّفة أم لا؟
(ومنها): إذا كان الملك كلّه وقفًا أو بعضه وقف وبعضه طلق هل يجبر الشّريك شريكه على القسمة إن لم يكن فيها ضرر ولا رد عوض أم لا؟ وإذا
стр. 736
ادعى أحدهم الضّرر والآخر عدمه ولا بيّنة فهل الأصل عدم الضّرر أم لا؟
(أجاب رحمه الله تعالى): أمّا إذا وهب الإنسان ملكه لورثته أو أجنبي واستثنى الغلة مدة حياته أو بعضها فالشّرط باطل إلّا في الثّمرة الظّاهرة وقت الهبة وغير الظّاهر فلا؛ لأنّ ذلك معدوم فلا يصح هبة المعدوم كالّذي تحمل به أمته أو شجرة واستثناؤه كذلك لا يصحّ سواء كان مدة حياته أو مدة معلومة بخلاف الوقف.
وأمّا عقد الهبة المذكورة فلا أدري أتبطل الهبة ببطلان الشّرط أم لا ولكن الرّاجح في القلب بطلانها.
وأمّا إذا أبرأ الغريم غريمه من الدّين بعد ما ضمن له ظانًا عدم براءة الضّامن منه كما يفعله بعض الجهال بأحكام الشّرع فإنّه لا يبرأ المدين ولا الضّامن، بل الدّين باقٍ بحاله حتى يوفى أو ببراءة يعرف حقيقة أمرها.
وأمّا العقار إذا كان بعضه طلقًا وبعضه وقفًا وكان ممّا لا ضرر في قسمه بإمكان تعديله بلا رد عوض، فالظّاهر أنّ قسمته قسمة إجبار، فإذا طلب أحدهما إمّا صاحب الطّلق أو مستحق الوقف أو النّاظر للقسمة وكانت ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض أجبر أحدهما صاحبه فيما ظهر لي، فإن كان الكلّ وقفا وطلب بعض المسحقّقين للوقف القسمة وأبى الآخر وكانت القسمة ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض فلا يخلو الوقف من حالتين: إمّا أن يكون الوقف على جهتين أو جهة واحدة. قال في الإقناع في باب القسمة في فضل نوع الإجبار وهي إفراز حق لا بيع فيصحّ قسم وقف بلا رد عوض من أحدهما إن كان على جهتين فأكثر، فأمّا على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتّفاقًا؛ لتعلّق حق الطّبقة الثّانية والثّالثة، لكن تجوز
стр. 737
المهايأة وهي قسمة المنافع. قاله الشّيخ تقي الدّين عن الأصحاب وهذا وجه، فظّاهر كلام الأصحاب لا فرق.
قال في الفروع: وهو أظهر، وفي المبهج لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم ورضوا وتهايؤوا. انتهى كلام الشّرح والمتن، وفي الغاية: لا يصحّ قسم موقوف ولو على جهة خلافًا له اهـ.
وقال في المغني: ومتى جازت قسمة الوقف وطلبها أحد الشّريكين أو ولي الوقف أجبر الآخر؛ لأنّ كلّ قسمة جازت بلا رد عوض ولا ضرر فهي واجبة انتهى.
وأمّا إذا ادعى أحد الشّريكين الضّرر والآخر عدمه فالشّيخ أحمد القصير يفتي بأن الأصل عدم الضّرر؛ لأنّ أحدهما يدعيه وخصمه ينكره، والّذي يظهر أنّ الشّريك لا يجبر ألّا بشروط:
(أحدها) ثبوت انتفاء الضّرر. ذكره في شرح الإقناع وشرح المنتهى كما لا يخفى عليكم، فإذا لم يثبت انتفاء الضّرر فلا إجبار. والله أعلم.
...
رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل
...
(رسالة الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل)
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل ﵀ عمّا إذا دفع رجل لآخر مائة محمّدية مثلًا أو وكله في شراء سلعة بها ثم يبيعها على نفسه بمائة وخمسين إلى أجل وهما متواطئان على أنّ المائة بمائة وخمسين، هل يصحّ أم لا؟ وعمّا إذا كان عند زيد لعمرو حمران، وقال له: أنت بريء ثم قال بعد ذلك: أنت بريء من غير تلك الحمران وليس له عليه دين غيرهن هل تصحّ هذه البراءة ولو لم يقل من مالي عليك، أو مما في ذمّتك لي أو من هذه الحمران أم لا؟
стр. 738
وعن قاتل النّفس عمدًا إذا تاب توبةً نصوحًا هل تصحّ إمامته أم لا؟ وعن الذي يؤكل لحمه من البقرة والغنم والإبل ما خرج منهن مع الولادة من الدّم والسّلا طاهر أم لا؟
وعن رجلين رَهنَا رَهْنًا بدينين لهما على آخر كلّ واحد منهما دينه منفرد وحده وشرط أحدهما على الآخر أن دينه مقدم ولا للآخر إلّا ما بقي، فإن استغرق دين الأوّل الرّهن فهو له، وإن بقي منه شيء فهو للثّاني أو يقضي دينه من غلة الرّهن وليس للثّاني شيء حتّى يقضي الأوّل دينه هل يثبت ذلك أم لا؟
وعمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا يأتي له بإبل أو غنم من البادية أو من البلد الفلاني وأتى بهن واسترفق عليهنّ أو استخفر عليهنّ خفيرًا أو خيالًا كما هو العادة، وقال صاحبهنّ ما أمرتك تسترفق ولا تشترط للخيال وهو فاعل ذاك للمصلحة عليهن وعلى غيرهن هل يستحق ذلك أم لا؟ وعمّا إذا استأجرت رجلا يأتي بشيء من عند فلان وذهب إليه فلم يجده فما يستحق علي؟
(فأجاب رحمه الله تعالى): إذا دفع شخص بالغ عاقل لمثله مالًا معلومًا يشتري به عينًا معلومةً أو موصوفةً ويقبضها لموكله وتكون من ضمان الموكل ثمّ يبيعها على نفسه بزيادة الثّلث أو أقلّ أو أكثر إلى أجل صحّ، ولو كان قبل ذلك العقد مواعدًا؛ لأنّ وجود هذا المواعد كعدمه لا يلزم بشيء من العقد، أمّا إذا قال: اشتر بهن سلعة ولم يعينها ولم يصفها تصحّ الوكالة.
وأمّا إذا كان لزيد على عمرو دين وقال: أبرئني من الّذي علي لك، أو
стр. 739
عندي لك، أو ما يدل على ذلك وأجابه بقوله أنت بريء ولم يزد على ذلك صحّ؛ لأنّ هذا جواب صحيح ويبرأ ممّا له عليه كلّه، وأمّ إذا قال أنت بريء ولم يتقدّمه كلام يدلّ على أنّه يريد من الدّين الّذي له عليه ولا جواب لكلام متقدّم ثمّ فسّره بمحتمل بأن يكون له عليه دين آخر أو عين أو مظلمة في مال أو عرض، أو فسّره بأنّه يريد بريء من شيء من ذلك قبل تفسيره، وإن لم يفسّره بمحتمل فالّذي يظهر لي براءته ممّا له عليه.
وأمّا قاتل النّفس عمدًا إذا تاب إلى الله توبة صحيحة بشروطها وهي ندم وإقلاع وعزم أن لا يعود، وأيضًا يتخلص من حقوق الورثة بأن يسلم نفسه إلى وارث المقتول، فإن شاء الوارث قلته، وإن شاء عفا عنه مجانًا أو رضي الوارث بدية أو ديات، فإذا تم ذلك بقي حق المقتول وتخلص من حقّين: حقّ الله بالتّوبة وحقّ الوارث بتسليم نفسه أو بذل ديات حتّى يرضوا وبقي حقّ المقتول وقد تعذر الخلاص منه في دار الدّنيا ثم بعد ذلك يدعو له جهده ويتصدّق له، ثم بعد ذلك إمامته صحيحة وشهادته.
وأمّا الولد من آدمي أو بهيمة يؤكل لحما فطاهر إذا عُرِيَ عن الدّم، والماء الخارج عند الولادة طاهر إذا لم يكن فيه دم.
وأمّا السّلا فما دام متّصلًا بالحيوان فهو طاهر أيضًا، وكذا إذا عُرِيَ عن الدّم فإن انفصل عن الحيوان فنجس من غير الآدمية، وأمّا من الآدمي فطاهر؛ لأنّ ما أبين من حي فهو كميتته.
وأمّا إذا رهن اثنان عينًا في دينين بشرط تقديم أحد الدّينين فالّذي يظهر لي صحّة الرّهن دون الشّرط فيكونان بالسوية في الدّينين ولم أقف فيها على نصّ صريح.
стр. 740
وأمّا إذا استأجر رجل رجلًا يأتي بماله من مكانٍ معيَّن أو غير معيَّنٍ فقبض مالًا صار أمانة بيده له أن يفعل فيه ما يقوم بحفظه مما جرت به العادة. فإذا خاف عليه من ضياعٍ أو ظالمٍ فبذل شيئًا في حفظه وصيانته بما جرت العادة به العادة من الملّاك في أملاكهم وأهل الأموال في أموالهم صحّ وله الرّجوع به على أهل المال. لكن إذا زاد على أجرة المثل ضَمِنَ الزّيادة فقط؛ لأنّه متبرِّع فإن نقد الأجرة من ماله بنيّة الرّجوع وكذلك يرجع.
وأمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا إلى موضعٍ معيَّن ليأتي له بشيءٍ معيَّنٍ معلومٍ صحّ. فإن لم يجده وتعذر عليه إتيانه بغير تقصيرٍ ولا تفريطٍ فله أجرة عمله ويسقط من الأجرة قدر حمله على المالك إن كان لحمله مؤنة. وإن كان التّقصير من الأجير لم يستحقّ شيئًا وهذا مع صحّة الإجارة وإلّا فله أجرة المثل. والله أعلم.
وسئل أيضًا -عفا الله عنه- عمّا إذا لم يكن بالبلد حاكم وغاب الرّاهن أو امتنع من بيع الرّهن أو من وفاء الدّين فماذا يكون؟
وعن المفلس إذا أراد توليج ماله عن غرمائه من الّذي يحجر عليه ويوفي غرماءه إذا امتنع؟
وعمّا إذا أقرّ المفلس أن ما بيدي أو شيئًا معلومًا ممّا بيده لفلان أو لزوجة أو غيرها هل للغرماء اليمين على المقرّ له أنّه ليس بتلجئة أم لا؟
وعمّا إذا كان عند رجل لآخر دين أو وديعة وقال الّذي عنده الدّين أو الوديعة أن الّذي دينني أو أودعني أشهدني أنّه لفلان ومات المالك وقال ورثته: هذا مال مورثنا ولا نعمل بقولك، فهل تصحّ شهادته ويحلف المقرّ له معه أم لا؟ أو يكون المال للورثة، وهل إن صحّ المال للورثة هل
следующие страницы →