ادعى أحدهم الضّرر والآخر عدمه ولا بيّنة فهل الأصل عدم الضّرر أم لا؟
(أجاب رحمه الله تعالى): أمّا إذا وهب الإنسان ملكه لورثته أو أجنبي واستثنى الغلة مدة حياته أو بعضها فالشّرط باطل إلّا في الثّمرة الظّاهرة وقت الهبة وغير الظّاهر فلا؛ لأنّ ذلك معدوم فلا يصح هبة المعدوم كالّذي تحمل به أمته أو شجرة واستثناؤه كذلك لا يصحّ سواء كان مدة حياته أو مدة معلومة بخلاف الوقف.
وأمّا عقد الهبة المذكورة فلا أدري أتبطل الهبة ببطلان الشّرط أم لا ولكن الرّاجح في القلب بطلانها.
وأمّا إذا أبرأ الغريم غريمه من الدّين بعد ما ضمن له ظانًا عدم براءة الضّامن منه كما يفعله بعض الجهال بأحكام الشّرع فإنّه لا يبرأ المدين ولا الضّامن، بل الدّين باقٍ بحاله حتى يوفى أو ببراءة يعرف حقيقة أمرها.
وأمّا العقار إذا كان بعضه طلقًا وبعضه وقفًا وكان ممّا لا ضرر في قسمه بإمكان تعديله بلا رد عوض، فالظّاهر أنّ قسمته قسمة إجبار، فإذا طلب أحدهما إمّا صاحب الطّلق أو مستحق الوقف أو النّاظر للقسمة وكانت ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض أجبر أحدهما صاحبه فيما ظهر لي، فإن كان الكلّ وقفا وطلب بعض المسحقّقين للوقف القسمة وأبى الآخر وكانت القسمة ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض فلا يخلو الوقف من حالتين: إمّا أن يكون الوقف على جهتين أو جهة واحدة. قال في الإقناع في باب القسمة في فضل نوع الإجبار وهي إفراز حق لا بيع فيصحّ قسم وقف بلا رد عوض من أحدهما إن كان على جهتين فأكثر، فأمّا على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتّفاقًا؛ لتعلّق حق الطّبقة الثّانية والثّالثة، لكن تجوز
стр. 737
المهايأة وهي قسمة المنافع. قاله الشّيخ تقي الدّين عن الأصحاب وهذا وجه، فظّاهر كلام الأصحاب لا فرق.
قال في الفروع: وهو أظهر، وفي المبهج لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم ورضوا وتهايؤوا. انتهى كلام الشّرح والمتن، وفي الغاية: لا يصحّ قسم موقوف ولو على جهة خلافًا له اهـ.
وقال في المغني: ومتى جازت قسمة الوقف وطلبها أحد الشّريكين أو ولي الوقف أجبر الآخر؛ لأنّ كلّ قسمة جازت بلا رد عوض ولا ضرر فهي واجبة انتهى.
وأمّا إذا ادعى أحد الشّريكين الضّرر والآخر عدمه فالشّيخ أحمد القصير يفتي بأن الأصل عدم الضّرر؛ لأنّ أحدهما يدعيه وخصمه ينكره، والّذي يظهر أنّ الشّريك لا يجبر ألّا بشروط:
(أحدها) ثبوت انتفاء الضّرر. ذكره في شرح الإقناع وشرح المنتهى كما لا يخفى عليكم، فإذا لم يثبت انتفاء الضّرر فلا إجبار. والله أعلم.
...
رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل
...
(رسالة الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل)
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل ﵀ عمّا إذا دفع رجل لآخر مائة محمّدية مثلًا أو وكله في شراء سلعة بها ثم يبيعها على نفسه بمائة وخمسين إلى أجل وهما متواطئان على أنّ المائة بمائة وخمسين، هل يصحّ أم لا؟ وعمّا إذا كان عند زيد لعمرو حمران، وقال له: أنت بريء ثم قال بعد ذلك: أنت بريء من غير تلك الحمران وليس له عليه دين غيرهن هل تصحّ هذه البراءة ولو لم يقل من مالي عليك، أو مما في ذمّتك لي أو من هذه الحمران أم لا؟
стр. 738
وعن قاتل النّفس عمدًا إذا تاب توبةً نصوحًا هل تصحّ إمامته أم لا؟ وعن الذي يؤكل لحمه من البقرة والغنم والإبل ما خرج منهن مع الولادة من الدّم والسّلا طاهر أم لا؟
وعن رجلين رَهنَا رَهْنًا بدينين لهما على آخر كلّ واحد منهما دينه منفرد وحده وشرط أحدهما على الآخر أن دينه مقدم ولا للآخر إلّا ما بقي، فإن استغرق دين الأوّل الرّهن فهو له، وإن بقي منه شيء فهو للثّاني أو يقضي دينه من غلة الرّهن وليس للثّاني شيء حتّى يقضي الأوّل دينه هل يثبت ذلك أم لا؟
وعمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا يأتي له بإبل أو غنم من البادية أو من البلد الفلاني وأتى بهن واسترفق عليهنّ أو استخفر عليهنّ خفيرًا أو خيالًا كما هو العادة، وقال صاحبهنّ ما أمرتك تسترفق ولا تشترط للخيال وهو فاعل ذاك للمصلحة عليهن وعلى غيرهن هل يستحق ذلك أم لا؟ وعمّا إذا استأجرت رجلا يأتي بشيء من عند فلان وذهب إليه فلم يجده فما يستحق علي؟
(فأجاب رحمه الله تعالى): إذا دفع شخص بالغ عاقل لمثله مالًا معلومًا يشتري به عينًا معلومةً أو موصوفةً ويقبضها لموكله وتكون من ضمان الموكل ثمّ يبيعها على نفسه بزيادة الثّلث أو أقلّ أو أكثر إلى أجل صحّ، ولو كان قبل ذلك العقد مواعدًا؛ لأنّ وجود هذا المواعد كعدمه لا يلزم بشيء من العقد، أمّا إذا قال: اشتر بهن سلعة ولم يعينها ولم يصفها تصحّ الوكالة.
وأمّا إذا كان لزيد على عمرو دين وقال: أبرئني من الّذي علي لك، أو
стр. 739
عندي لك، أو ما يدل على ذلك وأجابه بقوله أنت بريء ولم يزد على ذلك صحّ؛ لأنّ هذا جواب صحيح ويبرأ ممّا له عليه كلّه، وأمّ إذا قال أنت بريء ولم يتقدّمه كلام يدلّ على أنّه يريد من الدّين الّذي له عليه ولا جواب لكلام متقدّم ثمّ فسّره بمحتمل بأن يكون له عليه دين آخر أو عين أو مظلمة في مال أو عرض، أو فسّره بأنّه يريد بريء من شيء من ذلك قبل تفسيره، وإن لم يفسّره بمحتمل فالّذي يظهر لي براءته ممّا له عليه.
وأمّا قاتل النّفس عمدًا إذا تاب إلى الله توبة صحيحة بشروطها وهي ندم وإقلاع وعزم أن لا يعود، وأيضًا يتخلص من حقوق الورثة بأن يسلم نفسه إلى وارث المقتول، فإن شاء الوارث قلته، وإن شاء عفا عنه مجانًا أو رضي الوارث بدية أو ديات، فإذا تم ذلك بقي حق المقتول وتخلص من حقّين: حقّ الله بالتّوبة وحقّ الوارث بتسليم نفسه أو بذل ديات حتّى يرضوا وبقي حقّ المقتول وقد تعذر الخلاص منه في دار الدّنيا ثم بعد ذلك يدعو له جهده ويتصدّق له، ثم بعد ذلك إمامته صحيحة وشهادته.
وأمّا الولد من آدمي أو بهيمة يؤكل لحما فطاهر إذا عُرِيَ عن الدّم، والماء الخارج عند الولادة طاهر إذا لم يكن فيه دم.
وأمّا السّلا فما دام متّصلًا بالحيوان فهو طاهر أيضًا، وكذا إذا عُرِيَ عن الدّم فإن انفصل عن الحيوان فنجس من غير الآدمية، وأمّا من الآدمي فطاهر؛ لأنّ ما أبين من حي فهو كميتته.
وأمّا إذا رهن اثنان عينًا في دينين بشرط تقديم أحد الدّينين فالّذي يظهر لي صحّة الرّهن دون الشّرط فيكونان بالسوية في الدّينين ولم أقف فيها على نصّ صريح.
стр. 740
وأمّا إذا استأجر رجل رجلًا يأتي بماله من مكانٍ معيَّن أو غير معيَّنٍ فقبض مالًا صار أمانة بيده له أن يفعل فيه ما يقوم بحفظه مما جرت به العادة. فإذا خاف عليه من ضياعٍ أو ظالمٍ فبذل شيئًا في حفظه وصيانته بما جرت العادة به العادة من الملّاك في أملاكهم وأهل الأموال في أموالهم صحّ وله الرّجوع به على أهل المال. لكن إذا زاد على أجرة المثل ضَمِنَ الزّيادة فقط؛ لأنّه متبرِّع فإن نقد الأجرة من ماله بنيّة الرّجوع وكذلك يرجع.
وأمّا إذا استأجر إنسان إنسانًا إلى موضعٍ معيَّن ليأتي له بشيءٍ معيَّنٍ معلومٍ صحّ. فإن لم يجده وتعذر عليه إتيانه بغير تقصيرٍ ولا تفريطٍ فله أجرة عمله ويسقط من الأجرة قدر حمله على المالك إن كان لحمله مؤنة. وإن كان التّقصير من الأجير لم يستحقّ شيئًا وهذا مع صحّة الإجارة وإلّا فله أجرة المثل. والله أعلم.
وسئل أيضًا -عفا الله عنه- عمّا إذا لم يكن بالبلد حاكم وغاب الرّاهن أو امتنع من بيع الرّهن أو من وفاء الدّين فماذا يكون؟
وعن المفلس إذا أراد توليج ماله عن غرمائه من الّذي يحجر عليه ويوفي غرماءه إذا امتنع؟
وعمّا إذا أقرّ المفلس أن ما بيدي أو شيئًا معلومًا ممّا بيده لفلان أو لزوجة أو غيرها هل للغرماء اليمين على المقرّ له أنّه ليس بتلجئة أم لا؟
وعمّا إذا كان عند رجل لآخر دين أو وديعة وقال الّذي عنده الدّين أو الوديعة أن الّذي دينني أو أودعني أشهدني أنّه لفلان ومات المالك وقال ورثته: هذا مال مورثنا ولا نعمل بقولك، فهل تصحّ شهادته ويحلف المقرّ له معه أم لا؟ أو يكون المال للورثة، وهل إن صحّ المال للورثة هل
стр. 741
يلزم المودع أو المدين ما أقرّ به للمقرّ أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق): إذا حلّ الدّين الّذي به رهن وجب على الرّاهن بيعة بطلب المرتهن وإيفاء الدّين من غيره، فإن أبى لزم الحاكم إجباره على ذلك فإن لم يكن حاكم أجبره رئيس القرية بالحبس والضّرب ونحوه ما أمكنه حتّى يبيع ويسلم للمرتهن ثمنه أو حقه، فإن أبى عن البيع وأصرّ وقف الأمر ولا يبيعه المرتهن.
وأمّا المفلس فلا يحجر عليه إلا حاكم فإن خصص بعض الغرماء قبل الحجر نفذ تخصيصه لكن يحرم عليه التّخصيص، وإن أقرّ بماله كلّه أو بعضه لغيره أو وهبه صحّ إذا كان المفلس مكلّفا رشيدًا، وليس للغرماء مطالبة المقرّ له أو الموهوب له ولا استحلافه لكن لهم على المدين يمين بالله لا مال له ولا يقدر على الوفاء ولا بعضه انتهى.
وأمّا إذا أودع إنسان إنسانًا وديعة وقال هي لفلان صحّ ذلك وقبل قول المودع بلا بينة إن كان الإيداع بلا بيّنة نصّ عليه في حاشية الإقناع قال فيها:
(فائدة): قال في الاختيارات: لو قال المودع أودعنيها الميت، وقال هي لفلان، وقال: ورثته بل هي له، ولم تقم بيّنة إنّها كانت للميّت ولا على الإيداع. قال أبو العبّاس: أفتيت أنّ القول قول المودع بيمينه؛ لأنّه قد ثبتت له اليد انتهى كلامه.
وأمّا الدّين في الذّمة فلا يقبل قوله أي الّذي هو في ذمّته إذا أقرّ إنّه لفلان وهذا إقرار ممن هو في ذمّته لا شهادة فيلزمه تسليمه لمن أقرّ له به، ويسلم أيضًا ثانية لوارث الميّت إن كان ميتًا وإلّا فلمالكه إن كان حيًا؛ لأنّه أقر به لغير مالكه بلا بينة، وهذا كلّه مع إقراره به أو تصديقه للميّت
стр. 742
أنّه لفلان مع إنكار الورثة.
وأمّا إن قال: أقرّ الميّت أنّ الدّين الّذي عليّ لفلان ولست مصدقه بما قال، فلا يلزمه شيء للمقرّ له به إذا أنكره الورثة ولم تقرّ به بيّنة، وإن علم الدّين أنّه للمقرّ له به لزمه تسليمه إليه، فإن طالب الوارث به فله الحلف أنّك لا تستحقّ عليّ شيئًا ما لم تقم به بيّنة للميّت، فإن قامت به بيّنة لزمه أيضًا تسليمه إلى الوارث؛ لأنّ المدين يدعي أنّ الورثة ظلموه والله أعلم.
...
﴿رسالة للشّيخ عبد العزيز بن عبد الجبّار﴾
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من عبد العزيز بن عبد الجبّار إلى الأخ المكرّم محمّد بن نصر الله -سلّمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
يا أخي وصل خطك وما ذكرت صار معلومًا وتذكر أنّ الشّيخ ذكر لكم أنّ شركة بيت المال ما تثبت بها الشّفعة، وهذا حقّ؛ لكونه وقفًا والوقف ما يشفع به، ولكن وقت الخصومة ما ذكرتم لي أن الّذي شافع به ابن مهيدب بيت مال، وثبت عندي بعد ذلك أنّه بيت مال فعلى هذا الحال ليس لابن مهيدب شفعة عليكم لشركة بيت المال وما أفتيت به بثبوته الشّفعة له إنا ناقضه لمخالفته نص مذهبنا ليكون لديك معلومًا والسّلام.
...
رسالة للشيخ حمد بن عتيق
...
رسالة الشّيخ حمد بن عتيق.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
قال شيخنا حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكّة وما يقال في البلد نفسه.
فأجاب بقوله (سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم) جرت المذاكرة في كون مكّة بلد كفر أم بلد إسلام.
стр. 743
فنقول -وبالله التّوفيق-: قد بعث الله محمّدًا ﷺ بالتّوحيد الّذي دين جميع الرّسل، وحقيقته هو مضمون شهادة أن لا إله إلّا الله وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدّعاء ومنها: الخوف والرّجاء والتّوكّل والإنابة والذّبح والصّلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم الّذي هو شرط في صحّة كلّ عمل.
(والأصل الثّاني): هو طاعة النّبي ﷺ في أمره وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها وتعظيم شرعه ودينه والإذعان لأحكامه في أصول الدّين وفروعه:
(فالأوّل): ينافي الشّرك ولا يصحّ مع وجوده.
(والثّاني): ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملًا ودعوةً، وكان هذا دين أهل البلد أيّ بلد كان بأن عملوا به ودعوا إليه وكانوا أولياء لمن دان به ومعادين لمن خالفه فهم موحدون.
وأمّا إذا كان الشّرك فاشيًا مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم ودعاء الأنبياء والصّالحين، وإفشاء توابع الشّرك مثل الزّنا والرّبا وأنواع الظّلم ونبذ السّنن وراء الظّهر، وفشو البدع والضّلالات وصار التّحاكم إلى الأئمّة الظّلمة ونواب المشركين وصارت الدّعوة إلى غير القرآن والسّنة، وصار هذا معلومًا في أيّ بلد كان فلا يشكّ من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنّها بلاد كفر وشرك لاسيّما إذا كانوا معادين أهل التّوحيد وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدّليل على ذلك وجدت القرآن كلّه فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضّرورة عند كلّ عالم.
وأمّا قول القائل: ما ذكرتم من الشّرك إنّما هو من الأفاقية لا من أهل
стр. 744
البلد، فيقال له أوّلًا: هذا إمّا مكابرة وإمّا عدم علم بالواقع فمن المتقرر أنّ أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم كما يسمعه كلّ سامع ويعرفه كلّ موحد.
ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلوما فذاك كافٍ في المسألة ومن الّذي فرق في ذلك ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم وتخافتون بصلاتكم لأنّكم علمتم عداوتهم لهذا الدّين وبغضهم لمن دان به فكيف بقع لعاقل إشكال! أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرّسول والصّحابة يا هذا لا تدعو غير الله أو أنت مشرك هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنّه ليس على توحيد الله فوالله ما عرف التّوحيد ولا تحقق بدين الرّسول ﷺ أرأيت رجلًا عندهم قائلا لهؤلاء راجعوا دينكم أو اهدموا البناآت الّتي على القبور ولا يحلّ لكم دعاء غير الله هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمّد ﷺ ؟ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدّار دار إسلام لأيّ سيء لم تدعوهم إلى الإسلام وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشّرك وتوابعه، فإن يكن قد غركم أنّهم يصلّون أو يحجّون أو يصومون ويتصدّقون، فتأمّلوا الأمر من أوله وهو أنّ التّوحيد قد تقرر في مكّة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ ومكث أهل مكّة عليه مدّة من الزّمان، ثمّ إنّه فشا فيهم الشّرك بسبب عمرو بن لحي وصاروا مشركين وصارت البلاد بلاد شرك مع أنّه قد بقي معهم أشياء من الدّين، وكما كانوا يحجّون ويتصدّقون على الحاج وغير الحاج.
стр. 745
ولقد بلغكم شعر عبد المطّلب الّذي أخلص فيه قصّة الفيل وغير ذلك من البقايا ولم يمنع الزّمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظّاهر عندنا وعند غيرنا أنّ شركهم اليوم أعظم من ذلك الزّمان، بل قبل هذا كلّه أنّه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التّوحيد حتّى حدث فيهم الغلوّ في الصّالحين فدعوهم مع الله فكفروا فبعث الله إليهم نوحا ﵇ يدعو إلى التّوحيد.
فتأمل ما قصّ الله عنهم وكذا ما ذكر الله عن هود ﵇ أنّه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنّهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التّوحيد وإلا فقد أقرّوا لله بالآلهة، وجماع الأمر أنّه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك واستمرّ أهلها عليه وقاتلوا عليه، وتقرّرت عندهم عداوة أهل التّوحيد وأبوا عن الانقياد للدّين، فكيف لا يحكم عليها بأنّها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر وأنّهم منهم بريؤون مع مسبّتهم لهم وتخطأتم لِمَن دان به والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفّار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلّها موجودة فهذه مسألة عامّة كلّيّة؟
وأمّا القضايا الجزئية فنقول: قد دلّ القرآن والسّنة على أنّ المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشّرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾. [محمد: ٢٥].
مع قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾، [المائدة، من الآية: ٥١]. وأمعن النّظر في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، [النّساء، من الآية: ١٤٠].
стр. 746
وأدلّة هذا كثيرة ولا تنسوا ما ذكر الله في سورة التّوبة: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، [التّوبة، من الآية: ٦٦].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر﴾، [التّوبة، من الآية: ٧٤]. واذكر قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، [آل عمران: ٨٠].
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾، [الحجّ، من الآية: ٧٢]، في موضعين وقد علمت حالهم إذا دعوا إلى التّوحيد انتهى والله أعلم.
...
رسالة لبعض علماء الرياض
...
﴿رسالة لبعض علماء المسلمين من أهل الرّياض﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في الهدي النّبوي:
(فصل): في حكمه ﷺ في قسمة الغنائم حكم ﷺ إنّ للفارس ثلاثة أسهم وللرّاجل سهم، هذا حكمه الثّابت عنه في مغازيه كلّها عند الجمهور العلماء، وحكم أنّ السّلب للقاتل ثمّ قال: وقال عبادة بن الصّامت خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فلّما هزم الله العدوّ وتبعتهم طائفة يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ وطائفة استولت على المعسكر والغنيمة فلمّا رجع الّذين طلبوهم قالوا لنا النّقل ونحن طلبنا العدوّ، وقال الّذين أحدقوا برسول الله ﷺ نحن أحقّ به لأنا أحدقنا برسول الله ﷺ أن لا ينال العدوّ غرّته، وقال الّذين استولوا على المعسكر هو لنا نحن حويناه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ اْلأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [لأنفال، من الآية: ١]، فقسمه رسول الله ﷺ عن بواء قبل أن ينْزل ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ
стр. 747
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال، من الآية: ٤١]، اهـ ثمّ قال ابن القيّم في الهدي:
(فصل): في حكم النّبيّ ﷺ بالسّلب للقاتل ولم يخمسه ولم يجعله من الخمس بل من أصل الغنيمة وهذا حكمه وقضاؤه. قال البخاري في صحيحه: السّلب للقاتل إنّما هو من غير الخمس وحكم به بشهادة الواحد وحكم به بعد القتل؛ فهذه أربعة أحكام تضمّنها حكمه ﷺ بالسّلب لمن قتل قتيلا -ثمّ قال- والصّحيح أنّه يكتفى في هذا بالشّاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا يمين كما جاءت به السّنّة الصّحيحة الصّريحة الّتي لا معارض لها اهـ.
(مسألة): قال في الشّرح الكبير "والسّلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدّابة بآلتها، وعنه أنّ الدّابة ليست من السّلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة" سلب القتيل ما كان لابسه من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية لأنّ المفهوم من السّلب اللّباس، وكذلك السّلاح من السّيف والرّمح واللت والقوس ونحوه؛ لأنّه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللّباس.
فأمّا المال الّذي معه في هميانه وخريطته فليس بسلب، لأنّه ليس من الملبوس ولا ممّا يستعين به في الحرب وكذلك رحله وإناؤه وما ليست يده عليه -ثمّ قال- واختلفت الرّواية عن أحمد في الدّابة فنقل عنه أنّها ليست من السّلب اختاره أبو بكر؛ لأنّ السّلب ما كان على بدنه والدّابة ليست كذلك فلا تدخل في الخبر -ثمّ قال-: ونقل عنه أنّها من السّلب وهو المذهب وبه قال الشّافعي لما روى عوف بن مالك قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ووافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الرّوم وفيهم
стр. 748
رجل على فرس أشقر عليه سرج مذهّب وسلاح مذهّب فجعل يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فعلاه ققتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى. رواه الأثرم.
وفي حديث شهر بن علقمة أنه أخذ فرسه كذلك، قال أحمد كقوله فيه ولأن الفرس يستعان بها في الحرب فأشبهت السلاح. ثم قال: إذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتحقيبها وحلية إن كانت عليها وجميع آلتها* من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب وإنما تكون من السلب إذا كان راكبًا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره أو منقلبة لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه. ثم قال: وان كان على فرس وفي يده جنيبه لم تكن الجنيبة من السلب لأنه لا يمكنه ركوبهما. ثم قال في الشرح الكبير:
﴿مسألة﴾ (وإن أخذ منهم مال مسلم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، وإن أدركه مقسومًا فهو أحق به بثمنه، وعنه لا حق لهم فيه، وإن أخذه منهم أحد الرعية بثمن فصاحبه أحق به بثمنه، وإن أخذه بغير عوض فصاحبه أحق به بغير شيء) إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم أخذها المسلمون منهم قهرًا، فإن علم صاحبها قبل قسمها ردت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم منهم عمر ﵁ وسلمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال الزهري: لا يرد إليه وهو للجيش، ونحوه عن عمرو بن دينار
стр. 749
لأنّ الكفّار ملكوه بالاستيلاء فصار غنيمة كسائر أمولهم.
ولنا ما روى ابن عمر أن غلامًا له أبق إلى العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّه النّبيّ ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسمه، وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن النّبيّ ﷺ رواهما أبو داود.
وعن رجاء بن حيوة أنّ أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطّاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثمّ ظهر المسلمون عليهم بعد، قال من وجد ماله بعينه فهو أحقّ به مالم يقسم. رواه سعيد والأثرم، وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسمه وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء -ثمّ قال-:
(فصل): فإن أخذه أحد الرّعية نهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيء -ثمّ قال-: ولنا ما روي أنّ قومًا أغاروا على سرح النّبيّ ﷺ فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أيّامًا ثمّ خرجت في بعض اللّيل قالت فما وضعت يديّ على ناقة الأرغب قالت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثمّ توجّهت إلى المدينة ونذرت أن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة إستعرفت النّاقة فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ فأخذها فقلت يا رسول الله إنّي نذرت أن أنحرها، قال: "بئسما جازيتها لا نذر في معصية الله" وفي رواية "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" أخرجه مسلم، ولأنّه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحقّ به بغير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة انتهى.
وهذا عام في كلّ مال مسلم أخذ من العدوّ سواء ذهب إليهم من الغزو أو أخذه منهم أو من بلادهم ثمّ قال في الشّرح الكبير:
стр. 750
(مسألة): وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها فإن كان فيها مال مسلم دفعه إليه؛ لأنّ صاحبه متعين؛ ولأنّه استحقه بسبب سابق ثمّ بمؤنة الغنيمة، من أجرة النّقال والجمال والحافظ والمخزن والحاسب؛ لأنّه لمصلحة الغنيمة، ثمّ بالرّضخ في أحد الوجهين؛ لأنّه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة النّقالين والحافظين وفي الآخر يبدأ بالخمس قبله؛ لأنّه استحق بحضور الوقعة وهذا أقيس. ثمّ قال ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنّساء والصّبيان، ومعنى الرّضخ أن يعطوا شيئًا من الغنيمة دون السّهم ولا تقدير فيما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن شاء التّسوية بينهم سوَّى، وإنّ رأي التّفضيل فَضَّلَ. وهذا قول أكثر العلماء -ثمّ قال-.
(مسألة): وإن غزا العبد على فرس لسيّده قسم للفرس ورضخ للعبد - ثمّ قال: وقال أبو حنيفة والشّافعي: لا يسهم للفرس لأنّها تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كانت تحت مخذل، ولنا أنّه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السّيّد راكبه، إذا ثبت هذا فإنّ سهم الفرس ورضخ العبد لسيّده لأنّه مالكه ومالك فرسه سواء حضر السّيّد القتال أو غاب عنه -ثمّ قال-: أجمع أهل العلم على أنّ للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقد دلّ النّص على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال، من الآية:٤١]، يفهم منه أنّ أربعة أخماسها الباقية لهم؛ لأنّه أضافها إليهم ثمّ أخذ منها سهمًا لغيرهم فبقي سائرها لهم ويقسم بينهم للرّاجل سهم وللفارس ثلاث أسهم سهم له وسهمان لفرسه -ثمّ قال-: قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن ومكحول والثّوري والشّافعي وأصحاب الرّأي، وهو الصّحيح إن شاء الله
стр. 751
تعالى؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لم ينقل عنه أنّه أسهم لغير الخيل من البهائم ولو أسهم لها لنقل وكذلك بعد النّبيّ ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمنا أنّه أسهم لغير الخيل، قال في الشّرح الكبير وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال قاتل أو لم يقاتل وقال فيه أيضا ومن بعثه الإمام لمصلحة الجيش مثل الرّسول والدّليل والجاسوس وأشباههم فإنّه يسهم له وإن لم يحضر لأنّه لمصلحة الجيش أشبه السّريّة.
قال أحمد: إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدوّ وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدوّ معهم حتّى سلموا الغنيمة فلا شيء لهم من الغنيمة؛ لأنّهم قاتلوا عن أصحابهم دون الغنيمة؛ لأنّ الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها. قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثمّ استنقذ منهم العدوّ فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتّى استنقذوه؟ فقال: أحب أن يصطلحوا. أمّا في الصّورة الأولى فإنّ أهل الغنيمة قد أحرزوها وملكوها بحيازتها فكانت لهم دون من قاتل معهم. وأمّا في الصّورة الثّانية فإنّما حصلت الغنيمة بقتال الّذين استنقذوها في المرّة الثّانية فينبغي أن يشتركوا فيها؛ لأنّ الإحراز الأوّل قد زال يأخذ الكفّار لها. ويحتمل أنّ الأوّلين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم بأخذ الكفّار لها منهم فلهذا أحبّ أحمد أن يصطلحوا على هذا انتهى ملخصًا من الشّرح الكبير.
وقال في الشّرح الكبير أيضا: والنّفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
(أحدها): هذا وهو أنّ الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سريّة تغيّر على العدوّ ويجعل لهم الرّبع بعد الخمس فما قدمت به السّريّة أخرج خمسه وأعطى السّريّة ما جعل لهم وهو ربع الباقي وقسم ما بقي
стр. 752
في الجيش والسّريّة معًا فإذا قفل فبعث سريّة تغيّر وجعل لهم الثّلث بعد الخمس فما قدمت السّريّة أخرج خمسه ثمّ أعطى السّريّة ثلث ما بقي ثمّ قسم سائره في الجيش والسّريّة معه.
(القسم الثّاني): أن ينفل الإمام بعض الجيش لعنائه وعنايته وبأسه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
(القسم الثّالث): أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السّور أو نقب هذا النّقب أو فعل كذا فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم. انتهى ما نقلته من الشّرح الكبير رحم الله مؤلّفه، فظهر ممّا نقل الجواب عن المسائل المسؤول عنها وبيان حكمها.
وأمّا من منع إنسانا من العدوّ وأمنه على أن يعطيه فرسه أو بعيره أو سلاحه أو ما معه فالظّاهر أنّه لا يستحقّه وحده إلّا أن يجعله الإمام له وإلّا فيجعل مع الغنيمة والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وقال في الشّرح الكبير:
(مسألة) وإذا لحق مدد وجاء أسير وأدركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم وإن جاؤوا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء لهم.
...
رسالة لبعض علماء نجد
...
﴿رسالة لبعض علماء المسلمين أهل نجد﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(مسألة): هل يجوز إطلاق لفظة تبارك على غير الله مثل من قول تبارك علينا فلان أو تباركت الدّابة ونحو ذلك وهل هو دعاء أو إخبار فلا يمنع منه أو صفة من الصّفات فلا تطلق إلا على الله؟
(الجواب): الحمد لله هذه المسألة قد كفانا جوابها شمس الدّين ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في بدائع الفوائد بأوضح عبارة وأبيّنها لمن أراد الإنصاف
стр. 753
وسلم من التّعصب والاعتساف وصرف المعاني عن حقائقها إلى مالا تدلّ عليه ولا تفهم منه قال ﵀:
(فصل): وأمّا البركة فهي نوعان أحدها بركة هي فعله ﵎، والفعل من بارك يتعدّى بنفسه تارة وبأداة على تارة وبأداة في تارة والمفعول منها مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركًا بجعله تعالى.
(والنّوع الثّاني): بركة تضاف إليه تعالى إضافة الرّحمة والعزّة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلّا له فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك وذلك كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم، من الآية:٣١] , فما بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.
وأمّا صيغة تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون، من الآية: ١٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف، من الآية: ٨٥]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان، من الآية: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان، من الآية: ١٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان، من الآية: ١٠]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان، من الآية: ٦١]، أفلا تراها كيف أطردت في القرآن جارية عليه مختصّة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السّعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوه فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الّذي هو دال على كمال العلوّ ونهايته؛ فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السّلف تبارك تعاظم، وقال آخر: إن مجيء البركات من قبله، فالبركة كلّها منه وقال غيره: كثرة خيره وإحسانه إلى خلقه، وقيل: اتّسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد على كلّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ومن هنا قيل: معناه تعالى وتعاظم، وقيل: تبارك تقدس وطهر الطّهارة، وقيل: تبارك أي: اسمه مبارك في كلّ شيء، وقيل: تبارك ارتفع المبارك المرتفع ذكره البغوي.
стр. 754
وقيل: تبارك أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، وقال ابن عبّاس حاز كلّ بركة وحقيقة اللّفظة أنّ البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحقّ بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السّلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللّفظ معنى الوصف لا الفعل؛ فإنّه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم، ومثل هذه الألفاظ لا يصحّ أن يكون معناها أنّه جعل غيره عاليًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا وهذا ممّا لا يحتمله اللّفظ بوجه وإنّما معناها في نفس من نسبت إليه وهو المتعالي المتقدّس في نفسه، فكذلك تبارك لا يصحّ أن يكون معناها بارك في غيره وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى هذا لازم، وهذا متعد فقد علمت أنّ مَن فسّر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه تعالى متباركا، فتبارك من باب مجد، والمجد صفات الجلال والكمال والسّعة والفضل، وبارك من باب أعطى وأنعم.
ولمّا كان المتعدّي في ذلك يستلزم الّلازم من غير عكس فسّر من فسّر من السّلف اللّفظة بالتّعدي لينتظم المعنيين فقال مجيء البركة كلّها من عنده أو البركة كلّها من قبله، وهذا فرع على تباركه في نفسه وتدبّر النّبيّ ﷺ في حديث ثوبان الّذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصّلاة: "اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فتأمّل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثّناء أعني ثناء التّنْزيه والتّسبيح، وثناء الحمد والتّحميد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمّه معنى فأخبر أنّه السّلام ومنه السّلام، فالسّلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدّم بيان هذا في وصفه تعالى بالسّلام، وأنّ صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلّها سلام.
وكذا الحمد كلّه له
стр. 755
وصفًا وملكًا فهو المحمود في ذاته وهو الّذي بجعل من يشاء من عباده محمودًا.
وكذلك العزّة كلّها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذّي لا شيء أعزّ منه ومن عزّ من عباده فبإعزازه له.
وكذلك الرّحمة كلّها له وصفًا وملكًا.
وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته والّذي يبارك فيمن يشاء من خلقه، وعليه فيصير بذلك مباركًا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [غافر: من الآية: ٦٤]، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَاْلأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزّخرف، الآية: ٨٥]، وهذا البساط إنّما هو غاية معارف العلماء الّذين من أهل حواشيه وأطرافه.
وأمّا ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال في حديث الشّفاعة الطّويل: "فأخر ساجدًا لربّي فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن" وفي دعاء الهمّ والغمّ "أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فدل على أنّ لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في غيبه دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب ولا نبيّ مرسل، وحسبك الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه. وبالله التّوفيق انتهى وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم.
...
رسالة للشيخ محمد بن أحمد بن محمد القصير
...
﴿رسالة الشّيخ محمد بن أحمد بن محمّد القصير﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمّد بن حسن بن شبانة إلى جناب الشّيخ المكرّم محمّد بن أحمد بن محمّد القصير -سلّمه الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 756
وبعد،
أشكل علينا مسائل:
منها: بيّنة الإكراه هل هي مقدّمة على بيّنة الطّواعية أم لا؟ وذاكرت فيها الشّيخ عمي فقال إذا كانت البيّنتان على إقرار قدّمت بيّنة الإكراه وإن كانتا على عقد بيع قدّمت بيّنة الطّواعية، هكذا قال فإن ظفرت فيها بجواب فأفد به أخاك جزيت خيرًا.
(الثّانية): وقع في القصيم خصومة وهي رجل خلع زوجته بحضرة شاهدين لكن الّذي بذل العوض أحد الشّاهدين فقال ابن عضيب تصحّ شهادة الّذي بذل العوض وإن لم تصحّ حلفت ضرّتها وأخذت المال لأنّه المقصد وذلك بعد موت الزّوج فنازعه آل زامل في ذلك، ووصلت إلى العارض أسئلة ابن عضيب فقال فيها الشّيخ أحمد: إمّا أنّها تحلف مع الشّاهد فلا يتصوّر، وأمّا شهادة الّذي بذل العوض فلا عندي فيها شيء إلّا ما قال في آخر باب شروط من تقبل شهادته.
قوله: وتقبل شهادة الشّخص على فعل نفسه الخ، وهو مترجّح عنده الصّحة لكن توقف عنها، وأمّا آل سليمان فجزموا بأنّها لا تصحّ وإنّ ما قال في باب شروط من تقبل شهادته محصور على الحاكم والقاسم والمرضعة فقط فإن رأيت فيها شيئًا فنبّهنا عليه.
(وغير ذلك) رجل دفع إلى آخر أحمرين، وقال: ادفعهما إلى زيد مضاربة فلمّا حضروا للمحاسبة قال الدّافع للعامل دفعت لك أحمرين لفلان ودفعت لك سبعة من مالي ضاربتك عليها فأنكر العامل الأحمرين وأقرّ بالسّبعة، فهل إذا حلف العامل أنّه لم يصل إليه سوى السّبعة تقبل يمين الدّافع أنّه دفع للعامل أحمرين وأنّ هذه السّبعة له ولا شيء لصاحب الأحمرين أم كيف الحكم؟ أفتنا أثابك الله الجنّة والسّلام.
الحمد لله وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وبعد،
فاعلم أنّ بيّنة
стр. 757
الإكراه مقدّمة على بيّنة الطّواعية؛ لأنّ معها زيادة علم ولم يظهر لي الفرق بين ذلك في الإقرار دون العقد.
وأمّا شهادة الدّافع للعوض الباذل له في الخلع فلا تصحّ؛ لأنّه يشهد على تصرّفه بنفسه في حل عقد النّكاح.
وقولهم في المرضعة والقاسم والحاكم فمختصّ بذلك، والقول قول الوكيل في دفع الأحمرين إلى فلان، وأنّه دفع إذا كان أمانة فإن اتّهم حلف، والقول قوله أيضًا في سبعة الحمران أنّها له؛ لأنّه أمين ولا يعرف ذلك إلّا من جهته، فإن حلف العامل أنّه لم يدفع إليه أحمرين سوى السّبعة ولا شيء منهما ذهب المال على المالك والله أعلم.
...
﴿رسالة لبعض علماء الدّرعية﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(المسألة الأولى): الرّكن والسّنّة في قول التّنقيح في واجبات الصّلاة وركوع مأموم أدرك إمامه راكعا فركن وسنّة.
(الجواب): اعلم وفقك الله أنّ المأموم إذا لم يدرك الإمام إلّا في ركوع فإنّه يكبّر معه للإحرام ثمّ يركع معه؛ لأنّ تكبيرة الإحرام ركن مطلقًا وتكبيرة الرّكوع في هذه الحال سنّة لا واجب؛ لا اجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام، ووجهه أنّه اجتمع عبادتنان من جنس واحد في محل فأجزأ الرّكن عن الواجب؛ كطواف الزّيارة والوداع، وفيما سوى هذه الصّورة تكبيرة الرّكوع واجبة وهنا ليس إلّا ركن وسنّة فقط.
(المسألة الثّانية): عن قوله في الإقناع في الشّفعة: وإن نما عنده نماء متّصلًا كشجر كبر وطلع لم يؤبر تبعه في عقد وفسخ هل للشّفيع أخذ النّماء المتّصل إذا كان سببه مال المشتري الخ.
стр. 758
(الجواب): المجزوم به عند جمهور الحنابلة أنّ النّماء المتّصل كالشّجر يكبر وطلع لم يؤبر يتبع في الأخذ بالشّفعة والرّد بالعيب فيكون ملكًا للشّفيع قال في الإنصاف قاله الأصحاب منهم القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول، والمصنّف في المغني، والكافي والشّرح وغيرهم اهـ.
وفي شرح الإقناع كالرّد بالغيب فيأخذه الشّفيع بزيادته، لا يقال: فلم لا يكون حكمه حكم الزّوج إذا طلق قبل الدّخول؛ لأنّ الزّوج يقدر على الرّجوع بالقيمة إذا فاته الرّجوع في العين وهذا يسقط حقّه منها إذا لم يرجع في الشّقص فافترقا انتهى.
فهذا كلام فقهاء الحنابلة ولم يحك في الإنصاف خلافًا في المذهب، لكن إذا قاسوه على الرّد بالغيب فأبو العبّاس ابن تيمية اختار هناك أنّ النّماء المتّصل كالمنفصل يكون للمشتري لا للبائع وقال: نصّ عليه أحمد في رواية ابن منصور، قال في الإنصاف: فعلى هذا يقوم على البائع انتهى، أي في الرّد بالعيب ولا يبعد قياس مسألتنا عليه. إنّي أتوقف عن الإفتاء في هذه المسألة والله أعلم.
...
﴿رسالة للشّيخ محمّد بن عمر بن سليم﴾
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
ما قولكم -وفقكم الله- في رجل خرج من بيته بعد ما ارتفعت الشّمس فلقيه رجل آخر فقال له أنّه لم يصل الصبح حتّى الآن، قال له ما منعك عن الصّلاة؟ قال إنّه كانت عليه جنابة وكان الماء باردًا فلم يغتسل ثمّ مضى في شأنه حتّى كاد أن يدخل وقت الظّهر ما يجب عليه وما يقال فيه؟
وفي رجل لقيه رجل آخر يريد أن يسلم عليه فقال: له ألا تركت السّلام
стр. 759
علينا حتّى نرجع من السّفر علينا غبار المسلمين نهلهل عليك وكان سفره لبلد الرّياض وقصده الاستهزاء صريحًا ما يقال في مثل هذا أنفاق أم كفر أم دون ذلك؟ أفتونا مأجورين.
الحمد لله الجواب وبالله التّوفيق:
(المسألة الأولى): نقول هذا الرجل الّذي أخر صلاة الفجر إلى قريب الظّهر مخطيء آثم؛ لأنّ تأخير الصّلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- اتّفق المسلمون كلّهم على أن عليه أن يصلي الظّهر والعصر بالنّهار، ويصلّي الفجر قبل طلوع الشّمس لا يترك ذلك لصناعة ولا لصيد ولا لهو ولا زراعة ولا لجنابة ونجاسة ولا غير ذلك، والنّبيّ ﷺ أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفّار ثمّ صلاها بعد المغرب فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة، من الآية: ٢٣٨]، صلاة العصر.
ولهذا قال جمهور العلماء إنّ ذلك التّأخير منسوخ لهذه الآية فلم يجز تأخير الصّلاة حال القتال بل أوجبوا عليه الصّلاة في الوقت حال القتال هذا مذهب مالك والشّافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن أحمد رواية أخرى يخيّر حال القتال بين الصّلاة وبين التّأخير، ومذهب أبي حنيفة يشتغل بالقتال ويصلّي بعد الوقت.
وأمّا تأخير الصّلاة لغير الجهاد لصناعة أو زراعة أو عمل أو صيد فلا يجوز ذلك عند أحد من العلماء، بل قال الله ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون، الآيتان: ٤ - ٥]، قال طائفة من السّلف هم الّذين يؤخرونها عن وقتها، وقال بعضهم هم الّذين لا يؤدونها على وجه المأمور به، وإن
стр. 760
صلوها في الوقت فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، والعلماء متّفقون على أنّ تأخير صلاة اللّيل إلى النّهار وتأخير صلاة النّهار إلى اللّيل بمنْزلة تأخير شهر رمضان إلى شوّال، وإنّما يعذر بالتّأخير النّائم والنّاسي كما قال النّبيّ ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلّا ذ لك".
وأمّا الجنب والمحدث ومَن عليه نجاسة إذا عدم الماء أو خاف الضّرر باستعماله لمرض أو برد فإنّه يتيمّم ويصلّي في الوقت وجوبًا ولا يؤخر الصّلاة حتّى يصلّي في غير الوقت باغتسال، قال النّبيّ ﷺ : "الصّعيد الطّيّب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسه بشرتك فإنّه خير لك" فكلّ ما يباح بالماء يباح بالتّيمّم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، فإذا تيمم للصّلاة يقرأ القرآن داخل الصّلاة وخارجها وإن كان جنبًا.
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدّين -رحمه الله تعالى- أيضًا: ومن امتنع عن الصّلاة بالتيمّم فإنّه من جنس اليهود والنّصارى، فإنّ التيمّم إنّما أبيح لهذه الأمّة خاصة كما قال النّبيّ ﷺ في الحديث الصّحيح: "فضلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا صفوف الملائكة، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". قال: وممّا يزيد ما تقدّم وضوحًا قول النّبيّ ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب". فتبيّن بهذا أنّ المريض يصلّي في الوقت على حسب حاله قاعدًا أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلّي بعد خروج الوقت قائمًا هذا ممّا اتّفق عليه العلماء، وهذا كلّه لأنّ
стр. 761
فعل الصّلاة في وقتها فرض والوقت آكد فرائض الصّلاة؛ كما أنّ صيام شهر رمضان أوجب في وقته ليس لأحد أن يؤخّره عن وقته، لكن يجوز الجمع بين الظّهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء وبين الظّهر والعصر عند كثير من العلماء للسّفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار.
وأمّا تأخير صلاة النّهار إلى اللّيل واللّيل إلى النّهار والفجر بعد طلوع الشّمس فلا يجوز لمرض ولا لسفر ولا لشغل ولا صناعة باتّفاق العلماء، قال عمر ﵁: الجمع بين الصّلاتين لغير عذر من الكبائر، وفي وصيّة أبي بكر لعمر ﵄: إنّ لله حقّا بالنّهار لا يقبله باللّيل، وحقّا باللّيل لا يقبله بالنّهار. ومن ظنّ أنّ الصّلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصّلاة في الوقت بالتّيمّم فهو جاهل ضال. انتهى كلام الشّيخ -رحمه الله تعالى-.
وأمّا حكم تارك الصّلاة فقال في الإقناع وشرحه: ومَن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهونًا أو كسلًا لا جحودًا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، ويهدّده فإن أبى أن يصلّيها حتّى تضايق وقت الّتي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التّوبة، من الآية: ٥].
فمتى ترك الصّلاة لم يأت بشروط التّخلية فيبقى على إباحة القتل ولقوله ﷺ : "من ترك الصّلاة متعمّدًا فقد برئت ذمّة الله ورسوله"، رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيّد ولا يقتل حتّى يستتاب ثلاثة أيّام كمرتدّ نصًّا، فإن تاب بفعلها وإلّا قتل بضرب عنقه بالسّيف لكفره
стр. 762
لما روى جابر مرفوعًا: "بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة" رواه مسلم وروى بريدة مرفوعًا: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة انتهى.
قال منصور في شرح المنتهى: ولا قتل ولا تكفير قبل الدّعاية ولم يقتل بترك الأولى لأنّه لا يعلم أنّه عزم على تركها إلّا بخروج وقتها، فإذا خرج علم تركه لها لكنّها فاتته لا يقبل بها، فإذا تضايق وقت الثّانية وجب قتله اهـ، قلت: هذا أحد الوجهين في المذهب، وعنه يجب قتله إذا أبى حتّى يتضايق وقت أوّل صلاة بعدها اختار هذا القول المجد وصاحب مجمع البحرين قال في الفروع وهو أظهر.
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمّة الّذين يرون كفر تارك الصّلاة أنّ من تركها يكفر بخروج الوقت عليه ولم يعتبروا أن يستتاب ولا أن يدعى إليها، وعليه يدّل كلام المتقدّمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثمّ استدلّ لذلك بالأحاديث الّتي فيها ذكر تارك الصّلاة كقوله: "بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة" وحديث: "العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة فمن تركها فقد كفر" اهـ كلام ابن رجب -رحمه الله تعالى-.
وقال الشّيخ أحمد بن حجر الهيتمي الشّافعي في التّحفة: إنّ ترك الصّلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاد وجوبها قتل لآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر: "أمرت أن أقاتل النّاس"، فإنّهما شرطان في الكفّ عن القتل والمقاتلة؛ الإسلام وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة. إلى آخر كلامه ﵀. هذا ما أمكن نقله من كلام العلماء على هذا السّؤال وما تحتمله هذه الورقة.
(وأمّا المسألة الثّانية): فقائل الكلام الّذي ذكرتم يتهم بكلامه هذا
стр. 763
ويخاف عليه من النّفاق فلو هجر هذا القائل كان هجره عندي مناسبًا بشرط أن يكون في هجره مصلحة.
قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: إنّما هجر النّبيّ ﷺ الثّلاثة لأنّه اتّهمهم بالنّفاق فكذا كلّ من خفنا عليه اهـ.
وأمّا إطلاق الكفر والنّفاق بمجرّد كلامه ذلك فلا أتجاسر عليه؛ لأنّ كلامه ليس بصريح بسب الدّين ولا الاستهزاء به ولا بِمَن قام به، قال بعض العلماء في قول النّبيّ ﷺ في الأنصار: "لا يحبهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق"، قال: فمن أبغض من قام بنصرة دين الله أو سنّة نبيّه ﷺ استحقّ هذا الوصف، وأمّا من يبغض بعضًا دون بعض فقد يكون ذلك لسبب غير الدّين.
قال شيخ الإسلام: اختلف العلماء فيمن يسبّ الصّحابة على قولين: قيل بكفرهم وقيل بفسقهم. توقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يرجع عن ذلك. قال: وهذا هو المشهور من مذهب مالك اهـ. هذا كلامهم في الّذي يسبّ أصحاب رسول الله ﷺ الّذين أثنى الله عليهم ورضي عنهم فغيرهم دونهم، ولم يقل أحد من العلماء ﵏ بكفر من سبّ غيرهم ولا قتله، ولهذا قال الأصحاب من سبّ إمامًا عدلًا أو عدلًا غيره عزر فبذلك يظهر الجواب عن السؤال والله أعلم.
﴿تمّ القسم الثّالث﴾
(من الجزء الأوّل من مجموعة الرّسائل والمسائل النّجديّة)
(وبتمامه يتمّ الجزء الأوّل والحمد لله في البدء والختام)
стр. 764
مجموعة الرسائل والمسائل النجدية
الجزء الثاني
يحتوي على ثلاثة أقسام:
أولها - كتاب الإيمان، ورسائل الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة ١٢٨٥ هـ
ثانيها - رسائل وفتاوى الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر
ثالثها - رسائل وفتاوى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، المتوفى سنة ١٢٨٢ هـ
رحمهم الله تعالى أجمعين
من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحيي السنة المحمدية
الإمام عبد العزيز آل سعود
ملك الحجاز ونجد وملحقاتها
أيده الله تعالى
مطبعة المنار بمصر
стр. 765
كتاب
الإيمان والرد على أهل البدع
هذه فوائد مجموعة تشتمل على شيء من تقريرات العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة، عفى الله عنهم
стр. 766
كتاب الإيمان والرد على أهل البدع، وملحقاته
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين وعليه أتوكل
الفائدة الأولى:
الكلام في الإسلام والإيمان في مقامات (الأول) فيما دل عليه حديث عمر ﵁ في سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ بقوله: "أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ... الحديث "قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"١.
فأخبر أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وبذلك يفسر كل منهما عند الاقتران، فإذا أُفْرِدَ الإيمان -كما في كثير من آيات القرآن- دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة كما دل على ذلك كثير من الآيات والأحاديث، كقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة النساء آية: ١٣٦] ... الآية.
فتناولت الآية جميع الأعمال الباطنة والظاهرة لدخولها في مسمى الإيمان. وأما الأركان الخمسة فهي جزء مسمى الإيمان، ولا يحصل الإسلام على الحقيقة إلا بالعمل بهذه الأركان والإيمان بالأصول الستة المذكورة في الحديث.
وأصول الإيمان المذكورة تتضمن الأعمال الباطنة والظاهرة؛ فإن
стр. 767
الإيمان بالله يقتضي محبته وخشيته وتعظيمه وطاعته بامتثال أمره وترك نهيه، وكذلك الإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي؛ فدخل هذا كله في الأصول الستة.
ومما يدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة الأنفال آية: ٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [سورة الأنفال آية: ٤].
فدلت هذه الآيات على أن الأعمال الظاهرة والباطنة داخلة في مسمى الإيمان كقوله -تعالى-:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥] فانتفاء الشك والريب من الأعمال الباطنة، والجهاد من الأعمال الظاهرة، فدل على أن الكل إيمان.
ومما يدل على أن الأعمال من الإيمان قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ١ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة. ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثيرة كقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا خمس ما غنمتم"٢، ففسر الإيمان بالأعمال الظاهرة، لأنها جزء مسماه كما تقدم.
إذا عرفت أن كلا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها من الإسلام، فهو نقص في كمال الإيمان الواجب كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن،
стр. 768
ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"١، وقوله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له"٢، ونفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه. فالمنفي في هذه الأحاديث كمال الإيمان الواجب فلا يطلق الإيمان على مثل هذه الأعمال إلا مقيدًا بالمعصية أو بالفسوق، فيكون معه من الإيمان بقدر ما معه من الأعمال الباطنة والظاهرة، فيدخل في جملة أهل الإيمان على سبيل إطلاق أهل الإيمان كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء آية: ٩٢].
[الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان]
وأما المؤمن الإيمان المطلق الذي لا يتقيَّد بمعصية ولا بفسوق وبنحو ذلك، فهو الذي أتى بما يستطيعه من الواجبات مع تركه لجميع المحرمات، فهذا هو الذي يطلق عليه اسم الإيمان من غير تقييد، فهذا هو الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؛ والثاني هو الذي لا يصر صاحبه على ذنب، والأول هو المصر على بعض الذنوب. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في الفرق بين الإسلام والإيمان، وهو الفرق بين مطلق الإيمان. والإيمان المطلق فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه.
والمرتبة الثانية من مراتب الدين مرتبة أهل الإيمان المطلق الذين كمل إسلامهم وإيمانهم بإتيانهم بما وجب عليهم، وتركهم ما حرمه الله عليهم، وعدم إصرارهم على الذنوب؛ فهذه هي المرتبة الثانية التي وعد الله أهلها بدخول الجنة، والنجاة من النار كقوله -تعالى-: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] ... الآية. فهؤلاء اجتمعت لهم الأعمال الظاهرة والباطنة، ففعلوا ما أوجبه الله عليهم
стр. 769
وتركوا ما حرم الله عليهم، وهم السعداء أهل الجنة. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الفائدة الثانية
[معنى لا إله إلا الله]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم رحمك الله: أن كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" لا تنفع قائلها إلا بمعرفة معناها، وهو نفي الإلهية عما سوى الله -تعالى- والبراءة من الشرك في العبادة، وإفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ومعنى ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: نستوي نحن وأنتم في قصر العبادة، وترك الشرك كله.
وقال الخليل ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦] فهذا هو حقيقة معنى لا إله إلا الله، وهو البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة له وحده، وهذا هو معناها الذي دلَّت عليه هذه الآيات، وما في معناها. فمن تحقق ذلك وعلمه، فقد حصل له العلم بها المنافي لما عليه أكثر الناس حتى من ينتسب إلى العلم من الجهل بمعناها.
فإذا عرفت ذلك، فلا بد من القبول لما دلت عليه، وذلك ينافي الرد؛ لأن كثيرا ممن يقولها ويعرف معناها لا يقبلها، كحال مشركي قريش والعرب وأمثالهم، فإنهم عرفوا ما دلت عليه من البراءة، لكن لم يقبلوه؛
стр. 770
فصارت دماؤهم وأموالهم حلال لأهل التوحيد، فإنهم كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٥]، عرفوا أن لا إله إلا الله توجب ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله. ولا بد -أيضا- من الإخلاص المنافي للشرك كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١] إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٤] وفي حديث عتبان: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"١.
ولا بد أيضا من المحبة المنافية لضدها، فلا يحصل لقائلها معرفة إلا بقبول ما دلت عليه من الإخلاص، ونفي الشرك؛ فمن أحب الله أحب دينه، ومن لا فلا، كما قال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥]، فصارت محبتهم لله ولدينه، فأحبوا من أحبه الله، وأبغضوا ما أبغضه الله، وفي الحديث: "وهل الدين إلا الحب والبغض"؛ولهذا وجب أن يكون الرسول ﷺ أحب إلى العبد من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، فإن شهادة لا إله إلا الله تستلزم أن محمدا رسول الله، وتقتضي متابعته كما قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١].
[حب الله يستلزم الانقياد لأوامره ونواهيه]
ولا بد -أيضا- من الانقياد لحقوق لا إله إلا الله بالعمل بما فرضه الله، وترك ما حرمه، والتزام ذلك وهو ينافي الترك، فإن كثيرا ممن يدعي الدين يستخف بالأمر والنهي ولا يبالي بذلك، وحقيقة الإسلام أن يسلم العبد بقلبه وجوارحه لله، ويتأله له بالتوحيد والطاعة كما قال -تعالى-: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٢] , وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى
стр. 771
اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢].
وإحسان العمل لا بد فيه من الإخلاص، ومتابعة ما شرعه الله ورسوله. ولا بد أيضا لقائل هذه الكلمة من اليقين بمعناها المنافي للشك والريب كما في الحديث الصحيح: "مستيقنا بها قلبه غير شاكٍ فيها"١؛ ومن لم يكن كذلك فإنها لا تنفعه كما دل عليه حديث سؤال الميت في قبره. ولا بد -أيضا- من الصدق المنافي للكذب كما قال -تعالى- عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١]. والصادق يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما يقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه. فلا تصح هذه الكلمة إلا إذا استجمعت هذه الشروط؛ وبالله التوفيق، آخره، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الفائدة الثالثة
[النهي عن مفارقة الجماعة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن إلى من يصل إليه من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد):
تفهمون أن الجماعة فرض على الإسلام، وعلى من دان بالإسلام كما قال -تعالى-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣]. ولا تحصل الجماعة إلا بالسمع والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى
стр. 772
اختلافًا كثيرًا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".
وقد جمع الله أوائل الأمة على نبيه ﷺ وذلك بسبب الجهاد، وكذلك الخلفاء ردَّ الله بهم إلى الجماعة من خرج عنها، وأقاموا الجهاد في سبيل الله؛ فأظهر الله بهم دينه، وفتح الله لهم الفتوح، وجمع الله عليهم. وتفهمون أن الله جمعكم على إمامكم عبد الله بن فيصل بعد وفاة والده فيصل ﵀ فاللي بايع بايع وهم الأكثرون، واللي ما بايع بايعوا لهم كبارهم، واجتمعوا عليه أهل نجد باديهم وحاضرهم، وسمعوا وأطاعوا، ولا اختلف عليه أحد منهم حتى سعود بن فيصل بايع أخوه. وهو ما صار له مدخال في أمر المسلمين لا في حياة والده ولا بعده، ولا التفت له أحد من المسلمين، ونقض البيعة وتبين لكم أمره أنه ساع في شق العصا، واختلاف المسلمين على إمامهم، وسعى في نقض بيعة الإمام، وقد قال -تعالى-: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٩١].
وسعود سعى في ثلاثة أمور كلها منكر: نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام؛ فعلى هذا يجب قتاله، وقتال من أعانه، وفي الحديث: "من فارق الجماعة قيد شبر فمات، فميتته جاهلية"١ وفي الحديث الآخر: "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"٢، فإن كان أحد مشكل عليه وجوب قتاله لما في الحديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"٣.
стр. 773
فظاهر الحديث أن المراد ما يجري بين القبائل من العصبية، أما عند ضربة عصا من قبيلتين أو فخذين أو طعنة، فكل قبيلة أو فخذ يكون منهم حمية لمن كان منهم غير خروج على الإمام، ونقض لبيعة الإسلام، ولا شق عصا المسلمين. وأهل العلم من الفقهاء وغيرهم ذكروا قتال العصبية وحكمه، وقتال الباغي وحكمه؛ فذكروا أنه يجب على الإمام في قتال العصبية أن يحملهم على الشريعة، وأما البغاة فحكمهم أنهم يقاتلون حتى يفيئوا أو يرجعوا ويدخلوا في جماعة المسلمين. فالفرق ظاهر بين -ولله الحمد-، فاستعينوا بالله على قتال من بغى وطغى وسعى في البلاد بالفساد، وهذا أمر فساده ظاهر ما يخفى على من له عقل، واحتسبوا جهادكم وأجركم على الله، وأنتم سالمون، والسلام، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، سنة ١٣٣٠ هجرية.
قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن -أحسن الله إليه-:
الفائدة الرابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد ورد علينا أسئلة من الأخ جمعان بن ناصر:
[العقود التي وقعت فاسدة وتقابضوا بها]
منها: إذا وقع عقد فاسد في معاملة في الإسلام قد انقضت بالتقابض في أكثرها، فهل يحكم بفساد العقد من أوله ورده؟ أو نقول لا يرد ما تقابضوه من تلك المعاملة الفاسدة؟
стр. 774
فأقول: الجواب يظهر مما قاله شيخ الإسلام ﵀ في آية الربا في قوله -تعالى-: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥]، فاقتضى أن السالف للقابض، وأن أمره إلى الله ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما ﴿جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله -تعالى-، إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبه. ثم قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] فأمر بترك الباقي ولم يأمر برد المقبوض وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] إلا أنه يستثنى منها ما قبض. وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا، فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها.
وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح، لأنه إذا كان معتقدا أن ذلك حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية. فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه، فالمسلم إذا تاب أولى أن يغفر الله، إذا كان أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.
[الجهل بالأحكام]
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شر من الكافر، وقد ذكرنا فيما يتركه من الواجبات التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما الاقتضاء عليه. وأصل ذلك أن أصل الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب؟ فيه قولان في مذهب
стр. 775
أحمد وغيره، ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل أو صلى وقد أكل لحم الجزور، ثم صلى، وقد تبين له النص هل يعيد؟ على روايتين، وقد نصرت في موضع أنه لا يعيد، وذكرت على ذلك أدلة متعددة، منها:
قصة عمر وعمار لما كانا جنبين فصلى عمار، ولم يصل عمر، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة.
ومنها: المستحاضة التي قالت: منعني الصوم والصلاة.
ومنها الأعرابي المسيء الذي قال: والله ما أحسن غير هذا، أمره أن يعيد الصلاة الحاضرة لأن وقتها باق وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلى قبل ذلك.
ومنها الذين أكلوا حتى تبين الحبل الأبيض والأسود ولم يؤمروا بالإعادة. والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب، فكذلك النهي. فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب. وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ما قبض، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرا من الكافر إذا غفر له قبضه لكونه قد تاب، فالمسلم بطريق الأولى. والقرآن يدل على هذا بقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ١، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فانتهى، فقد جعل الله له ما سلف. انتهى ملخصا من كلامه ﵀، وبه يظهر للسائل تفصيل ما أجمله في السؤال فليتأمل.
العبد كالحر في كفارة الظهار
وسأل -أيضا- عن ظهار المملوك هل هو كالحرام؟
فالجواب: أن العبد كالحر في كفارة الظهار، غير أن العبد لا يكفر إلا بالصوم بناء على المشهور في مذهبنا وغيره، لأنه لا يملك، قال في "المنتهى": فإن لم يجد صام حرًّا وقنًّا شهرين. انتهى.
[أكثر مدة الحمل]
وسأل عن أكثر مدة الحمل إذا كانت أربع سنين على المشهور في