قال محمد بن جبير: وقفت تلك العشية إلى جنب محمد ابن الحنفية. فلما غابت الشمس التفت إلي فقال: يا أبا سعيد ادفع. فدفع ودفعت معه فكان أول من دفع.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت أصحاب ابن الحنفية يلبون بعرفة ورمقت ابن الزبير وأصحابه فإذا هم يلبون حتى زاغت الشمس. ثم قطع. وكذلك فعلت بنو أمية. وأما نجدة فلبى حتى رمى جمرة العقبة.
أخبرنا المعلى بن أسد قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدثنا خالد قال: حدثني أبو العريان المجاشعي قال: بعثنا المختار في ألفي فارس إلى محمد ابن الحنفية. قال فكنا عنده. قال فكان ابن عباس يذكر المختار فيقول: أدرك ثأرنا وقضى ديوننا وأنفق علينا. قال وكان محمد ابن الحنفية لا يقول فيه خيرا ولا شرا. قال فبلغ محمدا أنهم يقولون إن عندهم شيئا. أي من العلم. قال فقام فينا فقال: أنا والله ما ورثنا من رسول الله إلا ما بين هذين اللوحين. ثم قال: اللهم حلا وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفي. قال فسألت: وما كان في الصحيفة؟ قال: من أحدث حدثا أو آوى محدثا.
أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: حدثني الوليد الرماح قال: بلغنا أن محمد بن علي أخرج من مكة فنزل شعب علي فخرجنا من الكوفة لنأتيه فلقينا ابن عباس. وكان ابن عباس معه في الشعب فقال لنا: أحصوا سلاحكم ولبوا بعمرة. ثم ادخلوا البيت وطوفوا به وبين الصفا والمروة.
أخبرنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن ميمون عن وردان قال: كنت في العصابة الذين انتدبوا إلى محمد بن علي. قال: وكان ابن الزبير قد منعه أن يدخل مكة حتى يبايعه فأبى أن يبايعه. قال فانتهينا إليه فأراد أهل الشام فمنعه عبد الملك أن يدخلها حتى يبايعه فأبى عليه. قال فسرنا معه ما سرنا ولو أمرنا بالقتال لقتالنا معه.
فجمعنا يوما فقسم فينا شيئا وهو يسير. ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألحقوا برحالكم واتقوا الله وعليكم بما تعرفون ودعوا ما تنكرون وعليكم بخاصة أنفسكم ودعوا أمر العامة واستقروا عن أمرنا كما استقرت السماء والأرض. فإن أمرنا إذا جاء كان كالشمس الضاحية.
стр. 1507
قالوا: وقتل المختار بن أبي عبيد في سنة ثمان وستين. فلما دخلت سنة تسع وستين أرسل عبد الله بن الزبير عروة بن الزبير إلى محمد ابن الحنفية: إن أمير المؤمنين يقول لك إني تاركك أبدا حتى تبايعني أو أعيدك في الحبس وقد قتل الله الكذاب الذي كنت تدعي نصرته. وأجمع علي أهل العراقين. فبايع لي وإلا فهي الحرب بيني وبينك إن امتنعت. فقال ابن الحنفية لعروة: ما أسرع أخاك إلى قطع الرحم والاستخفاف بالحق. وأغفله عن تعجيل عقوبة الله. ما يشك أخوك في الخلود وإلا فقد كان أحمد للمختار ولهدية مني. والله ما بعثت المختار داعيا ولا ناصرا.
وللمختار كان إليه أشد انقطاعا منه إلينا. فإن كان كذابا فطال ما قربه على كذبه. وإن كان على غير ذلك فهو أعلم به. وما عندي خلاف. ولو كان خلاف ما أقمت في جواره ولخرجت إلى من يدعوني فأبيت ذلك عليه. ولكن هاهنا والله لأخيك قرينا يطلب مثل ما يطلب أخوك. كلاهما يقاتلان على الدنيا: عبد الملك بن مروان. والله لكأنك بجيوشه قد أحاطت برقبة أخيك وإني لأحسب أن جوار عبد الملك خير لي من جوار أخيك. ولقد كتب إلي يعرض علي ما قبله ويدعوني إليه. قال عروة: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أستخير الله وذلك أحب إلى صاحبك. قال: اذكر ذلك له.
فقال بعض أصحاب محمد ابن الحنفية: والله لو أطعتنا لضربنا عنقه. فقال ابن الحنفية: وعلى م أضرب عنقه؟ جاءنا برسالة من أخيه وجاورنا فجرى بيننا وبينه كلام فرددناه إلى أخيه. والذي قلتم غدر وليس في الغدر خير. لو فعلت الذي تقولون لكان القتال بمكة وأنتم تعلمون أن رأيي لو اجتمع الناس علي كلهم إلا إنسان واحد لما قاتلته. فانصرف عروة فأخبر ابن الزبير بما قال له محمد ابن الحنفية. قال والله ما أرى أن تعرض له. دعه فليخرج عنك ويغيب وجهه فعبد الملك أمامة لا يتركه يحل بالشام حتى يبايعه. وابن الحنفية لا يبايعه أبدا حتى يجتمع الناس عليه. فإن صار إليه كفاكه إما حبسه وإما قتله فتكون أنت قد برئت من ذلك. فأفثأ ابن الزبير عنه.
فقال أبو الطفيل: وجاء كتاب من عبد الملك بن مروان ورسول حتى دخل الشعب فقرأ محمد ابن الحنفية الكتاب فقرأ كتابا لو كتب به عبد الملك إلى بعض إخوته أو ولده ما زاد على ألطافه. وكان فيه: أنه قد بلغني أن ابن الزبير قد ضيق عليك وقطع رحمك واستخف بحقك حتى تبايعه فقد نظرت لنفسك ودينك وأنت أعرف به حيث فعلت ما فعلت. وهذا الشام فانزل منه حيث شئت فنحن مكرموك وواصلو
стр. 1508
رحمك وعارفو حقك. فقال ابن الحنفية لأصحابه: هذا وجه نخرج إليه. قال فخرج وخرجنا معه ومعه كثير عزة ينشد شعرا:
أنت إمام الحق لسنا نمتري … أنت الذي نرضى به ونرتجي
أنت ابن خير الناس من بعد النبي … يا ابن علي سر ومن مثل علي
حتى تحل أرض كلب وبلي
قال أبو الطفيل: فسرنا حتى نزلنا أيلة فجاورونا بأحسن جوار وجاورناهم بأحسن ذلك وأحبوا أبا القاسم حبا شديدا وعظموه وأصحابه. وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر ولا يظلم أحد من الناس قربنا ولا بحضرتنا. فبلغ ذلك عبد الملك فشق ذلك عليه وذكره لقبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع وكانا خاصته فقالا: ما نرى أن ندعه يقيم في قربه منك وسيرته سيرته حتى يبايع لك أو تصرفه إلى الحجاز. فكتب إليه عبد الملك: إنك قدمت بلادي فنزلت في طرف منها. وهذه الحرب بيني وبين ابن الزبير كما تعلم. وأنت لك ذكر ومكان. وقد رأيت أن لا تقيم في سلطاني إلا أن تبايع لي. فإن بايعتني فخذ السفن التي قدمت علينا من القلزم وهي مائة مركب فهي لك وما فيها. ولك ألفا ألف درهم أعجل لك منها خمسمائة ألف وألف ألف وخمسمائة ألف آتيتك مع ما أردت من فريضة لك ولولدك ولقرابتك ومواليك ومن معك. وإن أبيت فتحول عن بلدي إلى موضع لا يكون لي فيه سلطان. قال فكتب إليه محمد بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد عرفت رأيي في هذا الأمر قديما. وأني لست أسفهه على أحد. والله لو اجتمعت هذه الأمة علي إلا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدا ولا اعتزلتهم حتى يجتمعوا. نزلت مكة فرارا مما كان بالمدينة فجاورت ابن الزبير فأساء جواري وأراد مني أن أبايعه فأبيت ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه. ثم أدخل فيما دخل فيه الناس فأكون كرجل منهم. ثم كتبت إلي تدعوني إلى ما قبلك فأقبلت سائرا فنزلت في طرف من أطرافك. والله ما عندي خلاف ومعي أصحابي فقلنا بلاد رخيصة الأسعار وندنو من جوارك ونتعرض صلتك.
فكتبت بما كتبت به ونحن منصرفون عنك إن شاء الله.
أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي حمزة قال: كنت مع محمد بن علي فسرنا من الطائف إلى أيلة بعد موت ابن عباس بزيادة على أربعين
стр. 1509
ليلة. قال وكان عبد الملك قد كتب لمحمد عهدا على أن يدخل في أرضه هو وأصحابه حتى يصطلح الناس على رجل. فإذا اصطلحوا على رجل بعهد من الله وميثاق كتبه عبد الملك. فلما قدم محمد الشام بعث إليه عبد الملك: إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي. ونحن يومئذ معه سبعة آلاف. فبعث إليه محمد بن علي:
على أن تؤمن أصحابي. ففعل. فقام محمد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الله ولي الأمور كلها وحاكمها. ما شاء الله كان وما لا يشاء لم يكن. كل ما هو آت قريب.
عجلتم بالأمر قبل نزوله. والذي نفسي بيده إن في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمد ما يخفى على أهل الشرك أمر آل محمد وأمر آل محمد مستأخر. والذي نفس محمد بيده ليعودن فيكم كما بدأ. الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم! من أحب منكم أن يأتي إلى بلده آمنا محفوظا فليفعل. فبقي معه تسعمائة رجل فأحرم بعمرة وقلد هديا فعمدنا إلى البيت فلما أردنا أن ندخل الحرم تلقتنا خيل ابن الزبير فمنعتنا أن ندخل. فأرسل إليه محمد: لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك. دعنا فلندخل ولنقض نسكنا ثم لنخرج عنك. فأبى. ومعنا البدن قد قلدناها. فرجعنا إلى المدينة فكنا بها حتى قدم الحجاج فقتل ابن الزبير ثم سار إلى البصرة والكوفة. فلما سار مضينا فقضينا نسكنا وقد رأيت القمل يتناثر من محمد بن علي. فلما قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثم توفي.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسماعيل بن مسلم الطائي عن أبيه قال:
كتب عبد الملك بن مروان: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمد بن علي. فلما نظر إلى عنوان الصحيفة قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. الطلقاء ولعناء رسول الله ﷺ على منابر الناس. والذي نفسي بيده إنها لأمور لم يقر قرارها.
قال أبو الطفيل: فانصرفنا راجعين فأذن للموالي ولمن كان معه من أهل الكوفة والبصرة فرجعوا من مدين. ومضينا إلى مكة حتى نزلنا معه الشعب بمنى. فما مكثنا إلا ليلتين أو ثلاثا حتى أرسل إليه ابن الزبير أن أشخص من هذا المنزل ولا تجاورنا فيه. قال ابن الحنفية: اصبر وما صبرك إلا بالله وما هو بعظيم من لا يصبر على ما لا يجد من الصبر عليه بدا حتى يجعل الله له منه مخرجا. والله ما أردت السيف ولو كنت أريده ما تعبث بي ابن الزبير ولو كنت أنا وحدي ومعه جموعه التي معه. ولكن والله ما أردت هذا وأرى ابن الزبير غير مقصر عن سوء جواري فسأتحول عنه. ثم خرج إلى
стр. 1510
الطائف فلم يزل بها مقيما حتى قدم الحجاج لقتال ابن الزبير لهلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين. فحاصر ابن الزبير حتى قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة. وحج ابن الحنفية تلك السنة من الطائف ثم رجع إلى شعبة فنزله.
أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن أبي الموال عن الحسن بن علي بن محمد ابن الحنفية عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي إلى الشعب سنة اثنتين وسبعين وابن الزبير لم يقتل والحجاج محاصرة أرسل إليه أن يبايع لعبد الملك. فقال ابن الحنفية: قد عرفت مقامي بمكة وشخوصي إلى الطائف وإلى الشام. وأنا رجل ليس عندي خلاف. لما رأيت الناس اختلفوا اعتزلتهم حتى يجتمعوا. فأويت إلى أعظم بلاد الله حرمه يأمن فيه الطير فأساء ابن الزبير جواري. فتحولت إلى الشام فكره عبد الملك قربي. فتحولت إلى الحرم فإن يقتل ابن الزبير ويجتمع الناس على عبد الملك أبايعك. فأبى الحجاج أن يرضى بذلك منه حتى يبايع لعبد الملك. فأبى ذلك ابن الحنفية وأبى الحجاج أن يقره على ذلك. فلم يزل محمد يدافعه حتى قتل ابن الزبير.
أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثني سهل بن عبيد بن عمرو الحارثي قال: لما بعث عبد الملك الحجاج إلى مكة والمدينة قال له: إنه ليس لك على محمد ابن الحنفية سلطان. قال فلما قدم الحجاج أرسل إليه الحجاج يتوعده ثم قال: إني لأرجو أن يمكن الله منك يوما من الدهر ويجعل لي عليك سلطانا فافعل وأفعل. قال: كذبت يا عدو نفسه! هل شعرت أن لله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة أو نفحة؟ فأرجو أن يرزقني الله بعض لحظاته أو نفحاته فلا يجعل لك علي سلطانا. قال فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك فكتب بها عبد الملك إلى صاحب الروم فكتب إليه صاحب الروم: إن هذه والله ما هي من كنزك ولا كنز أهل بيتك ولكنها من كنز أهل بيت نبوة.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي قال: لم يبايع أبي الحجاج. لما قتل ابن الزبير بعث الحجاج إليه فجاء فقال: قد قتل الله عدو الله. فقال ابن الحنفية: إذا بايع الناس بايعت. قال: والله لأقتلنك! قال: أولا تدري أن لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة
стр. 1511
في كل لحظة ثلاثمائة وستون قضية؟ فلعله يكفيناك في قضية من قضاياه.
قال فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك فأتاه كتابه فأعجبه. وكتب به إلى صاحب الروم. وذلك أن صاحب الروم كتب إليه يهدده أنه قد جمع له جموعا كثيرة.
فكتب عبد الملك بذلك الكلام إلى صاحب الروم. وكتب: قد عرفنا أن محمدا ليس عنده خلاف وهو يأتيك ويبايعك فارفق به. فلما اجتمع الناس على عبد الملك وبايع ابن عمر قال ابن عمر لابن الحنفية: ما بقي شيء فبايع. فكتب ابن الحنفية إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من محمد بن علي. أما بعد فإني لما رأيت الأمة قد اختلفت اعتزلتهم. فلما أفضى هذا الأمر إليك وبايعك الناس كنت كرجل منهم أدخل في صالح ما دخلوا فيه. فقد بايعتك وبايعت الحجاج لك وبعثت إليك ببيعتي. ورأيت الناس قد اجتمعوا عليك.
ونحن نحب أن تؤمننا وتعطينا ميثاقا على الوفاء فإن الغدر لا خير فيه. فإن أبيت فإن أرض الله واسعة. فلما قرأ عبد الملك الكتاب قال قبيصة بن ذؤيب وروح بن زنباع:
ما لك عليه سبيل. ولو أراد فتقا لقدر عليه. ولقد سلم وبايع فنرى أن تكتب إليه بالعهد والميثاق بالأمان له والعهد لأصحابه. ففعل فكتب إليه عبد الملك: إنك عندنا محمود. أنت أحب وأقرب بنا رحما من ابن الزبير. فلك العهد والميثاق وذمة رسوله أن لا تهاج ولا أحد من أصحابك بشيء تكرهه. ارجع إلى بلدك واذهب حيث شئت.
ولست أدع صلتك وعونك ما حييت. وكتب إلى الحجاج يأمره بحسن جواره وإكرامه.
فرجع ابن الحنفية إلى المدينة.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك يستأذنه في الوفود عليه. فكتب إليه عبد الملك يأذن له في أن يقدم عليه.
فوفد عليه سنة ثمان وسبعين وهي السنة التي مات فيها جابر بن عبد الله. فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه. وأمر أن يجرى عليه نزل يكفيه ويكفي من معه. وكان يدخل على عبد الملك في إذن العامة. إذا أذن عبد الملك بدأ بأهل بيته ثم أذن له فسلم. فمره يجلس ومرة ينصرف. فلما مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلم عبد الملك خاليا فذكر قرابته ورحمه وذكر دينا عليه فوعده عبد الملك أن يقضي دينه وأن يصل رحمه وأمره أن يرفع حوائجه. فرفع محمد دينه
стр. 1512
وحوائجه وفرائض لولده ولغيرهم من حامته ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كله وتعسر عليه في الموالي أن يفرض لهم وألح عليه محمد ففرض لهم فقصر بهم فكلمه فرفع في فرائضهم. فلم يبق له حاجة إلا قضاها. واستأذنه في الانصراف فأذن له.
أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال ابن الحنفية: وفدت على عبد الملك فقضى حوائجي وودعته. فلما كدت أن أتوارى من عينيه ناداني: أبا القاسم أبا القاسم! فكررت فقال لي: أما تعلم أن الله يعلم أنك يوم تصنع بالشيخ ما تصنع ظالم له؟ يعني حين أخذ ابن الحنفية مروان بن الحكم يوم الدار فدعثه بردائه. قال عبد الملك: وأنا أنظر إليه ولي يومئذ ذؤابة.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن عبيدة عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: وفدت مع أبان بن عثمان على عبد الملك بن مروان وعنده ابن الحنفية. فدعا عبد الملك بسيف النبي ﷺ فأتي به ودعا بصيقل فنظر إليه فقال: ما رأيت حديدة قط أجود منها. قال عبد الملك: ولا والله ما أرى الناس مثل صاحبها. يا محمد هب لي هذا السيف. فقال محمد: أينا رأيت أحق به فليأخذه. قال عبد الملك: إن كان لك قرابة فلكل قرابة وحق. قال فأعطاه محمد عبد الملك وقال:
يا أمير المؤمنين إن هذا. يعني الحجاج وهو عنده. قد آذاني واستخف بحقي. ولو كانت خمسة دراهم أرسل إلي فيها. فقال عبد الملك: لا أمره لك عليه. فلما ولي محمد قال عبد الملك للحجاج: أدركه فسل سخيمته. فأدركه فقال: إن أمير المؤمنين أرسلني إليك لأسل سخيمتك ولا مرحبا بشيء ساءك. فقال محمد: ويحك يا حجاج اتق الله واحذر الله. ما من صباح يصبحه العباد إلا لله في كل عبد من عباده ثلاثمائة وستون لحظة إن أخذ أخذ بمقدرة وإن عفا عفا بحلم. فاحذر الله. فقال له الحجاج:
لا تسألني شيئا إلا أعطيتكه. فقال له محمد: وتفعل؟ قال له الحجاج: نعم. قال:
فإني أسألك صرم الدهر. قال فذكر الحجاج ذلك لعبد الملك. فأرسل عبد الملك إلى رأس الجالوت فذكر له الذي قال محمد وقال: إن رجلا منا ذكر حديثا ما سمعناه إلا منه. وأخبره بقول محمد. فقال رأس الجالوت: ما خرجت هذه الكلمة إلا من بيت نبوة.
أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أن الحجاج أراد
стр. 1513
أن يضع رجله على المقام فزجره ابن الحنفية ونهاه.
أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد قال: رأيت محمد ابن الحنفية دخل الكعبة فصلى في كل زاوية ركعتين. ثماني ركعات.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا سفيان قال: قال محمد ابن الحنفية: لا تذهب الدنيا حتى تكون خصومات الناس في ربهم.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك قال: رأيت ابن الحنفية يرمي الجمار على برذون أشهب.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد قال: حدثني سفيان التمار قال: رأيت محمد ابن الحنفية موسعا رأسه بالحناء والكتم يوم التروية وهو محرم.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل قال: حدثني ثوير قال: رأيت محمد ابن الحنفية يخضب بالحناء والكتم.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني مروان بن معاوية عن سفيان التمار قال:
رأيت ابن الحنفية أشعر بدنه في الشق الأيمن.
أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: حدثنا سفيان عن سليمان الشيباني قال: رأيت على محمد ابن الحنفية مطرف خز أصفر بعرفة.
أخبرنا أبو معاوية الضرير عن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيت على ابن الحنفية مطرف خز بعرفات.
أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن رشدين قال: رأيت محمد ابن الحنفية يعتم بعمامة سوداء حرقانية ويرخيها شبرا أو أقل من شبر.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت على محمد ابن الحنفية عمامة سوداء.
أخبرنا القاسم بن مالك المزني عن نصر بن أوس قال: رأيت على محمد بن علي ابن الحنفية ملحفة صفراء وسخة.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي
стр. 1514
إدريس قال: قال لي محمد ابن الحنفية: ما منعك أن تلبس الخز فإنه لا بأس به؟
قلت: إنه يجعل فيه الحرير.
أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالا: حدثنا إسرائيل عن عبد العزيز بن حكيم عن أبي إدريس قال: رأيت ابن الحنفية يخضب بالحناء والكتم فقلت له: أكان علي يخضب؟ قال: لا. قلت: فما لك؟ قال: أتشبب به للنساء.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو نعيم الخزاز قال: سمعت صالح بن ميسم قال: رأيت في يد محمد بن علي ابن الحنفية أثر الحناء فقلت له: ما هذا؟ فقال: كنت أخضب أمي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي يعلى عن محمد ابن الحنفية أنه كان يذوب أمه ويمشطها.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: رأيت محمد ابن الحنفية مخضوبا بالحناء. ورأيته مكحول العينين. ورأيت عليه عمامة سوداء.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن قال: أرسلني أبي إلى محمد ابن الحنفية فدخلت عليه وهو مكحل العينين مصبوغ اللحية بحمرة فرجعت إلى أبي فقلت: أرسلتني إلى شيخ مخنث! فقال: يا ابن اللخناء ذاك محمد بن علي.
أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا فطر بن خليفة عن منذر الثوري عن ابن الحنفية أنه كان يشرب نبيذ الدن.
أخبرنا محمد بن الصلت قال: حدثنا ربيع بن المنذر عن أبيه قال: كنا مع ابن الحنفية فأراد أن يتوضأ وعليه خفان فنزع خفيه ومسح على قدميه.
أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي عن إسماعيل الأزرق عن أبي عمر أن ابن الحنفية كان يغتسل في العيدين وفي الجمعة وفي الشعب. قال وكان يغسل أثر المحاجم.
أخبرنا يعلى بن عبيد قال: أخبرنا رشدين بن كريب قال: رأيت ابن الحنفية يتختم في يساره.
стр. 1515
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا علي بن عمر بن علي بن حسين عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت ابن الحنفية سنة إحدى وثمانين يقول: هذه لي خمس وستون سنة قد جاوزت سن أبي. توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. ومات ابن الحنفية في تلك السنة. سنة إحدى وثمانين.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا زيد بن السائب قال: سألت أبا هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية: أين دفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أي سنة؟ قال:
سنة إحدى وثمانين في أولها. وهو يومئذ ابن خمس وستين سنة لا يستكملها.
أخبرنا محمد بن سعد. ولا نعلمه روى عن عمر شيئا.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني زيد بن السائب قال: سمعت أبا هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية يقول وأشار إلى ناحية من البقيع فقال: هذا قبر أبي القاسم. يعني أباه. مات في المحرم في سنة إحدى وثمانين. وهي سنة الجحاف.
سيل أصاب أهل مكة جحف الحاج. قال فلما وضعناه في البقيع جاء أبان بن عثمان بن عفان وهو الوالي يومئذ على المدينة لعبد الملك بن مروان ليصلي عليه فقال: أخي ما ترى؟ فقلت: لا يصلي عليه أبان إلا أن يطلب ذلك إلينا. فقال أبان:
أنتم أولى بجنازتكم. من شئتم فقدموا من يصلي عليه. فقلنا: تقدم فصل. فتقدم فصلى عليه.
قال محمد بن عمر: فحدثت زيد بن السائب فقلت إن عبد الملك بن وهب أخبرني عن سليمان بن عبد الله عن عويمر الأسلمي أن أبا هاشم قال يومئذ: نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذلك ما قدمناك.
فقال زيد بن السائب: هكذا سمعت أبا هاشم يقول. فتقدم فصلى عليه.
٦٨١ - عمر الأكبر ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
وأمه الصهباء وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. وكانت سبية أصابها خالد بن الوليد حيث أغار على بني تغلب بناحية
стр. 1516
عين التمر. فولد عمر بن علي محمدا وأم موسى وأم حبيب وأمهم أسماء بنت عقيل بن أبي طالب. وقد روى عمر الحديث وكان في ولده عدة يحدث عنهم فذكرناهم في مواضعهم وطبقتهم.
٦٨٢ - عبيد الله بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي
وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان عبيد الله بن علي قدم من الحجاز على المختار بالكوفة وسأله فلم يعطه وقال: أقدمت بكتاب من المهدى؟ قال: لا. فحبسه أياما ثم خلى سبيله وقال: اخرج عنا. فخرج إلى مصعب بن الزبير بالبصرة هاربا من المختار فنزل على خاله نعيم بن مسعود التميمي ثم النهشلي وأمر له مصعب بمائة ألف درهم. ثم أمر مصعب بن الزبير الناس بالتهيؤ لعدوهم ووقت للمسير وقتا. ثم عسكر ثم انقلع من معسكره ذلك واستخلف على البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر. فلما سار مصعب تخلف عبيد الله بن علي بن أبي طالب في أخواله وسار خاله نعيم بن مسعود مع مصعب.
فلما فصل مصعب من البصرة جاءت بنو سعد بن زيد مناة بن تميم إلى عبيد الله بن علي فقالوا: نحن أيضا أخوالك ولنا فيك نصيب فتحول إلينا فإنا نحب كرامتك. قال:
نعم. فتحول إليهم فأنزلوه وسطهم وبايعوا له بالخلافة وهو كاره يقول: يا قوم لا تعجلوا ولا تفعلوا هذا الأمر. فأبوا فبلغ ذلك مصعبا فكتب إلى عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر يعجزه ويخبره غفلته عن عبيد الله بن علي وعما أحدثوا من البيعة له. ثم دعا مصعب خاله نعيم بن مسعود فقال: لقد كنت مكرما لك محسنا فيما بيني وبينك فما حملك على ما فعلت في ابن أختك وتخلفه بالبصرة يؤلب الناس ويخدعهم؟ فحلف بالله ما فعل وما علم من قصته هذه بحرف واحد. فقبل منه مصعب وصدقه. وقال مصعب: قد كتبت إلى عبيد الله ألومه في غفلته عن هذا. فقال نعيم بن مسعود: فلا يهيجه أحد أنا أكفيك أمره وأقدم به عليك. فسار نعيم حتى أتى البصرة فاجتمعت بنو حنظلة وبنو عمرو بن تميم فسار بهم حتى أتى بني سعد فقال: والله ما كان لكم في هذا الأمر الذي صنعتم خير وما أردتم إلا هلاك تميم كلها فادفعوا إلى ابن أختي. فتلاوموا ساعة ثم دفعوه إليه فخرج حتى قدم به على مصعب فقال: يا أخي ما حملك على الذي صنعت؟ فحلف عبيد الله بالله ما أراد ذلك ولا كان له به علم حتى
стр. 1517
فعلوه. ولقد كرهت ذلك وأبيته. فصدقه مصعب وقبل منه. وأمر مصعب بن الزبير صاحب مقدمته عبادا الحبطي أن يسير إلى جمع المختار فسار فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب فنزلوا المذار. وتقدم جيش المختار فنزلوا بإزائهم فبيتهم أصحاب مصعب بن الزبير فقتلوا ذلك الجيش فلم يفلت منهم إلا الشريد.
وقتل عبيد الله بن علي بن أبي طالب تلك الليلة.
٦٨٣ - سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة.
وأمه أم سعيد بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي.
فولد سعيد بن المسيب محمدا وسعيدا وإلياس وأم عثمان وأم عمرو وفاختة وأمهم أم حبيب بنت أبي كريم بن عامر بن عبد ذي الشرى ابن عتاب بن أبي صعب بن فهم بن ثعلبة بن سليم بن غانم بن دوس. ومريم وأمها أم ولد.
قال: أخبرنا المعلى بن أسد قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار عن علي بن زيد قال: حدثني سعيد بن المسيب بن حزن أن جده حزنا أتى النبي ﷺ فقال:، ما اسمك؟، قال: أنا حزن. قال:، بل أنت سهل،. قال: يا رسول الله اسم سماني به أبواي فعرفت به في الناس. قال فسكت عنه النبي ﵇. قال فقال سعيد بن المسيب: ما زلنا نعرف الحزونة فينا أهل البيت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن
стр. 1518
علي بن زيد قال: ولد سعيد بن المسيب بعد أن استخلف عمر بأربع سنين ومات وهو ابن أربع وثمانين سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: ولد سعيد قبل موت عمر بسنتين ومات ابن اثنتين وسبعين سنة.
قال محمد بن عمر: والذي رأيت عليه الناس في مولد سعيد بن المسيب أنه ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر. ويروى أنه سمع من عمر. ولم أر أهل العلم يصححون ذلك وإن كانوا قد رووه.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب. وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن طريف عن حميد بن يعقوب سمع سعيد بن المسيب قال: سمعت من عمر كلمة ما بقي أحد حي سمعها غيري. كان عمر حين رأى الكعبة قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام.
قال: أخبرنا أسباط بن محمد عن أبي إسحاق الشيباني عن بكير بن أخنس عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر على المنبر وهو يقول: لا أجد أحدا جامع فلم يغتسل أنزل أو لم ينزل إلا عاقبته.
قال: وقال الحسن بن موسى عن ابن لهيعة قال: حدثنا بكير بن الأشج قال:
سئل سعيد بن المسيب هل أدركت عمر بن الخطاب؟ فقال: لا.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دكين ومحمد بن عبد الله الأسدي قالوا: حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب قال: ما بقي أحدا أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وعمر مني.
قال يزيد قال مسعر: وأحسبه قال وعثمان ومعاوية.
قال: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي من بني عامر بن لؤي قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: ما بقي أحدا أعلم بكل قضاء
стр. 1519
قضاه رسول الله ﷺ وكل قضاء قضاه أبو بكر وكل قضاء قضاه عمر. قال أبي:
وأحسب أنه قال وكل قضاء قضاه عثمان. مني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني هشام بن سعد قال: سمعت الزهري يقول. وسأله سائل عمن أخذ سعيد بن المسيب علمه. فقال: عن زيد بن ثابت.
وجالس سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر ودخل على أزواج النبي عائشة وأم سلمة. وكان قد سمع من عثمان بن عفان وعلي وصهيب ومحمد بن مسلمة. وجل روايته المسندة عن أبي هريرة. وكان زوج ابنته. وسمع من أصحاب عمر وعثمان.
وكان يقال ليس أحد أعلم بكل ما قضى به عمر وعثمان منه.
قال: وأخبرت عن ليث بن سعد ومالك بن أنس عن يحيى بن سعيد قال: كان يقال ابن المسيب راوية عمر. قال ليث: لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا قدامة بن موسى الجمحي قال: كان سعيد بن المسيب يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا جارية بن أبي عمران أنه سمع محمد بن يحيى بن حبان يقول: كان رأس من بالمدينة في دهره المقدم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيب. ويقال فقيه الفقهاء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ثور بن يزيد عن مكحول قال: سعيد بن المسيب عالم العلماء.
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال: قال مكحول: ما حدثتكم به فهو عن سعيد بن المسيب والشعبي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي ذئب عن ابن أبي الحويرث أنه شهد محمد بن جبير بن مطعم يستفتي سعيد بن المسيب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو مروان عن أبي جعفر قال: سمعت أبي علي بن حسين يقول: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار وأفقههم في رأيه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: أخبرني
стр. 1520
ميمون بن مهران قال: أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب فسألته.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمر بن الوليد الشني عن شهاب بن عباد العصري قال: حججت فأتينا المدينة فسألنا عن أعلم أهل المدينة فقالوا:
سعيد بن المسيب.
قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضاه حتى يسأل سعيد بن المسيب. فأرسل إليه إنسانا يسأله فدعاه فجاءه حتى دخل فقال عمر: أخطأ الرسول. إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
قال: أخبرنا معن بن عيسى عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه وأوتي بما عند سعيد بن المسيب.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي عن سلام بن مسكين قال: حدثني عمران بن عبد الله الخزاعي قال: سألني سعيد بن المسيب فانتسبت له فقال: لقد جلس أبوك إلي في خلافة معاوية فسألني عن كذا وكذا فقلت له كذا وكذا.
قال سلام يقول عمران: والله ما أراه مر على أذنه شيء قط إلا وعاه قلبه. يعني سعيد بن المسيب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيب: لا. حتى يجتمع الناس. فضربه ستين سوطا. فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد. دعه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سمعت عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال: كان جابر بن الأسود وهو عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوج الخامسة قبل أن تنقضي عدة الرابعة. فلما ضرب سعيد بن المسيب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله ما ربعت على كتاب الله. يقول الله: «أنكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ». وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة. وما هي إلا ليال فاصنع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيرا حتى قتل ابن الزبير.
стр. 1521
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا موسى بن يعقوب عن الوليد بن عمرو بن مسافع العامري عن عمر بن حبيب بن قليع قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت على الأشياء ورهقني دين. فجلست إلى ابن المسيب ما أدري أين أذهب. فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد إني رأيت رؤيا. قال: ما هي؟ قال:
رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان فاضجعته إلى الأرض ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيتها. قال: بلى أنا رأيتها. قال: لا أخبرك أو تخبرني. قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك. قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة. قال فدخلت إلى عبد الملك بن مروان بالشام فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيب فسره وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته. وأمر لي بقضاء ديني وأصبت منه خيرا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الحكم بن القاسم عن إسماعيل بن أبي حكيم قال: قال رجل رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في قبلة مسجد النبي أربع مرار. فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: إن صدقت رؤياك قام فيه من صلبه أربعة خلفاء.
قال محمد بن عمر: وكان سعيد بن المسيب من أعبر الناس للرؤيا وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر وأخذته أسماء عن أبيها أبي بكر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد السلام بن حفص عن شريك بن أبي نمر قال: قلت لابن المسيب رأيت في النوم كأن أسناني سقطت في يدي ثم دفنتها. فقال ابن المسيب: إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي ذئب عن مسلم الخياط قال:
قال رجل لابن المسيب إني أراني أبول في يدي. فقال: اتق الله فإن تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع. وجاءه آخر فقال: يا أبا محمد إني أرى كأني أبول في أصل زيتونة. قال: انظر من تحتك. تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة لا يحل له نكاحها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن مسلم الخياط عن ابن المسيب قال: قال له رجل إني رأيت حمامة وقعت على المنارة منارة المسجد. فقال:
стр. 1522
يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن مسلم الخياط قال:
جاء رجل إلى ابن المسيب فقال إني أرى أن تيسا أقبل يشتد من الثنية. فقال: اذبح اذبح. قال: ذبحت. قال: مات ابن أم صلاء. فما برح حتى جاءه الخبر أنه قد مات.
قال محمد بن عمر: وكان ابن أم صلاء رجلا من موالي أهل المدينة يسعى بالناس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب رجل من القارة قال: قال رجل من فهم لابن المسيب أنه يرى في النوم كأنه يخوض النار. فقال: إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلا. قال فركب البحر فأشفى على الهلكة وقتل يوم قديد بالسيف.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن يعقوب عن الحصين بن عبيد الله بن نوفل من بني نوفل بن عدي بن خويلد بن أسد بن عبد العزى قال: طلبت الولد فلم يولد لي فقلت لابن المسيب إني أرى أنه طرح في حجري بيض. فقال ابن المسيب: الدجاج عجمي فاطلب سببا إلى العجم. قال فتسريت فولد لي وكان لا يولد لي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عثيم بن نسطاس قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول للرجل إذا رأى الرؤيا وقصها عليه يقول: خيرا رأيت.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد السلام بن حفص عن شريك بن أبي نمر عن ابن المسيب قال: التمر في النوم رزق على كل حال والرطب في زمانه رزق.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا صالح بن خوات عن ابن المسيب قال:
آخر الرؤيا أربعون سنة. يعني في تأويلها.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن مسلم الخياط عن ابن المسيب قال: الكبل في النوم ثبات في الدين. قال وقال له رجل: يا أبا محمد إني رأيت كأني جالس في الظل فقمت إلى الشمس. فقال ابن المسيب: والله لئن صدقت رؤياك لتخرجن من الإسلام. قال: يا أبا محمد إني أراني أخرجت حتى أدخلت في
стр. 1523
الشمس فخسلت. قال: تكره على الكفر. قال فخرج في زمان عبد الملك بن مروان فأسر فأكره على الكفر فرجع ثم قدم المدينة وكان يخبر بهذا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر في جمادى سنة أربع وثمانين فعقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان. وعامله يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي. فدعا الناس إلى البيعة لهما. فبايع الناس.
ودعا سعيد بن المسيب أن يبايع لهما فأبى وقال: حتى أنظر. فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطا وطاف به في تبان من شعر حتى بلغ به رأس الثنية. فلما كروا به قال: أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن. قال: والله لولا أني ظننت أنه الصلب ما لبست هذا التبان أبدا. فردوه إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه وما كان من أمره. فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه. وأنا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن المسور بن رفاعة قال: دخل قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بن مروان بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنه ضرب سعيدا وطاف به. قال قبيصة: يا أمير المؤمنين يفتات عليك هشام بمثل هذا. يضرب ابن المسيب ويطوف به. والله لا يكون سعيد أبدا أمحل ولا ألج منه حين يضرب. سعيد لو لم يبايع ما كان يكون منه. ما سعيد ممن يخاف فتقه ولا غوائله على الإسلام واهله. وإنه لمن أهل الجماعة والسنة. وقال قبيصة: اكتب إليه يا أمير المؤمنين في ذلك. فقال عبد الملك: اكتب أنت إليه عنك تخبره برأيي فيه وما خالفني من ضرب هشام إياه. فكتب قبيصة إلى سعيد بذلك.
فقال سعيد حين قرأ الكتاب: الله بيني وبين من ظلمني.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي قال: دخلت على سعيد بن المسيب السجن فإذا هو قد ذبحت له شاة فجعل الإهاب على ظهره ثم جعلوا له بعد ذلك قضبا رطبا. وكان كلما نظر إلى عضديه قال: اللهم انصرني من هشام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني طلحة بن محمد عن أبيه قال: دخل على سعيد بن المسيب السجن أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فجعل
стр. 1524
يكلم سعيدا ويقول له: أمك خرقت به. فقال: يا أبا بكر اتق الله وآثره على ما سواه.
قال فجعل أبو بكر يردد عليه: إنك خرقت به ولم ترفق. فجعل سعيد يقول: إنك والله أعمى البصر أعمى القلب. قال فخرج أبو بكر من عنده وأرسل إليه هشام بن إسماعيل فقال: هل لان سعيد بن المسيب منذ ضربناه؟ فقال أبو بكر: والله ما كان أشد لسانا منه منذ فعلت به ما فعلت فاكفف عن الرجل. وجاء هشام بن إسماعيل كتاب من عبد الملك بن مروان يلومه في ضربه سعيد بن المسيب ويقول: ما ضرك لو تركت سعيدا ووطئت ما قال؟ وندم هشام بن إسماعيل على ما صنع بسعيد فخلى سبيله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أسلم أبو أمية مولى بني مخروم وكان ثقة قال: صنعت ابنة سعيد بن المسيب طعاما كثيرا حين حبس فبعثت به إليه. فلما جاء الطعام دعاني سعيد فقال: اذهب إلى ابنتي فقل لها لا تعودي لمثل هذا أبدا.
فهذه حاجة هشام بن إسماعيل يريد أن يذهب مالي فأحتاج إلى ما في أيديهم. وأنا لا أدري ما أحبس. فانظري إلى القوت الذي كنت آكل في بيتي فابعثي إلي به. فكانت تبعث إليه بذلك. وكان يصوم الدهر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا عمران بن عبد الله الخزاعي قال: إني أرى أن نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذباب.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرنا أبو المليح قال: حدثني غير واحد أن عبد الملك بن مروان ضرب سعيد بن المسيب خمسين سوطا وأقامه بالحرة وألبسه تبان شعر. قال فقال سعيد: أما والله لو علمت أنهم لا يزيدونني على الضرب ما لبست لهم التبان. إنما تخوفت أن يقتلوني فقلت: تبان أستر من غيره.
قال محمد بن عمر: معنى هذا الحديث أنه ضرب في خلافة عبد الملك بن مروان.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن رجل من آل عمر قال: قيل لسعيد بن المسيب ادع على بني أمية. فقال: اللهم أعز دينك وأظهر أولياءك وأخز أعداءك في عافية لأمة محمد ﷺ .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن
стр. 1525
زيد قال: قلت لسعيد بن المسيب يزعم قومك أن ما منعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على ابن مروان. قال: ما فعلت وما أصلي صلاة إلا دعوت الله عليهم. وإني قد حججت واعتمرت بضعا وعشرين سنة. وإنما كتبت على حجة واحدة وعمرة. وإني أرى ناسا من قومك يستدينون فيحجون ويعتمرون ثم يموتون ولا يقضى عنهم. ولجمعة أحب إلي من حج أو عمرة تطوعا.
قال علي: فأخبرت بذلك الحسن فقال: ما قال شيئا. لو كان كما قال ما حج أصحاب رسول الله ﷺ ولا اعتمروا.
قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عن أبي يونس القزي قال:
دخلت مسجد المدينة فإذا سعيد جالس وحده فقلت: ما شأنه؟ قال: نهى أن يجالسه أحد.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا عمران قال: كان لسعيد بن المسيب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفا عطاءه. فكان يدعى إليها فيأبى ويقول: لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد أنه قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ قال: والله لا أدري إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلى صلاة فجعل لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفا من حصى فحصبته بها. زعم أن الحجاج قال: ما زلت بعد ذلك أحسن الصلاة.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله بن طلحة بن خلف الخزاعي قال: حج عبد الملك بن مروان فلما قدم المدينة فوقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلا يدعوه ولا يحركه. قال فأتاه الرسول وقال: أمير المؤمنين واقف بالباب يريد أن يكلمك. فقال: ما لأمير المؤمنين إلي حاجة وما لي إليه حاجة وإن حاجته إلي لغير مقضية. قال فرجع الرسول إليه فأخبره فقال: ارجع إليه فقل إنما أريد أن أكلمك. ولا تحركه. قال فرجع إليه فقال له: أجب أمير المؤمنين. فقال له سعيد ما قال له أولا.
قال فقال له الرسول: لولا أنه تقدم إلي فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك. يرسل إليك
стр. 1526
أمير المؤمنين يكلمك تقول مثل هذه المقالة؟ فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرا فهو لك وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوتي حتى يقضي ما هو قاض. فأتاه فأخبره فقال: رحم الله أبا محمد. أبى إلا صلابة.
قال عمرو بن عاصم في حديثه هذا الإسناد قال: فلما استخلف الوليد بن عبد الملك قدم المدينة فدخل المسجد فرأى شيخا قد اجتمع الناس عليه فقال: من هذا؟ فقالوا: سعيد بن المسيب. فلما جلس أرسل إليه فأتاه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: لعلك أخطأت باسمي أو لعله أرسلك إلى غيري. قال فأتاه الرسول فأخبره فغضب وهم به. قال وفي الناس يومئذ بقية فأقبل عليه جلساؤه فقالوا: يا أمير المؤمنين. فقيه أهل المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه.
قال فما زالوا به حتى أضرب عنه.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: أخبرنا ميمون بن مهران قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرنا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة واستيقظ. فقال لحاجبه: انظر هل في المسجد أحد من حداثنا من أهل المدينة؟ قال فخرج فإذا سعيد بن المسيب في حلقة له. فقام حيث ينظر إليه ثم غمزه وأشار إليه بإصبعه. ثم ولى. فلم يتحرك سعيد ولم يتبعه فقال: أراه فطن. فجاء فدنا منه ثم غمزه وأشار إليه وقال: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: استيقظ أمير المؤمنين فقال انظر في المسجد أحد من حداثي. فأجب أمير المؤمنين. فقال: أرسلك إلي؟ قال: لا ولكن قال اذهب فانظر بعض حداثنا من أهل المدينة. فلم أر أحدا أهيأ منك. فقال سعيد: اذهب فأعلمه أني لست من حداثة. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونا. فأتى عبد الملك فقال له: ما وجدت في المسجد إلا شيخا أشرت إليه فلم يقم فقلت له إن أمير المؤمنين قال انظر هل ترى في المسجد أحدا من حداثي. فقال إني لست من حداث أمير المؤمنين. وقال لي أعلمه. فقال عبد الملك: ذاك سعيد بن المسيب فدعه.
قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا داود بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الله قال: كان سعيد بن المسيب إذا سئل عن هؤلاء القوم قال: أقول فيهم ما قولني ربي: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا» الحشر: ١٠. حتى يتم الآية.
стр. 1527
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا عثمان بن حكيم قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما سمعت تأذينا في أهلي منذ ثلاثين سنة.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال: ما لقيت الناس منصرفين من صلاة منذ أربعين سنة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: حدثنا سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال. ما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم.
قال عمران: وكان سعيد يكثر الاختلاف إلى السوق.
قال: أخبرنا معن بن عيسى القزاز قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: قلت له لو تبديت. وذكرت له البادية وعيشها والعتم. فقال سعيد. كيف بشهود العتمة؟
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: حدثنا سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب: ما أظلني بيت بالمدينة بعد منزلي إلا أني آتي ابنة لي فأسلم عليها أحيانا.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثني جعفر بن برقان قال: حدثنا ميمون بن مهران قال: بلغني أن سعيد بن المسيب عمر أربعين سنة لم يأت المسجد فيجد اهله قد استقبلوه خارجين منه قد قضوا صلاتهم.
قال: أخبرنا شهاب بن عباد العبدي قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن عن بشر بن عاصم قال: قلت لسعيد يا عمي ألا تخرج فتأكل الثوم مع قومك؟ فقال: معاذ الله يا ابن أخي أن أدع خمسا وعشرين صلاة خمس صلوات. وقد سمعت كعبا يقول وددت أن هذا اللبن عاد قطرانا يتبع. أو اتبعت. قريش. شك شهاب. أذناب الإبل في هذه الشعاب. إن الشيطان مع الشاذ وهو من الاثنين أبعد.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال: أخبرنا عطاف بن خالد عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه اشتكى عينه فقالوا له: لو خرجت يا أبا محمد
стр. 1528
إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة. قال: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح؟
قال: أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي قال: أخبرنا عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لقد رأيتني ليالي الحرة وما في المسجد أحد من خلق الله غيري. وإن أهل الشام ليدخلون زمرا زمرا يقولون:
انظروا إلى هذا الشيخ المجنون. وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت أذانا في القبر ثم تقدمت فأقمت فصليت وما في المسجد أحد غيري.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني طلحة بن محمد بن سعيد عن أبيه قال: كان سعيد بن المسيب أيام الحرة في المسجد لم يبايع ولم يبرح. وكان يصلي معهم الجمعة ويخرج إلى العيد. وكان الناس يقتتلون وينتهبون وهو في المسجد لا يبرح إلا ليلا إلى الليل. قال فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذانا يخرج من قبل القبر حتى أمن الناس وما رأيت خبرا من الجماعة.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأزرقي قال: أخبرنا عطاف بن خالد عن ابن حرملة قال: قلت لبرد مولى ابن المسيب: ما صلاة ابن المسيب في بيته؟ فأما صلاته في المسجد فقد عرفناها. فقال: والله ما أدري. أنه ليصلي صلاة كثيرة إلا أنه يقرأ ب ﷺ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا سهل بن حصين قال: أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة عن عطاء أن سعيد بن المسيب كان إذا دخل المسجد يوم الجمعة لم يتكلم كلاما حتى يفرغ من صلاته وينصرف الإمام ثم يصلي ركعات. ثم يقبل على جلسائه ويسأل.
قال: أخبرنا موسى بن حرب قال: أخبرنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال:
كان سعيد بن المسيب يسرد الصوم فكان إذا غابت الشمس أتي بشراب له من منزله المسجد فشربه.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العباس الأسدي قال: كان سعيد بن المسيب يذكر ويخوف.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العباس قال: سمعت ابن
стр. 1529
المسيب يقرأ القرآن بالليل على راحلته فيكثر.
قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا عاصم قال: سمعت سعيد بن المسيب يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم قال: كان سعيد بن المسيب يحب أن يسمع الشعر ولا ينشده.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم قال: رأيت سعيد بن المسيب يحتفي يمشي بالنهار حافيا. ورأيت عليه بتا.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا عاصم قال: رأيت سعيد بن المسيب لا يدع ظفره يطول. ورأيت سعيدا يحفي شاربه شبيها بالحلق. ورأيته يصافح كل من لقيه. ورأيت سعيدا يكره كثرة الضحك. ورأيت سعيدا يتوضأ كلما بال وإذا توضأ شبك بين أصابعه.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستحب أن يسمي ولده بأسماء الأنبياء.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد قال:
كان سعيد بن المسيب يصلي التطوع في رحله.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد قال:
كان سعيد بن المسيب يلبس ملاء شرقية.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثني سلام بن مسكين قال: حدثني عمران قال: ما أحصي ما رأيت على سعيد بن المسيب من عدة قمص الهروي. قال وكان يلبس هذه البرود الغالية البيض. قال وكان يختلط في العيدين يوم الفطر والنحر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا عمران بن عبد الله الخزاعي قال: كان سعيد بن المسيب لا يخاصم أحدا ولو أراد إنسان رداءه رمى به إليه.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا أبان. يعني ابن يزيد. قال: أخبرنا قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن الصلاة على الطنفسة فقال: محدث.
стр. 1530
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب قال: حدثتني غنيمة جارية سعيد قالت: كان سعيد لا يأذن لابنته في اللعب ببنات العاج. وكان يرخص لها في الكبر. يعني الطبل.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم قال: أخبرنا هشام عن قتادة قال: دعي سعيد بن المسيب فأجاب. ثم دعي فأجاب. ثم دعي الثالثة فحصب الرسول.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: أخبرنا محمد بن هلال عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم تقع فيه الأيمان.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: أخبرنا أبي عن عبد الرحمن بن حرملة أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت رجلا سكران أفتراه يسعني ألا أرفعه إلى السلطان؟ فقال له سعيد: إن استطعت أن تستره بثوبك فاستره.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي قال: كان في رمضان يؤتى بالأشربة في مسجد النبي ﵇. فليس أحد يطمع أن يأتي سعيد بن المسيب بشراب فيشربه. فإن أتي من منزله بشراب شربة وإن لم يؤت من منزله بشيء لم يشرب شيئا حتى ينصرف.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن بعض المدينيين عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد في الأرض.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه كان يصلي محتبيا فإذا أراد أن يسجد حل حبوته فسجد ثم عاد فاحتبى.
قال: أخبرنا مطرف بن عبد الله اليساري قال: حدثنا مالك بن أنس قال: قال برد مولى ابن المسيب لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء. قال سعيد:
وما يصنعون؟ قال: يصلي أحدهم الظهر ثم لا يزال صافا رجليه يصلي حتى العصر.
فقال سعيد: ويحك يا برد! أما والله ما هي بالعبادة. تدري ما العبادة؟ إنما العبادة التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبو هلال قال:
أخبرنا الحكم بن أبي إسحاق قال: كنت جالسا إلى سعيد بن المسيب فقال لمولى
стр. 1531
له: اتق لا تكذب علي كما كذب مولى ابن عباس على ابن عباس. فقلت لمولاه:
ذاك أني لا أدري ابن الزبير أحب إلى أبي محمد أو أهل الشام. قال فسمعها سعيد فقال: يا عراقي أيهما أحب إليك؟ قلت: ابن الزبير أحب إلي من أهل الشام. قال:
أفلا أضبث بك الآن فأقول هذا زبيري؟ فقلت: سألتني فأخبرتك. فأخبرني أيهما أحب إليك. قال: كلا لا أحب.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالا:
حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يكثر أن يقول اللهم سلم سلم.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعارم بن الفضل قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: قد بلغت ثمانين سنة وما شيء أخوف عندي من النساء. وقد كاد بصره يذهب.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا عمران بن عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب: ما خفت على نفسي شيئا مخافة النساء. قال فقالوا: يا أبا محمد إن مثلك لا يريد النساء ولا تريده النساء. قال: هو ما أقول لكم. قال وكان شيخا كبيرا أعمش.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن المسيب أنه كان يصوم الدهر ويفطر أيام التشريق بالمدينة.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال: قلة العيال أحد اليسارين.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: حدثنا علي بن زيد قال: قال لي سعيد بن المسيب قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده. قال فانطلق فنظر فإذا رجل أسود الوجه فجاء فقال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض. فقال: إن هذا سب هؤلاء الرهط طلحة والزبير وعليا فنهيته فأبى فدعوت عليه. قال قلت: إن كنت كاذبا فسود الله وجهك. فخرجت بوجهه قرحة فأسود وجهه.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن بعض
стр. 1532
المدينيين عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن قطع الدراهم فقال: هو من الفساد في الأرض.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مطرف بن عبد الله قال: حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد قال: سئل ابن المسيب عن آية من كتاب الله فقال سعيد: لا أقول في القرآن شيئا.
قال: قال مالك: وبلغني عن القاسم مثل ذلك.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال:
حدثنا عطاف بن خالد عن ابن حرملة قال: أدرك سعيد بن المسيب رجلا من قريش ومعه مصباح في ليلة مطيرة فسلم عليه وقال: كيف أمسيت يا أبا محمد؟ قال: أحمد الله. فلما بلغ الرجل منزله دخل وقال: نبعث معك بالمصباح. قال: لا حاجة لي بنورك. نور الله أحب إلي من نورك.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال:
أخبرنا عطاف بن خالد عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب قال: لا تقولن مصيحف ولا مسيجد ولكن عظموا ما عظم الله. كل ما عظم الله فهو عظيم حسن.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال:
أخبرنا عطاف بن خالد عن ابن حرملة قال: خرجت إلى الصبح فوجدت سكران فلم أزل أجره حتى أدخلته منزلي. قال فلقيت سعيد بن المسيب فقلت: لو أن رجلا وجد سكران أيدفعه إلى السلطان فيقيم عليه الحد؟ قال فقال لي: إن استطعت أن تستره بثوبك فافعل. قال فرجعت إلى البيت فإذا الرجل قد أفاق فلما رآني عرفت فيه الحياء فقلت: أما تستحيي؟ لو أخذت البارحة لحددت فكنت في الناس مثل الميت لا تجوز لك شهادة. فقال: والله لا أعود له أبدا.
قال ابن حرملة: فرأيته قد حسنت حاله بعد.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن يسار بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أنه زوج ابنة له على درهمين من ابن أخيه.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا سلام بن
стр. 1533
مسكين قال: أخبرنا عمران بن عبد الله الخزاعي قال: زوج سعيد بن المسيب بنتا له من شاب من قريش فلما أمست قال لها: شدي عليك ثيابك واتبعيني. قال فشدت عليها ثيابها ثم قال لها: صلى ركعتين. فصلت ركعتين وصلى هو ركعتين. ثم أرسل إلى زوجها فوضع يدها في يده وقال: انطلق بها. فذهب بها إلى منزله فلما رأتها أمه قالت: من هذه؟ قال: امرأتي ابنة سعيد بن المسيب دفعها إلي. قالت: فإن وجهي من وجهك حرام إن أفضيت إليها حتى أصنع بها صالح ما يصنع بنساء قريش. قال فدفعها إلى أمه فأصلحت إليها ثم بنى بها.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن عبيد بن نسطاس قال: رأيت سعيد بن المسيب يعتم بعمامة سوداء ثم يرسلها خلفه.
ورأيت عليه إزارا وطيلسانا وخفين.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال أنه رأى سعيد بن المسيب يعتم وعليه قلنسوة لطيفة بعمامة بيضاء لها علم أحمر يرخيها وراءه شبرا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عثيم بن نسطاس قال: رأيت سعيد بن المسيب عليه عمامة سوداء.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا عثيم قال:
رأيت سعيد بن المسيب يلبس في الفطر والأضحى عمامة سوداء ويلبس عليها برنسا أحمر أرجوانا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن شعيب بن الحبحاب وعثمان بن عثمان المخزومي قالا: رأينا على سعيد بن المسيب برنس أرجوان.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي قال: رأيت سعيد بن المسيب ربما حل إزاره في الصلاة وربما ربطها.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا خالد بن إلياس قال: رأيت على سعيد بن المسيب قميصا إلى نصف ساقيه وكميه طالعة أطراف أصابعه. ورداء فوق القميصين خمس أذرع وشبرا.
стр. 1534
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا روح بن عباده قال: أخبرنا سعيد عن قتادة عن إسماعيل بن عمران قال: كان سعيد بن المسيب يلبس طيلسانا أزراره ديباج.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا همام عن قتادة عن إسماعيل أنه رأى على سعيد بن المسيب طيلسانا عليه أزرار ديباج فقلت: أزرار طيلسانك ديباج. قال: وجدناه أبقى.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا محمد بن هلال قال: لم أر سعيد بن المسيب لبس ثوبا غير البياض.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا سعيد بن مسلم قال: رأيت على سعيد بن المسيب رداء ممشقا وقميصا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا سعيد بن مسلم قال: كنت أرى سعيد بن المسيب يلبس السراويل ورأيت سعيدا له جميمة ليست بالكثيرة قد فرقها.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا سعيد بن مسلم عن عثيم بن نسطاس قال: رأيت سعيد بن المسيب شهد العتمة في سراويل ورداء.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثني إسحاق بن يحيى قال: رأيت سعيد بن المسيب وعليه إبريسمان ممشقان وقميص شقائق. تخرج يداه من كميه.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبو معشر قال:
رأيت على سعيد بن المسيب الخز.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال أنه رأى سعيد بن المسيب ليس بين عينيه أثر السجود.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت سعيد بن المسيب لا يحفي شاربه جدا يأخذ منه أخذا حسنا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: كان سعيد بن المسيب لا يخضب.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثنا محمد بن هلال
стр. 1535
قال: رأيت سعيد بن المسيب يصفر لحيته.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال:
أخبرنا أبو الغصن أنه رأى سعيد بن المسيب أبيض الرأس واللحية.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ربيعة بن عثمان قال: رأيت سعيد بن المسيب لا يغير.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا يوسف بن الغرق قال: أخبرنا هشام بن زياد أبو المقدام قال: رأيت سعيد بن المسيب يصلي في نعليه.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرت عن عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: كان عبد الله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه قال: سلوا سعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرت عن عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: أدركت الناس يهابون الكتب ولو كنا نكتب يومئذ لكتبنا من علم سعيد ورأيه شيئا كثيرا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرت عن عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب إذا مر بالمكتب قال للصبيان: هؤلاء الناس بعدنا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: رأيت سعيد بن المسيب في مرضه يصلي مضطجعا مستلقيا فيومئ برأسه إلى صدره آئما ولا يرفع إلى رأسه شيئا. وقال سعيد:
المريض إذا لم يستطع الجلوس أومأ آئما ولم يرفع إلى رأسه شيئا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض وهو يصلي الظهر وهو مستلق يومئ آئما فسمعته يقرأ ب الشَّمْسِ وَ ضُحاها.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان. يعني الثوري. عن عبد الرحمن بن حرملة قال: كنت مع سعيد بن المسيب في جنازة فقال رجل: استغفروا لها. فقال: ما يقول راجزهم. قد حرجت على أهلي أن يرجز معي
стр. 1536
راجزهم وأن يقولوا مات سعيد بن المسيب. حسبي من يقبلني إلى ربي وأن يمشوا معي بمجمر. فإن أكن طيبا فما عند الله أطيب من طيبهم.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا أبو مطيع البلخي الحكم بن عبد الله عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب بمثله.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: أوصيت أهلي إذا حضرني الموت بثلاث: ألا يتبعني راجز ولا نار وأن يعجل بي فإن يكن لي عند ربي خير فهو خير مما عندكم.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي قال: أخبرنا عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم قال: قال سعيد بن المسيب في مرضه الذي مات فيه: إذا ما مت فلا تضربوا على قبري فسطاطا. ولا تحملوني على قطيفة حمراء. ولا تتبعوني بنار. ولا تؤذنوا بي أحدا. حسبي من يبلغني ربي ولا يتبعني راجزهم هذا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال:
حدثني أبي عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي قال: اشتكى سعيد بن المسيب فاشتد وجعه فدخل عليه نافع بن جبير بن مطعم يعوده فأغمي عليه فقال نافع بن جبير بن مطعم: وجهوا فراشه إلى القبلة. ففعلوا فأفاق فقال: من أمركم أن تحولوا فراشي إلى القبلة. أنافع بن جبير أمركم؟ فقال نافع: نعم. فقال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملة لا ينفعني توجيهكم فراشي.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا الفضل بن دكين عن خالد بن إلياس عن نافع بن جبير بن مطعم قال: دخلت على سعيد بن المسيب وهو مضطجع على فراشه فقلت لمحمد ابنه: حول فراشه فاستقبل به القبلة. فقال: لا تفعل. عليها ولدت وعليها أموت وعليها أبعث إن شاء الله.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا وكيع بن الجراح والفضل بن دكين قالا:
حدثنا ابن أبي ذئب عن أخيه المغيرة بن عبد الرحمن أنه دخل مع أبيه على سعيد بن المسيب وقد أغمي عليه فوجه إلى القبلة. فلما أفاق قال: من صنع هذا بي؟ ألست
стр. 1537
امرأ مسلما وجهي إلى الله حيثما كنت؟
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن محمد بن سعيد أن سعيد بن المسيب حين ثقل عند الوفاة حرف إلى القبلة فأفاق فقال: من حول فراشي؟ فسكت القوم فقال: هذا عمل نافع بن جبير. أولست على الإسلام حيث كنت؟
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن قيس الزيات عن زرعة بن عبد الرحمن قال: شهدت سعيد بن المسيب يوم مات يقول: يا زرعة إني أشهدك على ابني محمد لا يؤذنن بي أحدا. حسبي أربعة يحملوني إلى ربي ولا تتبعني صائحة تقول في ما ليس في.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد قال: لما حضر سعيد بن المسيب الموت ترك دنانير فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلا لأصون بها حسبي وديني.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: شهدت سعيد بن المسيب يوم مات فرأيت قبره قد رش عليه الماء.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: مات سعيد بن المسيب بالمدينة سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك وهو ابن خمس وسبعين سنة. وكان يقال لهذه السنة التي مات فيها سعيد سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
قالوا: وكان سعيد بن المسيب جامعا ثقة كثير الحديث ثبتا فقيها مفتيا مأمونا ورعا عاليا رفيعا.
٦٨٤ - عبد الله بن مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب.
وأمه أم هشام آمنة بنت أبي الخيار واسمه عبد ياليل بن عبد مناف بن عامر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث. فولد عبد الله بن مطيع إسحاق لا بقية له.
ويعقوب. وأمهما ريطة بنت عبد الله بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن
стр. 1538
عمر بن مخزوم. ومحمدا وعمران وأمهما أم عبد الملك بنت عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وإبراهيم وبريهة وأمهما أم ولد. وإسماعيل وزكرياء وأمهما أم ولد. وفاطمة وأمها أم حكيم بنت عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. وأم سلمة وأم هشام وأمهما ابنة خراش بن أمية بن ربيعة بن الفضل بن منقذ بن عفيف بن كليب بن حبشية بن خزاعة. ولد عبد الله بن مطيع على عهد رسول الله ﷺ وله أموال وبئر فيما بين السقيا والأبواء تعرف ببئر ابن مطيع يردها الناس.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني العطاف بن خالد عن أمية بن محمد بن عبد الله بن مطيع أن عبد الله بن مطيع أراد أن يفر من المدينة ليالي فتنة يزيد بن معاوية فسمع بذلك عبد الله بن عمر فخرج إليه حتى جاءه قال: أين تريد يا ابن عم؟ فقال: لا أعطيهم طاعة أبدا. فقال:
يا ابن عم لا تفعل فإني أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:، من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية،.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أبي عون قال: لما خرج حسين بن علي من المدينة يريد مكة مر بابن مطيع وهو يحفر بئره. فقال له: أين. فداك أبي وأمي؟ قال: أردت مكة. … (١) وذكر له أنه كتب إليه شيعته بها فقال له ابن مطيع: إني فداك أبي وأمي. متعنا بنفسك ولا تسر إليهم.
فأبى حسين فقال له ابن مطيع: إن بئري هذه قد رشحتها وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شيء من ماء. فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة. قال: هات من مائها. فأتي من مائها في الدلو فشرب منه ثم مضمض ثم رده في البئر فأعذب وأمهى.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الله عن أبيه قال: مر حسين بن علي على ابن مطيع وهو ببئره قد أنبطها. فنزل حسين عن راحلته فاحتمله ابن مطيع احتمالا حتى وضعه على سريره ثم قال: بأبي وأمي أمسك علينا نفسك.
فو الله لئن قتلوك ليتخذنا هؤلاء القوم عبيدا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه قال: لما أجمع يزيد بن معاوية أن يبعث الجيوش إلى المدينة أيام الحرة وكلمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
стр. 1539
فيهم ورققه عليهم وقال: إنما تقتل بهم نفسك. قال له: فأنا أبعث أول جيش وآمرهم أن يمروا بالمدينة إلى ابن الزبير فإنه قد نصب لنا الحرب ويجعلونها طريقا ولا يقاتلهم فإن أقر أهل المدينة بالسمع والطاعة تركهم وجاز إلى ابن الزبير. وإن أبوا أن يقروا قاتلهم. قال عبد الله بن جعفر: فرأيت هذا فرجا عظيما. فكتب إلى ثلاثة نفر من قريش: عبد الله بن مطيع وإبراهيم بن نعيم النحام وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة. وكان أهل المدينة قد صيروا أمرهم إلى هؤلاء. يخبرهم بذلك ويقول:
استقبلوا ما سلف وأغنموا السلامة والأمن ولا تعرضوا لجنده ودعوهم يمضون عنكم.
فأبوا أن يفعلوا ذلك وقالوا: لا يدخلها علينا أبدا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال: أسندوا أمرهم إلى عبد الله بن مطيع فكان الذي قام بهذا الأمر. حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه قال: تنافست قريش أن تجعل منها أميرا وفيهم يومئذ ما لا يعد من السن والشرف. عبد الله بن مطيع وإبراهيم بن نعيم ومحمد بن أبي جهم وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسحاق بن يحيى قال: حدثني من نظر إلى عبد الله بن مطيع على المنبر وقد رئيت طلائع القوم بمخيض والعسكر بذي خشب. فتكلم على المنبر فقال: أيها الناس. عليكم بتقوى الله والجد في أمره. وإياكم والفشل والتنازع والاختلاف. أذعنوا للموت فو الله ما من مفر ولا مهرب. والله لأن يقتل الرجل مقبلا محتسبا خير من أن يقتل مدبرا فيؤخذ برقبته. ولا تظنوا أن عند القوم بقيا فابذلوا لهم أنفسكم فإنهم يكرهون الموت كما تكرهونه.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة قال: قلت لعبد الله بن مطيع كيف نجوت يوم الحرة وقد رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام؟ فقال عبد الله: كنا نقول لو أقاموا شهرا ما قتلوا منا شيئا. فلما صنع بنا ما صنع وأدخلهم علينا وولى الناس ذكرت قول الحارث بن هشام.
стр. 1540
وعلمت أني إن أقاتل واحدا … أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فانكشفت فتواريت ثم لحقت بابن الزبير بعد فكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ثلاثة أشهر وقد أخذوا عليه بالمضايق ونصبوا المنجنيق وفعلوا به الأفاعيل. ولم يكن مع ابن الزبير أحد يقاتل له حفاظا إلا نفير يسير وقوم آخرون من الخوارج. وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل كلهم ذو حفاظ فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى الليل.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر عن إسحاق بن يحيى قال:
سمعت عيسى بن طلحة يقول: ذكر عبد الملك بن مروان عبد الله بن مطيع فقال: نجا من مسلم بن عقبة يوم الحرة ثم لحق ابن الزبير بمكة فنجا. ولحق بالعراق. قد كثر علينا في كل وجه ولكن من رأيي الصفح عنه وعن غيره من قومي. إنما أقتل بهم نفسي.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان عبد الله بن مطيع مع عبد الله بن الزبير في أمره كله فلما صدر الناس من سنة أربع وستين ودخلت سنة خمس وستين بايع أهل مكة لعبد الله بن الزبير فكان أسرع الناس إلى بيعته عبد الله بن مطيع وعبد الله بن صفوان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبيد بن عمير. وبايعه كل من كان حاضرا من أهل الآفاق فولى المدينة المنذر بن الزبير. وولي الكوفة عبد الله بن مطيع. وولى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ألح المختار بن أبي عبيد على عبد الله بن الزبير في الخروج إلى العراق فأذن له. وكتب ابن الزبير إلى ابن مطيع وهو عامله على الكوفة يذكر له حال المختار عنده. فلما قدم المختار الكوفة اختلف إلى ابن مطيع وأظهر مناصحة ابن الزبير وعابه في السر. ودعا إلى ابن الحنفية. وحرص الناس على ابن مطيع واتخذ شيعة. يركب في خيل عظيمة حتى عدت خيله على خيل صاحب شرطة ابن مطيع فأصابوهم فهرب ابن مطيع.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن
стр. 1541
يعقوب بن عتبة عن أبيه قال: أخبر ابن مطيع أن المختار قد أنغل عليه الكوفة فبعث إليه أياس بن المضارب العجلي. وكان على شرطة ابن مطيع. فأخذه فأقبل به إلى القصر فلحقته الشيعة والموالي فاستنقذوه من أيديهم. وقتل أياس بن المضارب وانهزم أصحابه. فولى ابن مطيع شرطته راشد بن أياس بن المضارب. فبعث إليه المختار رجلا من أصحابه في عصابة من الخشبية فقتله وأتى برأس راشد إلى المختار. فلما رأى ذلك عبد الله بن مطيع طلب الأمان على نفسه وماله على أن يلحق بابن الزبير. فأعطاه المختار ذلك فلحق بابن الزبير.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور قالت: هرب ابن مطيع من غير أن يأخذ أمانا فلم يطلبه المختار وقال: أنا على طاعة ابن الزبير فلم خرج ابن مطيع؟
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني رياح بن مسلم عن أبيه قال: قال ابن مطيع لعمر بن سعد بن أبي وقاص: اخترت همذان والري على قتل ابن عمك. فقال عمر: كانت أمورا قضيت من السماء وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلا ما أبى. فلما خرج ابن مطيع وهرب من المختار سار المختار بأصحابه إلى منزل عمر بن سعد فقتله في داره وقتل ابنه أسوأ قتلة.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي فروة عن أبيه قال: لما خرج ابن مطيع من الكوفة اتبعه المختار بكتاب إلى عبد الله بن الزبير يقع فيه بابن مطيع ويجنبه ويقول: قدمت الكوفة وأنا على طاعتك فرأيت عبد الله بن مطيع مداهنا لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك لما حملت في عنقي من بيعتك. فخرج من الكوفة وأنا ومن قبلي على طاعتك. وقدم ابن مطيع على ابن الزبير فأخبره بخلاف ذلك وأنه يدعو إلى ابن الحنفية. فلم يقبل ابن الزبير قوله وكتب إلى المختار: أنه قد كان كثر عليك عندي بأمر ظننت أنك منه بريء. ولكن لا بد للقلب من أن يقع فيه ما يقول الناس. فأما إذا رجعت وعدت إلى أحسن ما يعهد من رأيك فإنا نقبل منك ونصدقك. وأقره واليا له على الناس بالكوفة.
قالوا: ولم يزل عبد الله بن مطيع بعد ذلك مقيما بمكة مع عبد الله بن الزبير حتى توفي قبل قتل عبد الله بن الزبير بيسير.
стр. 1542
٦٨٥ - عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب.
وأمه أم كلثوم بنت معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر. فولد عبد الرحمن بن مطيع هشاما لا بقية له إلا النساء ومحمدا الأكبر ومطيعا وعبد الملك ومحمدا الأصغر وأمهم أم سلمة بنت مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة. وكان عبد الرحمن بن مطيع يكنى أبا عبد الله.
٦٨٦ - وأخوهما سليمان بن مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب.
وأمه أم هشام آمنة بنت أبي الخيار. واسمه عبد ياليل بن عبد مناف بن عامر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث. فولد سليمان بن مطيع محمدا وأمه إحدى بني نصر. وقتل سليمان بن مطيع يوم الجمل.
٦٨٧ - عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم.
وأمه أم عبيد أروى بنت عركي بن عمرو بن قيس بن سويد بن عمرو من عد. فولد عبد الرحمن بن سعيد عثمان وأبا بكر وسعيدا وعمر وأمهم الرابعة بنت يزيد بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عتاب بن رئاب من بني عبس. وعباسا وخالدا ويحيى وأمهم أم الحكم بنت بلعاء بن نهيك بن معاوية بن الوحيد من بني عامر. وعكرمة وأمه أم الفضل بنت عكرمة بن ربيعة من بني هلال. ومحمدا لأم ولد وأم حكيم وأمها عاتكة بنت سعد بن الأعشى من بلمصطلق من خزاعة. ويكنى عبد الرحمن أبا محمد. توفي في سنة تسع ومائة وهو ابن ثمانين سنة. وكان ثقة في الحديث.
٦٨٨ - عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس. فولد عمرو بن عثمان عثمان. درج. وخالدا وأمهما رملة بنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب ابن أمية وعبد الله الأكبر بن عمرو وهو المطرف وأمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب وعثمان الأصغر بن عمرو وأمه بنت عمارة بن الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبه بن غيظ بن مرة. وعمر بن عمرو والمغيرة وأبا بكر وعبد الله
стр. 1543
الأصغر والوليد لأمهات أولاد. وعائشة وأم سعيد لأم ولد. قد روى عمرو عن أبيه وعن أسامة بن زيد. وكان ثقة له أحاديث.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا أبو معشر عن سعيد المقبري قال: رأيت أبناء صحابة رسول الله ﷺ يصبغون بالسواد منهم عمرو بن عثمان بن عفان.
٦٨٩ - عمر بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس. فولد عمر بن عثمان زيدا وعاصما لأم ولد. وقد روى عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد. روى عنه الزهري. وله دار بالمدينة. وكان قليل الحديث.
٦٩٠ - أبان بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.
وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس. فولد أبان بن عثمان سعيدا وبه كان يكنى وأمه ابنة عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. وعمر وعبد الرحمن وأم سعيد وأمهم أم سعيد بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وعمر الأصغر ومروان وأم سعيد الصغرى لأم ولد.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر عن بعض أصحابه قال: كان يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية على المدينة عاملا لعبد الملك بن مروان.
وكان فيه حمق فخرج إلى عبد الملك وافدا عليه بغير إذن من عبد الملك. فقال عبد الملك: ما أقدمك علي بغير إذني؟ من استعملت على المدينة؟ قال: أبان بن عثمان بن عفان. قال: لا جرم لا ترجع إليها. فأقر عبد الملك أبانا على المدينة وكتب إليه بعهده عليها. فعزل أبان عبد الله بن قيس بن مخرمة عن القضاء وولي نوفل بن مساحق قضاء المدينة. وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين. وحج بالناس فيها سنتين وتوفي في ولايته جابر بن عبد الله ومحمد ابن الحنفية فصلى عليهما بالمدينة وهو
стр. 1544
وال. ثم عزل عبد الملك بن مروان أبانا عن المدينة وولاها هشام بن إسماعيل.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر عن خارجة بن الحارث قال:
كان بابان وضح كثير فكان يخضب مواضعه من يده ولا يخضبه في وجهه.
حدثنا محمد بن سعد. قال محمد بن عمر: وكان به صمم شديد.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا بلال بن أبي مسلم قال: رأيت أبان بن عثمان بين عينيه أثر السجود قليلا.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثني داود بن سنان مولى عمر بن تميم الحكمي قال: رأيت أبان بن عثمان يصفر لحيته.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال:
حدثني داود بن سنان قال: رأيت أبان بن عثمان يصفر رأسه ولحيته بالحناء.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام الدستوائي قال: أخبرنا الحجاج بن فرافصة عن رجل قال: دخلت على أبان بن عثمان فقال أبان: من قال حين يصبح لا إله إلا الله العظيم سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله عوفي من كل بلاء يومئذ. قال وبابان يومئذ الفالج. فقال: إن الحديث كما حدثتك إلا أنه يوم أصابني هذا لم أكن قلته.
قال محمد بن عمر: أصاب الفالج أبانا سنة قبل أن يموت. ويقال بالمدينة فالج أبان لشدته. وتوفي أبان بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وروى أبان عن أبيه.
وكان ثقة وله أحاديث.
٦٩١ - سعيد بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وأمه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخروم. وأمها أسماء بنت أبي جهل بن هشام بن المغيرة. وأمها أروى بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس. وأمها رقية بنت الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.
وأمها رقية بنت أسد بن عبد العزى بن قصي. وأمها خالدة بنت هاشم بن عبد مناف بن
стр. 1545
قصي. فولد سعيد بن عثمان محمدا وأمه رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية.
وكان قليل الحديث.
٦٩٢ - حميد بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب.
وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وأمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وأمها صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم. وأمها تخمر بنت عبد بن قصي بن كلاب.
وأمها سلمى بنت عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر. ويكنى حميد أبا عبد الرحمن. فولد حميد بن عبد الرحمن إبراهيم لا عقب له والمغيرة وحبابة الكبرى وأم كلثوم وأم حكيم وأمهم جويرية بنت أبي عمرو بن عدي بن علاج بن أبي سلمة الثقفي حليفهم. وعبد الله وأمه قريبة بنت محمد بن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وعبد الله الأصغر وبلالا وعونة وحكيمة الصغرى وبريهة لأم ولد. وعبد الملك لأم ولد. وعبد الرحمن بن حميد لأم ولد.
حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت عمر وعثمان يصليان المغرب في رمضان إذا نظرا إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد.
حدثنا محمد بن سعد قال: وأخبرنا معن بن عيسى عن مالك عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان. ولم يقل رأيت.