العظم. فأما ما ذكرت من البكاء يومئذ فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف. وخارجة بن زيد بن ثابت وأنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.
وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء. ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.
أخبرنا محمد بن عمر عن عبد الله بن عامر الأسلمي قال: قال لي أبو بكر بن حزم وهو في مصلاه فيما بين الأسطوانة التي تلي حرف القبر التي تلي الأخرى إلى طريق باب رسول الله ﷺ : هذا بيت زينب بنت جحش. وكان رسول الله ﷺ .
يصلي فيه. وهذا كله إلى باب أسماءبنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس اليوم إلى رحبة المسجد. فهذه بيوت النبي ﷺ التي رأيتها بالجريد. قد طرت بالطين. عليها مسوح شعر.
أخبرنا قبيصة بن عقبة. أخبرنا نجاد بن فروخ اليربوعي عن شيخ من أهل المدينة قال: رأيت حجر النبي ﷺ قبل أن تهدم بجرائد النخل ملبسة الأنطاع.
أخبرنا خالد بن مخلد. حدثني داود بن شيبان قال: رأيت حجر أزواج النبي.
ﷺ . وعليها المسوح. يعني متاع الأعراب.
أخبرنا محمد بن مقاتل المروزي قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا حريث بن السائب قال: سمعت الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ .
في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي.
ذكر صدقات رسول الله ﷺ -
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا صالح بن جعفر عن الميسور بن رفاعة عن محمد بن كعب قال: أول صدقة في الإسلام وقف رسول الله ﷺ أمواله لما قتل مخيريق بأحد. وأوصى إن أصبت فأموالي لرسول الله ﷺ فقبضها رسول الله.
ﷺ . وتصدق بها.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث. حدثني عبد الله بن كعب بن مالك قال قال مخيريق يوم أحد: إن أصبت
стр. 387
فأموالي لمحمد ﷺ يضعها حيث أراه الله. وهي عامة صدقات رسول الله ﷺ .
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بخناصرة: سمعت بالمدينة. والناس يومئذ بها كثير. من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي ﷺ يعني السبعة التي وقف من أموال مخيريق. وقال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله. وقتل يوم أحد. فقال رسول الله ﷺ :، مخيريق خير يهود،. ثم دعا لنا عمر بتمر منها. فأتي بتمر في طبق فقال: كتب إلي أبو بكر بن حزم يخبرني أن هذا التمر من العذق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ يأكل منه. قال قلت: يا أمير المؤمنين فأقسمه بيننا. قال: فقسمه فأصاب كل رجل منا تسع تمرات. قال عمر بن عبد العزيز: قد دخلتها إذ كنت واليا بالمدينة. وأكلت من هذه النخلة ولم أر مثلها من التمر أطيب ولا أعذب.
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي قال: كان مخيريق أيسر بني قينقاع. وكان من أحبار يهود وعلمائها بالتوراة. فخرج مع رسول الله ﷺ إلى أحد ينصره وهو على دينه. فقال محمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة: إن أصبت فأموالي إلى محمد ﷺ يضعها حيث أراه الله . فلما كان يوم السبت وانكسفت قريش ودفن القتلى. وجد مخيريق مقتولا به جراح فدفن ناحية من مقابر المسلمين ولم يصل عليه. ولم يسمع رسول الله ﷺ .
يومئذ ولا بعده يترحم عليه. ولم يزده على أن قال:، مخيريق خير يهود،. فهذا أمره.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني أيوب بن أبي أيوب عن عثمان بن وثاب قال: ما هذه الحوائط إلا من أموال بني النضير. لقد رجع رسول الله ﷺ من أحد ففرق أموال مخيريق.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني الضحاك بن عثمان عن الزهري قال: هذه الحوائط السبعة من أموال بني النضير.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني موسى بن عمر الحارثي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة قال: كانت صدقة رسول الله ﷺ من أموال بني النضير وهي سبعة:
الأعواف. والصافية. والدلال. والميثب. وبرقة. وحسنى. ومشربة أم إبراهيم. وإنما
стр. 388
سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم مارية كانت تنزلها. وكان ذلك المال لسلام بن مشكم النضيري.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن الميسور بن رفاعة عن محمد بن كعب القرظي قال: كانت الحبس على عهد رسول الله ﷺ .
حبس سبعة حوائط بالمدينة: الأعواف. والصافية. والدلال. والميثب. وبرقة.
وحسنى. ومشربة أم إبراهيم. قال ابن كعب: وقد حبس المسلمون بعده على أولادهم وأولاد أولادهم.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني أسامة بن زيد الليثي عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا.
فكانت بنو النضير حبسا لنوائبه. وكانت فدك لابن السبيل. وكانت خيبر. فكان الخمس قد جزأه ثلاثة أجزاء. فجزءان للمسلمين وجزء كان ينفق منه على اهله. فإن فضل منه فضل رده على فقراء المهاجرين.
ذكر البئار التي شرب منها رسول الله ﷺ -
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني سعيد بن أبي زيد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت قد طلبت البئار التي كان رسول الله ﷺ يستعذب منها والتي برك فيها. وبصق فيها. فكان يشرب من بئر بضاعة. وبصق فيها وبرك. وكان يشرب من بئر مالك بن النضر بن ضمضم وهي التي يقال لها بئر أبي أنس. وكان يشرب من بئر جنب قصر بني حديلة اليوم. وكان يشرب من جاسم بئر أبي الهيثم بن التيهان براتج. وكان يشرب من بيوت السقيا. وكان يشرب من بئر غرس بقباء. وبرك فيها وقال:، هي عين من عيون الجنة،. وكان يشرب من العبيرة بئر بني أمية بن زيد. وقف على بئرها فبصق فيها وشرب منها. ونزل وسأل عن اسمها فقيل العبيرة فسماها اليسيرة. وكان يشرب من بئر رومة بالعقيق.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدته سلمى قالت: لما نزل رسول الله ﷺ منزل أبي أيوب كان أبو أيوب يخدمه ويستعذب له من بئر أبي أنس. مالك بن النضر. فلما صار رسول الله ﷺ .
стр. 389
إلى منزله. كان أنس بن مالك وهند وأسماء ابنا حارثة يحملون قدور الماء إلى بيوت نسائه من بئر السقيا. ثم كان خادمه رباح. عبدا أسود. يستقي مرة من بئر غرس. ومرة من بيوت السقيا بأمره.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني سليمان بن عاصم عن سليمان بن عبد الله بن أبي عويمر عن عبد الله بن نيار عن الهيثم بن النضر بن دهر الأسلمي قال: خدمت رسول الله ﷺ ولزمت بابه في قوم محاويج. فكنت آتيه بالماء من جاسم. بئر أبي الهيثم بن التيهان. وكان ماؤها طيبا.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني سعيد بن أبي زيد عن من سمع نافعا يخبر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وهو جالس على شفير بئر غرس:، رأيت الليلة إني جالس على عين من عيون الجنة،. يعني هذه البئر.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ :
، بئر غرس من عيون الجنة، (١).
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا عاصم بن عبد الله الحكمي عن عمر بن الحكم قال قال رسول الله ﷺ :، نعم البئر بئر غرس. هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه، (٢). وكان رسول الله ﷺ يستعذب له منها. وغسل من بئر غرس.
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا سعيد بن محمد عن سعيد بن رقيش قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: جئنا مع رسول الله ﷺ قباء. فانتهى إلى بئر غرس.
وأنه ليستقي منها على حمار. ثم نقوم عامة النهار ما نجد فيها ماء. فمضمض رسول الله ﷺ في الدلو ورده فيها. فجاشت بالرواء.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني الثوري عن ابن جريج عن أبي جعفر قال: كان رسول الله ﷺ يستعذب له من بئر غرس ومنها غسل.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثنا إبراهيم بن محمد عن أبيه عن سهل بن سعد
стр. 390
قال: سقيت رسول الله ﷺ بيدي من بئر بضاعة.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني أبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه قال:
سمعت عدة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو أسيد وأبو حميد وأبي سهل بن سعد يقولون: أتى رسول الله ﷺ بئر بضاعة. فتوضأ في الدلو ورده في البئر. ومج في الدلو مرة أخرى. وبصق فيها وشرب من مائها. وكان إذا مرض المريض في عهده يقول اغسلوه من ماء بضاعة. فيغسل فكأنما حل من عقال.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني عبد المهيمن بن عباس عن يزيد بن المنذر بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه قال: سمعت أبا حميد الساعدي يقول: رأيت رسول الله.
ﷺ . واقفا مرارا على بئر بضاعة. وخيله تسقي منها. وشرب منها وتوضأ ودعا فيها بالبركة.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني عمرو بن عبد الله بن عنبسة عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: نظر رسول الله ﷺ إلى رومة وكانت لرجل من مزينة يسقي عليها بأجر. فقال:، نعم صدقة المسلم هذه من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها،. فاشتراها عثمان بن عفان بأربعمائة دينار فتصدق بها. فلما علق عليها العلق مر بها رسول الله ﷺ فسأل عنها. فأخبر أن عثمان اشتراها وتصدق بها.
فقال:، اللهم أوجب له الجنة!، ودعا بدلو من مائها فشرب منه. وقال رسول الله.
ﷺ :، هذا النقاخ. أما إن هذا الوادي ستستكثر مياهه ويعذبون وبئر المزني أعذبها،.
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن خالد بن رباح عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: مر رسول الله ﷺ يوما ببئر المزني.
وله خيمة إلى جنبها. وجرة فيها ماء بارد. فسقى رسول الله ﷺ ماء باردا في الصيف. فقال رسول الله ﷺ :، هذا العذب الزلال،.
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا معمر. يعني ابن راشد. عن الزهري عن محمود بن الربيع أنه يقفل مجة مجها رسول الله ﷺ في الدلو في بئر أنس.
أخبرنا محمد بن عمر. حدثني ابن أبي طوالة عن أبيه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: شرب رسول الله ﷺ من بئرنا هذه.
стр. 391
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن هشام عن عروة عن عائشة. ﵂. قالت: كان رسول الله ﷺ يستعذب له من بيوت السقيا.
أخبرنا محمد بن عمر. أخبرنا عاصم بن عبد الله الحكمي قال: شرب رسول الله ﷺ حين خرج إلى بدر من بئر السقيا فكان يشرب منها بعد.
стр. 392
ذكر عدد مغازي رسول الله ﷺ وسراياه وأسمائها وتواريخها وجمل ما كان في كل غزاة وسرية منها
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي. أخبرنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن ابن سعيد بن يربوع المخزومي. وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.
ومحمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري. وموسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن ربيعة بن الأسود. وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري. ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري. وربيعة بن عثمان بن عبد الله بن الهدير التيمي. وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي. وعبد الحميد بن جعفر الحكمي. وعبد الرحمن بن أبي الزناد. ومحمد بن صالح التمار قال محمد بن سعد:
وأخبرني رؤيم بن يزيد المقرئ قال: أخبرنا هارون بن أبي عيسى عن محمد بن إسحاق. وأخبرني حسين بن محمد عن أبي معشر. وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة. دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة. وكانت سراياه التي بعث بها سبعا وأربعين سرية. وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف. فهذا ما اجتمع لنا عليه.
وفي بعض روايتهم: أنه قاتل في بني النضير ولكن الله جعلها له نفلا خاصة.
وقاتل في غزوة وادي القرى منصرفه من خيبر وقتل بعض أصحابه. وقاتل في الغابة.
قالوا: وقدم رسول الله ﷺ المدينة. حين هاجر من مكة. يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول. وهو المجتمع عليه. وقد روى بعضهم: أنه قدم لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. فكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ لحمزة ابن عبد المطلب بن هاشم في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر رسول
стр. 393
الله ﷺ لواء أبيض. فكان الذي حمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب. وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين رجلا من المهاجرين.
قال بعضهم: كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار. والمجتمع عليه أنهم كانوا جميعا من المهاجرين. ولم يبعث رسول الله ﷺ أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا. وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم. وهذا الثبت عندنا.
وخرج حمزة يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة. وفيها أبو جهل ابن هشام. في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر. يعني ساحله. من ناحية العيص.
فالتقوا حتى اصطفوا للقتال فمشى مجدي بن عمرو الجهني. وكان حليفا للفريقين جميعا. إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا. فتوجه أبو جهل في أصحابه وعيره إلى مكة وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى المدينة.
سرية عبيدة بن الحارث (١)
ثم سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجر رسول الله ﷺ عقد له لواء أبيض كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف. بعثه رسول الله ﷺ في ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري. فلقي أبا سفيان بن حرب. وهو في مائتين من أصحابه. وهو على ماء يقام له أحياء من بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة.
وأنت تريد قديدا عن يسار الطريق. وإنما نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم. فكان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال. وإنما كانت بينهم المناوشة. إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم. فكان أول سهم رمي به في الإسلام. ثم انصرف الفريقان على حاميتهم.
وفي رواية ابن إسحاق: أنه كان على القوم عكرمة بن أبي جهل.
سرية سعد بن أبي وقاص (٢)
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر
стр. 394
من مهاجر رسول الله ﷺ عقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني.
وبعثه في عشرين رجلا من المهاجرين يعترض لعير قريش تمر به. وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار. والخرار حين تروح من الجحفة إلى مكة أبار عن يسار المحجة قريب من خم. قال سعد: فخرجنا على أقدامنا فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحناها صبح خمس. فنجد العير قد مرت بالأمس فانصرفنا إلى المدينة.
غزوة الأبواء (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره. وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. وكان لواء أبيض. واستخلف على المدينة سعد بن عباده. وخرج في المهاجرين. ليس فيهم أنصاري. حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش فلم يلق كيدا. وهي غزوة ودان. وكلاهما قد ورد. وبينهما ستة أميال وهي أول غزوة غزاها بنفسه.
وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري. وكان سيدهم في زمانه.
على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه. ولا يكثروا عليه جمعا. ولا يعينوا عدوا. وكتب بينه وبينهم كتابا.
وضمرة من بني كنانة. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة. وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس. أخبرنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: غزونا مع رسول الله ﷺ أول غزوة غزاها الأبواء.
غزوة بواط (٢)
ثم غزوة رسول الله ﷺ بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره. وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص. وكان لواء أبيض. واستخلف على المدينة سعد بن معاذ. وخرج في مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش فيها أمية بن
стр. 395
خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير. فبلغ بواط. وهي جبال من جبال جهينة من ناحية رضوى. وهي قريب من ذي خشب مما يلي طريق الشام.
وبين بواط والمدينة نحو أربعة برد. فلم يلق رسول الله ﷺ كيدا فرجع إلى المدينة.
غزوة طلب كرز بن جابر الفهري (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ لطلب كرز بن جابر الفهري في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره. وحمل لواءه علي بن أبي طالب. وكان لواء أبيض. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. وكان كرز بن جابر قد أغار على سرح المدينة فاستاقه. وكان يرعى بالجماء والسرح ما رعوا من نعمهم. والجماء جبل ناحية العقيق إلى الجرف. بينه وبين المدينة ثلاثة أميال. فطلبه رسول الله ﷺ .
حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر. وفاته كرز بن جابر فلم يلحقه. فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة.
غزوة ذي العشيرة (٢)
ثم غزوة رسول الله ﷺ ذا العشيرة في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره. وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. وكان لواء أبيض. واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وخرج في خمسين ومائة. ويقال في مائتين من المهاجرين ممن انتدب. ولم يكره أحدا على الخروج. وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها. خرج يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام. وكان قد جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال قريش. فبلغ ذا العشيرة. وهي لبني مدلج بناحية ينبع. وبين ينبع والمدينة تسعة برد. فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام. وهي العير التي خرج لها أيضا يريدها حين رجعت من الشام فساحلت على البحر. وبلغ قريشا خبرها فخرجوا يمنعونها. فلقوا رسول الله ﷺ ببدر فواقعهم وقتل منهم من قتل. وبذي العشيرة كنى رسول الله ﷺ علي بن أبي
стр. 396
طالب أبا تراب. وذلك أنه رآه نائما متمرغا في البوغاء فقال:، اجلس. أبا تراب!، فجلس. وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
سرية عبد الله بن جحش الأسدي (١)
ثم سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة. في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ بعثه في اثني عشر رجلا من المهاجرين. كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة. وهو بستان ابن عامر الذي قرب مكة. وأمره أن يرصد بها عير قريش. فوردت عليه. فهابهم أهل العير وأنكروا أمرهم. فحلق عكاشة بن محصن الأسدي رأسه. حلقه عامر بن ربيعة ليطمئن القوم. فآمنوا وقالوا: هم عمار لا بأس عليكم منهم. فسرحوا ركابهم وصنعوا طعاما وشكوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام أم لا؟ ثم تشجعوا عليهم فقاتلوهم. فخرج واقد بن عبد الله التميمي يقدم المسلمين. فرمى عمرو بن الحضرمي فقتله. وشد المسلمون عليهم فاستأسر عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة. واستاقوا العير. وكان فيها خمر وأدم وزبيب جاءوا به من الطائف. فقدموا بذلك كله على رسول الله ﷺ فوقفه وحبس الأسيرين. وكان الذي أسر الحكم بن كيسان المقداد بن عمرو. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم وقتل ببئر معونة شهيدا.
وكان سعد بن أبي وقاص زميل عتبة بن غزوان على بعير لعتبة في هذه السرية.
فضل البعير بحران. وهي ناحية معدن بني سليم. فأقاما عليه يومين يبغيانه. ومضى أصحابهم إلى نخلة فلم يشهدها سعد وعتبة. وقدما المدينة بعدهم بأيام. ويقال: إن عبد الله بن جحش لما رجع من نخلة خمس ما غنم وقسم بين أصحابه سائر الغنائم.
فكان أول خمس خمس في الإسلام.
ويقال: إن رسول الله ﷺ وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر. فقسمها مع غنائم بدر وأعطى كل قوم حقهم. وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين.
стр. 397
غزوة بدر (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ بدر القتال. ويقال: بدر الكبرى. قالوا: لما تحين رسول الله ﷺ انصراف العير من الشام التي كان خرج لها يريدها حتى بلغ ذا العشيرة. بعث طلحة بن عبيد الله التيمي وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتحسسان خبر العير. فبلغا التجبار من أرض الحوراء. فنزلا على كشد الجهني. فأجارهما وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرت العير. ثم خرجا وخرج معهما كشد خفيرا حتى أوردهما ذا المروة. وساحلت العير وأسرعت. فساروا بالليل والنهار فرقا من الطلب.
فقدم طلحة وسعيد المدينة ليخبرا رسول الله ﷺ خبر العير. فوجداه قد خرج.
وكان قد ندب المسلمين للخروج معه وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم لعل الله أن يغنمكموها. فأسرع من أسرع إلى ذلك وأبطأ عنه بشر كثير.
وكان من تخلف لم يلم لأنهم لم يخرجوا على قتال إنما خرجوا للعير. فخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره. وذلك بعد ما وجه طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعشر ليال. وخرج من خرج معه من المهاجرين. وخرجت معه الأنصار في هذه الغزاة. ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك. وضرب رسول الله ﷺ عسكره ببئر أبي عنبة. وهي على ميل من المدينة. فعرض أصحابه ورد من استصغر. وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر. كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين رجلا. وسائرهم من الأنصار. وثمانية تخلفوا لعلة. ضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجورهم ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفان خلفه رسول الله ﷺ على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فأقام عليها حتى ماتت. وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما يتحسسان خبر العير. وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة. وعاصم بن عدي العجلاني خلفه على أهل العالية. والحارث بن حاطب العمري رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم. والحارث بن الصمة كسر بالروحاء. وخوات بن جبير كسر أيضا. فهولاء ثمانية لا اختلاف فيهم عندنا. وكلهم مستوجب. وكانت الإبل سبعين بعيرا يتعاقب النفر البعير. وكانت
стр. 398
الخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو. وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي. وقدم رسول الله ﷺ أمامه عينين له إلى المشركين يأتيانه بخبر عدوه وهما: بسبس بن عمرو. وعدي بن أبي الزغباء. وهما من جهينة حليفان للأنصار. فانتهيا إلى ماء بدر فعلما الخبر ورجعا إلى رسول الله ﷺ وكان بلغ المشركين بالشام أن رسول الله.
ﷺ يرصد انصرافهم فبعثوا ضمضم بن عمرو حين فصلوا من الشام إلى قريش بمكة يخبرونهم بما بلغهم عن رسول الله ﷺ ويأمرونهم أن يخرجوا فيمنعوا عيرهم.
فخرج المشركون من أهل مكة سراعا. ومعهم القيان والدفوف. وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير. وقد خافوا خوفا شديدا حين دنوا من المدينة. واستبطؤوا ضمضما والنفير حتى ورد بدرا. وهو خائف من الرصد. فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا من عيون محمد؟ فإنه. والله. ما بمكة من قرشي ولا قرشية له نش فصاعدا إلا قد بعث به معنا. فقال مجدي: والله ما رأيت أحدا أنكره إلا راكبين أتيا إلى هذا المكان. وأشار له إلى مناخ عدي وبسبس. فجاء أبو سفيان فأخذ أبعارا من بعيريهما ففته. فإذا فيه نوى فقال: علائف يثرب هذه عيون محمد. فضرب وجوه العير فساحل بها وترك بدرا يسارا وانطلق سريعا. وأقبلت قريش من مكة. فأرسل إليهم أبو سفيان بن حرب قيس بن إمرئ القيس يخبرهم أنه قد أحرز العير ويأمرهم بالرجوع.
فأبت قريش أن ترجع وردوا القيان من الجحفة. ولحق الرسول أبا سفيان بالهدة. وهي على سبعة أميال من عسفان إذا رحت من مكة عن يسار الطريق. وسكانها بنو ضمرة وناس من خزاعة. فأخبره بمضي قريش فقال: وا قوماه! هذا عمل عمرو بن هشام.
يعني أبا جهل بن هشام. وقال: والله لا نبرح حتى نرد بدرا. وكانت بدر موسما من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب. بها سوق. وبين بدر والمدينة ثمانية برد وميلان.
وكان الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ إلى بدر على الروحاء والمدينة أربعة أيام. ثم بريد بالمنصرف. ثم بريد بذات أجذال. ثم بريد بالمعلاة. وهي حيف السلم. ثم بريد بالأثيل ثم ميلان إلى بدر وكانت قريش قد أرسلت فرات بن حيان العجلي. وكان مقيما بمكة حين فصلت قريش من مكة. إلى أبي سفيان يخبره بمسيرها وفصولها. فخالف أبا سفيان في الطريق فوافى المشركين بالجحفة. فمضى معهم فجرح يوم بدر جراحات وهرب على قدميه. ورجعت بنو زهرة من الجحفة.
أشار عليهم بذلك الأخنس بن شريق الثقفي. وكان حليفا لهم. وكان فيهم مطاعا.
стр. 399
وكان اسمه أبي. فلما رجع ببني زهرة قيل: خنس بهم. فسمي الأخنس. وكان بنو زهرة يومئذ مائة رجل. وقال بعضهم: بل كانوا ثلاثمائة رجل. وكان بنو عدي بن كعب مع النفير. فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة.
فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا بني عدي. كيف رجعتم لا في العير ولا في النفير؟ فقالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع. ويقال: بل لقيهم بمر الظهران. فلم يشهد بدرا من المشركين أحد من بني زهرة ولا من بني عدي. ومضى رسول الله.
ﷺ . حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش. فأخبر به رسول الله ﷺ .
أصحابه واستشارهم. فقال المقداد بن عمرو البهراني: والذي بعثك بالحق. لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك حتى ننتهي إليه. ثم قال رسول الله ﷺ :، أشيروا علي،.
وإنما يريد الأنصار. فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار. كأنك يا رسول الله تريدنا؟ قال:، أجل،. قال: فأمض يا نبي الله لما أردت. فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل واحد. فقال رسول الله.
ﷺ :، سيروا على بركة الله. فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. فو الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم،. وعقد رسول الله ﷺ يومئذ الألوية. وكان لواء رسول الله.
ﷺ . يومئذ الأعظم لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير. ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر. ولواء الأوس مع سعد بن معاذ وجعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن. وشعار الخزرج: يا بني عبد الله. وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. ويقال: بل كان شعار المسلمين جميعا يومئذ: يا منصور أمت.
وكان مع المشركين ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير. ولواء مع النضر بن الحارث. ولواء مع طلحة بن أبي طلحة. وكلهم من بني عبد الدار. ونزل رسول الله.
ﷺ . أدنى بدر عشاء ليلة جمعه لسبع عشرة مضت من شهر رمضان. فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو يتحسسون خبر المشركين على الماء.
فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم. فماج العسكر وأتي بالسقاء إلى رسول الله ﷺ .
فقال: أين قريش؟ فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى. قال: كم هم؟ قالوا: كثير.
قال: كم عددهم؟ قالوا: لا ندري. قال: كم ينحرون؟ قالوا: يوما عشرا ويوما تسعا.
فقال ﷺ : القوم ما بين الألف والتسعمائة. فكانوا تسعمائة وخمسين إنسانا. وكانت خيلهم مائة فرس. وقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله. إن هذا المكان الذي أنت
стр. 400
به ليس بمنزل. انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم فإني عالم بها وبقلبها. بها قليب قد عرفت عذوبة مائه لا ينزح. ثم نبني عليه حوضا فنشرب ونقاتل ونعور ما سواه من القلب. فنزل جبريل على رسول الله ﷺ فقال: الرأي ما أشار به الحباب. فنهض رسول الله ﷺ ففعل ذلك. فكان الوادي دهسا. فبعث الله. ﵎. السماء فلبدت الوادي ولم يمنع المسلمين من المسير. وأصاب المشركين من المطر ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه. وإنما بينهم قوز من الرمل. وأصاب المسلمين تلك الليلة النعاس. وبنى لرسول الله ﷺ عريش من جريد فدخله النبي وأبو بكر الصديق.
وقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشحا بالسيف. فلما أصبح صف أصحابه قبل أن تنزل قريش. وطلعت قريش ورسول الله ﷺ يصفف أصحابه ويعدلهم كأنما يقوم بهم القدح. ومعه يومئذ قدح يشير به إلى هذا: تقدم. وإلى هذا: تأخر. حتى استووا. وجاءت ريح لم يروا مثلها شدة. ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى. ثم ذهبت فجاءت ريح أخرى. فكانت الأولى جبريل ﵇. في ألف من الملائكة مع رسول الله ﷺ والثانية ميكائيل ﵇. في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله ﷺ والثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ .
وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر من نور.
والصوف في نواصي خيلهم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: إن الملائكة قد سومت فسوموا. فأعلموا بالصوف في مغافرهم وقلانسهم. وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق. قال: فلما اطمأن القوم بعث المشركون عمير بن وهب الجمحي.
وكان صاحب قداح. فقالوا احزر لنا محمدا وأصحابه. فصوب في الوادي وصعد ثم رجع فقال: لا مدد لهم ولا كمين. القوم ثلاثمائة إن زادوا زادوا قليلا. ومعهم سبعون بعيرا وفرسان. يا معشر قريش. البلايا تحمل المنايا. نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم. أما ترونهم خرسا لا يتكلمون.
يتلمظون تلمظ الأفاعي؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلا حتى يقتل منا رجل. فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير في العيش بعد ذلك. فروا رأيكم. فتكلم حكيم بن حزام ومشى في الناس. وأتى شيبة وعتبة وكانا ذوي تقية في قومهما فأشاروا على الناس بالانصراف. وقال عتبة: لا تردوا نصيحتي ولا تسفهوا رأيي. فحسده أبو جهل حين سمع كلامه. فأفسد الرأي وحرش بين الناس. وأمر عامر بن الحضرمي أن ينشد
стр. 401
أخاه عمرا. وكان قتل بنخلة. فكشف عامر وحثا على استه التراب وصاح: وا عمراه! يخزي بذلك عتبة لأنه حليفه من بين قريش: وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على صفهم ولم يزولوا. وشد عليهم عامر بن الحضرمي ونشبت الحرب. فكان أول من خرج من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب. فقتله عامر بن الحضرمي. وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة. ويقال: قتله حبان بن العرقة.
ويقال: عمير بن الحمام. قتله خالد بن الأعلم العقيلي. ثم خرج شيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. فدعوا إلى البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار بنو عفراء معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث. فكره رسول الله ﷺ أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار. وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه. فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا. ثم نادى المشركون: يا محمد أخرج إلينا الأكفاء من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : يا بني هاشم! قوموا قاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله. فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف فمشوا إليه. فقال عتبة: تكلموا نعرفكم. وكان عليهم البيض. فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كفء كريم. وأنا أسد الحلفاء. من هذان معك؟ قال: علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث. قال: كفآن كريمان. ثم قال لابنه: قم يا وليد. فقام إليه علي بن أبي طالب. فاختلفا ضربتين. فقتله علي. ثم قام عتبة وقام إليه حمزة.
فاختلفا ضربتين. فقتله حمزة. ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث. وهو يومئذ أسن أصحاب رسول الله ﷺ فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف. يعني طرفه. فأصاب عضلة ساقه فقطعها. فكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه. وفيهم نزلت:
«هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ» الحج: ١٩. ونزلت فيهم سورة الأنفال أو عامتها: «يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى الدخان: ١٦. يعني يوم بدر. «و عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ» الحج: ٥٥ و «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» القمر: ٤٥. قال:
فرأى رسول الله ﷺ في أثرهم مصلتا للسيف يتلو هذه الآية وأجاز على جريحهم وطلب مدبرهم واستشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين.
وثمانية من الأنصار. فيهم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. وعمير بن أبي وقاص وعاقل بن أبي البكير. ومهجع مولى عمر بن الخطاب. وصفوان بن بيضاء.
стр. 402
وسعد بن خيثمة. ومبشر بن عبد المنذر. وحارثة بن سراقة. وعوف ومعوذ ابنا عفراء.
وعمير بن الحمام. ورافع بن معلى. ويزيد بن الحارث بن فسحم. وقتل من المشركين. يومئذ. سبعون رجلا. وأسر منهم سبعون رجلا. وكان في من قتل منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس. والوليد بن عتبة. والعاص بن سعيد بن العاص.
وأبو جهل بن هشام. وأبو البختري. وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب.
والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. وطعيمة بن عدي. وزمعة بن الأسود بن المطلب. ونوفل بن خويلد. وهو ابن العدوية. والنضر بن الحارث قتله صبرا بالأثيل.
وعقبة بن أبي معيط قتله صبرا بالصفراء. والعاص بن هشام بن المغيرة خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وأمية بن خلف. وعلي بن أمية بن خلف. ومنبه بن الحجاج. ومعبد بن وهب. وكان في الأسارى نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
وعقيل بن أبي طالب. وأبو العاص بن الربيع. وعدي بن الخيار. وأبو عزيز بن عمير.
والوليد بن الوليد بن المغيرة. وعبد الله بن أبي بن خلف. وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي الشاعر. ووهب بن عمير بن وهب الجمحي. وأبو وداعة بن ضبيرة السهمي. وسهيل بن عمرو العامري.
وكان فداء الأسارى كل رجل منهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف إلا قوما لا مال لهم. من عليهم رسول الله ﷺ منهم أبو عزة الجمحي. وغنم رسول الله ﷺ ما أصاب منهم. واستعمل على الغنائم عبد الله بن كعب المازني من الأنصار. وقسمها رسول الله بسير شعب بالصفراء. وهي من المدينة على ثلاث ليال قواصد. وتنفل رسول الله ﷺ سيفا ذا الفقار. وكان لمنبه بن الحجاج. فكان صفيه يومئذ. وسلم رسول الله ﷺ الغنيمة كلها للمسلمين الذين حضروا بدرا وللثمانية النفر الذين تخلفوا بإذنه. فضرب لهم بسهامهم وأجورهم. وأخذ رسول الله.
ﷺ . سهمه مع المسلمين. وفيه جمل أبي جهل. وكان مهريا. فكان يغزو عليه ويضرب في لقاحه. وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة بشيرا إلى المدينة يخبرهم بسلامة رسول الله ﷺ والمسلمين وخبر بدر وما أظفر الله به رسوله وغنمه منهم.
وبعث إلى أهل العالية عبد الله بن رواحة بمثل ذلك. والعالية قباء وخطمة ووائل وواقف وبنو أمية بن زيد وقريظة والنضير. فقدم زيد بن حارثة المدينة حين سوي على رقية بنت رسول الله ﷺ التراب بالبقيع. وكان أول الناس إلى أهل مكة بمصاب أهل
стр. 403
بدر وبهزيمتهم الحيسمان بن حابس الخزاعي. وكانت وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ .
أخبرنا وكيع عن سفيان وإسرائيل وأبيه عن أبي إسحاق عن البراء. وأخبرنا عبيد الله ابن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: كانت عدة أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر. وكانوا يرون أنهم على عدة أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جازوا النهر. قال: وما جاز معه النهر يومئذ إلا مؤمن.
أخبرنا وكيع بن الجراح عن ثابت بن عمارة عن غنيم بن قيس عن أبي موسى قال: كان عدة أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جالوت.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي. أخبرنا مسعر عن أبي إسحاق عن البراء قال:
كان عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت.
أخبرنا عفان بن مسلم وأبو الوليد الطيالسي ووهب بن جرير بن حازم قالوا:
أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين وكانت الأنصار نيفا على أربعين ومائتين.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب. أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء قال:
حدثني أصحاب محمد من شهد بدرا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة. قال البراء: ولا والله ما جاز معه النهر إلا مؤمن.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري. أخبرنا هشام بن حسان حدثني محمد بن سيرين. حدثني عبيدة قال: كان عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر.
سبعون ومائتان من الأنصار. وبقيتهم من سائر الناس.
أخبرنا نصر بن باب الخراساني عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر. كان المهاجرون منهم ستة وسبعين.
وكانت هزيمة أهل بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
أخبرنا خالد بن خداش. أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني حيي عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة. كما خرج طالوت. فدعا لهم رسول الله ﷺ حين
стр. 404
خرجوا فقال:، اللهم إنهم حفاة فاحملهم. اللهم إنهم عراة فاكسهم. اللهم إنهم جياع فأشبعهم،. ففتح الله يوم بدر. فانقلبوا حين انقلبوا. وما فيهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا.
أخبرنا الحكم بن موسى. أخبرنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر قال: شهد بدرا من الموالي بضعة عشر رجلا. فقال مطر: لقد ضربوا فيهم بضربة صالحة.
أخبرنا عفان بن مسلم وسعيد بن سليمان قالا: أخبرنا خالد بن عبد الله. أخبرني عمرو بن يحيى عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة البدري قال:
كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.
أخبرنا الفضل بن دكين. أخبرنا عمر بن شبة عن الزهري قال: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ليلة بدر فقال: ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
أخبرنا خالد بن خداش. أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت بدر لسبع عشرة من رمضان يوم الجمعة.
قال محمد بن سعد: وهذا الثبت أنه يوم الجمعة. وحديث يوم الاثنين شاذ.
أخبرنا قتيبة بن سعيد. أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حبيبة عن ابن المسيب أنه سأله عن الصوم في السفر. فحدثه أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع رسول الله ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر. ويوم الفتح. فأفطرنا فيهما.
أخبرنا عبيد الله بن موسى. أخبرنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عبيدة: أن رسول الله ﷺ غزا غزوة بدر في شهر رمضان فلم يصم يوما حتى رجع إلى اهله.
أخبرنا الفضل بن دكين. أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب: سمعت موسى بن طلحة يقول: سئل أبو أيوب عن يوم بدر فقال: إما لسبع عشرة خلت. أو لثلاث عشرة بقيت. أو لإحدى عشرة بقيت. أو لتسع عشرة خلت.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب. أخبرنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير. وكان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله ﷺ فكان إذا كانت عقبة النبي قالا: اركب حتى نمشي عنك. فيقول: ما أنتما
стр. 405
بأقوى على المشي مني وما أنا أغنى عن الأجر منكما.
أخبرنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: لما أسرنا القوم يوم بدر قلنا: كم كنتم؟ قالوا: كنا ألفا.
أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه قال: أخذنا رجلا منهم. يعني من المشركين. يوم بدر فسألناه عن عدتهم قال: كنا ألفا.
أخبرنا هشيم بن بشير. أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: كان فداء أسارى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك. فمن لم يكن عنده شيء أمر أن يعلم غلمان الأنصار الكتابة.
أخبرنا الفضل بن دكين. أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: أسر رسول الله ﷺ يوم بدر سبعين أسيرا. وكان يفادي بهم على قدر أموالهم. وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون. فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم. فإذا حذقوا فهو فداؤه.
أخبرنا محمد بن الصباح. أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقية. فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين الكتابة. فكان زيد بن ثابت ممن علم.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري. أخبرنا هشام بن حسان. أخبرنا محمد بن سيرين عن عبيدة: أن جبريل نزل على النبي ﷺ في أسارى بدر فقال: إن شئتم قتلتموهم. وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستشهد قابل منكم سبعون. قال: فنادى النبي ﷺ في أصحابه فجاؤوا أو من جاء منهم فقال:
هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم واستشهد قابل منكم بعدتهم. فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابل منا الجنة سبعون. ففادوهم.
أخبرنا الحسن بن موسى. أخبرنا زهير. أخبرنا سماك بن حرب قال:
سمعت عكرمة يقول: قيل لرسول الله ﷺ لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء. قال: فناداه العباس أنه لا يصلح ذلك لك. قال: لم؟ قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين فقد أعطاك ما وعدك.
стр. 406
أخبرنا محمد بن عبد الله. أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث قال: أمر رسول الله ﷺ فنادى يوم بدر إلا أنه ليس لأحد من القوم عندي منه إلا لأبي البختري. فمن كان أخذه فليخل سبيله. وكان رسول الله قد آمنه قال: فوجد قد قتل.
أخبرنا الحسن بن موسى. أخبرنا زهير. أخبرنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال: استقبل رسول الله ﷺ البيت فدعا على نفر من قريش سبعة. فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط. فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشمس.
وكان يوما حارا.
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي. أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة عن علي قال: لما كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله ﷺ وكان من أشد الناس بأسا يومئذ. وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي. أخبرنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة.
حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: لما كان يوم بدر برز عتبة وشيبة ابنا ربيعة. والوليد بن عتبة. فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث. فبرز شيبة لحمزة فقال له شيبة: من أنت؟ فقال: أنا أسد الله وأسد رسوله! قال: كفء كريم. فاختلفا ضربتين فقتله حمزة. ثم برز الوليد لعلي فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله. فقتله علي. ثم برز عتبة لعبيدة بن الحارث فقال عتبة: من أنت؟ قال: أنا الذي في الحلف. قال: كفء كريم.
فاختلفا ضربتين أوهن كل منهما صاحبه فأجاز حمزة وعلي على عتبة.
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: والثبت على الحديث الأول أن حمزة قتل عتبة. وأن عليا قتل الوليد. وأن عبيدة بارز شيبة.
أخبرنا حجين بن المثنى وقتيبة بن سعيد قالا: أخبرنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن رومان: أن رسول الله ﷺ .
لم يكن معه يوم بدر إلا فرسان. فرس عليه المقداد بن عمرو حليف الأسود خال رسول الله ﷺ وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن
стр. 407
عبد المطلب. وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس. قال قتيبة في حديثه: كانت ثلاثة أفراس فرس عليه الزبير بن العوام.
أخبرنا سليمان بن حرب. أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة: أن النبي ﷺ بعث عدي بن أبي الزغباء وبسبس بن عمر وطليعة. يوم بدر. فأتيا الماء فسألا عن أبي سفيان فأخبرا بمكانه. فرجعا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله نزل ماء كذا يوم كذا. وننزل نحن ماء كذا يوم كذا. وينزل هو ماء كذا يوم كذا. وننزل نحن ماء كذا يوم كذا حتى نلتقي نحن وهو على الماء. قال:
فجاء أبو سفيان حتى نزل ذلك الماء فسأل القوم: هل رأيتم من أحد؟ قالوا: لا إلا رجلين. قال: أروني مناخ ركابهما. قال: فأروه. قال: فأخذ البعر ففته فإذا فيه النوى فقال: نواضح يثرب والله! قال: فأخذ ساحل البحر وكتب إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي ﷺ .
أخبرنا سليمان بن حرب. أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال:
استشار رسول الله ﷺ يومئذ الناس. فقال سعد بن عباده أو سعد بن معاذ: يا رسول الله سر إذا شئت وانزل حيث شئت وحارب من شئت وسالم من شئت.
فو الذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد من ذي يمن تبعناك ما تخلف عنك منا أحد! قال: وقال لهم يومئذ عتبة بن ربيعة: ارجعوا بوجوهكم هذه التي كأنها المصابيح عن هؤلاء الذين كأن وجوههم الحيات. فو الله لا تقتلونهم حتى يقتلوا منكم مثلهم فما خيركم بعد هذا؟ قال: وكانوا يأكلون يومئذ تمرا. فقال رسول الله ﷺ :، ابتدروا جنة عرضها السماوات والأرض،. قال:
وعمير بن الحمام في ناحية بيده تمر يأكله فقال: بخ بخ! فقال له النبي ﷺ :
، مه!، قال: لن تعجز عني. ثم قال: لا أزيد عليكن حتى ألحق بالله. فجعل يأكل ثم قال: هيه حبستني! ثم قذف ما في يده وقام إلى سيفه وهو معلق ملفوف بخرق. فأخذه ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وكانوا يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على كثيب أهيل. قال: فمطرت السماء فصار مثل الصفا يسعون عليه سعيا.
وأنزل الله. جل ثناؤه: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» الأنفال: ١١.
стр. 408
قال: وقال عمر لما نزلت «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» القمر: ٤٥ قال: قلت وأي جمع يهزم ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله.
ﷺ . يثب في الدرع وثبا وهو يقول: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ» القمر:
٤٥. فعلمت أن الله. ﵎. سيهزمهم.
أخبرنا سليمان بن حرب. أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال:
ونزلت هذه الآية: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ» الأنفال:
٢٦. قال: نزلت في يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: «إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ» الأنفال: ٢٥. قال: نزلت في يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ» الأنفال: ١. يوم بدر.
أخبرنا سليمان بن حرب. أخبرنا حماد بن زيد. أخبرنا أيوب ويزيد بن حازم: أنهما سمعا عكرمة يقرأ: «فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» الأنفال: ١٢. قال حماد: وزاد أيوب قال: قال عكرمة «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» الأنفال: ١٢.
قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه.
أخبرنا سليمان بن حرب. أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال:
قال رسول الله ﷺ يومئذ: اطلبوا أبا جهل. فطلبوه فلم يوجد فقال: اطلبوه فإن عهدي به وركبته محوزة. فطلبوه فوجدوه وركبته محوزة. قال: وبلغ فداء أهل بدر يومئذ أربعة آلاف فما دون ذلك. حتى إن كان الرجل يحسن الخط فودي على أن يعلم الخط.
أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن ابن موهب. حدثني إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن عمر عن علي بن أبي طالب قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت مسرعا إلى النبي.
ﷺ . لأنظر ما فعل. فإذا هو ساجد يقول:، يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم!، لا يزيد عليهما. ثم رجعت إلى القتال. ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك. ثم ذهبت إلى القتال. ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك. ففتح الله عليه.
أخبرنا سعيد بن منصور. أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عبيد الله
стр. 409
ابن عبد الله عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر.
أخبرنا عتاب بن زياد. أخبرنا عبد الله بن المبارك. أخبرنا هشام بن عروة عن عباد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صفر وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها.
أخبرنا عتاب بن زياد بن المبارك. أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني عن عطية بن قيس قال: لما فرغ النبي ﷺ من قتال أهل بدر أتاه جبريل على فرس أنثى حمراء عاقدا ناصيته. يعني جبريل عليه درعه ومعه رمحه قد عصم ثنيته الغبار. فقال: يا محمد إن الله. ﵎. بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى. هل رضيت؟ قال:، نعم رضيت،. فانصرف.
أخبرنا عفان بن مسلم. أخبرنا حماد بن زيد قال: سمعت أيوب عن عكرمة: «إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى» الأنفال: ٤٢. قال:
وكان هؤلاء على شفير الوادي وهؤلاء على الشفير الآخر. قال: وهكذا قرأه عفان بالعدوة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس. أخبرنا زهير. أخبرنا جابر عن عامر قال:
خرج رسول الله ﷺ إلى بدر فاستخلف على المدينة عمرو ابن أم مكتوم.
أخبرنا أبو المنذر البزاز. أخبرنا سفيان عن الزبير بن عدي عن عطاء بن أبي رباح: أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى بدر.
أخبرنا الفضل بن دكين. أخبرنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: سمعته يقول إن بدرا إنما كانت لرجل يدعى بدرا. قال: يعني ميرا.
قال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: وأصحابنا من أهل المدينة ومن روى السيرة يقولون: اسم الموضع بدر.
سرية عمير بن عدي (١)
ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الخطمي إلى عصماء بنت مروان من بني أمية
стр. 410
ابن زيد بخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمي. وكانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي وتحرض عليه وتقول الشعر. فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها. وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها.
فجسها بيده. وكان ضرير البصر. ونحى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها. ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة فقال له رسول الله.
ﷺ :، أقتلت ابنة مروان؟، قال: نعم. فهل علي في ذلك من شيء؟ فقال:، لا ينتطح فيها عنزان!، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله ﷺ وسماه رسول الله ﷺ عميرا البصير.
سرية سالم بن عمير (١)
ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة. وكان يهوديا. وكان يحرض على رسول الله.
ﷺ . ويقول الشعر. فقال سالم بن عمير. وهو أحد البكائين وقد شهد بدرا: على نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه. فأمهل يطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة. فنام أبو عفك بالفناء وعلم به سالم بن عمير. فأقبل فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش. وصاح عدو الله. فثاب إليه ناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه.
غزوة بني قينقاع (٢)
ثم غزوة رسول الله ﷺ بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره. وكانوا قوما من يهود حلفاء لعبد الله بن أبي ابن سلول.
وكانوا أشجع يهود. وكانوا صاغة فوادعوا النبي ﷺ فلما كانت وقعة بدر أظهروا
стр. 411
البغي والحسد ونبذوا العهد والمرة. فأنزل الله. ﵎. على نبيه: «وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» الأنفال:
٥٨. فقال رسول الله ﷺ : أنا أخاف بني قينقاع. فسار إليهم بهذه الآية. وكان الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطلب. وكان لواء رسول الله ﷺ أبيض ولم يكن الرايات يومئذ. واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة. فكانوا أول من غدر من اليهود وحاربوا وتحصنوا في حصنهم. فحاصرهم أشد الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب. فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ أن لرسول الله ﷺ أموالهم وأن لهم النساء والذرية. فأمر بهم فكتفوا. واستعمل رسول الله ﷺ على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي من بني السلم. رهط سعد بن خيثمة. فكلم فيهم عبد الله بن أبي رسول الله ﷺ وألح عليه فقال: خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم! وتركهم من القتل وأمر بهم أن يجلوا من المدينة. وولى إخراجهم منها عباده بن الصامت فلحقوا بأذرعات فما كان أقل بقاءهم بها. وأخذ رسول الله ﷺ من سلاحهم ثلاث قسي:
قوسا تدعى الكتوم كسرت بأحد. وقوسا تدعى الروحاء. وقوسا تدعى البيضاء. وأخذ درعين من سلاحهم: درعا يقال لها الصغدية وأخرى فضة. وثلاثة أسياف سيف قلعي وسيف يقال له بتار وسيف آخر. وثلاثة أرماح. ووجدوا في حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة فأخذ رسول الله ﷺ صفيه والخمس وفض أربعة أخماس على أصحابه.
فكان أول خمس خمس بعد بدر. وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة.
غزوة السويق (١)
ثم غزوة النبي ﷺ التي تدعى غزوة السويق. خرج رسول الله ﷺ يوم الأحد لخمس خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره.
واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري. وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم الدهن حتى يثئر من محمد وأصحابه.
فخرج في مائتي راكب. في حديث الزهري. وفي حديث ابن كعب في أربعين راكبا.
стр. 412
فسلكوا النجدية فجاؤوا بني النضير ليلا فطرقوا حيي بن أخطب ليستخبروه من أخبار رسول الله ﷺ وأصحابه. فأبى أن يفتح لهم. وطرقوا سلام بن مشكم ففتح لهم وقراهم وسقاهم خمرا وأخبرهم من أخبار رسول الله ﷺ فلما كان بالسحر خرج أبو سفيان بن حرب فمر بالعريض. وبينه وبين المدينة نحو ثلاثة أميال فقتل به رجلا من الأنصار وأجيرا له وحرق أبياتا هناك وتبنا. ورأى أن يمينه قد حلت ثم ولى هاربا. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب أصحابه وخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم. وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق وهي عامة أزوادهم. فجعل المسلمون يأخذونها فسميت غزوة السويق ولم يلحقوهم.
وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وكان غاب خمسة أيام.
غزوة قرقرة الكدر (١)
ويقال: قرارة الكدر.
ثم غزوة رسول الله ﷺ قرقرة الكدر. ويقال قرارة الكدر. للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره. وهي بناحية معدن بني سليم قريب من الأرحضية وراء سد معونة. وبين المعدن وبين المدينة ثمانية برد. وكان الذي حمل لواءه ﷺ علي بن أبي طالب. واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم. فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان. فسار إليهم فلم يجد في المجال أحدا. وأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم رسول الله ﷺ .
في بطن الوادي فوجد رعاء فيهم غلام يقال له يسار. فسأله عن الناس فقال: لا علم لي بهم إنما أورد لخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا إلى المياه ونحن عزاب في النعم. فانصرف رسول الله ﷺ وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصرار. على ثلاثة أميال من المدينة. وكانت النعم خمسمائة بعير. فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين. فأصاب كل رجل منهم بعيران. وكانوا مائتي رجل. وصار يسار في سهم النبي ﷺ فأعتقه. وذلك أنه رآه يصلي. وغاب رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة.
стр. 413
سرية قتل كعب بن الأشرف (١)
ثم سرية قتل كعب بن الأشرف اليهودي. وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ .
وكان سبب قتله أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم ويؤذيهم. فلما كانت وقعة بدر كبت وذل وقال: بطن الأرض خير من ظهرها اليوم. فخرج حتى قدم مكة فبكى قتلى قريش وحرضهم بالشعر. ثم قدم المدينة فقال رسول الله ﷺ :، اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار،. وقال أيضا:، من لي بابن الأشرف فقد آذاني؟، فقال محمد بن مسلمة:
أنا به يا رسول الله وأنا أقتله. فقال:، افعل وشاور سعد بن معاذ في أمره،.
واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن معاذ وأبو عبس بن جبر فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل. فقال:، قولوا،. وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة فخرج إليه. فأنكره كعب وذعر منه فقال: أنا أبو نائلة إنما جئت أخبرك أن قدوم هذا الرجل كان علينا من البلاء. حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ونحن نريد التنحي منه. ومعي رجال من قومي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة. فسكن إلى قوله وقال:
جيء بهم متى شئت. فخرج من عنده على ميعاد فأتى أصحابه فأخبرهم.
فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى. ثم أتوا رسول الله ﷺ فأخبروه فمشى معهم حتى أتى البقيع ثم وجههم وقال:، امضوا على بركة الله وعونه،. قال: وفي ليلة مقمرة. فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه. فهتف له أبو نائلة فوثب. فأخذت امرأته بملحفته وقالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب! وكان حديث عهد بعرس. قال: ميعاد علي وإنما هو أخي أبو نائلة. وضرب بيده الملحفة وقال: لو دعي الفتى لطعنه أجاب. ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة حتى انبسط إليهم وأنس بهم. ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره وأخذ بقرون رأسه وقال لأصحابه: اقتلوا عدو الله! فضربوه بأسيافهم فالتفت عليه فلم تغن شيئا ورد بعضها بعضا ولصق
стр. 414
بأبي نائلة. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا كان في سيفي فانتزعته فوضعته في سرته ثم تحاملت عليه فقططته حتى انتهى إلى عانته. فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهود إلا أوقدت عليه نار. ثم حزوا رأسه وحملوه معهم. فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي. فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه. ثم انتهوا إلى رسول الله ﷺ فقال:، أفلحت الوجوه!، فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورموا برأسه بين يديه. فحمد الله على قتله. فلما أصبح قال:، من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه!، فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف.
أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر بن راشد عن الزهري. في قوله تعالى: «وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً» آل عمران: ١٨٦. قال: هو كعب بن الأشرف. وكان يحرض المشركين على رسول الله ﷺ وأصحابه يعني في شعره. يهجو النبي ﷺ وأصحابه.
فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة ورجل آخر يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي. فلما رآهم ذعر منهم وأنكر شأنهم.
قالوا: جئناك في حاجة قال: فليدن إلي بعضكم فليخبرني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقالوا: جئناك لنبيعك أدراعا عندنا لنستنفق بها. فقال: والله لئن فعلتم لقد جهدتم مذ نزل بكم هذا الرجل. فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدأ عنهم الناس.
فنادوه. فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: أنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.
أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن أيوب عن عكرمة أنه أشرف عليهم فكلموه وقال: ما ترهنون عندي؟ أترهنوني أبناءكم؟ وأراد أن يسلفهم تمرا.
قالوا: أنا نستحي أن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين! قال:
فترهنوني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك. وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم! قال: نعم ائتوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا.
فذهب ينزل. فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائما ما أيقظوني. قالت: فكلمهم من فوق البيت.
стр. 415
فأبى عليها فنزل إليهم تفوح ريحه فقالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: عطر أم فلان لامرأته. فدنا بعضهم يشم رأسه ثم اعتنقه وقال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه. ثم رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين. فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكرهم النبي.
ﷺ . صنيعه وما كان يحض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم. ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا أحسبه قال: وكان ذلك الكتاب مع علي. ﵁. بعد.
غزوة رسول الله ﷺ غطفان (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ غطفان إلى نجد. وهي ذو أمر. ناحية النخيل.
في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره. وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله ﷺ جمعهم رجل منهم يقال له دعثور بن الحارث من بني محارب. فندب رسول الله ﷺ المسلمين وخرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلا. ومعهم أفراس.
واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. فأصابوا رجلا منهم بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة. فأدخل على رسول الله ﷺ فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم. وضمه رسول الله ﷺ إلى بلال ولم يلاق رسول الله ﷺ أحدا إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال. وأصاب رسول الله وأصحابه مطر. فنزع رسول الله ﷺ ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع. فجاء رجل من العدو يقال له دعثور بن الحارث ومعه سيف حتى قام على رسول الله ﷺ ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله ﷺ :
، الله!، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده. فأخذه رسول الله ﷺ .
стр. 416
وقال له:، من يمنعك مني؟، قال: لا أحد! أشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمدا رسول الله! ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام ونزلت هذه الآية فيه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ» المائدة: ١١ الآية ثم أقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
غزوة رسول الله ﷺ بني سليم (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ بني سليم ببحران لست خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره. وبحران بناحية الفرع وبين الفرع والمدينة ثمانية برد. وذلك أنه بلغه أن بها جمعا من بني سليم كثيرا. فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه واستخلف على المدينة ابن أم المكتوم. وأغذ السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم. فرجع ولم يلق كيدا. وكانت غيبته عشر ليال.
سرية زيد بن حارثة (٢)
ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة. وكانت لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ وهي أول سرية خرج فيها زيد أميرا. والقردة من أرض نجد بين الربذة والغمرة ناحية ذات عرق. بعثه رسول الله ﷺ يعترض لعير قريش. فيها صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة. ومعه مال كثير نقر وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فرات بن حيان العجلي. فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق. فبلغ رسول الله ﷺ أمرهم فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها.
فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم. وقدموا بالعير على رسول الله ﷺ فخمسها فبلغ الخمس فيه عشرين ألف درهم. وقسم ما بقي على أهل السرية. وأسر فرات
стр. 417
ابن حيان فأتي به النبي ﷺ فقيل له:، إن تسلم تترك!، فأسلم فتركه رسول الله ﷺ من القتل.
غزوة رسول الله ﷺ أحدا (١)
ثم غزوة رسول الله ﷺ أحدا يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره. قالوا: لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة. فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا: نحن طيبو أنفس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد. فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي.
فباعوها فصارت ذهبا فكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار. فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم. وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارا.
وفيهم نزلت: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» الأنفال:
٣٦. وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب يدعونهم إلى نصرهم. فأوعبوا وتألب من كان معهم من العرب وحضروا. فأجمعوا على إخراج الظعن. يعني النساء. معهم ليذكرنهم قتلى بدر فيحفظنهم فيكون أحد لهم في القتال. وكتب العباس بن عبد المطلب بخبرهم كله إلى رسول الله ﷺ فأخبر رسول الله ﷺ سعد بن الربيع بكتاب العباس. وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة. وخرجت قريش من مكة ومعهم أبو عامر الفاسق. وكان يسمى قبل ذلك الراهب. في خمسين رجلا من قومه.
وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل فيهم سبعمائة دارع. ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير. والظعن خمس عشرة امرأة. وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا الحليفة. فبعث رسول الله ﷺ عينين له أنسا ومونسا ابني فضالة الظفريين. ليلة الخميس لخمس ليال مضين من شوال. فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم وأنهم قد خلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء. ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح أيضا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم. وبات
стр. 418
سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عباده. في عدة ليلة الجمعة. عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله ﷺ وحرست المدينة حتى أصبحوا. ورأى رسول الله ﷺ تلك الليلة كأنه في درع حصينة. وكان سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظبته. وكان بقرا تذبح. وكأنه مردف كبشا. فأخبر بها أصحابه. وأولها فقال: أما الدرع الحصينة فالمدينة. وأما انفصام سيفي فمصيبة في نفسي. وأما البقر المذبح فقتل في أصحابي. وأما مردف كبشا فكبش الكتيبة يقتله الله إن شاء الله. فكان رأي رسول الله ﷺ أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا. فأحب أن يوافق على مثل رأيه فاستشار أصحابه في الخروج فأشار عليه عبد الله بن أبي ابن سلول أن لا يخرج. وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار. فقال رسول الله ﷺ :، امكثوا في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام،. فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا فطلبوا من رسول الله ﷺ الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة وقالوا: اخرج بنا إلى عدونا. فغلب على الأمر الذي يريدون الخروج. فصلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس ثم وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا. وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ففرح الناس بالشخوص. ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالي. ثم دخل رسول الله ﷺ بيته ومعه أبو بكر وعمر فعمماه ولبساه وصف الناس له ينتظرون خروجه.
فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه. فخرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل السيف. واعتم وتقلد السيف وألقى الترس في ظهره. فندموا جميعا على ما صنعوا وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك. فقال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه وامضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح فعقد ثلاثة ألوية. فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير. ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر. ويقال إلى سعد بن عباده. ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب. ﵁. ويقال إلى مصعب بن عمير. واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم. ثم ركب رسول الله ﷺ فرسه وتنكب القوس وأخذ قناة بيده والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع فيهم مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عباده. وكل واحد منهما
стр. 419
دارع والناس عن يمينه وشماله. فمضى حتى إذا كان بالشيخين. وهما أطمان. التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبي من يهود. فقال رسول الله ﷺ :، لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك،. وعرض من عرض بالشيخين فرد من رد وأجاز من أجاز. وغابت الشمس وأذن بلال المغرب فصلى النبي ﷺ بأصحابه وبات بالشيخين وكان نازلا في بني النجار. واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطيفون بالعسكر. وكان المشركون قد رأوا رسول الله ﷺ حيث راح ونزل. فاجتمعوا واستعملوا على حرسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين. وأدلج رسول الله ﷺ في السحر ودليله أبو حثمة الحارثي فانتهى إلى أحد إلى موضع القنطرة اليوم فحانت الصلاة. وهو يرى المشركين. فأمر بلالا وأذن وأقام فصلى بأصحابه الصبح صفوفا.
وانخزل ابن أبي من ذلك المكان في كتيبة كأنه هيق يقدمهم وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له. وانخزل معه ثلاثمائة. فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبي بردة بن نيار. وأقبل يصف أصحابه ويسوي الصفوف على رجليه. وجعل ميمنة وميسرة وعليه درعان ومغفر وبيضة. وجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة. وجعل عينين جبلا بقناة عن يساره وجعل عليه خمسين من الرماة.
واستعمل عليهم عبد الله بن جبير وأوعز إليهم فقال: قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا. فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا. وأقبل المشركون قد صفوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ولهم مجنبتان مائتا فرس. وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية.
ويقال عمرو بن العاص. وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة. وكانوا مائة رام. ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وسأل رسول الله ﷺ :، من يحمل لواء المشركين؟، قيل:
عبد الدار. قال:، نحن أحق بالوفاء منهم. أين مصعب بن عمير؟، قال: هانذا. قال:
، خذ اللواء،. فأخذه مصعب بن عمير فتقدم به بين يدي رسول الله ﷺ فكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر. فقال المسلمون: لا مرحبا بك ولا أهلا. يا فاسق! قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ومعه عبيد قريش. فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولي أبو عامر وأصحابه. وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار
стр. 420
والدفوف والغرابيل ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر ويقلن:
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق … أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق (١)
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض والرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل فتولى هوازن. فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب. ﵁. فالتقيا بين الصفين فبدره علي فضربه على رأسه حتى فلق هامته فوقع. وهو كبش الكتيبة. فسر رسول الله ﷺ بذلك وأظهر التكبير.
وكبر المسلمون وشدوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت صفوفهم.
ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة وهو إمام النسوة يرتجز ويقول:
إن على أهل اللواء حقا … أن تخضب الصعدة أو تندقا
وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره. ثم رجع وهو يقول: أنا ابن ساقي الحجيج ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فأدلع لسانه إدلاع الكلب فقتله. ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله. ثم حمله الحارث بن أبي طلحة فقتله الزبير بن العوام. ثم حمله أرطاة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب. ثم حمله شريح بن قارظ فلسنا ندري من قتله. ثم حمله صواب غلامهم وقال قائل: قتله سعد بن أبي وقاص. وقال قائل: قتله علي بن أبي طالب. وقال قائل: قتله قزمان. وهو أثبت القول.
فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء.
ونساؤهم يدعون بالويل. وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا
стр. 421
حتى أجهضوهم عن العسكر. ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم. وتكلم الرماة الذين على عينين واختلفوا بينهم. وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة مكانهم. وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ .
ووعظ أصحابه وذكرهم أمر رسول الله ﷺ فقالوا: لم يرد رسول الله ﷺ .
هذا. قد انهزم المشركون فما مقامنا هاهنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم وخلوا الجبل. ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة اهله فكر بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم. وقتل أميرهم عبد الله بن جبير. ﵀. وانتفضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم وحالت الريح فصارت دبورا. وكانت قبل ذلك صبا. ونادى إبليس لعنه الله أن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون به من العجلة والدهش. وقتل مصعب بن عمير فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب. وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل. ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى! يا لهبل! وأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا.
وولي من ولي منهم يومئذ وثبت رسول الله ﷺ ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمي بالحجر. وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا:
سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق. ﵁. وسبعة من الأنصار.
حفى تحاجزوا ونالوا من رسول الله ﷺ في وجهه ما نالوا. أصيبت رباعيته وكلم في وجنتيه وجبهته وعلاه ابن قميئة بالسيف فضربه على شقه الأيمن. واتقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلت إصبعه. وادعى ابن قميئة أنه قد قتله. وكان ذلك مما رعب المسلمين وكسرهم.
من قتل من المسلمين يوم أحد (١)
وقتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب. ﵀. قتله وحشي. وعبد الله بن جحش. قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق. ومصعب بن عمير. قتله ابن قميئة. وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي. قتله أبي بن خلف الجمحي.
стр. 422
وعبد الله وعبد الرحمن ابنا الهبيب من بني سعد بن ليث. ووهب بن قابوس المزني. وابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس.
وقتل من الأنصار سبعون رجلا. فيهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن معاذ.
واليمان أبو حذيفة. قتله المسلمون خطأ. وحنظلة بن أبي عامر الراهب. وخيثمة أبو سعد بن خيثمة. وخارجة بن زيد بن أبي زهير صهر أبي بكر. وسعد بن الربيع. ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري. والعباس بن عباده بن نضلة.
ومحذر بن ذياد. وعبد الله بن عمرو بن حرام. وعمرو بن الجموح في ناس كثير من أشرافهم.
وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا. فيهم حملة اللواء وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. وأبو عزيز بن عمير. وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي. قتله علي بن أبي طالب. وسباع بن عبد العزى الخزاعي. وهو ابن أم أنمار قتله حمزة بن عبد المطلب. ﵁. وهشام بن أبي أمية بن المغيرة. والوليد بن العاص بن هشام. وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة. وخالد بن الأعلم العقيلي. وأبي بن خلف الجمحي قتله رسول الله ﷺ بيده. وأبو عزة الجمحي واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح. وقد كان أسر يوم بدر فمن عليه رسول الله ﷺ .
فقال: لا أكثر عليك جمعا. ثم خرج مع المشركين يوم أحد فأخذه رسول الله.
ﷺ . أسيرا ولم يأخذ أسيرا غيره فقال: من علي يا محمد! فقال رسول الله.
ﷺ :، إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك تقول: سخرت بمحمد مرتين،. ثم أمر به عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فضرب عنقه.
فلما انصرف المشركون عن أحد أقبل المسلمون على أمواتهم وأتى رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب فلم يغسله ولم يغسل الشهداء وقال:، لفوهم بدمائهم وجراحهم. أنا الشهيد على هؤلاء. ضعوهم،. فكان حمزة أول من كبر عليه رسول الله ﷺ أربعا ثم جمع إليه الشهداء. فكان كلما أتي بشهيد وضع إلى جنب حمزة فصلى عليه وعلى الشهيد حتى صلى عليه سبعين مرة. وقد سمعنا من يقول: لم يصل رسول الله ﷺ على قتلى أحد. وقال رسول الله.
ﷺ :، احفروا وأعمقوا وأوسعوا وقدموا أكثرهم قرآنا،. فكان ممن نعرف أنه دفن
стр. 423
في قبر واحد عبد الله بن عمرو بن حرام. وعمرو بن الجموح في قبر. وخارجة بن زيد وسعد بن الربيع في قبر. والنعمان بن مالك وعبدة بن الحسحاس في قبر واحد. فكان الناس أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها. فنادى منادي رسول الله ﷺ : ردوا القتلى إلى مضاجعهم. فأدرك المنادي رجلا واحدا لم يكن دفن فرد. وهو شماس بن عثمان المخزومي.
ثم انصرف رسول الله ﷺ يومئذ فصلى المغرب بالمدينة وشمت ابن أبي والمنافقون بما نيل من رسول الله ﷺ في نفسه وأصحابه. فقال رسول الله.
ﷺ :، لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن،. وبكت الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال:، لكن حمزة لا بواكي له، .. فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله ﷺ فبكين على حمزة فدعا لهن رسول الله ﷺ .
وأمرهن بالانصراف. فهن إلى اليوم إذا مات الميت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة ثم بكين على ميتهن.
أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: مكر رسول الله ﷺ يوم أحد بالمشركين. وكان ذلك أول يوم مكر فيه.
أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه. صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته. فقال:، كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟، فنزلت هذه الآية: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ» آل عمران: ١٢٨.
أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم.
قال: فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم. فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: عباد الله. أبي! أبي! قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة:
غفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زال في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله.
أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:، رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا منحرة فأولت أن الدرع المدينة والبقر نفر. فإن شئتم أقمنا بالمدينة. فإن دخلوا
стр. 424
علينا قاتلناهم فيها،. فقالوا: والله ما دخلت علينا في الجاهلية فتدخل علينا في الإسلام. قال:، فشأنكم إذا،. فذهبوا فلبس رسول الله ﷺ لأمته. فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله ﷺ رأيه. فجاؤوا فقالوا: شأنك يا رسول الله. فقال:
، الآن ليس بنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل،.
حدثنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة: أن رباعية النبي ﷺ .
أصيبت يوم أحد. أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في جبهته. فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي ﷺ الدم النبي ﷺ يقول:، كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟، فأنزل الله. ﵎: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ» آل عمران: ١٢٨ إلى آخر الآية.
أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن الزهري أن الشيطان صاح يوم أحد:
إن محمدا قد قتل. قال كعب بن مالك: فكنت أنا أول من عرف النبي ﷺ .
عرفت عينيه تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله! فأشار إلي أن اسكت فأنزل الله. تعالى جده: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» آل عمران: ١٤٤ الآية.
أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي. أخبرنا ليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبي بن خلف الجمحي أسر يوم بدر. فلما افتدي من رسول الله ﷺ قال لرسول الله ﷺ : إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرق ذرة لعلي أقتلك عليها. فقال رسول الله ﷺ :، بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله،. فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله ﷺ فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله ﷺ :، استأخروا استأخروا.، فقام رسول الله ﷺ بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعا من أضلاعه. فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه حتى ولوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك! فقال لهم أبي: ألم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه.
قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله. ﵎: «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى الأنفال: ١٧ الآية.
أخبرنا عتاب بن زياد. أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن
стр. 425
يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أو غيره قال: كانت على رسول الله ﷺ .
يوم أحد درعان.
أخبرنا عتاب بن زياد. أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان بن عيينة قال:
لقد أصيب مع رسول الله ﷺ يوم أحد نحو من ثلاثين كلهم يجيء حتى يجثو بين يديه. أو قال: يتقدم بين يديه. ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء ونفسي لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير مودع.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصري قالا: أخبرنا زهير بن معاوية. أخبرنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم أحد جعل رسول الله ﷺ على الرماة. وكانوا خمسين رجلا. عبد الله بن جبير الأنصاري ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم. وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم وظهرنا عليهم وأوطاناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. قال: فهزمهم رسول الله ﷺ فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل قد بدت أسؤقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة! أي قوم الغنيمة! قد ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: أنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. قال: فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين.
فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين رجلا. وكان رسول الله ﷺ وأصحابه. أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. فأقبل أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات. قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟، قال أبو إسحاق: اتهم. قال الحسن بن موسى أي ليس فوقهم أحد.
ثم أقبل أبو سفيان على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله! إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك. قال: فقال يوم بيوم بدر والحرب سجال ثم إنكم ستجدون في القوم مثله لم آمر بها ولم تسؤني .. ثم جعل يرتجز ويقول: أعل هبل. أعل هبل!