← Гариб и словари

Гариб и словари · id 1687

لسان العرب

ابن منظور

Полный текст (8 101 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[لسان العرب]ـ المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: ٧١١هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بحواشي اليازجي وجماعة من اللغويين]

стр. 2

تَرْجَمَة الْمُؤلف ـ[اسْمه]ـ ابْن مَنْظُور مُحَمَّد بن مُكرَّم بن عليّ بن أَحْمد بن حبقة الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي كَانَ يُنسب إِلَى رُوَيْفِع بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، من صحابة رَسُول الله وَهُوَ صَاحب «لِسَان الْعَرَب» فِي اللُّغَة. ـ[وِلَادَته]ـ وُلِدَ ابْن مَنْظُور فِي الْقَاهِرَة، وَقيل فِي طرابلس، فِي شهر الْمحرم سنة ٦٣٠ هـ / سنة ١٢٣٢ م ـ[مَنْزِلَته ورحلته العلمية]ـ كَانَت حَيَاته حَيَاة جد وَعمل مَوْصُول، كَانَ عَالما فِي الْفِقْه مِمَّا أهَّلَه لتولي منصب الْقَضَاء فِي طرابلس، كَمَا عمل فَتْرَة طَوِيلَة فِي ديوَان الْإِنْشَاء وَكَانَ عَالما فِي اللُّغَة وَيشْهد لَهُ بذلك هَذَا الْكتاب الْفَرد «سان الْعَرَب» وَقد جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح والجمهرة وَالنِّهَايَة وحاشية الصِّحَاح جوّده مَا شَاءَ ورتبه تَرْتِيب الصِّحَاح وَهُوَ كَبِير، وَكَانَ من أفضل عُلَمَاء عصره فِي المعارف الكونية فَهُوَ بِحَق مفخرة من المفاخر الخالدة فِي التراث الْعَرَبِيّ، وَسمع من ابْن المقير ومرتضى بن حَاتِم وَعبد الرَّحِيم بن الطُّفَيْل ويوسف بن المخيلي وَغَيرهم. وعمَّر وَكبر وحدَّث فَأَكْثرُوا عَنهُ، وَكَانَ مغرى بِاخْتِصَار كتب الْأَدَب المطوَّلة، اختصر الأغاني والعِقد والذخيرة ونشوان المحاضرة ومفردات ابْن البيطار والتواريخ الْكِبَار وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك، قَالَ الصَّفَدِي: لَا أعرف فِي الْأَدَب وَغَيره كِتابا مطوَّلا إِلَّا وَقد اخْتَصَرَهُ، قَالَ: وَأَخْبرنِي وَلَده قطب الدّين أَنه ترك بِخَطِّهِ خَمْسمِائَة مجلدة، وَيُقَال إِن الْكتب الَّتِي علقها بِخَطِّهِ من مختصراته خَمْسمِائَة مجلدة. وَكَانَ عِنْده تشيُّع بِلَا رفض، قَالَ أَبُو حَيَّان أَنْشدني لنَفسِهِ: ضع كتابي إِذا أَتَاك إِلَى الأَرْض ... وقلِّبه فِي يَديك لماما فعلى خَتمه وَفِي جانبيه ... قُبَلٌ قد وضعتهنَّ تؤَاما قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ: النَّاس قد أثموا فِينَا بظنهم ... وَصَدقُوا بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا مَاذَا يضرُّك فِي تَصْدِيق قَوْلهم ... بِأَن نحقق مَا فِينَا يظنونا حملي وحملك ذَنبا وَاحِدًا ثِقَة ... بِالْعَفو أجمل من إِثْم الورى فِينَا قَالَ الصَّفَدِي: هُوَ معنى مطروق للقدماء لَكِن زَاد فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله ثِقَة بِالْعَفو من أحسن متممات البلاغة. وَذكر ابْن فضل الله أَنه عَمِيَ فِي آخر عمره، وَكَانَ صَاحب نكت ونوادر وَهُوَ الْقَائِل: بِاللَّه إِن جزت بوادي الْأَرَاك ... وَقبلت عيدانه الْخضر فَاك فَابْعَثْ، إِلَى عَبدك، من بَعْضهَا ... فإنني، وَالله، مَا لي سواك ـ[مؤلفاته]ـ ١. مُعْجم «لِسَان الْعَرَب» فِي اللُّغَة. ٢. مُخْتَار الأغاني. ٣. مُخْتَصر «تَارِيخ بَغْدَاد» للخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي عشرَة مجلدات. ٤. مُخْتَصر «تَارِيخ دمشق» لِابْنِ عَسَاكِر. ٥. مُخْتَصر «مُفْرَدَات ابْن البيطار». ٦. مُخْتَصر «العقد الفريد» لِابْنِ عبد ربه. ٧. مُخْتَصر «زهر الْآدَاب» للحصري. ٨. مُخْتَصر «الْحَيَوَان» للجاحظ. ٩. مُخْتَصر «يتيمة الدَّهْر» للثعالبي. ١٠. مُخْتَصر «نشوان المحاضرة» للتنوخي. ١١. مُخْتَصر «الذَّخِيرَة». ـ[وَفَاته]ـ توفّي فِي مصر سنة ٧١١ هـ / ١٣١١م.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة الناشر] عزمنا بعد الاتكال عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَبعد إِعْمَال الروية وتقليب الْفِكر، أَن نصدر طبعة جَدِيدَة للسان الْعَرَب، لِابْنِ مَنْظُور الإفْرِيقِي، وَلَيْسَ هَذَا الْعَمَل يَسِيرا، فان الطبعة الأولى توافرت عَلَيْهَا أَمْوَال حُكُومَة الخديو مُحَمَّد توفيق وَتَحْت إمرتها مطبعة كَبِيرَة، كَمَا تعاون علماؤها فِي الإشراف على الْعَمَل، وَمَعَ ذَلِك لم تخل من أغاليط، بَعْضهَا نبه عَلَيْهِ جمَاعَة من الْعلمَاء، وَبَعضهَا لم يُنَبه عَلَيْهِ أحد، فتداركنا ذَلِك كُله، مستعينين بنخبة من عُلَمَاء اللُّغَة المتخصصين، ورأينا أَن نثبت تحقيقات مصحح الطبعة الأولى الْوَارِدَة فِي الهوامش بنصها. وسنصدر الْكتاب أَجزَاء ليسهل اقتناؤه. وسنضيف إِلَيْهِ فهرسا شَامِلًا أَسمَاء الشُّعَرَاء وذيلا بالمفردات والمصطلحات الحديثة الَّتِي أقرتها المجامع اللُّغَوِيَّة فِي الْبِلَاد الْعَرَبيَّة، لوصل مَا انْقَطع من التراث اللّغَوِيّ. وأشير علينا أَن نغير تَرْتِيب " اللِّسَان " وَلَكنَّا آثرنا أَن يبْقى على حَاله حفظا للأثر من أَن يُغير، ولأن تَرْتِيب الْأَبْوَاب على الْحَرْف الْأَخير يعين الشَّاعِر على القافية - وَلَعَلَّه أحد الْمَقَاصِد الَّتِي أرادها صَاحب اللِّسَان - وَهُنَاكَ معاجم تسير على غير هَذَا التَّرْتِيب الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن مَنْظُور وَاخْتَارَهُ مثله الفيروز آبادي. غير أننا تيسيرا للبحث عَن اللَّفْظَة المُرَاد الْبَحْث عَنْهَا، وإيضاح مَكَانهَا من مادتها، رَأينَا أَن نضع فواصل حاولنا بهَا على قدر الِاسْتِطَاعَة، أَن نفصل بَين اللَّفْظَة وَالْأُخْرَى، لكَي تبرز للباحث ضالته الَّتِي ينشدها بأيسر سَبِيل وَأَقل عناء. وَالله ولي التَّوْفِيق. الناشر

стр. 4

تَرْجَمَة الْمُؤلف ﵀ قَالَ الإِمَام الْحَافِظ شهَاب الدّين أَبُو الْفضل احْمَد بن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي كِتَابه الدُّرَر الكامنة فِي أَعْيَان الْمِائَة الثَّامِنَة فِي حرف الْمِيم مَا نَصه: هُوَ مُحَمَّد بن مكرم بن عَليّ بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي ثمَّ الْمصْرِيّ جمال الدّين أَبُو الْفضل، كَانَ ينْسب إِلَى رويفع بن ثَابت الْأنْصَارِيّ. ولد سنة ٦٣٠ فِي الْمحرم وَسمع من ابْن المقير ومرتضى بن حَاتِم وَعبد الرَّحِيم بن الطُّفَيْل ويوسف بن المخيلي وَغَيرهم. وَعمر وَكبر وَحدث فَأَكْثرُوا عَنهُ، وَكَانَ مغرى بِاخْتِصَار كتب الْأَدَب المطولة، اختصر الأغاني وَالْعقد والذخيرة ونشوار المحاضرة ومفردات ابْن البيطار والتواريخ الْكِبَار وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك، قَالَ الصَّفَدِي: لَا أعرف فِي الْأَدَب وَغَيره كتابا مطولا إِلَّا وَقد اخْتَصَرَهُ، قَالَ: وَأَخْبرنِي وَلَده قطب الدّين أَنه ترك بِخَطِّهِ خَمْسمِائَة مجلدة، وَيُقَال إِن الْكتب الَّتِي علقها بِخَطِّهِ من مختصراته خَمْسمِائَة مجلدة، قلت: وَجمع فِي اللُّغَة كتابا سَمَّاهُ " لِسَان الْعَرَب " جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح والجمهرة وَالنِّهَايَة وحاشية الصِّحَاح، جوده مَا شَاءَ ورتبه تَرْتِيب الصِّحَاح، وَهُوَ كَبِير، وخدم فِي ديوَان الْإِنْشَاء طول عمره وَولي قَضَاء طرابلس. وَكَانَ عِنْده تشيع بِلَا رفض، قَالَ أَبُو حَيَّان أَنْشدني لنَفسِهِ: ضع كتابي إِذا أَتَاك إِلَى الأر ... ض وَقَلبه فِي يَديك لماما فعلى خَتمه وَفِي جانبيه ... قبل قد وضعتهن تؤاما قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ: النَّاس قد أثموا فِينَا بظنهم ... وَصَدقُوا بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا مَاذَا يَضرك فِي تَصْدِيق قَوْلهم ... بَان نحقق مَا فِينَا يظنونا حملي وحملك ذَنبا وَاحِدًا ثِقَة ... بِالْعَفو أجمل من إِثْم الورى فِينَا قَالَ الصَّفَدِي: هُوَ معني مطروق للقدماء لَكِن زَاد فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله ثِقَة بِالْعَفو من أحسن متممات البلاغة. وَذكر ابْن فضل الله أَنه عمي فِي آخر عمره، وَكَانَ صَاحب نكت ونوادر وَهُوَ الْقَائِل: بِاللَّه إِن جزت بوادي الْأَرَاك، ... وَقبلت عيدانه الْحَضَر فَاك فَابْعَثْ، إِلَى عَبدك، من بَعْضهَا، ... فإنني، وَالله، مَا لي سواك وَمَات فِي شعْبَان سنة ٧١١. * * * وَقَالَ الْحَافِظ جلال الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر السُّيُوطِيّ فِي بغية الوعاة فِي طَبَقَات اللغويين والنحاة فِيمَن اسْمه مُحَمَّد: مُحَمَّد بن مكرم بن عَليّ وَقيل رضوَان بن أَحْمد بن أبي الْقَاسِم بن حبقة بن مَنْظُور الْأنْصَارِيّ الإفْرِيقِي الْمصْرِيّ جمال الدّين أَبُو الْفضل صَاحب لِسَان الْعَرَب فِي اللُّغَة الَّذِي جمع فِيهِ بَين التَّهْذِيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة وَالنِّهَايَة، ولد فِي الْمحرم سنة ٦٣٠ وَسمع من ابْن المقير وَغَيره وَجمع وَعمر وَحدث وَاخْتصرَ كثيرا من كتب الْأَدَب المطولة كالأغاني وَالْعقد والذخيرة ومفردات ابْن البيطار، وَنقل أَن مختصراته خَمْسمِائَة مُجَلد، وَكَانَ صَدرا رَئِيسا فَاضلا فِي الْأَدَب مليح الْإِنْشَاء روى عَنهُ السُّبْكِيّ والذهبي وَقَالَ تفرد بالغوالي وَكَانَ عَارِفًا بالنحو واللغة والتاريخ وَالْكِتَابَة وَاخْتصرَ تَارِيخ دمشق فِي نَحْو ربعه، وَعِنْده تشيع بِلَا رفض، مَاتَ فِي شعْبَان سنة ٧١١.

стр. 5

مُقَدّمَة الطبعة الأولى الْحَمد لله منطق اللِّسَان بتحميد صِفَاته، وملهم الْجنان إِلَى تَوْحِيد ذَاته، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد أشرف مخلوقاته، وعَلى آله وَصَحبه الَّذين اقتدوا بقداته واهتدوا بسماته. وَبعد فقد اتّفقت آراء الْأُمَم: الْعَرَب مِنْهُم والعجم، الَّذين مارسوا اللُّغَات ودروا مَا فِيهَا من الْفُنُون وَالْحكم، وأساليب التَّعْبِير عَن كل معنى يجرى على اللِّسَان والقلم، على أَن لُغَة الْعَرَب أوسعها وأسنعها، وأخلصها وأنصعها، وَأَشْرَفهَا وأفضلها، وآصلها وأكلمها، وَذَلِكَ لغزارة موادها، واطراد اشتقاقها، وسرارة جوادها، واتحاد انتساقها. وَمن جملَته تعدد المترادف، الَّذِي هُوَ للبليغ خير رافد ورادف، وَمَا يَأْتِي على رُوِيَ وَاحِد فِي القصائد مِمَّا يكْسب النّظم من التحسين وُجُوهًا، لَا تَجِد لَهَا فِي غَيرهَا من لُغَات الْعَجم شَبِيها. وَهَذَا التَّفْضِيل يزْدَاد بَيَانا وظهورا، وَيزِيد المتأمل تَعَجبا وتحييرا، إِذا اعْتبرت أَنَّهَا كَانَت لُغَة قوم أُمِّيين لم يكن لَهُم فلسفة اليونانيين، وَلَا صنائع أهل الصين، وَمَعَ ذَلِك فقد جعلت بِحَيْثُ يعبر فِيهَا عَن خواطر هذَيْن الجيلين بل سَائِر الأجيال، إِذا كَانَت جديرة بَان يشغل بهَا البال، وتحسن فِي الِاسْتِعْمَال الَّذِي من لوازمه أَن يكون المعني الْمُفْرد وَغير الْمُفْرد مَوْضُوعا بإزائه لفظ مُفْرد فِي الْوَضع، يخف النُّطْق بِهِ على اللِّسَان ويرتاح لَهُ الطَّبْع، وَهُوَ شان الْعَرَبيَّة، وكفاها فضلا على مَا سواهَا هَذِه المزية. وَإِنَّمَا قلت مُفْرد فِي الْوَضع لانا نرى مُعظم أَلْفَاظ اليونانية، وَغَيرهَا من اللُّغَات الإفرنجية، من قبيل النحت، وشتان مَا بَينه وَبَين الْمُفْرد البحت، فَإِن هَذَا يدل على أَن الْوَاضِع فطن، من أول الْأَمر، إِلَى الْمعَانِي الْمَقْصُودَة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا لإِفَادَة السَّامع، بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال والمواقع. وَذَاكَ يدل على أَن تِلْكَ الْمعَانِي لم تخطر بِبَالِهِ الا عِنْدَمَا مست الْحَاجة إِلَيْهَا، فلفق لَهَا ألفاظا كَيْفَمَا اتّفق وَاعْتمد فِي الإفادة عَلَيْهَا. فَمثل من وضع اللَّفْظ الْمُفْرد، مثل من بنى صرحا لينعم فِيهِ ويقصد، فَقدر من قبل الْبناء كل مَا لزم لَهُ من المداخل والمخارج، والمرافق والمدارج، ومنافذ النُّور والهواء، والمناظر المطلة على المنازه الفيحاء، وَهَكَذَا أتم بناءه، كَمَا قدره وشاءه. وَمثل من عمد إِلَى النحت والتلفيق، مثل من بنى من غير تَقْدِير وَلَا تنسيق، فَلم يفْطن إِلَى مَا لزم لمبناه الا بعد أَن سكنه، وَشعر بِأَنَّهُ لَا يُصِيب فِيهِ سكنه، فتدارك مَا فرط مِنْهُ تدارك من لهوج فعجز، فجَاء بِنَاؤُه سدادا من عوز. هَذَا من حَيْثُ كَون الْأَلْفَاظ مُفْردَة كَمَا أسلفت مفصلا. فَأَما من حَيْثُ كَونهَا تركب جملا، وتكسى من منوال البلاغة حللا، فنسبة تِلْكَ اللُّغَات إِلَى الْعَرَبيَّة، كنسبة الْعُرْيَان إِلَى الكاسي، والظمآن إِلَى الحاسي، وَلَا يُنكر ذَلِك الا مكابر، على جحد الْحق مثابر. وحسبك أَنه لَيْسَ فِي تِلْكَ اللُّغَات من أَنْوَاع البديع الا التَّشْبِيه وَالْمجَاز، وَمَا سوى ذَلِك يحْسب فِيهَا من قبيل الإعجاز. هَذَا وكما أَنِّي قررت أَن اللُّغَة الْعَرَبيَّة أشرف اللُّغَات، كَذَلِك أقرر أَن أعظم كتاب ألف فِي مفرداتها كتاب لِسَان الْعَرَب للْإِمَام المتقن جمال الدّين مُحَمَّد بن جلال الدّين الْأنْصَارِيّ الخزرجي الإفْرِيقِي، نزيل مصر، وَيعرف بِابْن مكرم وَابْن مَنْظُور، ولد فِي الْمحرم سنة ٦٩٠، وَتُوفِّي سنة ٧٧١ (١). وَقد جمع فِي

стр. 6

كِتَابه هَذَا الصِّحَاح للجوهري وحاشيته لِابْنِ بري، والتهذيب للأزهري، والمحكم لِابْنِ سَيّده، والجمهرة لِابْنِ دُرَيْد، وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير، وَغير ذَلِك، فَهُوَ يغنى عَن سَائِر كتب اللُّغَة، إِذْ هِيَ بجملتها لم تبلغ مِنْهَا مَا بلغه. قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن الطّيب محشي الْقَامُوس: وَهُوَ عَجِيب فِي نقُوله وتهذيبه، وتنقيحه وترتيبه، إلا انه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ لغيره من المصنفات المتداولة، وزاحم عصره صَاحب الْقَامُوس رحم الله الْجَمِيع انْتهى. وَسبب قلته كبر حجمه وَتَطْوِيل عِبَارَته، فإنه ثَلَاثُونَ مجلدا، فالمادة الَّتِي تملأ فِي الْقَامُوس صفحة وَاحِدَة تملأ فِيهِ أَربع صفحات بل أَكثر، وَلِهَذَا عجزت طلبة الْعلم عَن تَحْصِيله وَالِانْتِفَاع بِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب لُغَة، وَنَحْو، وَصرف، وَفقه، وأدب، وَشرح للْحَدِيث الشريف، وَتَفْسِير للقران الْكَرِيم، فَصدق عَلَيْهِ الْمثل: إِن من الْحسن لشقوة. وَلَوْلَا أَن الله ﵎ أودع فِيهِ سرا مَخْصُوصًا لما بَقِي إِلَى الْآن، بل كَانَ لحق بنظرائه من الْأُمَّهَات المطولة الَّتِي اغتالتها طوارق الْحدثَان: كالموعب لعيسى ابْن غَالب التياني، والبارع لأبي عَليّ القالي، وَالْجَامِع للقزاز، غَيرهَا مِمَّا لم يبْق لَهُ عين وَلَا أثر، إلا فِي ذكر اللغويين حِين ينوهون بِمن ألف فِي اللُّغَة وَأثر، فَالْحَمْد لله مولي النعم ومؤتي الهمم على أَن حفظه لنا مصونا من تعاقب الْأَحْوَال، وتناوب الْأَحْوَال، كَمَا نحمده على أَن ألهم فِي هَذِه الْأَيَّام سيدنَا الخديو الْمُعظم، الْعَزِيز ابْن الْعَزِيز ابْن الْعَزِيز مُحَمَّد توفيق الْمَحْمُود بَين الْعَرَب والعجم، والمحفوف بالتوفيق لكل صَلَاح جم، وفلاح عَم، إِلَى أَن يكون هَذَا الْكتاب الفريد بالطبع منشورا، ونفعه فِي جَمِيع الأقطار مَشْهُورا، بعد أَن كَانَ دهرا طَويلا كالكنز المدفون، والدر الْمكنون. وَذَلِكَ بمساعي أَمِين دولته، وشاكر نعْمَته، الشهم الْهمام، الَّذِي ذاعت مآثره بَين الْأَنَام، وسرت محامده فِي الْآفَاق: حُسَيْن حسني بك نَاظر مطبعة بولاق، وهمة ذِي الْعَزْم المتين، وَالْفضل المكين، الراقي فِي معارج الْكَمَال إِلَى الأوج، الْعلم الْفَرد الَّذِي يفضل كل فَوْج، من إِذا ادلهم عَلَيْك أَمر يرشدك بصائب فكره ويهديك: حَضْرَة حُسَيْن أَفَنْدِي على الديك، فَإِنَّهُ حفظه الله شمر عَن ساعد الْجد حَتَّى احْتمل عبء هَذَا الْكتاب وبذل فِي تَحْصِيله نَفِيس مَاله، رَغْبَة فِي عُمُوم نَفعه، واغتناما لجميل الثَّنَاء وجزيل الثَّوَاب. فدونك كتابا علا بقدمه على هام السها، وغازل أَفْئِدَة البلغاء مغازلة ندمان الصفاء عُيُون المها، ورد علينا أنموذجه، فَإِذا هُوَ يَتِيم اللُّؤْلُؤ منضد فِي سموط النضار، يروق نظيمه الْأَلْبَاب ويبهج نثيره الأنظار، بلغ، من حسن الطَّبْع وجماله، مَا شهرته ورؤيته تغنيك عَن الإطراء. وَمن جيد الصِّحَّة مَا قَامَ بِهِ الجم الْغَفِير من جهابذة النجباء، جمعُوا لَهُ، على مَا بلغنَا، شوارد النّسخ الْمُعْتَبرَة والمحتاج إِلَيْهِ من الْموَاد، وعثروا، أثْنَاء ذَلِك، على نُسْخَة منسوبة للمؤلف، فبلغوا من مقصودهم المُرَاد. وجلبوا غير ذَلِك، من خَزَائِن الْمُلُوك وَمن كل فج، وأنجدوا فِي تَصْحِيح فرائده، وأتهموا وانتجعوا، فِي تطبيق شواهده، كل منتجع، وتيمموا حَتَّى بلغُوا أقاصي الشَّام وَالْعراق وَوَج. أعانهم الله على صنيعهم حَتَّى يصل إِلَى حد الْكَمَال، وَأتم لَهُم نسيجهم على أحكم منوال، وجزى الله حَضْرَة نَاظر هم أحسن الْجَزَاء، وشكره على حسن مساعيه وحباه جميل الحباء، فَإِن هَذِه نعْمَة كبرى على جَمِيع الْمُسلمين، يجب أَن يقابلوها بالشكر وَالدُّعَاء على ممر السنين، كلما تلوا: إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْمُرْسلين. فِي ١٧ رَجَب الْمُعظم سنة ١٣٠٠ كتبه الْفَقِير إِلَى ربه الْوَاهِب أحْمَد فَارس صَاحب الجوائب

стр. 7

مُقدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرم بن أبي الْحسن بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، عَفا الله عَنهُ بكرمه: الْحَمد لله رب الْعَالمين، تبركا بِفَاتِحَة الْكتاب الْعَزِيز، واستغراقا لأجناس الْحَمد بِهَذَا الْكَلَام الْوَجِيز، إِذْ كل مُجْتَهد فِي حَمده، مقصر عَن هَذِه الْمُبَالغَة، وَإِن تَعَالَى؛ وَلَو كَانَ للحمد لفظ أبلغ من هَذَا لحمد بِهِ نَفسه، تقدّس وَتَعَالَى، نحمده على نعمه الَّتِي يواليها فِي كل وَقت ويجدّدها، وَلها الْأَوْلَوِيَّة بِأَن يُقَال فِيهَا نعدّ مِنْهَا وَلَا نعدّدها؛ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد المشرَّف بالشفاعة، الْمَخْصُوص بِبَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم السَّاعَة، وعَلى آله الْأَطْهَار، وَأَصْحَابه الْأَبْرَار، وأتباعهم الأخيار، صَلَاة بَاقِيَة بَقَاء اللَّيْل وَالنَّهَار. أما بعد فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد كرَّم الْإِنْسَان وفضله بالنطق على سَائِر الْحَيَوَان، وشرَّف هَذَا اللِّسَان العربيَّ بِالْبَيَانِ على كل لِسَان، وَكَفاهُ شرفا أَنه بِهِ نزل الْقُرْآن، وَأَنه لُغَة أهل الْجنان. رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ مَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ "أَحبُّوا الْعَرَب لثلاث: لِأَنِّي عربيّ، وَالْقُرْآن عربيّ، وَكَلَام أهل الْجنَّة عربيّ" وَإِنِّي لم أزل مشغوفا بمطالعات كتب اللُّغَات والاطلاع على تصانيفها، وَعلل تصاريفها؛ وَرَأَيْت علماءها بَين رجلَيْنِ: أما من أحسن جمعه فَإِنَّهُ لم يحسن وَضعه، وَأما من أَجَاد وَضعه فَإِنَّهُ لم يُجد جمعه، فَلم يُفد حسنُ الْجمع مَعَ إساءة الْوَضع، وَلَا نَفَعت إجادةُ الْوَضع مَعَ رداءة الْجمع. وَلم أجد فِي كتب اللُّغَة أجمل من تَهْذِيب اللُّغَة لأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَزْهَرِي، وَلَا أكمل من الْمُحكم لأبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن سَيّده الأندلسي، رحمهمَا الله، وهما من أمّهات كتب اللُّغَة على التَّحْقِيق، وَمَا عداهما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا ثنيَّات للطريق. غير أَن كُلًّا مِنْهُمَا مطلب عسر المهلك، ومنهل وعر المسلك، وكأنَّ وَاضعه شرع للنَّاس موردا عذبا وجلاهم عَنهُ، وارتاد لَهُم مرعًى مربعًا ومنعهم مِنْهُ؛ قد أخّر وقدّم، وَقصد أَن يُعرب فأعجم. فرّق الذِّهْن بَين الثنائي والمضاعف والمقلوب وبدّد الْفِكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فَضَاعَ الْمَطْلُوب، فأهمل النَّاس أَمرهمَا، وَانْصَرفُوا عَنْهُمَا، وكادت الْبِلَاد لعدم الإقبال عَلَيْهِمَا أَن تَخْلُو مِنْهُمَا. وَلَيْسَ لذَلِك سَبَب إِلَّا سوء التَّرْتِيب، وتخليط التَّفْصِيل والتبويب. وَرَأَيْت أَبَا نصر إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي قد أحسن تَرْتِيب مُخْتَصره، وشهره، بسهولة وَضعه، شهرة أبي دُلف بَين باديه ومحتضره، فخف على النَّاس أمره فتناولوه، وَقرب عَلَيْهِم مأخذه فتداولوه وتناقلوه، غير أَنه فِي جو اللُّغَة كالذرّة، وَفِي بحرها كالقطرة، وَإِن كَانَ فِي نحرها كالدرّة؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِك قد صحّف وحرّف، وجزف فِيمَا صرّف، فأُتيح لَهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن بري فتتبع مَا فِيهِ، وأملى عَلَيْهِ أَمَالِيهِ، مخرِّجًا لسقطاته، مؤرِّخًا لغلطاته؛ فاستخرت الله فِي جمع هَذَا الْكتاب الْمُبَارك، الَّذِي لَا يُساهَم فِي سَعَة فَضله وَلَا يُشارَك، وَلم أخرج فِيهِ عَمَّا فِي هَذِه الْأُصُول، ورتبته تَرْتِيب [الصِّحَاح] فِي الْأَبْوَاب والفصول؛ وقصدت توشيحه

стр. 8

بجليل الْأَخْبَار، وَجَمِيل الْآثَار، مُضَافا إِلَى مَا فِيهِ من آيَات الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالْكَلَام على معجزات الذّكر الْحَكِيم، ليتحلى بترصيع (١) دررها عقده، وَيكون على مدَار الْآيَات وَالْأَخْبَار والْآثَار والأمثال والأشعار حلّه وعقده؛ فَرَأَيْت أَبَا السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن الْأَثِير الْجَزرِي قد جَاءَ فِي ذَلِك بالنهاية، وَجَاوَزَ فِي الْجَوْدَة حد الْغَايَة، غير أَنه لم يضع الْكَلِمَات فِي محلهَا، وَلَا رَاعى زَائِد حروفها من أَصْلهَا، فَوضعت كُلًّا مِنْهَا فِي مَكَانَهُ، وأظهرته مَعَ برهانه؛ فجَاء هَذَا الْكتاب بِحَمْد الله وَاضح الْمنْهَج سهل السلوك، آمنا بمنة الله من أَن يصبح مثل غَيره وَهُوَ مطروح مَتْرُوك. عظُم نفعُه بِمَ اشْتَمَل من الْعُلُوم عَلَيْهِ، وغني بِمَا فِيهِ عَن غَيره وافتقر غيرُه إِلَيْهِ، وَجمع من اللُّغَات والشواهد والأدلة، مَا لم يجمع مثلُه مثلَه؛ لِأَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء انْفَرد بِرِوَايَة رَوَاهَا، وبكلمة سَمعهَا من الْعَرَب شفاهًا، وَلم يَأْتِ فِي كِتَابه بِكُل مَا فِي كتاب أَخِيه، وَلَا أَقُول تعاظم عَن نقل مَا نَقله بل أَقُول اسْتغنى بِمَا فِيهِ؛ فَصَارَت الْفَوَائِد فِي كتبهمْ مفرقة، وسارت أنجم الْفَضَائِل فِي أفلاكها هَذِه مغرّبة وَهَذِه مشرّقة؛ فَجمعت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مَا تفرّق، وقرنت بَين مَا غرّب مِنْهَا وَبَين مَا شرّق، فانتظم شَمل تِلْكَ الْأُصُول كلهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوع، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة الأَصْل وَأُولَئِكَ بِمَنْزِلَة الْفُرُوع، فجَاء بِحَمْد الله وفْق البُغية وَفَوق المُنية، بديع الإتقان، صَحِيح الْأَركان، سليما من لَفْظَة لَو كَانَ. حللت بِوَضْعِهِ ذرْوَة الْحفاظ، وحللت بجمعه عقدَة الْأَلْفَاظ، وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أدّعي فِيهِ دَعْوَى فَأَقُول شافهتُ أَو سمعتُ، أَو فعلتُ أَو صنعتُ، أَو شددتُ أَو رحلتُ، أَو نقلتُ عَن الْعَرَب العَرْباء أَو حملتُ؛ فَكل هَذِه الدَّعَاوَى لم يتْرك فِيهَا الْأَزْهَرِي وَابْن سَيّده لقائلٍ مقَالا، وَلم يُخليا فِيهِ لأحدٍ مجالا، فَإِنَّهُمَا عيَّنا فِي كِتَابَيْهِمَا عَمَّن رويا، وبرهنا عَمَّا حويا، ونشرا فِي خطيهما مَا طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وَأَتيا بالمقاصد ووفيا. وَلَيْسَ لي فِي هَذَا الْكتاب فَضِيلَة أمتُّ بهَا، وَلَا وَسِيلَة أتمسك بِسَبَبِهَا، سوى أَنِّي جمعت فِيهِ مَا تفرَّق فِي تِلْكَ الْكتب من الْعُلُوم، وَبسطت القَوْل فِيهِ وَلم أشْبع باليسير، وطالِبُ الْعلم منهوم. فَمن وقف فِيهِ على صَوَاب أَو زلل، أَو صِحَة أَو خلل، فعهدته على المصنِّف الأوّل، وحمده وذمه لأصله الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول. لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، وَلم أبدل مِنْهُ شَيْئا، فَيُقَال فَإِنَّمَا إثمه على الَّذين يبدلونه بل أديتُ الْأَمَانَة فِي نقل الْأُصُول بالفص، وَمَا تصرفت فِيهِ بِكَلَام غير مَا فِيهَا من النَّص؛ فليعتدّ منْ ينْقل عَن كتابي هَذَا أَنه ينْقل عَن هَذِه الْأُصُول الْخَمْسَة، ولْيَغْنَ عَن الاهتداء بنجومها فقد غَابَتْ لما أطلعتُ شمسَه. والناقل عَنهُ يمد بَاعه وَيُطلق لِسَانه، ويتنوع فِي نَقله عَنهُ لِأَنَّهُ ينْقل عَن خزانَة. وَالله تَعَالَى يشْكر مَا لَهُ بإلهام جمعه من منَّة، وَيجْعَل بَينه وَبَين محرِّفي كَلِمِه عَن موَاضعه واقيةً وجُنَّةً. وَهُوَ المسؤول أَن يعاملني فِيهِ بِالنِّيَّةِ الَّتِي جمعتُه لأَجلهَا، فإنني لم أقصد سوى حفظ أصُول هَذِه اللُّغَة النَّبَوِيَّة وَضبط فَضلهَا، إِذْ عَلَيْهَا مدَار أَحْكَام الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة؛ وَلِأَن العالِمَ بغوامضها يعلم مَا توَافق فِيهِ النيةُ اللسانَ، (٢) وَيُخَالف فِيهِ اللسانُ النيةَ، وَذَلِكَ لِما رأيتُه قد غلب، فِي هَذَا الأوان، من اخْتِلَاف الْأَلْسِنَة والألوان، حَتَّى لقد أصبح اللّحن فِي الْكَلَام يعد لحنًا مردودًا، وَصَارَ النطقُ بِالْعَرَبِيَّةِ من المعايب معدودًا. وتنافس الناسُ فِي نصانيف الترجمانات فِي اللُّغَة الأعجمية، وتفاصحوا فِي غير اللُّغَة الْعَرَبيَّة، فَجمعت هَذَا الْكتاب فِي زمنٍ أهلُهُ بِغَيْر لغته يفخرون، وصنعته كَمَا صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه مِنْهُ يسخرون، وسميته [لسانَ الْعَرَب] ،

стр. 9

وَأَرْجُو من كرم الله تَعَالَى أَن يرفع قدر هَذَا الْكتاب وينفعَ بِعُلُومِهِ الزاخرة، ويصلَ النَّفْع بِهِ بتناقل الْعلمَاء لَهُ فِي الدُّنْيَا وبنطق أهل الْجنَّة بِهِ فِي الْآخِرَة؛ وَأَن يكون من الثَّلَاث الَّتِي يَنْقَطِع عمل ابْن آدم إِذا مَاتَ إِلَّا مِنْهَا؛ وَأَن أنال بِهِ الدَّرَجَات بعد الْوَفَاة بانتفاع كل من عمل بِعُلُومِهِ أَو نقل عَنْهَا؛ وَأَن يَجْعَل تأليفه خَالِصا لوجهه الْجَلِيل، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل. قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرّم: شرطنا فِي هَذَا الْكتاب الْمُبَارك أَن نرتبه كَمَا رتب الْجَوْهَرِي صحاحَه، وَقد قمنا، والْمنَّة لله، بِمَا شرطناه فِيهِ. إِلَّا أَن الْأَزْهَرِي ذكر، فِي أَوَاخِر كِتَابه، فصلا جمع فِيهِ تفسيرَ الْحُرُوف المقطَّعة، الَّتِي وَردت فِي أَوَائِل سور الْقُرْآن الْعَزِيز، لِأَنَّهَا ينْطق بهَا مفرّقة غير مؤلّفة وَلَا منتظمة، فتَرِد كل كلمة فِي بَابهَا، فَجعل لَهَا بَابا بمفردها؛ وَقد استخرتُ اللهَ تَعَالَى وقدمتها فِي صدر كتابي لفائدتين: أهمهما مقدَّمُهما، وَهُوَ التَّبَرُّك بتفسير كَلَام الله تَعَالَى الْخَاص بِهِ، الَّذِي لم يُشَارِكهُ أحد فِيهِ إِلَّا من تبرك بالنطق بِهِ فِي تِلَاوَته، وَلَا يعلم مَعْنَاهُ إِلَّا هُوَ، فاخترت الِابْتِدَاء بِهِ لهَذِهِ الْبركَة، قبل الْخَوْض فِي كَلَام النَّاس؛ وَالثَّانيَِة أَنَّهَا إِذا كَانَت فِي أول الْكتاب كَانَت أقرب إِلَى كل مُطالع من آخِره، لِأَن الْعَادة أَن يُطالع أول الْكتاب ليكشف مِنْهُ ترتيبه وغرض مُصَنفه، وَقد لَا يتهيأ للمُطالع أَن يكْشف آخِره، لِأَنَّهُ إِذا اطلع من خطبَته أَنه على تَرْتِيب الصِّحَاح أيِس أَن يكون فِي آخِره شَيْء من ذَلِك، فَلهَذَا قدَّمتُه فِي أوّل الْكتاب.

стр. 10

بَاب تَفْسِير الْحُرُوف الْمُقطعَة روى ابْن عَبَّاس ﵄ فِي الْحُرُوف الْمُقطعَة، مثل ألم ألمص المر وَغَيرهَا، ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا أَن قَول الله عزوجل: ألم أقسم بِهَذِهِ الْحُرُوف ان هَذَا الْكتاب، الَّذِي أنزل على مُحَمَّد ﷺ ، هَذَا الْكتاب الَّذِي من عِنْد الله عزوجل لَا شكّ فِيهِ، قَالَ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ألم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ، وَالْقَوْل الثَّانِي عَنهُ: إِن الرَّحِم ن اسْم الرَّحْمَن مقطع فِي اللَّفْظ، مَوْصُول فِي الْمَعْنى، وَالْقَوْل الثَّالِث عَنهُ إِنَّه قَالَ: الم ذَلِك الْكتاب، قَالَ: ألم مَعْنَاهُ أَنا الله أعلم وارى. وروى عِكْرِمَة فِي قَوْله: الم ذَلِك الْكتاب قَالَ: الم قسم، وروى عَن السّديّ قَالَ: بَلغنِي عَن ابْن عَبَّاس انه قَالَ: ألم اسْم من أَسمَاء الله وَهُوَ الِاسْم الاعظم، وروى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: ألر والم وحم حُرُوف معرفَة ١ أَي بنيت معرفَة، قَالَ أبي فَحدثت بِهِ الاعمش فَقَالَ: عنْدك مثل هَذَا وَلَا تحدثنا بِهِ! وَرُوِيَ عَن قَتَادَة قَالَ: الم اسْم من اسماء الْقُرْآن، وَكَذَلِكَ حم وَيس، وَجَمِيع مَا فِي الْقُرْآن من حُرُوف الهجاء فِي أَوَائِل السُّور. وَسُئِلَ عَامر عَن فواتح الْقُرْآن، نَحْو حم وَنَحْو ص والم والر. قَالَ: هِيَ اسْم من أَسمَاء الله مقطعَة بالهجاء، إِذا وصلتها كَانَت اسْما من اسماء الله. ثمَّ قَالَ عَامر، الرَّحْمَن ٢. قَالَ: هَذِه فَاتِحَة ثَلَاث سور، إِذا جمعتهن كَانَت اسْما من اسماء الله تَعَالَى. وروى أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم عَن ضَمرَة بن حبيب وَحَكِيم بن عُمَيْر وَرَاشِد بن سعد ٣ قَالُوا: المر والمص والم واشباه ذَلِك، وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا، ان فِيهَا اسْم الله الاعظم. وَرُوِيَ عَن ابي الْعَالِيَة فِي قَوْله: الم قَالَ: هَذِه الاحرف الثَّلَاثَة من التِّسْعَة وَالْعِشْرين حرفا لَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاح اسْم من اسماء الله، وَلَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ فِي الآئه وبلائه، وَلَيْسَ فِيهَا حرف إِلَّا وَهُوَ فِي مُدَّة قوم وآجالهم. قَالَ وَقَالَ عِيسَى بن عمر: أعجب انهم ينطقون باسمائه ويعيشون فِي رزقه كَيفَ يفكرون بِهِ: فالالف مِفْتَاح اسْمه الله، وَلَام مِفْتَاح اسْمه لطيف، وَمِيم مِفْتَاح اسْمه مجيد. فالالف آلَاء الله، وَاللَّام لطف الله، وَالْمِيم مجد الله، والالف وَاحِد، وَاللَّام ثَلَاثُونَ، وَالْمِيم اربعون. وَرُوِيَ عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: الم آيَة، وحم آيَة. وَرُوِيَ عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ: هَذِه الْحُرُوف الْمُقطعَة حُرُوف الهجاء، وَهِي افْتِتَاح كَلَام وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الاخفش: وَدَلِيل ذَلِك أَن الْكَلَام الَّذِي ذكر قبل السُّورَة قد تمّ.

стр. 11

وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فِي كهيعص هُوَ كَاف، هاد، يَمِين، عَزِيز، صَادِق، جعل اسْم الْيَمين مشتقا من الْيمن، وسنوسع القَوْل فِي ذَلِك فِي تَرْجَمَة يمن ان شَاءَ الله تَعَالَى. وَزعم قطرب أَن الر والمص والم وكهيعص وص وق وَيس ون، حُرُوف المعجم لتدل أَن هَذَا الْقُرْآن مؤلف من هَذِه الْحُرُوف الْمُقطعَة الَّتِي هِيَ: حُرُوف اب ت ث، فجَاء بَعْضهَا مقطعا، وَجَاء تَمامهَا مؤلفا ليدل الْقَوْم، الَّذين نزل عَلَيْهِم الْقُرْآن، أَنه بحروفهم الَّتِي يعقلونها لَا ريب فِيهِ. قَالَ، ولقطرب وَجه آخر فِي الم: زعم أَنه يجوز أَن يكون لما لَغَا الْقَوْم فِي الْقُرْآن فَلم يتفهموه حِين قَالُوا: " لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ " أنزل عَلَيْهِم ذكر هَذِه الْحُرُوف لانهم لم يعتادوا الْخطاب بتقطيع الْحُرُوف، فَسَكَتُوا لما سمعُوا الْحُرُوف طَمَعا فِي الظفر بِمَا يحبونَ، ليفهموا، بعد الْحُرُوف، الْقُرْآن وَمَا فِيهِ، فَتكون الْحجَّة عَلَيْهِم أثبت، إِذا جَحَدُوا بعد تفهم وَتعلم. وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الزّجاج: الْمُخْتَار من هَذِه الاقاويل مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ: أَن معنى الم أَنا الله أعلم، وان كل حرف مِنْهَا لَهُ تَفْسِير. قَالَ: وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْعَرَب تنطق بالحرف الْوَاحِد تدل بِهِ على الْكَلِمَة الَّتِي هُوَ مِنْهَا، وانشد: قلت لَهَا قفي فَقَالَت ق فَنَطَقَ بقاف فَقَط تُرِيدُ أَقف. وانشد أَيْضا: ناديتهم أَن ألجموا أَلا تا! قَالُوا، جَمِيعًا، كلهم: أَلا فا! قَالَ تَفْسِيره: نادوهم أَن الجموا أَلا تَرْكَبُونَ؟ قَالُوا جَمِيعًا: أَلا فاركبوا، فانما نطق بتاء وَفَاء كَمَا نطق الاول بقاف. وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي اختاروه فِي معنى هَذِه الْحُرُوف، وَالله أعلم بحقيقتها. وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: لله عزوجل، فِي كل كتاب، سر، وسره، فِي الْقُرْآن، حُرُوف الهجاء الْمَذْكُورَة فِي أَوَائِل السُّور. واجمع النحويون: أَن حُرُوف التهجي، وَهِي الالف وَالْبَاء وَالتَّاء والثاء وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن مِنْهَا، انها مَبْنِيَّة على الْوَقْف، وانها لَا تعرب. وَمعنى الْوَقْف أَنَّك تقدر أَن تسكت على كل حرف مِنْهَا، فالنطق بهَا: الم. وَالدَّلِيل على أَن حُرُوف الهجاء مَبْنِيَّة على السكت، كَمَا بني الْعدَد على السكت، أَنَّك تَقول فِيهَا بِالْوُقُوفِ ١، مَعَ الْجمع، بَين ساكنين، كَمَا تَقول، إِذا عددت وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة اربعة، فتقطع ألف اثْنَيْنِ، والف اثْنَيْنِ ألف وصل، وتذكر الْهَاء فِي ثَلَاثَة واربعة، وَلَوْلَا أَنَّك تقدر السكت لَقلت ثَلَاثَة، كَمَا تَقول ثَلَاثَة يَا هَذَا، وحقها من الاعراب أَن تكون سواكن الاواخر. وَشرح هَذِه الْحُرُوف وتفسيرها: ان هَذِه الْحُرُوف لَيست تجْرِي مجْرى الاسماء المتمكنة والافعال المضارعة الَّتِي يجب لَهَا الاعراب، فانما هِيَ تقطيع الِاسْم الْمُؤلف الَّذِي لَا يجب الاعراب إِلَّا مَعَ كَمَاله، فقولك جَعْفَر لَا يجب أَن تعرب مِنْهُ الْجِيم وَلَا الْعين وَلَا الْفَاء وَلَا الرَّاء دون تَكْمِيل الِاسْم، وانما هِيَ حكايات

стр. 12

وضعت على هَذِه الْحُرُوف، فان أجريتها مجْرى الاسماء وَحدثت عَنْهَا قلت: هَذِه كَاف حَسَنَة، وَهَذَا كَاف حسن، وَكَذَلِكَ سَائِر حُرُوف المعجم، فَمن قَالَ: هَذِه كَاف أنث بِمَعْنى الْكَلِمَة، وَمن ذكر فلمعنى الْحَرْف، والاعراب وَقع فِيهَا لانك تخرجها من بَاب الْحِكَايَة. قَالَ الشَّاعِر: كافا وميمين وسينا طاسما وَقَالَ آخر: كَمَا بيّنت كَاف تلوح وميمها ١ فَذكر طاسما لانه جعله صفة للسين، وَجعل السِّين فِي معنى الْحَرْف، وَقَالَ كَاف تلوح فانث الْكَاف لانه ذهب بهَا إِلَى الْكَلِمَة. وَإِذا عطفت هَذِه الْحُرُوف بَعْضهَا على بعض أعربتها فَقلت: ألف وباء وتاء وثاء إِلَى آخرهَا وَالله أعلم. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: قَالَت الْعَامَّة فِي جمع حم وطس طواسين وحواميم. قَالَ: وَالصَّوَاب ذَوَات طس وَذَوَات حم وَذَوَات الم. وَقَوله تَعَالَى يس كَقَوْلِه عزوجل الم وحم واوائل السُّور. وَقَالَ عِكْرِمَة مَعْنَاهُ يَا إِنْسَان، لانه قَالَ: إِنَّك لمن الْمُرْسلين. وَقَالَ ابْن سَيّده: الالف والاليف حرف هجاء. وَقَالَ الاخفش هِيَ من حُرُوف المعجم مُؤَنّثَة وَكَذَلِكَ سَائِر الْحُرُوف. وَقَالَ: وَهَذَا كَلَام الْعَرَب، وَإِذا ذكرت جَازَ. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: حُرُوف المعجم كلهَا تذكر وتؤنث كَمَا أَن الانسان يذكر وَيُؤَنث. قَالَ: وَقَوله عزوجل الم والمص والمر. قَالَ الزّجاج: الذى اخترنا فِي تَفْسِيرهَا قَول ابْن عَبَّاس: ان ألم أَنا الله أعلم، والمص أَنا الله اعْلَم وافصل، والمر أَنا الله أعلم وارى. قَالَ بعض النَّحْوِيين: مَوضِع هَذِه الْحُرُوف رفع بِمَا بعْدهَا أَو مَا بعْدهَا رفع بهَا. قَالَ: المص كتاب، فكتاب مُرْتَفع بالمص، وَكَانَ مَعْنَاهُ المص حُرُوف كتاب أنزل إِلَيْك. قَالَ: وَهَذَا لَو كَانَ كَمَا وصف لَكَانَ بعد هَذِه الْحُرُوف أبدا ذكر الْكتاب، فَقَوله: الم الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم، يدل على أَن الم رَافع لَهَا على قَوْله، وَكَذَلِكَ يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم، وَكَذَلِكَ حم عسق، كَذَلِك يوحي إِلَيْك، وَقَوله حم وَالْكتاب الْمُبين انا انزلناه، فَهَذِهِ الاشياء تدل على أَن الامر على غير مَا ذكر. قَالَ وَلَو كَانَ كَذَلِك أَيْضا لما كَانَ الم وحم مكررين. قَالَ وَقد اجْمَعْ النحويون على أَن قَوْله الاشياء تدل على أَن الامر على غير مَا ذكر. قَالَ وَلَو كَانَ كَذَلِك أَيْضا لما كَانَ الم وحم مكررين. قَالَ وَقد اجْمَعْ النحويون على أَن قَوْله عزوجل كتاب أنزل إِلَيْك مَرْفُوع بِغَيْر هَذِه الْحُرُوف، فَالْمَعْنى هَذَا كتاب أنزل إِلَيْك. وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ الْحَرَّانِي شَيْئا فِي خَواص الْحُرُوف الْمنزلَة أَوَائِل السُّور وسنذكره فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا فِي ألقاب الْحُرُوف.

стр. 13

بَاب ألقاب الْحُرُوف وطبائعها وخواصها قَالَ عبد الله مُحَمَّد بن المكرم: هَذَا الْبَاب أَيْضا لَيْسَ من شرطنا لكني اخْتَرْت ذكر الْيَسِير مِنْهُ، وَإِنِّي لَا أضْرب صفحا عَنهُ ليظفر طَالبه مِنْهُ بِمَا يُرِيد وينال الافادة مِنْهُ من يَسْتَفِيد، وليعلم كل طَالب أَن وَرَاء مطلبه أخر، وَأَن لله تَعَالَى فِي كل شئ سرا لَهُ فعل واثر. وَلم أوسع القَوْل فِيهِ خوفًا من انتقاد من لَا يدريه. ذكر ابْن كيسَان فِي ألقاب الْحُرُوف: أَن مِنْهَا المجهور والمهموس، وَمعنى المجهور مِنْهَا أَنه لزم مَوْضِعه إِلَى انْقِضَاء حُرُوفه، وَحبس النَّفس أَن يجْرِي مَعَه، فَصَارَ مجهورا لانه لم يخالطه شئ يُغَيِّرهُ، وَهُوَ تِسْعَة عشر حرفا: الالف وَالْعين والغين وَالْقَاف وَالْجِيم وَالْبَاء وَالضَّاد وَاللَّام وَالنُّون وَالرَّاء والطاء وَالدَّال وَالزَّاي والظاء والذال وَالْمِيم وَالْوَاو والهمزة وَالْيَاء، وَمعنى المهموس مِنْهَا أَنه حرف لَان مخرجه دون المجهور، وَجرى مَعَه النَّفس، وَكَانَ دون المجهور فِي رفع الصَّوْت، وَهُوَ عشرَة أحرف: الْهَاء والحاء وَالْخَاء وَالْكَاف والشين وَالسِّين وَالتَّاء وَالصَّاد والثاء وَالْفَاء، وَقد يكون المجهور شَدِيدا، وَيكون رخوا، والمهموس كَذَلِك. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: حُرُوف الْعَرَبيَّة تِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا مِنْهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ حرفا صِحَاح، لَهَا أحياز ومدارج، واربعة أحرف جَوف: الْوَاو وَالْيَاء والالف اللينة والهمزة، وَسميت جوفا لانها تخرج من الْجوف، فَلَا تخرج فِي مدرجة من مدارج الْحلق، وَلَا مدارج اللهاة، وَلَا مدارج اللِّسَان، وَهِي فِي الْهَوَاء، فَلَيْسَ لَهَا حيّز تنْسب إِلَيْهِ إِلَّا الْجوف. وَكَانَ يَقُول: الالف اللينة وَالْوَاو وَالْيَاء هوائية أَي أَنَّهَا فِي الْهَوَاء. واقصى الْحُرُوف كلهَا الْعين، وارفع مِنْهَا الْحَاء، وَلَوْلَا بحة فِي الْحَاء لاشبهت الْعين لقرب مخرجها مِنْهَا، ثمَّ الْهَاء، وَلَوْلَا هتة فِي الْهَاء، وَقَالَ مرّة أُخْرَى ههة فِي الْهَاء، لاشبهت الْحَاء لقرب مخرجها مِنْهَا، فَهَذِهِ الثَّلَاثَة فِي حيّز وَاحِد، ولهذه الْحُرُوف ألقاب أخر، الحلقية: الْعين وَالْهَاء والحاء وَالْخَاء والغين، اللهوية: الْقَاف وَالْكَاف، الشجرية: الْجِيم والشين وَالضَّاد، وَالشَّجر مفرج الْفَم، الاسلية: الصَّاد وَالسِّين وَالزَّاي، لَان مبداها من أسلة اللِّسَان وَهِي مستدق طرفه، النطعية: الطَّاء والذال وَالتَّاء، لَان مبداها من نطع الْغَار الاعلى، اللثوية: الظَّاء وَالدَّال والثاء، لَان مبداها من اللثة، الذلقية: الرَّاء وَاللَّام وَالنُّون، الشفوية: الْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم، وَقَالَ مرّة شفهية، الهوائية: الْوَاو والالف وَالْيَاء. وَسَنذكر فِي صدر كل حرف أَيْضا شَيْئا مِمَّا يَخُصُّهُ. واما تَرْتِيب كتاب الْعين وَغَيره، فقد قَالَ اللَّيْث بن المظفر: لما أَرَادَ الْخَلِيل بن أَحْمد الِابْتِدَاء فِي كتاب الْعين أعمل فكره فِيهِ، فَلم يُمكنهُ أَن يَبْتَدِئ فِي أول حُرُوف المعجم، لَان الالف حرف معتل، فَلَمَّا فَاتَهُ أول الْحُرُوف كره أَن يَجْعَل الثَّانِي أَولا، وَهُوَ الْبَاء، إِلَّا بِحجَّة وَبعد استقصاء، فدبر وَنظر إِلَى الْحُرُوف كلهَا وذاقها، فَوجدَ مخرج الْكَلَام كُله من الْحق، فصير أولاها، فِي الِابْتِدَاء، أدخلها فِي الْحلق. وَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَذُوق الْحَرْف فتح فَاه بالف ثمَّ أظهر الْحَرْف ثمَّ يَقُول: اب ات اث اج اع، فَوجدَ الْعين أقصاها فِي الْحلق، وادخلها، فَجعل أول الْكتاب الْعين، ثمَّ مَا قرب مخرجه مِنْهَا بعد الْعين الا رفع

стр. 14

فالارفع، حَتَّى أَتَى على آخر الْحُرُوف، فَقلب الْحُرُوف عَن موَاضعهَا، ووضعها على قدر مخرجها من الْحلق. وَهَذَا تأليفه وترتيبه: الْعين والحاء وَالْهَاء وَالْخَاء والغين وَالْقَاف وَالْكَاف وَالْجِيم والشين وَالضَّاد وَالصَّاد وَالسِّين وَالزَّاي والطاء وَالدَّال وَالتَّاء والظاء والذال والثاء وَالرَّاء وَاللَّام وَالنُّون وَالْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم وَالْيَاء وَالْوَاو والالف. وَهَذَا هُوَ تَرْتِيب الْمُحكم لِابْنِ سَيّده، إِلَّا انه خَالفه فِي الاخير، فرتب بعد الْمِيم الالف وَالْيَاء وَالْوَاو. وَلَقَد انشدني شخص بِدِمَشْق المحروسة أبياتا، فِي تَرْتِيب الْمُحكم، هِيَ أَجود مَا قيل فِيهَا: عَلَيْك حروفا هن خير غوامض، * قيود كتاب، جلّ، شانا، ضوابطه صِرَاط سوي، زل طَالب دحضه، * تزيد ظهورا ذَا ثبات روابطه لذلكم نلتذ فوزا بمحكم، * مُصَنفه، أَيْضا، يفوز وضابطه وَقد انتقد هَذَا التَّرْتِيب على من رتبه. وترتيب سِيبَوَيْهٍ على هَذِه الصُّورَة: الْهمزَة وَالْهَاء وَالْعين والحاء وَالْخَاء والغين وَالْقَاف وَالْكَاف وَالضَّاد وَالْجِيم والشين وَاللَّام وَالرَّاء وَالنُّون والطاء وَالدَّال وَالتَّاء وَالصَّاد وَالزَّاي وَالسِّين والظاء والذال والثاء وَالْفَاء وَالْبَاء وَالْمِيم وَالْيَاء والالف وَالْوَاو. واما تقَارب بَعْضهَا من بعض وتباعدها، فان لَهَا سرا، فِي النُّطْق، يكشفه من تعناه، كَمَا انْكَشَفَ لنا سره فِي حل المترجمات، لشدَّة احتياجنا إِلَى معرفَة مَا يتقارب بعضه من بعض، ويتباعد بعضه من بعض، ويتركب بعضه مَعَ بعض، وَلَا يتركب بعضه مَعَ بعض، فان من الْحُرُوف مَا يتَكَرَّر وَيكثر فِي الْكَلَام اسْتِعْمَاله، وَهُوَ: ال م هـ وي ن، وَمِنْهَا مَا يكون تكراره دون ذَلِك، وَهُوَ: ر ع ف ت ب ك د س ق ح ج، وَمِنْهَا مَا يكون تكراره أقل من ذَلِك، وَهُوَ: ظ غ ط ز ث خَ ض ش ص ذ. وَمن الْحُرُوف مَا لَا يَخْلُو مِنْهُ أَكثر الْكَلِمَات، حَتَّى قَالُوا: ان كل كلمة ثلاثية فَصَاعِدا لَا يكون فِيهَا حرف أَو حرفان مِنْهَا، فَلَيْسَتْ بعربية، وَهِي سِتَّة أحرف: د ب م ن ل ف، وَمِنْهَا مَا لَا يتركب بعضه مَعَ بعض، إِذا اجْتمع فِي كلمة، إِلَّا ان يقدم، وَلَا يجْتَمع، إِذا تَأَخّر، وَهُوَ: ع هـ، فان الْعين إِذا تقدّمت تركبت، وَإِذا تَأَخَّرت لَا تتركب، وَمِنْهَا مَا لَا يتركب، إِذا تقدم، ويتركب، إِذا تَأَخّر، وَهُوَ: ض ج، فان الضَّاد إِذا تقدّمت (١) تركبت، وَإِذا تَأَخَّرت لَا تتركب فِي أصل الْعَرَبيَّة، وَمِنْهَا مَالا يتركب بعضه مَعَ بعض لَا إِن تقدم وَلَا إِن تَأَخّر، وَهُوَ: س ث ض ز ظ ص، فَاعْلَم ذَلِك. وَأما خواصها: فان لَهَا أعمالا عَظِيمَة تتَعَلَّق بابواب جليلة من أَنْوَاع المعالجات، وأوضاع الطلسمات، وَلها نفع شرِيف بطبائعها، وَلها خُصُوصِيَّة بالافلاك المقدسة وملائمة لَهَا، وَمَنَافع لَا يحصيها من يصفها، لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا، لَكنا لَا بُد ان نلوح بشي من ذَلِك، ننبه على مِقْدَار نعم الله تَعَالَى على من كشف لَهُ سرها، وَعلمه علمهَا، وأباح لَهُ التَّصَرُّف بهَا. وَهُوَ أَن مِنْهَا مَا هُوَ حَار يَابِس طبع النَّار، وَهُوَ: الالف وَالْهَاء والطاء وَالْمِيم وَالْفَاء والشين والذال، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ النارية، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد يَابِس طبع التُّرَاب، وَهُوَ: الْبَاء وَالْوَاو وَالْيَاء وَالنُّون وَالصَّاد وَالتَّاء وَالضَّاد، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ الترابية، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَار رطب طبع الْهَوَاء، وَهُوَ: الْجِيم وَالزَّاي وَالْكَاف وَالسِّين وَالْقَاف والثاء والظاء، وَله

стр. 15

خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ الهوائيه، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد رطب طبع المَاء، وَهُوَ: الدَّال والحاء وَاللَّام وَالْعين وَالرَّاء وَالْخَاء والغين، وَله خُصُوصِيَّة بِالْمُثَلثَةِ المائية. ولهذه الْحُرُوف فِي طبائعها مَرَاتِب ودرجات ودقائق وثوان وثوالث وروابع وخوامس يُوزن بهَا الْكَلَام، وَيعرف الْعَمَل بِهِ علماؤه، وَلَوْلَا خوف الاطالة، وانتقاد ذَوي الْجَهَالَة، وَبعد اكثر النَّاس عَن تَأمل دقائق صنع الله وحكمته، لذكرت هُنَا اسرارا من افعال الْكَوَاكِب المقدسة، إِذا مازجتها الْحُرُوف تخرق عقول من لَا اهْتَدَى إِلَيْهَا، وَلَا هجم بِهِ تنقيبه وبحثه عَلَيْهَا. وَلَا انتقاد عَليّ فِي قَول ذَوي الْجَهَالَة، فان الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله عزوجل: وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا، وهم عَن آياتها معرضون، قَالَ: عَن آياتها اي عَمَّا وضع الله فِيهَا من الادلة والعبر، كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر، وَسَائِر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها على الْحساب القويم، وَالتَّرْتِيب العجيب، الدَّال على الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَالْقُدْرَة الباهرة. قَالَ وَأي جهل أعظم من جهل من أعرض عَنْهَا، وَلم يذهب بِهِ وهمه الى تدبرها وَالِاعْتِبَار بهَا، وَالِاسْتِدْلَال على عَظمَة شان من اوجدها عَن عدم، ودبرها ونصبها هَذِه النصبة، واودعها مَا اودعها مِمَّا لَا يعرف كنهه الا هُوَ جلت قدرته، ولطف علمه. هَذَا نَص كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ ﵀. وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد الْبونِي ﵀ قَالَ: منَازِل الْقَمَر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ مِنْهَا اربعة عشر فَوق الارض، وَمِنْهَا اربعة عشر تَحت الارض. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُرُوف: مِنْهَا اربعة عشر مُهْملَة بِغَيْر نقط، واربعة عشر مُعْجمَة بنقط، فَمَا هُوَ مِنْهَا غير منقوط، فَهُوَ اشبه بمنازل السُّعُود، وَمَا هُوَ مِنْهَا منقوط، فَهُوَ منَازِل النحوس والممتزجات، وَمَا كَانَ مِنْهَا لَهُ نقطة وَاحِدَة، فَهُوَ اقْربْ الى السُّعُود، وَمَا هُوَ بنقطتين، فَهُوَ متوسط فِي النحوس، فَهُوَ الممتزج، وَمَا هُوَ بِثَلَاث نقط، فَهُوَ عَام النحوس. هَكَذَا وجدته. وَالَّذِي نرَاهُ فِي الْحُرُوف انها ثَلَاثَة عشر مُهْملَة وَخَمْسَة عشر مُعْجمَة، إِلَّا أَن يكون كَانَ لَهُم اصْطِلَاح فِي النقط تغير فِي وقتنا هَذَا. واما الْمعَانِي المنتفع بهَا من قواها وطبائعها فقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ الْحَرَّانِي وَالشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد الْبونِي والبعلبكي وَغَيرهم، ﵏، من ذَلِك مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ كتبهمْ من قواها وتاثيراتها، وَمِمَّا قيل فِيهَا أَن تتَّخذ الْحُرُوف الْيَابِسَة وَتجمع متواليا، فَتكون متقوية لما يُرَاد فِيهِ تَقْوِيَة الْحَيَاة الَّتِي تسميها الاطباء الغريزية، أَو لما يُرَاد دَفعه من آثَار الامراض الْبَارِدَة الرّطبَة، فيكتبها، أَو يرقي بهَا، أَو يسقيها لصَاحب الحمي البلغمية والمفلوج والملووق. وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الْبَارِدَة الرّطبَة، إِذا اسْتعْملت بعد تتبعها، وعولج بهَا، رقية أَو كِتَابَة أَو سقيا، من بِهِ حمى محرقة، أَو كتبت على ورم حَار، وخصوصا حرف الْحَاء لانها، فِي عالمها، عَالم صُورَة. وَإِذا اقْتصر على حرف مِنْهَا كتب بعدده، فَيكْتب الْحَاء مثلا ثَمَانِي مَرَّات، وَكَذَلِكَ مَا تكتبه من الْمُفْردَات تكتبه بعدده. وَقد شاهدنا نَحن ذَلِك فِي عصرنا، وراينا، من معلمي الْكِتَابَة وَغَيرهم، من يكْتب على خدود الصّبيان، إِذا تورمت، حُرُوف أبجد بكمالها، ويعتقد أَنَّهَا مفيدة، وَرُبمَا افادت، وَلَيْسَ الامر كَمَا اعْتقد، وَإِنَّمَا لما جهل اكثر النَّاس طبائع الْحُرُوف، وراوا مَا يكْتب مِنْهَا، ظنُّوا الْجَمِيع أَنه مُفِيد فكتبوها كلهَا.

стр. 16

وشاهدنا أَيْضا من يقلقه الصداع الشَّديد ويمنعه الْقُرْآن (١)، فَيكْتب لَهُ صُورَة لوح، وعَلى جوانبه تاءات ارْبَعْ، فَيبرأ بذلك من الصداع. وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الرّطبَة إِذا اسْتعْملت رقى، أَو كِتَابَة، أَو سقيا، قوت الْمِنَّة وادامت الصِّحَّة وقوت على الباه، وَإِذا كتبت للصَّغِير حسن نَبَاته، وَهِي اوتار الْحُرُوف كلهَا، وَكَذَلِكَ الْحُرُوف الْبَارِدَة الْيَابِسَة، إِذا عولج بهَا من نزف دم بسقي، أَو كِتَابَة، أَو بخور، وَنَحْو ذَلِك من الامراض. وَقد ذكر الشَّيْخ محيي الدّين بن الْعَرَبِيّ، فِي كتبه، من ذَلِك، جملا كَثِيرَة. وَقَالَ الشَّيْخ عَليّ الحرالي ﵀: إِن الْحُرُوف الْمنزلَة اوائل السُّور وعدتها، بعد اسقاط مكررها، اربعة عشر حرفا، وَهِي: الالف وَالْهَاء والحاء والطاء وَالْيَاء وَالْكَاف وَاللَّام وَالْمِيم وَالرَّاء وَالسِّين وَالْعين وَالصَّاد وَالْقَاف وَالنُّون، قَالَ: إِنَّهَا يقْتَصر بهَا على مداواة السمُوم، وتقاوم السمُوم باضدادها، فيسقى للدغ الْعَقْرَب حارها، وَمن نهشة الْحَيَّة باردها الرطب، أَو تكْتب لَهُ، وتجري المحاولة، فِي الامور، على نَحْو من الطبيعة فتسقى الْحُرُوف الحارة الرّطبَة للتفريح وإذهاب الْغم، وَكَذَلِكَ الحارة الْيَابِسَة لتقوية الْفِكر وَالْحِفْظ، والباردة الْيَابِسَة الثَّبَات وَالصَّبْر، والباردة الرّطبَة لتيسير الامور وتسهيل الْحَاجَات وَطلب الصفح وَالْعَفو. وَقد صنف البعلبكي فِي خَواص الْحُرُوف كتابا مُفردا، وَوصف لكل حرف خاصية يَفْعَلهَا بِنَفسِهِ، وخا صية بمشاركة غَيره من الْحُرُوف على اوضاع مُعينَة فِي كِتَابه، وَجعل لَهَا نفعا بمفردها على الصُّورَة الْعَرَبيَّة، ونفعا بمفردها، إِذا كتبت على الصُّورَة الْهِنْدِيَّة، ونفعا بمشاركتهما فِي الْكِتَابَة، وَقد اشْتَمَل من الْعَجَائِب على مَا لَا يعلم مِقْدَاره الا من علم مَعْنَاهُ. وَأما اعمالها فِي الطلسمات فان لله فِيهَا سرا عجيبا، وصنعا جميلا، شاهدنا صِحَة اخبارها، وَجَمِيل آثارها. وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الاطالة بِذكر مَا جربناه مِنْهَا ورأيناه من التَّأْثِير عَنْهَا، فسبحان مسدي النِّعْمَة، ومؤتى الْحِكْمَة، الْعَالم بِمن خلق، وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير.

стр. 17

حرف الْهمزَة نذْكر، فِي هَذَا الْحَرْف، الْهمزَة الاصلية، الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل، فاما المبدلة من الْوَاو نَحْو العزاء، الذى اصله عز أَو، لانه من عزوت، أَو المبدلة من الْيَاء نَحْو الاباء، الذى اصله اباي، لانه من ابيت، فنذكره فِي بَاب الْوَاو وَالْيَاء، ونقدم هُنَا الحَدِيث فِي الْهمزَة. قَالَ الازهري: إعلم أَن الْهمزَة لَا هجاء لَهَا، انما تكْتب مرّة ألفا وَمرَّة يَاء وَمرَّة واوا، والالف اللينة لَا حرف لَهَا، انما هِيَ جُزْء من مُدَّة بعد فَتْحة. والحروف ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا مَعَ الْوَاو والالف وَالْيَاء، وتتم بِالْهَمْزَةِ تِسْعَة وَعشْرين حرفا. والهمزة كالحرف الصَّحِيح، غير أَن لَهَا حالات من التليين والحذف والابدال وَالتَّحْقِيق تعتل، فالحقت بالاحرف المعتلة الْجوف، وَلَيْسَت من الْجوف، انما هِيَ حلقية فِي أقْصَى الْفَم، وَلها ألقاب كالقاب الْحُرُوف الْجوف، فَمِنْهَا همزَة التَّأْنِيث، كهمزة الْحَمْرَاء وَالنُّفَسَاء والعشراء والخشاء، وكل مِنْهَا مَذْكُور فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا الْهمزَة الاصلية فِي آخر الْكَلِمَة مثل: الْجفَاء والبواء والرطاء والطواء، وَمِنْهَا الوحاء وَالْبَاء والداء والايطاء فِي الشّعْر. هَذِه كلهَا همزها أُصَلِّي، وَمِنْهَا همزَة الْمدَّة المبدلة من الْيَاء وَالْوَاو: كهمزة السَّمَاء والبكاء والكساء وَالدُّعَاء وَالْجَزَاء وَمَا اشبهها، وَمِنْهَا الْهمزَة المجتلبة بعد الالف الساكنة نَحْو: همزَة وَائِل وطائف، وَفِي الْجمع نَحْو كتائب وسرائر، وَمِنْهَا الْهمزَة الزَّائِدَة نَحْو: همزَة الشمأل والشامل والغرقئ، وَمِنْهَا الْهمزَة الَّتِي تزاد لِئَلَّا يجْتَمع ساكنان نَحْو: اطْمَأَن واشمأز وازبأر وَمَا شاكلها، وَمِنْهَا همزَة الوقفة فِي آخر الْفِعْل لُغَة لبَعض دون بعض نَحْو قَوْلهم للْمَرْأَة: قولئ، وللرجلين قولا، وللجميع قولؤ، وَإِذا وصلوا الْكَلَام لم يهمزوا، ويهمزون لَا إِذا وقفُوا عَلَيْهَا، وَمِنْهَا همزَة التَّوَهُّم، كَمَا روى الْفراء عَن بعض الْعَرَب أَنهم يهمزون مَا لَا همز فِيهِ إِذا ضارع المهموز. قَالَ: وَسمعت امراة من غَنِي تَقول: رثات زَوجي بابيات، كَأَنَّهَا لما سَمِعت رثات اللَّبن ذهبت الى أَن مرثية الْمَيِّت مِنْهَا. قَالَ: وَيَقُولُونَ لبات بِالْحَجِّ وحلات السويق، فيغلطون لَان حلات يُقَال فِي دفع العطشان عَن المَاء، ولبات يذهب بهَا اللبا. وَقَالُوا: استنشأت الرّيح وَالصَّوَاب استنشيت، ذَهَبُوا بِهِ الى قَوْلهم نشا السَّحَاب، وَمِنْهَا الْهمزَة الاصلية الظَّاهِرَة نَحْو همز الخبء والدفء والكفء والعبء وَمَا اشبهها، وَمِنْهَا اجْتِمَاع همزتين فِي كلمة وَاحِدَة نَحْو همزتي الرئاء والحاوئاء، واما الضياء فَلَا يجوز همز يائه، والمدة الاخيرة فِيهِ همزَة اصلية من ضاء يضوء ضوءا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس احْمَد بن يحيى فِيمَن همز مَا لَيْسَ بمهموز: وَكنت أرجي بِئْر نعْمَان، حائرا، * فلوأ بالعينين والانف حائر اراد لوى، فهمز، كَمَا قَالَ: كمشترئ بِالْحَمْد مَا لَا يضيره

стр. 18

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هَذِه لُغَة من يهمز مَا لَيْسَ بمهموز. قَالَ: وَالنَّاس كلهم يَقُولُونَ، إِذا كَانَت الْهمزَة طرفا، وَقبلهَا سَاكن، حذفوها فِي الْخَفْض وَالرَّفْع، واثبتوها فِي النصب، الا الْكسَائي وَحده، فانه يثبتها كلهَا. قَالَ وَإِذا كَانَت الْهمزَة وسطى اجْمَعُوا كلهم على ان لَا تسْقط. قَالَ وَاخْتلف الْعلمَاء باى صُورَة تكون الْهمزَة، فَقَالَت طَائِفَة: نكتبها بحركة مَا قبلهَا وهم الْجَمَاعَة، وَقَالَ اصحاب الْقيَاس: نكتبها بحركة نَفسهَا، واحتجت الْجَمَاعَة بَان الْخط يَنُوب عَن اللِّسَان. قَالَ وانما يلْزمنَا ان نترجم بالخط مَا نطق بِهِ اللِّسَان. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَهَذَا هُوَ الْكَلَام. قَالَ: وَمِنْهَا اجْتِمَاع الهمزتين بمعنيين وَاخْتِلَاف النَّحْوِيين فيهمَا. قَالَ الله عزوجل: أأنذرتهم ام لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ. من الْقُرَّاء من يُحَقّق الهمزتين فيقرا أأنذرتهم، قرا بِهِ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ، وقرا أَبُو عَمْرو آأنذرتهم مُطَوَّلَة، وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا اشبهه نَحْو قَوْله تَعَالَى: آانت قلت للنَّاس، آألد وانا عَجُوز، آاله مَعَ الله، وَكَذَلِكَ قرا ابْن كثير وَنَافِع وَيَعْقُوب بِهَمْزَة مُطَوَّلَة، وقرا عبد الله بن ابي اسحق آأنذرتهم بالف بَين الهمزتين، وَهِي لُغَة سائرة بَين الْعَرَب. قَالَ ذُو الرمة: تطاللت، فاستشرفته، فعرفته، فَقلت لَهُ: آأنت زيد الارانب؟ وَأنْشد احْمَد بن يحيى: خرق إِذا مَا الْقَوْم أجروا فكاهة * تذكر آإياه يعنون أم قردا؟ وَقَالَ الزّجاج: زعم سِيبَوَيْهٍ أَن من الْعَرَب من يُحَقّق الْهمزَة وَلَا يجمع بَين الهمزتين، وَإِن كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ. قَالَ: وَأهل الْحجاز لَا يحققون وَاحِدَة مِنْهُمَا. وَكَانَ الْخَلِيل يري تَخْفيف الثَّانِيَة، فَيجْعَل الثَّانِيَة بَين الْهمزَة والالف وَلَا يَجْعَلهَا ألفا خَالِصَة. قَالَ: وَمن جعلهَا ألفا خَالِصَة، فقد اخطا من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَنه جمع بَين ساكنين، والاخرى أَنه أبدل من همزَة متحركة، قبلهَا حَرَكَة، ألفا، وَالْحَرَكَة الْفَتْح. قَالَ: وانما حق الْهمزَة، إِذا تحركت وَانْفَتح مَا قبلهَا، ان تجْعَل بَين بَين، أَعنِي بَين الْهمزَة وَبَين الْحَرْف الَّذِي مِنْهُ حركتها، فَتَقول فِي سَالَ سَالَ، وَفِي رؤف رؤف، وَفِي بئس بئس، وَهَذَا فِي الْخط وَاحِد، وانما تحكمه بالمشافهة. قَالَ: وَكَانَ غير الْخَلِيل يَقُول فِي مثل قَوْله " فقد جَاءَ اشراطها " أَن تخفف الاولى. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: جمَاعَة من الْعَرَب يقراون: فقد جَاءَ اشراطها، يحققون الثَّانِيَة ويخففون الاولى. قَالَ والى هَذَا ذهب أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء. قَالَ: وَأما الْخَلِيل، فانه يقْرَأ بتحقيق الاولى وَتَخْفِيف الثَّانِيَة. قَالَ: وانما اخْتَرْت تَخْفيف الثَّانِيَة لِاجْتِمَاع النَّاس على بدل الثَّانِيَة فِي قَوْلهم: آدم وَآخر، لَان الاصل فِي آدم أأدم، وَفِي آخر أأخر.

стр. 19

قَالَ الزّجاج: وَقَول الْخَلِيل أَقيس، وَقَول أبي عَمْرو جيد أَيْضا. وَأما الهمزتان، إِذا كَانَتَا مكسورتين، نَحْو قَوْله: على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا، وَإِذا كَانَتَا مضمومتين نَحْو قَوْله: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، فان أَبَا عَمْرو يُخَفف الْهمزَة الاولى مِنْهُمَا، فَيَقُول: على الْبغاء ان، وأولياء أُولَئِكَ، فَيجْعَل الْهمزَة الاولى فِي الْبغاء بَين الْهمزَة وَالْيَاء ويكسرها، وَيجْعَل الْهمزَة فِي قَوْله: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، الاولى بَين الْوَاو والهمزة ويضمها. قَالَ: وَجُمْلَة ماقاله فِي مثل هَذِه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا، وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل، أَن يَجْعَل مَكَان الْهمزَة الثَّانِيَة همزَة بَين بَين، فَإِذا كَانَ مضموما جعل الْهمزَة بَين الْوَاو والهمزة. قَالَ: أَوْلِيَاء أُولَئِكَ، على الْبغاء ان، وَأما أَبُو عَمْرو فيقرا على مَا ذكرنَا، وَأما ابْن أبي اسحق وَجَمَاعَة من الْقُرَّاء، فانهم يجمعُونَ بَين الهمزتين، وَأما اخْتِلَاف الهمزتين نَحْو قَوْله تَعَالَى: كَمَا آمن السُّفَهَاء أَلا، فاكثر الْقُرَّاء على تَحْقِيق الهمزتين، وَأما أَبُو عَمْرو، فانه يُحَقّق الْهمزَة الثَّانِيَة فِي رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ، ويخفف الاولى، فيجعلها بَين الْوَاو والهمزة، فَيَقُول: السُّفَهَاء أَلا، ويقرا من فِي السَّمَاء أَن، فيحقق الثَّانِيَة، واما سِيبَوَيْهٍ والخليل فَيَقُولَانِ: السُّفَهَاء وَلَا، يجعلان الْهمزَة الثَّانِيَة واوا خَالِصَة. وَفِي قَوْله تَعَالَى: أأمنة من فِي السماءين، يَاء خَالِصَة، وَالله اعْلَم. قَالَ وَمِمَّا جَاءَ عَن الْعَرَب فِي تَحْقِيق الْهَمْز وتليينه وتحويله وحذفه، وَقَالَ أَبُو زيد الانصاري: الْهَمْز على ثَلَاثَة اوجه: التَّحْقِيق وَالتَّخْفِيف والتحويل. فالتحقيق مِنْهُ أَن تُعْطى الْهمزَة حَقّهَا من الاشباع، فَإِذا اردت أَن تعرف إشباع الْهمزَة، فَاجْعَلْ الْعين فِي موضعهَا، كَقَوْلِك من الخبء: قد خبات لَك بِوَزْن خبعت لَك، وقرات بِوَزْن قرعت، فانا أخبع وأقرع، وانا خابع وخابئ وقارئ نَحْو قارع، بعد تَحْقِيق الْهمزَة بِالْعينِ، كَمَا وصفت لَك، قَالَ: وَالتَّخْفِيف من الْهَمْز انما سموهُ تَخْفِيفًا لانه لم يُعْط حَقه من الاعراب والاشباع، وَهُوَ مشرب همزا، تصرف فِي وُجُوه الْعَرَبيَّة بِمَنْزِلَة سَائِر الْحُرُوف الَّتِي تحرّك، كَقَوْلِك: خبات وقرات، فَجعل الْهمزَة ألفا سَاكِنة على سكونها فِي التَّحْقِيق، إِذا كَانَ مَا قبلهَا مَفْتُوحًا، وَهِي كَسَائِر الْحُرُوف الَّتِي يدخلهَا التحريك، كَقَوْلِك: لم يخبا الرجل، وَلم يقرا الْقرَان، فَكسر الالف من يخبا ويقرا لسكون مَا بعْدهَا، فكانك قلت لم يخبير جلّ وَلم يقر يلقران، وَهُوَ يخبو ويقرو، فيجعلها واوا مَضْمُومَة فِي الادراج، فان وقفتها جَعلتهَا ألفا غير أَنَّك تهيئها للضمة من غير أَن تظهر ضمتها فَتَقول: مَا أخباه وَأَقَرَّاهُ، فَتحَرك الالف بِفَتْح لبَقيَّة مَا فِيهَا من الْهمزَة كَمَا وصفت لَك، وَأما التَّحْوِيل من الْهَمْز، فان تحول الْهَمْز الى الْيَاء وَالْوَاو، كَقَوْلِك: قد خبيت الْمَتَاع فَهُوَ مخبي، فَهُوَ يخباه، فَاعْلَم، فَيجْعَل الْيَاء الْفَا حَيْثُ كَانَ قبلهَا فَتْحة نَحْو الف يسْعَى ويخشى لَان مَا قبلهَا مَفْتُوح. قَالَ: وَتقول رفوت الثَّوْب رفوا، فحولت الْهمزَة واوا كَمَا ترى، وَتقول لم يخب عني شَيْئا فَتسقط مَوضِع اللَّام من تظيرها من الْفِعْل للاعراب، وَتَدَع مَا بَقِي على حَاله متحركا، وَتقول مَا أخباه، فتسكن الالف المحولة كَمَا أسكنت الالف من قَوْلك مَا أخشاه وأسعاه. قَالَ: وَمن مُحَقّق الْهَمْز قَوْلك للرجل: يلؤم، كانك قلت يلعم، إِذا كَانَ بَخِيلًا، وَأسد يزئر كَقَوْلِك يزعر، فَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت للرجل: يلم، وللاسد يزر على إِن القيت الْهمزَة من قَوْلك يلؤم ويزئر، وحركت مَا قبلهَا بحركتها على الضَّم وَالْكَسْر، إِذا كَانَ مَا قبلهَا سَاكِنا، فَإِذا اردت

стр. 20

تَحْويل الْهمزَة مِنْهَا قلت للرجل يلوم فجعلتها واوا سَاكِنة لانها تبِعت ضمة، والاسد يزير فجعلتها يَاء للكسرة قبلهَا نَحْو يَبِيع ويخيط، وَكَذَلِكَ كل همزَة تبِعت حرفا سَاكِنا عدلتها إِلَى التَّخْفِيف، فانك تلقيها وتحرك بحركتها الْحَرْف السَّاكِن قبلهَا، كَقَوْلِك للرجل: سل، فتحذف الْهمزَة تحرّك مَوضِع الْفَاء من نظيرها من الْفِعْل بحركتها، واسقطت الف الْوَصْل، إِذْ تحرّك مَا بعْدهَا، وانما يجتلبونها للاسكان، فَإِذا تحرّك مَا بعْدهَا لم يحتاجوا إِلَيْهَا. وَقَالَ رؤبة: وانت يَا بامسلم وفيتا ترك الْهمزَة، وَكَانَ وَجه الْكَلَام: يَا أَبَا مُسلم، فَحذف الْهمزَة، وَهِي أَصْلِيَّة، كَمَا قَالُوا لَا أَب لَك، وَلَا ابا لَك، وَلَا با لَك، ولاب لغيرك، وَلَا با لشانئك. وَمِنْهَا نوع آخر من الْمُحَقق، وَهُوَ قَوْلك من رايت، وانت تامر: إرا، كَقَوْلِك إرع زيدا، فَإِذا اردت التَّخْفِيف قلت: رزيدا فَتسقط الف الْوَصْل لتحرك مَا بعْدهَا. قَالَ أَبُو زيد: وَسمعت من الْعَرَب من يَقُول: يَا فلَان نويك على التَّخْفِيف، وتحقيقه نؤيك، كَقَوْلِك إبغ بغيك، إِذا امْرَهْ ان يَجْعَل نَحْو خبائه نؤيا كالطوق يصرف عَنهُ مَاء الْمَطَر. قَالَ: وَمن هَذَا النَّوْع رايت الرجل، فَإِذا اردت التَّخْفِيف قلت: رايت، فحركت الالف بِغَيْر اشباع همز، وَلم تسْقط الْهمزَة لَان مَا قبلهَا متحرك، وَتقول للرجل تراى ذَلِك على التَّحْقِيق. وَعَامة كَلَام الْعَرَب فِي يري وتري وارى ونرى، على التَّخْفِيف، لم تزد على ان القت الْهمزَة من الْكَلِمَة، وَجعلت حركتها بِالضَّمِّ (١) على الْحَرْف السَّاكِن قبلهَا. قَالَ أَبُو زيد: وَاعْلَم ان وَاو فعول ومفعول وياء فعيل وياء التصغير لَا يعتقين الْهَمْز فِي شئ من الْكَلَام، لَان الاسماء طولت بهَا، كَقَوْلِك فِي التَّحْقِيق: هَذِه خَطِيئَة، كَقَوْلِك خطيعة، فَإِذا ابدلتها إِلَى التَّخْفِيف قلت: هَذِه خطية، جعلت حركتها يَاء للكسرة، وَتقول: هَذَا رجل خبوء، كَقَوْلِك خبوع، فَإِذا خففت قلت: رجل خبو، فتجعل الْهمزَة واواللضمة الَّتِي قبلهَا، وجعلتها حرفا ثقيلا فِي وزن حرفين مَعَ الْوَاو الَّتِي قبلهَا، وَتقول: هَذَا مَتَاع مخبوء بِوَزْن مخبوع، فَإِذا خففت قلت: مَتَاع مخبو، فحولت الْهمزَة واوا للضمة قبلهَا. قَالَ أَبُو مَنْصُور: وَمن الْعَرَب من يدغم الْوَاو فِي الْوَاو ويشددها، فَيَقُول: مخبو. قَالَ أَبُو زيد: تَقول رجل برَاء من الشّرك، كَقَوْلِك براع، فَإِذا عدلتها الى التَّخْفِيف قلت: براو، فَتَصِير الْهمزَة واوا لانها مَضْمُومَة، وَتقول: مَرَرْت بِرَجُل براي فَتَصِير يَاء على الكسرة ورايت رجلا برايا، فَتَصِير ألفا لانها مَفْتُوحَة. وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلهم: هَذَا غطاء وَكسَاء وخباء، فتهمز مَوضِع اللَّام من نظيرها من الْفِعْل لانها غَايَة، وَقبلهَا ألف سَاكِنة، كَقَوْلِهِم: هَذَا غطاع وكساع وخباع، فالعين وخباع، فالعين مَوضِع الْهمزَة، فَإِذا جمعت الِاثْنَيْنِ على سنة الْوَاحِد فِي التَّحْقِيق، قلت: هَذَانِ غطاآن وكساآن وخباآن، كَقَوْلِك غطاعان

стр. 21

وكساعان وخباعان، فتهمز الِاثْنَيْنِ على سنة الْوَاحِد، وَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت: هَذَا غطاو وكساو وخباو، فتجعل الْهمزَة واوا لانها مَضْمُومَة، وان جمعت الِاثْنَيْنِ بِالتَّخْفِيفِ على سنة الْوَاحِد قلت: هَذَانِ عطاأن وكساأن وخباأن، فَتحَرك الالف، الَّتِي فِي مَوضِع اللَّام من نظيرها من الْفِعْل، بِغَيْر إشباع، لَان فِيهَا بَقِيَّة من الْهمزَة، وَقبلهَا ألف سَاكِنة، فَإِذا أردْت تَحْويل الْهمزَة قلت: هَذَا غطاو وكساو لَان قبلهَا حرفا سَاكِنا، وَهِي مَضْمُومَة، وَكَذَلِكَ الفضاء: هَذَا فضاو، على التَّحْوِيل، لَان ظُهُور الْوَاو هَهُنَا أخف من ظُهُور الْيَاء، وَتقول فِي الِاثْنَيْنِ، إِذا جمعتهما على سنة تَحْويل الْوَاو: هما غطاوان وكساوان وخباوان وفضاوان. قَالَ أَبُو زيد وَسمعت بعض بني فَزَارَة يَقُول: هما كسايان وخبايان وفضايان، فيحول الْوَاو الى الْيَاء. قَالَ: وَالْوَاو فِي هَذِه الْحُرُوف أَكثر فِي الْكَلَام. قَالَ: وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلك: يَا زيد من أَنْت، كَقَوْلِك من عنت، فَإِذا عدلت الْهمزَة إِلَى التَّخْفِيف قلت: يَا زيد من نت، كانك قلت مننت، لانك أسقطت الْهمزَة من أَنْت وحركت مَا قبلهَا بحركتها، وَلم يدْخلهُ إدغام، لَان النُّون الاخيرة سَاكِنة والاولى متحركة، وَتقول من أَنا، كَقَوْلِك من عَنَّا على التَّحْقِيق، فَإِذا أردْت التَّخْفِيف قلت: يَا زيد من نَا، كانك قلت: يَا زيد منا، ادخلت النُّون الاولى فِي الاخرة، وجعلتهما حرفا وَاحِدًا ثقيلا فِي وزن حرفين، لانهما متحركان فِي حَال التَّخْفِيف، وَمثله قَوْله تَعَالَى: لَكنا هُوَ الله رَبِّي، خففوا الْهمزَة من لَكِن أَنا، فَصَارَت لَكِن نَا، كَقَوْلِك لكننا، ثمَّ أسكنوا بعد التَّخْفِيف، فَقَالُوا لَكنا. قَالَ: وَسمعت اعرابيا من قيس يَقُول: يَا أَب أقبل وياب أقبل يَا أَبَة أقبل ويابة أقبل، فالقي الْهمزَة من (١) ... وَمن تَحْقِيق الْهمزَة قَوْلك إفعو علت من وايت: إيا وايت، كَقَوْلِك إفعو عيت، فَإِذا عدلته الى التَّخْفِيف قلت: ايويت وَحدهَا، وويت، والاولى مِنْهُمَا فِي مَوضِع الْفَاء من الْفِعْل، وَهِي سَاكِنة، وَالثَّانيَِة هِيَ الزَّائِدَة، فحركتها بحركة الهمزتين قبلهَا (٢). وَثقل ظُهُور الواوين مفتوحتين، فهمزوا الاولى مِنْهُمَا، وَلَو كَانَت الْوَاو الاولى وَاو عطف لم يثقل ظهورهما فِي الْكَلَام، كَقَوْلِك: ذهب زيد ووافد، وَقدم عَمْرو وواهب. قَالَ: وَإِذا أردْت تَحْقِيق مفعوعل من وأيت قلت: موأوئي، كَقَوْلِك موعوعي، فَإِذا عدلت الى التَّخْفِيف قلت: مواوي، فتفتح الْوَاو الَّتِي فِي مَوضِع الْفَاء بفتحة الْهمزَة الَّتِي فِي مَوضِع الْعين من الْفِعْل، وتكسر الْوَاو الثَّانِيَة، وَهِي الثَّابِتَة، بِكَسْر الْهمزَة الَّتِي بعْدهَا. قَالَ أَبُو زيد وَسمعت بعض بني عجلَان من قيس يَقُول: رَأَيْت غلاميبيك، ورايت غلاميسد، تحول الْهمزَة الَّتِي فِي أَسد وَفِي أَبِيك على الْيَاء، ويدخلونها فِي الْيَاء الَّتِي فِي الغلامين، الَّتِي هِيَ نفس الاعراب، فَيظْهر يَاء ثَقيلَة فِي وزن حرفين، كانك قلت رايت غلاميبيك ورايت غلاميسد.

стр. 22

قَالَ وَسمعت رجلا من بني كلب يَقُول: هَذِه دَابَّة، وَهَذِه امراة شَابة، فهمز الالف فيهمَا وَذَلِكَ أَنه ثقل عَلَيْهِ إسكان الحرفين مَعًا، وَإِن كَانَ الْحَرْف الاخر مِنْهُمَا متحركا. وَأنْشد الْفراء: يَا عجبا! لقد رايت عجبا: * حمَار قبان يَسُوق ارنبا، وَأمّهَا خاطمها أَن تذهبا قَالَ أَبُو زيد: أهل الْحجاز وهذيل وَأهل مَكَّة وَالْمَدينَة لَا ينبرون. وقف عَلَيْهَا عِيسَى بن عمر فَقَالَ: مَا آخذ من قَول تَمِيم الا بالنبر وهم أَصْحَاب النبر، وَأهل الْحجاز إِذا اضطروا نبروا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عمر الهذلى قد توضيت فَلم يهمز وحولها يَاء، وَكَذَلِكَ مَا أشبه هَذَا من بَاب الْهَمْز. وَالله تَعَالَى أعلم.

стр. 23

ا لجزء الأول أ فصل الهمزة أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي ﵀: الأَبَاءَةُ لأَجَمَةِ القَصَبِ، والجمعُ أَباءٌ. قَالَ وَرُبَّمَا ذُكر هَذَا الْحَرْفُ فِي المعتلِّ مِنَ الصِّحاح وإِن الهمزةَ أَصلها ياءٌ. قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَذْهَبِ سِيبَوَيهِ بَلْ يحمِلها عَلَى ظَاهِرِهَا حَتَّى يقومَ دليلٌ أَنها مِنَ الْوَاوِ أَو مِنَ الياءِ نَحْوَ: الرِّداء لأَنه مِنَ الرَّدْية، والكِساء لأَنه مِنَ الكُسْوة، وَاللَّهُ أَعلم. أتأ: حَكَى أَبو عَلِيٍّ، فِي التَّذكرة، عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: أَتْأةُ أُمُّ قَيْس بْنِ ضِرار قَاتِلِ الْمِقْدَامِ، وَهِيَ مِنْ بَكر وَائِلٍ. قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ أَجأ «١». قَالَ جَرِيرٌ: أَتَبِيتُ لَيْلَكَ، يَا ابْنَ أَتْأَةَ، نَائِمًا، ... وبَنُو أُمامَةَ، عَنْكَ، غَيرُ نيامِ وتَرى القِتالَ، مَعَ الكرامِ، مُحَرَّماً، ... وتَرى الزِّناءَ، عَلَيْكَ، غَيرَ حَرَامِ أثأ: جاءَ فُلَانٌ فِي أُثْئِيَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ أَي جَمَاعَةٍ. قَالَ: وأَثَأْتُه إِذا رميتُه بِسَهْمٍ، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ الأَصمعي. أَثيْتُه بِسَهْمٍ أَي رَمْيَتُهُ، وَهُوَ حَرْفٌ غَرِيبٌ. قَالَ وجاءَ أَيضاً أَصبحَ فلانٌ مُؤْتَثِئاً أَي لَا يَشتهي الطَّعَامَ، عَنِ الشيباني. أجأ: أَجَأ عَلَى فَعَلٍ بِالتَّحْرِيكِ: جبلٌ لطيِءٍ يذكَّر ويؤَنَّث. وَهُنَالِكَ ثلاثةُ أَجبُل: أَجَأ وسَلْمَى والعَوْجَاءُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَجَأً اسمُ رجُل تعشَّق سَلْمَى وجمعَتْهما العَوْجاءُ، فَهَرَبَ أَجأ بسَلمى وذهبَت مَعَهُمَا العوجاءُ، فتبِعهم بعلُ سَلْمَى، فأَدركهم وَقَتَلَهُمْ، وصلبَ أَجأً عَلَى أَحدِ الأَجْبُلِ، فسمِّيَ أَجأً، وَصَلَبَ سَلْمَى عَلَى الْجَبَلِ الآخرِ، فسمِّيَ بِهَا، وَصلَبَ العوجاءَ عَلَى الثَّالِثِ، فسمِّيَ بِاسْمِهَا. قَالَ: إِذَا أَجَأ تَلفَّعتْ بشِعافِها ... عليَّ، وأَمْستْ، بالعماءِ، مُكلَّله وأَصْبَحَتِ العَوْجاءُ يَهتَزُّ جِيدُها، ... كَجِيدِ عَرُوسٍ أَصْبَحَتْ مُتَبَذِّلَه

стр. 24

وَقَوْلُ أَبي النَّجم: قدْ حيَّرَتْهُ جِنُّ سَلْمى وأَجا أَراد وأَجأ فخفَّف تَخْفِيفًا قِيَاسِيًّا، وعامَلَ اللَّفْظَ كَمَا أَجاز الْخَلِيلُ رأْساً مَعَ ناس، على غَيْرِ التَّخْفِيفِ البدَلي، وَلَكِنْ عَلَى مُعَامَلَةِ اللَّفْظِ، واللفظُ كَثِيرًا مَا يراعَى فِي صِنَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ. أَلا تَرى أَن موضوعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ الأَخفَش عَلَى الْبَدَلِ. فأَما قَوْلُهُ: مِثْل خَناذِيذِ أَجا وصخْرهِ فإِنه أَبدل الهمزةَ فَقَلَبَهَا حَرْفَ علَّة لِلضَّرُورَةِ، والخَناذِيذُ رءُوس الْجِبِالِ: أَي إِبل مِثْلُ قِطع هَذَا الْجَبَلِ. الْجَوْهَرِيُّ: أَجأ وَسَلْمَى جَبَلَانِ لطيءٍ يُنْسب إِلَيْهِمَا الأَجئِيّون مِثَلَ الأَجعِيُّون. ابْنُ الأَعرابي: أَجَأَ إِذا فَرَّ. أشأ: الأَشاءُ: صِغَارُ النَّخْلِ، واحدتها أَشاءَةٌ. ألأ: الأَلاءُ بِوَزْنِ العَلاء: شَجَرٌ، ورقهُ وحَمْله دباغٌ، يُمدُّ ويُقْصر، وَهُوَ حسَن الْمَنْظَرِ مرُّ الطَّعْمِ، وَلَا يَزَالُ أَخضرَ شِتَاءً وَصَيْفًا. وَاحِدَتُهُ أَلاءَة بِوَزْنِ أَلاعة، وتأْليفه مِنْ لَامٍ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ. أَبو زَيْدٍ: هِيَ شَجَرَةٌ تُشْبِهُ الْآسَ لَا تَغيَّرُ فِي الْقَيْظِ، وَلَهَا ثَمَرَةٌ تُشبه سُنْبل الذُّرة، ومنبتُها الرَّمْلُ والأَودية. قَالَ: والسُّلامانُ نَحْوُ الأَلاءِ غَيْرَ أَنها أَصغرُ مِنْهَا، يُتَّخذ مِنْهَا الْمَسَاوِيكُ، وَثَمَرَتُهَا مِثْلُ ثَمَرَتِهَا، وَمَنْبَتُهَا الأَودية وَالصَّحَارِي؛ قَالَ ابْنُ عَنَمَة: فخرَّ عَلَى الأَلاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ، ... كأَنَّ جبِينَهُ سَيْفٌ صقِيلُ وأَرض مأْلأَةٌ: كثيرةُ الأَلاءِ. وأَديمٌ مأْلوءٌ: مدبوغٌ بالأَلاءِ. وَرَوَى ثعلبٌ: إِهابٌ مأْلَى: مدبوغ بالأَلاءِ. أوأ: آءَ عَلَى وَزْنِ عَاعَ: شَجَرٌ، وَاحِدَتُهُ آءَة. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: بَيْنَ نَخْلة وضَالَة وسِدْرة وآءَة. الآءَة بِوَزْنِ العاعَة، وتُجمع عَلَى آءٍ بوزنِ عاعٍ: هُوَ شجرٌ معروفٌ، لَيْسَ فِي الكلامِ اسمٌ وقعَت فيهِ ألفٌ بَيْنِ هَمزتين إلَّا هَذَا. هَذَا قولُ كُرَاعٍ، وَهُوَ مِنْ مَراتِعِ النَّعامِ، والتنُّومُ نبتٌ آخَرُ. وَتَصْغِيرُهَا: أُوَيْأَةٌ، وتأسيسُ بِنَائها مِنْ تأْليفِ واوٍ بينَ هَمْزَتَيْنِ. وَلَوْ قلتَ مِنَ الآءِ، كَمَا تَقُولُ مِنَ النَّومِ مَنامةٌ، عَلَى تقديرِ مَفعلةٌ، قُلْتَ: أَرض مآءَة. وَلَوِ اشتُقَّ منهُ فعلٌ، كَمَا يُشْتَقُّ مِنَ القرظِ، فقيلَ مقروظٌ، فَإِنْ كَانَ يدبغُ أَو يؤدمُ بِهِ طعامٌ أَو يخلطُ بِهِ دواءٌ قلتَ: هو مَؤُوءٌ مِثْلُ مَعُوع. وَيُقَالُ مِنْ ذلك أُؤْتُهُ بالآءِ آءُ «١». قَالَ ابنُ بَرِّي: والدليلُ عَلَى أَنَّ أَصلَ هَذِهِ الأَلفِ الَّتِي بينَ الْهَمْزَتَيْنِ واوٌ قولُهم فِي تَصْغِيرِ آءَة أُوَيْأَةٌ. وأَرضٌ مآءَةٌ: تُنبتُ الآءَ، وَلَيْسَ بثَبتٍ. قال زهيرُ ابن أَبي سُلمى: كأَنَّ الرَّحْلَ مِنْها فَوقَ صَعْلٍ ... منَ الظِّلْمانِ، جُؤْجُؤُهُ هواءُ أَصَكَّ، مُصَلَّمِ الأُذُنَيْنِ، أَجْنَى ... لَهُ، بالسِّيِّ، تَنُّومٌ وآءُ أَبو عَمْرٍو: مِنَ الشَّجرِ الدِّفْلى والآءُ، بِوَزْنِ العاعُ، والأَلاءُ والحَبْنُ كُلُّهُ الدِّفْلى. قَالَ الليثُ: الآءُ شجرٌ لهُ ثمرٌ يأْكلهُ النَّعامُ؛ قَالَ: وتُسمى الشجرةُ سَرْحَةً وثَمَرُها الْآءُ. وآءٌ، ممدودٌ: مِنْ زجر الإِبل. وآء

стр. 25

حِكَايَةُ أَصْوَاتٍ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: إنْ تَلْقَ عَمْراً، فَقَدْ لاقَيْتَ مُدَّرِعاً، ... ولَيْسَ، مِنْ هَمِّه، إِبْلٌ وَلَا شاءُ فِي جَحْفلٍ لَجِبٍ، جَمٍّ صواهِلُهُ، ... باللَّيْلِ تُسمَعُ، فِي حَافاتِهِ، آءُ قَالَ ابنُ بَرِّي: الصحيحُ عندَ أَهلِ اللغةِ أَنَّ الآءَ ثمرُ السَّرحِ. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ عنبٌ أَبيض يأْكلهُ النَّاسُ، ويتَّخذونَ منهُ رُبّاً؛ وعُذْر مَنْ سمَّاه بِالشَّجَرِ أَنهم قَدْ يُسمونَ الشجرَ باسمِ ثَمَرِهِ، فيقولُ أَحدُهم: فِي بُسْتَانِي السَّفَرْجَلُ وَالتُّفَّاحُ، وَهُوَ يُرِيدُ الأَشجارَ، فَيُعَبِّرُ بِالثَّمَرَةِ عَنِ الشجرِ؛ ومنهُ قولهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً. وَلَوْ بنيتَ مِنْهَا فِعْلًا لقلتَ: أُوتُ الأَديمَ إِذَا دبغتهُ به، والأَصلُ أُؤْتُ الأَديمَ بِهَمْزَتَيْنِ، فأُبدلت الهمزةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا لِانْضِمَامِ مَا قَبْلَهَا. أَبو عَمْرٍو: الآءُ بِوَزْنِ الْعَاعِ: الدِّفلى. قَالَ: والآءُ أَيضاً صياحُ الأَمير بالغلام مثلُ العاع. بأبأ: اللَّيْثُ البَأْبَأَةُ قولُ الإِنسان لصاحبهِ بِأَبي أَنْتَ، ومعناهُ أَفْدِيكَ بِأَبي، فيُشتقُّ مِنْ ذَلِكَ فِعْلٌ فَيُقَالُ: بَأْبَأَ بِهِ. قَالَ وَمِنَ العربِ مَنْ يَقُولُ: وا بِأَبَا أَنتَ، جَعَلُوهَا كَلِمَةً مبنِيَّةً عَلَى هَذَا التأْسيس. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ يا وَيْلَتى *، معْناهُ يَا وَيْلَتي، فقلبَ الياءَ أَلفاً، وكذلكَ يَا أَبَتا معناهُ يَا أَبَتِي، وَعَلَى هَذَا تُوَجَّهُ قراءَة مَنْ قرأَ: يَا أَبَتَ إِني، أَراد يَا أَبتا، وَهُوَ يُرِيدُ يَا أَبَتي، ثُمَّ حذفَ الأَلفَ، وَمَنْ قالَ يَا بِيَبَا حوَّلَ الْهَمْزَةَ يَاءً والأَصل: يَا بِأَبَا مَعْنَاهُ يَا بِأَبِي. وَالْفِعْلُ مِنْ هَذَا بَأْبأَ يُبَأْبِئُ بَأْبَأَةً. وبَأْبَأْتُ الصبيَّ وبَأْبأْتُ بِهِ: قلتُ لَهُ بأَبي أَنتَ وأُمي؛ قَالَ الرَّاجِزُ: وصاحِبٍ ذِي غَمْرةٍ داجَيْتُه، ... بَأْبَأْتُهُ، وإِنْ أَبَى فَدَّيْتُه، حَتَّى أَتى الحيَّ، وَمَا آذَيْتُه وبأْبَأْته أَيضاً، وبأْبأْتُ بِهِ قلتُ لَهُ: بَابَا. وَقَالُوا: بَأْبَأَ الصبيَّ أَبوهُ إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وبَأْبَأَهُ الصبيُّ، إِذَا قَالَ لَهُ: بَابَا. وَقَالَ الفَرَّاءُ: بَأْبأْتُ بالصبيِّ بِئْباءً إِذَا قلتُ لَهُ: بِأَبي. قَالَ ابنُ جِنِّي: سأَلت أَبا عَلِيٍّ فقلتُ لَهُ: بَأْبَأْتُ الصَّبيَّ بَأْبأَةً إِذَا قلتُ لَهُ بَابَا، فَمَا مثالُ البَأْبَأَةِ عندكَ الْآنَ؟ أَتزنها عَلَى لَفْظِهَا فِي الأَصل، فَتَقُولُ مِثَالُهَا البَقْبَقَةُ بِمَنْزِلَةِ الصَلْصَلةِ والقَلْقَلةِ؟ فَقَالَ: بَلْ أَزِنُها عَلَى مَا صارَت إِلَيْهِ، وأَترك مَا كَانَتْ قبلُ عَلَيْهِ، فأَقولُ: الفَعْلَلة. قَالَ: وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ، وَبِهِ انعقادُ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ أَيضاً: إِذا قُلْتَ بأَبي أَنتَ، فَالْبَاءُ فِي أَوَّلِ الاسمِ حرفُ جَرٍّ بِمَنْزِلَةِ اللامِ فِي قولكَ: لِلَّهِ أنتَ، فَإِذَا اشتَقَقْتَ منهُ فِعْلًا اشْتِقَاقًا صَوْتِيّاً اسْتَحَالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ فَقُلْتَ: بَأْبَأْتُ بِهِ بِئباءً، وَقَدْ أَكثرت مِنَ البَأْبأَة، فَالْبَاءُ الْآنَ فِي لفظِ الأَصل، وإِن كَانَ قَدْ عُلم أَنها فِيمَا اشْتُقَّت منهُ زائدةٌ للجَرِّ؛ وَعَلَى هَذَا مِنْهَا البِأَبُ، فصارَ فِعْلًا مِنْ بَابِ سَلِسَ وقَلِقَ؛ قَالَ: يَا بِأَبِي أَنْتَ، وَيَا فَوْقَ البِأَبْ فالبِأَبُ الآنَ بمنزلةِ الضِّلَعِ والعِنَبِ. وَبَأْبَؤُوه: أَظْهَروا لَطافَةً؛ قَالَ: إِذَا مَا القبائِلُ بَأْبَأْنَنا، ... فَماذا نُرَجِّي بِبئْبائِها؟ وَكَذَلِكَ تَبأْبئُوا عليهِ. والبَأْباءُ، ممدودٌ: تَرْقِيصُ الْمَرْأَةِ ولدَها. والبَأْباءُ: زَجْرُ السِّنَّوْر، وَهُوَ الغِسُّ؛ وأَنشَدَ ابنُ الأَعرابي لرجلٍ

стр. 26

فِي الخَيْل: وهُنَّ أَهلُ مَا يَتمازَيْن؛ ... وهُنَّ أَهلُ مَا يُبَأْبَيْن أَي يُقَالُ لَهَا: بِأَبي فَرَسِي نَجَّانِي مِنْ كَذَا؛ وَمَا فِيهِمَا صِلة مَعْنَاهُ أَنهنَّ، يَعْنِي الخيْلَ، أَهْلٌ للمُناغاةِ بِهَذَا الكلامِ كَمَا يُرَقَّصُ الصبيُّ؛ وَقَوْلُهُ يَتمازَيْنَ أَي يَتَفاضَلْنَ. وبَأْبَأَ الفَحْلُ، وَهُوَ تَرْجِيعُ الباءِ فِي هَدِيرهِ. وبَأْبأَ الرَّجُلُ: أَسْرَعَ. وبأْبأْنا أَي أَسْرَعْنا. وتَبَأْبأْتُ تَبَأْبُؤاً إِذا عَدَوْتُ. والبُؤْبُؤُ: السيِّد الظَّريفُ الخفيفُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والبؤْبُؤُ: الأَصلُ، وَقِيلَ الأَصلُ الكريمُ أَو الخَسيسُ. وَقَالَ شَمِرٌ: بُؤْبُؤُ الرجلِ: أَصلُهُ. وَقَالَ أَبو عَمرو: البُؤْبُؤُ: العالِمُ المُعَلِّمُ. وَفِي الْمُحْكَمِ: العالمُ مثلُ السُّرْسُورِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي بُؤْبُؤ الكَرَمِ. وَيُقَالُ: البُؤْبُؤُ إِنسانُ العَيْن. وَفِي التَّهْذِيبِ: البُؤْبُؤُ: عَيْرُ العَيْن. وَقَالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: البؤْبؤُ بِلَا مَدّ عَلَى مِثَالِ الفُلْفُل. قالَ: البؤْبؤُ: بُؤْبؤُ العَيْنِ، وأَنشدَ شَاهِدًا عَلَى البُؤْبؤِ بِمَعْنَى السَّيِّد قولَ الرَّاجز فِي صفةِ امرأةٍ: قَدْ فاقَتِ البؤْبُؤَ الْبُؤَيْبِيَهْ، ... والجِلدُ مِنْها غِرْقِئُ القُوَيْقِيَهْ الغِرْقِئُ: قِشْرُ البَيْضة. والقُويقِيةُ: كِنَايَةٌ عَنِ البَيْضة. قَالَ ابنُ خَالَوَيْهِ: البؤْبُؤُ، بِغَيْرِ مدٍّ: السَّيِّد، والبُؤَيْبِيَةُ: السيِّدة، وأَنْشدَ لِجَرِيرٍ: فِي بؤْبُؤ المَجْدِ وبُحْبوحِ الكَرَمْ وأَمَّا القَالي فإِنهُ أَنْشده: فِي ضِئْضئِ المَجْدِ وبُؤْبُوءِ الكَرَمْ وَقَالَ: وَكَذَا رأَيتُهُ فِي شعرِ جَرِيرٍ؛ قَالَ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «١» مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ مِنْ كونهِ مِثَالَ سُرسُور. قَالَ وكأَنهما لُغَتَانِ، التَّهْذِيبُ، وأَنشدَ ابنُ السِّكِّيتِ: ولكِنْ يُبَأْبِئُهُ بُؤْبؤٌ، ... وبِئباؤُهُ حَجَأ أَحْجَؤُه قَالَ ابْنُ السِكِّيت: يُبَأْبِئه: يُفَدِّيه، بُؤْبُؤٌ: سيدٌ كريمٌ، بِئبْاؤُهُ: تَفْدِيَتُه، وحَجَأ: أَي فَرَحٌ، أَحْجَؤُهُ: أَفْرَحُ بهِ. ويقالُ فلانٌ فِي بُؤْبؤِ صِدقٍ أَي أَصْلِ صِدْقٍ، وَقَالَ: أَنا فِي بُؤْبؤِ صِدْقٍ، ... نَعَمْ، وفي أَكْرَمِ أَصْلِ «٢» بتأ: بَتَأَ بِالْمَكَانِ يَبْتَأُ بُتُوءاً: أَقامَ. وَقِيلَ هَذِهِ لُغَةٌ، وَالْفَصِيحُ بَتَا بُتُوّاً. وسنذكرُ ذَلِكَ فِي المعتلِّ إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى. بثأ: بَثَاءُ: مَوضِعٌ مَعْرُوفٌ. أَنشدَ المُفَضَّلُ: بِنَفْسِيَ ماءُ عَبْشَمْسِ بنِ سَعْدٍ، ... غَداةَ بَثَاءَ، إِذْ عَرَفُوا اليَقِينا وَقَدْ ذكرهُ الجوهريُّ فِي بَثَا مِنَ المعتلِّ. قَالَ ابنُ بَرِّي فَهَذَا مَوْضِعُهُ. بدأ: فِي أَسماء اللهِ المُبْدئ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً مِنْ غيرِ سابقِ مِثَالٍ. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَهُ. ويقالُ: لكَ البَدْءُ والبَدْأَةُ والبُدْأَةُ والبَدِيئةُ

стр. 27

والبَداءَةُ والبُداءَةُ بالمدِّ والبَدَاهةُ عَلَى البدلِ أَي لكَ أَنْ تَبْدَأَ قَبْلَ غَيْرِكَ فِي الرَّمْي وغيرهِ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: كَانَ ذلكَ فِي بَدْأَتِنا وبِدْأَتِنا، بالقصرِ والمدِّ «١»؛ قَالَ: وَلَا أَدري كَيْفَ ذلكَ. وَفِي مَبْدَأَتِنا عنهُ أَيضاً. وَقَدْ أَبْدَأْنا وبَدأْنا كُلُّ ذَلِكَ عَنْهُ. والبَدِيئةُ والبَداءَةُ والبَداهةُ: أَوّلُ مَا يَفْجَؤُكَ، الْهَاءُ فيهِ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزِ. وبَدِيتُ بالشيءِ قَدَّمتُهُ، أَنْصاريّةٌ. وبَدِيتُ بالشيءِ وبَدأْتُ: ابْتَدَأْتُ. وأَبْدَأْتُ بالأَمْرِ بَدْءاً ابْتَدأْتُ بِهِ. وبَدأْتُ الشيءَ: فَعَلْتُهُ ابْتِداءً. وَفِي الْحَدِيثِ: الخَيْلُ مُبَدَّأَةٌ يومَ الوِرْدِ أَي يُبْدَأُ بِهَا فِي السَّقْيِ قبلَ الإِبِلِ والغَنَمِ، وَقَدْ تحذفُ الْهَمْزَةُ فتصيرُ أَلفاً سَاكِنَةً. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الأَوَّلُ؛ ومنهُ قَوْلُهُمْ: افْعَلْهُ بادِيَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْلٍ، وبادِي بَدِيءٍ عَلَى فَعِيلٍ، أَي أَوَّلَ شيءٍ، والياءُ من بادِي ساكِنةٌ فِي موضعِ النصبِ؛ هَكَذَا يتكلمونَ بهِ. قَالَ وَرُبَّمَا تَرَكُوا هَمَزَهُ لكثرةِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَا نذكرهُ فِي بَابِ الْمُعْتَلِّ. وبادِئُ الرأْيِ: أَوَّلُهُ وابْتِداؤُهُ. وَعِنْدَ أَهلِ التحقيقِ مَنَّ الأَوائِلِ مَا أُدْرِكَ قبلَ إِنْعامِ النَّظرِ؛ يُقال فَعَلَه فِي بادئِ الرأيِ. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَنتَ بادئَ الرَأْي ومُبْتَدَأَهُ تُرِيدُ ظُلْمنا، أَي أَنتَ فِي أَوَّلِ الرَّأْيِ تُريدُ ظُلْمنا. وَرُوِيَ أَيضاً: أَنتَ باديَ الرأْي تُرِيدُ ظُلمنا بِغَيْرِ هَمْزٍ، ومعناهُ أَنتَ فِيمَا بَدا مِنَ الرأْي وظَهَرَ أَي أَنتَ فِي ظَاهِرِ الرأْي، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: [وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ] وبادئَ الرَّأْيِ؛ قرأَ أَبو عَمْرٍو وَحْدَهُ: بادئَ الرأْيِ بِالْهَمْزِ، وَسَائِرُ القرّاءِ قرءُوا بادِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وَقَالَ الفَرّاءُ: لَا تَهْمِزُوا باديَ الرأْيِ لأَنَّ الْمَعْنَى فِيمَا يظهرُ لَنَا وَيَبْدُو؛ قَالَ: وَلَوْ أَرادَ ابْتِداءَ الرأْيِ فهَمزَ كَانَ صَوَابًا. وَسَنَذْكُرُهُ أَيضاً فِي بَدَا. وَمَعْنَى قراءَةِ أَبي عَمْرٍو بادئَ الرأيِ أَي أَوَّلَ الرأْيِ أَي اتَّبَعُوكَ ابْتِداءَ الرَأْي حِينَ ابْتَدءوا ينظرونَ، وَإِذَا فَكَّرُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ. وقالَ ابنُ الأَنباري: بادئَ، بالهمزِ، مَنْ بَدَأَ إِذَا ابْتَدَأَ؛ قَالَ: وانْتِصابُ مَنْ هَمزَ وَلَمْ يَهْمِزْ بالاتِّباع عَلَى مَذهَب المَصدرِ أَي اتَّبَعوكَ اتِّباعاً ظَاهِرًا، أَو اتِّباعاً مُبْتَدأً؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَعْنَى مَا نَراك اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا فِي ظاهرِ مَا نَرى مِنْهُمْ، وطَوِيَّاتُهم عَلَى خِلافِك وعَلى مُوافَقَتنَا؛ وَهُوَ منْ بَدا يَبْدُو إِذَا ظَهَر. وَفِي حديثِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: فانْطَلقَ إِلَى أَحَدِهم بادئَ الرَّأْي فَقَتَله. قَالَ ابنُ الأَثير: أَي فِي أَوَّلِ رأْيٍ رآهُ وابتدائِه، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ مِنَ البُدُوِّ: الظُّهور أَي فِي ظاهرِ الرَّأْيِ والنَّظَرِ. قَالُوا افْعَلْهُ بَدءاً وأَوَّلَ بَدْءٍ، عَنْ ثعلبٍ، وبادِيَ بَدْءٍ وباديَ بَدِيٍّ لَا يهمزُ. قَالَ وَهَذَا نادرٌ لأَنهُ لَيْسَ عَلَى التخفيفِ القياسيِّ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَما بادِئَ بَدْءٍ فإنِّي أَحْمَدُ اللهَ، وبادِي بَدأَةَ وبادئَ بداءٍ وَبَدَا بَدْءٍ وبَدْأَةَ بَدْأَةَ وباديَ بَدوٍ وبادِي بَداءٍ أَي أَمَّا بَدْءَ الرأْيِ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللهَ. ورأَيتُ فِي بعضِ أُصول الصحاحِ يقالُ: افْعَلْه بَدْأَةَ ذِي بَدْءٍ وبَدأَةَ ذِي بَدْأَةَ وبَدْأَةَ ذِي بَدِيءٍ وبَدْأَةَ بَديءٍ وبَديءَ بَدْءٍ، عَلَى فَعْل، وبادِئَ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، وبادِئَ بَدِئٍ، عَلَى فَعِلٍ، وبَديءَ ذِي بَديءٍ أَي

стр. 28

أَوَّلَ أَوَّلَ. وبدأَ فِي الأَمرِ وعادَ وأَبْدَأَ وأَعادَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَيْ أَيَّ شيءٍ يُبْدِئُ الباطلُ وأَيَّ شيءٍ يُعِيدُ، وتكونُ مَا نَفْياً والباطلُ هُنَا إِبْليِسُ، أَي مَا يَخْلُقُ إِبلِيسُ وَلَا يَبْعَثُ، واللهُ جلَّ وعزَّ هُوَ الخالقُ والباعثُ. وفَعَلَه عَوْدَه عَلَى بَدْئِه وَفِي عَوْدِه وبَدْئِه وَفِي عَوْدَتِه وبَدأَته. وَتَقُولُ: افْعَلْ ذلكَ عَوْداً وبَدْءاً وَيُقَالُ: رجَعَ عَوْدَه عَلَى بَدْئِه: إِذا رَجَعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ النبيَّ ﷺ نَفَّلَ فِي البَدْأَةِ الرُّبُعَ وَفِي الرَّجْعَةِ الثُلثَ ، أَرادَ بالبَدْأَةِ ابتِداءَ سَفَرِ الغَزْوِ وبالرَّجْعةِ القُفُولَ منهُ؛ والمعْنى كانَ إِذا نَهَضَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جُملةِ الْعَسْكَرِ المُقْبِل عَلَى العَدُوّ فأَوْقَعَتْ بطائِفةٍ مِنَ العَدُوّ، فَمَا غَنِمُوا كانَ لهمْ الرُّبُع ويَشْرَكُهُمْ سائِرُ العَسكر فِي ثلاثةِ أَرباعِ مَا غَنِموا، وإِذا فَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْدَ عَوْدِ العسكرِ كانَ لهمْ مِنْ جَمِيعِ مَا غَنِمُوا الثُّلث، لأَنَّ الكَرَّةَ الثانِيَةَ أَشَقُّ عَلَيْهِمْ، والخَطَر فِيهَا أَعْظَمُ، وَذَلِكَ لقُوّة الظَّهْرِ عِنْدَ دُخولهم وضَعْفِه عِنْدَ خُروجهم، وهمْ فِي الأَوّلِ أَنْشَطُ وأَشْهى للسَّيْرِ والإِمْعانِ فِي بِلادِ العَدُوّ، وهمْ عِنْدَ القُفُولِ أَضْعَفُ وأَفْترُ وأَشْهَى للرُّجوعِ إِلى أَوْطانهمْ، فزادَهمْ لِذلك. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُه يَقُولُ: لَيَضْرِبُنَّكُم عَلَى الدِّين عَوْداً كَمَا ضَرَبْتُموهم عَلَيْهِ بَدْءاً أَي أَوّلًا، يَعْنِي العَجَمَ والمَوالي. وَفِي حَديثِ الحُدَيْبِيةِ: يكونُ لَهُمْ بَدءُ الفُجُورِ وثناهُ أَي أَوّلُه وآخِرُه. ويُقالُ فُلَانٌ مَا يُبدِئُ وَمَا يُعِيدُ أَي مَا يَتَكَلَّمُ ببادِئَةٍ وَلَا عائِدَةٍ. وَفِي الحديثِ: مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمها وقَفِيزَها، ومَنَعَتِ الشامُ مُدْيَها ودِينارَها، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّها، وعُدْتم مِن حيثُ بَدَأْتُمْ. قالَ ابنُ الأَثيرِ: هَذَا الحديثُ مِنْ مُعْجِزات سيدِنا رسول اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وَسَلَّمَ، لأَنهُ أَخبر بِمَا لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ فِي عِلم اللهِ كَائِنٌ، فَخرَج لفظُه عَلَى لَفْظِ الماضِي ودَلَّ بهِ عَلَى رِضَاهُ مِنْ عُمَر بنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمَا وَظَّفَه عَلَى الكَفَرةِ مِنَ الجِزْيةِ فِي الْأَمْصَارِ. وَفِي تَفْسِيرِ المنعِ قَوْلَانِ: أَحدُهما أَنه علِم أَنهم سَيُسْلِمُون ويَسْقُطُ عَنْهُمْ مَا وُظِّفَ عَلَيْهِمْ، فصارُوا لَهُ بِإسلامهم مَانِعِينَ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وعُدْتُم مِن حيثُ بَدَأْتم، لأَنَّ بَدْأَهم، فِي عِلْم اللهِ، أَنهم سَيُسلِمُون، فَعَادُوا مِن حَيْثُ بَدَءُوا. وَالثَّانِي أَنهم يَخرُجونَ عَنِ الطّاعةِ ويَعْصون الإِمام، فيَمْنَعون مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الوَظائفِ. والمُدْيُ مِكيالُ أَهلِ الشامِ، والقَفِيزُ لأَهْلِ العِراقِ، والإِرْدَبُّ لأَهْل مِصْرَ. والابتداءُ فِي العَرُوض: اسْمٌ لِكُلِّ جُزْءٍ يَعْتَلُّ فِي أَوّلِ البيتِ بِعلةٍ لَا يَكُونُ فِي شيءٍ مِنْ حَشْوِ البيتِ كالخَرْم فِي الطَّوِيلِ والوافِرِ والهَزَجِ والمُتقارَب، فإِنَّ هَذِهِ كُلُّهَا يُسَمَّى كلُ واحِدٍ مِنْ أَجْزائِها، إِذا اعْتَلَّ، ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ لأَنَّ فَعُولُنْ تُحذف منهُ الفاءُ فِي الابتداءِ، وَلَا تُحْذَفُ الْفَاءُ مِنْ فَعُولُنْ فِي حَشْوِ الْبَيْتِ البتةَ وَكَذَلِكَ أَوّل مُفاعلتن وأَوّل مَفاعيلن يُحذفان فِي أَولِ الْبَيْتِ، وَلَا يُسمى مُسْتَفْعِلُن فِي البسيطِ وَمَا أَشبههُ مِمَّا علَّتُه، كَعِلَّةِ أَجزاءِ حَشوهِ، ابْتِدَاءً، وَزَعْمَ الأَخْفَشُ أَن الْخَلِيلَ جَعَلَ فَاعِلَاتُنْ فِي أَوّلِ المديدِ ابْتِدَاءً؛ قَالَ: ولَم يدرِ الأَخْفَشُ لِمَ جَعَلَ فاعِلاتُن ابْتداءً، وَهِيَ تَكُونُ فَعِلاتن وفاعِلاتن كَمَا تَكُونُ أَجزاءُ الحَشْوِ. وذهبَ عَلَى الأَخْفَشِ أَنَّ الخَليل جعلَ فاعِلاتُن هُنَا لَيْسَتْ كالحَشو لأَن أَلِفَها تسقُطُ أَبداً بِلا مُعاقبة، وكُلُّ مَا جَازَ فِي جُزْئهِ الأَوّلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي حَشْوِهِ، فَاسْمُهُ الابتداءُ؛ وإِنما سُمِّي مَا وَقَعَ فِي الجزءِ ابْتِدَاءً لابتدائِكَ بِالإِعْلالِ. وبَدَأَ اللهُ الخَلْقَ بَدْءاً وأَبْدَأَهمْ بِمَعْنَى خَلَقَهم. وَفِي

стр. 29

التنزيل العزيز: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ* . وَفِيهِ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ . وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . وقالَ: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ؛ فالأَوّل مِنَ البادِئِ وَالثَّانِي منَ المُبْدِئِ وَكلاهُما صِفةٌ للهِ جَلِيلَةٌ. والبَدِيءُ: المَخْلوقُ. وبِئرٌ بَدِيءٌ كَبديع، والجمْعُ بُدُؤٌ. والبَدْءُ والبَدِيءُ: الْبِئْرُ الَّتِي حُفِرت فِي الإِسلام حَدِيثةً وَلَيْسَتْ بعادِيَّةٍ، وتُرِكَ فِيهَا الهمزةُ فِي أَكثرِ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَن يَحْفِر بِئْرًا فِي الأَرْضِ المَواتِ الَّتِي لَا رَبَّ لَهَا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ المسيَّب: فِي حَرِيمِ البئرِ البَدِيءِ خَمسٌ وعِشْرونَ ذِراعاً ، يَقُولُ: لَهُ خَمس وَعِشْرُونَ ذِراعاً حَوالَيْها حَرِيمُها، ليسَ لأَحَدٍ أَن يَحْفِرَ فِي تلكَ الخمسِ والعشرينَ بِئْرًا. وإِنما شُبِّهت هَذِهِ البئرُ بالأَرضِ الَّتِي يُحْيِيها الرجُلُ فَيَكُونُ مالِكاً لَهَا، قَالَ: والقَلِيبُ: البئرُ العادِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعلمُ لَهَا رَبٌّ وَلَا حافِرٌ، فَلَيْسَ لأَحدٍ أَن يَنْزِلَ عَلَى خمسينَ ذِرَاعًا مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنها لعامَّة النَّاسِ، فإِذا نزَلها نازِلٌ مَنَعَ غَيْرَهُ؛ وَمَعْنَى النُّزولِ أَن لَا يَتَّخِذها دَارًا ويُقِيم عَلَيْهَا، وأَمّا أَن يَكُونَ عابِرَ سَبيلٍ فَلَا. أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ للرَّكِيَّةِ: بَدِيءٌ وبَدِيعٌ، إِذَا حَفَرْتها أَنت، فإِن أَصَبْتها قَدْ حُفِرَتْ قبلَك، فَهِيَ خَفِيَّةٌ، وزَمْزَمُ خَفِيَّةٌ لأَنها لإِسمعِيل فاندَفنت، وأَنشَدَ: فَصَبَّحَتْ، قَبْلَ أَذانِ الفُرْقانْ، ... تَعْصِبُ أَعْقارَ حِياض البُودانْ قَالَ: البُودانُ القُلْبانُ، وَهِيَ الرَّكايا، وَاحِدُهَا بَدِيءٌ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مقلوبٌ، والأَصلُ بُدْيانٌ، فقَدَّمَ الياءَ وجعَلَها وَاوًا؛ والفُرقانُ: الصُّبْحُ، والبَدِيءُ: العَجَبُ، وجاءَ بأَمرٍ بَدِيءٍ، عَلَى فَعِيلٍ، أَيْ عَجيبٍ. وبَدِيءٌ مِن بَدَأْتُ، والبَدِيءُ: الأَمْرُ البَدِيعُ، وأَبْدَأَ الرَّجُلُ: إِذا جاءَ بهِ، يُقال أَمرٌ بَدِيءٌ. قالَ عَبِيدُ بْنُ الأَبرَص: فَلَا بَدِيءٌ وَلَا عَجِيبُ والبَدْءُ: السيِّدُ، وقِيلَ الشَّابُّ المُسْتَجادُ الرأْيِ، المُسْتشَارُ، والجَمْعُ بُدُوءٌ. والبَدْءُ: السَيِّدُ الأَوَّلُ فِي السِّيادةِ، والثُنْيانُ: الذِي يِليهِ فِي السُّؤْدد. قالَ أَوْسُ بْنُ مَغْراءَ السَّعْدِيّ: ثُنْيانُنا، إِنْ أَتاهُمْ، كانَ بَدْأَهُمُ، ... وبدْؤُهُمْ، إنْ أَتانا، كانَ ثُنْيانا والبَدْءُ: المَفصِلُ. والبَدْءُ: العَظْمُ بِمَا عَليهِ مِنَ اللَّحمِ. والبَدْءُ: خَيرُ عَظْمٍ فِي الجَزُورِ، وقيلَ خَيْرُ نَصِيبٍ فِي الجَزُور. والجمْعُ أَبْدَاءٌ وبُدُوءٌ مِثلُ جَفْنٍ وأَجْفانٍ وجُفُونٍ. قالَ طَرَفةُ بْنُ الْعَبْدِ: وهُمُ أَيْسارُ لُقْمانَ، إِذا ... أَغْلَتِ الشَّتْوةُ أَبْداءَ الجُزُرْ ويُقالُ: أَهْدَى لهُ بَدْأَةَ الجَزُورِ أَيْ خَيْرَ الأَنصِباءِ، وأَنشَدَ ابنُ السِّكِّيتِ: عَلَى أَيِّ بَدْءٍ مَقْسَمُ اللّحْمِ يُجْعَلُ والأَبْداءُ: المفَاصِلُ، واحِدُها بَدًى، مقصورٌ، وهو أَيْضاً بَدءٌ، مَهْمُوزٌ، تقدِيرُهُ بَدْعٌ. وأَبْدَاءُ الجَزُورِ عَشرَةٌ: وَرِكاهَا وفَخِذَاهَا وساقاهَا وكَتِفَاهَا وعَضُداها، وهُمَا أَلأَمُ الجَزُورِ لِكَثرَةِ العُرُوقِ. والبُدْأَةُ: النَّصِيبُ مِنْ أَنْصِباءِ الجَزُور؛ قالَ النَّمِرُ ابن تَوْلَب: فَمَنَحْتُ بُدْأَتَهَا رَقِيباً جانِحاً، ... والنارُ تَلْفَحُ وَجْهَهُ بأُوَارِها

стр. 30

وَرَوَى ابنُ الأَعرابيِّ: فمَنَحْتُ بُدَّتَها، وَهِيَ النَّصيبُ، وهوَ مَذْكورٌ فِي مَوْضِعِه؛ وروَى ثَعْلَبٌ رفِيقاً جانِحاً «٢». وَفِي الصِّحاحِ: البَدْءُ والبَدْأَةُ: النصِيبُ مِنَ الجَزورِ بفَتحِ الباءِ فِيهِمَا؛ وَهَذَا شِعْرُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ بضمِّها كَمَا ترَى. وبُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً فَهُوَ مبْدُوءٌ: جُدِرَ أَوْ حُصِبَ. قَالَ الكميتُ: فكأَنَّما بُدِئَتْ ظواهِرُ جِلْدِهِ، ... ممَّا يُصَافِحُ مِنْ لهِيبِ سُهَامِها «٣» وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: بُدِئَ الرَّجُلُ يُبْدَأُ بَدْءاً: خَرَجَ بهِ بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيِّ؛ ثمَّ قَالَ: قالَ بَعْضُهُمْ هُو الجُدريُّ بِعَيْنِهِ. ورَجُلٌ مَبْدُوءٌ: خرَج بهِ ذلِك. وَفِي حديثِ عائِشة ﵂ أَنها قالتْ: فِي اليومِ الَّذِي بُدِئَ فيهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وَا رَأْساه. قالَ ابنُ الأَثير: يُقالُ مَتَى بُدِئَ فلانٌ أَي مَتَى مَرِضَ؛ قَالَ: ويُسأَلُ بهِ عَنِ الحيِّ والمَيِّتِ. وبَدَأَ مِنْ أَرضٍ إِلَى أَرضٍ أُخرى وأَبْدأَ: خرَجَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا إِبْداءً. وأَبْدأَ الرَّجلُ: كِناية عَنِ النَّجْو، والاسمُ البَداءُ، ممدودٌ. وأَبْدَأَ الصبيُّ: خَرَجت أَسْنانُهُ بَعْدَ سُقُوطِها. والبُدْأَةُ: هَنَةٌ سوداءُ كأَنها كَمْءٌ وَلَا يُنتَفَعُ بِهَا، حَكَاهُ أَبو حنيفة. بذأ: بَذَأْتُ الرَّجلَ بَذْءاً: إِذا رأَيْتُ مِنْهُ حَالًا كرِهْتُها. وبَذَأَتْهُ عَيْني تَبْذَؤُهُ بَذاءً وبذاءَةً: ازْدَرَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، وَلَمْ تَقْبَله، وَلَمْ تُعْجِبْكَ مَرْآتُه. وبَذَأْتُهُ أَبْذَؤُهُ بَذْءاً: إِذا ذَممْتُهُ. أَبو زيدٍ، يُقال: بَذَأَتْهُ عَيْني بَذْءاً إِذا أُطرِيَ لكَ وعندَكَ الشيءُ ثُمَّ لَمْ ترَهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا رأَيتهُ كَمَا وُصِفَ لكَ قُلْتَ: مَا تَبْذَؤُهُ العَيْنُ. وبَذَأَ الشيءَ: ذَمَّه. وبُذئَ الرَّجُلُ: إِذَا ازْدُرِيَ. وبَذَأَ الأَرضَ: ذَمَّ مَرْعاها. قال: أُزِّيَ مُسْتَهنئٌ فِي البَدِيءِ، ... فَيَرْمَأُ فيهِ وَلَا يَبْذَؤُهْ وَيُرْوَى: فِي البَدِيِّ؛ وكذلِك المَوْضِع إِذَا لَمْ تَحْمَدْه. وأَرضٌ بَذِيئَةٌ عَلَى مِثالِ فَعِيلة: لَا مَرْعى بِهَا. وباذَأْتُ الرَّجلَ: إِذَا خاصَمْته. وَقَالَ الشَّعْبي: إِذا عَظُمَتِ الحَلْقَةُ فَإِنَّمَا هِيَ بِذاءٌ ونِجاءٌ. وقِيلَ البِذاءُ: المُباذأَةُ وَهِيَ المُفاحَشة. يُقال باذَأْتُهُ بِذاءً ومُباذأَةً؛ والنِّجاءُ: المُناجاة. وَقَالَ شمِرٌ فِي تفسيرِ قولِهِ: إِنَّكَ مَا عَلِمْتُ لَبَذيءٌ مُغْرِقٌ. قَالَ: البَذِيءُ: الفاحِشُ القَوْلِ، ورَجُلٌ بَذِيءٌ مِن قَوْمٍ أَبْذِياءَ، والبَذِيءُ: الفاحِشُ مِن الرِّجالِ، والأُنثى بَذِيئةٌ. وَقَدْ بَذُؤَ يَبْذُؤُ بِذَاءً وبَذاءَةً، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بَذِئَ يَبْذَأُ بَذْءاً. قَالَ أَبو النَّجْمِ: فاليَومُ يَوْمُ تَفاضُلٍ وبَذاء وامرأَةٌ بَذِيئةٌ ورَجُلٌ بَذيءٌ مِنْ قَوْمٍ أَبْذِياءَ: بَيِّنُ البَذاءَةِ. وأَنشَدَ: هَذْرَ البَذِيئةِ، لَيْلَها، لَمْ تَهْجَعِ وامرأَةٌ بَذِيَّةٌ. وَسَنَذْكُرُ فِي المعتلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.

стр. 31

برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ . وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ مِثالٍ. قالَ ولهذِهِ اللفْظَةِ مِن الاخْتِصاصِ بخَلْقِ الحيَوانِ مَا لَيْسَ لَهَا بغَيرهِ مِن المخْلوقات، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ فِي غيرِ الحيوانِ، فيُقال: برَأَ اللهُ النسَمَة وخَلَقَ السَّماوات والأَرضَ. قَالَ ابنُ سِيدَة: برَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهم بَرءاً وبُرُوءاً: خَلَقَهُم، يكونُ ذلكَ فِي الجَواهِرِ والأَعْراضِ. وَفِي التنزِيلِ: [مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ] وَفِي التَّهْذِيبِ: والبَرِيَّةُ أَيضاً: الخَلْق، بِلَا هَمْزٍ. قالَ الفَرَّاءُ: هيَ مِنْ بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ أَي خَلَقَهُم. والبَرِيَّةُ: الخَلْقُ، وأَصْلُها الهمْزُ، وَقَدْ ترَكَت العَرَبُ هَمْزَها. ونظِيرهُ: النبيُّ والذُّرِّيَّةُ. وأَهلُ مَكَّةَ يُخالِفُونَ غيرَهُم مِنَ العَرَب، يَهْمِزُونَ البَريئةَ والنَّبيءَ والذّرِّيئةَ، مِنْ ذَرَأَ اللهُ الخلْقَ، وذلِكَ قلِيلٌ. قالَ الفرَّاءُ: وإِذا أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن البرَى، وَهُوَ التُّراب، فأَصلها غَيْرُ الهمْزِ. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَجمَعَتِ العَرَبُ عَلَى ترْكِ هَمْزِ هَذِهِ الثلاثةِ، وَلَمْ يَستثنِ أَهل مكةَ. وبَرِئْتُ مِن المَرَضِ، وبَرَأَ المرِيضُ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ بَرْءاً وبُرُوءاً، وأَهلُ العَالِيَةِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ أَبْرأُ بَرْءاً وبُروءاً، وأَهلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: بَرَأْتُ مِنَ المرَضِ بَرءاً، بالفتحِ، وسائرُ العَرَبِ يَقُولُونَ: بَرِئتُ مِنَ المرَضِ. وأَصْبَحَ بارِئاً مِنْ مَرَضِهِ وبَرِيئاً مِنْ قومٍ بِراءٍ، كقولكَ صحِيحاً، وصِحاحاً، فذلِكَ ذَلِكَ. غيرَ أَنه إِنما ذَهَبَ فِي بِراءٍ إِلَى أَنه جَمْعُ بَرِيءٍ. قَالَ وقدْ يجوزُ أَنْ يَكون بِرَاءٌ أَيضاً جمْع بارِئٍ، كجائعٍ وجِياعٍ وصاحِبٍ وصِحابٍ. وقدْ أَبرَأَهُ اللهُ مِنْ مَرَضِهِ إِبراءً. قَالَ ابنُ بَرِّيّ: لَمْ يَذكُر الجوهَري بَرَأْتُ أَبرُؤُ، بالضمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ: وَقَدْ ذكَرهُ سِيبويهِ وأَبو عثمانَ المازِني وغيرُهُما مِنَ البصرِيين. قالَ وإِنما ذكَرْتُ هَذَا لأَنَّ بعْضَهُم لَحَّنَ بَشار بنَ بُرْد فِي قولهِ: نَفَرَ الحَيُّ مِنْ مَكاني، فَقَالُوا: ... فُزْ بصَبْرٍ، لعَلَّ عَيْنَكَ تبْرُو مَسَّهُ، مِنْ صُدودِ عَبْدةَ، ضُرٌّ، ... فبَنَاتُ الفُؤَادِ مَا تسْتَقِرُّ وَفِي حدِيثِ مَرَضِ النبيِّ ﷺ ، قالَ العباسُ لِعَلِيٍّ ﵄: كيفَ أَصْبَحَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بارِئاً ، أَي مُعافًى. يقالُ: بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبرَأُ بَرْءاً، بِالْفَتْحِ، فأَنا بارِئٌ؛ وأَبرَأَني اللهُ مِنَ المرَض. وغيرُ أَهلِ الحِجازِ يَقُولُونَ: برِئت، بالكسرِ، بُرْءاً، بِالضَّمِّ. ومِنْهُ قولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْف لأَبي بَكْرٍ ﵄: أَراكَ بَارِئًا. وَفِي حديثِ الشُّرْب: فإِنهُ أَرْوَى وأَبرَى ، أَي يُبرِئهُ مِنْ أَلَمِ العَطَشِ. أَو أَرادَ أَنهُ لَا يكونُ مِنْهُ مَرَضٌ، لأَنهُ قدْ جاءَ فِي حديثٍ آخَرَ: فإِنهُ يُورِثُ الكُبادَ. قالَ: وَهَكَذَا يُرْوَى فِي الحديثِ أَبْرى، غيرَ مَهْمُوزةٍ، لأَجلِ أَرْوَى. والبَرَاءُ فِي المَدِيدِ: الجُزْءُ السَّالِمُ مِنْ زِحَافِ المُعاقبَةِ. وكلُّ جزءٍ يمكِنُ أَنْ يَدْخُله الزِّحافُ كالمُعاقبَةِ، فيَسْلَمُ منهُ، فَهُوَ بَرِيءٌ. الأَزهَرِي: وأَما قَوْلُهُمْ بَرِئْتُ مِنَ الدَّينِ، والرَّجُلُ

стр. 32

أَبْرَأَ بَراءَةً، وبَرِئتُ إليْكَ مِنْ فلانٍ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فليسَ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ اللغَةِ. قَالَ الأَزهَري: وَقَدْ رَوَوْا بَرَأْتُ مِنَ المَرَضِ أَبْرُؤُ بُرْءاً. قَالَ: وَلَمْ نجِدْ فِيمَا لَامُهُ هَمْزةٌ فَعَلْتُ أَفْعُلُ. قَالَ: وَقَدِ اسْتَقْصَى العلماءُ باللغَةِ هَذَا، فَلَمْ يجدُوهُ إِلا فِي هَذَا الحرْف، ثُمَّ ذكرَ قرَأْتُ أَقْرُؤُ وهَنَأْتُ البعِيرَ أَهْنُؤُه. وقولهُ : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ: فِي رَفعِ بَرَاءةٌ قولانِ: أَحدهُما عَلَى خَبرِ الابتداءِ، الْمَعْنَى: هذهِ الآياتُ بَرَاءَةٌ مِن اللهِ ورسولهِ؛ وَالثَّانِي بَراءَةٌ ابتداءٌ والخبرُ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ. قَالَ: وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ. وأَبْرأْتُه مِمَّا لِي عليْهِ وبَرَّأْتُهُ تَبْرِئةً، وبَرِئَ مِنَ الأَمْرِ يَبْرَأُ ويَبْرُؤُ، والأَخِير نادِرٌ، بَراءَةً وبَراءً، الأَخِيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ قالَ: وكذلِكَ فِي الدَّينِ والعُيوبِ بَرِئَ إِليكَ مِنْ حَقِّكَ بَراءَةً وبَراءً وبُروءاً وتبرُّؤاً، وأَبرَأَكَ مِنهُ وبَرَّأَكَ. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ: [فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا]. وأَنا بَرِيءٌ مِنْ ذلِكَ وبَراءٌ، والجمْعُ بِراءٌ، مِثْلَ كَرِيمٍ وكِرامٍ، وبُرَآءُ، مِثل فقِيه وفُقَهاء، وأَبراء، مِثْلَ شريفٍ وأَشرافٍ، وأَبرِياءُ، مِثْلَ نَصِيبٍ وأَنْصِباء، وبَرِيئون وبَراء. وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: البُراءُ جمعُ بَريء، وَهُوَ مِنْ بابِ رَخْلٍ ورُخالٍ. وَحَكَى الفرَّاءُ فِي جَمْعِهِ: بُراء غَيْرَ مصروفٍ عَلَى حذفِ إِحدى الهمزَتين. وقالَ اللِّحْيَانِيُّ: أَهلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: أَنا مِنك بَراء. قَالَ: وَفِي التَّنْزِيلِ العزيزِ: [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ]. وتَبَرَّأْتُ مِن كَذَا وأَنا بَراءٌ مِنهُ وخَلاءٌ، لَا يُثَنَّى وَلَا يجمَع، لأَنهُ مصدَرٌ فِي الأَصْل، مِثل سَمِعَ سَمَاعاً، فَإِذَا قُلْتَ: أَنا بَرِيءٌ مِنهُ وخَلِيٌّ مِنْهُ ثنَّيت وجَمَعْت وأَنَّثْت. ولغةُ تميمٍ وَغَيْرِهِمْ مِن العَرَب: أَنا بَرِيءٌ. وَفِي غيرِ موضعٍ مِن القرآنِ: إِنِّي بَرِيءٌ* ؛ والأُنثى بَريئَةٌ، وَلَا يُقال: بَرَاءَةٌ، وهُما بَريئتانِ، والجمعُ بَرِيئات، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: بَرِيَّاتٌ وبَرايا كخَطايا؛ وأَنا البرَاءُ مِنهُ، وكذلِكَ الِاثْنَانِ والجمعُ والمؤَنث. وَفِي التنزيلِ الْعَزِيزِ [إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ]. الأَزهري: والعَرَبُ تَقُولُ: نحنُ مِنكَ البَراءُ والخَلاءُ والواحِد وَالِاثْنَانِ والجمْعُ مِنَ المذكَّر والمؤَنث يُقال: بَراءٌ لأَنهُ مصدَر. وَلَوْ قَالَ: بَرِيء، لقِيلَ فِي الاثنينِ: بَريئانِ، وَفِي الْجَمْعِ: بَرِيئونَ وبَراءٌ. وَقَالَ أَبو إِسحاق: الْمَعْنَى فِي البَراءِ أَي ذُو البَراءِ مِنْكُمْ، ونحنُ ذَوُو البَراءِ مِنْكُمْ. وزادَ الأَصمَعِي: نحنُ بُرَآء عَلَى فُعَلاء، وبِراء عَلَى فِعالٍ، وأَبْرِياء؛ وَفِي المؤَنث: إِنني بَرِيئةٌ وبَرِيئتانِ، وَفِي الجمْعِ بَرِيئاتٌ وبَرايا. الْجَوْهَرِيُّ: رجلٌ بَرِيءٌ وبُراءٌ مثلُ عَجِيبٍ وعُجابٍ. وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: المعروفُ فِي بُراءٍ أَنه جمعٌ لَا واحِدٌ، وعليهِ قولُ الشاعِر: رأَيتُ الحَرْبَ يَجنُبُها رِجالٌ، ... ويَصْلى، حَرَّها، قَوْمٌ بُراءٌ قَالَ ومثلهُ لزُهير: إليْكُم إِنَّنا قَوْمٌ بُراءٌ وَنَصَّ ابْنُ جِنِّي عَلَى كونِهِ جَمْعاً، فَقَالَ: يجمَعُ بَرِيءٌ عَلَى أَربَعَةٍ مِن الجُموع: بَرِيءٌ وبِراءٌ، مِثل ظَريفٍ وظِرافٍ، وبَرِيءٌ وبُرَآءُ، مِثْلَ شَرِيفٍ وشُرفاء، وبَرِيءٌ وأَبْرِياءُ، مِثل صَدِيقٍ وأَصدِقاء، وبَريءٌ وبُراءٌ، مِثْلَ مَا جاءَ مِنَ الجُموعِ عَلَى فُعالٍ نَحْوَ تُؤَامٍ ورُباءٍ «٤» فِي جمعِ تَوْأَم ورُبَّى.

стр. 33

ابنُ الأَعرابي: بَرِئَ إِذا تخَلَّصَ، وبَرِئَ إِذا تَنَزَّهَ وتباعَدَ، وبَرِئَ، إِذا أَعْذَرَ وأَنذَرَ؛ وَمِنْهُ قولهُ تَعَالَى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَي إِعْذارٌ وإِنذارٌ. وَفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيرة ﵁ لَمَّا دعاهُ عُمَرُ إِلَى العَملِ فأَبَى، فَقَالَ عُمر: إِنّ يُوسُفَ قَدْ سأَلَ العَمَلَ. فقالَ: إِنَّ يُوسُفَ مِنِّي بَرِيءٌ وأَنا مِنْه بَرَاء أَيْ بَرِيءٌ عَنْ مُساواتِهِ فِي الحُكْمِ وأَنْ أُقاسَ بهِ؛ وَلَمْ يُرِدْ بَراءَةَ الوِلايةِ والمَحَبَّةِ لأَنهُ مأْمورٌ بالإِيمانِ بِهِ، والبَرَاءُ والبَرِيءُ سَواءٌ. وليلةُ البَراءِ لَيْلَةَ يَتَبَرَّأُ القمرُ منَ الشمسِ، وَهِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الشهرِ. التَّهْذِيبُ: البرَاءُ أَوَّلُ يومٍ منَ الشهرِ، وَقَدْ أَبْرأَ: إِذَا دخلَ فِي البَراءِ، وَهُوَ أوّلُ الشهرِ. وَفِي الصحاحِ البَراءُ، بالفتحِ: أَوَّلُ ليلةٍ مِنْ الشَّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ ليلةُ البَراءِ، قَالَ: يَا عَيْنُ بَكِّي مالِكاً وعَبْسَا، ... يَوْماً، إِذا كانَ البَراءُ نَحْسا أَي إِذا لَمْ يَكُنْ فيهِ مَطَرٌ، وَهُمْ يَسْتَحِبُّونَ المطرَ فِي آخِرِ الشهرِ؛ وجمعهُ أَبْرِئةٌ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ثعلبٍ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: آخِرُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ تُسَمَّى بَراء لتَبَرُّؤِ الْقَمَرِ فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ لِآخِرِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ البَراء لأَنه قد بَرِئَ مِن هَذَا الشَّهْرِ. وابنُ البَراء: أَوَّل يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ. ابْنُ الأَعرابي: البَراءُ مِنَ الأَيامِ يَوْمُ سَعْدٍ يُتَبرَّكُ بِكُلِّ مَا يَحدُث فِيهِ، وأَنشد: كَانَ البَراءُ لَهُمْ نَحْساً فَغَرَّقَهُم، ... وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ نحْساً مُذ سَرَى القَمَرُ وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ عبِيداً «١» لَا يَكُونُ غُسّاً، ... كَمَا البَراءُ لَا يَكُونُ نحْسا أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: أَبْرَأَ الرَّجُل: إِذَا صادَفَ بَرِيئاً، وَهُوَ قَصَبُ السُّكَّرِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: أَحْسَبُ هَذَا غَيْرَ صَحِيحٍ؛ قَالَ: وَالَّذِي أَعرفه أَبَرْت: إِذَا صادَفْتَ بَرِيّاً، وهو سُكَّر الطَّبَرْزَدِ. وبارَأْتُ الرَّجل: بَرِئْتُ إِلَيْهِ وبَرِئَ إِليَّ. وبارَأْتُ شَرِيكي: إِذَا فارَقْتَه. وبارأَ المرأَةَ والكَرِيَّ مُبارأَةً وبِراءً: صالَحَهما عَلَى الفِراق. والاستِبراءُ: أَن يَشْتَرِيَ الرَّجلُ جارِيةً، فَلَا يَطَؤُها حَتَّى تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضةً ثُمَّ تَطْهُرَ؛ وَكَذَلِكَ إِذَا سبَاها لَمْ يَطَأْها حَتَّى يَسْتَبْرِئَها بِحَيْضَةٍ، ومعناهُ: طَلَبُ بَراءَتها مِنَ الحَمْل. واستَبْرأتُ مَا عِنْدَكَ: غيرُه. اسْتَبْرَأَ المرأَةَ: إِذَا لَمْ يَطَأْها حَتَّى تحِيضَ؛ وَكَذَلِكَ اسْتَبْرَأَ الرّحِمَ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي اسْتِبْراء الْجَارِيَةِ: لَا يَمَسُّها حَتَّى تَبْرَأَ رَحِمُها ويَتَبَيَّنَ حَالُهَا هَلْ هِيَ حامِلٌ أَم لَا. وَكَذَلِكَ الاسْتِبْراءُ الَّذِي يُذْكَر مَعَ الاسْتِنْجاء فِي الطَّهارة، وَهُوَ أَن يَسْتَفْرِغَ بَقِيَّةَ الْبَوْلِ، ويُنَقِّي مَوْضِعَه ومَجْراه، حَتَّى يُبْرِئَهما مِنْهُ أَي يُبِينَه عَنْهُمَا، كَمَا يَبْرَأُ مِنَ الدَّين والمَرَض. والاسْتِبْراءُ: اسْتِنقاء الذَّكَر عَنِ الْبَوْلِ. واسْتَبْرأَ الذَّكَرَ: طَلَبَ بَراءَتَه مِن بَقِيَّةِ بَوْلٍ فِيهِ بِتَحْرِيكِهِ ونَتْرِه وَمَا أَشبه ذَلِكَ، حَتَّى يَعْلَم أَنه لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ. ابْنُ الأَعرابي: البَرِيءُ: المُتَفصِّي مِنَ القَبائح، المُتنَجِّي عَنِ الْبَاطِلِ والكَذِبِ، البعِيدُ مِن التُّهم، النَّقِيُّ القَلْبِ مِنَ الشِّرك. والبَرِيءُ الصحِيحُ الجِسمِ والعقلِ. والبُرْأَةُ، بالضمِّ: قُتْرةُ الصَّائِدِ الَّتِي يَكْمُن فيها،

стр. 34

وَالْجَمْعُ بُرَأٌ. قَالَ الأَعشى يَصِفُ الْحَمِيرَ: فأَوْرَدَها عَيْناً، مِنَ السِّيف، رَيَّةً، ... بِها بُرَأ مِثْلُ الفَسِيلِ المُكَمَّمِ بسأ: بَسَأَ بِهِ يَبْسَأُ بَسْأً وبُسوءاً وبَسِئَ بَسَأً: أَنِسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ بَهَأْتُ؛ قَالَ زُهَيْرٌ: بَسَأْتَ بِنِيِّها، وجَوِيتَ عنها، ... وعِنْدَكَ، لَوْ أَرَدْتَ، لَها دَواءُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ بَعْدَ وَقْعة بدرٍ: لَوْ كَانَ أَبو طالبٍ حَيّاً لَرأَى سُيُوفَنَا وَقَدْ بَسِئَتْ بالمَياثِلِ. بَسِئَتْ وبَسَأَتْ بفتحِ السِّينِ وكسرِها: اعْتادَت واسْتَأْنَسَتْ، والمَياثِلُ: الأَماثِلُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا فُسِّر، وكأَنه مِنَ المَقلوب. وبَسَأَ بذلكَ الأَمْرِ بَسْأً وبُسُوءاً: مَرَنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكْتَرِث لِقُبْحه وَمَا يُقَالُ فِيهِ. وبَسَأَ بِهِ: تَهاوَنَ. وَنَاقَةٌ بَسُوءٌ: لَا تمنَعُ الحالِبَ. وأَبْسأَنِي فلانٌ فبَسِئْتُ بِهِ. بطأ: البُطْءُ والإِبْطاءُ: نَقِيضُ الإِسْراع. تَقُولُ مِنْهُ: بَطُؤَ مَجِيئُكَ وبَطُؤَ فِي مَشْيِه يَبْطُؤُ بُطْأً وبِطاءً، وأبْطَأَ، وتَباطأَ، وَهُوَ بَطِيءٌ، وَلَا تَقُلْ: أَبْطَيْتُ، وَالْجَمْعُ بِطاءٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ «١»: فَضْلَ الجِيادِ عَلَى الخَيل البِطاءِ، فَلَا ... يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُوناً وَلَا نَزِقا ومنه الإِبْطاءُ والتَّباطُؤُ. وَقَدِ اسْتَبْطَأَ وأَبْطَأَ الرجُلُ: إِذا كَانَتْ دَوابُّه بِطَاءً، وَكَذَلِكَ أَبْطأَ القومُ: إِذا كَانَتْ دَوَابُهُمْ بِطاءً. وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ بَطَّأَ بِهِ عملُه لَمْ يَنْفَعْه نَسَبُه أَي مَنْ أَخَّرَه عملُه السَّيِءُ أَو تَفْريطُه فِي الْعَمَلِ الصالحِ لَمْ يَنْفَعْه فِي الآخرةِ شَرَفُ النَّسبِ. وأَبْطأَ عَلَيْهِ الأَمْرُ: تَأَخَّرَ. وبَطَّأَ عَلَيْهِ بالأَمْرِ وأَبْطَأَ بِهِ، كِلاهما: أَخَّرَهُ. وبَطَّأَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذا ثَبَّطَه عَنْ أَمرٍ عَزَمَ عَلَيْهِ. وَمَا أَبْطَأَ بِكَ وبَطَّأَ بِكَ عَنَّا، بِمَعْنًى، أَي مَا أَبْطَأَ «٢» ... وتَباطأَ الرَّجُل فِي مَسِيرهِ. وَقَوْلُ لَبِيدٍ: وهُمُ العشِيرةُ أَنْ يُبَطّئَ حاسِدٌ، ... أَوْ أَنْ يَلُومَ، مَعَ العِدا، لُوّامها فسرهُ ابْنُ الأَعرابي فَقَالَ: يَعْنِي أَن يَحُثّ الْعَدُوَّ عَلَى مَساوِيهم، كأَنّ هَذَا الحاسِد لَمْ يَقْنع بِعَيْبِهِ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى حَثَّ. وبُطْآنَ مَا يَكُونُ ذَلِكَ وبَطْآنَ أَي بَطُؤَ، جَعَلُوهُ اسْمًا لِلْفِعْلِ كَسُرْعانَ. وبُطْآنَ ذَا خُروجاً: أَي بَطُؤَ ذَا خُرُوجًا، جُعِلت الفتحةُ الَّتِي فِي بَطُؤَ عَلَى نُونِ بُطْآنَ حِينَ أَدَّتْ عَنْهُ لِيَكُونَ عَلَماً لَهَا، ونُقلت ضَمَّةُ الطَّاءِ إِلَى الْبَاءِ. وَإِنَّمَا صَحَّ فِيهِ النَّقْلُ لأَن مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ: أَي مَا أَبْطَأَه. اللَّيْثُ: وباطِئةٌ اسْمٌ مجهولٌ أَصلُه. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: الباطِئةُ: النَّاجُودُ. قَالَ: وَلَا أَدري أَمُعَرَّبٌ أَم عَرَبِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُجعل فِيهِ الشرابُ، وَجَمْعُهُ البَواطِئ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشعارِهم. بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ

стр. 35

رسول الله ﷺ ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى شَاةٍ بَكِيءٍ، فَحلَبها. وَفِي حَدِيثِ عُمَر أَنه سأَل جَيْشاً: هَلْ ثَبتَ لَكُمُ العَدوّ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ بَكيئةٍ؟ قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ: وَشَدُّ كَوْرٍ عَلَى وَجْناء ناجِيةٍ، ... وَشدّ سَرْجٍ عَلَى جَرْداءَ سُرْحُوبِ يقالُ مَحْبِسُها أَدْنى لِمَرْتَعِها، ... وَلَوْ نُفادِي بِبَكْءٍ كلَّ مَحْلُوب أَراد بِقَوْلِهِ مَحْبِسُها أَيْ مَحْبِسُ هَذِهِ الإِبل وَالْخَيْلِ عَلَى الجَدْب، وَمُقَابَلَةُ الْعَدُوِّ عَلَى الثَّغْر أَدنى وأَقربُ مِنْ أَن تَرتعَ وتُخْصِب وتُضَيِّعَ الثَّغْرَ فِي إِرسالِها لتَرْعى وتُخْصِب. وناقةٌ بَكيئةٌ وأَيْنُقٌ بِكاء، قَالَ: فَلَيَأْزِلَنَّ «١» وتَبْكُؤُنَّ لِقاحُه، ... ويُعَلِّلَنَّ صَبِيَّه بِسَمارِ السَّمارُ: اللَّبَنُ الَّذِي رُقِّق بِالْمَاءِ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: سَماعُنا، فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، بَكُؤَتْ تَبْكُؤُ، قَالَ: وَسَمِعْنَا فِي الْمُصَنَّفِ لِشَمِرٍ عَنْ أَبي عُبيد عَنْ أَبي عَمْرو: بَكَأَتِ الناقةُ تَبْكَأُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: كُلُّ ذَلِكَ مَهْمُوزٌ. وَفِي حَدِيثِ طاؤوس: مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبن فَلَهُ بكُلّ حَلْبةٍ عشرُ حَسَناتٍ غَزُرَتْ أَو بَكَأَتْ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: مَن مَنَحَ مَنِيحةَ لَبَنٍ بكِيئةً كَانَتْ أَو غَزِيرةً. وأَما قَوْلُهُ: أَلا بَكَرَتْ أُمُّ الكِلابِ تلُومُنِي، ... تَقُولُ: أَلا قَدْ أَبْكَأَ الدَّرَّ حَالِبُهْ فَزَعَمَ أَبو رِياش أَنّ مَعْنَاهُ وجدَ الحالِبُ الدَّرَّ بَكِيئاً، كَمَا تَقُولُ أَحْمَدَه: وجَده حَمِيداً. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدِي أَن تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ أَي جَعَلَهُ بَكِيئاً، غَيْرَ أَني لَمْ أَسمع ذَلِكَ مِنْ أَحد، وإِنما عَامَلْتُ الأَسبق والأَكثر. وبَكأَ الرجُل بَكاءَةً، فَهُوَ بَكِيءٌ مِنْ قَوْمٍ بِكاء: قلَّ كلامُه خِلْقةً. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنّا مَعْشر النُّبَآءِ بِكاءٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: نحنُ مَعاشِرَ الأَنبياء فِينَا بُكْءٌ وبُكاءٌ : أَي قِلَّة كلامٍ إِلَّا فِيمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ. بَكُؤَتِ النَّاقةُ: إِذَا قلَّ لبنُها؛ ومَعاشِرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. والاسمُ البُكْءُ. وبَكِئَ الرَّجل: لَمْ يُصِبْ حَاجَتَهُ. والبُكْءُ: نَبْتٌ كالجَرْجِير، وَاحِدَتُهُ بُكْأَةٌ. بهأ: بَهَأَ بِهِ يَبْهَأُ وبَهِئَ وبَهُؤَ بَهْأً وبهَاءً وبَهُوءاً: أَنِسَ بِهِ. وأَنشد: وقَدْ بَهأَتْ، بالحاجِلاتِ، إفالُها، ... وسَيْفٍ كَرِيمٍ لَا يَزالُ يصُوعها وبَهَأْتُ بِهِ وبَهِئْتُ: أَنِسْتُ. والبَهاءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: النَّاقَةُ الَّتِي تَسْتأْنِسُ إِلَى الحالِب، وَهُوَ مِن بَهَأْتُ بِهِ، أَي أَنِسْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: نَاقَةٌ بَهاء، وَهَذَا مَهْمُوزٌ مَنْ بَهَأْت بِالشَّيْءِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنه رأَى رَجُلًا يَحْلِف عِنْدَ المَقامِ، فَقَالَ أَرى النَّاسَ قَدْ بَهَئُوا بِهَذَا المَقامِ ، مَعْنَاهُ: أَنهم أَنِسُوا بِهِ. حَتَّى قَلَّتْ هَيْبَتُه فِي قُلوبهم. وَمِنْهُ حَدِيثُ مَيْمُون بْنِ مِهرانَ أَنه كَتَبَ إِلَى يُونُس بْنِ عُبَيْدٍ: عليكَ بكِتابِ اللَّهِ فإِنَّ الناسَ قَدْ بَهَئُوا بِهِ، واسْتَخَفُّوا عَلَيْهِ أَحادِيثَ الرِّجال. قَالَ أَبو عُبيد: رُوِي بَهَوا بِهِ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَهُوَ في الكلام مهموز.

стр. 36

أَبو سَعِيدٍ: ابْتَهأْتُ بِالشَّيْءِ: إذا أَنِسْتَ به وأَحْبَبْتَ قُرْبه. قَالَ الأَعشى: وَفِي الحَيِّ مَنْ يَهْوَى هَوانَا، ويَبْتَهِي، ... وآخَرُ قَدْ أَبْدَى الكآبَةَ، مُغْضَبا «١» تَرَكَ الْهَمْزَ مَنْ يَبْتَهِي. وبَهَأَ البيتَ: أَخْلاه مِنَ المَتاعِ أَو خَرَّقَه كأَبْهاه. وأَما البَهاءُ مِنَ الحُسْن فإِنه مَنْ بَهِيَ الرَّجُلُ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَا بَهَأْتُ لَهُ وَمَا بَأَهْتُ لَهُ: أَي مَا فَطِنْتُ له. بوأ: باءَ إِلَى الشَّيْءِ يَبُوءُ بَوْءاً: رَجَعَ. وبُؤْت إِلَيْهِ وأَبَأْتُه، عَنْ ثَعْلَبٍ، وبُؤْته، عَنِ الْكِسَائِيِّ، كأَبَأْتُه، وَهِيَ قَلِيلَةٌ. والباءَةُ، مِثْلَ الباعةِ، وَالْبَاءُ: النِّكاح. وسُمي النكاحُ باءَةً وَبَاءً مِنَ المَباءَةِ لأَن الرَّجُلَ يَتَبَوَّأُ مَنْ أَهله أَي يَسْتَمْكِنُ مِنْ أَهله، كَمَا يَتَبَوَّأُ مِنْ دارِه. قَالَ الرَّاجِزُ يَصِفُ الحِمار والأُتُنَ: يُعْرِسُ أَبْكاراً بِهَا وعُنَّسا، ... أَكرَمُ عِرْسٍ، بَاءَةً، إِذ أعْرَسا وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتزوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ، فعليهِ بالصَّومِ، فإِنَّه له ؛ وجاء: أَراد بِالْبَاءَةِ النكاحَ والتَّزْويج. وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَريصٌ عَلَى الْبَاءَةِ أَي عَلَى النِّكَاحِ. وَيُقَالُ: الجِماعُ نَفْسُه باءةٌ، والأَصلُ فِي الباءةِ المَنْزِل ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ التَّزْوِيجِ باءةٌ لأَنَّ مَن تزوَّج امرأَةً بَوَّأَها مَنْزِلًا. وَالْهَاءُ فِي الْبَاءَةِ زَائِدَةٌ، والناسُ يَقُولُونَ: الْبَاهُ. قَالَ ابْنُ الأَعرابي: الباءُ والباءةُ والباهُ كُلها مَقُولَاتٌ. ابْنُ الأَنباري: الباءُ النِّكاح، يُقَالُ: فُلانٌ حريصٌ عَلَى الْبَاءِ والباءَة والباهِ، بِالْهَاءِ وَالْقَصْرِ، أَي عَلَى النِّكَاحِ؛ والباءةُ الواحِدةُ وَالْبَاءُ الْجَمْعُ، وتُجمع الباءَةُ عَلَى الباءَاتِ. قَالَ الشَّاعِرُ: يَا أَيُّها الرّاكِبُ، ذُو الثّباتِ، ... إنْ كُنتَ تَبْغِي صاحِبَ الباءَاتِ، فاعْمِدْ إِلَى هاتِيكُمُ الأَبْياتِ وَفِي الْحَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بالباءَةِ ، يَعْنِي النّكاحَ والتَّزْويج؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: إِن امرأَة مات عنها زوجُها فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ وَقَدْ تَزَيَّنَت للباءَةِ. وبَوَّأَ الرجلُ: نَكَحَ. قَالَ جَرِيرٌ: تُبَوّئُها بِمَحْنِيةٍ، وحِيناً ... تُبادِرُ حَدَّ دِرَّتِها السِّقابا وللبئرِ مَباءَتان: إِحْدَاهُمَا مَرْجِع الْمَاءِ إِلَى جَمِّها، والأُخْرى مَوْضِعُ وقُوفِ سائِق السّانِية. وَقَوْلُ صَخْرِ الْغَيِّ يمدَح سَيْفًا لَهُ: وصارِمٍ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ، ... أَبْيضَ مَهْوٍ، فِي مَتْنِه رُبَدُ فَلَوْتُ عَنْهُ سُيوفَ أَرْيحَ، ... حَتَّى باءَ كَفّي، وَلَمْ أَكَدْ أَجِدُ الخَشِيبةُ: الطَّبْعُ الأَوَّلُ قَبْلَ أَن يُصْقَلَ ويُهَيَّأَ، وفَلَوْتُ: انْتَقَيْتُ. أَرْيَحُ: مِن اليَمَنِ. باءَ كَفِّي: أَي صارَ كَفِّي لَهُ مَباءَةً أَي مَرْجِعاً. وباءَ بذَنْبِه وبإِثْمِه يَبُوءُ بَوْءاً وبَواءً: احتمَله وَصَارَ المُذْنِبُ مأْوَى الذَّنب، وَقِيلَ اعْتَرفَ بِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ إِن عَزَمْتَ عَلَى

стр. 37

قَتْلِي كَانَ الإِثْمُ بِكَ لَا بِي. قَالَ الأَخفش: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ* : رَجَعُوا بِهِ أَي صارَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَبو إِسحاق فِي قَوْلِهِ تعالى فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ، قَالَ: بَاؤُوا فِي اللُّغَةِ: احْتَمَلُوا، يُقَالُ: قَدْ بُؤْتُ بِهَذَا الذَّنْب أَي احْتَمَلْتُه. وقيل: باؤُ بِغَضَبٍ* أَي بإثْم اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ عَلَى إثْمٍ اسْتَحَقُّوا بِهِ النارَ أَيضاً. قَالَ الأَصمعي: باءَ بإثْمِه، فَهُوَ يَبُوءُ بِهِ بَوْءاً: إِذَا أَقَرّ بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَبُوءُ بِنعْمَتِك عليَّ، وأَبُوءُ بِذَنْبِي أَي أَلتزِمُ وأَرْجِع وأُقِرُّ. وأَصل البَواءِ اللزومُ. وَفِي الْحَدِيثِ: فَقَدْ باءَ بِهِ أَحدُهما أَي التزَمَه ورجَع بِهِ. وَفِي حَدِيثِ وائلِ بْنِ حُجْر: إنْ عَفَوتَ عَنْهُ يَبُوءُ بإثْمِه وإثْم صاحِبِه أَي كانَ عَلَيْهِ عُقُوبةُ ذَنْبِه وعُقوبةُ قَتْلِ صاحِبِه، فأَضافَ الإِثْمَ إِلَى صَاحِبِهِ لأَن قَتلَه سَبَب لإِثْمه؛ وَفِي رِوَايَةٍ: إنْ قَتَلَه كَانَ مِثْلَه أَي فِي حُكم البَواءِ وَصَارَا مُتَساوِيَيْن لَا فَضْلَ للمُقْتَصِّ إِذَا اسْتوْفَى حَقَّه عَلَى المُقْتَصِّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: بُؤْ للأَمِيرِ بذَنْبِك، أَي اعْتَرِفْ بِهِ. وباءَ بدَمِ فُلَانٍ وبحَقِّه: أَقَرَّ، وَذَا يَكُونُ أَبداً بِمَا عليهِ لَا لَه. قَالَ لَبِيدٌ: أَنْكَرْت باطِلَها، وبُؤْت بحَقِّها ... عِنْدِي، وَلَمْ تَفْخَرْ عَلَيَّ كِرامُها وأَبَأْتُه: قَرَّرْتُه وباءَ دَمُه بِدَمِه بَوْءاً وبَواءً: عَدَلَه. وباءَ فُلانٌ بِفُلانٍ بَواءً، مَمْدُودٌ، وأَباءَه وباوَأَه: إِذَا قُتِل بِهِ وَصَارَ دَمُه بِدَمِه. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبير: قَضَى اللهُ أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ بَيْنَنا، ... ولمَ نكُ نَرْضَى أَنْ نُباوِئَكُمْ قَبْلُ والبَواء: السَّواء. وفُلانٌ بَواءُ فُلانٍ: أَي كُفْؤُهُ إِنْ قُتِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ الاثنانِ والجَمِيعُ. وباءَه: قَتَلَه بِهِ «٢» أَبو بَكْرٍ، البَواء: التَّكافُؤ، يُقَالُ: مَا فُلانٌ ببَواءٍ لفُلانٍ: أَي مَا هُوَ بكُفْءٍ لَهُ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ يُقَالُ: الْقَوْمُ بُواءٌ: أَي سَواءٌ. وَيُقَالُ: القومُ عَلَى بَواءٍ. وقُسِمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى بَواءٍ: أَي عَلَى سواءٍ. وأَبَأْتُ فُلاناً بفُلانٍ: قَتَلْتُه بِهِ. وَيُقَالُ: هُمْ بَواءٌ فِي هَذَا الأَمر: أَي أَكْفاءٌ نُظَراء، وَيُقَالُ: دمُ فُلَانٍ بَواءٌ لدَم فُلان: إذا كان كُفْ ءاً لَهُ. قَالَتْ لَيْلى الأَخْيلية فِي مَقْتَلِ تَوْبةَ بْنِ الحُمَيِّر: فإنْ تَكُنِ القَتْلى بَواءً، فإنَّكُمْ ... فَتىً مَا قَتَلْتُم، آلَ عَوْفِ بنِ عامِرِ وأَبَأْتُ القاتِلَ بالقَتِيل واسْتَبَأْتُه أَيضاً: إِذَا قَتَلْته بِهِ. واسْتَبَأْتُ الحَكَمَ واسْتَبَأْتُ بِهِ كِلَاهُمَا: اسْتَقَدْته. وتَباوَأَ القَتِيلانِ: تَعادَلا. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنه كَانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ العَربِ قتالٌ، وَكَانَ لأَحَدِ الحَيَّينِ طَوْلٌ عَلَى الآخَر، فَقَالُوا لَا نَرْضَى حَتَّى يُقْتَل بالعَبْدِ مِنَّا الحُرُّ مِنْهُمْ وبالمرأَةِ الرجلُ، فأَمَرهم النبيُّ ﷺ أَن يَتَباءَوْا. قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: هَكَذَا رُوِيَ لَنَا بِوَزْنِ يَتَباعَوْا، قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَن يَتَباوَءُوا بِوَزْنِ يَتباوَعُوا عَلَى مِثَالِ يَتَقاوَلوا، مِنَ البَواءِ وَهِيَ المُساواةُ، يُقَالُ: باوَأْتُ بَيْنَ القَتْلى: أَي ساوَيْتُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّي: يَجُوزُ أَن يَكُونَ يتَباءَوْا عَلَى الْقَلْبِ، كَمَا قَالُوا جاءَاني، وَالْقِيَاسُ جايَأَني فِي المُفاعَلة مِنْ جاءَني وجِئْتُه؛ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَقِيلَ: يَتَباءَوْا صحيحٌ. يُقَالُ: باءَ بِهِ إذا كان كُفْ ءاً لَهُ، وَهُمْ بَواءٌ أَي أَكْفاءٌ

стр. 38

، مَعْنَاهُ ذَوُو بَواء. وَفِي الْحَدِيثِ أَنه قَالَ: الجِراحاتُ بَواءٌ يَعْنِي أَنها مُتَساويةٌ فِي القِصاص، وأَنه لَا يُقْتَصُّ للمَجْرُوحِ إلَّا مِنْ جارِحِه الْجَانِي، وَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِثْلُ جِراحَتِه سَواء وَمَا يُساوِيها فِي الجُرْحِ، وَذَلِكَ البَواءُ. وَفِي حَدِيثِ الصَّادِقِ: قِيلَ لَهُ: مَا بالُ العَقْرَبِ مُغْتاظةً عَلَى بَنِي آدمَ؟ فَقَالَ: تُريدُ البَواءَ أَي تُؤْذِي كَمَا تُؤْذَى. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: فَيَكُونُ الثّوابُ جَزَاءً والعِقابُ بَواءً. وباءَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: إِذَا كان كُفْ ءاً لَهُ يُقْتَلُ بِهِ؛ وَمِنْهُ قول المُهَلْهِلِ لابن الحرث بْنِ عَبَّادٍ حِينَ قَتَله: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلَيْ كُلَيْبٍ، معناه: كُنْ كُفْ ءاً لِشِسْعِ نَعْلَيْه. وَبَاءَ الرجلُ بِصَاحِبِهِ: إِذَا قُتِلَ بِهِ. يقالُ: باءتْ عَرارِ بكَحْلٍ، وَهُمَا بَقَرَتانِ قُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا بالأُخرى؛ وَيُقَالُ: بُؤْ بِهِ أَي كُنْ مِمَّنْ يُقْتَل بِهِ. وأَنشد الأَحمر لِرَجُلٍ قَتَلَ قاتِلَ أَخِيه، فَقَالَ: فقلتُ لَهُ بُؤْ بامرِئٍ لَسْتَ مثْلَه، ... وَإِنْ كُنتَ قُنْعاناً لِمَنْ يَطْلُبُ الدَّما يَقُولُ: أنتَ، وَإِنْ كنتَ فِي حَسَبِكَ مَقْنَعاً لِكُلِّ مَنْ طَلَبَكَ بثَأْر، فلَسْتَ مِثلَ أَخي. وَإِذَا أَقَصَّ السلطانُ رَجُلًا بِرَجُلٍ قِيل: أَباءَ فُلَانًا بِفُلَانٍ. قَالَ طُفَيْل الغَنَوِيُّ: أَباءَ بقَتْلانا مِن القومِ ضِعْفَهم، ... وَمَا لَا يُعَدُّ مِن أَسِيرٍ مُكَلَّبِ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَتَلَهُ السلطانُ بقَود قِيلَ: قَدْ أَقادَ السلطانُ فُلَانًا وأَقَصَّه وأَباءَه وأَصْبَرَه. وَقَدْ أَبأْتُه أُبيئُه إباءَةً. قَالَ ابْنُ السكِّيت فِي قَوْلِ زُهَيْر بْنُ أَبي سُلْمَى: فَلَم أَرَ مَعْشَراً أَسَرُوا هَديّاً ... وَلَمْ أَرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ قَالَ: الهَديُّ ذُو الحُرْمَة؛ وَقَوْلُهُ يُسْتَباءُ أَي يُتَبَوّأُ، تُتَّخَذ امرأتُهُ أَهلًا؛ وَقَالَ أَبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: يُسْتبَاء، مِنَ البَواء، وَهُوَ القَوَد. وَذَلِكَ أَنه أَتاهم يُرِيدُ أَنَ يَسْتَجِيرَ بِهِمْ فأَخَذُوه، فَقَتَلُوهُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَقَوْلُ التَّغْلَبي: أَلا تَنْتَهِي عَنَّا مُلوكٌ، وتتَّقي ... مَحارِمَنا لَا يُبْأَءُ الدَّمُ بالدَّمِ أَرادَ: حِذارَ أَن يُباء الدَّم بالدَّم؛ وَيُرْوَى: لَا يَبْؤُءُ الدَّمُ بالدَّمِ أَي حِذارَ أَنْ تَبُوءَ دِماؤُهم بدِماء مَنْ قتَلوه. وبَوَّأَ الرُّمحَ نَحْوَهُ: قابَله بِهِ، وسَدَّدَه نحْوَه. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا بَوَّأَ رَجلًا برُمحِه ، أَي سَدَّده قِبَلَه وهَيَّأَه. وبَوَّأَهُم مَنْزِلًا: نَزَلَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَل. وأَبَأْتُ بالمَكان: أَقَمْتُ بِهِ. وبَوَّأْتُكَ بَيتاً: اتَّخَذْتُ لَكَ بَيْتًا. وَقَوْلُهُ : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ، أَي اتَّخِذا. أَبو زَيْدٍ: أَبَأْتُ القومَ مَنْزلًا وبَوَّأْتُهم مَنْزِلًا تَبْوِيئاً، وَذَلِكَ إِذَا نزلْتَ بِهِمْ إِلَى سَنَدِ جَبَلٍ، أَو قِبَلِ نَهر. والتبوُّؤُ: أَن يُعْلِمَ الرجلُ الرجلَ عَلَى المَكان إِذَا أَعجبه لِيَنْزِلَهُ. وَقِيلَ: تَبَوَّأَه: أَصْلَحه وهَيَّأَه. وَقِيلَ: تَبوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا: إِذَا نظَر إِلَى أَسْهَلِ مَا يُرى وأَشَدِّه اسْتِواءً وأَمْكَنِه لِمَبيتِهِ، فاتَّخذَه؛ وتَبوَّأَ: نَزَلَ وأَقام، والمَعْنَيانِ قَريبان. والمباءَةُ: مَعْطِنُ القَوْمِ للإبِل، حَيْثُ تُناخُ فِي المَوارِد. وَفِي الْحَدِيثِ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أُصَلِّي فِي مَباءة الغَنَم؟ قَالَ: نَعَمْ ، أَي مَنْزِلها الَّذِي تَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ المُتَبَوّأُ أَيضاً. وَفِي الْحَدِيثِ أَنه قَالَ: في المدينة هاهُنا المُتَبَوَّأُ. وأَباءَه مَنْزِلًا وبَوَّأَه إيَّاهُ وبَوَّأَه له وبَوَّأَهُ فِيهِ، بِمَعْنَى هَيَّأَه لَهُ وأَنْزَلَه ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ. قَالَ:

стр. 39

وبُوِّئَتْ فِي صَمِيمِ مَعْشَرِها، ... وتَمَّ، فِي قَوْمِها، مُبَوَّؤُها أَي نَزَلَت مِنَ الكَرم فِي صَمِيمِ النَّسب. وَالِاسْمُ البِيئةُ. واسْتَباءه أَي اتَّخَذَهُ مَباءَةً. وتَبَوَّأْتُ مَنْزِلًا أَي نَزَلْتُه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ، جَعلَ الإِيمانَ مَحَلًّا لَهُمْ عَلَى المَثَل؛ وقد يكون أَرادَ: وتَبَوَّءُوا مكانَ الإِيمانِ وبَلَدَ الإِيمانِ، فحَذَف. وتَبَوَّأَ المكانَ: حَلَّه. وإِنه لَحَسَنُ البِيئةِ أَي هَيْئَةُ التَّبَوُّءِ. والبيئةُ والباءَةُ والمباءَةُ: الْمَنْزِلُ، وَقِيلَ مَنْزِل القوم حيث يَتَبَوَّءُونَ مِنْ قِبَلِ وادٍ أَو سَنَدِ جَبَلٍ. وَفِي الصِّحَاحِ: المَباءَةُ: مَنْزِلُ الْقَوْمِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَيُقَالُ: كلُّ مَنْزِل يَنْزِله القومُ. قَالَ طَرَفة: طَيِّبو الْبَاءَةَ، «١» سَهْلٌ، ولَهُمْ ... سُبُلٌ، إِنْ شئتَ فِي وَحْش وَعِر وتَبَوَّأَ فُلَانٌ مَنْزِلًا، أَي اتَّخَذَهُ، وبَوَّأْتُهُ مَنْزِلًا وأَبَأْتُ القَومَ مَنْزِلًا. وَقَالَ الفرَّاء فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً ، يُقَالُ: بَوَّأْتُه مَنْزِلًا، وأَثْوَيْتُه مَنْزِلًا ثُواءً: أَنْزَلْتُه، وبَوَّأْتُه مَنْزِلًا أَي جَعَلْتُهُ ذَا مَنْزِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ. وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهَا: لِيَنْزِلْ مَنْزِله مِن النَّارِ. يُقَالُ: بَوَّأَه اللهُ مَنْزِلًا أَي أَسكَنه إِيَّاهُ. وَيُسَمَّى كِناسُ الثَّوْرِ الوَحْشِيِّ مَبَاءَةً؛ ومَباءَةُ الإِبل: مَعْطِنها. وأَبَأْتُ الإِبل مَباءَة: أَنَخْتُ بعضَها إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الشَّاعِرُ: حَلِيفان، بَيْنَهما مِيرةٌ ... يُبِيئانِ فِي عَطَنٍ ضَيِّقِ وأَبَأْتُ الإِبلَ، رَدَدْتُها إِلَى المَباءَةِ، والمَباءَةُ: بَيْتُهَا فِي الْجَبَلِ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: وَهُوَ المُراحُ الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. والمَباءَةُ مِن الرَّحِمِ: حَيْثُ تَبَوَّأَ الولَدُ. قَالَ الأَعلم: ولَعَمْرُ مَحْبَلِكِ الهَجِينِ عَلَى ... رَحبِ المَباءَةِ، مُنْتِنِ الجِرْمِ وباءَتْ بِبيئةِ سُوءٍ، عَلَى مِثالِ بِيعةٍ: أَي بحالِ سُوءٍ؛ وَإِنَّهُ لحَسَنُ البِيئةِ؛ وعَمَّ بعضُهم بِهِ جميعَ الْحَالِ. وأَباءَ عَلَيْهِ مالَه: أَراحَه. تَقُولُ: أَبَأْتُ عَلَى فُلَانٍ مَالَهُ: إِذا أَرَحْتَ عَلَيْهِ إِبلَه وغَنَمَه، وأَباءَ مِنْهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَلَّمناهم، فأَجابونا عَنْ بَواءٍ واحدٍ: أَي جوابٍ وَاحِدٍ. وَفِي أَرض كَذَا فَلاةٌ تُبيء فِي فلاةٍ: أَي تَذْهبُ. الفرَّاء: باءَ، بِوَزْنِ باعَ: إِذَا تكبَّر، كأَنه مَقْلُوبٌ مِن بَأَى، كَمَا قَالُوا أَرى ورأَى «٢». وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ. وَفِي حَاشِيَةِ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ: وأَبَأْتُ أَدِيمَها: جَعَلْتُه في الدباغ. تأتأ: تَأْتَأَ التَّيْسُ عِنْدَ السِّفادِ يُتَأْتِئُ تَأْتَأَةً وتِئْتاءً ليَنْزُوَ ويُقْبِلَ.

стр. 40

ورجُل تَأْتاءٌ، عَلَى فَعْلالٍ، وَفِيهِ تَأْتَأَةٌ: يَتردَّدُ فِي التَّاءِ إِذَا تَكلَّمَ. والتَّأْتَأَةُ: حِكَايَةُ الصَّوْتِ. والتَأْتاءُ: مَشْيُ الصبيِّ الصَّغِيرِ؛ والتَأْتاءُ: التَّبَخْتُر فِي الحَرب شَجَاعَةً؛ والتَّأْتاء «١»: دُعاء الحِطّانِ إِلَى العَسْبِ، والحِطّانُ التَّيْسُ، وَهُوَ الثَّأْثاء أَيضاً بالثاء. تطأ: التَّهْذِيبُ: أَهمله اللَّيْثُ. ابْنُ الأَعرابي: تَطَأَ إذا ظَلَمَ «٢» تفأ: أَتَيْتُه عَلَى تَفِئَةِ ذَلِكَ: أَي عَلَى حِينِه وزَمانِه. حَكَى اللِّحْيَانِيُّ فِيهِ الْهَمْزَ وَالْبَدَلَ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى التَّخْفِيفِ القِياسي لأَنه قَدِ اعْتُدَّ بِهِ لُغةً. وَفِي الْحَدِيثِ: دَخَلَ عُمر فَكَلَّمَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ دَخَلَ أَبو بَكْرٍ عَلَى تَفِئَةِ ذَلِكَ أَي عَلَى إِثْرِهِ. وَفِيهِ لُغَةٌ أُخرى: تَئِفَةِ ذَلِكَ، بِتَقْدِيمِ الْيَاءِ عَلَى الْفَاءِ، وَقَدْ تُشدّد، وَالتَّاءُ فِيهَا زَائِدَةٌ عَلَى أَنها تَفْعِلَةٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ كَانَتْ تَفْعِلة لَكَانَتْ عَلَى وَزْنِ تَهْيِئَةٍ، فَهِيَ إِذاً لَوْلَا الْقَلْبُ فَعِيلةٌ لأَجل الإِعلالِ وَلَامُهَا هَمْزَةٌ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِي تَفِئَةٍ وتافِئٍ أَصلية. وتَفِئَ تَفَأً: إِذَا احْتَدَّ وغَضِبَ. تكأ: ذَكَرَ الأَزهري هُنَا مَا سَنَذْكُرُهُ فِي وكأَ، وَقَالَ هُوَ أَيضاً: إِنّ تُكَأَةً أَصله وُكَأَةٌ. تنأ: تَنَأَ بِالْمَكَانِ يَتْنَأُ: أَقامَ وقَطَن. قَالَ ثَعْلَبٌ: وَبِهِ سُمِّي التَّانِئُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا مِنْ أَقبح الْغَلَطِ إِن صَحَّ عَنْهُ، وخَلِيقٌ أَن يَصحّ لأَنه قَدْ ثَبَتَ فِي أَماليه وَنَوَادِرِهِ. وَفِي حَدِيثِ عُمر: ابنُ السَّبِيل أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنَ التّانِئِ عَلَيْهِ. أَراد أَن ابْنَ السَّبِيلِ، إِذا مَرَّ برَكِيَّةٍ عَلَيْهَا قَوْمٌ يَسْقُون مِنها نَعَمَهُم، وَهُمْ مُقِيمون عَلَيْهَا، فَابْنُ السَّبِيلِ مَارًّا أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنْهُمْ، يُبَدَأُ بِهِ فَيُسْقَى وظَهْرَه لأَنه سَائِرٌ، وَهُمْ مُقيمون، وَلَا يَفُوتُهُم السَّقْيُ، وَلَا يُعْجِلُهم السَّفَر والمَسِيرُ. وَفِي حَدِيثِ ابنِ سيرِينَ: لَيْسَ للتانِئَة شَيْءٌ ، يُرِيدُ أَن الْمُقِيمِينَ فِي الْبِلَادِ الَّذِينَ لَا يَنْفِرُون مَعَ الغُزاة، لَيْسَ لَهُمْ فِي الفَيْء نَصِيب؛ وَيُرِيدُ بالتانِئَةِ الجمَاعة مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا، وَإِنَّمَا التَّأْنِيثُ أَجاز إِطلاقه عَلَى الْجَمَاعَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ تَنَأَ فِي أَرض الْعَجَمِ، فَعَمِلَ نَيْرُوزَهم ومَهْرَجَانَهم حُشِرَ مَعَهُمْ. وتَنَأَ فَهُوَ تانِئٌ: إِذَا أَقامَ فِي الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ. الْجَوْهَرِيُّ: وَهُمْ تِناء البَلد، وَالِاسْمُ التِّناءةُ. وَقَالُوا تَنَا فِي الْمَكَانِ فأَبدلوا فظنَّه قَوْمٌ لُغَةً، وَهُوَ خَطأ. الْأَزْهَرِيُّ: تَنَخَ بِالْمَكَانِ وتَنَأَ، فَهُوَ تانِخٌ وتانِئٌ، أَي مقيم. فصل الثاء المثلثة ثأثأ: ثَأْثَأَ الشيءَ عَنْ مَوْضِعِهِ: أَزاله. وثَأْثَأَ الرجُلُ عَنِ الأَمْر: حَبَسَ. وَيُقَالُ: ثَأْثِئْ عَنِ الرَّجُلِ: أَي احْبِسْ، والثَّأْثَأَةُ: الحَبْسُ. وثَأْثَأْتُ عَنِ الْقَوْمِ: دَفَعْتُ عَنْهُمْ. وثَأْثَأَ عَنِ الشَّيْءِ: إِذَا أَراده ثُمَّ بَدَا لَهُ تَرْكُه أَو المُقامُ عَلَيْهِ. أَبو زَيْدٍ: تَثَأْثأْتُ تَثَأْثُؤاً: إِذَا أَردت سَفَرًا ثُمَّ بَدا لَكَ المُقام. وثَأْثَأَ عَنْهُ غَضَبَه: أَطْفأَه. ولقِيتُ فُلَانًا فَتَثَأْثَأْت مِنْهُ: أَي هِبْتُه. وأَثَأْتُه بسَهم «٣» إِثَاءَةً: رميته.
следующие страницы →