في كلامه، لكنه كان من آثار الفروق بين المفاهيم والمصطلحات. وعدّ ما يذكره المؤلف فروقاً بين القواعد بإطلاق فيه نوع من التساهل، سواء كان من المؤلف نفسه، أو من الكاتبين الذين جاؤوا بعده.
هذا وقد كتب حول هذا الكتاب تعليقات وحواشٍ ومختصرات، نذكر منها ما يأتي:
أ- إدرار الشروق على أنواء الفروق لسراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط المتوفي سنة (٧٢٣ هـ) (١). وقد
стр. 142
تعقب فيه القرافي، وصحح بعض معلوماته.
ولأهمية تعقيبات ابن الشاط قيل: (عليك بفروق القرافي، ولا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط، كما في ضوء الشموع) (١).
ب- تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية للشيخ محمد علي بن حسين المتوفي سنة (١٣٦٧ هـ) (٢). وهو تهذيب لفروق القرافي، مع مراعاة ما كتبه ابن الشاط (ت ٧٢٣ هـ) في إدرار الشروق، وهو تلخيص، كما ذكر المؤلف، للكتابين المذكورين، مع التهذيب والترتيب والتوضيح. وفيه زيادات قليلة، وإجابات عن إشكالات ترك جوابها.
ج- مختصر قواعد القرافي (ت ٦٨٤ هـ) لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البّقوري المتوفي سنة (٧٠٧ هـ) (٣). وقد طبع هذا
стр. 143
الكتاب محققاً بجزئين (١) باسم (ترتيب الفروق واختصارها). ولعل ذلك يعود على واقع الكتاب نفسه، وإلى أن المخطوطات التي اعتمد عليها المحقق، منها ما ذكر الكتاب باسم ترتيب الفروق، ومنها ما ذكره باسم اختصار الفروق.
وقد رتب المؤلف قواعد القرافي في ثلاث مجموعات. هي: القواعد النحوية وما يتعلق بها، والقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، وقدم لها بمجموعة من القواعد الكلية، وهي ثلاث عشرة قاعدة، أفادها من كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للشيخ عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ)، وبذلك تكون مجموعات القواعد فيه أربعاً.
ومن الملاحظ أن الشيخ كان يُعَنْوِن مسائله باسم (قاعدة) بدلاً من (الفرق). وفي اختصار القواعد اتبع طريقة حذف بعض الأمثلة، وإسقاط بعض الكلام، وترك الكلام عن طائفة أخرى من القواعد. وكان ما ذكره (٢٢١) إحدى وعشرين ومائتي قاعدة، من مجموع القواعد التي وردت في فروق القرافي، والبالغة (٥٤٨) قاعدة، أوردها في ضمن فروقه البالغة أربعة وسبعين ومائتي فرق.
стр. 144
د- مختصر أنوار البروق لأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم الرَّبْعي الملقب بشمس الدين المتوفي سنة (٧١٥ هـ) (١).
هـ- ترتيب مباحث الفروق للقرافي، لعبد العزيز بوعتور التونسي.
٢ - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المتوفي سنة (٦٨٤ هـ)، السابق ذكره.
وهو كتاب صغير الحجم، نبّه إليه القرافي في مقدمة كتابه الفروق، فهو أسبق في زمن تأليفه من كتاب أنوار البروق. وكان سبب تأليفه مناقشة جرت بين القرافي وبعض فقهاء زمانه، بشأن (الفرق بين الفتيا التي تبقى معها فتيا المخالف، وبين الحكم الذي لا ينقضه المخالف، وبين تصرفات الحكام وتصرفات الأئمة، مثل الاختلاف في إثبات هلال رمضان بالشاهد الواحد، هل يلزم ذلك من لا يرى إثباته إلا بشاهدين أم لا؟ ... إلخ) (٢). وجعله على هيئة أسئلة يجاب عنها، وكان عدد الأسئلة فيه أربعين سؤالاً، لكنه محصور في الجانب المحدد بالعنوان. وإنما عدّ في قسم المؤلفات في الفروق بين
стр. 145
القواعد لتناوله معاني عامة تدخل في ضمنها كثير من الوقائع الجزئية.
٣ - الليث العابث في صدمات المجالس لإسماعيل بن علي الصعيدي القاهري المحلي الشافعي المتوفي- على ما ذكره بعضهم- سنة (٨٨٠ هـ) (١). وهو رسالة صغيرة ذكر فيها طائفة من الفروق بين طائفة من المصطلحات والضوابط الأصولية. وجعلها في القسم الثاني من كتابه، وهو قسم الصدمات.
وفي عدّ هذا الكتاب من كتب الفروق بين القواعد نوع من التساهل في المصطلح يجعل المعاني العامة التي لا تقتصر على الجزئيات المحدودة، قواعد، كما كان الشأن عند القرافي. على أن ما ذكر من محتوياته يدل على أنه في الفروق بين المصطلحات الأصولية.
كان منهجه ذكر الفروق بين المصطلحات المتشابهة بإيجاز، وإيراد كل فرق بين أمرين تحت عنوان (صَدْمة) (٢).
ومما ذكره من ذلك: الفرق بين الشرط اللازم والشرط غير اللازم،
стр. 146
والفرق بين الشرط والسبب، وبين السبب من حيث الاسم والمعنى، وبين السبب والعلة، وبين العلة والدليل، وبين العلة والحجة، وبين العلل الحسية والعلل الشرعية (١).
٤ - فروق الأصول: وهو منسوب إلى عوض أفندي، الذي انتهى منه سنة (١٢٣٤ هـ). كان فرقه الأول بين الشرط اللازم والشرط غير اللازم، ومما ذكره الفرق بين الشرط والسبب (٢). ومما يوضح طريقته ومنهجه قوله: (فرق آخر بين الشرط والسبب، فنقول: إن الشرط ما لا أثر له، لأنه علم على ثبوت الحكم، كمن قال لامرأته: أنت طالق، إن دخلت الدار، يقع الطلاق عند دخولها بقوله: أنت طالق، وهو سبب لوقوع الطلاق، عند وجود الشرط، وهو دخول الدار. ودخول الدار
стр. 147
ليس بمؤثر في وقوع الطلاق، لكن السبب قد تعلق بالشرط، فأثر عند وجوده، فبان الفرق) (١).
٥ - وهناك مؤلفات صغيرة في توضيح الفروق في نطاق محدود، منها:
أ- رسالة صغيرة بعنوان (الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب) لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الكناني العسقلاني الشافعي المتوفي سنة (٨٠٥ هـ) (٢). وقد ذكر فيها ستة فروق بين هذين الأمرين. ذكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) بعضها في كتابه (الأشباه والنظائر) (٣). وقد حققها د. حمزة الفعر، ونشرها في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة (٤).
ب- الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب لولي الدين أحمد ابن عبد الرحيم المعروف بأبي زرعة العراقي المتوفي سنة
стр. 148
(٨٢٩ هـ) (١). ذكر المؤلف فيه أنه وجد لشيخه البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) فروقاً أبداها في الفرق بين الحكم بالصحة، والحكم بالموجب. وقال: كنت سمعتها منه، أو بعضها، وفي كلها أو بعضها نظرٌ سأذكره ... إلخ) (٢).
ج- الفرق بين العلم بالوجه وبين العلم بالشيء من ذلك الوجه، لابن كمال باشا المتوفي سنة (٩٤٠ هـ) (٣). وقد نشرها عبد الرحمن
стр. 149
ابن عقيل في (الذخيرة في المصنفات الصغيرة) (١). وذكرها بعض الباحثين باسم (فروق الأصول) (٢).
د- إتقان الضبط في الفرق بين السبب والشرط. جاء في آخرها (انتهت على يد ابن مؤلفها محمد الطيب وفقه الله وأسعده برضاه آمين بتاريخ الحادي عشر من ربيع الأنوار عام ست وخمسين ومائتين وألف) (٣).
هـ- فروق الأصول. وهي رسالة لبعض المتأخرين. قال حاجي خليفة (٤): (إن أولها الحمد لله المحمود، ذي القدم الموجود ..) (٥).
٦ - ومن المؤلفات المعاصرة:
стр. 150
أ- الفروق في أصول الفقه. لعبد اللطيف الحمد. وهو رسالة دكتوراه سُجِّلت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ذكر فيها مائة وتسعين فرقاً، نبه عليها الأصوليون. وجعل بحثه في ثلاثة أبواب، الباب الأول في فصلين أولهما في الفروق في المقدمات، وثانيهما في الفروق في الأحكام، ومجموع فروق هذا الباب ٦٤ أربعة وستون فرقاً.
والباب الثاني في الفروق في الأدلة والاجتهاد والفتوى. وهو في ثلاثة فصول، الأول في الأدلة النقلية، والثاني في الأدلة الاستنباطية، والثالث في الاجتهاد والتقليد والفتوى والتعارض والترجيح. ومجموع فروق هذا الباب ٦٣ ثلاثة وستون فرقاً.
والباب الثالث في ثلاثة فصول، الأول في الألفاظ، والثاني في عوارض الأدلة، والثالث في الأوامر والنواهي، ومجموع فروق هذا الباب ٦٣ ثلاثة وستون فرقاً.
ب- الفروق في مسائل الحكم عند الأصوليين للدكتور راشد بن علي الحاي، وهو رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ومجالها أضيف من مجال الرسالة السابقة.
стр. 151
خاتمة
اتضح لنا من خلال ما قدمناه من عرض لموضوع الفروق، في مجالي المسائل الفقهية الفرعية، والقواعد والضوابط الفقهية والأصولية الكلية ما يأتي:
١ - أن الفروق لم تدرس من الجانب النظري على أنها علم من العلوم، سواء كان ذلك في مجال الفقه أو الأصول، بل إن ما اطلعنا عليه من الكتب المؤلفة في الفروق، كان يبدأ ببيان الفروق بين المسائل الفقهية مباشرةً، ووفق ترتيب الأبواب الفقهية، دون بيان معنى الفروق وما يقصد منها. وكان قليل منها يذكر سبق غيره في ذلك، ولكن دون توضيح وبيان لما يقصد منها، وإن كان بعضها يشير إلى أهمية معرفتها، والفائدة المتوخاة منها (١).
٢ - إن الفقهاء نشطوا في المجال التطبيقي للفروق، وأثروه بطائفة من المؤلفات المبينة للفروق بين المسائل وأسبابها. أما مجال الأصول فكان الكلام عن الفروق فيه يجري من خلال عرض قضايا ومسائل أصول الفقه في مظانها المعلومة، وفق المنهج الذي ذكرناه في موضعه، وما ظهر من مؤلفات كان في مجال محدود، وكانت قليلة جداً، إذا قيست بالمؤلفات في مجال الفروق الفقهية. ولم نعرف كتاباً خاصاً في ذلك. أما كتاب الفروق للقرافي (ت ٦٨٤ هـ) فعدّه كتاباً خاصاً
стр. 152
في هذا المجال يُعَدّ ضرباً من التساهل، لأن الكتاب واسع التناول للموضوعات، وفيه إطلاق القواعد على طائفة من الأمور لا تُعَدّ في عرف العلماء من القواعد.
٣ - ومن الملاحظ أن طائفة من كتب الفروق كان الغرض من تأليفها الدفاع عن المذهب وإزالة ما يرى فيه من تعارض أو تناقض. قال الونشريسي (ت ٩١٤ هـ): أما بعد: فإني كنت قد وضعت في الجموع والفروق مجموعاً مطبوعاً وسميته بعدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق، يستعان به على حل كثير من المناقضات الواقعة في المدونة، وغيرها من أمهات الروايات) (١). ويبدو أن هذا كان هو الغرض من المؤلفات الأخرى، وإن لم يصرح أصحابها بذلك. ولهذا فمن المتوقع أن يكون في طائفة منها شيء من التكلف، وضعف التأويل.
٤ - اكتفى مؤلفو الفروق ببيان الفرق بين المسائل، دون أن يعيّنوا نوعها، أهي خصوصية في الأصل بإبداء وصف يصلح أن يكون علة مستقلة للحكم أو جزء علة، أو خصوصية في الفرع تصلح أن تكون مانعاً.
وعلى هذا فإننا نجد أن أمام العلماء المعاصرين مجالات عدة، للكتابة في الفروق، يمكن أن نجمل بعضها فيما يأتي:
أ- دراسة علم الفروق دراسة نظرية موسعة، تتناول المقدمات الأساسية فيه، وتطوره ومساره التاريخي، والتعريف بما أُلّف فيه.
стр. 153
ب- ملاحظة ما يرد في كتب الفقه من الفروق ومقارنتها بما يذكر في كتب الفروق، مما يطلع الباحث على المجالات التي أهمل ذكرها في هذه الكتب، وبذلك تتحقق إضافات مفيدة إلى الكتب الموجودة.
ج- دراسة الفروق المذكورة نفسها، وبيان وجاهتها فيما ذكرت فيه.
د- بيان نوع الفروق التي وردت في كتب الفروق، أهي خصوصية في الأصل، أو خصوصية في الفرع؟ وما هي هذه الخصوصية.
هذا ومن الممكن أن يجد الباحث مجالات أخر للبحث في هذا العلم.
ولا يفوتني أن أؤكد ما ذكرته في المقدمة، من أن بحثي هذا ربما كان نواة لبحوث أكثر تجلية لمسائل هذا العلم، وأن ما أردته، هو أن يكون محققاً فائدة للباحثين.
والله جل ثناؤه الموفق