الثالث من كتابه المكون من سبعة فنون، حيث جعله في الجمع والفرق، وكان أكثره في الجمع وفي فوائد متنوعة، لكنه ذكر طائفة من الفروق، كالفرق بين الوضوء والغسل، ومسح الخف وغسل الرجل، ومسح الرأس والخف، والوضوء والتيمم، ومسح الجبيرة ومسح الخف، والحيض والنفاس، والأذان والإقامة، وسجود السهو وسجود التلاوة، وسجود التلاوة وسجود الشكر، والإمام والمأموم، والجمعة والعيد، وغير ذلك من المسائل التي تناولها فيما يقرب من ثماني صفحات.
ومن المواضع التي ذكر فيها الفروق، الفن السادس من كتابه هذا، إذ جعله في الفروق، وهي مسائل قليلة لا تتجاوز أربع صفحات (١)، وقد ذكر المؤلف أنه جمعها من فروق الكرابيسي، منها ما هي من الحج، ومنها ما هي من النكاح، ومنها ما هي من الطلاق، ومنها ما هي من العتاق (٢).
стр. 107
المطلب الخامس
التأليف في الفروق الفقهية في العصر الحاضر
لا أعلم نشاطاً هاماً للعلماء المعاصرين، في التأليف في الفروق الفقهية، بل إننا لا نجد- بحسب ما اطلعنا عليه- مَنْ أفردها بالتأليف، بعد القرن العاشر الهجري. فقد اكتفى العلماء بما جاء في كتب من سبقهم، ورددوا ما جاء فيها، دون إضافات تذكر.
ومع ضعف نشاط العلماء المعاصرين في هذا المجال، فإن العلم بما تحقق على أيديهم أمر مطلوب، ولا يخلو عن فائدة، وقد رأيت أن ما ألّفوه لا يخرج عن المجالات الآتية:
المجال الأول: اختيار عدد من الفروق الفقهية، مما ورد في كتب العلماء السابقين. والذي اطلعنا عليه بهذا الشأن كتاب (القواعد والأصول الجامعة، والفروق والتقاسيم البديعة النافعة) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي المتوفي سنة (١٣٧٦ هـ) (١). ولم يفرد- ﵀ الفروق بالبحث، بل جاءت ضمن
стр. 108
كتابه سالف الذكر. وبلغ عدد الصفحات التي ذكرت فيها تلك الفروق (٤٢) صفحة، من مجموع صفحات الكتاب البالغة (١٨٧) صفحة.
وكان عمله انتقائياً لفروق استحسنها. وقد ذكر (أن أصل هذا الباب أن تعرف أن الشارع لا يفرق بين المسائل المتشابهات، إلا أن كل واحد منها انفرد بوصف باين به الآخر، لأن الشارع يحكم على المسائل المتماثلات أوصافها بحكم واحد .. ويفرّق بين المسائل المختلفة في أوصافها) (١).
وقد قسّم الفروق إلى قسمين حقيقية وصورية، وقال: إن (الحقيقية هي المسائل المتباينة في أوصافها) (٢). وأن الصورية (هي الفروق الضعيفة التي لا تجد فرقاً حقيقياً بين معانيها وأوصافها، بل يفرّق بعض أهل العلم بينهما فرقاً صورياً، عند التأمل فيه لا تجد له حقيقة) (١).
وفي المجال التطبيقي جعل الفروق نوعين الفروق الصحيحة، والفروق الضعيفة، وكان ينبه على وجه الضعف، عند ذكره الفروق الضعيفة، وهو يعني بالصحيحة الحقيقية، وبالضعيفة الصورية.
المجال الثاني: استخراج الفروق الفقهية من كتاب معين.
ومما وجدناه في هذا المجال كتاب (الفروق الفقهية في المذهب
стр. 109
الحنبلي كما يراها ابن قدامة المقدسي) (٢). للدكتور عبد الله ابن حمد القطيمل. ففي هذا الكتاب قام المؤلف في الجزء الأول منه (١) بالنظر في ثلاثة أجزاء من كتاب المغني لابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ)، وهي المتعلقة بالطهارة والصلاة، فاستخرج منها (٢٠٠) مئتي فرق، وفي الجزء الثاني (٢) نظر في الجزء الرابع من كتاب المغني الذي تناول موضوعات الزكاة والصيام والاعتكاف فاستخرج منه (١٣٨) ثمانية وثلاثين ومئة فرق.
وعمل المؤلف استقرائي، اعتمد على تتبع ما في الكتاب من الفروق وجمعها، وليس له عمل وراء ذلك.
المجال الثالث: استخراج الفروق الفقهية لبعض العلماء، دون الالتزام بكتاب معين، وهذه الفروق وردت عندهم عَرَضاً في مؤلفاتهم، ولم يكن غرضهم أن تكون هدفاً أساساً لهم في
стр. 110
التأليف، لكن بعض الباحثين المتأخرين نظروا في هذه الكتب وجمعوا ما فيها من الفروق، ورتبوها، ونسبوها إلى من ذكروها عرضاً، في مؤلفاتهم. ومن ذلك كتاب (الفروق لابن قيم الجوزية) (١). جمع وترتيب يوسف الصالح. وقد اعتمد الجامع فيه على ما كتبه الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، في كتابه (التقريب لفقه ابن القيم)، حيث أورد في آخره مبحث الفروق لابن القيم (ت ٧٥١ هـ) وأشار إلى مواضعها المنثورة في كتبه.
والكتاب ليس خاصاً بالفروق الفقهية، بل تناول الفروق عند ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) بوجه عام: منها فروق في باب التوحيد، وفروق من باب السلوك، وفروق في باب أصول الفقه، وفروق من باب الفقه، وفروق من باب اللغة. وكان عدد الفروق الفقهية في ذلك عشرة فروق متنوعة، تدخل في أبواب فقهية متنوعة، كالفرق بين الحائض والجنب، والفرق بين الطواف والصلاة، والفرق بين العاجز عن الطهور حساً
стр. 111
والعاجز عنه شرعاً، والفرق بين لمس الذكر وسائر الجسد في نقض الوضوء، والفرق بين النكاح والسفاح، والفرق بين حقوق الملك وحقوق المالك، والفرق بين الأبدال واستباحة المحظور، والفرق بين المتمتع والقارن، والفرق بين دم الشكران ودم الجبران، والفرق بين أن يقول: أنت حر بعد موتي، وبين أن يقول: إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي (١).
المجال الرابع: التأليف في بيان الفرق في مسألة معينة، أو مسائل محدودة.
وهذا النوع من التأليف ظهر عند العلماء السابقين، وقد ذكرنا بعضاً من الرسائل، أو الفتاوى الواردة في ذلك.
وليست لدينا معلومات كافية عن الكتابة في هذا الموضوع، فقد تكون هناك مؤلفات كثيرة على هيئة رسائل، أو فتاوى، لم نطلع عليها، لعدم ذكرها في المظان المتوقع وجودها فيها، وطبيعة هذا التأليف تؤذن بمثل ذلك. ومن الرسائل المعاصرة في هذا الشأن، رسالة (الفرق بين الطلاق البائن والطلاق الرجعي)، لمحمد المهدي العمراني الوزاني المالكي، مفتي فاس المتوفي سنة (١٣٤٢ هـ) (٢).
стр. 112
الفصل الثاني
علم الفروق الأصولية
تمهيد في: تعريفه- موضوعه- مسائله- مباحثه- والفائدة منه- والعلوم التي استمدّ منها- وحكمه.
المبحث الأول: أنواع الفروق بين القواعد والأصول.
المطلب الأول: الفروق بين معاني المصطلحات وحقائقها.
المطلب الثاني: الفروق بين الأصول ببيان الفروق بين الأحكام والآثار المترتبة عليها.
المبحث الثاني: نشأة الفروق الأصولية وتطورها.
المطلب الأول: نشأة الفروق الأصولية بنوعيها.
المطلب الثاني: المؤلفات في الفروق الأصولية.
الخاتمة.
стр. 113
تمهيد
تعريف علم الفروق الأصولية- موضوعه- ومسائله ومباحثه- وفائدته- والعلوم التي استمد منها- وحكمه.
تعريفه:
لا يوجد تعريف خاص بعلم الفروق الأصولية، أو الفروق بين القواعد والأصول، لأنه لا يوجد علمٌ بهذا المصطلح، بل إنه ليست هناك مؤلفات مقتصرة على تلك الفروق، بالمعنى الدقيق لها. ولكننا ندرك، من خلال كلام العلماء عن التفريق بين القواعد والمصطلحات الأصولية، أنهم يلجؤون إلى ذلك عند يقع اشتباه أو التباس بين معاني مصطلحين أو أكثر، بحسب الظاهر. وعلى هذا فإنه يمكن القول إن ما ذكر في تعريف الفروق الفقهية ينطبق على الفروق الأصولية، ولكن يتميز أحدهما عن الآخر، بنوع ما يقع به التشابه الظاهري، مع الاختلاف في المعنى أو الحكم، وموضوع كل منهما هو المميز لأحدهما عن الآخر.
وإذا أردنا أن نتكلم عن الفروق بين القواعد والأصول على أنها علم، نقلنا تعريف علم الفروق الفقهية، إلى هذا المجال، مع استبدال موضوع القواعد والأصول بموضوع المسائل الفقهية، وقلنا: هو العلم بوجوه الاختلاف بين قاعدتين أو مصطلحين أصوليين متشابهين في تصويرهما، أو ظاهرهما، لكنهما مختلفان في عدد من أحكامهما.
موضوعه: موضوع علم الفروق الأصولية هو مصطلحات وقواعد وضوابط أصول الفقه المتشابهة في صورتها، أو معناها، من حيث بيان ما
стр. 114
تختلف فيه من الأحكام، أو بيان ما تختلف وتجتمع فيه أيضاً.
مسائله ومباحثه: أما مسائل علم الفروق في أصول الفقه فهي القواعد والضوابط والمصطلحات الأصولية المتشابهة في صورتها أو معناها، من حيث ما يعرض لها من وجوه الوفاق أو الاختلاف في الأحكام.
الفائدة منه: إن دراسة علم الفروق في أصول الفقه، تحقق فوائد كثيرة، من الصعب حصرها، ولكن يمكن أن نذكر بعضها فيما يأتي:
١ - إن من أهم ما يستفاد من دراسة هذا العلم أنه يكشف عن أن الاختلافات الواقعة بين الفقهاء فيما استنبطوه من أحكام فقهية، لم تكن اختلافات اعتباطية، وإنما هي اختلافات مردودة إلى أسس علمية، ومناهج في الاستنباط مختلفة، وإلى الاختلاف في إقرار بعض الأدلة أو أنواعها، مما يُعدّ من الأمور الطبيعية والإنسانية التي تحصل في أغلب العلوم. وبذل تتحقق فائدة مهمة، وهي إزالة الشكوك عن بعض النفوس التي تَسْتَغْرِب مثل تلك الاختلافات.
٢ - إن هذا العلم يمكن المتعلم من الفهم الدقيق لما يدرسه، وذلك بربطه كثيراً من الجزئيات، بعد معرفته مآخذها، في سلك واحد.
٣ - إن هذا العلم يُعَرّف المتعلم أسرار الفروق بين أحكام المسائل الفقهية المتشابهة، بمعرفته الفروق بين القواعد والضوابط الأصولية التي بنيت عليها هذه المسائل.
٤ - يجنب المتعلم الخلط بين المسائل، والوقوع في الالتباس، والخطأ في الأحكام؛ بسبب جمعه من بين مسائل يظن أنها في ضمن قاعدة أو ضابط معين، مع أنها متنوعة القواعد والضوابط.
стр. 115
٥ - إن هذا العلم يوضح معاني المصطلحات والقواعد والضوابط الأصولية بدقة، إذ إن الأشياء تزداد وضوحاً ببيان ما يضادها، ويخالفها في الأحكام.
العلوم التي استمد منها:
أما المصادر التي تُمِدّ هذا العلم فهي بحسب النظر في طبيعته، واستقراء ما تُطرّق إليه من الفروق المذكورة، تتناول طائفة من العلوم أهمها علم الكلام واللغة العربية وأصول الفقه والأحكام الشرعية.
فأما علم الكلام فالاستمداد منه بسبب توقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري -سبحانه-، وصدق رسوله ﷺ المبلغ عنه فيما قال، لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام شرعاً. وذكر بعض العلماء أن علم أصول الفقه، الذي يعد مادة الفروق الأصولية، استمد طائفة من مباحثه من علم الكلام، وقد استثمرت طائفة من ذلك في الفروق، كالتمييز بين الحجة والبرهان والدليل (١). وقد أضاف الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) إلى ذلك معرفة العلم والظن والنظر وغيرها (٢). وهي إضافة صحيحة لما يترتب على معرفة ذلك من التفريق بين الأحكام المترتبة على الأدلة القطعية، أو الظنية.
وأما علوم اللغة العربية فلأن معرفة دلالة الأدلة متوقفة عليها، وفهمها مستند إلى وجوهها المتعددة، وهذا يعود إلى أن كثيراً من المصطلحات الأصولية معتمدة في فهم معناها، والفروق فيما بينها، على فهم اللغة، كمعنى الأمر والنهي ودلالتهما، وصيغ العموم والخصوص، والمطلق
стр. 116
والمقيد، والمجمل والمبين، والحقيقة والمجاز، والاستثناء والاشتراك، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة والتنبيه والإيماء ومعاني الحروف، وغير ذلك.
وأما استمداده من أصول الفقه فواضح، لأن موضوع هذا العلم داخل في أصول الفقه، إذ هو يتناول من تلك الأصول ما تشابه منها في الظاهر، واختلف في طائفة من أحكامه.
وأما استمداده من الأحكام الشرعية فلأن الفروق بينها مستندةٌ إلى الفروق بين القواعد الأصولية، إذ هي ثمرتها ونتيجتها.
ومما استمد منه هذا العلم، طائفة من المصادر الأخرى كالقرآن الكريم، والحديث الشريف، وما اتصل بهما من العلوم.
حكمه:
وهذا العلم كسابقه- أي علم الفروق الفقهية- من حيث عدم خوض العلماء في حكمه. غير أنه لما كان مبنياً على علم أصول الفقه، فإننا نرشح أن يكون حكمه كحكم أصله، الذي انبنى عليه. وحيث ذهب جمهور العلماء إلى أن تعلم أصول الفقه يُعَد من فروض الكفاية (١)، فإن هذا العلم يكون كذلك، ويكون شأنه شأن الفقه والفروق الفقهية (١). وما نقل عن بعضهم من أن تعلم أصول الفقه فَرْضُ عينٍ محمول على أنه للمجتهد (٢). وعلى هذا فإن الخلاف بينهم يكون لفظياً (٣). لأن الكلام
стр. 117
عام ولا يتعلق بالمجتهد، أما لو تعلق به فإنه لا يمكن للمجتهد أن يجتهد من دون معرفة أصول الفقه، أو الفروق بينها. ولا نظنّ أحداً لا يقول بأنه فرض عين عليه. وإلى ذلك يشير كلام ابن حمدان (ت ٦٩٥ هـ) (١) في كتابه (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) (٢).
стр. 118
المبحث الأول
أنواع الفروق بين الأصول
المطلب الأول: الفروق بين معاني المصطلحات وحقائقها.
المطلب الثاني: الفروق بين الأصول ببيان الفروق بين الأحكام والآثار المترتبة عليها.
стр. 119
المبحث الأول
أنواع الفروق بين الأصول
إن الفروق بين الأصول تختلف عن الفروق بين المسائل الفقهية، لأنها ليست فروقاً بين أصول وفروع، أو مقيس ومقيس عليه، إذ لا قياس في الكلام عن الفروق الأصولية.
إن الكلام في الفروق الأصولية يدخل - في الغالب- بحسب ما ظهر لنا في نطاق الأمرين الآتيين:
الأمر الأول: التفريق بين معاني المصطلحات الأصولية عن طريق التمييز بين حقائقها، وما تؤديه من المعاني، سواء كان ذلك عن طريق التعريف بالحد أو الرسم، أو عن طريق التقسيم، أو أي طريق آخر.
الأمر الثاني: التفريق بين الأصول ببيان أحكام كل منها، وما يترتب عليها من الآثار.
وسوف نبحث هذين الأمرين في المطلبين الآتيين:
стр. 120
المطلب الأول:
التفريق بين الأصول ببيان معاني المصطلحات
والتمييز بين حقائقها
وهذا النوع من التفريق يكاد يدخل في كل مباحث أصول الفقه، إذ إن جميع قواعده يخالف بعضها بعضاً، وإلا كانت شيئاً واحداً، ولا نعني بذلك أنها متنافرة، بل هي منسجمة، وإن كان بينها اختلاف في المعنى والدلالة، كالفرق بين الفرض والواجب، والمكروه والحرام، والمكروه تحريماً والمكروه تنزيهاً، والوجوب ووجوب الأداء، والأداء والقضاء والإعادة، والواجب المخيّر والواجب المعيّن، والواجب الموسع والواجب المضيق، وفرض العين وفرض الكفاية، وسنة العين وسنة الكفاية، وخطاب التكليف وخطاب الوضع، والسبب والعلة، والسبب والشرط، والصحة والفساد، والرخصة والعزيمة، والمانع والشرط، والشرط الشرعي والشرط الجعلي، وكالفرق بين تنقيح المناط وتحقيقه وتنقيحه، وبين النسخ والتخصيص، والمطلق والعام، وبين أنواع القياس من طرد وعكس وشبه ودلالة، وخفيّ وجليّ، وبين أنواع الإجماع، وبين أنواع الألفاظ، من حيث دلالاتها، كالفرق بين النص والظاهر، والمجمل والمشكل والخفيّ والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والمشترك والمترادف، وكالفرق بين العلم والظن، والشك والوهم، وغير ذلك من الأمور التي هي على هذا المنوال. وإننا لنجد مثل ذلك في جميع المباحث الأصولية. وقد لجأ عدد غير قليل من الأصوليين إلى جعل أوائل كتبهم في التعريفات، وبيان معاني المصطلحات
стр. 121
الأصولية، والفرق فيما بينها، كما في العدة للقاضي أبي يعلى (ت ٤٥٨ هـ) (١)، والتمهيد لأبي الخطاب (ت ٥١٠ هـ) (٢).
والمنتهى ومختصره لابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (٣)، وشرح الكوكب
стр. 122
المنير لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) (١). والحدود في الأصول لأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ).
إن الذي يدعونا إلى أن نجعل الكلام عن التقاسيم وتعريفات المصطلحات، وبيان محترزاتها، كلاماً في الفروق، إن العلماء حينما يوردون التعريفات لا يقتصرون على ذلك، بل يتبعون ذلك بشرحها، وبيان محترزاتها أو قيودها التي تمنع من دخول ما ليس من أفراد المعرّف، وتجمع ما هو من أفراده. وذلك كله يُعَدّ كلاماً في الفروق، وإن لم يكن مقصوداً به ذلك أصالةً. وتوضيحاً لذلك نذكر بعض الأمثلة من كتبهم، تشهد لما نقول. فمما يوضح ذلك من التقاسيم قول الآمدي (ت ٦٣١ هـ)
стр. 123
في بيان أقسام الحكم الشرعي: (وإذا عرف معنى الحكم الشرعي فهو إما أن يكون متعلقاً بخطاب الطلب والاقتضاء، أو لا. فإن كان الأول فالطلب إما للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو غيره. فما تعلق بالطلب الجازم للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو غيره. فما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم فهو للكراهة.
وإن لم يكن متعلقاً بخطاب الاقتضاء فإما أن يكون متعلقاً بخطاب التخيير، أو غيره، فإن كان الأول فهو الإباحة، وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي، كالصحة والبطلان، ونصب الشيء سبباً ...) (١). فمثل هذا التقسيم والحصر الذي ذكره الآمدي (ت ٦٣١ هـ) تتضح منه الفروق بين الحكمين الوضعي والتكليفي، كما تتضح منه الفروق بين أربعة أنواع من الحكم التكليفي هي: الوجوب، والحرمة، والكراهة، والإباحة.
ومما يوضح ذلك من التعريفات، قول الآمدي (ت ٦٣١ هـ) أيضاً، في تعريف المحظور أو الحرام: (هو ما ينتهض فعله سبباً للذم شرعاً بوجهٍ ما، من حيث هو فعل له) (٢). فبعد ذكر هذا التعريف، ذكر قيوده، فقال: (فالقيد الأول فاصلٌ له عن الواجب والمندوب وسائر الأحكام، والثاني فاصل له عن المخيّر ... والثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم فعلُه تَرْكَ واجبٍ، فإنّه يُذَمُّ عليه، لكن لا من جهة فعله، بل لما لزمه من ترك الواجب) (١).
وقد يتطرقون، أحياناً، إلى الفروق بالتنصيص عليها من خلال بحثهم في موضع معين، كالذي فعله الآمدي (ت ٦٣١ هـ) وغيره، عند الكلام
стр. 124
على النسخ، إذ أفرد فصلاً في بيان الفرق بين النسخ والبداء (١)، وفصلاً في بيان الفرق بين التخصيص والنسخ (٢)، وكالذي فعله القاضي أبو يعلى (ت ٤٥٨ هـ) في الفرق بين العام والظاهر (٣)، والفرق بين النسخ والتخصيص (٤)، وفخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ) في الفرق بين المطلق والعام (٥)، والطوفي (ت ٧١٦ هـ) في الفرق بين التخصيص بالاستثناء والتخصيص بغير الاستثناء والفروق بين الاستثناء والنسخ (٦).
стр. 125
المطلب الثاني
التفريق بين الأصول ببيان الفرق بين
الأحكام والآثار المترتبة عليها
ومما يتحقق به التفريق بين الأصول، الأحكام والآثار المترتبة عليها، استدلالاً بالأثر على المؤثر. فالفرق بين الفرض والواجب، عند الحنفية، مثلاً، رتبوا عليه أن ترك القراءة في الصلاة يبطلها، لثبوتها بنص القرآن، قال تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ) (١). أما ترك الفاتحة بعينها فلا يبطلها، لأن الأمر بها ثبت بخبر واحد، وهو يفيد الظن (٢). والزكاة عندهم فرضٌ لثبوتها بالقاطع وهو نص القرآن، وزكاة الفطر واجبة لأنها ثبتت بأخبار الآحاد، فما ثبت بالقاطع يكون منكره كافراً، وما ثبت بما هو دونه فلا يكون كافراً (٣).
ورتبوا على التفريق بين الحرام والمكروه استحقاق العقاب على فاعل الحرام، دون فاعل المكروه (٤). ورتّب جمهور الحنفية الذين فرقوا بين الوجوب ووجوب الأداء أحكاماً على ذلك، وقالوا: إن الوجوب هو شغل الذمة بالملزوم، وهذا يتوقف على الأهلية، ووجود السبب، أما وجوب الأداء فهو لزوم تفريغ الذمة عن الواجب بواسطة الأداء، وهو يتوقف على الأهلية والسبب والخطاب واستطاعة سلامة الأسباب، وغير ذلك (٥).
стр. 126
والتفريق بين الصحة والبطلان تترتب عليه آثار في الدنيا والآخرة، فلو كان في العبادات فإنه يقع مجزياً، وتبرأ به ذمة المكلف، وإن كان معاملة فإنه تثبت به الملكية، وإن كان إجازة فإنه يثبت به ملك المنفعة بالعوض، وإن كان إعارة فإنه يثبت به المنفعة من دون عوض، وهكذا. بخلاف البطلان الذي لا تترتب عليه هذه الآثار (١).
والتفريق بين الفاسد والباطل، عند الحنفية، رتبوا عليه في المعاملات أن العقود الباطلة لا تترتب عليها آثارها التي رتّبها الشارع عليها، فلا يفيد العقد الملك، ولو اتصل بالقبض، فهو عندهم كالمعدوم. أما الفاسد فإنه وإن كان لا تترتب عليه آثاره، ولكنه إن اتصل به القبض، ملكه المشتري، ووجبت عليه قيمته لا ثمنه، مع إثم العاقدين بذلك (٢).
والتفرق بين العلة القاصرة والعلة المتعدية يترتب عليه نشر حكم ما فيه العلة المتعدية إلى جزئيات كثيرة، والاقتصار على الجزئية التي ورد بشأنها النص في القاصرة. إلى غير ذلك من الأمور المنتشرة في مصطلحات وقواعد أصول الفقه.
стр. 127
المبحث الثاني
نشأة الفروق بين الأصول وتطورها
المطلب الأول: نشأة الفروق بين الأصول بنوعيها.
المطلب الثاني: المؤلفات في الفروق بين الأصول
стр. 128
المطلب الأول
نشأة الفروق بين الأصول
ذكرنا في مبحث أنواع الفروق بين المصطلحات والقواعد الأصولية، النطاق الذي يدور حوله الكلام عنها، وعرفنا أن من الممكن أن نجدهافي مجالين، مجال التفريق بين معاني المصطلحات بما يميز بعضها عن بعض بالوصف تارة، وبالتعريف تارة، وبالتقسيم أو غيره تارةً أخرى. أو في مجال التفريق فيها عن طريق التفريق بين الأحكام المترتبة عليها. ولا يعني هذا انعدام التصريح بالفرق في أحيانٍ قليلة.
وعلى هذا فمن الممكن القول: إن نشأة الكلام عن الفروق الأصولية هو نشأة الكلام في المجالين السابقين، ويغلب أن يكون ذلك بعد استقرار علم أصول الفقه، وانتشار التمذهب، واتساع نطاق الجدل في ذلك. وهو أمر اتضحت سماته، ونضجت مباحثه في القرن الرابع الهجري، وازداد ذلك وضوحاً ونضوجاً في القرن الخامس الهجري وما بعده.
ولكن مع ذلك ظهرت بوادر له قبل هذه الفترة، وعلى وجه تقريبي في القرن الثاني الهجري. ففي رسالة الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ﵀ شواهد متعددة على ذلك، ككلامه عن الفرق بين رواية الحديث والشهادة. قال: (قال: فكيف يكون الحديث كالشهادة في شيء، ثم يفارق بعض معانيها في غيره؟ فقلت له: هو مخالف للشهادة- كما وصفتُ لك- في بعض أمره، ولو جعله كالشهادة في بعض أمره، دون بعض، كانت الحجة لي فيه بينة -إن شاء الله. قال: وكيف ذلك وسبيل الشهادات سبيل واحدة؟ قال: فقلت: أتعني في بعض أمرها، دون بعض،
стр. 129
أم في كلّ أمرها؟
قال: بل في ل أمرها.
قلت: فم أقلّ ما تقبل على الزنا؟
قال: أربعة.
قلت: فإن نقصوا واحداً جلدتهم؟
قال: نعم.
قلت: فكم تقبل على القتل والكفر وقطع الطريق الذي تَقْتُلُ به كله؟
قال: شاهدين.
قلت له: كم تقبل على المال؟
قال: شاهداً وامرأتين.
قلت: فكم تقبل في عيوب النساء؟
قال: امرأة.
قلت: ولو لم يتموا شاهدين وشاهداً وامرأتين لم تجلدهم كما جلدت شهود الزنا؟
قال: نعم.
قلت: أفتراها مجتمعةً ... إلخ (١). وهكذا يستمر الشافعي في كلامه.
ومثل هذا التفريق وقع في كلامه في مواضع عدة، كتفريقه بين ما هو مقطوع به لا يسع الشك فيه، فيستتاب منكره وما كان محتملاً للتأويل
стр. 130
لا يترتب عليه ذلك؟ (١) وكتفريقه بين أنواع المنقطع، وبيان وجه قبول بعضه دون بعض (٢) وتفريقه في مباحث القياس بين طائفة من الأمور مَنَعَ من قياس بعضها على بعض، وبَيَّنَ وجه المنع في ذلك، واختلاف المقيس عن المقيس عليه (٣)، وغير ذلك كثير.
وكانت طريقته معتمدة على الحجاج والبرهنة، مصحوبة بالجوانب التطبيقية من واقع الأحكام الشرعية.
وفي القرن الرابع ظهر الكلام في الفروق الأصولية، من خلال مباحث العلماء وكلامهم في أصول الفقه، وفي كتاب أبي بكر الجصاص الرازي (ت ٣٧٠ هـ) (٤) في الأصول، دلالات واضحة على ذلك، سواء كانت بنقله مثل ذلك عن غيره، أو بما أبداه هو في هذا المجال. ونكتفي بأمثلة محدودة تبين ما نقول؛ فقد نقل عن أستاذه أبي الحسن الكرخي
стр. 131
(ت ٣٤٠ هـ) (١) التفريق بين الاستثناء والتخصيص (٢)، وجواز تأخير بيان المجمل، وعدم جواز تأخير بيان ما يمكن استعمال حكمه (٣).
والتفريق بين الدليل والعلة (٤) وتجويز التعليل بالعلة المتعدّية وعدم تجويز ذلك بالعلة القاصرة (٥).
وهذا عدا ما كان يذره من التعريفات وبيان صفات المصطلحات، ومحترزاتها، والفرق فيما بينها وبين غيرها، مما جاء في كتابه كثيراً.
وفي القرن الخامس نضج علم أصول الفقه، واتضحت مناهجه، وظهرت فيه أمّهات الكتب الأصولية، كما ظهرت فيه طائفة من كتب الجدل وترتيب الحجاج، ووضع الاعتراضات والإجابات عنها، حول القواعد والضوابط الأصولية، كالكافية في الجدل لأبي المعالي إمام الحرمين
стр. 132
(ت ٤٧٨ هـ). والمعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ)، والمنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ). ومما يمكن أن يدخل في هذا المجال كتاب الجدل على طريقة الفقهاء لأبي الوفاء على ابن عقيل، وهو وإن كان قد توفي سنة (٥١٣ هـ)، لكن أغلب حياته العلمية كانت من معطيات القرن الخامس.
ومع كل هذا النضج في علم أصول الفقه، والتأكيد فيه على جوانب التعريفات والفروق فيما بين المفاهيم، لم نجد من أفرد الفروق بين القواعد والضوابط الأصولية في كتاب، كما فعلوا ذلك في الفروق بين المسائل الفقهية. ولعل ذلك يعود إلى وضوح القواعد والمصطلحات عند الأصوليين، وتميز بعضها عن بعض، بما قدموه لها من التعريفات، وبما اشتملت عليه محترازاتها من التمييز والفصل بين ما تشابه منها. ومن الممكن القول: إن الفروق كانت داخلة في ضمن المباحث الأصولية نفسها، فقلما تذكر العلة، مثلاً، دون ذكر السبب وما يختلف فيه كل منهما عن الآخر، أو يذكر السبب دون أن يفرّق فيما بينه وبين الشرط، أو يذكر الحكم التكليفي دون بيان ما يختلف به عن الحكم الوضعي، أو يذكر النسخ دون بيان ما يفترق به عن التخصيص، إن لم يكن بعنوان الفروق، ففي بيان ما تميز به كل منهما عن الآخر.
وتُعَدُّ المباحث الأصولية التي من هذا القبيل قليلةً جداً، وهي محصورة محدودة، بخلاف المسائل الفقهية الكثيرة والمتجددة على مر العصور. ولهذا لم يجد العلماء- على ما يبدو- ما يشجعهم على إفراد الفروق الأصولية في مباحث أو كتب خاصة.
وما ورد من ذلك كان قليلاً ومحدوداً، وأغلبه كان رسائل صغيرة
стр. 133
بمسائل معينة، ربما كانت مثار اختلاف أو جدل نتيجة اختلاط مفاهيمها عند بعض العلماء، وسنذكر طائفة منها في المطلب التالي.
ولعل كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق لأبي العباس القرافي المتوفي سنة (٦٨٤ هـ) هو الكتاب اليتيم الذي يُذْكر في هذا المجال، ولكنه كان متسع الجوانب متشعباً في فروقه، ولم يكن خاصاً في مجال الفروق بين المصطلحات الأصولية، وعدّ ما فيه فروقاً بين القواعد، أو فروقاً بين الأصول فيه ضرب من التساهل، إذ الكتاب – كما سنعلم ذلك من التعريف به- متنوع الموضوعات، جامع لمصطلحات تدخل في مجالات عدة، منها ما هي في الأصول، ومنها ما هي في الفقه، ومنها ما هي في مجالات أخر.
هذا ما يتعلق بالمجال الأول، أما المجال الثاني في التفريق بين الأصول، الذي هو بيان الفروق بين الأصول أو القواعد عن طريق بيان الفروق بين الأحكام، فيكون ذلك بردّ الخلافات في أحكام الفروع إلى أصول، يختلف بعضها عن بعض، فيما يترتب عليه من أحكام، ومن الممكن أن نجد في الكتب المؤلفة في تخريج الفروع على الأصول نموذجاً لها، في طائفة من الأحكام.
وقد ظهر هذا النوع من التفريق في القرن الرابع الهجري، وفق المعلومات المتوفرة لدنيا. إذ إن أقدم كتاب عرفناه واطلعناه عليه في هذا المجال هو كتاب (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمرقندي الحنفي المتوفي سنة (٣٧٣ هـ) (١). وفي القرن الخامس عرفنا كتاب (تأسيس
стр. 134
النظر) المنسوب إلى أبي زيد الدبوسي المتوفي سنة (٤٣٠ هـ) (١). وهو كتاب مطابق لكتاب تأسيس النظائر للسمرقندي (ت ٣٧٣ هـ)، عدا زيادة يسيرة في آخره.
ولم يُعْرَف لغير الحنفية. كتاب في هذا المجال قبل القرن السابع الهجري، إذ ألّف أبو المناقب الزنجاني المتوفي في سنة (٦٥٦ هـ) (٢)
стр. 135
كتابه (تخريج الفروع على الأصول)، وهو كتاب قيمٌ ونافع في بابه.
وفي القرن الثامن ألّف الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) كتاب (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) وكتاب (الكوكب الدّري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية). ثم خمد هذا النوع من التأليف، حتى استجاب محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي المتوفي سنة (١٠٠٤ هـ) (١) إلى نداء الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ)، ودعوته علماء المذاهب الأخرى بأن يحذوا حذوه، ويؤلفوا على نمط كتابه (التمهيد) في مذاهبهم، فألف كتابه (الوصول إلى قواعد الأصول)، نحا فيه نحو الأسنوي، ونقل عنه الشيء الكثير، وجعل الجانب التطبيقي في مجال المذهب الحنفي. ولا شكّ أنّ هذا النوع من التأليف يُظهر الاهتمام فيه في جانب الاختلاف في القاعدة الأصولية وما ينبني عليها من الأحام، وليس الغرض منه بيان الفروق بين القواعد.
والذي دعانا إلى اعتباره ممثلاً لما يؤلف في الفروق الأصولية، أيضاً،
стр. 136
هو أنه قد يرد في المؤلفات التي من هذا القبيل، عند بيان اختلاف العلماء، ذكر بعض الفروق بين القواعد أو المصطلحات الأصولية، من خلال عرض الاختلاف في الأحكام، كالتفريق بين الصحيح والفاسد عند من يقول به، والواجب العيني والواجب الكفائي، والواجب الموسع والواجب المضيق، والفرق بين المكروه تنزيهاً والمكروه تحريماً، والفرق بين الحرام والمكروه تحريماً، وغيرها. فالفروق في الأحكام تقود إلى الكلام عن الفروق بين القواعد والأصول التي أدت إليها. وليس من المستنكر أن يقال إن عدّ مثل هذا ممثلاً للفروق بين القواعد الأصولية ضعيف، لكنه، مع ذلك، يظهر فيه مثل ذلك التمثيل، وإن كان قليلاً وضعيفاً وفي حاجة إلى تأويل، وإنما لجأنا إليه لشحة التأليف في هذا المجال. ولتوضيح ذلك نذكر فيما يأتي بعض الأمثلة التي ينكشف بها معنى ما نقول:
١ - جاء في تأسيس النظر أن الرجل إذا أوجب على نفسه المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام لا تلزمه حجة ولا عمرة عند أبي حنيفة، لأن اللفظ تناولها عن طريق العموم، وهو بخلاف ما لو أوجبهما أو أوجب أحدهما على نفسه على جهة الخصوص. أما صاحباه أبو يوسف (ت ١٨٢ هـ) (١) ومحمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) فيوجبان
стр. 137
عليه حجّاً أو عمرة، لأن البيت يدخل في الحرم في الذكر اللفظي العام، فصار كما لو ذكر بيت الله تعالى - نصاً- وفي هذا تفريق بين ما يتناوله اللفظ، في دلالته، عن طريق العموم، وما يتناوله عن طريق النص والخصوص.
ولو لم يكن هناك فرق ما اختلف الحكمان عند الاختلاف في هذا الأصل (١). وعلى ذلك بنوا مسائل كثيرة، منها: أنه إذا قال الرجل لامرأته: أنت عليّ كأمي ولا نية له فإنه لا يصير مظاهراً عند أبي حنيفة، وذلك لأن ظهر الأم إنما يدخل بطريق العموم، فلا يجعل كالمخصص به. وعند صاحبيه يصير مظاهراً (١).
٢ - ذهب الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ﵀ إلى أن الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لأن النص ورد بخروجه من أحد السبيلين، خلافاً لأبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) ﵀ الذي ذهب إلى أنه ناقضٌ للوضوء. ومن ذلك عدم إيجاب الكفارة فيمن أفطر في نهار رمضان عامداً بالأكل والشرب، لأن النص ورد بخصوص الجماع، خلافاً للحنفية الذين أوجبوها بذلك أيضاً. وهذا بناء على التفريق بين العلة المتعدية والعلة القاصرة، فالحنفية يمنعون التعليل بالقاصرة متى أمنت المتعدية، والشافعية يجيزون ذلك:
стр. 138
وهذه الأحكام اقتضت التفريق بين العلل القاصرة (١). ومبررات تجويز التعليل بالقاصرة، مع إمكان المتعدية وعدم تجويزه عند عدم إمكان ذلك، وفي هذا نوع كلام في الفرق.
٣ - ذهب الشافعية إلى أن الإجارة الفاسدة لا تفيد ملك المنافع، وإلى أن بيع المكره وإجارته لا ينعقدان، وإلى أن العاصي بسفره لا يترخص ترخص المسافرين، وخالفهم الحنفية في ذل. والاختلاف في الأحكام، هنا، مبنيّ على التفريق بين الصحيح والفاسد، أو عدمه. فالشافعية الذين لم يفرقوا بينهما أبطلوا جميع هذه التصرفات، والحنفية الذين فرقوا بينهما اعتدوا بذلك بشروط وقيود (٢).
والصحة والبطلان من الأحكام الوضعية، وهي من مباحث علم أصول الفقه.
٤ - فرّقت طائفة من العلماء بين ما هو فرضٌ من الأفعال وما هو واجب، ولم تجعلهما شيئاً واحداً، وبنت ذلك على الدليل الأصولي الذي يثبت به كلٌّ منهما. وفي هذا تفريق بين نوعين من الأدلة يختلف ما يترتب عليهما بناء على الاختلاف الواقع بينهما، فالفرض يثبت بالقطعي، والواجب يثبت بما هو دونه، إلى غير ذلك من الأمور.
стр. 139
المطلب الثاني
المؤلفات في الفروق الأصولية
يشمل التأليف في مجال الفروق الأصولية القواعد والضوابط والمعاني الواسعة الشاملة التي لا تقف عند حدود المسائل الجزئية، ومنها المصطلحات ذات الدلالات المحددة المعينة، وما تمت إلى ذلك من الأمور، ومثل هذا النوع من التأليف في الفروق ذو فائدة عظيمة لما في معرفة الفروق الأصولية نفسها من الفوائد الكثيرة التي سبق ذكرُ طائفةٍ منها. كما أنه يعطي تصوراً واضحاً ودقيقاً لكثير من المسائل والأحكام، وقد عدَّ القرافي (ت ٦٨٤ هـ) هذا النوع من الفروق في مرتبة أعلى من مرتبة البحث بين المسائل الجزئية وقال: (فله من الشرف على تلك الكتب شرف الأصول على الفروع) (١). والمؤلفات في هذا المجال قليلة جداً، نذكر فيما يأتي أهم ما عرفناه منها:
١ - أنوار البروق في أنواء الفروق، المشتهر باسم الفروق لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المالكي المتوفي سنة (٦٨٤ هـ). وهو من الكتب النفيسة ذات الفوائد العظيمة، ويدل على طول باع مؤلفه في دقة الفهم، وحسن الإدراك. وقد ضمّن كتابه (٥٤٨) قاعدة وضح كلاً منها بما يناسبها من الفروع الفقهية. ولم تكن القواعد عنده ما عرف في اصطلاح أهل الفن، وإنما هي أوسع من ذلك، فتشمل إلى جانب ما عرف في الاصطلاح، المعاني العامة للأحكام. ومن أمثلة موضوعاته التي فرق بينها:
стр. 140
الفرق بين الشهادة والرواية، والفرق بين قاعدتي الخبر والإنشاء، والفرق بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب، والفرق بين قاعدتي الشرط والمانع، والفرق بين قاعدتي ما تشرع فيه البسملة وما لا تشرع، والفرق بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل، والفرق بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها، والفرق بين قاعدة النسيان في العادات لا يقدح، وقاعدة الجهل يقدح.
وقد بين المؤلف منهجه في كتابه، فقال: (وجعلت مبادئ البحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين، فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما، وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك، فإن ضمَّ القاعدة إلى ما يُشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى (١).
وإنما اعتبرنا هذا الكتاب في الفروق الأصولية لكونه احتوى على كثير من الفروق بين المصطلحات والقواعد الأصولية (٢)، ولأنه بحث الفروق بين المصطلحات العامة، سواء كانت لغوية أو فقهية أو غيرها، بمنهج تقعيدي، ولم يكن بحثه فيها متعلقاً بجزئيات الأحكام، وأسباب اختلاف بعضها عن بعض، وإن كان مثل ذلك يرد
стр. 141
في كلامه، لكنه كان من آثار الفروق بين المفاهيم والمصطلحات. وعدّ ما يذكره المؤلف فروقاً بين القواعد بإطلاق فيه نوع من التساهل، سواء كان من المؤلف نفسه، أو من الكاتبين الذين جاؤوا بعده.
هذا وقد كتب حول هذا الكتاب تعليقات وحواشٍ ومختصرات، نذكر منها ما يأتي:
أ- إدرار الشروق على أنواء الفروق لسراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط المتوفي سنة (٧٢٣ هـ) (١). وقد
стр. 142
تعقب فيه القرافي، وصحح بعض معلوماته.
ولأهمية تعقيبات ابن الشاط قيل: (عليك بفروق القرافي، ولا تقبل منها إلا ما قبله ابن الشاط، كما في ضوء الشموع) (١).
ب- تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية للشيخ محمد علي بن حسين المتوفي سنة (١٣٦٧ هـ) (٢). وهو تهذيب لفروق القرافي، مع مراعاة ما كتبه ابن الشاط (ت ٧٢٣ هـ) في إدرار الشروق، وهو تلخيص، كما ذكر المؤلف، للكتابين المذكورين، مع التهذيب والترتيب والتوضيح. وفيه زيادات قليلة، وإجابات عن إشكالات ترك جوابها.
ج- مختصر قواعد القرافي (ت ٦٨٤ هـ) لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم البّقوري المتوفي سنة (٧٠٧ هـ) (٣). وقد طبع هذا
стр. 143
الكتاب محققاً بجزئين (١) باسم (ترتيب الفروق واختصارها). ولعل ذلك يعود على واقع الكتاب نفسه، وإلى أن المخطوطات التي اعتمد عليها المحقق، منها ما ذكر الكتاب باسم ترتيب الفروق، ومنها ما ذكره باسم اختصار الفروق.
وقد رتب المؤلف قواعد القرافي في ثلاث مجموعات. هي: القواعد النحوية وما يتعلق بها، والقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، وقدم لها بمجموعة من القواعد الكلية، وهي ثلاث عشرة قاعدة، أفادها من كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للشيخ عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ)، وبذلك تكون مجموعات القواعد فيه أربعاً.
ومن الملاحظ أن الشيخ كان يُعَنْوِن مسائله باسم (قاعدة) بدلاً من (الفرق). وفي اختصار القواعد اتبع طريقة حذف بعض الأمثلة، وإسقاط بعض الكلام، وترك الكلام عن طائفة أخرى من القواعد. وكان ما ذكره (٢٢١) إحدى وعشرين ومائتي قاعدة، من مجموع القواعد التي وردت في فروق القرافي، والبالغة (٥٤٨) قاعدة، أوردها في ضمن فروقه البالغة أربعة وسبعين ومائتي فرق.
стр. 144
د- مختصر أنوار البروق لأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم الرَّبْعي الملقب بشمس الدين المتوفي سنة (٧١٥ هـ) (١).
هـ- ترتيب مباحث الفروق للقرافي، لعبد العزيز بوعتور التونسي.
٢ - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المتوفي سنة (٦٨٤ هـ)، السابق ذكره.
وهو كتاب صغير الحجم، نبّه إليه القرافي في مقدمة كتابه الفروق، فهو أسبق في زمن تأليفه من كتاب أنوار البروق. وكان سبب تأليفه مناقشة جرت بين القرافي وبعض فقهاء زمانه، بشأن (الفرق بين الفتيا التي تبقى معها فتيا المخالف، وبين الحكم الذي لا ينقضه المخالف، وبين تصرفات الحكام وتصرفات الأئمة، مثل الاختلاف في إثبات هلال رمضان بالشاهد الواحد، هل يلزم ذلك من لا يرى إثباته إلا بشاهدين أم لا؟ ... إلخ) (٢). وجعله على هيئة أسئلة يجاب عنها، وكان عدد الأسئلة فيه أربعين سؤالاً، لكنه محصور في الجانب المحدد بالعنوان. وإنما عدّ في قسم المؤلفات في الفروق بين
стр. 145
القواعد لتناوله معاني عامة تدخل في ضمنها كثير من الوقائع الجزئية.
٣ - الليث العابث في صدمات المجالس لإسماعيل بن علي الصعيدي القاهري المحلي الشافعي المتوفي- على ما ذكره بعضهم- سنة (٨٨٠ هـ) (١). وهو رسالة صغيرة ذكر فيها طائفة من الفروق بين طائفة من المصطلحات والضوابط الأصولية. وجعلها في القسم الثاني من كتابه، وهو قسم الصدمات.
وفي عدّ هذا الكتاب من كتب الفروق بين القواعد نوع من التساهل في المصطلح يجعل المعاني العامة التي لا تقتصر على الجزئيات المحدودة، قواعد، كما كان الشأن عند القرافي. على أن ما ذكر من محتوياته يدل على أنه في الفروق بين المصطلحات الأصولية.
كان منهجه ذكر الفروق بين المصطلحات المتشابهة بإيجاز، وإيراد كل فرق بين أمرين تحت عنوان (صَدْمة) (٢).
ومما ذكره من ذلك: الفرق بين الشرط اللازم والشرط غير اللازم،