← Каваид фикха

Каваид фикха · id 16876

الفروق الفقهية للباحسين - ط 1

يعقوب الباحسين

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الفروق الفقهية والأصولية مُقوّمَاتُها- شرُوطُهَا- نشأتُهَا- تطوّرُهَا دراسَة نظريَّة - وَصفيَّة- تَاريخيّة للدّكتور يَعقُوب بن عبد الوهاب البَاحسين كليّة الشريعَة - جَامعَة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلاَميَّة مكتبة الرشد الرياض شركَة الرياض للنشر وَالتوزيع

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م (ح) مكتبة الرشد، ١٤١٨ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الباحسين، يعقوب عبد الوهاب الفروق الفقهية والأصولية: مقوماتها، شروطها، نشأتها - الرياض. ... ص؛ ... سم ردمك ٧ - ٠٩٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ ١ - الفقه المقارن أ- العنوان ديوي ٦، ٢٥١ ١٨٤٩/ ١٨ رقم الإيداع: ١٨٤٩/ ١٨ ردمك: ٧ - ٠٩٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ مكتبة الرشد للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز ص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٨٣٧١٢ تلكس ٤٠٥٧٩٨ فاكس ملي ٤٥٧٣٣٨١ فرع القصيم: بريدة - حي الصفراء - طريق المدينة ص ب ٢٣٧٦ هاتف ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس ملي ٣٢٤١٣٥٨ فرع المدينة المنورة - شارع أبي ذر الغفاري- هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ شركة الرياض للنشر والتوزيع ص ب: ٣٣٦٢٠ - الرياض: ١١٤٥٨ - هَاتف: ٤٥٩٤٧٧٩

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

مقَدّمَة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإِن البحث في الفروق يُعَدّ من مكمّلات العلوم، إِن لم يكن من ضروراتها، إِذ به يقع التمييز بين المتشابهات، وإليه يستند التفريق بين الأحكام، وعليه يعتمد العلماء في كثير من القضايا والواقعات. وقد استهوى البحث عن الفروق العلماء من كلّ صنف، فظهرت فيه المؤلفات المتنوّعة، والأبحاث الكثيرة، في العلوم الشرعيّة، والعلوم اللغويّة، والعلوم الأخرى (١).

стр. 5

وكان الاهتمام بذلك في العلوم الشرعية كبيرًا, ولاسيّما في ميداني الفقه والأصول. وقد جعل الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) الفرق والجمع واحدًا من أنواع الفقه العشرة، بحسب ما رآه، والتي هي: ١ - معرفة أحكام الحوادث نصًا واستنباطًا. ٢ - معرفة الجمع والفرق. ٣ - بناء المسائل بعضها على بعض، لاجتماعها في مأخذ واحد. ٤ - المطارحات. ٥ - المغالطات. ٦ - الممتحنات. ٧ - الألغاز. ٨ - الحيل. ٩ - معرفة الأفراد، أي معرفة ما لكلّ من الأصحاب من الأوجه القريبة.

стр. 6

١٠ - معرفة الضوابط والقواعد (١). وترجع أهمية ذلك إِلى أنّ معرفة الفروق ممّا تترتب عليها معرفة الأحكام الشرعية والمآخذ التي تتوجه إِلى ما يبدو أنه جامع بين أحكام الفروع الفقهية، حتى أنّهم جعلوه من أقوى الاعتراضات على العلّة، وأجدرها بالاعتناء به (٢). وعلى الرغم من وفرة الكتب المؤلفة في المجال التطبيقي لهذا العلم، إِلا أنّني لم أجد دراسة مستقلة تبحث عن هذا العلم، من حيث هو، بحيث أنّها تبين موضوعه ومقوّماته، ونشأته، وتطوّره, ومناهجه. وجلّ ما رأيته كان مقدّمات لكتب محقّقة، تتناول هذا الموضوع، بتعريفه، وبيان أهمّيّته، وتعداد طائفة من مؤلفاته. وهي مقدّمات ليست بمستوى واحد، منها ما تتّصف بالسطحية والعجلة في التأليف، ومنها ما كانت مقدمات فيها نوع من الجديّة والالتزام بالمنهج العلمي. وأورد كثير من الباحثين كلامهم عن الفروق، في ضمن كلامهم عن القواعد الفقهية، بعَدِّها نوعًا منها، أو متفرّعة عنها. وقد يكون لما فعله علماء السلف، من جمعهم بين القواعد والفروق، في كتبهم المؤلّفة في الأشباه والنظائر، سندٌ في صنيعهم هذا، وليس ذلك ببعيد؛ للعلاقة القائمة بين الجمع والفرق. ولذلك رأيت أنّ الكتابة في هذا الموضوع، على وجه الاستقلال، بإِقامة دعامة له، تُؤصّله وتبيّن حدوده، وموضوعه، ومباحثه، ونشأته، وتطوره،

стр. 7

من الأمور المفيدة - إِن شاء الله. وأغلب ما في هذا الموضوع الذي أقدّمه للقاريء، كان في ثمرات تدريسي لموضوع القواعد الفقهية لطلبة الدراسات العليا في كلية الشريعة في جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية، خلال أعوام كثيرة. وهو وإِن لم يكن من الموضوعات التي درّستها, لكنه كان يأتي ضمنًا وتبعًا، من خلال اطلاعي على مباحث العلماء في القواعد والضوابط الفقهية، وفي أحيان أخرى على مباحث التخريج والتفريع عند العلماء. وقد رأيت أنّ موضوع البحث في الفروق الفقهية يختلف عن موضوع البحث في الفروق الأصولية، وإِن كان يجمعهما المعنى العامّ للفروق. ولهذا فقد جعلت هذا البحث في فصلين، أحدهما لعلم الفروِق الفقهية، وآخرهما لعلم الفروق الأصوليّة، وجعلتُ في كلّ فصل تمهيدًا وطائفة من المباحث تناسب مسائله، وما يتناوله هذا العلم. وقد شجّعني على نشر هذا البحث وإِخراج مسوداته من أدراج مكتبتي، أنني لم أجد، في حدود اطلاعي، بحثًا مستقلًا يتناول هذا الموضوع، كما أشرت إِلى ذلك آنفًا. وإِنّني على ثقة بأن هذا الموضوع في حاجة إِلى دراسة أوسع ممّا قدّمت، وأنّ بحثي هذا ربّما كان نواة لبحوث أكثر تجلية لمسائل هذا العلم. على أنه مهما يكن من أمر هذا البحث، فإِني لم أقصد منه غير النفع، وتنبيه الباحثين إِلي أهميته، وضرورة العناية به. فإِن تحققّ منه ذلك فلله الحمد أولًا وآخرًا، وإِن كانت الأخرى فنعتذر لمن لم يجد فيه ذلك، وأن ينظر إِلى ما قصدناه منه، والأعمال بالنيّات، وصلّى الله على نبينا محمَّد. د. يعقوب عبد الوهاب الباحسين

стр. 8

الفصل الأول: علم الفروق الفقهية

стр. 9

تمهيد تعريف علم الفروق الفقهية - موضوعه- مسائله ومباحثه- الفائدة منه- العلوم التي استمدّ منها- حكمه. التعريف: تُعَد معرفة علم الفروق الفقهية تابعة لمعرفة الفروق الفقهية نفسها وما يعتدّ بها منها، وما لا يُعْتَدّ. ولهذا فلا بُدّ من تقديم تعريف الفروق الفقهية في اللغة والاصطلاح. معنى الفروق في اللغة: الفروق في اللغة جمع فَرْق، وهو ما يُميَّزُ به بين الشيئين. وذكر ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) (١). أن مادة الكلمة أي الفاء والراء والقاف أصل صحيح يدلّ على تمييز وتزييل (٢). وفي هذه المادة كلمات كثيرة تدل على معانٍ مُتعددة (٣)، يُحتاج في إدخالها في المعنى الذي ذكره ابن فارس إلى نوع من التفسير والتأويل المتعسف، إضافة إلى المعاني التي ذكر ابن فارس أنها مما شذّت عن الأصل.

стр. 10

على أنه مهما يكن الأمر فإن الكثير من كلمات هذه المادة، تدل على التمييز بين الأشياء، والفصل بينها. وللعلماء آراء مختلفة بشأن تخفيف المادة وتثقيلها، فيرى بعضهم أن فَرَق فَرْقاً بالتخفيف للصلاح، وفَرَّق تفريقاً للإفساد (١): ويرى آخرون أنه بالتخفيف للمعاني والألفاظ، وبالتثقيل للأجسام. قال الجوهري (ت ٣٩٣ هـ) (٢). فَرَقْتُ أفرق بين الكلام، وفرّقت بين الأجسام (٣). وهذا المعنى هو ما ذكره القرافي (ت ٦٨٤ هـ) (٤) عن بعض مشايخه الذين ذكر عنهم، أيضاً، أن وجه المناسبة في ذلك أن كثرة المبني، عند العرب، تدل على كثرة المعنى (٥). لكنَّ

стр. 11

هذه الدعوى يخدشها وينقضها استعمالات القرآن الكريم. قال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) (١). فخفف في البحر، وهو جسم، وقال تعالى: (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (٢)، فخفف في ذلك، مع أنه في الأجسام. الفروق في الاصطلاح: لم أجد للفقهاء الذين تكلموا عن الفروق، تعريفاً لها، أو بياناً لمعناها، وإن كان بعضهم قد أشار إلى العلم نفسه، وذكر ما يشبه التعريف له، كما سنعلم ذلك فيما بعد. ويغلب على الظن أنهمي قصدون بالفروق وجوه الاختلاف بين الفروع الفقهية التي يشبه بعضها بعضاً في الصورة، ولكنها تختلف فيما بينها في الأحكام. وقد تكلم الأصوليون والجدليون عن الفروق كثيراً، إذ هي من الأمور المتفرعة عن مباحث القياس عندهم، فالفروق من قوادح العلة، المانعة من جريان حكمها في الفرع (٣). ولهذا فإن تعريف الفروق الفقهية ينبغي أن يبحث عنه في هذه المواضع، أي مباحث العلة في القياس. وقد

стр. 12

اختلفت عبارات العلماء في تعريفها، وإن تلاقى أكثرها في المعنى. وقبل أن نذكر بعض تعريفات الفرق، ننبه إلى أن الفرق عندهم يعني الأمر المانع من إلحاق الفرع بالأصل في الحكم، مع وجود الوصف المشترك المدعي علة، سواء كان ذلك لوجود وصف مختصّ بالأصل هو شرط للعلّة، ولم يوجد في الفرع، أو لوجود وصف في الفرع هو مانع، ولم يوجد في الأصل (١)، وفيما يأتي نذكر طائفة من عبارات العلماء في تعريف الفرق: ١ - قال إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) (٢) الفرق (هو المعارضة المتضمِّنة لمخالفة الفرع الأصل في علة الحكم) (٣)، وقال: (إن حقيقة الفرق هي الفصل بين المجتمعين في موجب الحكم، بما يخالف بين حكميهما) (٤). وفي هذين التعريفين اقتصار على ذكر الاختلاف بين الأصل والفرع

стр. 13

في علة الحكم أو موجبه، دون بيان لنوع هذا الاختلاف. ولهذا نجد إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) ﵀ أتْبَعَ تعريفيه ببيان ضروب الفرق، فقال: (ثم هو على ضربين: أحدهما: فصل الحكم عن العلة. والثاني: فصل الفرع عن الأصل بمعنى يفرّق بينهما بيّن) (١). ولم يكشف لنا عن هذا المعنى بإعطاء صفاته أو شروطه. ٢ - وقال القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (هو إبداء معنى مناسب للحكم في إحدى الصورتين، مفقود في الأخرى) (٢). وفي هذا التعريف قصرٌ للفارق على المعنى الذي ذكره، وهو المناسبة في إحدى الصورتين دون الأخرى، وفيه احتراز عن الفروق الفاسدة التي لا يُعْتَدّ بها للتفريق بين الصورتين، أو المسألتين. وقد ذكر القرافي (ت ٦٨٤ هـ) في شرحه أمرين يقابلان المعنى المناسب للحكم، هما: أ- المعنى غير المناسب، كقياس الأرز على البرّ، في حكم الربا، فيقول المعترض: الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضاً، أو أيسر تقشيراً في سنبله، من البر (٣). فمثل هذا يُعَد في الأوصاف الطردية غير المعتد بها (٤).

стр. 14

ب- المعنى المناسب لحكم آخر غير الحكم المذكور. كقياس المساقاة على القراض في جواز المعاملة على جزء مجهول. فيعترض على ذلك بوجود الفرق بينهما، إذ الشجر إذا ترك العمل فيه هلك، بخلاف النقدين فإنّ تركهما لا يؤدي إلى هلاكهما، وهذا معنى مناسب لأن يكون عقد المساقاة لازماً، وليس مناسباً لجوازه، لأن القول بجواز عقد المساقاة، وعدم لزومه يؤدي إلى جواز ردّه، بعد مدة، من غ ير عمل، مما يترتب عليه هلاك الشجر. وهذا الوصف لا مدخل له في الفرق بينهما باعتبار الغرر (١). ٣ - وقال القاضي البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) (٢): هو جعل تعيّن الأصل علة، والفرع مانعاً (٣). ومقتضى هذا التعريف أن الفرق ضربان: الضرب الأول: تعيّن أصل القياس، وما فيه من خصوصية علة

стр. 15

لحكمه، فلا يلحق به الفرع. والضرب الثاني: تعيّن الفرع، أو خصوصيته مانعاً من ثبوت حكم الأصل. مثال الأول قول الحنفية إن الخارج النجس من غير السبيلين ناقضٌ للوضوء، قياساً على الخارج منهما، والوصف الجامع بينهما خروج النجاسة. فيقول خصومهم إن بينهما فرقاً؛ لأن العلة الناقضة للوضوء في الأصل هي خروج النجاسة من السبيلين، لا مطلق خروج النجاسة وهذا المعنى غير متحقق في الفرع. ومثال الثاني قول الحنفية يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي، قياساً على غير المسلم، والجامع هو القتل العمد العدوان. فيقول خصومهم إن بينهما فرقاً؛ لأن كون القاتل مسلماً مانعٌ من وجوب القصاص عليه، لشرفه (١). فقد جعل تعين الفرع مانعاً من الإلحاق. ٤ - وقال صفي الدين الهندي (ت ٧١٥ هـ) (٢): (الفرق عبارة عن إبداء

стр. 16

وصف في الأصل يصلح أن يكون علة مستقلة للحكم، أو جزء علة) (١). وفي هذا التعريف قَصْرُ الفرق على إبداء الخصوصية في الأصل، بإبداء وصف فيه يصلح أن يكون علة مستقلة، أو جزء علة، ولم يتطرق إلى ما في الفرع من خصوصية، تصلح أن تكون مانعاً من حكم العلة، كما هو في التعريفات السابقة. وبذلك يكون الفرق عنده، راجعاً إلى المعارضة في الأصل فقط. ٥ - وقال عضد الدين الإيجي (ت ٧٥٦ هـ) (٢): (الفرق إبداء خصوصية في الأصل، هو شرط ... أو إبداء خصوصية في الفرع، هي مانع) (٣). والمراد من ذلك هو أن يُظْهر المعترض خصوصية في الأصل تُجْعَل شرطاً للحكم، بأن تُجعل من علته، أو إبداء خصوصية في الفرع تُجْعَلُ مانعاً من الحكم، فالفرق على هذا راجع إلى إحدى المعارضتين، المعارضة في الأصل في الحالة الأولى، والمعارضة في الفرع

стр. 17

في الحالة الثانية (١). وما ذكر مبنيٌّ على أنه ليس على المعترض أن يتعرض لعدم الخصوصية، الموجودة في الأصل، في الفرع، ولا أن يتعرض لعدم الخصوصية، الموجودة في الفرع، في الأصل. لكن بعض العلماء ذهبوا إلى اشتراط ذلك فيكون الفرق مجموع المعارضتين المذكورتين (٢). وقد ذكر الآمدي (ت ٦٣١ هـ) (٣) أن القول بأن الفرق لا يخرج عن المعارضة في الأصل، أو الفرع، هو عند أبناء زمانه، أما المتقدمون فكانوا يرون أن الفرق هو مجموع الأمرين حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقاً. وبنى اختلافهم في قبول الفرق ورفضه على ذلك (٤). ٦ - وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون: إن الفرق، عند الأصوليين وأهل النظر، هو: (أن يُفرِّق المعترضُ بين الأصل والفرع، بإبداء ما يختص

стр. 18

بأحدهما، لئلا يصح القياس، ويقابله الجمع) (١). وهذا التعريف يصور الفرق، عند الأصوليين وأهل النظر، ويعبر عن ذلك بوضوح. وقد صوَّر إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) ذلك، من قبل، بعبارة جامعة، بيّنت معنى الفرق والغاية منه، قال: (والقول الوجيز فيه أن قصد الجمع يَنْتَظِم بأصلٍ وفرعٍ، ومعنى رابط بينهما، على شرائط بينة، والفرق معنى يشتمل على ذكر أصل وفرع، وهما يفترقان فيه، وهذا يقع على نقيض غرض الجمع. ومن ضروراته معارضة معنى الأصل والفرع، ولكن الغرض منه مضادة الجمع بوجه فقه، أو بوجه شبه، إن كان القياس في فن الشبه، وعلى هذا لو سمى مسمٍّ الفرق معارضة لم يكن مبعداً، ولكن ليس الغرض من الإتيان بمعارضة على الطرد والعكس، لاتصال أحدهما بالآخر، بل القصد منه فقهٌ، ينتظم معارضتين، يشعر بمفارقة الأصل للفرع على مناقضة الجمع، فهذا سرّ الفرق) (٢). وقد سبق أن ذكرنا ما قاله الآمدي (ت ٦٣١ هـ) من أن الفرق، عند المتقدمين، هو مجموع الأمرين، أي المعارضة في الأصل وفي الفرع. (حتى أنه لو اقتصر على أحدهما لم يكن فرقاً) (٣)، وأنه - أي الفرق- على ما انتهى إليه علماء زمانه، هو إحدى المعارضتين (٣). تعريف علم الفروق الفقهية: لم يتكلم الأصوليون عما يُسمى علم أو فن الفروق الفقهية، بل اقتصر

стр. 19

حديثهم عنها، خلال كلامهم عن قوادح العلة في القياس، أو خلال كلامهم في موضوع الجدل، كما في الكافية في الجدل لإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، والجدل على طريقة الفقهاء لأبي الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣ هـ) (١). وعَلَم الجذل في علم الجدل لسليمان بن عبد القوي الطوفي (ت ٧١٦ هـ) (٢)، وكالمعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) (٣).

стр. 20

والمنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) (١)، والإيضاح لقوانين الاصطلاح لأبي محمد يوسف بن عبد الرحمن بن الجوزي (ت ٦٥٦ هـ) (٢)، وسائر كتب أصول الفقه الباحثة عن قوادح

стр. 21

العلة في القياس. أما الفقهاء الذين ألفوا في الأشباه والنظائر، والتي من محتوياتها الفروق الفقهية، فقد أشار بعضهم إلى شيء من ذلك، وذكروا ما يشبه التعريف لهذا العلم، وأوردوا شيئاً من أوصافه، لكن هؤلاء كانوا محدودين وقليلي العدد، وفيما يأتي نذكر بعض تلك التعريفات التي اطلعنا عليها: ١ - قال جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) (١)، عن علم الفروق: إنه الفن (الذي يذكر فيه الفرق بين النظائر المتحدة تصويراً ومعنى، المختلفة حكماً وعلة) (٢). ولم يورد هذا الكلام على أنه تعريف فني، وإنما ذكره على أنه وصف لهذا العلم، استثمره بعضهم، وحوّله إلى تعريف له، بإجراء بعض التعديل اليسير في الصياغة.

стр. 22

٢ - وقال الشيخ محمد الفاذاني (ت ١٤١٠ هـ) (١): (هو معرفة الأمور الفارقة بين مسألتين متشابهتين، بحيث لا نسوي بينهما في الحكم) (٢). وقال عن الجمع والفرق: (أي معرفة ما يجتمع مع آخر في حكم، ويفترق معه في حكم آخر، كالذمي والمسلم يجتمعان في أحكام ويفترقان) (٢). ٣ - واعترض بعض الباحثين على التعريفين السابقين بأنهما غير مانعين من دخول الفروق بين المسائل المتشابهة، في أي علم من العلوم، في التعريف؛ إذ لم تُقَيّد المسائل المتشابهة بالفقهية. وذكر تعريفاً من عنده، رأى أنه جامع مانع، هو قوله: (العلم ببيان الفرق بين مسألتين فقهيتين متشابهتين صورة، مختلفتين حكماً) (٣). والذي يبدو أن العلماء إنما كانوا يقصدون تعريف الفروق، بوجه عام، لا الفروق الفقهية، كما عرّفوا القاعدة بأنها قضية كلية، دون أن

стр. 23

يحددوا مشتملاتها (١). لكن الذي يؤخذ على التعريفين المذكورين، وعلى تعريف المعترض د. عمر السبيل، أنها أدخلت في مادة التعريف ألفاظ المعرف، مما ترتب عليه أن يكون فيها الدور الممنوع، ولهذا فإنه لو أبدل لفظ الفرق أو الفارق، بغيره من الألفاظ التي تؤدي معناه، زال مثل ذلك الاعتراض، كأن يقال، مثلاً، هو العلم بوجوه الاختلاف بين مسألتين فقهيتين متشابهتين صورة، مختلفتين حكماً. على أن هذا لا يُعد تعريفاً، أو قولاً شارحاً لعلم الفروق نفسه، لأن العلم المذكور أوسع دائرة من ذلك، ولهذا فإننا نقترح تصوير هذا العلم بأنه: العلم الذي يُبْحَثُ فيه عن وجوه الاختلاف، وأسبابها، بين المسائل الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الحكم، من حيث بيان معنى تلك الوجوه، وماله صلة بها، ومن حيث صحتها وفسادها، وبيان شروطها ووجوه دفعها، ونشأتها وتطورها، وتطبيقاتها، والثمرات والفوائد المترتبة عليها. وإنما قلنا إن هذا تصوير لهذا العلم، بسبب أنه يفتقد لبعض شروط الحد أو الرسم، لما فيه من التفصيلات، وذكر ما لا يذكر من ذلك، عند المنطقيين، ولكننا وجدنا أن التصريح بذلك قد يُلقي ضوءاً يزيد ما نريده من علم الفروق الفقهية وضوحاً والله أعلم.

стр. 24

موضوعه (١): إن بيان موضوع العلم يُعَدّ من الأمور الهامة، عند العلماء، وقد أولوه عنايتهم، وجعلوه أحد المبادئ العشرة، أو الرؤوس الثمانية في اصطلاحاتهم (٢) ويعود ذلك إلى أنه المميز للعلم عن غيره، والمحدد لمجالاته التي لا ينبغي أن تتداخل مع غيرها. ويريدون بموضوع العلم ما يُبْحَث في ذلك العلم عن عارضه الذاتية، كالكلمة فإنها موضوع علم النحو، إذ يبحث فيه عما يعرض لها من حيث الإعراب والبناء، وأنواع الإعراب من رفع ونصب وجر وجزم، وكالأدلة، أو الأدلة والأحكام، فإنها موضوع أصول الفقه؛ إذ يبحث فيه عما يعرض لها من حيث الحجية وعدمها، وكيفية الاحتجاج بها، وغير ذلك (١).

стр. 25

وعلى هذا يكون موضوع علم الفروق الفقهية هو الفروع أو المسائل الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الحكم، من حيث بيان أسباب الافتراق، أو الاجتماع، فيما بينها، وما يتعلق بذلك من الأمور. * * *

стр. 26

مسائله ومباحثه: (١) يمكن القول إن مباحث ومسائل علم الفروق الفقهية ذات صلة وثيقة بموضوعه، لأن موضوعات المسائل والمباحث هي نفسها موضوعات العلم، أو أنواعها أو أعراضها الذاتية، أو ما تركب من هذه الأمور، أو بعضها. ولما كان موضوع العلم، كما عرفنا، هو ما يبحث فيه عن الأحوال العارضة له، فإنَّ مسائله ومباحثه هي معرفة هذه الأحوال. وكما أن بدن الإنسان الذي هو موضوع علم الطب، بسبب أنه يبحث فيه عن الأعراض اللاحقة له، لا يدخل في حقيقة العلم، فكذلك المسائل الفقهية التي هي موضوع علم الفروق الفقهية، لا تدخل في حقيقة هذا العلم، لأن الذي يبحث فيه هو ما يعرض لها من الصفات الجامعة، أو المفرقة بينها. ومهما يكن من أمر فإن ما كتبه العلماء في هذا الشأن، يدخل ضمن ما يأتي: ١ - الفروق بين أحكام الجزئيات الفقهية، أو بين المسائل الفقهية، كالفرق بين اشتراط إذن الولي في انعقاد إحرام الصبي في الحج، وعدم اشتراطه في الصلاة (٢). واشتراط الطهارة في صحة الطواف، وعدم

стр. 27

اشتراطها في السعي (١). وكانتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور، وعدم انتقاضه بأكل لحم الغنم (٢). ٢ - الفرق والاستثناء: وهذا النوع من المسائل داخل في موضوع الفروق بين أحكام المسائل الجزئية، لكن طريقة عرضه تتخذ صورة أخرى، هي ذكر القاعدة أو الضابط، أو المسائل الفقهية وبيان ما يستثنى منها، وإنما كان التأليف في هذا المجال داخلاً في الفروق؛ لكون حكم المستثنى مخالفاً لحكم ما استثني منه. وقد يذكر سبب الاستثناء، وقد يهمل بأن يقتصر على ذكر المستثنيات التي تفارق حكم ما استثني منه، نحو قولهم: من وجبت عليه الجمعة اسْتُحِبَّ له التبكير فيها ... إلا في مسألتين: إحداهما: من به سلس البول. المسألة الثانية: إمام الجمعة يُسَنُّ في حقه الحضور لوقت الصلاة (٣). أما الفروق بين المصطلحات الفقهية، أو الأصولية من حيث اختلاف ما يترتب عليها من أحكام، كالفرق بين الخطأ والنسيان، وبين الجهل الذي يُعْذر فيه والجهل الذي لا يُعْذر فيه، وبين الخبر والإنشاء، وبين الشرط والمانع، وبين العلة والسبب، وبين الشهادة والرواية وغير ذلك. فهو مما يدخل في الفروق الأصولية، التي سيرد الكلام عنها في الفصل الثاني من هذا البحث. * * *

стр. 28

الفائدة من دراسة علم الفروق (١): للتعرف على الفروق الفقهية فوائد متعددة، سواء كان ذلك للمجتهد، أو لمن هو دونه في المرتبة. ونذكر فيما يأتي بعض هذه الفوائد: ١ - إن في دراستها تتحقق إزالة الأوهام التي أثارها بعض من اتهموا الفقه بالتناقض، بسبب إعطائه الأمور المتماثلة أحكاماً مختلفة، وتسويته بين المختلفات. كقولهم إن الشارع فرض الغسل من المنيّ وأبطل به الصوم بإنزاله عمداً، وهو طاهر، دون البول والمذي وهو نجس، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية، والنَّضح من بول الصبي، من تساويهما، فبمعرفة أسباب التفريق في الحكم بين الصور المتشابهة، يُدْرَكُ وَهَنُ مثل هذه الاعتراضات وسقوطها. ٢ - إن التعرف على هذه الفروق يُبَصِّرُ العالم بحقائق الأحكام وينير الطريق أمامه، لينقذه من التعثر في الاجتهاد، فهي شَحْذٌ للذهن، وتنبيه له، لئلا يقع في الوهم، ويتسرّع فيما يفتيه، ويصدره من الأحكام، بناء على الشَّبَه الظاهري. ولهذا نجد أبا عبد الله المازري (ت ٥٣٦ هـ) (٢)، عدَّ معرفة الفروق من جملة ما ينبغي أن يتوفّر في

стр. 29

الفقيه الذي يفتي في زمانه (١). لئلا يقع في الخطأ، عند التخريج. قال أبو عبد الله القاسم البرزلي (ت ٨٤٤ هـ) (٢): (وقد يطرأ من يظن أنه بلغ رتبة الاجتهاد، فينظر المسائل بعضها ببعض، ويخرّج، وليس بصيراً بالفروق) (٣). ٣ - إن هذا العلم بكشفه عن الفروق بين المسائل يحققُ وضوحاً في علل الأحكام وما يعارض هذه العلل، ويدفعها، مما يهيئ للفقيه القياس الصحيح، ويحقّق له غلبة الظن في إلحاق الفروع بغيرها من الأصول. ويجعله مطمئناً إلى تخريجه.

стр. 30

حكم معرفة الفروق الفقهية: لم أجد من العلماء من تكلم عن حكم معرفة علم الفروق الفقهية، بل إن العلماء قد اختلفوا في قبول قدح العلة بالفرق، ومنع الجمع بين الأصل والفرع، عند وجوده، فالمحققون من العلماء قبلوه، وخالفت طائفة أخرى فلم تقبله (١). وفصّل بعضهم في ذلك، فاختار القاضي البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) أن الفرق، عند المعارضة في الأصل قادحٌ في العلة المستنبطة، دون المنصوصة، وأنه غير قادح في الفرع، لاختياره تبعاً لصاحب الحاصل، عدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين، إن كانتا مستنبطتين، ولأنه يرى أن النقض لمانع غَيْرُ قادحٍ في العلة (٢). ولكلِّ طائفةٍ من هؤلاء العلماء أدلتها، وما بنت عليه وجهة نظرها، وذكر هذه الاستدلالات والمناقشات ليس من مقصود هذا البحث؛ لأن ما نريده من ذلك تصوير الفرق، عند الأصوليين. وقد أتينا من ذلك بما يحقق المقصود ويبين المراد. ومما ينبغي التنبيه إليه أن أبا الربيع الطوفي (ت ٧١٦ هـ) تكلم عما يشبه بيان حكم الفروق. وإنما قلنا إنه يشبه الحكم، لأنه تكلم عن الاعتداد بالفرق واعتباره، وذكر ما يدل على ذلك (٣). ولكنه لم يتكلم

стр. 31

عن هذا الاعتداد، أهو مباح، أو مندوب إليه، أو جائز؟ أهو شرط أو غير ذلك من الأحكام، ولهذا قلنا إننا لم نجد من تكلم عن حكمه من الفقهاء والأصوليين. وما كتب في الفروق، أو الجمع والفرق يُعَدُّ المجال التطبيقي لهذا القادح؛ إذ إن هذه الكتب تذكر الفروع الفقهية المتشابهة، وما يجمع بينها، وما يفرق بعضها عن بعض في الحكم، وبتعبير آخر إنها تبحث عن مبررات عدم إلحاق الفروع بالأصول، مع وجود التشابه الظاهري بينها، ولاشتراكها ببعض الأوصاف التي تقتضي الجمع. والذي يبدو لنا أن تقصّي ما يذكر في هذه الكتب، من العلل الجامعة، وما ينقضها في الجزئيات المختلفة، يحتاج إلى نظر دقيق، فما يذكر من المعاني المشتركة، ربما لم ينطبق على معنى العلة في اصطلاحهم، أو لم يكن ثابتاً بالطرق المعتد بها عندهم، كما أن ما به التفريق ربما لا يكون من الأمور المقبولة في رأيهم. وعلى هذا فإن تحديد حكم معين لتعلم الفروق الفقهية بإطلاق ليس كما ينبغي، ونجد أن المناسب هو تنوع الحكم باختلاف الحالات فهو بالنسبة لغير المجتهد أو المفتي جائز، وأما بالنسبة للمجتهد أو المفتي فهو واجب؛ لأنه داخل في شروط المجتهد والمفتي العلمية، لئلا تتناقض،

стр. 32

أحكامه، ويقع في الخطأ أو السهو، وهو معدود من آلات ومكملات الاقتدار على الاستنباط والتخريج، كما أنه من مستلزمات القياس الذي يُعَدّ الاقتدار عليه من الشروط الأساسية في المجتهد- والله أعلم. * * *

стр. 33

المبحث الأول أقسام الفروق وشروطها المطلب الأول: أقسام الفروق الفقهية. المطلب الثاني: شروط الفروق.

стр. 34

المطلب الأول أقسام الفروق الفقهية الفرع الأول: أقسامها من حيث موضوع التفريق. الفرع الثاني: أقسامها من حيث الاستقلال وعدمه. الفرع الثالث: أقسامها من حيث الصحة والفساد. الفرع الرابع: أقسامها من حيث تعين الأصل والفرع في العلة والمانعية. الفرع الخامس: أقسامها من حيث أقسام القياس.

стр. 35

المطلب الأول أقسام الفروق الفقهية في كلام العلماء عن الفروق ذكروا لها أقساماً متعددة، ولكنها كانت تختلف بحسب الحيثيات والاعتبارات التي لوحظت عند التقسيم والتنويع، وسنذكر فيما يأتي أهم ما وجدناه في كلامهم من ذلك: الفرع الأول: أقسامها من حيث موضوع التفريق . وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: الفرق بين الأصل والفرع أو بين المقيس والمقيس عليه. وهذا القسم هو المتبادر إلى الناظر في معنى القياس، لأن أساس القياس هو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم لاتفاقهما في العلة، ولهذا فإن هذا القسم من الفروق هو الأكثر من قسيمه الآخر، ومع ذلك فقد وقع الاختلاف في صحته (١). وهو أنواع، لأنه قد يكون معارضة في الأصل، أو معارضة في الفرع، أو معارضة فيهما. القسم الثاني: الفرق بين الوصف والحكم: وهذا القسم من الفروق اختلف فيه العلماء القائلون بصحة القسم السابق، ومن ردّه قال: إن الفرق هو نقيض الجمع وضده، والجمع يقع بين الأصل والفرع، لا بين الوصف والحكم، فينبغي أن يكون اعتراض المعترض متجهاً إلى ما قصده

стр. 36

المستدل في إثبات الجمع بين الأصل والفرع. ثم إن جمع الجامع يبقى بعد القدح بالفرق بين الوصف والحكم، إذ لا يؤثر ذلك في الجمع بين الأصل والفرع (١)، وهو الأساس الذي قام عليه القياس. وذهب القاضي أبو بكر (ت ٤٠٣ هـ) (٢). وإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) إلى أن هذا الفرق صحيح، وأن الفارق إذا فرّق بين الوصف والحكم، وقطع ارتباط الحكم بالعلة، وجب انقطاع الفرع عن الأصل لا محالة (٣). ووضح فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٤) هذا النوع في الجانب

стр. 37

التطبيقي بقوله: (إن من استدل في مسألة ظهار الذمي، مثلاً، فقال: صح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، إن لم يتقرر، عنده، أولاً أن الطلاق والظهار متقاربان متلائمان، حتى يلحق الفرع بالأصل لمشاركة الأصل في أحدهما. فيدل على ثبوت الثاني للمقاربة والارتباط. وإذا قطع الفارق هذا الارتباط بينهما، بإظهار فارق يوجب المباينة، ينقطع الفرع عن الأصل، في الحكم المطلوب استواؤهما فيه، إذ الحكم إنما يرتبط بعلته في الأصل والفرع جميعاً) (١). وتوضيحاً لما تقدم نقول في مسألة قياس الذمي على المسلم، في صحة الظهار، إن الوصف هو صحة الطلاق، وأن الحكم هو صحة الظهار، والأصل هو المسلم، والفرع هو الذمي. فإذا بيّن المعترض الفرق بين صحة الطلاق وصحة الظهار فإن ذلك يترتب عليه عدم جواز قياس الفرع على الأصل في حكم صحة الظهار، لعدم العلة الرابطة بينهما. ووجه الفرق بين الطلاق والظهار: أن (يقول إنما صح طلاق الذمي، لأنه لا يتضمن معنى يستحيل مع الكفر، وهو التكفير بالصوم، بل هو التحريم فحسب، والظهار منه لا يصح، لأنه يتضمن ما لا يصح معه الكفر) (٢).

стр. 38

ومثل مسألة ظهار الذمي، قولهم بشأن زكاة الصبي: شخص تجب زكاة الفطر في ماله، فتجب زكاة المال في ماله كالبالغ (١). ويكثر هذا الفرق في الأقيسة التي تكون الجوامع فيها أحكاماً شرعية (١). الفرع الثاني: أقسامها من حيث الاستقلال وعدمه ، وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: الفارق المستقل، أي الذي يصلح أن يكون علة، وحده، دون حاجة إلى أن ينضم إليه شيء آخر، ومثل هذا الفارق لا يؤثر، إذا جوّزنا تعليل الحكم بعلتين (٢). لأن عدم إحدى العلتين في الفرع لا يضر، لاشتراكهما في العلة الأخرى. مثال ذلك: تعليل ولاية الإجبار في النكاح بالصغر والبكارة. فإذا انفردت البكارة في المعنسّة تثبت ولاية الإجبار، وإذا انفرد الصغر في الثيب الصغيرة تثبت ولاية الإجبار، فإيراد المعترض الفرق بوجود أحد الوصفين في الأصل دون الفرع، غير مقبول (٣). القسم الثاني: الفارق غير المستقل، كالفارق بمزيد المشقة، ومزيد الضرر، وكثرة الحاجة وما أشبه ذلك. فمثل هذه الأمور لا تصلح أن تكون علة مستقلة؛ لأنها من باب صفة الصفة، التي لا تصلح للتعليل المستقل (٤). وقد قالوا إن مثلها يفيد المعترض ويتوجه فارقاً (٥).

стр. 39

الفرع الثالث: أقسامها من حيث الصحة والفساد . وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: الفروق الصحيحة، وهي الفروق التي تتحقق فيها الشروط الآتية: ١ - أن يكون ما يُبْدَي من فرق معنى مناسباً للحكم، في إحدى الصورتين، مفقوداً في الصورة الأخرى (١). وقد ذكر الطوفي (ت ٧١٦ هـ) أن طريق النظر في الجمع والفرق بين الصور، هو أن يُنْظَرَ في الجامع والفارق، فيعتبر المناسب منهما، ويُلْغَى الطردي، بطريق تنقيح المناط (٢). وقد نقل الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) (٣) عن كتاب (الفرق والجمع)

стр. 40

لنجم الدين المقدسي (ت ٦٣٨ هـ) (١) أنه إذا تمت المناسبة بشروطها فهذا الفرق الصحيح (٢). ومثال ذلك التفريق بين الهبة والبيع، في مسألة حصول الغرر، فعندما يقول المستدل لا تجوز الهبة مع الغرر قياساً على البيع، يُعْتَرَضُ عليه بالفرق بينهما، لأن البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، بخلاف الهبة فإنها عقد فيه إكرام وإحسان محض، فلا يخل به الغرر، وكذلك أن الموهوب له، إذا لم يحصل على شيء، فلا يتضرر، بخلاف المشتري الذي يلحقه الضرر (٣). ٢ - تغليب الأنسب للحكم، إذا كان كلٌّ من الجامع والفارق مناسباً له. سواء كان الأنسب جامعاً أو فارقاً، فمثال الأنسب جامعاً ما ذكره
следующие страницы →