المستدل في إثبات الجمع بين الأصل والفرع. ثم إن جمع الجامع يبقى بعد القدح بالفرق بين الوصف والحكم، إذ لا يؤثر ذلك في الجمع بين الأصل والفرع (١)، وهو الأساس الذي قام عليه القياس.
وذهب القاضي أبو بكر (ت ٤٠٣ هـ) (٢). وإمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) إلى أن هذا الفرق صحيح، وأن الفارق إذا فرّق بين الوصف والحكم، وقطع ارتباط الحكم بالعلة، وجب انقطاع الفرع عن الأصل لا محالة (٣).
ووضح فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ) (٤) هذا النوع في الجانب
стр. 37
التطبيقي بقوله: (إن من استدل في مسألة ظهار الذمي، مثلاً، فقال: صح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، إن لم يتقرر، عنده، أولاً أن الطلاق والظهار متقاربان متلائمان، حتى يلحق الفرع بالأصل لمشاركة الأصل في أحدهما. فيدل على ثبوت الثاني للمقاربة والارتباط. وإذا قطع الفارق هذا الارتباط بينهما، بإظهار فارق يوجب المباينة، ينقطع الفرع عن الأصل، في الحكم المطلوب استواؤهما فيه، إذ الحكم إنما يرتبط بعلته في الأصل والفرع جميعاً) (١).
وتوضيحاً لما تقدم نقول في مسألة قياس الذمي على المسلم، في صحة الظهار، إن الوصف هو صحة الطلاق، وأن الحكم هو صحة الظهار، والأصل هو المسلم، والفرع هو الذمي. فإذا بيّن المعترض الفرق بين صحة الطلاق وصحة الظهار فإن ذلك يترتب عليه عدم جواز قياس الفرع على الأصل في حكم صحة الظهار، لعدم العلة الرابطة بينهما.
ووجه الفرق بين الطلاق والظهار: أن (يقول إنما صح طلاق الذمي، لأنه لا يتضمن معنى يستحيل مع الكفر، وهو التكفير بالصوم، بل هو التحريم فحسب، والظهار منه لا يصح، لأنه يتضمن ما لا يصح معه الكفر) (٢).
стр. 38
ومثل مسألة ظهار الذمي، قولهم بشأن زكاة الصبي: شخص تجب زكاة الفطر في ماله، فتجب زكاة المال في ماله كالبالغ (١).
ويكثر هذا الفرق في الأقيسة التي تكون الجوامع فيها أحكاماً شرعية (١).
الفرع الثاني: أقسامها من حيث الاستقلال وعدمه ، وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: الفارق المستقل، أي الذي يصلح أن يكون علة، وحده، دون حاجة إلى أن ينضم إليه شيء آخر، ومثل هذا الفارق لا يؤثر، إذا جوّزنا تعليل الحكم بعلتين (٢). لأن عدم إحدى العلتين في الفرع لا يضر، لاشتراكهما في العلة الأخرى. مثال ذلك: تعليل ولاية الإجبار في النكاح بالصغر والبكارة. فإذا انفردت البكارة في المعنسّة تثبت ولاية الإجبار، وإذا انفرد الصغر في الثيب الصغيرة تثبت ولاية الإجبار، فإيراد المعترض الفرق بوجود أحد الوصفين في الأصل دون الفرع، غير مقبول (٣).
القسم الثاني: الفارق غير المستقل، كالفارق بمزيد المشقة، ومزيد الضرر، وكثرة الحاجة وما أشبه ذلك. فمثل هذه الأمور لا تصلح أن تكون علة مستقلة؛ لأنها من باب صفة الصفة، التي لا تصلح للتعليل المستقل (٤). وقد قالوا إن مثلها يفيد المعترض ويتوجه فارقاً (٥).
стр. 39
الفرع الثالث: أقسامها من حيث الصحة والفساد . وتنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: الفروق الصحيحة، وهي الفروق التي تتحقق فيها الشروط الآتية:
١ - أن يكون ما يُبْدَي من فرق معنى مناسباً للحكم، في إحدى الصورتين، مفقوداً في الصورة الأخرى (١). وقد ذكر الطوفي (ت ٧١٦ هـ) أن طريق النظر في الجمع والفرق بين الصور، هو أن يُنْظَرَ في الجامع والفارق، فيعتبر المناسب منهما، ويُلْغَى الطردي، بطريق تنقيح المناط (٢).
وقد نقل الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) (٣) عن كتاب (الفرق والجمع)
стр. 40
لنجم الدين المقدسي (ت ٦٣٨ هـ) (١) أنه إذا تمت المناسبة بشروطها فهذا الفرق الصحيح (٢).
ومثال ذلك التفريق بين الهبة والبيع، في مسألة حصول الغرر، فعندما يقول المستدل لا تجوز الهبة مع الغرر قياساً على البيع، يُعْتَرَضُ عليه بالفرق بينهما، لأن البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، بخلاف الهبة فإنها عقد فيه إكرام وإحسان محض، فلا يخل به الغرر، وكذلك أن الموهوب له، إذا لم يحصل على شيء، فلا يتضرر، بخلاف المشتري الذي يلحقه الضرر (٣).
٢ - تغليب الأنسب للحكم، إذا كان كلٌّ من الجامع والفارق مناسباً له. سواء كان الأنسب جامعاً أو فارقاً، فمثال الأنسب جامعاً ما ذكره
стр. 41
الطوفي (ت ٧١٦ هـ) بشأن قتل الأب ولده، إذ لا فرق في قتله بين أن يضربه بالسيف، أو يرميه بسهم، أو يذبحه. فإنه لا يقتل تغليباً للمعنى الجامع، وهو الإشفاق الوازع. وقد غلّب هذا المعنى المناسب على ما ورد عن مالك – ﵀ (ت ١٧٩ هـ) (١) في تفريقه بين القتل بالسيف والقتل بالذبح، فإنه رأى أن الذبح معنى مناسبٌ للقود، فيقاد به الأب، بخلاف القتل بالطرق الأخرى. ووجه التفريق والأرجحية عنده، هو أن القتل فيما سوى الذبح، يحتمل أنه أراد به ترويع ولده لتأديبه، فأفضى إلى القتل خطأ، بخلاف الذبح الذي لا يتحقق به معنى التأديب، فيجب القود – حينئذٍ – قياساً على الأجنبي، فرجّح مناسب القتل العمد العدوان، على مناسبة الإشفاق الوازع- بينما لم يعتد الجمهور بهذا الفرق واعتبروه وصفاً طردياً.
ومثال الأنسب فارقاً، في المسألة المتقدمة، أن يقال إن المعنى المناسب الجامع بين الأب والأجنبي أنهما قاتلان، فينبغي أن يقاد الأب بالولد، كما هو الأمر في الأجنبي، لاشتراكهما في العلة المناسبة. فيقال: وصف الأبوّة معنى مناسب لإسقاط القود، وهو أكثر
стр. 42
مناسبة من المعنى الجامع، وهو القتل، ووجه ذلك أن شفقة الأب تمنع من تعمد قتل الولد، بخلاف الأجنبي (١).
القسم الثاني: الفروق الفاسدة، وإلى جانب الفروق الصحيحة توجد فروق فاسدة، غير معتدّ بها عند العلماء، ولا تبنى عليها أحكام، وهي كثيرة نذكر بعضها فيما يأتي:
١ - الفرق بالأوصاف الطردية: والمقصود بالأوصاف الطردية التي لم يعلم كونها مناسبة ولا مستلزمة للمناسب (٢). وقيل أنها الأوصاف التي لم يلتفت إليها الشارع، فيما عهد في تصرفه، كالطول والقصر، في عموم الأحكام، والذكورية والأنوثية في باب العتق (٣). فلو قيل صحّ بيع الحبشي فيصح بيع التركي، فلو فرق بينهما بأن هذا أسود، وذاك أبيض، لكان تفريقاً باطلاً. قال في البحر المحيط:
(ولو فتح هذا الباب لم يتم قياس، لأنه ما من صورتين إلا وبينهما فرق) (٤).
ومما عدّ من الأوصاف الطردية قول الحنفي بشأن عدم افتقار الوضوء إلى النية، عنده، طهارة بالماء فلم تفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة. فيقول الفارق المعنى في الأصل أنها طهارة عينية والوضوء طهارة حكمية. فيصير الجامع طردياً (٥).
стр. 43
٢ - الفرق بوصف مصطلح على ردّه بين العلماء. كما لو قيل في الزاني المحصن، يجب رجمه قياساً على ماعز (١). فيعترض بالفرق بينهما، بأن الرجم في ماعز وجب تطهيراً له، وهذا المعنى معدوم فيما قيس عليه، لأن الرجم في عقوبة الزاني المقصود منها الزجر. فمثل هذا الفرق باطلٌ غير معتد به (٢)؛ لأن العلماء اصطلحوا على رد أن علة رجم ماعز هي التطهير.
٣ - الفرق يون الأصل مجمعاً عليه، والفرع مختلفاً فيه، ومثلوا لذلك بما لو قيل: إن الحاجة إلى وجوب الزكاة على البالغ أكثر منها على الصبي، لأنها مما اتفق عليه في البالغ، ومما اختلف فيه في الصبي، ولو كانت الصورتان متساويتين في المصلحة لكانتا متساويتين في الاجتماع وعدمه (٣).
٤ - الفرق بكون الأصل منصوصاً على حكمه، والفرع مختلفاً فيه، وهو قريب مما سبق. قال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ): (لو صح الفرق بذلك بطلت الأقيسة كلها) (٤).
٥ - الفرق بما هو نتيجة افتراق الأصل والفرع في الاجتماع والخلاف، ومثلوا لذلك بما إذا قاس الفقيه النبيذ المشتدّ على الخمر، فاعتُرِض عليه بالفرق بينهما في أنَّ مُستْحِلَّ الخمر كافرٌ ومُستحِلّ النبيذ لا يفسق.
стр. 44
قال إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ): (وهذا يرجع حاصله إلى أن تحريم الخمر متَّفق عليه ثابت من جهة الشرع قطعاً، ومنكر ذلك جاحدٌ للشرع، وتحريم النبيذ مختلف فيه) (١). ومثل ذلك أيضاً، قياس المستولدة على المدَبّرة، في نقض القضاء بالبيع، إذ اعترض بالفرق بينهما، وذلك لكون الحكم في الأصل ظاهراً، وفي الفرع مجتهداً فيه (٢).
الفرع الرابع: أقسامها من حيث تعين الأصل والفرع في العلّية والمانعية . وتنقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: تعين أصل القياس علة لحكمه، كقياس الشافعية الوضوء على التيمم في وجوب النية، بجامع أن كلاً منهما طهارة عن حدث، فيعترض الحنفي بالفرق بينهما، وهو أن وجوب النية في التيمم عائد إلى خصوصية التيمم في أنه طهارة بالتراب عن حدث، فافترقا (٣). وكقياس الحنفية الخارج النجس من غير السبيلين في نقض الوضوء، على الخارج النجس من السبيلين، فيعترض الشافعية بالفرق بينهما، بأن العلة هي خروج النجاسة من أحد السبيلين، لا مطلق خروجها.
القسم الثاني: تعيّن فرع القياس مانعاً من ثبوت حكم الأصل فيه، كقياس الحنفية المسلم على الذمي في وجوب القصاص عليه عند قتله الذمي، بجامع القتل العمد العدوان، فيعترض الشافعية على ذلك بالفرق بينهما؛ لأن الخصوصية في الفرع، وهي كونه مسلماً، مانعة من ثبوت
стр. 45
حكم الأصل فيه (١).
القسم الثالث: الجمع بين الأمرين السابقين، بأن يجعل المعترض تعين كل من الأصل والفرع مانعاً من ثبوت الحكم (٢). ويرى بعضهم أن الفرق لا يتحقق إلا بذلك، أي مجموع المعارضتين، وقد ضّعف ذلك المحققون، ولكن إذا كان المقصود من المعارضة في الفرع انتفاء خصوصية الأصل، وفي الأصل انتفاء خصوصية الفرع، وإن لم يتعرض لانتفائها عن الفرع في الأول، وعن الأصل في الثاني، فهو قريب. ولكن إذا كانت المعارضة في الفرع معناها إبداء مانع يقتضي نقيض الحكم، وفي الأصل إبداء شرط فيه، فهو بعيد، لأنه لا يلزم في إبداء شرط في الأصل التعرض لإبداء مانع في الفرع وعكسه (٣).
الفرع الخامس: أقسامها من حيث أقسام القياس . وتنقسم الفروق، من هذه الحيثية، بحسب ما ينقسم إليه القياس، إذ قد يكون قياس علة، وقد يكون قياس دلالة، وقد يكون قياس شبه.
القسم الأول: الفرق بقياس العلة: والفرق في هذا القياس، بعد استيفاء شروطه، يكون بمثل ما لو كانت العلة مبتدأة. فينظر الفارق إلى علة الأصل ويتكلم عليها، ومثلوا لذلك بما استدل به الشافعي على تعليق الطلاق قبل النكاح. أي أن المطلق، قبل النكاح لا يملك مباشرة التطليق، فلا يصح منه اللاق كالمجنون. فيفرّق الحنفي بينهما بأن المعنى في الأصل، أي المجنون، أنه غير مكلّف، وهذا مكلّف. فيتكلم الشافعية
стр. 46
عن ذلك بمقابلة علة الأصل بمثلها في الحكم، فيقولون لا فرق بين غير المكلف وغير المالك، بدليل البيع وغيره (١).
القسم الثاني: الفرق بقياس الدلالة. والفرق في هذه الحالة قد يكون بحكم، وقد يكون بنظير، ومما مثلوا له بالتفريق بالحكم أن يقول الحنفي في سجود التلاوة: سجود يجوز فعله في الصلاة فيكون واجباً كسجود الصلاة. فيقول الشافعيةُ في التفريق بينهما، إن المعنى في الأصل أنه سجود لا يجوز أداؤه على الراحلة من غير عذر، فهو كسجود النفل.
ومما مثلوا له بالتفريق بالنظير، أن يقول الشافعي في إيجاب الزكاة في مال الصبي: حرٌّ مسلم فتجب الزكاة في ماله كالبالغ. فيقول الحنفي في التفريق بينهما: إن البالغ يتعلق الحج بماله، فجاز أن تتعلق الزكاة بماله أيضاً، بخلاف الصبي (٢).
القسم الثالث: الفرق بقياس الشبه. ومثلوا لذلك بأن يقول الشافعية في عدم وجوب نفقة غير الوالد والولد، إن قرابتهما لا تجب بها النفقة مع اختلاف الدين، فلا تجب مع اتفاقه، كقرابة ابن العم. فيقول المعترض بالفرق بينهما، لأن الأصل، وهو قرابة ابن العم لا يتعلق بها تحريم المناكحة، وقرابة الفرع يتعلق به تحريم المناكحة، فهي كقرابة الولادة (٣).
ومن الملاحظ أن أبا الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ)، أدخل هذا القسم ضمن قسمين ذكرهما هما الفرق بعلة الحكم، والفرق بدلالة الحكم. والفرق بعلة الحكم عنده، هو كالفرق بقياس العلة المذكور سابقاً، أي إن
стр. 47
والفرق بعلة الحكم عنده، هو كالفرق بقياس العلة المذكور سابقاً، أي إن المعنى الذي يتعلق به الحكم في الشرع موجود في الأصل وليس موجوداً في الفرع، وذكر أمثلة له، بعضها في حالة الاتفاق ع لى علة الأصل، وبعضها في حالة الاختلاف عليها.
أما الفرق بدلالة الحكم فقد جعلها أربعة أضرب، هي:
١ - التفريق بين الفرع والأصل بحكم يختص بالفرع لا يفارقه.
٢ - أن يفرّق بنفس الحكم في غير موضع الخلاف.
٣ - أن يفرّق بحكم يشاكل الحكم المختلف فيه.
٤ - أن يفرّق بضرب من الشبه (١).
* * *
стр. 48
المطلب الثاني
شروط الفروق الفقهية
الشرط الأول: صلاحية الفرق للإخلال بثبوت الحكم.
الشرط الثاني: ذكر أصل يشهد له بالاعتبار.
الشرط الثالث: أن يكون الوصف الفارق أخص من الوصف الجامع.
الشرط الرابع: أن يرد إلى أصل.
الشرط الخامس: أن يعكس ذلك في الفرع.
стр. 49
المطلب الثاني
شروط الفروق الفقهية
لم يُفْرِد العلماء الذين تكلّموا عن الفروق الفقهية، شروطها ببحث خاص، بل كانت تَرِدُ عَرَضاً، أو ضمناً، خلال كلامهم عن الموضوع، بوجه عام. ويغلب على من ذكر ذلك عدم استقصاء هذه الشروط، وقد سبق لنا أن ذكرنا بعض هذه الشروط خلال كلامنا عن أقسام الشروط، وما قالوه عن الشروط الصحيحة والشروط الفاسدة. ونذكر فيما يأتي طائفة مما اطلعنا عليه في كلامهم عن ذلك. والمراد من الشرط في الاصطلاح (١): هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون خارجاً عن ماهيته، ولا يكون مؤثراً في وجوده (٢). أو هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم لذاته (٣). وفيما يأتي بعض هذه الشروط:
الشرط الأول: صلاحية الفرق للإخلال بثبوت الحكم، سواء كان بإبداء خصوصية في الأصل هي شرط فيه، أو خصوصية في الفرع هي مانع من ثبوت حكم الأصل فيه.
стр. 50
الشرط الثاني: ذِكْرُ أصل يَشْهَدُ للفرق بالاعتبار، حتى لو كان صالحاً للإخلال بثبوت الحكم، وذلك لأننا لا نعلم التفات الشارع إليه (١).
وهذا الشرط مما اختلف فيه العلماء، وبعض من اشترطه قال بوجوب ردّه إلى أصل، في جانبي الفرع والأصل جميعاً. وبعضهم أوجب ردّه إلى أصل في جانب الفرع دون الأصل، ولكلّ فريق أدلته.
الشرط الثالث: أن يكون الوصف الفارق أخص من الوصف الجامع، وهذا شرط أورده بعض العلماء. وعلَّلوا ذلك بأنه (لو كان أعم منه لكان جمع الجامع بالوصف الأخص مقدماً على فرق الفارق بالأعم، بل الأخص يتضمن الأعم) (٢).
الشرط الرابع: أن يُرد الفرق إلى أصل، وهو شرط أورده بعض العلماء أيضاً، وهؤلاء منهم من اشترط ذلك في رد علة الأصل إلى أصل، وعلة الفرع إلى أصل أيضاً (٣). ومنهم من قال إن علة الأصل لا تحتاج إلى أصل تُرَد إليه، ولكن علة الفرع محتاجة إلى ذلك (٤).
ورجح الرأي الأول أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ)، وعلل ذلك بقوله: (الدليل على ذلك أنه متى لم يُرَد كلٌ منهما إلى أصلٍ كان مدعياً في الأصل والفرع علتين واقفتين، ومسلماً لعلة المسؤول وهي متعدية والمتعدية أولى من الواقفة) (٥). ورجّح ابن عقيل (ت ٥١٣ هـ)، وأبو إسحاق
стр. 51
الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) الرأي الآخر القائل بأن علة الأصل لا تحتاج إلى أصل تُرَد إليه، أما علة الفرع فتحتاج إلى الرد إلى أصل (١). وعلل ابن عقيل (ت ٥١٣ هـ) ذلك، بأن حكم الأصل المقيس عليه ثبت بالنص، لا بالقياس، والعلة مستنبطة منه، بخلاف الفرع، فإن حكمه ثبت بغير النص (٢). ولم تر طائفة أخرى من الأصوليين اشتراط ذلك، ومنهم ابن القصّار (ت ٣٩٨ هـ) (٣).
الشرط الخامس: أن يعكس ذلك في الفرع: إذ اشترط بعض العلماء عند المعارضة بعلة الأصل، أن يعكس ذلك في الفرع، ليتبين ما يوجب الفرق بين الأصل والفرع، كأن يذكر معنىً في الأصل ويعكسه في الفرع. وخالفهم آخرون، وقالوا بعدم الحاجة إلى ذلك (٤). وقد خطأ أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ) هذا الرأي، وقال إنه غير صحيح، وعلل ذلك بقوله: (لأنه إذا لم يعكس في الفرع، لم يحصل الفرق، ولأنه إذا اقتصر على تعليل الأصل، ولم يعكس ذلك في الفرع، لم يَضُرَّ ذلك المستدل، لأنه إما أن يقول بالعكس على طريقة بعض أهل النظر، وإما أن يقول: علتك في الأصل لا تنافي ما ذكرت ...) (٥).
стр. 52
المبحث الثاني
نشأة الفروق الفقهية وتطورها
стр. 53
المبحث الثاني
نشأة الفروق الفقهية وتطورها
ليس لدينا ما نستطيع أن نحدد به على وجه قاطع، بداية صيرورة معرفة الفروق بين الفروع الفقهية، أو القواعد، علماً أو فناً متميزاً، ولكن طبيعة الموضوع تقتضي أن يكون نشوؤه مقارناً أو مقارباً لنشوء القواعد والضوابط الفقهية؛ إذ كما ينظر العالم إلى الفروع التي تتشابه في أحكامها، فإنه ينقدح عنده ذلك فيما يفارق غيره من الأحكام.
وقد وردت عن الشارع طائفة من الأحكام المختلفة لفروع قد تلتبس على الناس لما بينها من تشابه ظاهري، كالبيع والربا الذين اشتبه أمرهما على اليهود، فقالوا إنما البيع مثل الربا، لكن الشارع نص على التفرقة بينهما بقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (١).
وكما هو الشأن في بول الجارية وبول الصبي والتفريق بينهما بقوله ﷺ : "إنما يغسل من بول الجارية ويرشّ على بول الغلام" (٢).
وفي سنة رسول الله ﷺ نماذج كثيرة، فرّق فيها النبي ﷺ بين أمرين
стр. 54
"هي لك أو لأخيك أو للذئب" (١). وقوله في ضالة الإبل: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها" (٢). ففرّق بينهما بامتناع الإبل من صغار السباع، دون الغنم (٣).
وفرق ﷺ بين الشاب والشيخ الصائمين، بتجويز القبلة للشيخ دون الشاب، لوجود قوة الشبيبة ودافع الشهوة عند الشاب، دون الشيخ (٤). وقال في طعام تُصُدِّق به على بريرة (٥): "هو لها صدقة ولنا هدية" (٦). ففرّق بين الحكمين لاختلاف الجهتين (٧). وقال جواباً لمن سأله عن رجلين عَطَسا عنده، فشمّت أحدهما، دون الآخر: "إن هذا حمد الله، وإن هذا
стр. 55
عَطَسا عنده، فشمّت أحدهما، دون الآخر: "إن هذا حمد الله، وإن هذا لم يحمد الله" (١)، ومثل ذلك غير قليل في كلام النبي ﷺ وفي كلام السلف، وعلماء الأمة الكبار، الشيء الكثير من تلك الفروع، المتفقة في الصورة، والمختلفة في الحكم. كاستحباب الإمام مالك – ﵀ (ت ١٧٩ هـ) للمرضع أن تتخذ ثوباً للصلاة، وعدم استحبابه ذلك لذي الدمل والجرح (٢). وقوله بعدم إعادة مسح الرأس، إذا حلقه صاحبه، وبغسل رجليه، إذا نزع خفّيه، بعد أن مسح عليهما (٣). وقوله يتوضأ الجنب، إذا أراد النوم، ولا تتوضأ الحائض، مع أن كلا المانعين موجب للغسل (٤). وقوله: لا يجوز الخيار في النكاح ويجوز الخيار في البيع، مع أن كلاً منهما عقد معاوضة (٥). وقوله: إذا أخطأ الدليلُ كان له أُجرة، وإذا عطبت السفينة لم يستحق الأجرة (٦).
стр. 56
وكقول أبي حنيفة – ﵀ (ت ١٥٠ هـ) (١): إذا خرج الدود من أحد السبيلين ينتقض الوضوء، وإن خرج من الجرح لم ينتقض (٢). وقول محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) (٣) في النوادر: إذا نزل الدم إلى قصبة الأنف انتقض وضوؤه، وإذا وقع البول في قصبة الذكر لم ينتقض (٤). وقوله في الأصل: إذا نقب البيت، وأدخل يده، وأخرج
стр. 57
المتاع، وذهب، لم يقطع، ولو شق الجوالِق (١)، وأدخل يده، وأخرج المتاع قطع (٢).
ومثل ذلك يقال عن سائر الأئمة ممن لم نذكرهم، والأمثلة على ذلك كثيرة سواء كانت من منصوصات الأئمة، أو مما خُرّج لهم بأي وجه من وجوه التخريج.
فمثل هذه الصور المتشابهة، ذات الأحكام المختلفة، أوجدت الحاجة إلى بيان الفروق بين المسائل، توضيحاً وكشفاً عن معانيها، ودفعاً للالتباس وما قد يساور بعضهم من وجود التناقض بين فتاوى العلماء، ومما ساعد على ذلك أمران:
الأمر الأول: ما ظهر من نقد للقياس في الأحكام الشرعية، والقول أن القياس أساسه الجمع بين المتشابهات، والتفريق بين المختلفات، وهذا الأمر غير متحقق في الأحكام الشرعية، لأن الأحكام الشرعية والفقهية، في أحيان متعددة، تفرّق بين المتشابهات، وتجمع بين المتفرقات، فكان التنبيه على الفروق لبيان أن عدم إعطاء المتشابهات حكماً واحداً بالقياس، يعود إلى أن التشابه ظاهري يقابله اختلاف وفروق أوجبت اختلاف الحكم.
والأمر الثاني: هو ضد الأمر السابق، وكأنه للتنبيه على الفروق بين المسائل، منعاً لقياس بعضها على بعض، وإعطائها حكماً واحداً، فيكون ذلك قياساً مع الفارق.
غير أن إظهار الفروق بين الفروع الفقهية المتشابهة في الصورة والمختلفة في الأحكام كان في مجال الدرس، وفي مجال المناظرات والجدل، ولم
стр. 58
يعرف طريقه إلى التدوين.
وحين نشطت حركة التدوين في الفقه، وظهرت المباحث المفردة ذات الموضوع الواحد واتجه العلماء إلى التأصيل واستنباط القواعد، كانت الظروف مهيئة للتدوين في الفروق.
وذكر بعض الباحثين أن محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) هو أوّل من ألّف في الفروق في الفقه الإسلامي، وقال: (ونجد ذلك واضحاً في كتابه (الجامع الكبير) حيث كان أسلوبه ونهجه وطريقة عرضه للمسائل كلها تظهر الفرق بين المسألتين المتشابهتين، مما لا يدع مجالاً للشك أو اللبس) (١).
وفي الحق أن في هذا الكلام نوعاً من المبالغة، فكتاب محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ) المذكور في الفقه بعامة، وليس خاصاً بالفروق، وتنبيهاته إلى الفروق، في بعض المسائل، كان يأتي عند عرض أمثال تلك المسائل، وهي محدودة في نطاق الفقه الواسع، وقد عاصره الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) (٢)، ومالك (ت ١٧٩ هـ) – رحمهما الله – وهما ممن نُقل
стр. 59
عنهما فقه كثير وفيه تنبيهات على طائفة من الفروق، كما هو الشأن في كتب محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ). إن المقصود من الكلام عن الفروق هنا، هو الكلام عن الفروق، على أنها عَلَمٌ على عِلْمٍ أو فن خاص، وعلى التدوين في ذلك استقلالاً، سواء كان منفرداً، أو ضمن متون أخرى. ويعزو ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) (١) الاهتمام بالفروق إلى نشوء المذاهب، وصيرورة كلّ مذهب علماً مخصوصاً، الأمر الذي جعل العلماء في حاجة إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه، مما يُحتاجُ معه إلى ملكة راسخة، يُقْتَدَرُ بها على التنظير والتفرقة (٢).
وعلى هذا فإنه من المستبعد أن ينشأ التأليف في الفروق، قبل ذلك.
стр. 60
إن الذي يبدو، من خلال النظر في المؤلفات في هذا العلم، أن القرن الرابع الهجري كان بداية للتدوين في هذا المجال، سواء كان على سبيل الانفراد، أو على سبيل دخوله ضمن باب أوسع. ففي هذا القرن ذكرت طائفة من المؤلفات، نذكر منها:
١ - الفروق لأبي العباس أحمد بن عمر بن سريج الشافعي المتوفي سنة (٣٠٦ هـ) (١).
٢ - المسكت للزبير بن أحمد بن سليمان الشافعي، المتوفي سنة (٣١٧ هـ) (٢).
стр. 61
٣ - الفروق لأبي الفضل محمد بن صالح الكرابيسي الحنفي المتوفي سنة (٣٢٢ هـ) (١).
وقد ذكرت إلى جانب ما تقدم كتب أُخرى، على سبيل التوهم أو الخطأ، نذكر منها:
١ - كتاب (الفروق) لأبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي المتوفي سنة (٣٢٠ هـ) (٢).
٢ - كتاب (المطارحات) الذي نسبوه خطأ إلى أحمد بن محمد البغدادي المعروف بابن القطان المتوفي سنة (٣٥٩ هـ) (٣).
стр. 62
أما كتاب الحكيم الترمذي (ت ٣٢٠ هـ) فلم يتضح لنا وجه في عدة من المؤلفات في الفروق الفقهية، بل هو في مجال آخر. لقد ذكره صاحب كشف الظنون (١) وأحال في معلومته عنه إلى كتاب طبقات الشافعية الكبرى للإمام ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) (٢)، الذي قال عنه في ترجمته له (ومن تصانيف الترمذي (ت ٣٢٠ هـ)، كتاب الفروق لا بأس به، بل ليس في بابه مثله، يفرق فيه بين المداراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة، والمناظرة والمغالبة، والانتصار والانتقام، وهلم جرّا من أمور متقاربة المعنى) (٣). ومثل هذا الوصف، يبعد هذا الكتاب عن المجال الذي نتحدث عنه.
стр. 63
وأما كتاب المطارحات فقد نسبوه إلى أحمد البغدادي المعروف بابن القطان المتوفي سنة (٣٥٩ هـ) ويبدو أن هؤلاء قد وقعوا في الوهم؛ لأن الكتاب المذكور هو لأبي عبد الله الحسين بن محمد القطان (١)، الذي ترجم له ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) فيمن توفي بين الأربعمائة والخمسمائة (٢)، فهو غير داخل في الفترة التاريخية التي نتحدث عنها، وعلى الرغم من ذلك فإن كتاب (المطارحات) ليس في الفروق الفقهية، بل هو في فنٍّ آخر يتصل بالألغاز وامتحان المسؤول وإحراجه. قال عنه الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) (٣) (إنه تصنيف لطيف، وضع للامتحان، ولهذا لقب بالمطارحات) (٤). وقد يقال إن المطالبة ببيان
стр. 64
الفروق ربما كانت من مجالات الامتحان والألغاز، ولكن المنهج الذي اتبع في الكتاب، كما يتضح مما عرضه ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) في ترجمة المؤلف (١)، وما بينه صاحب كشف الظنون (٢)، ليس كمنهج الكتب المعهودة في الفروق، وأياً ما كان الأمر، فإن الكتاب ليس داخلاً، كما ذكرنا، في الفترة التاريخية التي نتحدث عنها ويبقى بعد ذلك، الحديث عن الكتب الثلاثة التي ذكرناها أولاً، وهي كتاب الفروق لابن سُريج (ت ٣٠٦ هـ) وكتاب المسكت للزبير بن أحمد (ت ٣١٧ هـ)، وكتاب الفروق لمحمد بن صالح الكرابيسي (ت ٣٢٢ هـ).
أما كتاب (الفروق) لأبي العباس ابن سُرَيج (ت ٣٠٦ هـ)، فقد ذكره صاحب كشف الظنون باسم (الفروق في فروع الشافعية)، وقال إنه مشتمل على أجوبة عن أسئلة متعلقة بمختصر المزني (٣). وما قاله معلومات غير كافية للحكم على طبيعة الكتاب. وأكثر من ترجم لابن سُرَيج، لم يذكروا الكتاب، وإن كانوا قد ذكروا كثرة مؤلفاته، وأنها
стр. 65
أربعمائة مصنف ولكنها كانت غير منتشرة، وعزيزة الوجود حتى في زمن ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) (١).
وأما كتاب (المسكت) للزبير بن أحمد الشافعي المتوفي سنة (٣١٧ هـ)، فقد ذكره بعض من ترجم له، كابن السبكي (ت ٧٧١ هـ)، والأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) (٢)، وليس في كلامهم ما يدل على أنه في الفروق بخاصة، بل كلامهم ينعته بأنه كالألغاز. قال الأسنوي: هو كالألغاز وكتاب غريب اختصره بعض الفضلاء) (٣)، ونقل ذلك عنه صاحب كشف الظنون (٤)، وقال ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ): (والمسكت كالألغاز قليل الوجود) (٥). وما نقله ابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) عن الكتاب لا يعطى تصوراً واضحاً عنه (٦). فما نقله عنه مسألة فيها فرق، وكلام آخر طويل ليس فيه شيء من ذلك.
стр. 66
وما نقله محقق إيضاح الدلائل عن مطالع الدقائق للأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) (١). لا يكفي في الحكم على أنه كتاب في الفروق، فالقول بأنه اشتمل على فروق، وعلى فنون أخرى، وصف مبهم ينطبق على كثير من الكتب التي ليست في الفروق، على أن الأسنوي (ت ٧٧٢ هـ) نفسه نعته في الطبقات بما يشبه أنه في الألغاز (٢).
وأما كتاب الفروق لأبي الفضل محمد بن صالح الكرابيسي (ت ٣٢٢ هـ)، فقد ذكر بأن مصنفة رتبه على أبواب الفقه (مورداً في كل باب طائفة من المسائل المتشابهة، موضحاً الفرق بين كل مسألتين متشابهتين منها، بأسلوب سهل وعبارة واضحة) (٣).
وبعد هذه الفترة، أي القرن الرابع، كثرت المؤلفات في الفروق الفقهية، وحظي هذا العلم، أو الفن باهتمام العلم والمؤلفين. وقد وجدنا أن من العلماء من أفرد هذا الموضوع بكتاب خاص، ومنهم من أدخله في ضمن مجموعة من العلوم والفنون.
على أنه مهما يكن الأمر، فإن هذه الكتب تشهد لميلاد إفراد التأليف في الفروق الفقهية، في القرن الرابع الهجري. ومما يقوي ذلك أن
стр. 67
أبا محمد عبد الله بن يوسف الجويني المتوفي سنة (٤٣٨ هـ) (١)، ذكر في مقدمة كتابه (الفروق) أنه رأى لبعض مشايخه المتقدمين، مجموعاً في هذا الباب، لكنه قال إنه كان مشتملاً على مسائل معدودة قليلة، ولا يكاد يحصل مقصود هذا الباب إلا بالزيادة على ما جمع المتقدمون.
وليس لدينا تصور واضح وأكيد، عن ظهور التأليف في هذا المجال، أي الفروق في الفقه، قبل القرن الرابع الهجري. وما يذر من أسماء لبعض الكتب، ربما كان في ميادين أُخَر، فضلاً عن أنه من الصعب أن يحكم عليها من العناوين.
ويظهر من استقراء المؤلفات في هذا الموضوع أن القرن الخامس الهجري كان العصر الذهبي لهذا العلم، ففيه ظهرت أبرز المؤلفات في هذا المجال، كما كان العصر الذهبي لهذا العلم، ففيه ظهرت أبرز المؤلفات في هذا المجال، كما كان عدد المؤلفات فيه أكثر من أي عصر آخر. ويليه في ذلك القرنان السابع والثامن.
وبعد ذلك أخذ التأليف في الفروق الفقهية بالضمور، وقلت المؤلفات التي تناولت موضوعه، واعتمد العلماء على مؤلفات السابقين. ولم نعلم في القرن العاشر كتاباً يتناول هذا الموضوع، بانفراد، غير كتاب (عدة
стр. 68
البروق) لأبي العباس الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) (١). ثم لم نعلم بعد ذلك، شيئاً غير مؤلفات قليلة، مجهولة المؤلف، وغير واضحة في زمن تأليفها، مما لا يفيدنا في الحكم على فترات التأليف. ولكننا نذكر هنا أن موضوع الفروق الفقهية لم يهمل كليّاً، فقد ذكرت الفروق في ضمن الكتب المؤلفة في القواعد، أو الأشباه والنظائر، كما هو الشأن في كتابي الأشباه والنظائر لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، والأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) (٢). وما جاء من المؤلفات في القواعد أو شروحها كان عيالاً عليهما، في الغالب.
وفي العصر الحاضر ظهر اتجاه إلى استخراج الفروق الفقهية الواردة، تبعاً في كتب الفقه سواء كان باستخراج الفروق من كتاب معين، أو باستخراج الفروق، عند أحد العلماء، من خلال النظر في مؤلفاته، كما سنذكر ذلك فيما بعد.
стр. 69
المبحث الثالث
المؤلفات في الفروق الفقهية
المطلب الأول: المؤلفات في الفروق الفقهية استقلالاً.
المطلب الثاني: المؤلفات في الفرق والاستثناء.
المطلب الثالث: المؤلفات في مسألة واحدة، أو مسائل محدودة.
المطلب الرابع: المؤلفات التي تناولت الفروق الفقهية تبعاً.
المطلب الخامس: المؤلفات المعاصرة.
الخاتمة:
стр. 70
المبحث الثالث
المؤلفات في الفروق الفقهية
من الملاحظ أن الكتب المؤلفة من الفروق الفقهية، قد اتخذت صوراً عدة، وتنوعت مناهجها في عرض ما تذكره من الفروق، ومن الممكن بعد استقراء ما اطلعنا عليه من الكتب المؤلفة في ذلك، أن نذكر أن المؤلفات في الفروق بين الفروع الفقهية، قد اتخذت الصور الآتية:
١ - أنها جميعاً اتفقت في تناولها الكلام عن الفروع الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الأحكام. سواء كان ذلك بالاقتصار على ذكر الفرق، أو إضافة ذكر الجامع إليه، ولهذا فإن الكثير من الكتب الداخلة في هذا المجال تحمل عناوينها اسم الفرق والجمع، وهما أمران متصلان غير منفكين في هذا الموضوع.
٢ - اتبعت هذه الكتب، في عرضها للفروق- بحسب ما اطلعنا عليه- ترتيب ذلك وفق الأبواب الفقهية، بدءً بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم ما يلي ذلك، بحسب مناهج ترتيبها في كتب الفقه.
٣ على الرغم من اتفاق هذه الكتب في الموضوع الذي تناوله، لكنها تنوعت صور تناولها لهذا الموضوع، ومن الممكن أن نلحظ في ذلك المناهج الآتية:
أ- منهج ذكر الفروع الفقهية المتشابهة في الصورة، والمختلفة في الحكم، مع بيان الفرق بينها، دون التعرض إلى أكثر من ذلك، إلا نادراً، سواء كانت تلك الفروع من باب واحد، أو من بابين أو أكثر من أبواب
стр. 71
الفقه، كما هو الشأن في كتاب (الفروق) لأسعد بن محمد النيسابوري الكرابيسي (ت ٥٧٠ هـ) (١)، وعدة البروق لأبي العباس أحمد الونشريسي المتوفي سنة (٩١٤ هـ)، والفروق الفقهية لأبي الفضل مسلم بن علي الدمشقي المتوفي في القرن الخامس الهجري (٢). وإيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل لعبد الرحيم الزريراني المتوفي سنة (٧٤١ هـ) (٣)، وغيرها. وكان المؤلفون – في
стр. 72
الغالب- يطلقون على مؤلفاتهم عنوان (الفروق)، وربما أطلق عليها بعضهم عنوان (النظائر).
ومن الملاحظ أن أكثر هؤلاء تعرضاً للجامع هو أبو الفضل الدمشقي، مع صغر حجم كتابه (١).
ب- ذكر الفروق بعد التعرّض إلى قواعد وضوابط الباب الفقهي، ثم ذكر ما يستثنى من الدخول في تلك الضوابط والقواعد، ولا يتعرض إلى بيان وجه الفرق إلا في مسائل محدودة من ذلك. يوردها على هيئة اعتراض وجواب. والكتب المؤلفة وفق هذا المنهج يرد في عنوانها ذكر الفرق والاستثناء، كما في كتاب الاستغناء في الفرق والاستثناء لبدر الدين البكري (ت؟) (٢)، وأحياناً لا يرد الفرق في عنوانها، ككتاب المناقضات في الحصر والاستثناء لأحمد بن الحسين الفنّاكي المتوفي سنة (٤٤٨ هـ) (٣). ويبدو أن تسمية هذا النوع بالحصر والاستثناء
стр. 73
أقرب إلى تصوير واقع ما هو موجود في كتاب الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (ت؟)، لأنها كانت تذكر ما هو حاصرٌ للفروع الفقهية في مجال معين كالضوابط والقواعد الخاصة، عند بدء الكلام، ثم تذكر ما يستثني منها.
أما الفروق فكان التعرّض إليها، كما سبق الكلام، غير كثير، والذي نقصده من ذلك هو بيان وجه الفرق أو علله وأسبابه، وإلا فإن الاستثناء نفسه يعني الاختلاف، وافتراق ما استثنى عما استثني منه في الحكم.
ج- منهج الاقتصار على بيان الفروق في مسألة معينة، أو عدد محدود من المسائل، في رسائل صغيرة.
د- منهج تناول الفروق بين المسائل، لا على وجه الاستقلال في التأليف، بل في ضمن كتب أخرى، معدودة من المؤلفات في القواعد الفقهية.
وسنذكر فيما يأتي ما اطلعنا عليه من التأليف، وفقاً لهذه المناهج.،
стр. 74
المطلب الأول
المؤلفات في الفروق الفقهية استقلالاً
وفي هذه المؤلفات ذكرت الفروع الفقهية المتشابهة في الصورة والمختلفة في الأحكام، ويغلب أن يكون ذلك بين صورتين متشابهتين، مختلفتين في الحكم، كالتفريق بين إلزام المرأة بالتلبية، وعدم إلزامها بالإقامة (١). وكالتفريق بين جواز التنفل قاعداً، وعدم جوازه مضطجعاً (٢)، وكالتفريق بين انعقاد نكاح الصبي، وبيعه، وعدم انعقاد طلاقه وعتقه (٣)، والتفريق بين صحة بيع صبرة لم ير المشتري باطنها، وعدم صحة بيع ثوب لم يُرَ باطنه (٤)، والتفريق بين صحة الوضوء للصلاة، قبل دخول وقتها، وعدم صحة ذلك في التيمم (٥).
ومن المؤلفات التي ذكرت في هذا المجال (٦):
стр. 75
١ - الفروق لأبي العباس أحمد بن سريج الشافعي المتوفي سنة (٣٠٦ هـ). وقد سبق الكلام عنه، عند الكلام عن نشأة الفروق وتطورها.
٢ - الفروق لأبي الفضل محمد بن صالح الكرابيسي الحنفي المتوفي سنة (٣٢٢ هـ) (١) وهو كسابقه، مما تقدم ذكره في الحديث عن نشأة الفروق وتطورها.
٣ - فروق مسائل مشتبهة في المذهب، لأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الكناني المالكي المعروف بابن الكاتب. المتوفي سنة (٤٠٨ هـ) (٢).
وقد ذكر محققاً الفروق الفقهية لأبي الفضل مسلم الدمشقي