← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 16879

التوكل

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتاب التوكل تأليف القاضي أبي يعلي محمد بن الحسين الفراء الحنبلي (٣٨٠ هـ - ٤٥٨ هـ) - رحمه الله تعالى - حققه وعلق عليه د. يوسف بن علي الطريف أستاذ العقيدة المشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم دار الميمان

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

كِتابُ التَّوَكُّلِ

стр. 4

(ح) دَار الميمان للنشر والتوزيع، ١٤٣٤ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الْحَنْبَلِيّ، القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد الْحُسَيْن الْفراء كتاب التَّوَكُّل/ القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد الْحُسَيْن الْفراء الْحَنْبَلِيّ؛ يُوسُف عَليّ عبد الله الطريف - الرياض ١٤٣٤ هـ ١٠٦ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ١ - ٤٣ - ٨١٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - أَبُو يعلى، مُحَمَّد بن الْحُسَيْن، ت ٤٥٨ هـ ٢ - التَّوَكُّل ٣ - الْإِيمَان (الْإِسْلَام) أ. الطريف، يُوسُف عَليّ عبد الله (مُحَقّق) ب. العنوان ديوي ٢٤٠ ... ٢٥٨٣/ ١٤٣٤ رقم الْإِيدَاع: ٢٥٨٣/ ١٤٣٤ ردمك: ١ - ٤٣ - ٨١٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ جَمِيع حُقُوق الطَّبْع والنشر مَحْفُوظَة لدار الميمان للنشر والتوزيع، وَلَا يجوز طبع أَي جُزْء من الْكتاب أَو تَرْجَمته لأي لُغَة أَو نَقله أَو حفظه ونسخه على أَيَّة هَيْئَة أَو نظام إلكتروني أَو على الإنترنت دون مُوَافقَة كِتَابِيَّة من الناشر إِلَّا فِي حالات الإقتباس المحدودة بغرض الدراسة مَعَ وجوب ذكر الْمصدر. جرى تنضيد الْكتاب وتجهيزه للطباعة باستخدام برنامج أدوبي إنديزاين، وإدراج الْآيَات القرآنية بالرسم العثماني وفقًا لطبعة مجمع الْملك فَهد الْأَخِيرَة باستخدام برنامج "مصحف النشر للإنديزاين" الإصدار: (مُتَعَدد الرِّوَايَات) وَهِي أَدَاة برمجية (plug-ins) مطورة بِوَاسِطَة شركَة الدَّار الْعَرَبيَّة لتقنية المعلومات www.arabia-it.com الرائدة فِي مجَال البرمجيات الْمُتَقَدّمَة لخدمة التراث الإسلامي. الصُّور مرخصة قانونيًا من www.shutterstouk.com المخطوط وتصميم الغلاف: دَار الميمان للنشر والتوزيع الطبعة الأولى ١٤٣٥ هجري - ٢٠١٤ م دَار الميمان للنشر والتوزيع الْبَرِيد الإلكتروني: info@daralmaiman.com موقعنا على الإنترنت: www.daralmaiman.com تابعنا على تويتر: DarAlMaiman@ هَاتِف: ٩٩٦١١٤٦٢٧٣٣٦ + فاكس: ٩٦٦١١٤٦١٢١٦٣ + جوال: ٩٦٦٥٠٠٠٠٤٥٦٨ + ص. ب: ٩٠٠٢٠ الرياض ١١٦١٣

стр. 5

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلي آله. أما بعد: فيعيش كثير من الناس في هذا الزمن وقد توافرت لهم أصناف النعم، وتوالت عليهم أنواع الخيرات، وتقلبوا في آلاء الله المختلفة، غير أن كثيرًا منهم ينشد راحة النفس وطمأنينة القلب، فلا يجد مطلوبه فيما فيه من النعم، لما يكتنفها من المصائب والمحن ... وقد تكفَّل الله جل وعلا بالطمانينة والسعادة والحياة الطيبة في الدنيا؛ لمن آمن وعمل صالحًا، وحقق معاني العبودية لربه تعالى. وإن من أعظم مقامات العبودية لله تعالى صدقَ التوكل عليه، فالتوكل عبادة تقوم بقلب المؤمن، إنه تعلقٌ بالله جل وعلا، وتفويضُ الأمر له سبحانه، وبراءة النفس من الحول والقوة إلا بربها سبحانه ... وقد ورد في كتاب الله تعالى آيات كثيرة، وجاء في سنة المصطفى ﷺ أحاديث عديدة، تدل على شرف مقام التوكل، وعظيم منزلته من بين أعمال القلوب، وذلك لأن من حقق التوكل على الله فقد استكمل الإيمان، وهذا معنى قول ابن عباس ﵁ وغيره من السلف: (التوكل جماع الإيمان). وقول الفضيل بن عياض ﵀ وغيره: (التوكل قوام العبادة).

стр. 6

ومع عظم عبادة التوكل على الله تعالى، وعلو مقامها عند الله؛ إلا أن كثيرًا من المسلمين غفلوا عنها، واعتمدوا على الأسباب المادية وحدها في تحقيق مطالبهم والسعي في تحصيل معايشهم؛ خاصة في هذا الزمن الذي طغت فيه المادة، وفشا فيه الألحاد بكل صوره ... وقسم آخر من المسلمين ضلوا في هذا المقام، فظنوا أن التوكل لا يمكن تحقيقه إلا بترك الأسباب، واعتقدوا أن فعل الأسباب يناقض التوكل على الله تعالى وهذا ظاهر في كثير من المتصوفة، خاصة المتقدمين منهم ممن عاش في المائة الرابعة وهلم جرًّا. ولذا كتب كثير من العلماء مؤلفات خاصة في مقام التوكل، منهم: الحافظ عبد الله بن محمد، ابن أبي الدنيا (ت ٢١٨ هـ) والشيخ أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) والإمام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وغيرهم، رحمة الله عليهم. ويضاف إليها كتاب: التوكل للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، المتوفى سنة (٤٥٨ هـ) ﵀. وقد وجدتُ - بحمد الله - نسخة خطية لهذا الكتاب، فاستعنتُ بالله على خدمته، دراسةً وتحقيقًا. وذلك للأسباب التالية: ١ - أهمية هذا الكتاب، فموضوعه في مقام من أهم مقامات العبودية لله تعالى؛ ألا وهو التوكل على الله جل وعلا، والذي ضل فيه كثير من المسلمين. ٢ - أن هذا الكتاب لا يزال مخطوطًا، وبتتبعي لفهارس الكتب المطبوعة،

стр. 7

ولأبرز فهارس المكتبات في العالم؛ تبين لي أنه لم يطبع من قبل (١). ٣ - قلة الكتب الأثرية المطبوعة في موضوع التوكل، التي ألفها الأئمة السابقون. ٤ - خدمة التراث الإسلامي، والإسهام باداء الواجب نحو الأرث العلمي الذي تركه لنا علماء الإسلام عبر القرون. خطة البحث: اشتملت خطة المبحث على ما يأتي: المقدمة: وتتضمن: سبب اختيار المبحث، وخطة المبحث، ومنهجي في التحقيق. القسم الأول: الدراسة؛ وتتضمن مبحثين: المبحث الأول: ترجمة المؤلف. أولًا: نسبه ومولده وحياته العلمية. ثانيًا: شيوخه، وتلاميذه. ثالثًا: مؤلفاته، وأقوال العلماء فيه، ووفاته. المبحث الثاني: دراسة الكتاب.

стр. 8

وفيه مطلبان: المطلب الأول: التعريف بالنسخة المخطوطة، وفيه: ١ - مصدر المخطوطة. ٢ - اسم الناسخ. ٣ - التعريف بالخط. ٤ - حالة النسخة. ٥ - عدد الصفحات والأسطر. ٦ - نماذج مصورة من المخطوط. المطلب الثاني: التعريف بالكتاب، وفيه: ١ - تحقيق اسم الكتاب، توثيق نسبته إلى المؤلف. ٢ - موضوع الكتاب. ٣ - منهج المؤلف، وموارده في هذا الكتاب. ٤ - تقويم الكتاب. ٥ - من المآخذ على الكتاب. القسم الثاني: تحقيق الكتاب. الفهارس، وهي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية.

стр. 9

٣ - فهرس الآثار المروية عن السلف. ٤ - فهرس الأعلام المترجم لهم. ٥ - ثبت المصادر والمراجع. ٦ - فهرس الموضوعات. منهجي في التحقيق: لم يتوفر لدي من هذا الكتاب إلا نسخة خطية واحدة، لكنها بحمد الله جيدة مقروءة خالية من الخلل، كما سيأتي وصفها قريبًا. أولًا: كتابة النص: ١ - كتابة النص على الطريقة الإملائية الحديثة، دون الإشارة إلى الفوارق في ذلك. ٢ - الإشارة إلى نهاية كل لوحة من المخطوط بوضع خط مائل في النص هكذا: والإشارة أمامه في الهامش إلى رقم اللوحة والوجه. ٣ - الإلتزام بعلامات الترقيم، وضبط ما يحتاج إلى ضبط. ٤ - التزمت بذكر الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كما ذكره المؤلف؛ لأن ناسخ المخطوطة قد يهمل ذلك أحيانًا، أو يكتفي بقوله: صلى الله عليه. ٥ - وضعت ترقيمًا للتقسيمات التي قد يذكرها المؤلف تسهيلًا على القارئ. ثانيًا: التخريج والعزو: ١ - عزو الآيات القرآنية الواردة في الكتاب؛ بذكر اسم السورة ورقم الآية

стр. 10

بين معقوفتين في المتن، وكتابتها بالرسم العثماني. ٢ - تخريج الأحاديث النبوية؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكفي بالعزو إليهما، إليهما وإلا فإني أخرِّجه من بقية الكتب الستة ومسند الإِمام أحمد، إن كان ثمَّ، وإلا توسعت في ذلك حسب الحاجة، مع ذكر حكم أهل العلم عليه صحةً وضعفًا. ٣ - تخريج الآثار من مصادرها. ٤ - توثيق الأقوال التي ينقلها المؤلف من مصادرها. ٥ - ترجمة الأعلام غير المشهورين. ٦ - شرح الألفاظ الغريبة. ٧ - التعليق على ما يحتاج إلى تعليق. والله الموفق، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله.

стр. 11

القسم الأول الدراسة المبحث الأول: ترجمة المؤلف. المبحث الثاني: دراسة الكتاب.

стр. 12

المبحث الأول ترجمة المؤلف أولًا: نسبه ومولده وحياته العلمية . هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، أبو يعلى، الفراء، البغدادي الحنبلي، و (الفراء) نسبة إلى خياطة الفرو وبيعه (١). ولد القاضي أبو يعلى سنة ٣٨٠ هـ. كان أبوه من أعيان الحنفية، فلما مات كان لأبي يعلى عشرة أعوام، فلقَّنه مقرئه العبادات من مختصر الخرقي، فلذَّ له الفقه، وتحول إلى حلقة أبي عبد الله بن حامد شيخ الحنابلة، فصحبه أعوامًا، حتَّى برع في الفقه عنده، فتصدر بأمره للإفادة سنة ٤٠٢ هـ ورحل في الطلب، فسمع بمكة، ودمشق، وحلب، وغيرها من البلاد، ثم ولي أبو يعلى القضاء بدار الخلافة. وتلا بالقراءات العشر، وكان ذا تعبد وتهجد، وأحب التأليف، فأفاد وأجاد، وأفتى ودرس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، والنظر والأصول (٢).

стр. 13

ثانيا: شيوخه، وتلاميذه . ذُكر لأبي يعلى جملةً من الشيوخ؛ أبرزهم: - أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي (ت ٤٠٣ هـ). - الحسين بن أحمد، المعروف بابن البغدادي. - عبيد الله بن عثمان المعروف بابن جنيقا. - علي بن أحمد المقرن، ابن الحمامي. ومن تلاميذ القاضي أبي يعلى: - الحافظ أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد، (ت ٤٦٣ هـ). - أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي، (ت ٥١٣ هـ). - أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، (ت ٥١٠ هـ). - ابنه، أبو الحسين محمد بن محمد، القاضي، صاحب الطبقات، (ت ٥٢٦ هـ). ثالثًا: مؤلفاته ، وأقوال العلماء فيه، ووفاته. كان المؤلف القاضي أبو يعلى ﵀ ممن اعتنى بالتأليف والإشتغال بالكتابة، فخلف كتبًا كثيرةً، في فنون العلم المتنوعة. لكن -وللأسف- أكثرها في عداد المفقود.

стр. 14

فمن كتب المؤلف: في العقيدة: (مسائل الإيمان) و (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) وهما مطبوعان (١). وللمؤلف كتب في العقيدة لم تر النور بعد؛ منها: (المعتمد في أصول الدين) و (عيون المسائل) و (الرد على الباطنية) و (الرد على المجسمة) و (مختصر إبطال التاويلات) و (القطع على خلود الكفار في النار) و (أربع مقدمات في أصول الديانات) و (إثبات إمامة الخلفاء الأربعة) و (إيضاح البيان في مسائل القرآن) (٢). وله كتب في الفقه وأصوله طبع الكثبر منها. ومن أقوال العلماء فيه ﵀ -: - قال تلميذُه الحافظ الخطيب البغدادي: كان أحد الفقهاء الحنابلة، وله تصانيف على مذهب أحمد بن حنبل، درس وأفتى سنين كثيرة ... كتبنا عنه وكان ثقةً (٣). - قال الحافظ ابن الجوزي: جمع الأمامة في الفقه، والصدق، وحسن الخلق، والتعبد والتقشف والخشوع، وحسن السمت، والصمت عما لا يعني، واتباع السلف (٤).

стр. 15

- قال الحافظ الذهبي: انتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه ... وكان ذا عبادة وتهجد، وملازمة للتصنيف، مع الجلال والمهابة ... وكان متعففًا، كبير القدر، ثخين الورع .... (١). - وقال الحافظ ابن كثير: شيخ الحنابلة، وممهِّد مذهبهم في الفروع (٢). - وقال ابن العماد الحنبلي: صاحب التصانيف وفقيه العصر، كان إمامًا لا يُدرك قراره ولا يُشق غباره (٣). هذا شيء من ثناء العلماء على القاضي أبي يعلى ﵀، ومن يطالع كتب الحنابلة في الفقه وأصوله؛ يتبين له ما للقاضي أبي يعلى من الأثر الكبير على الحركة الفقهية في التاريخ، فله إسهامات واجتهادات أفاد العلماءُ منها بعده. ومع هذه المنزلة الكبيرة للمؤلف إلا أن بعض العلماء انتقده من جهة روايته للأحاديث الواهية في كتبه، وكذلك تردده في بعض المسائل العقدية، كمسألة الصفات التي اضطرب في إثبات بعضها فخالف مذهب السلف. قال الحافظ الذهبي عن القاضي أبي يعلى: ولم تكن له يدٌ طولى في معرفة الحديث، فربما احتج بالواهي (٤). ويقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: ممن سمع الأحاديث والآثار، وعظم مذهب السلف؛ لكنه شارك المتكلمين في بعض أصولهم، ولم يكن له خبرة بالقرآن والحديث والآثار؛ ما لأئمة السنة والحديث؛ لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها

стр. 16

وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظن صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأى ما بينها من التعارض؛ فصار تارةً يختار طريقة أهل التأويل، وتارةً يفوض معانيها؛ ويقول: تجرى على ظواهرها (١). وما ذكره شيخ الإسلام عن القاضي أبي يعلى واضح لمن تأمل كتبه مثل: المعتمد في أصول الدين وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، وهو أيضًا قد يختار قولًا مخالفًا لمذهب السلف؛ ثم يرجع عنه؛ كاختياره بأن أول واجب على المكلف النظر، في كتابه مختصر المعتمد، ورجع عنه إلى قول السلف في كتابه عيون المسائل، وقد نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. وهو في الصفات يوجب إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله وفي سنته. وقال في كتابه إبطال التأويلات (١/ ٤٣): إنه لا يجوز رد هذه الأخبار -يعني أخبار الصفات- على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله تعالى؛ لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق ... وقد ألف كتابه هذا في الرد على أبي بكر ابن فورك الأشعري في تأويلاته التي شحنها كتاتج ٥ مشكل الحديث وبيانه. وقد أُخذ على أبي يعلى توسعه في الإثبات، فأثبت صفات لم يصح بها الخبر عن رسول الله ﷺ . وقوله في إثبات الصفات الفعلية مضطرب؛ فتارة يؤولها كما في كتابه المعتمد في أصول الدين، وتارة يثبتها على أنها صفات ذاتية, لا تقوم بمشيئته، وتارةً يثبتها؛ وأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه؛ على مذهب السلف في ذلك (٢)، ويتضح الإضطراب والتراجع عند القاضي أبي يعلى في مسألة الرؤية، فقد أثبت في أول كتابه

стр. 17

ابطال التأويلات: أن الله يرى لا في جهة وهو قول الأشعرية. ثم قال - عن نفيه الجهة: وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك؛ لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة؛ التي هي الإستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء؛ وكل من أثبت هذا أثبت أنه في جهة (١). وقد ذكر أن بعض الناس شنع على القاضي أبي يعلى فقالوا بأنه يميل إلى التجسيم والتشبيه. وهذا باطل وكذب عليه، وهو من أقوال الأشعرية التي يثيرونها على كل من أثبت ما نفو ٥ من صفات الباري سبحانه، وقد ألمح القاضي أبو يعلى إلى هؤلاء المشنعين في آخر كتابه ابطال التأويلات، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا سبب ما وقع من أولئك (٢). وهذه الإنتقادات للقاضي أبي يعلى لا تقلل من مكانته، فهو إمام في الفقه وغيره من علوم الشريعة، لكن الكمال لله وحده، ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها. وفاته: توفي القاضي الإِمام أبو يعلى الحنبلي سنة ٤٥٨ هـ. -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- (٣). * * *

стр. 18

المبحث الثاني دراسة الكتاب المطلب الأول: التعريف بالنسخة المخطوطة . ١ - مصدر المخطوطة . مصدرها: مركز الشيخ جمعة الماجد للثقافة والتراث، بدولة الإمارات العربية المتحدة، برقم (١١٣١) وهي من مصورات دار الكتب الظاهرية بدمشق؛ في مخطوطات الدار ضمن مجموع رقم: (٣٢٤٩ عام/ ١٨٩ ب ١٩٦) وقد جاءت النسخة مقلوبة في المجموع، فأولها ورقة رقم ١٩٦ وآخرها ورقة رقم ١٨٩. والفضل في العثور على هذه النسخة يعود بعبد الله للدكتور / عبد الرحمن العثيمين، الذي أشار إلى موضع وجودها في تحقيقه لكتاب طبقات الحنابلة لإبن أبي يعلى. وإنني في هذه المناسبة أشكر مركز الشيخ جمعة الماجد للثقافة والتراث فيم دولة الإمارات العربية المتحدة، على تعاونه معي للحصول على النسخة، في وقت قياسي لم أعتده من قبل، فلهم مني جزيل الشكر والعرفان، وأسأل الله أن يوفقهم ويمدهم بعونه على ما يبذلونه من مساعدة كبيرة للباحثين.

стр. 19

٢ - اسم الناسخ . جاء على طرة النسخة الخطية اسم ناسخه بهذا النص: (نسخه وسمعه مظفر بن فارس بن كرم (الخباز) داعيًا لمصنفه بالمغفرة. ٣ - التعريف بالخط . خط النسخة: نسخي مقروء، يعود للقرن السادس الهجري. ٤ - حالة النسخة . النسخة كاملة، ليس فيها نقص، فقد بدأت بالبسملة والحمد لله والصلاة والسلام على نبيه، وخُتمت بقول الناسخ: (فهذا آخر التعليقات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وملائكتُه على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وسلم تسليمًا، ورحم الله مصنفه، وكاتبه، ومن دعا لهما). كما أن النسخة جاءت سليمةَ؛ لم تتعرض إلى مسح، أو شطب، أو سقط. والنسخة أيضًا مقروءة ومصححة، كما تشير إليها الدائرة المنقوطة في مواضع منها، وعلى النسخة بلاغات. ٥ - عدد الصفحات والأسطر . تتكون هذه النسخة من ٨ لوحات، كل لوحة عبارة عن صفحتين. ويتراوح عدد الأسطر ما بين ٢٣ و ٢٧ في الورقة. المطلب الثاني: التعريف بالكتاب ، وفيه: ١ - تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف . هذا الكتاب اسمه: التوكل، ومؤلفه: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء

стр. 20

الحنبلي البغدادي، فهذا ثابت لا ريب فيه؛ بدليل ما يلي: أ - أن هذا العنوان هو الموجود على طرة النسخة الخطية له، منسوبًا إلى القاضي أبي يعلى، كما يتضح من النموذج المصور آنفًا، والذي جاء نصه هكذا: كتاب التوكل مصَنَّفٌ للقاضي الأوحد الإِمام أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء رحمة الله عليه. ب - أن كل من ذكر هذا الكتاب ذكره بهذا العنوان: التوكل، ونسبه إلى مؤلفه القاضي أبي يعلى؛ كإبن المؤلف أبي الحسين محمد، ابن أبي يعلى في كتابه طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٨) وأبو الحسين هو أعلم الناس بمؤلفات والده، وكذا ذكر الكتاب بهذا الإسم ونسبه إلى مؤلفه؛ الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٩). ٢ - موضوع الكتاب . يتضح موضوع الكتاب من عنوانه، فهوفي ذكر مقام من أهم مقامات العبودية؛ ألا وهو التوكل على الله ، وقد تكلم المؤلف عن هذا الموضوع المهم من خلال المحاور التالية بحسب ترتيب المؤلف: أ - الأصل في التوكل، ويعني بذلك الأدلة عليه من الكتاب والسنة. ب - فصل في حقيقة التوكل في الرزق، بينه وتطرق في هذا الفصل لأهم مسائل التوكل، والتي يخطئ في إدراكها كثير من الناس، ألا وهي علاقة التوكل بالأسباب. ج - مسألة في الشح؛ بيَّن أنواعه، وما ورد في ذمه. د - مسألة في البخل؛ بين معناه، وبعض ما ورد في ذمه.

стр. 21

هـ - مسألة في الجزع؛ بين أنه على ضربين، وأن تحت كل ضربٍ أنواعًا، ثم بين حكم كل نوع منها. و- مسألة الخروج بالزاد في السفر، وعلاقة ذلك بالتوكل. ز - فصل في صفة المريد؛ بين فيه الخصال التي يحتاجها المريد، وجعلها تعود إلى أربع قواعد؛ وهي: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة ... وفصَّل في ذلك وأطال، مستدلًّا على ما ذكر بإيراد عددٍ من الأحاديث والآثار. وأشار إلى ما يُكره للمريد. ح - أنواع الهمِّ؛ ويقصد بذلك عزم النفس على أداء الفعل، فذكر أنه على نوعين، وبيَّن المذموم منها، وختم الكتاب بهذه المسألة. ٣ - منهج المؤلف، وموارده في الكتاب . منهج المؤلف: المؤلف -كعادة كثيرٍ من المتقدمين- لم يشر في كتابه هذا إلى منهجه في تأليفه، لكن من خلال قراءتي للكتاب مرات عديدة؛ تبين لي ما يلي: - أن المؤلف انتقى مسائلَ مهمةً -في نظره- تتعلق بالموضوع الأساس للكتاب، وهو: التوكل على الله تعالى، والتي أشرت إليها في الفقرة السابقة، ولعله لم يرد ذكر كل ما له علاقة بموضوع التوكل. - أن المؤلف انتهج منهج الإختصار في بيان المسائل التي ذكرها في الكتاب، ولم يتبع أسلوبًا موحدًا في عرضه للمسائل. - لم يكن للمؤلف منهج واضح في ترتيب النصوص التي يستدل بها على ما ذكر من المسائل، بل ربما ذكر أثرًا ثم آيةً ثم حديثًا وهكذا.

стр. 22

هذا أبرز ما يمكن ذكره عن منهج المؤلف في كتابه هذا. موارد المؤلف: نقل المؤلف في كتابه هذا عن كتب من سبقه من العلماء، وكانت الكتب التي نص على النقل منها: ١ - كتاب التوكل على الله ولم يصرح باسم الكتاب، وهو للحافظ عبد الله بن محمد، ابن أبي الدنيا (ت ٢١٨ هـ) (١). ٢ - كتاب الورع للشيخ أبي بكر أحمد بن محمد المروذي (ت ٢٧٥ هـ (٢) ٣ - قوت القلوب للشيخ أبي طالب المكي (ت ٣٨٦ هـ) (٣). ٤ - كتاب الورع، ومرة سماه: (كتاب الورع والإخلاص) للحافظ أبي بكر، أحمد بن محمد بن هارون، الخلال (ت ٣١١ هـ). ٥ - كتاب المعجم للحافظ أبي حفص، عمر بن أحمد بن شاهين (ت ٣٨٥ هـ). ٦ - الأمالي للإِمام أبي عبد الله، ابن بطة (ت ٣٨٧ هـ) (٤). هذه أبرز موارد المؤلف في كتابه

стр. 23

٤ - تقويم الكتاب . تميز الكتاب بما بلي: ١ - أنه مختصر، بيَّن فيه المؤلف بعض المسائل المتعلقة بموضوع التوكل على الله تعالى، وهي من المسائل المهمة التي يخطئ في فهمها كثير من المسلمين، لا سيما من اتبع منهم طريقة المتصوفة. ٢ - أن المؤلف كثر من الإستدلال بالكتاب والسنة على المسائل التي بحثها. ٣ - للمؤلف جمل مختصرة جيدة وواضحة في قضايا مهمة تتعلق بالتوكل، كما في بيانه لحقيقة التوكل في الرزق، وعلاقة التوكل بفعل الأسباب، ونحو ذلك. ٤ - اتبع المؤلف أسلوبًا سهلًا في بيان المسائل التي تعرض لها. ٥ - أكثر المؤلف من ذكر الآثار عن السلف من الصحابة والتابعين، وهذا منهج يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم. ٥ - من المآخذ على الكتاب: ١ - أن المؤلف في ذكره للمسائل لا يبين ارتباطها بموضوع الكتاب الذي هو التوكل على الله، كمسألة الشح والبخل. ٢ - أن المؤلف قد ذكر بعض الأحاديث الضعيفة، ولم يبين ضعفها. ٣ - أن المؤلف لم يعتنِ بتخريج الأحاديث مع كثرتها في كتابه. ٤ - أن المؤلف ذكر شيئًا من أقوال المتصوفة ولم ينتقدها؛ كما يتضح ذلك في كلامه على صفات المريد.

стр. 24

نسأل الله أن يثيبه على ما ترك من علم لأمته، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته.

стр. 25

نماذج مصورة من المخطوط

стр. 26

صورة اللوحة الأولى (أ)

стр. 27

صورة اللوحة الأخيرة (ب)

стр. 28

القسم الثاني النص محققًا

стр. 29

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحّمَّدٍ، وَآلِهِ. الأصل في التوكل (١) قولُهُ تعالى: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. وقال المؤمنون: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. وقال ربَّنَا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ﴾ إلى

стр. 30

قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]. وقال مخبرًا عن نبيه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤، ٨٥]. وروى ابن أبي الدنيا (١) باسناده عن عمر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانا" (٢). وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" (٣). وبإسناده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من

стр. 31

أمتي سبعون ألفًا بفير حساب؛ لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "اللهم اجعله منهم". قام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "قد سبقك بها عكاشة" (١). وبإسناده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الطيرة من الشرك، ولكن الله يذهبها بالتوكل" (٢). * * *

стр. 32

فصل في حقيقة التوكل في الرزق فهو: ألا تتشرف نفسُه إلى أحدٍ من الناس؛ بل يعلم أنه لا يرزق سواه، ولا يَضر ولا يَنفع شيءٌ إلابإذنه. والتعلق بالأسباب (١) ليس من ضعف التوكل (٢) وإنما هو بلاءٌ من الطبع.

стр. 33

وقد نصَّ أحمدُ (١) على (٢) أن حقيقته قطع التشرف. في رواية المروذي (٣) وقد سأله: أي شيءٍ صدقُ التوكل على الله تعالى؟ قال: "ألا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيء" (٤). وقد نص -أيضًا- على أن التعلق بالأسباب ليس من ضعف التوكل في رواية المروذي، وقد سأله عن رجل يريد سفرًا: أيما أحب إليك يحمل معه زادًا أو يتوكل؟ قال: (يحمل معه زادًا ويتوكل) (٥). فقد أمره بالتوكل مع السبب وهو الزاد. ونقلت من خط أبي حفص البرمكي (٦): ......................................

стр. 34

سمعت أبا بكر عبد العزيز (١): سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال (٢) يقول: سئل أحمد عن الزاهد يكون زاهدًا ومعه مائة دينار؟ قال: (نعم. على شَريطة إذا زادتْ لم يفرح، وإذا نقصتْ لم يحزن) (٣). والدلالة على أن حقيقته قطع التشرف، وهو أعلى المقامات؛ ما روى ابن أبي الدنيا باسناده عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: "من استرقى واكتوى فقد برئ من التوكل" (٤). ومعناه: برئ من حقيقة التوكل الذي هو أعلى المقامات (٥). فإن قيل: هذا يعارضه ما تقدم من حديث عمر: "لو أنكم توكلتم على الله حق

стр. 35

توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا، وتروح بطانًا" (١). فشبَّه حقيقة التوكل بمن يطلب الرزق من الطير، وطلبُ الرزقِ تشرُّفٌ. قيل: تقدير الخبر: لرزقكم كما تُرزق فراخُ الطير الذين لا طلب لهم، تغدو الأمهاتُ خماصًا، وتروح بطانَا فتغذي فراخَها، ولم يرد بذلك الأمهات. ويدل عليه ما تقدم من حديث عمران: "يَدخل الجنّةَ سبعون ألفًا بغير حساب وهم: الدين لا يكتوون ... " (٢). فبين أن أعلى مقامات التوكل إذا لم يتعلق بالأسباب، التي هي الكيُّ؛ لأنه خرج مخْرَجَ المدح بإسقاط الحساب عنهم (٣). وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سليمان (٤) قال: لو توكلنا على الله ما بنينا حائطًا على لَبِنتَيْنِ، ولا جعلنا على بابنا غلقًا (٥). قال (٦): وقال زهير البابي (٧): ..............

стр. 36

ما أقدر أن أقول توكلت على الله (١). وهذا منهما يدل على حقيقة التوكل (٢). والدلالة على صحة التوكل مع التعلق بالأسباب قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وهذا كله يدل على الحث على الأسباب، فلو كان ذلك قادحًا في التوكل لم يحث عليه (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ويدل عليه ما روت عائشة رضوان الله عليها وعلى أبيها عن النبي ﷺ يقال: "أطيبُ ما أكل الرجلُ من كسبه". ورُوي: "أفضلُ ما كل الرجلُ من كسبه" (٤). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان داود ﵇ يأكل من عمل يده" (٥). ورُوي

стр. 37

عنه ﷺ أنه قال: "من طلب الدنيا حلالًا استعفافًا عن المسألة، وتعطفًا على جاره، وكدًّا على عياله؛ لقي الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر" (١). وروى أبو هريرة أن أعرابيًّا مرَّ بأصحاب النبي ﷺ فقالوا: ما أجْلَدَهُ, لو كان في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : "إن كان يَكُدُّ على والديه فهو في سبيل الله، وإن كان يَكُدُّ على عياله فهو في سبيل الله" (٢). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "تقول امرأتك: على من تَكِلُني ويقول ولدُك: على من تَكِلُنا؟ " (٣). ويدل عليه ما أخبرني جدي أبو القاسم ﵀ (٤) في الإجازة بإسناده عن

стр. 38

أنسٍ، وذكره ابن أبي الدنيا، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل" (١). فأثبت التوكل مع السبب، وهو عَقْلُها. ويدل عليه ما رواه أحمد في المسند بإسناده عن أبي هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي، والله الموعد، إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يُحَدِّثون عن رسول الله بهذه الأحاديث، وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ , وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغَلُهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغَلُهم أرضُهم، والقيامُ عليها (٢). وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن معاوية بن قرة (٣) أن عمر بن الخطاب لقي ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. فقال: "بل أنتم المتَّكِلون؛ إنَّما المتوكل الذي يُلقي حَبَّةَ في الأرض ويتوكل على الله" (٤).

стр. 39

وهذا يدل على إجماعهم في التعلق بالأسباب. وقال أحمد في رواية المروذي: كان علي بن أبي طالب يعمل حتى تُدْبرَ يدُه، وأصحاب رسول الله ﷺ يعملون (١). وأيضا فإن الأسباب لو كانت من ضعف التوكل لتداخله شك في علمه بأن الله هو الضار النافع لا غيره، فعلم أنه بلاءٌ من الطبع (٢). * * *

стр. 40

مسألة في الشح (١) وهو على ضربين. أحدهما: ألَّا تسخو نفسُه بما أوتي أخوه المسلم؛ حتى يغُمَّه ذلك ويسوءه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]. والضرب الثاني: أن يَشُحَّ على أموال الناس، فلا تطيب نفسه بردِّ مظلمة، ولا يؤدّي أمانة، إنَّما همُّه الخيانة، وكسر الودائع؛ فروي عن ابن مسعود أنه قال: الشح أن يشح على ما في أيدي الناس (٢). وقال بعض التابعين: رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف حول البيت، وهو يقول: رب قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك، قال: فتقدمتُ إليه فقلت: ما لي لا أسمعك تدعو إلا بقول: رب قني شح نفسي. لا تزيد على ذلك؟! قال: إني
следующие страницы →