← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 16879

التوكل

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما أقدر أن أقول توكلت على الله (١). وهذا منهما يدل على حقيقة التوكل (٢). والدلالة على صحة التوكل مع التعلق بالأسباب قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وهذا كله يدل على الحث على الأسباب، فلو كان ذلك قادحًا في التوكل لم يحث عليه (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ويدل عليه ما روت عائشة رضوان الله عليها وعلى أبيها عن النبي ﷺ يقال: "أطيبُ ما أكل الرجلُ من كسبه". ورُوي: "أفضلُ ما كل الرجلُ من كسبه" (٤). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان داود ﵇ يأكل من عمل يده" (٥). ورُوي

стр. 37

عنه ﷺ أنه قال: "من طلب الدنيا حلالًا استعفافًا عن المسألة، وتعطفًا على جاره، وكدًّا على عياله؛ لقي الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر" (١). وروى أبو هريرة أن أعرابيًّا مرَّ بأصحاب النبي ﷺ فقالوا: ما أجْلَدَهُ, لو كان في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : "إن كان يَكُدُّ على والديه فهو في سبيل الله، وإن كان يَكُدُّ على عياله فهو في سبيل الله" (٢). وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "تقول امرأتك: على من تَكِلُني ويقول ولدُك: على من تَكِلُنا؟ " (٣). ويدل عليه ما أخبرني جدي أبو القاسم ﵀ (٤) في الإجازة بإسناده عن

стр. 38

أنسٍ، وذكره ابن أبي الدنيا، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل" (١). فأثبت التوكل مع السبب، وهو عَقْلُها. ويدل عليه ما رواه أحمد في المسند بإسناده عن أبي هريرة: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي، والله الموعد، إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يُحَدِّثون عن رسول الله بهذه الأحاديث، وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ , وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغَلُهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغَلُهم أرضُهم، والقيامُ عليها (٢). وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن معاوية بن قرة (٣) أن عمر بن الخطاب لقي ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. فقال: "بل أنتم المتَّكِلون؛ إنَّما المتوكل الذي يُلقي حَبَّةَ في الأرض ويتوكل على الله" (٤).

стр. 39

وهذا يدل على إجماعهم في التعلق بالأسباب. وقال أحمد في رواية المروذي: كان علي بن أبي طالب يعمل حتى تُدْبرَ يدُه، وأصحاب رسول الله ﷺ يعملون (١). وأيضا فإن الأسباب لو كانت من ضعف التوكل لتداخله شك في علمه بأن الله هو الضار النافع لا غيره، فعلم أنه بلاءٌ من الطبع (٢). * * *

стр. 40

مسألة في الشح (١) وهو على ضربين. أحدهما: ألَّا تسخو نفسُه بما أوتي أخوه المسلم؛ حتى يغُمَّه ذلك ويسوءه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]. والضرب الثاني: أن يَشُحَّ على أموال الناس، فلا تطيب نفسه بردِّ مظلمة، ولا يؤدّي أمانة، إنَّما همُّه الخيانة، وكسر الودائع؛ فروي عن ابن مسعود أنه قال: الشح أن يشح على ما في أيدي الناس (٢). وقال بعض التابعين: رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف حول البيت، وهو يقول: رب قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك، قال: فتقدمتُ إليه فقلت: ما لي لا أسمعك تدعو إلا بقول: رب قني شح نفسي. لا تزيد على ذلك؟! قال: إني

стр. 41

إن وُقيتُ شح نفسي؛ وُقيت السرقة والخيانة وكذا وكذا ... حتى عدَّد (١). فإذا ألزم قلبَه الغمَّ ولم يؤدِّ أمانةً، ولا ما عليه، وظلم الناس في أموالهم؛ فقد استكمل الشحَّ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. وقد روى أبو حفص ابن شاهين (٢) في كتاب المعجم بإسناده عن خالد بن زيد بن جارية الأنصاري (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف، وأعطى في النائبة" (٤). وروى أبو بكر الخلال في كتاب الورع بإسناده عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "شر ما في الرجل شحٌّ هالِعٌ وجبنٌ خالعٌ" (٥).

стр. 42

مسألة وأما البخل (١) فهو: ألا تسخو النفس بأداء الحقوق التي أوجبها الله تعالى عليه في ماله. فرُوي عن ابن مسعود قال: البخل: أن تبخل بما في يديك، ألم تسمع ربي ﵎ يقول: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وقال: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]. إلى قوله: ﴿هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨] (٢). وأخبرنا أبو بكر الخلال بإسناده عن أبي سعيد: قال رسول الله ﷺ : "خصلتان

стр. 43

لا يجتمعان في مؤمن؛ سوء الخلق، والبخل، (١). وذكر أبو بكر الخلال في كتاب الورع بإسناده عن حبيش بن مبشر (٢) قال: قعدتُ مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (٣) والناس متوافرون؛ فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا (٤). وعن الحسن (٥): ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قال: البخل (٦). وعن بشرٍ (٧) .......................................................................

стр. 44

قال: البخيل لا غيبة له (١). * * *

стр. 45

مسألة في الجزع (١) وهو على ضربين: أحدهما: لا يَخرج به صاحبُه من الصبر؛ لكن يُنقِصُه من كمال الصبر. والثاني: ما يَخرج به صاحبُه من الصبر. أما الأول فهو على ضروب؛ منها: (١) إجماع القلب على الغم والحزن لما نزل به من مصيبة في نفسه أو غيره، ولا يظهر منه ما يكره الله تعالى، وقد روي عن سعيد بن جبير (٢): إن الرجل ليجزع، وإنه لمتجلدٌ ما يُرى منه إلا الصبر (٣). ومنه: ضرب آخر يزيد على ذلك:

стр. 46

(٢) أن يذكر للخلق ما نزل به على راحة النفس أو على استرحام الخلق له ليرقوا عليه، وليَخْلِفُوا عليه أن ذهب منه شيء، أو يُعِينُوه على أمر دنياه، ولا يذكر على التبرم والتضجر به. ومنه ضرب آخر يزيد على ذلك: (٣) أن يقطعه عن كثير من أعمال البر مما ليس بواجب عليه. فهذه الأقسام من الجزع لا يحرمه الأجرَ، ولا إثم عليه فيه. الضرب الثاني من الجزع الدي يُخرجه من الصبر؛ وهو على ضربين: أحدهما: أن يحصل معه شكايةٌ واستعانةٌ. والآخر: أن يحصل معه استعانة بالمعاصي. وكلاهما لا أجر له عليه، وعليه الوزر. أما الذي يحصل معه الشكاية: فان يجمع الغمَّ على قلبه؛ فيخرجُه الغمُّ إلى أن يشكوَ إلى الناس ما نزل به على التَّبَرُّمِ والتضَجُّرِ، والإستنكارِ لما نزل به، وذلك مثل أن يقول: كان يوم أصابني هذا فيه يوم شؤمٍ، يا رب لا أريد هذا الأجر. أكنتُ أعظم الناس ذنبًا؟ وإلى كم هذا البلاء؟ وليت هذا لم يكن! وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أَعَضَّ على جمرة حتى تبرد؛ أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن (١). وروي عن يعقوب ﵊ أنه قيل له: ما قوَّس ظهرك، وأذهب نفسك؟ قال: أذهب نفسي حزني على يوسف، وقوَّس ظهري حزني على أخيه.

стр. 47

فاوحى الله إليه: يا يعقوب، تفرَّغت لشكواي (١)؟ , والحديث: "من شكا مصيبةً نزلت به فإنما يشكو ربَّه" (٢). الضرب الثاني: أن يستعين أو يستريح من شدة الضرِّ، أو ألم السقم، أو الجراحة، أو الضيق، أو ذهاب المال إلى معصية الله تعالى، كالرجل يُحَمُّ، أو يضرب عليه بعض جسده، أو يغتمُّ بذهاب ماله، أو ولده، فمن شدة الضجر يُزنِّي خادمَه، أو امرأته، أو ولده، أو يشتُم ويمتهنُ والديه، أو يضرب بعضَ هؤلاء ظالمًا له. يفعل ذلك من شدة الغمِّ، أو يتداوى بما لا يحل له؛ كالخمر، أو شحم الخنزير، أو لحمه، أو يظلم، أو يغصِب، أو يخونُ أمانتَه حين ذهبَ مالُه. يريد بذلك جبرَ مصيبته باختيان (٣) ما في يديه، أو يمسك عن الإنفاق على مَنْ يجب عليه؛ كالوالدين والولد والأهل، أو يحبس حقًّا، أو يدعو بالويل، أو يشق الجيب، أو يلطم وجهه. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك، ولعن من شق الجيوب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه (٤).

стр. 48

ورُوي أن رجلًا كانت له جاريةٌ ترعى غنمًا له، فأخذ الذئبُ شاةً منها؛ فصكَّها صكَّةً، فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فقال: "أعتقها" (١). وأمره بذلك في مقابلة فعله. ورُوي عن مُطَرِّفٍ (٢) أنه قال في دعائه: أعوذ بك أن أستعين بمعاصيك من ضرٍّ نزل بي (٣).

стр. 49

مَسألةٌ والخروجُ بالزاد أفضلُ من الخروج بغير زادٍ وهذا ظاهر ما رواه المروذي عن أحمد؛ أنه سئل عن الرجل يريد سفرًا أيما أحب إليك: يحمل معه زادًا، أو يتوكل؟ قال: يحمل معه زادًا ويتوكل (١). وقال في رواية الحسين بن حسان (٢) وقد سئل عن الرجل يدخل المفازة بغير زاد، فأنكر ذلك، وقال: لا. ومدَّ بها صوتَهُ (٣). خلافًا لمن يرى ترك الإكتساب أفضل، يرى الخروج بغير زاد أفضل. والدلالة عليه أن النبيَّ ﷺ وأصحابَه قد تزودوا، وتزود أصحابُه بعده، والعلماء بعدهم عصرًا بعد عصرٍ، ولا نعرف عالمًا يقول: ترك الزاد أفضل. بل يقول أكثرهم: من قال هذا القول فهو مبتدع. وقد قال أحمد في رواية المروذي لرجل قال: إني في كفاية. فقال: الزم السوق؛

стр. 50

تصل به الرَّحِمَ (١). وقال في رواية محمد بن موسى (٢) لرجل دخل عليه ومعه ولده: أَلْزِمْهُ السوقَ، وجنبْه أقرانَه (٣). وقال في رواية صالح (٤) في قوم لا يعملون؛ يقولون: نحن متوكلون. قال: هؤلاء مبتدعةٌ (٥). وقال في رواية أبي الحارث (٦): ما أحسن الإتكالَ؛ ولكن لا ينبغي لأحد أن يقعد ولا يعمل شيئًا (٧).

стр. 51

فصل في صفة المريد (١) قال أبو بكر الخلال في كتاب الورع والإخلاص: أخبرنا طالب بن حرّة الأذني (٢) قال: حضرتُ أحمدَ بن حنبل، فقال له رجل (٣) أخبرنا أحمد بن الحسن الحلا

стр. 52

الحري (١). فقال أبو عبد الله: (علامة المريد قطيعة كل خليط لا يريد ما يريد) (٢). قوله: (قطيعة كل خليطٍ). يقطعه عن الله ، لا يريد ما يريده الخليطُ، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وكيف يستقيم على سنن الطريق من يتبع طريق الجاهلين. وفي الخبر عن الله تعالى: "يا موسى، كن يقظانا وأجد لنفسك أخدانًا، وكل خدن لك وصاحب لا يؤازرك على طاعتي فانبد عنك صحبته، إنَّما كان عدوًّا" (٣). وقد ذكر أبو طالب المكي (٤) في جملة قوت القلوب فقال (٥): "يحتاج المريد إلى سبع خصال؛ أربعة قواعد، وثلاثة أعلام، والقواعد الأربعة: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة. والأعلام الثلاثة: المعرفة بالطريق، والخشية، وطاعة الدليل". أما الأربعة القواعد التي هي: الجوع، والسهر، والصمت، والخلوة؛ فهي:

стр. 53

سجن النفس وضيقها، وضرب النفس وقيدها (١). أما الجوع (٢) فإنه يُنقص دم القلب فَيَبْيَضُّ؛ وفي بياضه نوره، ويُذيب شحمَ الفؤاد وفي ذوبه رقته، ورقته مفتاح كل خير؛ لأن في القسوة مفتاح كل شر، فإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه؛ لأن دم القلب مكانه. فإذا رقَّ القلب ضعف سلطان العدو منه؛ لأن في غِلَظِ القلب سلطانه. والفلاسفة يقولون: النفس هي كلية الدم؛ لأن الانسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه. والعلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس. وفي الحديث المروي: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش" (٣). وعن عيسى ﵊ أنه قال: "يا معشر الحواريين

стр. 54

جوِّعو ابطونكم، وعطِّشوا أكبادكم، وأعْروا أجسادكم؛ لعل قلوبكم ترى الله " (١). وقال بعض الصحابة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله الشبع؛ إن القوم لما شبعت بطونهم جنحت بهم شهواتهم (٢). وعن عائشة: كان رسول الله وأصحابه يجوعون من غير عَوَزٍ (٣). وقال ابن عمر: ما شبعتُ منذ قتل عثمان (٤). وحديث أبي جحيفة (٥) لما جشأ عند النبي ﷺ : "اكفف عنا جشاءك، فإن أطولكم شبعًا في الدنيا أكثركم جوعًا في الآخرة" (٦). وكان رسول الله ﷺ يشدُّ الحجر على بطنه من الجوع (٧).

стр. 55

وقال ﷺ لفاطمة: "ما دخل فمَ أبيك طعامٌ مند ثلاث" (١). وقال الثوري (٢): جُعل الخير كلُّه في بيت، وجُعل مفتاحه الجوع (٣). وقال أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد الله: إن رجلًا قال: قد ذهب سمعي من الجوع. فقلت له: اصبر. فإنها أيام قلائل. فقال: ليته دام على الفقر والجوع إلى الممات. وقال: ذكرت أولئك الفتيان أصحاب الصلاة، أسال الله أن يسلمهم (٤). وقيل لأبي عبد الله: الرجل يجد من قلبه رقةً، وهو يشبع؟ قال: ما أراه. وجعل يعظم أمر الجوع والفقر (٥). وقال (٦): لو كان إلي ما أكلت ولا شربت (٧). وأما السهر فإنه ينير القلب، ويجلوه؛ فيصير القلب كأنه كوكب دري في مرآة مجلوَّة؛ فيرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة. ومنه حديث حارثة (٨) لما قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، وكأني انظر إلى عرش

стр. 56

ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتعاوون فقال ﷺ : "عرفت، فالزم" (١). ووصف النبي ﷺ قلبَ المؤمن؛ فقال: "قلب أجرد، فيه سراج يزهر" (٢). معناه: يجرِّده من الهوى، وسراجه الذي يزهر فيه: هو نور اليقين. وقال بعض العلماء: من سهر أربعين ليلة خالصًا كوشف لملكوت السماء (٣). ورُوي في حديث معاذ: "ثلاث منهن المقت من الله: الضحك من غير عجب، والأكل من غير جوع، ونوم النهار من غير سهر بالليل" (٤). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قالت أم سليمان بن داود لابنها: لا تكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرًا يوم القيامة" (٥).

стр. 57

وقيل: كان شبان متعبدون في بني إسرائيل، فكانوا اذا حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال: يا معشر المريدين، لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا (١). واعلم أن نوم العلماء عن غلبة بعد طول السهر بالقيام (٢). وفي الخبر: قيل: يا رسول الله، إن فلانًا يصلي بالليل ويسرق بالنهار, فقال ﷺ : "سينهاه ما تقول" (٣). وفي الخبر عن لقمان أنه قال لابنه: "يا بني، لا تحب الحياة إلا لسهر الليل، وظمأ الهواجر، والذكر لله، وما كان سوى ذلك فهو الخسران" (٤). وفي الخبر: "استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار" (٥). وقد قال عبد الصمد بن أبي مطر (٦): بتُّ عند أحمد بن حنبل فوضع لي صاغرةَ

стр. 58

ماء، قال: فلما أصبح وجدني لم أستعمله، فقال: صاحب حديث لا يكون له ورد بالليل! قلت: مسافرٌ. قال: وإن كنت مسافرًا؛ حج مسروقٌ فما نام إلا ساجدًا (١). وقال موسى بن عيسى الموصلي (٢): ركبني دينٌ، فأتيت بشرًا، فقلت: قد ركبني دينٌ. قال: عليك بجوف الليل. ومضيت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل؟ فقلت: ركبني دينٌ. قال: عليك بالسَّحَرِ (٣). وأما الصمت فإنه يلقح العقل، ويعلم الورع، ويجلب التقوى. وقد قال عقبة بن عامر: يا رسول الله، فيمَ النجاة؟ فقال: "املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (٤). وأوصى النبي ﷺ معاذًا بالصلاة والصيام وغير ذلك، ثم قال في آخر وصيته: "ألا أدلك على ما هو أملك بك من ذلك كله؟ هذا"، وأومأ بيده إلى لسانه. فقال: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ فقال: "ثكلتك أمك معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟ إنك ما سكت فأنت سالمٌ، فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك" (٥).

стр. 59

وروي في الخبر: "لا يتقي العبدُ ربَّه حقَّ تُقاته حتى يَخْزِنَ من لسانه" (١). وفي خبرآخر: "لا يصلح العبدُ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه" (٢). وكان الضحاك بن مزاحم (٣) يقول: أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام (٤). يقول: حدثنا أبو محمد جعفر بن نصر قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن حامد الرازي، قال: أنبأنا أبو عثمان الوراق -وراق أحمد بن حنبل (٥) - قال: حدثني المحاربي (٦) قال: قال الأوزاعي (٧): السلامة عشرة أجزاء، سبعة منها في التغافل.

стр. 60

قال أبو عثمان: فعرضت ذلك على أحمد بن حنبل، فقال لي: يرحم الله الأوزاعي, عشرتها في التغافل (١). وأما الخلوة فإنها تُفَرِّغُ القلبَ من الخلق، وتَجْمع الهمَّ بأمر الخالق، وتجلب ادِّكار الآخرة، وتجدد الإهتمام بها، وتنسي ادِّكار العباد، وتواصِل ذكرَ المعبود. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: لولا الوسواس لم أبالِ أن أجالس الناس، وهل أفسد الناسَ إلا الناسُ؟ (٢). وقال ابن مسعود: وددت أن بيني وبين الناس سور حديد (٣). وقد روى الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني (٤) أنه قال لأبي عبد الله: التخلي أعجب إليك؟ فقال: التخلي على علم. وقال: يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم" (٥). وقال في رواية أبي الصقر (٦): إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، وأما ما لم تكن فتنة فالأمصار خير (٧).

стр. 61

وقال في رواية مثنى الأنباري (١): وقد سئل أيما أفضل؛ رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، أو رجل أقلَّ الأكل فقلَّت نوافله؟ فذكر ما جاء في الفكرة: تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلة (٢). وقال المروذي: ذكرت لأبي عبد الله رجلًا صبورًا على الفقر، وقد اعتزل: ما كان أحوجه إلى علمٍ؟ فقال: أسَكتَ لصبره، وعُزلته عن العلم؟! (٣). فهذا شرح الخصال الأربعة القواعد. وأما الثلاثة الأعلام (٤): ١ - فالمعرفة بالطريق، وهي: إصابة العلم في السعي، لقول النبي ﷺ : "فإن المنبتَّ لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع" (٥). وحسبه قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩]. ٢ - وطاعة الدليل، وهو: معلمه ومرشده (٦). لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ

стр. 62

مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥]. ولابد للمريد من خصال: (١) أولها: الصدق في الإرادة، وعلامته: إعداد العدَّة. (٢) ولابد له من السبب إلى الطاعات، وعلامة ذلك هجران قرناء السوء. (٣) ولابد له من المعرفة بالحال، وعلامة ذلك استكشاف آفات النفوس، واستعلام ما يفسد الأعمال، واستحضار محاسن النيات، وصحة المقاصد في الإرادات. (٤) ولابد له من مجالسة عالم بالله، وعلامة ذلك إيثاره على ما سواه، وحسن القبول منه، وإلقاء السمع بالإصغاء بصحة الفهم إليه. (٥) ويحتاج المريد إلى توبة نصوح، فبذلك يجد حلاوة الطاعة، ويدوم إقبال القلب على الإرادة. (٦) ويحتاج المريد إلى طعمة حلال لا يذمها العلم، وعلامة ذلك أن يكون بسبب مباح يوافق فيه حكم الشرع. (٧) ولابد له من قرين صالح يؤازره على حاله ويساعده على صلاح أعماله، كما جاء في الخبر: "المؤمن مرآة المؤمن" (١). أي: يرى به ما لا يراه لنفسه، كما يرى المرآة من وجهه ما لا يراه بعينه،

стр. 63

وعلامة الخليل الصالح معاونته على البر والتقوى، ونهيه عن الإثم والعدوان. وقد رُوي في الخبر: "خير الإخوان الذين يقولون: تعالوا نصوم، تعالوا نصلي. وشر الإخوان الذين يقولون: تعالوا نأكل ننام" (١). وقال بعض أهل المعرفة: يكره للمريد أن تكون وساوسه بالجنة وذكر ما فيها من النعيم. قال: واستحب له أن تكون وساوسه ذكر الله، وخواطره وهممه؛ متعلقة بالله لا سواه؛ لأن المريد حديث عهد بتوبة، غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة، فإذا تذكر نعيم الجنة لم آمن عليه -لضعف قلبه- أن يشتهي ميله ما يشاهد في الدنيا من اللباس والطيبات والنساء؛ لأن هذا عاجل وذلك آجل، كان أبعد له من زينة الدنيا ولذاتها.

стр. 64

تعليق ذكر أحمد في غير موضع وقد سئل عن الزهد في الدنيا فقال: قصر الأمل (١). والوجهُ فيه ما نقلته من خط أبي بكر عبد العزيز (٢) في جزء ترجمته العلم، بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: مر بنا النبي ﷺ ونحن نصلح خصًّا لنا، فقال: "ما هذا؟ ". فقلت: خصٌّ لنا وَهَى فنحن نصلحه. فقال ﷺ : "ما أرى الأمر إلا أسرع من ذلك". وفي لفظ آخر: "ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك" (٣). وبإسناده (٤) عن أبي سعيد الخدري قال: اشترى أسامة بن زيد بن ثابت وليدة بمائة دينار إلى شهر، قال: فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا تعجبون من أسامة اشترى إلى شهر! إن أسامة لطويل الأمل؛ والذي نفسي بيده ما طرفت عينايَ فظننت أن شفري يلتقيان حتى أُقبض، ولا رفعت طرفي إلى السماء فظننت أنِّي واضعه حتى

стр. 65

أُقبض، ولا لَقَمتُ لقمةً فظننتُ أنِّي أُسيغها حتى أغصَّ فيها من الموت". ثم قال: "يا بني آدم، أن كنتم تعقلون فعدُّوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين" (١). ذكر أبو عبد الله، ابن بطة (٢) في أماليه بإسناده عن أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ قال: "ألا إن الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون لما في يديك أوثق منك لما في يدي الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أتت أصبتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنها أُبقيت لك" (٣). وبإسناده (٤) عن جعفر بن محمد (٥) ..................................

стр. 66

عن أبيه (١) عن النبي ﷺ قال: "العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل؛ ما لم يدخلوا في الدنيا". قالوا: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: "اتباعهم السلطان، وحبهم الأغنياء. فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دمائكم، فإن الله يبطل حسناتهم" (٢). وبإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يدعوفيه المؤمن للعامة، فيقول الله : ادع لخاصة نفسك أستجبْ لك، فأما العامة فإني عليهم ساخط" (٣). وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل العبادة توقع الفرج" (٤). وبإسناده عن سهل بن سعد الساعدي قال: ما رأيت في زمن النبي ﷺ مُنْخُلًا حتى توفي رسول الله ﷺ . فقيل له: فكيف كنتم تصنعون، وإنما طعامكم الشعير؟ قال: يطحن أحدُنا الشعير ثم ينسِفه فيتطاير منه ما يتطاير، ويبقى منه ما يبقى (٥). وبإسناده عن أبي الدرداء قال رسول الله ﷺ : "كل شيء ينقص إلا الشر فإنه

стр. 67

يزاد فيه" (١). وبإسناده عن أبي أمامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من شرار الناس منزلةً يوم القيامة رجل أذهب آخرته بدنيا غيره" (٢). وبإسناده عن عطية السعدي قال النبي ﷺ : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٣). وبإسناده عن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: "ألا إن الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون لما في يدك أوثق منك بما في يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أتت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أُبقيت لك" (٤). وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: باسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيقال له حينئذٍ: كفيت،

стр. 68

ووقيت، وتنحى له الشيطان" (١). وبإسناده قال: كتب عاملُ إفريقية إلى عمر بن عبد العزيز، يشكو إليه الهوام والعقارب، فكتب إليه: وما على أحدكم إذا أمسى أو أصبح أن يقول: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ الآية [إبراهيم: ١٢]. قال زرعةُ (٢): وهي تنفع من البراغيث (٣). وبإسناده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الطيرة من الشرك، ولكن الله يذهبها بالتوكل" (٤). وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ : "من استرقى، واكتوى، فقد برئ من التوكل" (٥).

стр. 69

وبإسناده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج من بيته يريد سفرًا فقال حين يخرج: بسم الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رزق خير ذلك المخرج، وصُرف عنه شره" (١). روى بعضهم عن النبي ﷺ قال: "الزاهدون في الدنيا؛ هم الفائزون في الآخرة" (٢). أبو داود (٣): سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا يكاد يُرى أحد أنكر من هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل على الأمة (٤). روى الخلال في الورع بإسناده عن عبد الله بن شقيق (٥) قال: قالوا: يا رسول الله، إن فلانًا لا يفتر من صلاة ولا صيام. فأتاه وهو يصلي، فأخذ بعضده، فقال: "إن هذا أخذ بالعسر وترك اليسر". قالها ثلاثًا. قال: ثم نشله ثلاث نشلات، قال: ثم دفعه في صدره، قال: فخرج من باب من أبواب المسجد؛ فلم يُرَ فيه (٦).

стр. 70

أبو بكر المروذي: قيل لأبي عبد الله: بما بلغ الذين بلغوا حتى ذُكروا؟ قال: بالصدق. قال: وإيش الصدق؟ قال: الإخلاص. قال: وإيش الإخلاص؟ قال: أن يخاف اللهَ العبدُ (١). وقال عبد المؤمن -يعني ابن محمد الفرعاني-: وجدت في كتاب سعيد بن الليث السمرقندي قال: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال: بما يُذكر الصالحون؟ قال: بالصبر والرضا (٢). وقد حدثنا أبو محمد الخلال (٣) بإسناده حديثًا في هذا المعنى عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بن مسعود، إن الإسلام علامةٌ، وعلامة الإسلام الإيمان، وعلامة الإيمان اليقين، وعلامة اليقين الإخلاص، وعلامة الإخلاص الورع، وعلامة الورع الزهد في الدنيا. من تمسك بالورع والزهد في الدنيا يرى كل درجة رفيعة، ومن تخلَّى منهما لقيني يوم القيامة على غير ملتي، فتمسكوا بالورع والزهد في الدنيا فبهما بعثتُ وبهما أُرسلتُ" (٤). قال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: الصبر في كتاب الله ثمانون موضعًا محمود، وموضعان مذموم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١ ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] (٥).

стр. 71

تعليق: فيما أُخذ على العلماء ألا تكتموا العلمَ. نقلت من خط أبي بكر (١) من كتاب العلم بإسناده عن قتادة (٢) أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل الكتاب ممن علم علمًا فليعلِّمه (٣). وبإسناده (٤) عن أبي هريرة أنه قال: والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت عنه -يعني النبي ﷺ لولا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ [البقرة: ١٧٤، ١٧٥]. إلى آخر الآيات (٥). ذكر أبو بكر الخلال في كتاب الورع: أخبرني أحمد بن المكين الأنطاكي (٦) أنه سمع أحمد بن حنبل قال له رجلٌ: أوصني. فقال له أحمدُ: انظر إلى أحب ما تريد أن يجاورك في قبرك؛ فاعمل به، واعلم أن الله تعالى يبعث العباد يوم القيامة على ثلاث خصال: محسنٌ ما عليه من سبيل؛ لأن الله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. وكافرٌ في النار؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 72

كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]. وأصحابُ الذنوب والخطايا، وأمرهم إلى الله، إن شاء عذَّب، وإن شاء عفا؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [النساء: ٤٨، ١١٦]. المروذي: قلت لأبي عبد الله: الرجلُ يكون مستورًا خمسين سنةً يستر نفسه، ثم ينكشف عند موته، من إيش يكون؟ قال: من حبه للدنيا. قلت لأبي عبد الله: إيش تفسير: "حب الدنيا رأس كل خطيئةٍ" (٢)؛ قال: أن تكون الدنيا في قلبه يؤثرها على كل شيء. أنبأنا عبد الله (٣) قال: سألت أبي: معنى حديث عبد الله (٤): نهينا أن (٥). قال: هاهنا وهاهنا. أخبرني محمد بن بشر (٦) قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حدثني حفَّار مقابرنا، قال: أعجب ما رأيت في هذه المقابر أني سمعت أنينًا من قبرٍ كأنينِ المريض، وسمعتُ مؤذنًا يؤذن وهو يجاب من قبر يقول كما يقول المؤذن. أو كما قال يحيى.

стр. 73

أخبرني محمد بن بشر قال: حدثني سلمة بن شبيب (١) قال: حدثني حماد الحفار قال: دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن. المروذي: قيل لأبي عبد الله: هل للورع حادٌّ؟ قال: ما أعرفه (٢). إنما لم يحدَّه؛ لأن الورع هو: ترك الشبهة أو المباحات، وذلك أكثر من أن يحصى، فلهذا لم يحدَّه. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس" (٣). أبو الصقر (٤): قال أحمد: إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء، فأما ما لم تكن فتنة فالأمصار خير. لأن ما يحصل من الفتنة من الحصر بالنفس والمال والدين؛ أكثر مما يفوته من فضيلة المقام بالأمصار من إدراك الجماعات، وتعليم القرآن والسنن؛ لأن هذه الأشياء لا تجب. إسحاق بن إبراهيم (٥): قال أحمد: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا (٦) ............................................................

стр. 74

وهو قولُ الحسنِ (١) ذكره الخلالُ عنه، ومطرفٍ (٢) ذكره أبو طالب المكي. إنما قال ذلك؛ لأنه إن زاد خوفه لم يؤمَن عليه القنوط من رحمة الله، وإن زاد رجاؤه لم يؤمَن عليه الإغراء بالمعاصي. وقد قال لقمان لابنه: "إن المؤمن له قلب كقلبين؛ يخاف بأحدهما، ويرجو بالآخر" (٣). قال بعضهم: مثل الخوف من الرجاء مثل اليوم من الليلة، لما لم ينفك أحدهما عن الآخر؛ جاز أن يُعبَّر عن المدة بأحدهما فيقال: ثلاثةُ أيامٍ، وثلاثُ ليالٍ. وهما وصفان للإيمان؟ كالطير بجناحين. المروذي: سئل أبو عبد الله عن تفسير: "اعبد الله كأنك تراه". فقال: بقلبك (٤). إنما حمله على رؤية القلب؛ لأن رؤية العين تختص بالآخرة دون الدنيا، وبالقلب يجوز في الدنيا ويقع عليه اسم الرؤية، بدليل قول ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه (٥). ورُوي: رأى رسول الله ربه بفؤاده مرتين (٦). الحسن بن علي بن الحسن (٧): سألت أبا عبد الله عن الهمِّ؟ فقال: الهم همان؛

стр. 75

همُّ خطرات، وهمُّ إصرار (١). الهم على ضربين: أحدهما: الهم بالدنيا. والآخر: الهم بالآخرة. فأما الهم بالآخرة: فهو: الممدوح المرغوب فيه. وأما الهم بالدنيا: فهو على ضربين: هم خطرات؛ وهو أن يخطر بباله ولا يساكنه، فهو غير مؤاخذ به. لقول النبي ﷺ : "عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها" (٢). والضرب الآخر: هم الإصرار: وهو أن يقيم عليه؛ فهو مذموم، وهو أن يديم الإهتمام بالدنيا، والإكتساب منها. وقد روى أنس عن النبي ﷺ قال: "أعظم الناس همُّا المؤمن الدي يهم بأمر دنياه وآخرته" (٣). وروى أنس: قال رسول الله ﷺ : "من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" (٤).
следующие страницы →