Полный текст (8 101 стр.). Показаны 8086–8101 · переход к 8091.
стр. 8086
فتَصِلُ إِلى الأَلف وَاللَّامِ بأَيٍّ، وَهَا لازِمةٌ لأَيٍّ لِلتَّنْبِيهِ، وَهِيَ عِوَضٌ مِنَ الإِضافة فِي أَيٍّ لأَن أَصل أَيٍّ أَن تَكُونَ مُضَافَةً إِلى الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ. وَتَقُولُ للمرأَةِ: يَا أَيَّتُها المرأَةُ، والقرّاء كلهم قَرَؤُوا: أَيُّها وَيَا أَيُّها الناسُ وأَيُّها الْمُؤْمِنُونَ، إِلا ابنَ عَامِرٍ فإِنه قرأَ أَيُّهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَيْسَتْ بجَيِّدةٍ، وَقَالَ ابْنُ الأَنباري: هِيَ لُغَةٌ؛ وأَما قَوْلُ جَرير:
يقولُ لِي الأَصْحابُ: هَلْ أَنتَ لاحِقٌ ... بأَهْلِكَ؟ إِنَّ الزَّاهِرِيَّةَ لَا هِيا
فَمَعْنَى لَا هِيا أَي لَا سَبِيلَ إِليها، وَكَذَلِكَ إِذا ذكَر الرَّجُلُ شَيْئًا لَا سَبِيلَ إِليه قَالَ لَهُ المُجِيبُ: لَا هُوَ أَي لَا سَبِيلَ إِليه فَلَا تَذْكُرْهُ. وَيُقَالُ: هُوَ هُوَ أَي هُوَ مَن قَدْ عرَفْتُهُ. وَيُقَالُ: هِيَ هِيَ أَي هِيَ الداهِيةُ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُها، وَهُمُ هُمْ أَي هُمُ الَّذِينَ عَرَفْتُهم؛ وَقَالَ الْهُذَلِيُّ:
رَفَوْني وَقَالُوا: يَا خُوَيْلِدُ لَم تُرَعْ؟ ... فقُلتُ وأَنْكَرْتُ الوجوهَ: هُمُ هُمُ
وَقَوْلُ الشَّنْفَرَى:
فإِنْ يكُ مِن جِنٍّ لأَبْرَحُ طارِقاً، ... وإِنْ يَكُ إِنْساً مَا كَها الإِنْسُ تَفْعَلُ
أَي مَا هَكَذَا الإِنْسُ تَفْعَل؛ وَقَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
لَنا الغَوْرُ والأَعْراضُ فِي كلِّ صَيْفةٍ، ... فذَلِكَ عَصْرٌ قَدْ خَلا هَا وَذا عَصْرُ
أَدخلَ هَا التَّنْبِيهِ؛ وَقَالَ كَعْبٌ:
عادَ السَّوادُ بَياضاً فِي مَفارقِهِ، ... لَا مَرْحَباً هَا بِذَا اللَّوْنِ الَّذِي رَدَفا
كأَنه أَراد لَا مَرْحَباً بِهَذَا اللَّوْنِ، فَفَرَقَ بَيْنَ هَا وَذَا بالصِّفة كَمَا يفْرُقون بَيْنَهُمَا بِالْاسْمِ: هَا أَنا وَهَا هُوَ ذَا. الْجَوْهَرِيُّ: وَالْهَاءُ قَدْ تَكُونُ كِنايةً عَنِ الغائبِ والغائِبة، تَقُولُ: ضَرَبَه وضَرَبها، وَهُوَ للمُذكَّر، وهِيَ للمُؤنثِ، وإِنما بَنَوا الواوَ فِي هُوَ وَالْيَاءَ فِي هِيَ عَلَى الْفَتْحِ ليَفْرُقُوا بَيْنَ هَذِهِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ الَّتِي هِيَ مِن نَفْسِ الْاسْمِ المَكْنِيِّ وَبَيْنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ اللَّتَيْنِ تَكُونَانِ صِلَةً فِي نَحْوِ قَوْلِكَ رأَيْتُهو ومَرَرْتُ بِهِي، لأَن كُلَّ مَبْنِيّ فَحَقُّهُ أَن يُبْنى عَلَى السُّكُونِ، إِلا أَن تَعْرِضَ عِلَّة تُوجِبُ الحَركة، وَالَّذِي يَعْرِضُ ثلاثةُ أَشياء: أَحَدُها اجتماعُ الساكِنَيْنِ مِثْلُ كَيْفَ وأَيْن، وَالثَّانِي كَوْنُهُ عَلَى حَرْف وَاحِدٍ مِثْلَ الْبَاءِ الزَّائِدَةِ، والثالثُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِثْلَ الفِعل الماضِي يُبْنى عَلَى الْفَتْحِ، لأَنه ضارَعَ بعضَ المُضارعةِ فَفُرِقَ بالحَركة بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُضارِعْ، وَهُوَ فِعْلُ الأَمْرِ المُواجَهِ بِهِ نَحْوَ افْعَلْ؛ وأَما قولُ الشَّاعِرُ:
مَا هِيَ إِلا شَرْبةٌ بالحَوْأَبِ، ... فَصَعِّدِي مِنْ بَعْدِها أَو صَوِّبي
وَقَوْلُ بِنْتِ الحُمارِس:
هَلْ هِيَ إِلَّا حِظةٌ أَو تَطْلِيقْ، ... أَو صَلَفٌ مِنْ بَينِ ذاكَ تَعْلِيقْ؟
فإِنَّ أَهل الْكُوفَةِ قَالُوا هِيَ كِنايةٌ عَنْ شَيْءٍ مَجْهُولٍ، وأَهل البَصرة يَتأَوَّلُونها القِصَّة؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَضَمِيرُ الْقِصَّةِ والشأْن عِنْدَ أَهل الْبَصْرَةِ لَا يُفَسِّره إِلا الجماعةُ دُونَ المُفْرَد. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْعَرَبُ تَقِفُ عَلَى كُلِّ هاءِ مؤنَّث بِالْهَاءِ إِلا طَيِّئاً فإِنهم يَقِفون عَلَيْهَا بِالتَّاءِ فَيَقُولُونَ هَذِهِ أَمَتْ وجاريَتْ وطَلْحَتْ، وإِذا أَدْخَلْتَ الْهَاءَ فِي النُّدْبة أَثْبَتَّها فِي الوقْف وحذفْتها فِي الْوَصْلِ، ورُبما ثَبَتَتْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فتُضَمُّ كالحَرْف الأَصليّ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ فتُضَمُّ كَهَاءِ الضَّمِيرِ فِي عَصاهُ ورَحاهُ، قَالَ: وَيَجُوزُ
стр. 8087
كَسْرُهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، هَذَا عَلَى قَوْلِ أَهل الْكُوفَةِ؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ:
يَا ربِّ يَا رَبَّاهُ إِيَّاكَ أَسَلْ ... عَفْراء، يَا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأَجلْ
وَقَالَ قَيْسِ بنُ مُعاذ الْعَامِرِيُّ، وَكَانَ لمَّا دخلَ مَكَّةَ وأَحْرَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ جَعَلَ يَسْأَلُ رَبَّه فِي لَيْلى، فَقَالَ لَهُ أَصحابه: هَلَّا سأَلتَ اللَّهَ فِي أَن يُريحَكَ مِنْ لَيْلى وسأَلْتَه المَغْفرةَ فَقَالَ:
دَعا المُحْرمُونَ اللهَ يَسْتَغْفِرُونَه، ... بِمكَّةَ، شُعْثاً كَيْ تُمحَّى ذُنُوبُها
فَنادَيْتُ: يَا رَبَّاهُ أَوَّلَ سَأْلَتي ... لِنَفْسِيَ لَيْلى، ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُها
فإِنْ أُعْطَ لَيْلى فِي حَياتِيَ لَا يَتُبْ، ... إِلى اللهِ، عَبْدٌ تَوْبةً لَا أَتُوبُها
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ بحُجة عِنْدَ أَهل الْبَصْرَةِ، وَهُوَ خارجٌ عَنِ الأَصل، وَقَدْ تُزَادُ الْهَاءُ فِي الْوَقْفِ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ نَحْوَ لِمَهْ وسُلْطانِيَهْ ومالِيَهْ وثُمَّ مَهْ، يَعْنِي ثُمَّ مَاذَا، وَقَدْ أَتَتْ هَذِهِ الْهَاءُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَمَا قَالَ:
هُمُ القائلونَ الخَيرَ والآمِرُونَهُ، ... إِذا مَا خَشَوْا مِن مُعْظَمِ الأَمرِ مُفْظِعا «١»
فأَجْراها مُجْرَى هَاءِ الإِضمار، وَقَدْ تَكُونُ الْهَاءُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ مَثْلَ هَراقَ وأَراقَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ثَلَاثَةُ أَفعال أَبْدَلوا مِنْ هَمْزَتِهَا هَاءً، وَهِيَ: هَرَقْت الْمَاءَ، وهَنَرْتُ الثَّوْبَ «٢» وهَرَحْتُ الدابَّةَ، وَالْعَرَبُ يُبْدِلون أَلف الْاسْتِفْهَامِ هَاءً؛ قَالَ الْشَّاعِرُ:
وأَتَى صَواحِبُها فَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي ... مَنَحَ المَوَدَّةَ غَيْرَنا وجَفانا
يَعْنِي أَذا الَّذِي، وَهَا كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، وَقَدْ كَثُرَ دُخُولُهَا فِي قَوْلِكَ ذَا وذِي فَقَالُوا هَذَا وهَذِي وهَذاك وهَذِيك حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَا لِمَا بَعُدَ وَهَذَا لِمَا قَرُبَ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، ﵁: هَا إِنَّ هَاهُنا عِلْماً، وأَوْمَأَ بِيَدِه إِلى صَدْرِه، لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلةً
؛ هَا، مَقْصورةً: كلمةُ تَنبيه للمُخاطَب يُنَبَّه بِهَا عَلَى مَا يُساقُ إِليهِ مِنَ الْكَلَامِ. وَقَالُوا: هَا السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَهَا مُنَبِّهَةٌ مؤَكِّدةٌ؛ قَالَ الْشَّاعِرُ:
وقَفْنا فقُلنا: هَا السَّلامُ عليكُمُ ... فأَنْكَرَها ضَيقُ المَجَمِّ غَيُورُ
وَقَالَ الْآخَرُ:
هَا إِنَّها إِنْ تَضِقِ الصُّدُورُ، ... لَا يَنْفَعُ القُلُّ وَلَا الكَثِيرُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَا اللهِ، يُجْرَى مُجْرى دابَّةٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، وَقَالُوا: هَا أَنْتَ تَفْعَلُ كَذَا. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ*
وهأَنْتَ، مَقْصُورٌ. وَهَا، مَقْصُورٌ: للتَّقْريب، إِذا قِيلَ لَكَ أَيْنَ أَنْتَ فَقُلْ هَا أَنا ذَا، والمرأَةُ تَقُولُ هَا أَنا ذِهْ، فإِن قِيلَ لَكَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قلتَ إِذا كَانَ قَرِيبًا: هَا هُو ذَا، وإِن كَانَ بَعِيداً قُلْتَ: هَا هُوَ ذَاكَ، وللمرأَةِ إِذا كَانَتْ قَريبة: هَا هِيَ ذِهْ، وإِذا كَانَتْ بَعِيدَةً: هَا هِيَ تِلْكَ، والهاءُ تُزادُ فِي كلامِ الْعَرَبِ عَلَى سَبْعة أَضْرُب: أَحدها للفَرْقِ بَيْنَ الْفَاعِلِ والفاعِلة مثل
стр. 8088
ضارِبٍ وضارِبةٍ، وكَريمٍ وكَرِيمةٍ، وَالثَّانِي لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُذَكَّر والمُؤَنث فِي الْجِنْسِ نَحْوَ امْرئٍ وامرأَةٍ، وَالثَّالِثُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ مِثْلَ تَمْرة وتَمْر وبَقَرةٍ وبَقَر، وَالرَّابِعُ لتأْنيث اللَّفْظَةِ وإِن لَمْ يَكُنْ تحتَها حَقيقةُ تَأْنيث نَحْوَ قِرْبةٍ وغُرْفةٍ، وَالْخَامِسُ للمُبالَغةِ مِثْلُ عَلَّامةٍ ونسّابةٍ فِي المَدْح وهِلْباجةٍ وفَقاقةٍ فِي الذَّمِّ، فَمَا كَانَ مِنْهُ مَدْحاً يَذْهَبُونَ بتأْنيثه إِلى تأْنيث الْغَايَةِ والنِّهاية والداهِية، وَمَا كَانَ ذَمّاً يَذْهَبُونَ فِيهِ إِلى تأْنيث البَهِيمةِ، وَمِنْهُ مَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ نَحْوَ رَجُل مَلُولةٌ وامرأَةٌ مَلُولةٌ، وَالسَّادِسُ مَا كَانَ وَاحِدًا مِنْ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْمُذَكَّرِ والأُنثى نَحْوَ بَطَّة وحَيَّة، وَالسَّابِعُ تَدْخُلُ فِي الْجَمْعِ لِثَلَاثَةِ أَوجه: أَحدها أَن تَدُلَّ عَلَى النَّسب نَحْوَ المَهالِبة، وَالثَّانِي أَن تَدُلَّ عَلَى العُجْمةِ نَحْوَ المَوازِجةِ والجَوارِبةِ وَرُبَّمَا لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الْهَاءُ كَقَوْلِهِمْ كَيالِج، وَالثَّالِثُ أَن تَكُونَ عِوَضًا مِنْ حَرْفٍ مَحْذُوفٍ نَحْوَ المَرازِبة والزَّنادِقة والعَبادِلةِ، وَهُمْ عبدُ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عُمَر وعبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْر. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أَسقط الْجَوْهَرِيُّ مِنَ العَبادِلة عبدَ اللهِ بنَ عَمْرو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ الرَّابِعُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ تَكُونُ الْهَاءُ عِوضاً مِنَ الْوَاوِ الذاهِبة مِنْ فَاءِ الْفِعْلِ نَحْوَ عِدةٍ وصِفةٍ، وَقَدْ تَكُونُ عِوَضًا مِنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ الذَّاهِبَةِ مِنْ عَيْن الْفِعْلِ نَحْوَ ثُبةِ الحَوْضِ، أَصله مِنْ ثابَ الماءُ يَثُوبُ ثَوْباً، وَقَوْلُهُمْ أَقام إِقامةً وأَصله إِقْواماً، وَقَدْ تَكُونُ عِوَضًا مِنَ الْيَاءِ الذَّاهِبَةِ مِنْ لَامِ الْفِعْلِ نَحْوَ مِائةٍ ورِئةٍ وبُرةٍ، وَهَا التَّنبيهِ قَدْ يُقْسَمُ بها فيقال: لا ها اللهِ مَا فَعَلتُ أَي لَا واللهِ، أُبْدِلَتِ الْهَاءُ مِنَ الْوَاوِ، وإِن شِئْتَ حَذَفْتَ الأَلف الَّتِي بعدَ الْهَاءِ، وإِن شِئْتَ أَثْبَتَّ، وقولهم: لا ها اللهِ ذَا، بِغَيْرِ أَلفٍ، أَصلُه لَا واللهِ هَذَا مَا أُقْسِمُ بِهِ، ففَرقْتَ بَيْنَ هَا وَذَا وجَعَلْتَ اسْمَ اللَّهِ بَيْنَهُمَا وجَرَرْته بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا واللهِ مَا فعَلْتُ هَذَا، فحُذِفَ واخْتُصِر لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ وقُدِّم هَا كَمَا قُدِّم فِي قَوْلِهِمْ هَا هُو ذَا وهأَنَذا؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
تَعَلَّماً هَا لَعَمْرُ اللهِ ذَا قَسَماً، ... فاقْصِدْ بذَرْعِكَ وانْظُرْ أَينَ تَنْسَلِكُ «١»
وَفِي حَدِيثِ
أَبي قَتادةَ، ﵁، يومَ حُنَينٍ: قَالَ أَبو بَكْرٍ، ﵁: لا ها اللهِ إِذاً لَا يَعْمِدُ إِلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقاتِلُ عَنِ اللهِ ورسولِه فيُعْطِيكَ سَلَبَه
؛ هَكَذَا جاء الحديث لا ها اللهِ إِذاً، «٢»، والصواب لا ها اللهِ ذَا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَمَعْنَاهُ لَا واللهِ لَا يكونُ ذَا وَلَا واللهِ الأَمرُ ذَا، فحُذِفَ تَخْفِيفًا، وَلَكَ فِي أَلف هَا مَذْهبان: أَحدهما تُثْبِتُ أَلِفَها لأَن الَّذِي بَعْدَهَا مُدْغَمٌ مثلُ دابةٍ، وَالثَّانِي أَن تَحْذِفَها لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. وهاءِ: زَجْرٌ للإِبل ودُعاء لَهَا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ إِذا مدَدْتَ، وَقَدْ يُقْصَرُ، تَقُولُ هاهَيْتُ بالإِبل إِذا دَعَوْتَها كَمَا قُلْنَاهُ فِي حاحَيْتُ، وَمَنْ قَالَ هَا فَحَكَى ذَلِكَ قَالَ هاهَيْتُ. وهاءَ أَيضاً: كَلِمَةُ إِجابة وتَلْبِيةٍ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. الأَزهري: قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هاءَ وهاكَ بِمَنْزِلَةِ حَيَّهَلَ وحَيَّهلَك، وَكَقَوْلِهِمُ النَّجاكَ، قَالَ: وَهَذِهِ الْكَافُ لَمْ تَجِئْ عَلَماً للمأْمورين والمَنْهِيِّينَ والمُضْمَرِين، وَلَوْ كَانَتْ عَلَمًا لمُضْمَرِين لَكَانَتْ خَطَأً لأَن المُضْمَرَ هُنَا فاعِلون، وعلامةُ الْفَاعِلِينَ الْوَاوُ كَقَوْلِكَ افْعَلُوا، وإِنما هَذِهِ الْكَافُ تَخْصِيصًا وَتَوْكِيدًا وَلَيْسَتْ بِاسْمٍ، وَلَوْ كَانَتِ اسْمًا لكان
стр. 8089
النَّجاكُ مُحالًا لأَنك لَا تُضِيفُ فِيهِ أَلفاً وَلَامًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ كَافُ ذلكَ لَيْسَ بِاسْمٍ. ابْنُ الْمُظَفَّرِ: الْهَاءُ حَرْفٌ هَشٌّ لَيِّنٌ قَدْ يَجِيءُ خَلَفاً مِنَ الأَلف الَّتِي تُبْنَى لِلْقَطْعِ، قَالَ اللَّهُ : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ؛ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُعْطى كِتابه بيَمِينه، فإِذا قرأَه رأَى فِيهِ تَبْشِيرَه بِالْجَنَّةِ فيُعْطِيه أَصْحابَهُ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤوا كِتابي أَي خُذُوه واقْرؤوا مَا فِيه لِتَعْلَمُوا فَوْزي بِالْجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنِّي ظَنَنْتُ، أَي عَلِمْتُ، أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ. وَفِي هَاءٍ بِمَعْنَى خُذْ لغاتٌ مَعْرُوفَةٌ؛ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ هاءَ يَا رَجُل، وهاؤُما يَا رجلانِ، وهاؤُمْ يَا رِجالُ. وَيُقَالُ: هاءِ يَا امرأَةُ، مَكْسُورَةً بِلَا يَاءٍ، وهائِيا يَا امرأَتانِ، وهاؤُنَّ يَا نِسْوةُ؛ وَلُغَةٌ ثَانِيَةٌ: هَأْ يَا رَجُلُ، وهاءَا بِمَنْزِلَةِ هَاعَا، وللجمع هاؤُوا، وللمرأَة هَائِي، وَلِلتَّثْنِيَةِ هاءَا، وَلِلْجَمْعِ هَأْنَ، بِمَنْزِلَةِ هَعْنَ؛ وَلُغَةٌ أُخرى: هاءِ يَا رَجُلُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَلِلْاثْنَيْنِ هائِيا، وللجمع هاؤُوا، وللمرأَة هَائِي، وَلِلثِّنْتَيْنِ هائِيا، وَلِلْجَمْعِ هائِينَ، قَالَ: وإِذا قلتُ لَكَ هاءَ قلتَ مَا أَهاءُ يَا هَذَا، وَمَا أَهاءُ أَي مَا آخُذُ وَمَا أُعْطِي، قَالَ: ونحوَ ذَلِكَ قَالَ الْكِسَائِيُّ، قَالَ: وَيُقَالُ هاتِ وهاءِ أَي أَعْطِ وَخُذْ؛ قَالَ الْكُمَيْتُ:
وَفِي أَيامِ هاتِ بهاءِ نُلْفَى، ... إِذا زَرِمَ النَّدَى، مُتَحَلِّبِينا
قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ هاكَ هَذَا يَا رَجُلُ، وَهَاكُمَا هَذَا يَا رجُلان، وهاكُمْ هَذَا يَا رجالُ، وهاكِ هَذَا يَا امرأَةُ، وهاكُما هَذَا يَا امْرأَتان، وهاكُنَّ يَا نِسْوةُ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ هاءَ يَا رَجُلُ، بِالْفَتْحِ، وهاءِ يَا رَجُلُ بِالْكَسْرِ، وهاءَا لِلْاثْنَيْنِ فِي اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا بِالْفَتْحِ، وَلَمْ يَكْسِروا في الاثنين، وهاؤُوا فِي الْجَمْعِ؛ وأَنشد:
قُومُوا فَهاؤُوا الحَقَّ نَنْزِلْ عِنْدَه، ... إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ عَليْنا مَفْخَرُ
وَيُقَالُ هاءٍ، بِالتَّنْوِينِ؛ وَقَالَ:
ومُرْبِحٍ قالَ لِي: هاءٍ فَقُلْتُ لَهُ: ... حَيَّاكَ رَبِّي لَقدْ أَحْسَنْتَ بِي هَائِي «٣»
قَالَ الأَزهري: فَهَذَا جَمِيعُ مَا جَازَ مِنَ اللُّغَاتِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وأَما الْحَدِيثِ الَّذِي جاءَ فِي الرِّبا:
لَا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهبِ إِلَّا هاءَ وَهَاءَ
، فَقَدِ اختُلف فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَن يَقُولَ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَبايِعَيْن هاءَ أَي خُذْ فيُعْطِيه مَا فِي يَدِهِ ثُمَّ يَفْترقان، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هاكَ وهاتِ أَي خُذْ وأَعْطِ، قَالَ: وَالْقَوْلُ هُوَ الأَولُ. وَقَالَ الأَزهري فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
لَا تَشْتَرُوا الذَّهب بالذَّهب إِلَّا هاءَ وَهَاءَ
أَي إِلَّا يَداً بيدٍ، كما جاء في حديث الْآخَرِ يَعْنِي مُقابَضةً فِي الْمَجْلِسِ، والأَصلُ فِيهِ هاكَ وهاتِ كَمَا قَالَ:
وجَدْتُ الناسَ نائِلُهُمْ قُرُوضٌ ... كنَقْدِ السُّوقِ: خُذْ مِنِّي وهاتِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصحاب الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ هَا وَهَا، ساكنةَ الأَلف، وَالصَّوَابُ مَدُّها وفَتْحُها لأَن أَصلها هاكَ أَي خُذْ، فحُذفَت الْكَافُ وعُوِّضت مِنْهَا الْمُدَّةُ وَالْهَمْزَةُ، وَغَيْرُ الْخَطَّابِيِّ يُجِيزُ فِيهَا السُّكُونَ عَلَى حَذْفِ العِوَضِ وتَتَنزَّلُ مَنْزِلةَ هَا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
عُمَرَ لأَبي مُوسَى، ﵄: هَا وإِلَّا جَعَلْتُكَ عِظةً
أَي هاتِ منْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى قَوْلِكَ. الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ فِي الْاسْتِفْهَامِ إِذا كَانَ بِهَمْزَتَيْنِ أَو بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ بِجَعْلِ الْهَمْزَةِ الأُولى هاء، فيقال
стр. 8090
هأَلرجُل فَعلَ ذَلِكَ، يُريدون آلرَّجُلُ فَعل ذَلِكَ، وهأَنت فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الذَّكَرَيْنِ هالذَّكَرَيْن، فإِن كَانَتْ لِلْاسْتِفْهَامِ بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَةٍ وَاحِدَةٍ فإِن أَهل اللُّغَةِ لَا يَجْعَلُونَ الْهَمْزَةَ هَاءً مِثْلَ قَوْلِهِ: أَتَّخَذْتُم، أَصْطفى، أَفْتَرى، لَا يَقُولُونَ هاتَّخَذْتم، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قِيلت لكانتْ. وطيِءٌ تَقُولُ: هَزَيْدٌ فَعَلَ ذَلِكَ، يُريدون أَزيدٌ فَعَلَ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: أَيا فلانُ وهَيا فلانُ؛ وأَما قَوْلُ شَبيب بْنِ البَرْصاء:
نُفَلِّقُ، هَا مَنْ لَمْ تَنَلْه رِماحُنا، ... بأَسْيافِنا هامَ المُلوكِ القَماقِمِ
فإِنَّ أَبا سَعِيدٍ قَالَ: فِي هَذَا تَقْدِيمٌ مَعْنَاهُ التأُخر إِنما هُوَ نُفَلِّقُ بأَسيافنا هامَ المُلوك القَماقِمِ، ثُمَّ قَالَ: هَا مَنْ لَمْ تَنَلْه رِماحُنا، فَهَا تَنْبِيه.
هلا
: هَلا: زجر للخيل أَي تَوَسَّعي وتَنحَّيْ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُعْتَلِّ لأَن هَذَا بَابٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَلِفات غَيْرِ مُنْقَلِبات مِنْ شَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَلا لامُه يَاءٌ فَذَكَرْنَاهُ في المعتل.
هنا
: هُنا: ظَرْفُ مَكَانٍ، تَقُولُ جَعَلْتُه هُنا أَي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وهَنَّا بِمَعْنَى هُنا: ظَرْفٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، ﵇: إِنَّ هَاهُنا عِلْماً، وأَوْمَأَ بيَدِه إِلى صَدْرِه، لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلةً
؛ هَا، مَقصورة: كلمة تَنْبِيه للمُخاطَب يُنَبَّه بِهَا عَلَى مَا يُساقُ إِليه مِنَ الْكَلَامِ. ابن السكيت: هُنا هَاهُنا موضعٌ بِعَيْنِهِ. أَبو بَكْرٍ النَّحْوِيُّ: هُنا اسْمُ مَوْضِعٍ فِي الْبَيْتِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَوْمَ هُنا أَي يَوْمَ الأَوَّل؛ قَالَ:
إِنَّ ابْنَ عاتِكَة المَقْتُولَ، يَوْمَ هُنا، ... خَلَّى عَليَّ فِجاجاً كانَ يَحْمِيها
قَوْلُهُ: يَوْمَ هُنا هُوَ كَقَوْلِكَ يَوْمَ الأَوَّلِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وحَديثُ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنا
قَالَ: هُنا اسْمُ مَوْضِعٍ غيرُ مَصْرُوف لأَنه لَيْسَ فِي الأَجْناس مَعْرُوفًا، فَهُوَ كجُحَى، وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي بَابِ الْمُعْتَلِّ. غَيْرُهُ: هُنا وهُناك لِلْمَكَانِ وهُناك أَبْعَدُ مِنْ هاهُنا. الْجَوْهَرِيُّ: هُنا وهَاهُنا لِلتَّقْرِيبِ إِذا أَشرتَ إِلى مَكَانٍ، وهُناك وهُنالِكَ للتَّبْعِيدِ، وَاللَّامِ زَائِدَةٌ وَالْكَافُ لِلْخِطَابِ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّبْعِيدِ، تُفْتَحُ للمذَكَّرِ وَتُكْسَرُ للمُؤَنَّثِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يقال اجْلِسْ هاهُنا أَي قريباً، وتَنَحَّ هاهُنا أَي تَباعَدْ أَو ابْعُدْ قليلًا، قال: وهَاهِنَّا أَيضاً تَقَوَّلَهُ قَيْسٌ وتَمِيمٌ. قَالَ الأَزهري: وَسَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ قَيْسٍ يَقُولُونَ اذْهَبْ هَاهَنَّا بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَلَمْ أَسْمَعْها بِالْكَسْرِ مِنْ أَحد. ابْنُ سِيدَهْ: وَجَاءَ مِنْ هَني أَي مِنْ هُنا، قَالَ: وجِئتُ مِنْ هَنَّا وَمِنْ هِنَّا. وهَنَّا بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ: معناه هَاهُنا. وهَنَّاك أَي هُناك؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
لَمَّا رأَيت مَحْمِلَيْها هَنَّا
وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَجَمَّعُوا مِنْ هَنَّا ومِنْ هَنَّا أَي من هَاهُنا ومن هَاهُنا؛ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
حَنَّت نَوارُ، ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ، ... وبَدا الَّذِي كانَتْ نَوارُ أَجَنَّتِ
يَقُولُ: لَيْسَ ذَا مَوْضِعَ حَنِينٍ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ لجَحْل بْنِ نَضْلَة وَكَانَ سَبى النَّوارَ بنتَ عمْرو بْنِ كُلْثوم؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي:
أَفِي أَثَرِ الأَظْعانِ عَيْنُكَ تَلْمَحُ؟ ... نَعَمْ لاتَ هَنَّا، إنَّ قَلْبَكَ مِتْيَحُ
стр. 8091
يَعْنِي لَيْسَ الأَمر حَيْثُمَا ذَهَبْتَ؛ وَقَوْلُهُ أَنشده أَبو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي:
قدْ وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ، ... مِنْ هَاهُنا ومِنْ هُنَهْ
إِنما أَراد: وَمِنْ هُنا فأَبدل الأَلف هَاءً، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وها هُنَهْ لأَن قَبْلَهُ أَمْكِنَهْ، فَمِنَ المُحال أَن تَكُونَ إِحْدَى الْقَافِيَتَيْنِ مُؤَسَّسَةً والأُخرى غَيْرَ مؤسسة. وهَاهِنَّا أَيضاً تَقَوَّلَهُ قَيْسٌ وَتَمِيمٌ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا أَرادت البُعْد: هَنَّا وهَاهَنَّا وهَنَّاكَ وهَاهَنَّاك، وَإِذَا أَرادت الْقُرْبَ قَالَتْ: هُنا وهَاهُنا. وتقول للحبيب: هَاهُنا وهُنا أَي تَقَرَّبْ وادْنُ، وفي ضدّه للبَغِيض: هَاهَنَّا وهَنَّا أَي تَنَحَّ بَعِيداً؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ يَهْجُو أُمه:
فهَاهَنَّا اقْعُدِي مِني بَعِيداً، ... أَراحَ اللهُ مِنْكِ العالَمِينا «١»
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ فَلَاةً بَعِيدةَ الأَطْراف بعيدةَ الأَرجاء كَثِيرَةَ الخَيرِ:
هَنَّا وهَنَّا ومِنْ هَنَّا لَهُنَّ بِهَا، ... ذاتَ الشَّمائلِ والأَيْمانِ، هَيْنُومُ
الْفَرَّاءُ: مِنْ أَمثالهم:
هَنَّا وهَنَّا عَنْ جِمالِ وَعْوَعَهْ «٢»
كَمَا تَقُولُ: كلُّ شَيْءٍ وَلَا وَجَع الرأْسِ، وكلُّ شَيْءٍ وَلَا سَيْف فَراشةَ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ إِذَا سَلِمْتُ وسَلِمَ فُلَانٌ فَلَمْ أَكْتَرِثْ لغَيرِه؛ وَقَالَ شَمِرٌ: أَنشدنا ابْنُ الأَعرابي لِلْعَجَّاجِ:
وكانتِ الحَياةُ حِينَ حَيَّتِ، ... وذِكْرُها هَنَّتْ فلاتَ هَنَّتِ
أَراد هَنَّا وهَنَّهْ فَصَيَّرَهُ هَاءً لِلْوَقْفِ. فلاتَ هَنَّتْ أَي لَيْسَ ذَا موضعَ ذَلِكَ وَلَا حِينَه، فَقَالَ هَنَّت بِالتَّاءِ لَمَّا أَجرى الْقَافِيَةَ لأَن الْهَاءَ تَصِيرُ تَاءً فِي الْوَصْلِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الأَعشى:
لاتَ هَنَّا ذِكْرَى جُبَيرةَ أَمَّنْ ... جَاءَ مِنْها بطائفِ الأَهوالِ «٣»
قَالَ الأَزهري: وَقَدْ مَضَى مِنْ تَفْسِيرِ لاتَ هَنَّا فِي الْمُعْتَلِّ مَا ذُكِرَ هُناك لأَن الأَقرب عِنْدِي أَنه مِنَ المُعْتَلَّاتِ؛ وتقَدّم فِيهِ:
حَنَّتْ ولاتَ هَنَّتْ، ... وأَنَّى لكِ مَقْروعُ
رَوَاهُ ابْنُ السِّكِّيتِ:
وكانتِ الحَياةُ حِينَ حُبَّتِ
يَقُولُ: وَكَانَتِ الحياةُ حِينَ تُحَبُّ. وذِكْرُها هَنَّتْ، يَقُولُ: وذِكرُ الحَياةِ هُناكَ وَلَا هُنَاكَ أَي لِليأْس مِنَ الْحَيَاةِ؛ قَالَ وَمَدَحَ رَجُلًا بِالْعَطَاءِ:
هَنَّا وهَنَّا وَعَلَى المَسْجوحِ
أَي يُعْطِي عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، وَعَلَى المَسْجُوح أَي عَلَى القَصْد؛ أَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
حَنَّتْ نَوارُ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ، ... وبَدا الَّذِي كانتْ نَوارُ أَجَنَّتِ
أَي لَيْسَ هَذَا موضعَ حَنِينٍ وَلَا فِي موضِع الحَنِينِ حَنَّتْ؛ وأَنشد لبَعضِ الرُّجَّازِ
стр. 8092
:
لمَّا رأَيتُ مَحْمِلَيْها هَنَّا ... مُخَدَّرَيْنِ، كِدْتُ أَنْ أُجَنَّا
قوله هَنَّا أَي هَاهَنَّا، يُغَلِّطُ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَوْلُهُمْ فِي النِّدَاءِ: يَا هَنَّاه بزيادة هاء فِي آخِرِهِ، وتصِيرُ تَاءً فِي الْوَصْلِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرْنَا مَا انْتَقَدَهُ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ فِي تَرْجَمَةِ هُنَا فِي المُعْتَلّ. وهُنا: اللَّهْوُ وا للَّعِبُ، وَهُوَ مَعْرِفةٌ؛ وأَنشد الأَصمعي لِامْرِئِ الْقَيْسِ:
وحَدِيثُ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنا، ... وحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ
وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: هَنا وهَنْتَ بِمَعْنَى أَنا وأَنتَ، يَقْلِبون الْهَمْزَةَ هَاءً وَيُنْشِدُونَ بَيْتَ الأَعشى:
يَا ليتَ شِعْرِي هَلْ أَعُودنْ ناشِئاً ... مِثْلي، زُمَيْنَ هَنا بِبُرْقةِ أَنْقَدا؟
ابْنُ الأَعرابي: الهُنا الحَسَبُ الدَّقِيقُ الخَسِيسُ؛ وأَنشد:
حاشَى لفرْعَيْكَ مِن هُنا وهُنا، ... حاشَى لأَعْراقِكَ الَّتِي تَشبحُ
هيا
: هَيا: مِنْ حروفِ النَّداء، وأَصلها أَيا مِثْلُ هَراقَ وأَراقَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
فأَصاخَ يَرْجُو أَن يَكُونَ حَيّاً، ... ويقولُ مِنْ طَرَبٍ: هَيا رَبَّا
وا
: الْوَاوُ: مِنْ حُرُوفِ المُعْجم، وَوَوٌ حرفُ هِجَاءٍ «١» واوٌ: حَرْفُ هِجَاءٍ، وَهِيَ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ وَاوٍ وَيَاءٍ وواو، وهي حرف مهجور يَكُونُ أَصلًا وَبَدَلًا وَزَائِدًا، فالأَصل نَحْوُ وَرَلٍ وسَوْطٍ ودَلْوٍ، وَتُبْدَلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحرف وَهِيَ الْهَمْزَةُ والأَلف وَالْيَاءُ، فأَما إِبْدَالُهَا مِنَ الْهَمْزَةِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضرب: أَحدها أَن تَكُونَ الْهَمْزَةُ أَصلًا، وَالْآخَرُ أَن تَكُونَ بَدَلًا، وَالْآخَرُ أَن تَكُونَ زَائِدًا، أَمَّا إِبْدَالُهَا مِنْهَا وَهِيَ أَصل فأَن تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً وَقَبْلَهَا ضَمَّةٌ، فَمَتَى آثَرْتَ تَخْفِيفَ الْهَمْزَةِ قَلَبْتَهَا وَاوًا، وَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِكِ فِي جُؤَنٍ جُوَن، وَفِي تَخْفِيفِ هُوَ يَضْرِبُ أَباكَ يَضْرِبُ وَباك، فَالْوَاوُ هُنَا مُخَلَّصةٌ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَمْزَةِ المُبْدَلةِ، فَقَوْلُهُمْ فِي يَمْلِكُ أَحَدَ عَشَرَ هُوَ يَمْلِكُ وَحَدَ عَشَرَ، وَفِي يَضْرِبُ أَباهُ يَضْرِبُ وَباه، وَذَلِكَ أَن الْهَمْزَةَ فِي أَحدَ وأَباهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ، وَقَدْ أُبْدِلت الْوَاوُ مِنْ هَمْزَةِ التأْنيث المُبْدَلة مِنَ الأَلف فِي نَحْوِ حَمْراوانِ وَصَحْراواتٍ وصَفْراوِيٍّ، وأَما إبدالُها مِنَ الْهَمْزَةِ الزَّائِدَةِ فَقَوْلُكُ فِي تَخْفِيفِ هَذَا غلامُ أَحْمَدَ: هَذَا غلامُ وَحْمَدَ، وَهُوَ مُكْرِمُ أَصْرَمَ: هُوَ مُكْرِمُ وَصْرَمَ، وأَما إِبْدَالُ الْوَاوِ مِنَ الأَلف أَصليةً فَقَوْلُكُ فِي تَثْنِيَةِ إِلَى وَلَدَى وَإِذَا أَسماء رِجَالٍ: إلَوانِ ولَدَوانِ وإذَوانِ؛ وَتَحْقِيرُهَا وُوَيَّةٌ. وَيُقَالُ: وَاوٌ مُوَأْوَأَةٌ، وَهَمَزُوهَا كراهَةَ اتِّصالِ الواواتِ والياءَات، وَقَدْ قَالُوا مُواواةٌ، قَالَ: هَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الْعَيْنِ، وَقَدْ خَرَجَتْ واوٌ بِدَلِيلِ التَّصْرِيفِ إِلَى أَنَّ في الكلام مثل وَعَوْتُ الَّذِي نَفَاهُ سِيبَوَيْهِ، لأَن أَلف وَاوٍ لَا تَكُونُ إِلَّا مُنْقَلِبَةً كَمَا أَنّ كُلَّ أَلف عَلَى هَذِهِ الصُّورة لَا تَكُونُ إِلَّا كذلك، وإذا كَانَتْ مُنْقَلِبة فَلَا تَخْلُو مِنْ أَن تَكُونَ عَنِ الْوَاوِ أَو عَنِ الْيَاءِ إِذْ لَوْلَا هَمْزُهَا فَلَا تَكُونُ «٢» عَنِ الْوَاوِ، لأَنه إِنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ حُرُوفُ الْكَلِمَةِ وَاحِدَةً وَلَا نعلم ذلك
стр. 8093
فِي الْكَلَامِ أَلْبَتَّةَ إِلَّا بَبَّة وَمَا عُرِّب كالكَكّ، فَإِذَا بَطلَ انْقِلابها عَنِ الْوَاوِ ثَبَتَ أَنه عَنِ الْيَاءِ فَخَرَجَ إِلَى بَابِ وعَوْت عَلَى الشُّذُوذِ. وَحَكَى ثَعْلَبٌ: وَوَّيْت وَاوًا حَسَنة عَمِلتها، فإِن صَحَّ هَذَا جَازَ أَن تَكُونَ الْكَلِمَةُ مِنْ وَاوٍ وَوَاوٍ وَيَاءٍ، وَجَازَ أَن تَكُونَ مِنْ وَاوٍ وَوَاوٍ وَوَاوٍ، فَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا وَوَّوْتُ، غَيْرَ أَن مُجاوزةَ الثَّلَاثَةِ قُلِبَتِ الواوَ الأَخيرة يَاءً وَحَمَلَهَا أَبو الْحَسَنِ الأَخفش عَلَى أَنها مُنْقَلِبةٌ مِنْ وَاوٌ، واستدلَّ عَلَى ذَلِكَ بِتَفْخِيمِ الْعَرَبِ إِيَّاها وأَنه لَمْ تُسْمَع الإِمالةُ فِيهَا، فقَضَى لِذَلِكَ بأَنها مِنَ الْوَاوِ وَجَعَلَ حُرُوفَ الْكَلِمَةِ كُلِّهَا وَاوَاتٍ، قَالَ ابْنُ جِنِّي: ورأَيت أَبا عَلِيٍّ يُنكر هَذَا الْقَوْلَ ويَذْهب إِلَى أَنَّ الأَلف فِيهَا مُنْقَلِبَةً عَنِ يَاءٍ، وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ عَلَى أَنه إِنْ جَعَلَها مِنَ الْوَاوِ كَانَتِ الْعَيْنُ وَالْفَاءُ واللامُ كُلُّهَا لَفْظًا وَاحِدًا؛ قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: فَعَدَلَ إِلَى القَضاء بأَنها مِنَ الْيَاءِ، قَالَ: وَلَسْتُ أَرَى بِمَا أَنْكَره أَبو عَلِيٍّ عَلَى أَبي الْحَسَنِ بأْساً، وَذَلِكَ أَنَّ أَبا عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا تَصِيرَ حُروفُه كلُّها واواتٍ، فإِنه إِذا قَضَى بأَنَّ الأَلف مِنْ يَاءٍ لتَخْتَلِف الْحُرُوفُ فَقَدْ حَصَل بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ لَفْظٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، أَلا تَرَى أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَامِ حَرْفٌ فَاؤُهُ وَاوٌ وَلَامُهُ وَاوٌ إلَّا قَوْلَنَا وَاوٌ؟ فإِذا كَانَ قَضَاؤُهُ بأَنَّ الأَلف مِنْ يَاءٍ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَن يَكُونَ الْحَرْفُ فَذًّا لَا نظيرَ لَهُ، فَقَضَاؤُهُ بأَنَّ العينَ واوٌ أَيضاً لَيْسَ بمُنْكَر، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أَيضاً شَيْئَانِ: أَحدهما مَا وصَّى بِهِ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَنَّ الأَلف إِذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْعَيْنِ فأَنْ تكونَ مُنْقَلِبَةً عَنِ الْوَاوِ أَكثرُ مِنِ أَن تَكُونَ مُنْقَلِبَةً عَنْ الْيَاءِ، وَالْآخَرُ مَا حَكَاهُ أَبو الْحَسَنِ مِنْ أَنه لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ فِيهَا الإِمالةُ، وَهَذَا أَيضاً يؤكِّدُ أَنها مِنَ الْوَاوِ، قَالَ: ولأَبي عَلِيٍّ أَن يقولَ مُنْتَصِراً لكَوْنِ الأَلف عَنْ يَاءٍ إنَّ الَّذِي ذَهَبْتُ أَنَا إِلَيْهِ أَسْوَغُ وأَقَلُّ فُحْشاً ممَّا ذهَبَ إِلَيْهِ أَبو الحسنِ، وَذَلِكَ أَنِّي وإنْ قَضَيْتُ بأَنَّ الْفَاءَ وَاللَّامَ وَاوَانِ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ، فَإِنِّي قَدْ رأَيت الْعَرَبَ جعَلَتِ الْفَاءَ وَاللَّامَ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ كَثِيرًا، وَذَلِكَ نَحْوُ سَلَسٍ وقَلَقٍ وحِرْحٍ ودَعْدٍ وفَيْفٍ، فَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَاوٌ فإِنا وَجَدْنَا فَاءَهُ وَلَامَهُ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ. وَقَالُوا أَيضاً فِي الْيَاءِ الَّتِي هِيَ أُخت الْوَاوِ: يَدَيْتُ إِليه يَدًا، وَلَمْ نَرَهم جَعَلُوا الْفَاءَ وَاللَّامَ جَمِيعًا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا مِنْ وَاوٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، قَالَ: فَقَدْ دَخَلَ أَبو الْحَسَنِ مَعِي فِي أَن أَعترف بأَنَّ الْفَاءَ وَاللَّامَ وَاوَانِ، إِذْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ، كَمَا أَجده أَنا، ثُمَّ إِنه زَادَ عَمَّا ذَهَبْنا إِليه جَمِيعًا شَيْئًا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي حَرْف مِنَ الْكَلَامِ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ جَعْلُه الْفَاءَ وَالْعَيْنَ وَاللَّامَ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ فأَمَّا مَا أَنشده أَبو عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِ هِنْدُ بِنْتُ أَبي سُفْيَانَ تُرَقِّصُ ابنَها عبدَ اللَّهِ بنَ الحَرث:
لأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ ... جارِيةً خِدَبَّهْ
فإِنما بَبَّهْ حِكَايَةُ الصَّوْتِ الَّذِي كَانَتْ تُرَقِّصُه عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ، وإِنما هُوَ لَقَبٌ كقَبْ لِصَوْتِ وَقْع السَّيْف، وطِيخِ للضَّحِك، ودَدِدْ «٣» لِصَوْتِ الشَّيْءِ يَتَدَحْرَجُ، فإِنما هَذِهِ أَصواتٌ لَيْسَتْ تُوزَنُ وَلَا تُمَثَّلُ بِالْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ صَه ومَهْ وَنَحْوِهِمَا؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: فلأَجْل مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لِمَذْهَبِ أَبي عَلِيٍّ تَعادَلَ عِنْدَنَا المَذْهبان أَو قَرُبا مِنَ التَّعادُلِ، وَلَوْ جَمَعْتَ وَاوًا عَلَى أَفعالٍ لقلتَ فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَلِفَها مُنْقَلِبَةً مِنْ وَاوٍ أَوَّاءٌ، وأَصلها أَوَّاوٌ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الواو طَرَفاً
стр. 8094
بَعْدَ أَلف زَائِدَةٍ قُلبت أَلِفًا، ثُمَّ قُلِبَتْ تِلْكَ الأَلفُ هَمْزةً كَمَا قُلْنَا فِي أَبْنَاء وأَسْماء وأَعْداء، وإِنْ جَمَعها عَلَى أَفْعُلٍ قَالَ فِي جَمْعِهَا أَوٍّ، وأَصلها أَوْوُوٌ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الواوُ طرَفاً مَضْمُومًا مَا قَبْلَها أَبْدَلَ مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرةً وَمِنَ الْوَاوِ يَاءً، وَقَالَ أَوٍّ كأَدْلٍ وأَحْقٍ، وَمَنْ كَانَتْ أَلفُ وَاوٍ عِنْدَهُ مِن يَاءٍ قَالَ إِذا جمَعَها عَلَى أَفْعال أَيَّاءً، وأَصلها عِنْدَهُ أَوْياءٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وسَبَقَتِ الواوُ بِالسُّكُونِ قُلبت الواوُ يَاءً وأُدْغِمت فِي الْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَصَارَتْ أَيَّاء كَمَا تَرَى، وَإِنْ جمعَها عَلَى أَفْعُل قَالَ أَيٍّ وأَصلها أَوْيُوٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وسَبَقت الواوُ بِالسُّكُونِ قُلِبت الْوَاوُ يَاءً وأُدغمت الأُولى فِي الثَّانِيَةِ فَصَارَتْ أَيُّوٌ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْوَاوُ طرَفاً مَضْمُومًا مَا قَبْلَهَا أُبْدِلت مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرَةً وَمِنَ الْوَاوِ يَاءً، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ الآنَ، فَصَارَ التَّقْدِيرُ أَيْيِيٌ فَلَمَّا اجتمعَت ثَلاثُ ياءَاتٍ، والوُسْطَى مِنْهُنَّ مَكْسُورَةٌ، حُذفت الْيَاءُ الأَخيرة كَمَا حُذِفَتْ فِي تَحْقِير أَحْوَى أُحَيٍّ وأَعْيا أُعَيٍّ، فَكَذَلِكَ قُلْتَ أَنت أَيضاً أَيٍّ كأَدْلٍ. وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَن بَعْضَهُمْ يَقُولُ: أَوَّيْتُ وَاوًا حَسَنةً، يَجْعَلُ الْوَاوَ الأُولى هَمزةً لِاجْتِمَاعِ الْوَاوَاتِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: وتُبْدَلُ الْوَاوُ مِنَ الْبَاءِ فِي القَسَم لأَمْرَيْنِ: أَحدهما مُضارَعَتُها إِياها لَفْظًا، وَالْآخَرُ مُضارَعَتُها إِيَّاها مَعْنًى، أَما اللَّفْظُ فلأَنّ الْبَاءَ مِنَ الشَّفَةِ كَمَا أَنَّ الْوَاوَ كَذَلِكَ، وأَما الْمَعْنَى فلأَنَّ الْبَاءَ للإِلصاق والواوَ لِلِاجْتِمَاعِ، والشيءُ إِذا لاصَقَ الشيءَ فَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا كَانَ مِنْ الحُرُوف عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ وسَطُه أَلف فَفِي فِعْلِه لُغَتَانِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ كَقَوْلِكَ دَوَّلْت دَالًا وقَوَّفْتُ قَافًا أَي كَتَبْتها، إِلا الْوَاوَ فإِنها بِالْيَاءِ لَا غَيْرَ لِكَثْرَةِ الْوَاوَاتِ، تَقُولُ فِيهَا وَيَّيْتُ وَاوًا حَسَنةً، وَغَيْرُ الْكِسَائِيِّ يَقُولُ: أَوَّيْتُ أَوْ وَوَّيْتُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: تقول العرب كلِمةٌ مُؤَوَّاةٌ مِثْلُ مُعَوّاةٍ أَي مَبْنِيَّةٌ مِنْ بناتِ الْوَاوِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَلِمَةٌ مُوَيَّاةٌ مِنْ بَنَاتِ الْوَاوِ، وَكَلِمَةُ مُيَوّاةٌ مِنْ بَنَاتِ الْيَاءِ، وإِذا صَغَّرْتَ الْوَاوَ قُلتَ أُوَيَّةٌ. وَيُقَالُ: هَذِهِ قَصِيدَةٌ واوِيَّةٌ إِذا كَانَتْ عَلَى الْوَاوِ، قَالَ الْخَلِيلُ: وجدْتُ كلَّ وَاوٍ وَيَاءٍ فِي الْهِجَاءِ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا تَرْجِعُ فِي التَّصْرِيفِ إِلى الْيَاءِ نَحْوَ يَا وفَا وطَا وَنَحْوَهُ، وَاللَّهُ أَعلم. التَّهْذِيبُ: الْوَاوُ «١» مَعْنَاهَا فِي العَطْفِ وغَيْرِه فِعْلُ الأَلف مَهْمُوزَةً وَسَاكِنَةً فِعْلُ الْيَاءِ. الْجَوْهَرِيُّ: الْوَاوُ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ تَجْمَعُ الشَّيْئَيْنِ وَلَا تدلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهَا أَلف الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ*
؛ كَمَا تَقُولُ أَفَعَجِبْتُم؛ وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى مَعْ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لأَن مَع لِلْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِ
النَّبِيِّ، ﷺ : بُعِثْتُ أَنَا والساعةَ كهاتَيْنِ، وأَشار إِلى السَّبَّابةِ والإِبْهام
، أَي مَع الساعةِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ وأَشار إِلى السبَّابةِ والوُسْطَى، قَالَ: وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ؛ وَقَدْ تَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ كَقَوْلِهِمْ: قُمْتُ وأَصُكُّ وجْهَه أَي قمتُ صَاكًّا وجْهَه، وَكَقَوْلِكَ: قُمتُ والناسُ قُعودٌ، وَقَدْ يُقْسَمُ بِهَا تَقُولُ: واللهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا، وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْبَاءِ وإِنما أُبْدِل مِنْهُ لقُربه مِنْهُ فِي المَخرج إِذ كَانَ مِنْ حُرُوفِ الشَّفة، وَلَا يَتجاوَزُ الأَسماءَ المُظْهَرةَ نَحْوَ وَاللَّهِ وحَياتِك وأَبيك؛ وَقَدْ تَكُونُ الْوَاوُ ضَمِيرَ جَمَاعَةِ المذكَّر فِي قَوْلِكَ فعَلُوا ويَفْعَلُون وافْعَلُوا؛ وَقَدْ تَكُونُ الْوَاوُ زَائِدَةً؛ قَالَ الأَصمعي: قُلْتُ لأَبي عَمْرٍو قَوْلُهُمْ رَبَّنا ولكَ الحمدُ فَقَالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِعْني هَذَا الثوبَ فَيَقُولُ وَهُوَ لَكَ وأَظنه أَراد هُوَ لَكَ؛
стр. 8095
وأَنشد الأَخفش:
فإِذا وذلِك، يَا كُبَيْشةُ، لَمْ يَكُنْ ... إِلَّا كَلَمَّةِ حالِمٍ بخَيالِ
كأَنه قَالَ: فإِذا ذَلِكَ لَمْ يكنْ؛ وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبي سُلْمى:
قِفْ بالدِّيارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ ... بَلى، وغَيَّرَها الأَرْواحُ والدِّيَمُ
يُرِيدُ: بَلَى غَيَّرَها. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
؛ فَقَدْ يَجُوزُ أَن تَكُونَ الْوَاوُ هُنَا زَائِدَةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَمِثْلُ هَذَا لأَبي كَبير الهُذلي عَنِ الأَخفش أَيضاً:
فإِذا وذلِكَ ليسَ إِلَّا ذِكْرَه، ... وإِذا مَضى شيءٌ كأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
قَالَ: وَقَدْ ذَكر بعضُ أَهلِ الْعِلْمِ أَنَّ الواوَ زائدةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا
؛ لأَنه جَوَابٌ لَمَّا فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ. التَّهْذِيبُ: الواواتُ لَهَا مَعانٍ مُخْتَلِفَةٌ لِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا اسْمٌ يُعْرَفُ بِهِ: فَمِنْهَا واوُ الْجَمْعِ كَقَوْلِكَ ضَرَبُوا ويَضْرِبُون وَفِي الأَسماء المُسْلِمون وَالصَّالِحُونَ؛ وَمِنْهَا وَاوُ الْعَطْفِ والفرقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الفاءِ في المعطوف أَو الْوَاوَ يُعْطَفُ بِهَا جُمْلَةٌ عَلَى جملةٍ، لَا تدلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي تَقْديم المُقَدَّمِ ذِكْرُه عَلَى المؤخَّر ذِكْرُهُ، وأَما الْفَرَّاءُ فإِنه يُوَصِّلُ بِهَا مَا بَعْدَها بِالَّذِي قَبْلَهَا والمُقَدَّمُ هُوَ الأَوَّل، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِذا قلتَ زُرْتُ عبدَ اللهِ وزيْداً فأَيَّهُما شِئْتَ كَانَ هُوَ المبتدأَ بِالزِّيَارَةِ، وإِن قلتَ زُرْتُ عبدَ اللَّهِ فزَيْداً كَانَ الأَولُ هُوَ الأَولَ والآخِرُ هُوَ الآخِر؛ وَمِنْهَا وَاوُ القَسم تَخْفِضُ مَا بَعْدَها، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ
؛ فالواو التي في الطُّور هِيَ وَاوُ القَسَمِ، والواوُ الَّتِي هِيَ فِي وَكِتابٍ مَسْطُورٍ
هِيَ واوُ العَطف، أَلا تَرَى أَنه لَوْ عُطِف بِالْفَاءُ كَانَ جَائِزًا وَالْفَاءُ لَا يُقْسَم بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً
؛ غَيْرَ أَنه إِذا كَانَ بِالْفَاءِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْيَمِينِ الأُولى، وإِن كَانَ بِالْوَاوِ فَهُوَ شَيْءٌ آخَرُ أُقْسِمَ بِهِ؛ وَمِنْهَا واوُ الاسْتِنْكارِ، إِذا قُلْتَ: جاءَني الحَسَنُ، قَالَ المُسْتَنْكِرُ أَلحَسَنُوهْ، وإِذا قُلْتَ: جاءَني عَمرو، قَالَ: أَعَمْرُوهْ، يَمُدُّ بِوَاوٍ وَالْهَاءُ لِلْوَقْفَةِ؛ وَمِنْهَا وَاوُ الصِّلة فِي القَوافي كَقَوْلِهِ:
قِفْ بالدِّيار الَّتِي لَمْ يَعْفُها القِدَمُو
فَوُصِلَتْ ضَمَّةُ المِيمِ بِوَاوٍ تَمَّ بِهَا وَزْنُ الْبَيْتِ؛ وَمِنْهَا واوُ الإِشْباع مِثْلَ قَوْلِهِمْ البُرْقُوعُ والمُعْلُوقُ، وَالْعَرَبُ تَصِلُ الضَّمَّةَ بِالْوَاوِ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ: أَنْظُور، فِي مَوْضِعِ أَنْظُر؛ وأَنشد:
لَوْ أَنَّ عَمْراً هَمَّ أَن يَرْقُودا ... فانْهَضْ، فشُدَّ المِئْزَرَ المَعْقُودا
أَراد: أَن يَرْقُدَ فأَشْبَعَ الضمةَ ووصَلَها بِالْوَاوِ ونَصَب يَرْقُود عَلَى مَا يُنْصَبُ بِهِ الفعلُ؛ وأَنشد:
اللهُ يَعْلَم أَنَّا، فِي تَلفُّتِنا، ... يومَ الفِراقِ، إِلى إِخوانِنا، صُورُ
وأَنَّني حَيْثُما يَثْني الهَوَى بَصَري، ... مِنْ حَيْثُما سَلَكُوا، أَدْنُو فأَنْظُورُ
أَراد: فأَنْظُر؛ وَمِنْهَا وَاوُ التَّعايي كَقَوْلِكَ: هَذَا عمْرُو، فيَسْتَمِدُّ ثُمَّ يقولُ مُنْطَلِقٌ، وَقَدْ مَضى بعضُ أَخواتِها فِي تَرْجَمَةِ آفي الأَلِفات، وستأْتي بَقِيَّةُ
стр. 8096
أَخَواتها فِي تَرْجَمَةِ يَا؛ وَمِنْهَا مَدُّ الِاسْمِ بالنِّداء كَقَوْلِكَ أَيا قُورْط، يُرِيدُ قُرْطاً، فَمَدُّوا ضَمَّةَ الْقَافِ بِالْوَاوِ ليَمْتَدَّ الصَّوتُ بِالنِّدَاءِ؛ وَمِنْهَا الْوَاوُ المُحَوَّلةُ نَحْوُ طُوبى أَصلها طُيْبى فقُلِبت الْيَاءُ وَاوًا لِانْضِمَامِ الطاءِ قَبْلَهَا، وَهِيَ مِنْ طَابَ يَطيبُ؛ وَمِنْهَا وَاوُ المُوقنين والمُوسِرين أَصلها المُيْقِنين مِنْ أَيْقَنْتُ والمُيْسِرين مِنْ أَيْسَرْتُ؛ وَمِنْهَا واوُ الجَزْمِ المُرْسَلِ مثلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً؛ فأُسْقِطَ الْوَاوُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لأَن قبْلَها ضَمَّةً تَخْلُفها؛ وَمِنْهَا جَزْمُ الْوَاوِ «١» الْمُنْبَسِطُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ؛ فَلَمْ يُسْقِطِ الْوَاوَ وحَرّكها لأَن قَبْلَهَا فَتْحَةً لَا تَكُونُ عِوضاً مِنْهَا؛ هَكَذَا رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَبي طَالِبٍ النَّحْوِيِّ، وَقَالَ: إِنما يَسْقُط أَحَدُ السَّاكِنَيْنِ إِذا كَانَ الأَوّل مِنَ الجَزم المُرْسَل وَاوًا قَبْلَهَا ضَمَّةٌ أَو يَاءٌ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ أَو أَلفاً قَبْلَهَا فَتْحَةٌ، فالأَلف كَقَوْلِكَ لِلِاثْنَيْنِ اضْرِبا الرَّجُلَ، سَقَطَتِ الأَلف عَنْهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لأَن قَبْلَهَا فَتْحَةً، فَهِيَ خَلَفٌ مِنْهَا، وَسَنَذْكُرُ الْيَاءَ فِي تَرْجَمَتِهَا؛ وَمِنْهَا واواتُ الأَبْنِية مِثْلُ الجَوْرَبِ والتَّوْرَبِ لِلتُّرَابِ والجَدْوَلِ والحَشْوَرِ وَمَا أَشبهها؛ وَمِنْهَا وَاوُ الْهَمْزِ فِي الْخَطِّ وَاللَّفْظِ، فأَما الْخَطُّ فَقَوْلُكَ: هذِه شاؤُك ونِساؤُك، صُوِّرَتِ الْهَمْزَةُ وَاوًا لِضَمَّتِهَا، وأَما اللَّفْظُ فَقَوْلُكَ: حَمْراوانِ وسَوْداوان، وَمِثْلُ قَوْلِكِ أُعِيذُ بأَسْماوات اللَّهِ وأَبْناواتِ سَعْدٍ ومثل السَّمَواتِ وَمَا أَشْبهها؛ وَمِنْهَا وَاوُ النِّداء وَواوُ النُّدْبة، فأَما النِّداء فَقَوْلُكَ: وَا زَيْد، وأَما النُّدبة فَكَقَوْلِكَ أَو كَقَوْلِ النَّادِبة: وَا زَيْداهْ وَا لَهْفاهْ وَا غُرْبَتاهْ وَيَا زَيداه وَمِنْهَا واواتُ الْحَالِ كَقَوْلِكَ: أَتَيْتُه والشمسُ طالِعةٌ أَي فِي حَالِ طُلُوعها، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
؛ وَمِنْهَا واوُ الوَقْتِ كَقَوْلِكَ: اعْمَل وأَنتَ صَحِيحٌ أَي فِي وقْتِ صِحَّتِك، والآنَ وأَنت فارِغٌ، فَهَذِهِ واوُ الْوَقْتِ وَهِيَ قَريبة مِنْ وَاوِ الْحَالِ؛ وَمِنْهَا واوُ الصَّرْفِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الصَّرْفُ أَنْ تأْتي الواوُ مَعْطُوفةً عَلَى كَلَامٍ فِي أَوّله حادِثةٌ لَا تَسْتَقِيمُ إِعادَتُها عَلَى مَا عُطِفَ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ:
لَا تَنْهَ عَنْ خُلْقٍ وتَأْتيَ مِثْلَه، ... عارٌ عَلَيْكَ، إِذا فَعَلْتَ، عَظِيمُ
أَلا تَرَى أَنه لَا يَجُوزُ إِعادة لَا عَلَى وتَأْتيَ مِثْلَه، فَلِذَلِكَ سُميَ صَرْفاً إِذْ كَانَ مَعْطُوفًا وَلَمْ يَسْتَقِم أَن يُعادَ فِيهِ الحادثُ الَّذِي فِيمَا قَبْلَه؛ وَمِنْهَا الواواتُ الَّتِي تدخلُ فِي الأَجْوِبةِ فَتَكُونُ جَوَابًا مَعَ الجَوابِ، وَلَوْ حُذِفت كَانَ الجوابُ مُكْتَفِياً بِنَفْسِهِ؛ أَنشد الْفَرَّاءُ:
حَتَّى إِذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ، ... ورَأَيْتُمُ أَبْناءَكُمْ شَبُّوا
وقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا، ... إِنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُ
أَراد قَلَبْتُم. وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ: لمَّا أَتاني وأَثِبُ عَلَيْهِ، كأَنه قَالَ: وَثَبْتُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ لَمَّا حَتَّى إِذا «٢». قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَالَ الأَصمعي قُلْتُ لأَبي عَمْرو بْنِ العَلاء رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ مَا هَذِهِ الواوُ؟ فَقَالَ: يَقُولُ الرَّجُل للرَّجُل بِعْني هَذَا الثَّوْبَ، فَيَقُولُ: وَهُوَ لَكَ، أَظُنُّه أَراد هُوَ لكَ؛ وَقَالَ أَبو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ:
فإِذا وذلِكَ ليْسَ إِلَّا حِينَه، ... وإِذا مَضَى شيءٌ كأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
стр. 8097
أَراد: فإِذا ذلكَ يَعْنِي شَبابَه وَمَا مَضَى مِن أَ يّا م تَمَتُّعه؛ وَمِنْهَا وَاوُ النِّسبة، رُوِيَ عَنْ أَبي عَمرو بْنِ العَلاء أَنه كَانَ يَقُولُ: يُنْسَبُ إِلى أَخٍ أَخَويٌّ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ، وإِلى الرِّبا رِبَوِيٌّ، وإِلى أُخْتٍ أُخَويٌّ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وإِلى ابْن بَنَوِيٌّ، وإِلى عالِيةِ الحِجاز عُلْوِيٌّ، وإِلى عَشِيَّة عَشَوِيٌّ، وإِلى أَبٍ أَبَوِيٌّ؛ وَمِنْهَا الواوُ الدَّائمةُ، وَهِيَ كُلُّ واوٍ تُلابِسُ الجَزاء وَمَعْنَاهَا الدَّوامُ، كَقَوْلِكَ: زُرْني وأَزُورَكَ وأَزُورُكَ، بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلَى المُجازاةِ، ومَن رَفَعَ فَمَعْنَاهُ زيارَتَكَ عليَّ واجبةٌ أُدِيمُها لَكَ عَلَى كلِّ حالٍ؛ وَمِنْهَا الْوَاوُ الفارِقةُ، وَهِيَ كلُّ واوٍ دَخَلت فِي أَحَدِ الحَرْفين المُشْتَبِهين ليُفْرَقَ بينَه وَبَيْنَ المُشْبهِ لَهُ فِي الخَطِّ مِثْلُ واوِ أُولئِك وَوَاوِ أُولو. قَالَ اللَّهُ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ؛ زِيدَتْ فِيهَا الْوَاوُ فِي الْخَطِّ لتَفْرُق بينَها وبينَ مَا شاكَلَها فِي الصُّورةِ مِثْل إِلى وإِلَيْك؛ وَمِنْهَا وَاوُ عَمْرو، فإِنها زيدَتْ لِتَفْرُقَ بينَ عَمْروٍ وعُمَرَ، وزيدتْ فِي عَمْرٍو دونَ عُمَرَ لأَن عُمَرَ أَثقَلُ مِنْ عَمْرٍو؛ وأَنشد ابْنُ السِّكِّيتِ:
ثمَّ تَنادَوْا، بينَ تِلْكَ الضَّوْضَى ... مِنْهُمْ: بِهابٍ وهَلا ويا يا
نادَى مُنادٍ مِنْهُمُ: أَلا تَا، ... صَوْتَ امْرِئٍ للجُلَّياتِ عَيّا
قالُوا جَمِيعاً كُلُّهُم: بَلا فَا
أَي بَلَى فإِنَّا نَفْعَلُ، أَلا تَا: يُريد تَفْعَلُ، وَاللَّهُ أَعلم. الْجَوْهَرِيُّ: الْوَاوَا صَوْتُ ابْن آوَى. وَوَيْكَ: كلمةٌ مِثل وَيْبَ ووَيْحَ، والكافُ للخِطاب؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمرو بْنِ نُفَيْل وَيُقَالُ هُوَ لِنُبَيْهِ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِي:
وَيْكَ أَنَّ مَنْ يَكُنْ له نَشَبٌ يُحْبَبْ، ... ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ وَيْكَ، أُدْخِلَ عَلَيْهِ أَنَّ وَمَعْنَاهُ أَلم تَرَ؛ وَقَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ وَيْ مَفْصُولة ثُمَّ تَبتدِئُ فَتَقُولُ كأَنَّ، والله أَعلم.
يَا
: حَرْفُ نِداء، وَهِيَ عامِلةٌ فِي الِاسْمِ الصَّحِيح وإِن كَانَتْ حَرْفًا، والقولُ فِي ذَلِكَ أَنَّ لِيا فِي قيامِها مَقامَ الْفِعْلِ خَاصَّةً لَيْسَتْ لِلْحُرُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الحروفَ قَدْ تَنُوبُ عَنِ الأَفعال كهَلْ فإِنها تَنُوبُ عَنْ أَسْتَفْهِمُ، وَكَمَا وَلَا فإِنهما يَنْوبانِ عَنْ أَنْفِي، وإِلَّا تَنُوبُ عَنْ أَسْتَثْني، وَتِلْكَ الأَفعال النائبةُ عَنْهَا هَذِهِ الحروفُ هِيَ الناصِبة فِي الأَصل، فَلَمَّا انصَرَفَتْ عَنْهَا إِلى الحَرْف طَلَباً للإِيجاز ورَغْبةً عَنِ الإِكثار أَسْقَطْتَ عَمَلَ تِلْكَ الأَفعال ليَتِمَّ لَكَ مَا انْتَحَيْتَه مِنَ الِاخْتِصَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَا، وَذَلِكَ أَنَّ يَا نفسَها هِيَ العامِلُ الواقِعُ عَلَى زَيْدٍ، وحالُها فِي ذَلِكَ حَالُ أَدْعُو وأُنادي، فَيَكُونُ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ العامِل فِي الْمَفْعُولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ضَرَبْتُ وقَتَلْتُ وَنَحْوَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَولَكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وقتَلْتُ بِشْراً العامِلُ الواصِلُ إِليهما المُعَبَّرُ بِقَوْلِكَ ضَرَبْتُ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ ضَ رَ بْ تُ، إِنما ثَمَّ أَحْداثٌ هَذِهِ الْحُرُوفِ دِلالةٌ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ القَتْلُ والشَّتْمُ والإِكْرامُ ونحوُ ذَلِكَ، وقولُك أُنادي عبدَ اللهِ وأُكْرِمُ عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ هُنَا فعلٌ واقعٌ عَلَى عبدِ اللَّهِ غَيْرَ هَذَا اللفظِ، وَيَا نفسُها فِي الْمَعْنَى كأَدْعُو، أَلا تَرَى أَنك إِنما تَذْكُرُ بَعْدَ يَا اسْمًا وَاحِدًا، كَمَا تذكُره بَعْدَ الفِعْلِ المُسْتَقِلِّ بفاعِلِه، إِذا كَانَ مُتَعَدِّياً إِلى وَاحِدٍ كَضَرَبْتُ زَيْدًا؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ حرفُ الِاسْتِفْهَامِ
стр. 8098
وحرفُ النَّفْي، وإِنما تُدْخِلُها عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، فَتَقُولُ: مَا قامَ زَيْدٌ وَهَلْ زيدٌ أَخوك، فَلَمَّا قَوِيَت يَا فِي نَفْسِهَا وأَوْغَلَتْ فِي شَبَهِ الْفِعْلِ تَوَلَّتْ بِنَفْسِهَا الْعَمَلَ؛ وقولُه أَنشده أَبو زَيْدٍ:
فخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ الناسِ مِنْكُم، ... إِذا الدَّاعِي المُثَوِّبُ قالَ: يا لا
قَالَ ابْنُ جِنِّي: سأَلني أَبو عَلِيٍّ عَنْ أَلف يَا مِنْ قَوْلِهِ فِي قافِيةِ هذا البيت يا لا فَقَالَ: أَمُنْقَلِبةٌ هِيَ؟ قلتُ: لَا لأَنها فِي حَرْفٍ أَعني يَا، فَقَالَ: بَلْ هِيَ مُنْقَلِبَةٌ، فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَصَمَ بأَنها قَدْ خُلِطَتْ بِاللَّامِ بعدَها ووُقِفَ عَلَيْهَا فَصَارَتِ اللَّامُ كأَنها جُزْءٌ مِنْهَا فَصَارَتْ يَالَ بِمَنْزِلَةِ قَالَ، والأَلف فِي مَوْضِعِ الْعَيْنِ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَيَنْبَغِي أَن يُحكم عَلَيْهَا بِالِانْقِلَابِ عَنْ واوٍ، وأَرادَ يالَ بَني فُلانٍ وَنَحْوَهُ. التَّهْذِيبُ: تَقُولُ إِذا نادَيْتَ الرجلَ آفُلانُ وأَ فلان وَآيَا فُلانُ، بالمدِّ، وَفِي يَاءِ النِّداء لُغَاتٌ، تَقُولُ: يَا فلانُ أَيا فلانُ آيَا فلانُ أَفلانُ هَيا فلانُ، الْهَاءُ مُبَدَلَةٌ مِنَ الْهَمْزِ فِي أَيا فُلَانُ، وَرُبَّمَا قَالُوا فلانُ بِلَا حَرْفِ النِّدَاءِ أَي يَا فلانُ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فِي حُرُوفِ النِّدَاءِ ثَمَانِيَةُ أَوجه: يا زَيْدُ ووا زَيْدُ وأَ زَيْدُ وأَيا زَيْدُ وهَيا زَيْدُ وأَيْ زَيْدُ وَآيَا زَيْدُ وزَيْدُ؛ وأَنشد:
أَلم تَسْمَعي، أَيْ عَبْدُ، فِي رَوْنَقِ الضُّحى ... غِناءَ حَماماتٍ لَهُنَّ هَدِيلُ؟
وَقَالَ:
هَيا أُمَّ عَمْرٍو، هَلْ ليَ اليومَ عِنْدَكُمْ، ... بَغَيْبَةِ أَبْصارِ الوُشاةِ، رَسُولُ؟
وَقَالَ:
أَخالِدُ، مَأْواكُمْ لِمَنْ حَلَّ واسِع
وَقَالَ:
أَيا ظَبْيةَ الوَعْساءِ بَيْنَ حُلاحِلٍ
التَّهْذِيبُ: ولِلْياءَاتِ أَلْقابٌ تُعْرَفُ بِهَا كأَلقابِ الأَلِفات: فَمِنْهَا يَاءُ التأْنيث فِي مِثْلِ اضْرِبي وتَضْرِبِين وَلَمْ تَضْرِبي، وَفِي الأَسْماء يَاءُ حُبْلى وعَطْشى، يُقَالُ هُمَا حُبْلَيانِ وعَطْشَيانِ وجُمادَيانِ وَمَا أَشبهها، وَيَاءُ ذِكْرى وسِيما؛ وَمِنْهَا يَاءُ التَّثنية وَالْجَمْعُ كَقَوْلِكَ رأَيتُ الزَّيْدَيْنِ وَفِي الْجَمْعِ رأَيتُ الزَّيْدِينَ، وَكَذَلِكَ رأَيت الصَّالِحَيْن والصَّالِحِينَ والمُسْلِمَيْن والمُسْلِمِينَ؛ وَمِنْهَا يَاءُ الصِّلة فِي الْقَوَافِي كَقَوْلِهِ:
يَا دارَ مَيَّة بالعَلْياء فالسَّنَدِي
فَوَصَلَ كَسْرَةَ الدَّالِ بِالْيَاءِ، وَالْخَلِيلُ يُسميها يَاءَ التَّرنُّم، يَمُدُّ بِهَا القَوافي، وَالْعَرَبُ تَصِلُ الكَسرة بِالْيَاءِ؛ أَنشد الْفَرَّاءُ:
لَا عَهْدَ لِي بِنِيضالِ، ... أَصْبَحْتُ كالشَّنِّ الْبَالِي
أَراد: بنِضال؛ وَقَالَ:
عَلَى عَجَلٍ مِنِّي أُطَأْطِئُ شِيمالي
أَراد: شِمالي فَوَصَلَ الْكَسْرَةَ بِالْيَاءِ؛ وَمِنْهَا يَاءُ الإِشْباع فِي المَصادِر وَالنُّعُوتِ كَقَوْلِكَ: كاذَبْتُه كِيذَابًا وضارَبْته ضِيراباً أَراد كِذاباً وضِراباً، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَرادوا أَن يُظْهِروا الأَلف الَّتِي فِي ضارَبْتُه فِي الْمَصْدَرِ فَجَعَلُوهَا يَاءً لكَسْرةِ مَا قَبْلها؛ وَمِنْهَا ياءُ مِسْكِينٍ وعَجِيب، أَرادوا بِنَاءَ مِفْعِلٍ وَبِنَاءَ فَعِلٍ فأَشْبَعُوا بِالْيَاءِ، وَمِنْهَا الياءُ المُحَوَّلةُ مِثْلَ يَاءِ الْمِيزَانِ والمِيعاد وقِيلَ ودُعِيَ ومُحِيَ، وَهِيَ فِي الأَصل وَاوٌ فَقُلِبَتْ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا؛ وَمِنْهَا ياءُ النِّدَاءِ كَقَوْلِكَ يَا زَيْدُ، وَيَقُولُونَ أَزَيْدُ؛ وَمِنْهَا يَاءُ الاسْتِنْكار كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بالحَسَن، فَيَقُولُ المُجِيبُ مُسْتَنْكِراً لِقَوْلِهِ: أَلحَسَنِيهْ، مدَّ النُّونَ بِيَاءٍ وأَلْحَقَ بِهَا هَاءَ الْوَقْفَةِ؛ وَمِنْهَا يَاءُ
стр. 8099
التَّعايي كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بالحَسَني ثُمَّ تَقُولُ أَخي بَني فُلانٍ، وَقَدْ فُسِّرت فِي الأَلِفات فِي تَرْجَمَةِ آ، وَمِنْ بَابِ الإِشباع ياءُ مِسْكِينٍ وعَجِيبٍ وَمَا أَشبهها أَرادوا بِنَاءَ مِفْعِلٍ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ، وَبِنَاءِ فَعِلٍ فأَشبعوا كَسْرَةَ الْعَيْنِ بِالْيَاءِ فَقَالُوا مِفْعِيل وعَجِيب؛ وَمِنْهَا يَاءُ مدِّ المُنادي كنِدائهم: يَا بِّشْر، يَمُدُّون أَلف يَا ويُشَدِّدون بَاءَ بِشْر ويَمُدُّونها بِيَاءٍ يَا بِيشْرُ «٣»، يَمُدُّون كَسْرَةَ الْبَاءِ بِالْيَاءِ فيَجْمعُون بَيْنَ سَاكِنِينَ وَيَقُولُونَ: يَا مُنْذِير، يُرِيدُونَ يَا مُنْذِرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَا بِشير فيَكْسِرون الشِّينَ ويُتبعُونها الْيَاءَ يَمُدُّونَهَا بِهَا يُريدون يَا بِشْرُ؛ وَمِنْهَا الياءُ الفاصِلةُ فِي الأَبْنية مِثْلَ يَاءِ صَيْقَلٍ وَيَاءِ بَيْطارٍ وعَيْهرةٍ وَمَا أَشبهها؛ وَمِنْهَا يَاءُ الْهَمْزَةِ فِي الخَطِّ مَرَّةً وَفِي اللَّفْظ أُخرى: فأَما الخَطُّ فمِثْلُ يَاءِ قائمٍ وَسَائِلٍ وَشَائِلٍ صُوِّرَتِ الهَمزةُ يَاءً وَكَذَلِكَ مِنْ شُرَكائهم وأُولئك وَمَا أَشْبَهها، وأَما اللَّفْظُ فَقَوْلُهُمْ فِي جَمْعِ الخَطِيئة خَطايا وَفِي جَمْعِ المِرآة مَرايا، اجْتَمَعَتْ لَهُمْ هَمْزَتَانِ فَكَتَبُوهما وجَعَلُوا إِحداهما أَلفاً؛ وَمِنْهَا ياءُ التَّصْغِير كَقَوْلِكَ فِي تَصغير عَمْرو عُمَيْر، وَفِي تَصْغِيرِ رَجُلِ رُجَيْل، وَفِي تَصْغِيرِ ذَا ذَيَّا، وَفِي تَصْغِيرِ شَيْخ شُوَيْخ؛ وَمِنْهَا الْيَاءُ المُبدلةُ مِنْ لَامِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِمُ الْخَامِّي والسَّادي لِلْخَامِسِ والسَّادِس، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي القَوافي وغيرِ القَوافي؛ وَمِنْهَا يَاءٌ الثَّعالي، يُرِيدُونَ الثَّعالِبَ؛ وأَنشد:
ولِضَفادِي جَمِّه نَقانِقُ
يُرِيدُ: ولِضَفادِعِ؛ وَقَالَ الْآخَرُ:
إِذا مَا عُدَّ أَربعةٌ فِسالٌ، ... فزَوْجُكِ خامِسٌ وأَبُوك سادِي
وَمِنْهَا الْيَاءُ السَّاكِنَةُ تُترك عَلَى حَالِهَا فِي مَوْضِعِ الْجَزْمِ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ:
أَلم يأْتِيكَ، والأَنْباء تَنْمي، ... بِمَا لاقَتْ لَبُونُ بَني زِيادِ؟
فأَثْبَتَ الْيَاءَ فِي يأْتِيكَ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ جَزْم؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ:
هُزِّي إِليكِ الجِذْعَ يَجْنِيكِ الجَنى
كَانَ الوجْه أَن يَقُولَ يَجْنِكِ بِلَا يَاءٍ، وَقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْوَاوِ؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ:
هَجَوْتَ زَبَّانَ، ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً ... مِن هَجْو زَبَّانَ، لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
وَمِنْهَا يَاءُ النِّدَاءِ وحذفُ المُنادى وإضمارهُ كَقَوْلِ اللَّهِ عَلَى قِرَاءَةُ مَنْ قرأَ:
أَلا يَسْجُدوا لِلَّهِ
؛ بِالتَّخْفِيفِ، الْمَعْنَى أَلا يَا هَؤُلَاءِ اسْجُدوا لِلَّهِ؛ وأَنشد:
يَا قاتَلَ اللهُ صِبْياناً تجِيءُ بِهِمْ ... أُمُّ الهُنَيْنَيْنِ مِن زَنْدٍ لَهَا وَارِي
كأَنه أَراد: يَا قومِ قاتَلَ اللهُ صِبْياناً؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
يَا مَن رَأَى بارِقاً أُكَفْكِفُه ... بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَد
كأَنه دَعا: يَا قَوْمِ يَا إخْوتي، فَلَمَّا أَقْبَلُوا عَلَيْهِ قَالَ مَنْ رأَى؛ وَمِنْهَا يَاءُ نِدَاءِ مَا لَا يُجيب تَنْبيهاً لِمَنْ يَعْقِلُ، مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
، ويا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ
؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ اسْتِهْزَاءَ الْعِبَادِ بالرُّسُل صارَ حَسْرةً عَلَيْهِمْ فنُودِيَتْ تِلْكَ الحَسْرةُ تَنْبيهاً للمُتَحَسِّرين، الْمَعْنَى يَا حَسْرَةً عَلَى العبادِ أَين أَنْتِ فَهَذَا أَوانُك، وَكَذَلِكَ مَا أَشبهه؛ وَمِنْهَا ياءَاتٌ تَدُّلُ عَلَى أَفْعال بَعْدَهَا فِي أَوائلها ياءَاتٌ؛
стр. 8100
وأَنشد بَعْضُهُمْ:
مَا للظَّلِيم عاكَ كَيْفَ لَا يَا ... يَنْقَدُّ عَنْهُ جِلْدُه إِذا يَا
يُذْرى الترابُ خَلْفَه إِذْ رَايَا
أَراد: كَيْفَ لَا يَنْقَدُّ جِلْدُه إِذا يُذْرى الترابُ خَلْفَهُ؛ وَمِنْهَا يَاءُ الجزْمِ المُنْبَسِط، فأَمّا يَاءُ الجزْم المُرْسَل فَكَقَوْلِكَ أَقْضي الأَمْرَ، وتُحْذَفُ لأَن قبْلَ الْيَاءِ كَسْرَةً تخلُف مِنْهَا، وأَما يَاءُ الجَزْم المُنْبَسِط فَكَقَوْلِكَ رأَيتُ عبدَيِ اللَّهِ وَمَرَرْتُ بعبدَيِ اللهِ، لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْيَاءِ كَسْرَةً فَتَكُونُ عِوَضاً مِنْهَا فَلَمْ تَسْقُط، وكُسِرت لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَلَمْ تَسْقُط لأَنه لَيْسَ مِنْهَا خَلف. ابْنُ السِّكِّيتِ: إِذَا كَانَتِ الْيَاءُ زَائِدَةً فِي حَرف رُباعيّ أَو خُماسِيٍّ أَو ثُلاثِيٍّ فالرُّباعِيُّ كالقَهْقَرى والخَوْزَلى وبعيرٌ جَلْعَبى، فإِذا ثَنَّتْه العربُ أَسْقَطَتِ الْيَاءَ فَقَالُوا الخَوْزلانِ والقَهْقَرانِ، وَلَمْ يُثْبِتوا الْيَاءَ فَيَقُولُوا الخَوْزَليانِ وَلَا القَهْقَريانِ لأَن الحرفَ كُرّرَ حُروفه، فَاسْتَثْقَلُوا مَعَ ذَلِكَ جَمْعَ الْيَاءِ مَعَ الأَلف، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي نَصْبِه لَوْ ثُنِّي عَلَى هَذَا الخَوْزَلَيَيْن فَثَقُلَ وَسَقَطَتِ الْيَاءُ الأُولى، وَفِي الثُّلَاثِيِّ إِذا حُرِّكَتْ حُرُوفُهُ كُلُّهَا مِثْلَ الجَمَزَى والوَثَبى، ثُمَّ ثَنَّوْه فَقَالُوا الجَمَزانِ والوَثَبانِ ورأَيت الجَمَزَيْن والوَثَبَيْنِ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ ياءَانِ كتَبْتَه بِالْيَاءِ للتأْنِيث، فَإِذَا اجْتَمَع الياءَانِ كتَبْت إِحْدَاهُمَا أَلفاً لِثقلِهما. الْجَوْهَرِيُّ: يَا حَرْفٌ مِن حُروف الْمُعْجَمِ، وَهِيَ مِنْ حُرُوفِ الزِّيادات ومِن حُرُوفِ المدِّ واللِّين، وَقَدْ يُكْنَى بِهَا عَنِ المُتَكَلِّم المَجْرورِ، ذَكَرًا كَانَ أَو أُنثى، نَحْوَ قَوْلِكَ ثَوْبي وغُلامي، وَإِنْ شئتَ فَتَحْتَها، وَإِنْ شِئْتَ سَكَّنْت، وَلَكَ أَن تَحْذِفَها فِي النِّداء خَاصَّةً، تَقُولُ: يَا قوْمِ وَيَا عِبادِ، بِالْكَسْرِ، فإِن جاءتْ بعدَ الأَلف فَتَحْتَ لَا غيرُ نَحْوِ عَصايَ ورَحايَ، وَكَذَلِكَ إنْ جاءتْ بَعْدَ يَاءِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ؛ وأَصله بمُصْرخِيني، سَقَطَتِ النونُ للإِضافةِ، فَاجْتَمَعَ الساكِنانِ فحُرِّكَت الثانيةُ بِالْفَتْحِ لأَنها يَاءُ المُتكلم رُدَّت إِلى أَصْلِها، وكَسَرَها بعضُ القراءِ تَوَهُّماً أَنّ السَّاكِنَ إِذا حُرِّكَ حُرِّكَ إِلى الْكَسْرِ، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ، وَقَدْ يُكْنَى بِهَا عَنِ المُتكلم الْمَنْصُوبِ إِلا أَنه لَا بُدَّ لَهُ مِنَ أَن تُزاد قَبْلَهَا نُونُ وِقَايَةٍ لِلْفِعْلِ ليَسْلَم مِنَ الجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَني، وَقَدْ زِيدَتْ فِي الْمَجْرُورِ فِي أَسماء مَخْصُوصةٍ لَا يُقاسُ عَلَيْهَا نَحْوَ مِنِّي وعَنِّي ولَدُنِّي وقَطنْي، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ ليَسلم السُّكون الَّذِي بُنيَ الاسمُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَكُونُ الْيَاءُ عَلَامَةً للتأْنيث كَقَوْلِكَ: إِفْعَلي وأَنتِ تَفْعَلِينَ، قَالَ: ويا حَرْفٌ يُنادى بِهِ القَريبُ والبَعِيدُ، تَقُولُ: يَا زَيْدُ أَقْبِلْ؛ وقولُ كُلَيْبِ بْنِ ربِيعةَ التَّغْلَبي:
يَا لَكِ منْ قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ، ... خَلا لَكِ الجوُّ فَبِيضِي واصْفِري
فَهِيَ كَلِمَةُ تَعْجُّبٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْيَاءُ حرفُ هِجَاءٍ وَهُوَ حَرْفٌ مَجْهُور يَكُونُ أَصْلًا وبَدلًا وَزَائِدًا، وتَصْغيرها يُوَيَّةٌ. وَقَصِيدَةٌ واوِيَّةٌ إِذا كَانَتْ عَلَى الْوَاوِ، وياوِيَّةٌ عَلَى الْيَاءِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: ياوِيَّةٌ ويائِيةٌ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ أَخَواتُها، فأَما قَوْلُهُمْ يَيَّيْتُ يَاءً فَكَانَ حُكْمُهُ يَوَّيْت وَلَكِنَّهُ شَذَّ. وَكَلِمَةٌ مُيَوّاةٌ مِنْ بَنَاتِ الْيَاءِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: مَوَيَّاةٌ أَي مَبْنية مِنْ بَنَاتِ الْيَاءِ؛ قَالَ: فإِذا صَغَّرْتَ الْيَاءَ قُلْتَ أُيَيَّةٌ. وَيُقَالُ: أَشْبَهَتْ ياؤكَ يَائِي وأَشْبهت يَاءَكَ بِوَزْنِ ياعَكَ، فإِذا ثَنَيْتَ قُلْتَ ياءَىَّ بِوَزْنِ ياعَيَّ.
стр. 8101
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: جَائِزٌ أَن تَقُولَ يَيَّيْتُ يَاءً حَسَنةً. قَالَ الْخَلِيلُ: وجدْتُ كلَّ وَاوٍ أَو يَاءٍ فِي الْهِجَاءِ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَها تَرْجِعُ فِي التَّصْرِيفِ إِلَى الْيَاءِ نَحْوَ يَا وَفَا وَطَا وَنَحْوَهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَما قولُه تَعَالَى أَلا يَا اسْجدُوا، بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى يَا هَؤُلاء اسْجُدوا، فحُذِفَ المُنادى اكْتِفاء بحَرف النِّداء كَمَا حُذِفَ حَرْفُ النِّداء اكْتِفاء بالمُنادى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا؛ إذْ كَانَ المُراد مَعْلوماً؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ يَا فِي هَذَا المَوْضِع إِنَّمَا هُوَ للتَّنْبِيه كأَنه قَالَ: أَلا اسْجُدُوا، فَلَمَّا أُدْخل عَلَيْهِ يَا التَّنْبِيه سَقَطَتِ الأَلِفُ الَّتِي فِي اسْجُدوا لأَنها أَلفُ وَصْلٍ، وذهَبَت الأَلف الَّتِي فِي يَا لاجْتماع السَّاكِنَيْنِ لأَنها وَالسِّينَ سَاكِنَتَانِ؛ وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ لِذِي الرُّمَّةِ هَذَا الْبَيْتَ وَخُتِمَ بِهِ كِتَابَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنه قَصد بِذَلِكَ تفاؤُلًا بِهِ، وَقَدْ خَتَمْنا نَحْنُ أَيضاً بِهِ كِتَابَنَا، وَهُوَ:
أَلا يَا اسْلَمِي، يَا دارَ مَيَّ، عَلى البِلى، ... وَلَا زالَ مُنْهلًّا بِجَرْعائكِ القَطْرُ