← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16884

طرق الكشف عن مقاصد الشارع

نعمان جغيم

Полный текст (338 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

طرق الكشف عن مقاصد الشارع تأليف الدكتور نعمان جغيم دار النفائس

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا الكتاب يعد علم المقاصد الشرعية من أهم العلوم التي يتطرق اليها الباحث، وهذا الكتاب جاء لبيان أهمية البُعْد المقاصدي في الإجتهاد، وضرورة إنضاج المعالم الأساسية لنظرية المقاصد. أثمرت جهود الباحث في بيان الكشف عن مقاصد الشارع، فكان هذا الكتاب ثمرة جهد كبير وفي الأصل هذ الكتاب أطروحة، قدمت استكمالاً للحصول على درجة الدكتوراه، وقد أجازت اللجنة المشرفة هذه الرسالة.

стр. 3

طُرقُ الكَشفِ عن مقاصد الشارع

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة © copyrights reserved publisher: Dar Alnafaes-jordan الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ١٧٣٣/ ٥/ ٢٠١٣ ٢٧٧.٥٦ جغيم، نعمان طرق الكشف عن مقاصد الشارع/ نعمان جغيم - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع, ٢٠١٣. () ص. ر. إ: ١٧٧٣/ ٥/ ٢٠١٣ الواصفات: / الشريعة الإِسلامية// الإجتهاد (فقه إسلامي) // الإِسلام/ تنويه مهم يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الإلكتروني، تحت طائلة المسؤولية القانونية دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن ردمك: ٠ - ١٤١ - ٨٠ - ٩٩٥٧ - ٩٧٨ ISBN العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب: ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 5

شكر وتقدير أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى: فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله الجبوري على ما أفادني به من إرشادات وتوجيهات قيِّمة، وعلى ما بذله من جهد ووقت في قراءة مادة هذا الكتاب. والشكر موصول إلى الأستاذ الفاضل محمد الطاهر الميساوي الذي فتح لي باب مكتبته الخاصة واسعًا، فآوتْنِي اللّياليّ الطوال، وأسعفتْني بما لم تسعفني به مكتبة الجامعة .. وإلى الدكتور محمد بن نصر الذي وفَّر لي ملجأ آوي إليه طلبًا للسكينة والهدوء لجمع شتات أفكاري .. وإلى رفيقي الدَّرب: صالح سبوعي وحسن لحساسنة على دفعهما المتواصل، وتشجيعهما الذي لم ينقطع، وبذل ما في وسعهما لتوفير أسباب الراحة لي .. وإلى كلّ من كانت له يد علينا ... فجزى الله تعالى الجميع خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

стр. 6

المقدمة من المتفق عليه بين العلماء المسلمين أن الأحكام الشرعية إنما شُرعت لتحقيق مقاصد سامية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، وأنه ينبغي على المجتهد تحرّي هذه المقاصد في ممارسته الإجتهاد، والإفتاء على مقتضى ما يوافقها ويخدمها. ولم يكن الصحابة ﵃ في حاجة إلى تدوين علم أصول الفقه وضبط مباحثه والكتابة في مقاصد الشريعة والبحث فيها، وذلك لأمرين: الأول: أنهم عايشوا طور التشريع، وليس من عايش كمن سمع، فمعايشة صدور النص التشريعي يعني معايشة المقام الذي صدر فيه ذلك النص والظروف والملابسات التي أحاطت به، وذلك يكاد يكون كافيًّا في إدراك مقصد الشارع من ذلك النص أو الفعل النبوي، وتظهر أهمية المعايشة في خفاء مقصد الشارع من بعض النصوص وأفعال النبي ﷺ على من لم يعايشها منهم، ولكن من كانت حاله كذلك منهم كان يتدارك الأمر بالإستفسار ممن شهد وعايش، ومن أخطأ منهم في فهم مقصد من المقاصد بسبب غياب عنصر المشاهدة، استدرك عليه من شهد ذلك كما هو معلوم فيما استدرك الصحابة بعضهم على بعض. الثاني: سلامة اللسان وسعة الإطلاع على مقاصد العرب من كلامها. فإن أشكل عليهم أمر بعد هاتين الميزتين لجؤوا إلى النبي ﷺ للإستفسار منه. وكذلك كان التابعون لِمَا وَرِثُوُه من علم الصحابة، فضلًا عن أنهم كانوا ما زالوا على قدر كبير من سلامة اللسان وصفاء القريحة، فأحاطوا بكليات الدين ومبادئه العامة ومقاصده الكلية، وإن غاب عن بعضهم شيء من نصوص السنّة أو لم يصلهم من طريق تصحّ به الرواية.

стр. 7

ولَمَّا اتسعت رقعة الإِسلام وبدأ يظهر فساد في اللسان وضعف في القريحة، ظهرت الحاجة إلى ضبط قواعد فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها، وهو الذي جُمِع بعد ذلك فيما اصطُلِح عليه بعلم أصول الفقه، وكان متضمنًا لأهم الأسس والقواعد التي تُدْرَكُ بها مقاصد الشارع من خطابه. وقد أعطى ذلك مع ما شهدته تلك الفترة من ازدهار في حركة التدوين دفعًا قويًّا للعلوم الشرعية لتعيش بعد ذلك قرونًا من الإزدهار نَبَغَ فيها عدد كبير من العلماء في شتى العلوم. وجاء عصر الجمود الذي اتّسم بفساد في اللسان، وضعف في الهمم، وقلة من تأهّل للاجتهاد، وفشوّ التقليد المشوب بالتعصب المذهبي، وكان من مساوئ ذلك شيوع الحيل الفقهية التي كانت في أصلها مخارج شرعية، وتلك علامة ظاهرة على الإنحراف عن مقاصد الشارع من أحكامه وغياب تصور واضح للكليات الشرعية، وفي ذلك يقول محمد الطاهر بن عاشور: "كان إهمال المقاصد سببًا في جمودٍ كبيرٍ للفقهاء ومعولًا لنقض أحكام نافعة، وأشأم ما نشأ عنه مسألة الحيل، التي ولع بها الفقهاء بين مكثر ومُقِلّ". (١) وقد حاولت حركةُ التقعيد الفقهي تدارك هذا النقص بوضع قواعد فقهية عامة تضبط الجزئيات وترجعها إلى أصولها الكلية، ومع نجاحها إلى حدٍّ ما فإنها لم تكن كافية للتخلص من ذلك. وكما كان الإستحسان مخرجًا مما قد ينتج عن الإلتزام الصوري بالقياس من إخراج لبعض الأحكام عن القواعد الكلية للشريعة ومقاصدها العامة؛ إذْ هو في جوهره عدول عن قياس ظاهر توفرت فيه كلّ شروط القياس لأن نتيجته قد تؤدي إلى مخالفة قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، فقد جاء إبراز مقاصد الشريعة وإفرادها بالتأليف للتخفيف من غلواء التقليد والتعصب المذهبي والإهتمام بالجزئيات على حساب الكليات ليتمّ الرجوع بالفقه إلى ما كان عليه في زمان الصحابة والتابعين وكبار الأئمة. وقد كان من رواد هذه الحركة الجويني، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والعز بن عبد السلام، والقرافي لِتُتَوَّجَ تلك الجهود على يد

стр. 8

الإمام الشاطبي في كتابيه الموافقات والإعتصام اللذين كَانَا ثمرة المعاناة التي عاشها هو ذاته في الصراع مع تيار التعصب المذهبي المذموم والإبتداع، وقد حكى طرفًا من ذلك في كتاب الموافقات ومقدمة الإعتصام. إشكالية البحث: مع التسليم بأهمية البُعْد المقاصدي في الإجتهاد، وضرورة إنضاج المعالم الأساسية لنظرية المقاصد، يبقى السؤال: كيف نتعرّف على مقاصد الشارع؟ ما المسالك والأدوات المنهجيّة التي ينبغي استخدامها لتحديد مقاصد الشارع التي تشكَّلُ بعد ذلك أسس وضوابط الإجتهاد؟ ثمّ بعد معرفة هذه المسالك، ما السبيل إلى تنزيلها على الواقع لإستخراج المقاصد الشرعية بأنواعها: العامة والخاصة، والكلية والجزئية؟ كيف استخدمها الفقهاء والأصوليون في اجتهاداتهم، كيف يمكن أن نستخدمها اليوم؟ وبناءً على أهمية هذا الموضوع ومحوريّته في نظرية المقاصد فإنه في حاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل؛ ذلك أن نظرية المقاصد لا يكتمل بناؤها، ولا تؤتي ثمرتها تنزيلاً على الواقع إلّا إذا حُدّدت تلك المسالك والوسائل المنهجية التي يستخدمها المجتهد في استخراج مقاصد الشارع التي تكون هاديًا له في اجتهاده. أهمية الموضوع: لم يكن الإمام الشاطبي مخالفًا لسلفه من العلماء عندما جعل العلم بمقاصد الشريعة والإحاطة بها، ثُمّ القدرة على تنزيلها على الواقع. خلاصة الشروط الواجب توفرها في المجتهد، ذلك أنهم فَصَّلُوا فعدَّدُو الوسائل التي يُعِينُ توفرُها المجتهدَ على تحصيل إمكانية فهم النصوص وإدراك مقاصد الشارع منها والإحاطة بها، وتجاوز الشاطبي التفاصيل، وصوَّب نظره إلى الجوهر, فلخّص شروط المجتهد في الإتصاف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الإستنباط بناءً على فهمه فيها. (١)

стр. 9

والحديث عن موضوع المقاصد الشرعية يطرح قضية في غاية الأهمية في فهم نصوص الشريعة، هي أهميّة الإعتماد على الكلّيّات الشرعيّة وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها، والتعامل مع النصوص الشرعية بوصفها وحدة متكاملة يكمل بعضُها بعضًا ويعضِده، وهو نوع من أنواع ردِّ المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات. فكليات الشريعة -وهي مقاصدها العامة- هي الأصول القطعية الحاكمة لكلّ اجتهاد وتفكير إسلامي. ولَمّا كان الكلام في مقاصد الشريعة كلامًا فضفاضًا قد يحمله البعض على غير وجهه الصحيح، فيُدْخِل في مقاصد الشريعة ما ليس منها ويخرج منها ما هو من صميمها، جاءت أهمية الكتابة في بيان المسالك والطرق التي يمكن بها التعرّف على تلك المقاصد، وضبطها حتى لا يتحوّل الإحتجاج بمقاصد الشريعة إلى ثغرة يدخل منها خصوم الإِسلام لتدميره باسمه. وقد كانت هذه الأهمية التي تكتسبها مقاصد الشريعة هي التي دفعت الباحث إلى اختيار هذا الموضوع، فضلاً عن أنه -حسب اطلاع الباحث- لم يُفْرد إلى الآن ببحث أكاديمي متكامل يتناول جميع جوانبه بالبحث والتحليل، ولم يتعرض له بالبحث المستقلّ سوى الشاطبي في الموافقات، ومحمد الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإِسلامية، إلّا أنه كان تناولًا موجزًا، وهو موضوع يحتاج إلى كثير من البحوث والدراسات حتى يمكن تحديد معالمه وضوابطه والوصول به إلى مرحلة النضج. الدراسات السابقة: لم يكن الحديث عن المقاصد الشرعية وسبل التعرف عليها غائبًا عن علماء الصدر الأول (١)، ولكن أوّل من أفرد هذه المسالك بمبحث مستقلّ في مؤلفاته هو

стр. 10

الإمام الشاطبي، الذي خصص الجزء الثاني من كتابه الموافقات لموضوع المقاصد الشرعية دراسةً وتحليلاً. وبعد دراسة طويلة ومتشعّبة للمقاصد تنظيرًا وتدليلًا، وصل أخيرًا إلى الحديث عن المسالك التي يمكن من خلالها التعرّف على تلك المقاصد، فقال: "فإنّ للقائل أنْ يقول: إنّ ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبنيّ على المعرفة بمقصود الشارع؛ فبماذا يُعرف ما هو مقصود له مما ليس بمقصود له؟ " (١) استهلّ الشاطبي حديثه عن هذا الموضوع بمسألة في غاية الحساسية، وهي علاقة مقاصد الشارع بنصوصه، حيث أشار إلى وجود ثلاثة اتجاهات في ذلك: الإتجاه الظاهري الذي يَقْصِر مسالك الكشف عن مقاصد الشارع على ما صرّحت به ظواهر النصوص دون أن يُعطي كبيرَ اهتمام لعلل الأحكام، والمقامات التي صدرت فيها، والظروف والملابسات التي صاحبتها، وما يمكن أن يكون لذلك من تأثير في فهمها وتنزيلها على ما يَجِدُّ بعد ذلك من وقائع. والإتجاه الباطني الذي يُهْدر ظواهر النصوص، ويسعى إلى التخلص منها بدعوى أنها ليست مقصودة لذاتها، ويجعل عمدته في اكتشاف مقاصد الشارع معاني باطنية يزعمها أصحاب هذا الإتجاه من غير أن تسندها أدلّة يُعتَدُّ بها، وإنما هي مجرد دعاوى ليست لها على أضدادها مزيّة. ويبرز هذا الإتجاه عند الفِرَق الباطنية القديمة ومن يُعدُّ امتدادًا لهم من بعض العلمانيين من المعاصرين الذين لم يجرؤوا على ردَّ النصوص الشرعية صراحة، فراموا التخلص منها بدعوى أنها لم يُقْصد منها ظواهرها، وإنما قُصِد بها تحقيق المصلحة التي تتغير بتغير الأزمان والظروف. والاتجاه الثالث، وهو منهج التوسط، وهو اعتبار ظواهر النصوص ومعانيها في مسلك توافقي لا يسمح بإهدار أحد الجانبين على حساب الآخر ولا بطغيان أحدهما على الآخر؛ فيعطي للنص حقّه وأبعاده التي يكون قد قصدها الشارع، وذلك من خلال عدم إهمال الأدوات المُعِينة على حسن فهم النص وتطبيقه مِنْ عللٍ، وقرائنَ، ومقاماتٍ، وعقلٍ، وجمعِ النصوص الجزئيّة بعضها إلى بعض لتتضح الصورة الكلية.

стр. 11

ثم انتقل إلى الحديث عن تلك المسالك، فذكر منها أربعة: (١) الأول: مجرّد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي؛ فالأمر دالّ بذاته على قصد الشارع إلى إيقاع المأمور به، والنهي كذلك دالّ بذاته على قصد الإنتهاء عن المنهي عنه. وتقييد كلًّ من الأمر والنهي بوصف الصراحة يُقصَدُ منه الإحتراز من الأمر أو النهي الضمني، كالنهي عن أضداد المأمور به؛ إذ الأمر بالشيء يتضمن النهي عن كلّ ما يحول دون تحصيل ذلك المأمور به، والأمر الذي يتضمنه النهي عن الشيء؛ فإن النهي عن الشيء قد يتضمن الأمر بإيقاع ضده، ولكن كلاّ منهما غير مقصود بالقصد الأول، وإنما هو تابع لصريح الأمر أو النهي ومُتَضَمَّن فيهما، وقد لا يكون مقصودًا للآمر أو الناهي تحصيلهما، خاصة في حال إمكان انفكاك أحدهما عن الآخر. والأمر أو النهي الصريح مُتَّفَق على كون الأمر أو النهي فيه مقصودًا للآمر أو الناهي، أما ما يمكن أن يتضمنه الأمر أو النهي من معاني ومقاصد فهو غير ظاهر في ذلك، ويحتاج في التعرف على كون ٥ مقصودًا أو غير مقصود إلى قرائن وشروط أخرى، وهو مُدْرَج ضمن ما يحتاج في فهمه إلى معرفة ما يحفّ به من قرائن، وما ورد فيه من سياق للتأكد من كونه مقصودًا للشارع أو غير مقصود. أما تقييدهما بالإبتداء فهو احتراز من الأمر أو النهي الذي قُصِدَ به غيره؛ وهو ما كان وسيلة إلى تحقيق مقصد أو خادمًا له. ومثّل له الشاطبي بقول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، "فإن النهي عن البيع ليس نهيًا مبتدأً، بل هو تأكيد للأمر بالسعي، فهو من النهي المقصود بالقصد الثاني، فالبيع ليس منهيًّا عنه بالقصد الأول، كما نهي عن الربا والزنى مثلاً". (٢) ولكن هذا وإن لم يكن مقصودًا بالقصد الأول فهو مع ذلك يبقى مقصدًا من

стр. 12

مقاصد الشارع؛ لأن الأول لا يتحقق إلّا بالثاني، فهو طريق للكشف عن مقاصد الشارع، ولا بأس في ذلك من كونه إنما يُعرف به ما قُصِد بالقصد الثاني لا بالقصد الأول. والملاحظ أن هذا المسلك يمثل جزءًا من مسلك أوسع، هو مسلك استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الشرعية التي ثبت عدم صرفها عن ظاهرها، وبناءً على ذلك سيدرجه الباحث ضمن هذا المسلك. الثاني: اعتبار علل الأمر والنهي. والعلة إما أن تكون معلومة أو لا تكون كذلك، فإذا كانت معلومة لزم اعتبارها، فحيث وُجِدَت وُجِد مقتضى الأمر أو النهي. أما إذا لم تُعْلَم العلّة فإنه ينبغي التوقف عن القول بأن الشارع قاصد إلى تعديّة ذلك الحكم من المنصوص عليه إلى المسكوت عنه. (١) الثالث: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصليّة ومقاصد تبعيّة، ومع كون المقاصد الأصلية هي الأساس، إلّا أنها لا يمكن أن تقوم بمفردها، ولا يمكن أن تتحقق على التَّمام إلّا إذا تحقّقَ ما يخدمها ويكمِّلها، ومن ثَمّ فكلّ ما ثبت كونُه خادمًا ومحققًا للمقاصد الأصلية عُدَّ مقصودًا للشارع، ولزم مراعاته والعمل على تحقيقه، من باب ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، فهذا مسلك يُستَدلّ به على أن كلّ ما لم يُنصّ عليه مما شأنه كذلك فهو مقصود للشارع أيضاً. (٢) الرابع: سكوت الشارع عن شرع التسبُّب أو عن شرعيّة العمل مع قيام المعنى المقتضي له. فهذا الضرب من السكوت يُنزَّلُ منزلة النصّ على أن الشارع يريد الإلتزام بما كان معروفًا في زمن التشريع من غير زيادة عليه ولا نقصان منه. (٣) ولكن سيتبيّن أن هذا إنما يصدق على العبادات، أو المعاملات التي ظهر فيها معنى التّعبّد دون غيرها من المعاملات التي بُنيت على التعليل ومعقوليّة المعنى.

стр. 13

ومع أن ما كتبه الشاطبي يمثّل أساس موضوع مسالك الكشف عن مقاصد الشارع، إلّا أن دراسته -شأن الدراسات المؤسِّسة في كلّ العلوم- جاءت مجملة غير محيطة إحاطة كاملة بالموضوع فهي -مع إمكان اعتمادها أساسًا لدراسة هذا الموضوع- تبقى في حاجة إلى تفصيل، وتمحيص، وزيادة، وهو ما سعى إليه محمد الطاهر بن عاشور وآخرون بعد ذلك، ويسعى هذا المبحث إلى الإسهام فيه. ومن أبرز ما يلاحظ على المسالك التي أوردها الشاطبي أنها مسالك جزئية قد لا تصلح لإستخراج المقاصد العامة والكلية، وإنما مجالها استخراج المقاصد الجزئية، اللهُمَّ إلّا المسلك الأول، وهو تبيُّن قصد الشارع من مجرد الأمر والنهي الواردين في ظواهر النصوص الشرعية؛ إذْ يمكن استخدامه في استخراج بعض المقاصد العامة والكلية، خاصة إذا تعلق الأمر بالآيات التي نصّت على مبادئ تشريعية كلّية، وبجوامع الكَلِم من السنّة، أما المسالك الأخرى فإنه لا يمكن استخدامها في استخراج المقاصد العامة والكلية إلّا إذا أضيف إليها عنصر الاستقراء. والغريب أن الإمام الشاطبي مع كونِ عمدته الأساسية في الكشف عن مقاصد الشارع تمثلت في الاستقراء، وقد سارع إلى بيان ذلك منذ خطبة الكتاب، حيث يقول: " ... لم أزل أقيّد من أوابده، وأضمّ من شوارده، تفاصيل وجملاً، وأسوق من شواهده، في مصادر الحكم وموارده، مبينًا لا مجملاً، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية ... "، (١) وأعطاه مكانة بارزة لم يعطها له أحد من علماء الشريعة قبله، إلّا أنه عندما جاء إلى بيان المسالك التي تُعرف بها المقاصد أهمل بالكلية هذا المسلك، ولم يورد له ذكرا. وإذا نظرنا إلى ما كتبه الشاطبي من الناحية المنهجية، فإنه يمكن القول إنه كان على الشاطبي أن يصدَّر كتاب الموافقات ببيان هذه المسالك، ذلك أن من مقتضيات التأليف والبحث المنهجيين أن يصدَّر المؤلَّف مؤلَّفَه ببيان الوسائل والمناهج التي سيعتمدها في بحثه، فكان الأجدر بالشاطبي -قبل أن يشرع في بيان واستخراج مقاصد الشارع- أن يبيَّن منهجه في ذلك.

стр. 14

أما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فإنه -على خلاف الشاطبي- قد جعل مسالك الكشف عن مقاصد الشارع في بداية كتابه. فبعد إثبات أن للشريعة مقاصد من شرع الأحكام، وبيان حاجة الفقيه إلى معرفة هذه المقاصد انتقل إلى الحديث عن طرق إثبات المقاصد الشرعية، فعدَّد منها ثلاثة طرق، هي: (١) ١ - استقراء الشريعة في تصرفاتها، وهو على نوعين: الأول: استقراء الأحكام المشتركة في علّة واحدة ليحصل من ذلك يقين بأن تلك العلة مقصد مراد للشارع، وفي ذلك يقول: "أعظمها استقراء الأحكام المعروفةِ عللُها، الآيل إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة. فإن باستقراء العلل حصولَ العلمِ بمقاصد الشريعة بسهولة، لأننا إذا استقرينا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متّحدة، أمكن أن نستخلص منها حِكْمة واحدة فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يُسْتَنْتَجُ من استقراء الجزئيات تحصيلُ مفهوم كُلّيٍّ حسب قواعد المنطق". (٢) والثاني: "استقراء أدلّة أحكام اشتركت في علّة بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلة مقصد مراد للشارع". (٣) ٢ - الإستخلاص المباشر لمقاصد الشارع من ظواهر النصوص القرآنية الواضحة الدلالة إلى درجة يضعف فيها احتمال كون المراد منها غير ظاهرها، وأعلى المقاصد التي تُستنبط من هذا الطريق هي التي تؤخذ من نصوص تجتمع فيها قطعية الثبوت مع قوة الظهور إلى درجة تقترب من اليقين. (٤) ٣ - الإستخلاص المباشر من السنّة المتواترة، وهو على قسمين: الأول: من السنّة التي حصل تواترها المعنوي من مشاهدة عموم الصحابة عملاً

стр. 15

من أعمال النبي ﷺ فيحصل لهم علمٌ بتشريعٍ في ذلك يستوي فيه جميع المشاهدين، وهو الطريق الذي تثبت منه المعلومات من الدين بالضرورة. الثاني: تواتر عملي يحصل لآحاد الصحابة من تكرّر مشاهدة أعمال رسول الله ﷺ ، بحيث يستخلص من مجموعها مقصدًا شرعيًا. (١) ويبدو أن ابن عاشور يقصر هذا المسلك على الصحابة فقط لما يحصل لهم من تواتر في تلك السنن وتعذُّر ذلك على من جاء بعدهم إلّا من خلال القيام بعملية استقراء، وهو الذي أشار إليه في المسلك الأول. وقد عدّ ابن عاشور "طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها" طريقًا يُنزّل منزلة طرق الكشف عن المقاصد، إلّا أنه لم يدرجه ضمن تلك الطرق من حيث إنه لم تثبت حجيّة كلّ أقوال السلف، بل منها ما هو حجّة، ومنها ما هو مجرّد رأي من صاحبه في فهم الشريعة، ولكن التأمل في أقوالهم يُبيِّن وجوب اعتبار مقاصد الشريعة على الجملة. (٢) وعلى أهمية ما كتبه ابن عاشور - حيث يمكن أن يضاف إلى ما كتبه الشاطبي ليكونا معًا أساس دراسة مسالك الكشف عن المقاصد - إلّا أنه لا يمكن اعتباره دراسة وافية، بل مجرد تمهيد لطريق المبحث في هذا الموضوع. ويبدو أن ابن عاشور اعتنى بتطبيق منهجه هذا عمليًّا في كتاباته أكثر من اهتمامه بالتنظير له. وقد أجرى الدكتور عبد المجيد النجار دراسة مقارنة بعنوان: مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي وابن عاشور (٣) استعرض فيها موضوع الكشف عن مقاصد الشريعة: مقدماته، ومسالكه عند كلٍّ من الإمام الشاطبي، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور ثُمّ المقارنة بينهما، حيث أشار إلى أن المسالك التي أوردها الشاطبي

стр. 16

تتسم بكونها جزئية في الغالب، "حيث اتجهت إلى رسم الطريق في المبحث عن المقاصد في نطاق آحاد الأحكام، لا في نطاق المقاصد الكلية العامة، وهو ما يظهر بجلاء في المسالك الثلاثة الأخيرة". (١) وقد أرجع سبب ذلك إلى طبيعة العمل الذي قام به الشاطبي بكونه "عملاً مبتكرًا أو يكاد، وهو ما جعله ينحو منحى التجزئة والتفصيل والتدقيق في بسط المقاصد وتحليلها، وبيان حقائقها وأوضاعها، فجاء مؤَلَّفُه متكاثرة مسائله متنوعة متعددة قضاياه". (٢) أما ابن عاشور فإنه قد وجد أساس علم المقاصد مرفوعًا فعمد إلى البناء عليه مع تهذيبه، والسعي إلى الوصول به إلى مرحلة النضج، فكان تركيزه على الطرق التي تعرف بها المقاصد العليا، ولذلك نجده قد جعل الاستقراء أولها وأعظمها. وفي نهاية المبحث خلص إلى القول: "لا شك أن ما قدّمه الإمامان يُعتبر مادة ثريّة في الإستكشاف المقاصدي لا غنى لباحث أصولي عنها، كما أنه يُعتبر قفزة نوعية في جنس البحوث الأصولية، ولحن تطور الأوضاع، واستجداد الملابسات تدعو إلى أن تكرم هذه الثروة بتزكيتها بالبحث للبناء عليها أسًّا متينًا، وفي مستجدات العلوم اليوم: لغوية واجتماعية ونفسية واقتصادية ما يعين على تطوير البحوث في مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة". (٣) منهجية البحث: يشتمل البحث على مقدمة وبابين وخاتمة. جاءت المقدمة في بيان أهمية الموضوع، وملخص لأبرز الدراسات السابقة حوله. أما الباب الأول فهو في كيفية استخلاص المقاصد من منطوق النصوص ومفهومها ومعقولها، وقد اشتمل على خمسة فصول.

стр. 17

الفصل الأول: وهو بمثابة تمهيد للموضوع، حيث يتناول التعريف بمقاصد الشريعة، وبيان أنواعها وتقسيماتها، ثم يعرض بشيء من التفصيل إلى بيان أهمية العلم بمقاصد الشريعة خاصة لمن يتصدى للفتوى والإجتهاد، حيث تكون عونًا وهاديًّا له في حسن فهم النصوص وإدراك ما خفي من المعاني، والترجيح بين ما يبدو فيه تعارض منها، وحسن تنزيلها على الواقع بمراعاة مآلات تلك الأحكام ومدى تحقيقها لما قصده الشارع منها. أما الفصل الثاني: فهو في بيان أن أوّل ما تُستخلَص منه مقاصد الشارع هي ظواهر نصوصه، لأنها هي وعاء أمره ونهيه، وهي المتضمن لإرادته. فإذا تبيّن أن تلك الظواهر غير مقصودة، أو لم تكن واضحة إلى الدرجة التي تُستخلص منها المقاصد استخلاصًا مباشرًا، انتقل الباحث إلى البحث عن القرائن والظروف والملابسات التي ورد فيها ذلك الخطاب للإستعانة بها على تحديد المقصود منه، وهو موضوع الفصل الثالث. فإذا لم يكن منطوق النص وافيًّا بمقصد الشارع انتُقِلَ إلى معقوله، وذلك من خلال البحث عن علل النصوص وحِكَمها، وتكون بعض مسالك العلة طريقَ المجتهد في استخراج مقاصد الشارع من معقولِ نصوصه، وهو موضوع الفصل الرابع. أما الفصل الخامس: فقد خصص لدراسة كيفية دلالة سكوت الشارع على مقاصده من خطاباته، وبيان ما يصلح منه ليكون كذلك وما لا يصلح. أما الباب الثاني فهو مخصص لمسلك الاستقراء، وقد تَمّ إفراده بباب مستقلّ لأهميته في الكشف عن المقاصد العامة واستخراج الكليات الشرعية، ولأنه لم ينل حظه من الحث في الدراسات الشرعية، ولِمَا يكتنفه من خلاف حول أهميته في هذه الدراسات وحول إمكانية التوصل من طريقه إلى نتائج قطعية أو قريبة من القطع. وقد جاء في ستة فصول. الفصل الأول: في تعريف الاستقراء قديمًا وحديثًا، وبيان أقسامه ودلالة كلّ قسم

стр. 18

منه. الفصل الثاني: في لمحة عن الاستقراء في العلوم الشرعية، حيث يتبيَّن أن الإستدلال الإستقرائي استدلال أصيل في العلوم الشرعية، وليس وليدَ انتقالِ التراث اليوناني إلى العالم الإِسلامي، فهو حاضر بجلاء في المجال التطبيقي عند علماء المسلمين وإن لم يُعْتَنَ به كثيرًا في المجال النظري. ولَمّا كان الشاطبيّ أبرز من اعتنى من الأصوليين بمبحث الاستقراء، وأعطاه بعدًا تطبيقيًّا واسعًا في مجال المقاصد الشرعية كان من اللازم إفراده بالدراسة، فخُصَّص لذلك الفصل الثالث من هذا الباب. أما الفصل الرابع فقد خُصص لرأي ابن عاشور في الإستدلال الإستقرائي في مجال مقاصد الشريعة، وكيفيّة تطبيقه إياه. وبعد هذه الدراسة المستفيضة للإستدلال الإستقرائي جاء الفصل الخامس لتقييمه: ما له وما عليه، وليبيَّن الفروق التي يجب مراعاتها بين الاستقراء في العلوم الطبيعية والاستقراء في العلوم الشرعية خصوصًا والعلوم الإجتماعية عموما. أما الفصل السادس فهو دراسة تطبيقية لبيان كيفية استثمار الإستدلال الإستقرائي في المقاصد العامة للشريعة الإِسلامية، واستخلاص الكليات من جزئيات النصوص والأحكام. ثم تأتي خاتمة البحث لإبراز بعض الخلاصات والتوصيات.

стр. 19

البَابُ الأَوّل استخلاص المقاصد من منطوق النصوص ومفهومها وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها، وفائدة العلم بها الفصل الثاني: استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الفصل الثالث: وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي الفصل الرابع: استخلاص المقاصد من خلال معرفة علل الأحكام الشرعية الفصل الخامس: سكوت الشارع ودلالته على مقاصده

стр. 20

الفصل الأول تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها، وفائدة العلم بها المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها المطلب الأول: تعريف مقاصد الشريعة التعريف اللغوي: القصد والمقصد مشتقان من الفعل "قصد"، والقصد: استقامة الطريق، والإعتماد، والأَمُّ، والعدل، والتوسط، وإتيان الشيء. يقال: قصده، وله، وإليه، يقصده. (١) قال ابن جِنّي: "أصل (ق ص د) ومواقعها في كلام العرب الإعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء، على اعتدال كان ذلك أو جور, هذا أصله في الحقيقة وإن كان قد يُخَصّ في بعض المواضع بقصد الإستقامة دون الميل". (٢) والمقصِد اسم المكان. وجمعه مقاصد، أما جمعه على قُصُود فقد ذكر الفيومي أن بعض الفقهاء قد استعمله، وهو على خلاف القياس عند النحاة. (٣) ومنه جاء تعبير الفقهاء والأصوليين بمقاصد الشارع عن المعاني والحِكَم التي قصد الشارع إلى تحقيقها من وراء تشريعاته وأحكامه. وقد ذكر الدكتور طه عبد الرحمن أن لفظ "المقاصد" مشترك بين معان ثلاثة: [١ - يُستعمل لفظ "قصد" بمعنى هو ضد الفعل "لغا - يلغو". لَمّا كان اللغو هو

стр. 21

الخلو عن الفائدة أو صرف الدلالة، فإن المقصد يكون -على العكس من ذلك- هو حصول الفائدة أو عقد الدلالة؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم "المقصود"، فيقال: المقصود بالكلام، ويراد به مدلول الكلام، وقد يجمع على مقصودات]. (١) فيكون المقصد هنا بمعنى المقصود، وهو المضمون الدلالي للكلام. [٢ - يُستعمل الفعل: "قصد" أيضًا بمعنى هو ضد الفعل: "سها - يسهو. لَمَّا كان السهو هو فقد التوجه أو الوقوع في النسيان، فإن المقصد يكون -على خلاف ذلك- هو حصول التوجه والخروج من النسيان؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم "القصد"، وقد يجمع على "قصود"؛ فيكون "المقصد بمعنى القصد هو المضمون الشعوري أو الإرادي]. (٢) [٣ - يُستعمل الفعل: "قصد" كذلك بمعنى هو ضد الفعل: "لها - يلهو" لما كان اللهو هو الخلو عن الغرض الصحيح وفقد الباعث المشروع، فإن المقصد يكون -على العكس من ذلك- هو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم "الحِكْمة"؛ فيكون "المقصد بهذا المعنى هو المضمون القيمي". (٣) "وعلى الجملة، فإن الفعل: "قصد"، قد يكون بمعنى "حصَّل فائدة"، أو بمعنى "حصَّل نيَّة"، أو بمعنى "حصَّل غرضًا"]. (٤) التعريف الإصطلاحي: لم يرد تعريف اصطلاحي مضبوط للمقاصد عند المتقدمين من الأصوليين والفقهاء. ومع أن الإمام الشاطبي يُعَدّ أوَّل من أفرد المقاصد الشرعية بالتأليف وتوسع فيها بما لم يفعله أحد قبله، إلّا أنه لم يورد تعريفًا اصطلاحيًا لها، وربما كان ذلك

стр. 22

راجعًا إلى نفور الإمام الشاطبي من التقيد بالحدود في المباحث الأصولية التي تحدث عنها ويؤيد ذلك انتقاده لنظرية الحد عند المناطقة، (١) وكذلك جريًا على منهجه في تأليف كتاب الموافقات، حيث إنه لم يقصد به تأليف كتاب يتناول كلّ موضوعات أصول الفقه، وإنما المقصود منه تحقيق بعض المسائل وبحث ما لم يسبق بحثه، أو ما بُحِث من قِبَل الأصوليين بحثًا خفيفًا لا يفي بحقه، ومن ثَمّ فإنه لا يُعنى بإيراد التعريفات والحدود. أما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور -وهو ثاني أبرز من كتب في مقاصد الشريعة بعد الشاطبي- فقد عرفها بقوله: "مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها"، (٢) وهو تعريف للمقاصد العامة أما المقاصد الخاصة فتكون بناءً على ذلك هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في باب من أبواب التشريع، أو في جملة أبواب متجانسة ومتقاربة.

стр. 23

المطلب الثاني أقسام المقاصد الشرعية تنقسم المقاصد الشرعية إلى أقسام عديدة، باعتبارات مختلفة: أولاً - باعتبار مدى شمولها لمجالات التشريع وأبوابه: تنقسم بهذا الإعتبار إلى مقاصد عامة، ومقاصد خاصة، ومقاصد جزئية. ١ - المقاصد العامة: "هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع، أو معظمها"، (١) أو في أنواع كثيرة منها. ويدخل في المقاصد العامة: أوصاف الشريعة (مثل الفطرة، والسماحة واليسر)، وغايتها العامة (درء المفاسد وجلب المصالح)، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها (الحِكَم المراعاة في كلّ أبواب الشريعة أو في أكثرها، مثل رفع الحرج، ورفع الضرر, وغيرها). (٢) شروط اعتبار المقاصد العامة: يرى محمد الطاهر بن عاشور أنه يشترط في المقاصد التي تُعَدّ من المقاصد العامة للشريعة الإِسلامية الشروط الآتية: أ - أن تكون ثابتة: والمراد بالثبوت أن يكون تحقيقها للمصلحة (جلب نفع عام، أو دفع ضرر عام) مجزومًا بتحققه، أو مظنونًا ظنًّا قريبًا من الجزم. (٣) ب - أن تكون ظاهرة: والمراد بالظهور أن يكون المقصد واضحًا، بحيث لا يختلف الفقهاء في تحديده والاعتداد به، (٤) إذْ لا يُعْقَل أن يُوصَف مقصد مَا بالعموم

стр. 24

مع خفائه وكونه محلّ خلاف كبير بين الفقهاء. ج - أن تكون منضبطة: أي أن يكون للمقصد "حَدٌّ معتبر لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، بحيث يكون القدر الصالح منه لأن يُعتبر مقصدًا شرعيًّا قدرًا غير مشكك" (١)، أي غير متفاوت الوجود في أفراده. وقد أضاف ابن عاشور شرطًا رابعًا، وهو الإطراد، ويعني به أن لا يكون المقصد مختلفًا باختلاف أحوال الأقطار والقبائل، والأعصار. وقد مثَّل له ببعض الأوصاف التي راعاها بعض الفقهاء في شرط الكفاءة في النكاح مثل: الإِسلام، والقدرة على الإنفاق، واعتبرها من الأوصاف المنضبطة، والتماثل في الثراء والنسب، واعتبرها من الأوصاف غير المنضبطة. (٢) والملاحظ أن في هذا خلطًا بين الوسائل والمقاصد، فما مثَّل به ابن عاشور هنا واضح أنه من الوسائل التي جعلت لتحقيق مقاصد النكاح، وليست هي في ذاتها مقاصد مرادة للشارع. ويبدو للباحث أن المقاصد لا يمكن أن توصف بالإطراد، وإنما الذي يحتاج إلى الإطراد هي الوسائل، الي تتأثر بالظروف وتغير الأزمان في مدى إمكانية تحقيقها للمقاصد، ومن ثَمَّ تغيرت أحكامها واحتاجت إلى شرط الإنضباط. أما المقاصد فيكفي فيها أن تكون ثابتة، أي محققة للمصلحة في مختلف الأحوال والبيئات والأعصار, وأن يكون ذلك الثبوت منضبطًا، أي له حدّ لا يقصر عنه في مختلف الأحوال، وأن يكون واضحًا لا يختلف فيه اختلافًا معتبرًا. ٢ - المقاصد الخاصة: ويمكن استخلاص تعريف لها من خلال تعريف ابن عاشور للمقاصد العامة فتكون هي: المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في باب من أبواب التشريع، أو في جملة أبواب متجانسة ومتقاربة، مثل مقاصد الشارع في العقوبات، أو في المعاملات المالية، أو في العبادات المالية، أو في إقامة نظام الأسرة، وغيرها.

стр. 25

٣ - المقاصد الجزئية: وهي الحِكَم والأسرار التي راعاها الشارع عند كلّ حكم من أحكامه المتعلقة بالجزئيات. (١) ثانيًا - باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة: أي باعتبار أهميتها في قيام حياة الجماعة أو الأفراد واستقامتها، وتنقسم بهذا الإعتبار إلى ثلاثة أقسام: ١ - مقاصد ضرورية: وهي "التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها"، (٢) بحيث يختلّ نظام الحياة مع اختلالها، ويترتب على خرقها فساد عظيم في الدنيا والآخرة. والفساد في الدنيا ينتج عن خرق كلّيات حفظ النفوس، والعقول، والأموال، والأنساب، والفساد الأخروي ينتج عن خرق كلّية حفظ الدين؛ إذْ مع ما يترتب من فساد في الدنيا نتيجة خرق كلّية الدين إلّا أن أمور الحياة يمكن أن تستقيم إلى حَدِّ كبير من دون ذلك -كما هو الشأن في بلاد الغرب - أما ما يترتب على ذلك في الآخرة من كون مصير من ضيَّع الدين الجحيم فهو أعظم الخسران، ولا فرق بين أن يكون الخسران في الدنيا أو في الآخرة، إذ هما مرحلتان لحياة واحدة. وقد فسَّر ابن عاشور اختلال نظام الحياة بانخرام الضروريات بأن "تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها". (٣) ٢ - مقاصد حاجية: "وهو ما تحتاج الأمة إليه لإقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن"، (٤) فالحاجة إليه من حيث التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم. (٥) ٣ - مقاصد تحسينية: وهي ما يكون بها كمال الأمة في نظامها، فتبلغ بها مرتبة عالية من الرقي والتحضر, وحسن المعاملة والمظهر, فتكون أمة محترمة، التقربُ

стр. 26

إليها والإندماجُ فيها مرغوبٌ فيه. وذلك كمحاسن الأخلاق والعادات، الفردية منها والجماعية. (١) تنبيه: يلاحظ الناظر في تقسيم الشاطبي للمقاصد (الكلّيات الثلاث) إلى ضرورية، وحاجية، وتحسينية، أنه عند التمثيل لكلّ مرتبة قد أدخل بعض الواجبات ضمن التحسينيات، في حين أدرج بعض المباحات أو المندوبات ضمن الضروريات، وقد يُشْكِل هذا؛ إذْ كيف تكون الفرائض والواجبات مجرد تحسينيات؟ وللإجابة على هذا الإشكال لابد من النظر إلى أمرين: الأول: الأساس أو المعيار الذي اعتمده الشاطبي في هذا التقسيم، هل هو رتبة التكليف أم أمر آخر؟ فالظاهر أن الشاطبي لم يعتمد في تقسيمه هذا مراتبَ الحكم الشرعي من حيث الإقتضاء والتخيير, وإنما اعتمد معيارًا آخر, هو مدى أهمية كلّ مرتبة في إقامة الحياة الإنسانية -الفردية والجماعية- في أعمدتها الأساسية الخمس: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال؛ ولذلك فلا غرابة أن نجد بعض المباحات داخلة في الضروريات لأنها مباحة بالجزء واجبة بالكلّ، ولأن الحياة لا تقوم إلّا بالمحافظة عليها، وأن نجد بعض الواجبات ضمن التحسينيات لأن أساس الحياة يمكن أن يقوم بغيرها. والثاني: هو فلسفة الشاطبي في كيفية ورود الأوامر والنواهي الشرعية وما بينهما من مراتب التكليف؛ إذْ يرى الشاطبي أن المطلوب الشرعي ينقسم إلى قسمين: أ - ما كان شاهدُ الطبعِ خادمًا له ومعينًا عليه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب، ومن أمثلة ذلك الأكل، والشرب، والجماع، والبعدُ عن استعمال القاذورات وأكلها، وغير ذلك. وهذا النوع قد يكتفي الشارع في طلبه -عادةً- بمقتضى الجبلّة الطبعية، والعادات الجارية، فلا يؤكد طلبه تأكيده لغيره، اكتفاءً بالوازع الباعث على الموافقة دون المخالفة، فلذلك نجد هذا النوع على الجملة مطلوبًا طلب ندب لا طلب وجوب، بل كثيرًا ما يأتي في معرض الإباحة.

стр. 27

ب - ما لم يكن شاهدُ الطبع خادمًا له ولا معينًا عليه، وإنما هو من باب التكاليف التي قد تجري على خلاف هوى الأنفس، ومثال ذلك العبادات، والجنايات، والرفق بالناس والإحسان إليهم، وهذا النوع قرره الشارع على مقتضا ٥ من التأكيد في المؤكدات، والتخفيف في المخففات، ولذلك حَدَّ الشارع لهذا النوع حدودًا معلومة، ووضع له عقوبات معينة إبلاغًا في الزجر عَمّا تقتضيه الطباع. وما قيل في أنواع المطلوب الشرعي ينطبق تمامًا على المنهيات الشرعية. إذًا، فالمعيار المعتمد في ورود الأمر وتأكيده ليس هو مدى أهمية الفعل في إقامة حياة الإنسان والمحافظة عليها، بقدر ما هو مدى وجود حوافز وبواعث طبيعية للإنسان على الفعل أو الترك، فتكون بعض الضروريات مباحة، ولم يوجبها الشارع اكتفاءً بالباعث الجبلي في السعي إلى تحصيلها، وتكون بعض الحاجيات أو التحسينيات واجبةً لضعف البواعث الجبلية التي تبعث الإنسان على تحصيلها أو لانعدامها. وفي ذلك يقول الشاطبي: "فإنه ربما وقع الأمر والنهي في الأمور الضرورية على الندب أو الإباحة والتنزيه فيما يفهم من مجاريها، فيقع الشك في كونها من الضروريات؛ كما تقدم تمثيله في الأكل والشرب واللباس والوقاع، وكذلك وجوه الاحتراس من المضرات والمهلكات وما أشبه ذلك، فيرى أن ذلك لا يلحق بالضروريات، وهو منها في الإعتبار الإستقرائي شرعًا، وربما وقع الأمر بالعكس من هذا؛ فلأجل ذلك وقع التنبيه عليه ليكون من المجتهد على بال ... ". (١) ثالثًا - باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعتها أو أفرادها: وتنقسم بهذا الإعتبار إلى كلية وجزئية: ١ - المقاصد الكلية: وهي "ما كان عائدًا على عموم الأمة عَوْدًا متماثلًا، وما كان عائدًا على جماعة عظيمة من الأمة أو قطر". (٢)

стр. 28

وقد مثَّل ابن عاشور لما يعود على عموم الأمة بحماية البيضة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين -في مجمله- من الزوال، وغيرها مما قصد الشارع حفظه مما يتعلق بعموم الأمة بمختلف أقطارها وأجناسها. ومثَّل لما يعود على الجماعات العظيمة بما يحتاج إليه كلّ بلد من بلاد المسلمين من تشريعات قضائية لحفظ انتظام حياتهم، بتيسير طرق الخير, وسدّ منافذ الشر والظلم، وما تقيمه هذه الأقطار من اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية وسياسية بما يخدم مصالحها. (١) ٢ - المقاصد الجزئية: وهي المقاصد التي تعود على آحاد الأفراد، أو على المجموعات الصغيرة منهم، وهي التي شرعت أحكام المعاملات لحفظها. (٢) رابعًا - من حيث مدى القطع بكون الشارع قاصدًا إليها: وتنقسم إلى قطعية، وظنية، ووهمية: ١ - المقاصد القطعية: وهي التي تثبت بأحد الطرق الآتية: (٣) أ - النص الذي لا يحتمل التأويل. ب - استقراء أدلّة كثيرة من الشريعة. ج - ما دلّ العقل على أن في تحصيله صلاحًا عظيما، وأن في حصول ضده ضرًّا عظيمًا على الأمة. وتكون المقاصد قطعية -في نظر ابن عاشور- إذا توافرت فيها شروط: الثبوت، والظهور, والإنضباط، والإطراد. فإذا توافرت في معنًى من المعاني الحقيقية أو العرفية العامة هذه الشروط حصل اليقين بكونه مقصدًا. (٤) ٢ - المقاصد الظنية: وهي ما دلّ عليه دليل ظني من الشرع، أو ما اقتضى العقل

стр. 29

ظنه مصلحة ومقصدًا للشارع. (١) ٣ - المقاصد الوهمية: وهي ما يُتَخَيّلُ فيها صلاحٌ وخيرٌ, إما لخفاء ضرها، أو لأنها مشوبة بمصلحة هي في الحقيقة مرجوحة مقابل ما فيها من مفسدة عظيمة. (٢) خامسًا - من حيث مدى تحققها في نفسها أو نسبية ثبوتها: وتنقسم بهذا الإعتبار إلى أربعة أقسام: ١ - المقاصد الحقيقية: وهي "التي لها تحقُّق في نفسها، بحيث تدرك العقول السليمة ملاءمتها للمصلحة (بأن تكون جالبة لنفع عام)، أو منافرتها لها (بأن تكون جالبة ضررًا عامًا)، إدراكًا مستقلًا عن التوقف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعًا، وكون الاعتداء على النفوس ضارا". (٣) وبتعبير آخر هي المقاصد التي يمكن أن تدرك العقول حسنها أو قبحها ولو من غير استناد إلى شرع أو عرف. ٢ - المقاصد الإعتبارية: وهي المعاني التي لها حقائق متميزة عن غيرها من الحقائق، ويمكن للعقل تَعَقُّلُهَا لِمَا لها من تعلق بالحقائق، لكنها غير قائمة بذاتها، بل وجودها تابع لوجود حقيقة أخري مثل الزمان والمكان، أو حقيقتين كالإضافات. ومثال ذلك اعتبار الرضاع سببًا لتحريم التزوج بالأخت منه، ومعاملته معاملة النسب في ذلك، وهذا النوع ملحق بالنوع الأول (المقاصد الحقيقية). (٤) ٣ - المقاصد العرفية العامة: وهي التي أدركت العقول حسنها بالتجربة، أي بعد تجريبها واكتشاف ملاءمتها لصلاح الجمهور، ومثال ذلك إدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وإدراك كون عقوبة الجاني رادعة إياه عن العود إلى مثل جنايته، ورادعة غيره عن الإجرام. (٥)

стр. 30

٤ - المقاصد العرفية الخاصة: وهي معاني أدركت العقول ملاءمتها بالتجربة، ولكنها لم تكن عرفًا عاما، بل خاصة. ومع ذلك احتاجت الشريعة إلى اعتبارها في مقاصدها لِمَا تشتمل عليه من تحصيل صلاح أو دفع ضرر عامين. كاعتبار القرشية شرطًا في الخليفة، واعتبار الذكورة شرطا في الولايات القضائية والإمارة. وهذا النوع يجب على الفقيه التأمل فيه وسبره، فما حصل له الظن فيه في الجملة أنه مقصود للشارع أثبته مسائلَ فرعية قريبة من الأصول، ولكن لا يتجاوز به مواقع وروده كما هو مذهب بعض العلماء في شرط القرشية، إذ اعتبروه شرطًا مخصوصًا بظروف المجتمع القائم على العصبية القبلية. أما إذا قوي الظن بكونها مقاصد شرعية مطردة، فله حينئذ تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها كما هو الأمر في اعتبار الذكورة شرطًا في الإمارة والولايات القضائية. (١) سادسًا - من حيث علاقتها بحظ المكلَّف: وتنقسم بهذا الإعتبار إلى قسمين: مقاصد أصلية، ومقاصد تبعية. ١ - المقاصد الأصلية: وهي التي لا حَظَّ للمكلَّف فيها، وهي مقاصد الشارع في الحفاظ على الضروريات الخمس. والمراد هنا بانعدام حظ المكلَّف فيها كون الشارع عندما وضعها وألزم بها المكلفين لم يُراعِ في الإلزام بها حظوظ المكلفين بالقصد الأول، وإنما راعى فيها إقامة حياتهم واستقامتها بالقيام بالضروريات وحفظها. (٢) فانعدام حظ المكلَّف فيها منظور إليه من وجوه: أحدها: أن الشارع قاصد إلى إقامة تلك المقاصد والحفاظ عليها سواء وافقت الحظوظ العاجلة للمكلَّف أم لم توافقها، وإن تبعها حظ للمكلَّف -وهي عادة كذلك- فَبِالتَّبَعِ لا أصالةً، والثاني: أنها راجعة إلى حفظ الضروريات التي لا تستقيم الحياة بغيرها، فتركُها تجري على حظوظ المكلفين قد يؤدي إلى خرم الضروريات، ومن ثَمَّ إلى فساد الحياة، والثالث: أن المكلَّف مُطالَب بإيقاعها، سواء وافقت ميلًا نفسيًّا منه أم لم توافق، وسواء كان في إيقاعها تحقيق حظ

стр. 31

عاجل أم لم يكن، فهو مطالب بها في كلّ الأحوال. فانعدام الحظ في قيام المكلَّف بتحقيق هذه المقاصد راجع إلى كونه مُطَالَبًا بذلك في كلّ الأحوال، ولا مجال له لأن يتخير بين الفعل وعدمه، أو بين فعل وآخر فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ. وليس معنى ذلك انعدام حظه بالكلية فيها، بل هي في حقيقتها كلها حظوظ ومصالح له عاجلاً أو آجلا، مباشرة أو بطريق غير مباشر وخصائص هذا النوع من المقاصد أنها "قيام بمصالح عامة مطلقة، لا تختص بحال دون حال، ولا بصورة دون صورة، ولا بوقت دون وقت". (١) وقد قسمها الشاطبي إلى قسمين: ضرورية عينية، وضرورية كفائية. - أما الضرورية العينية: فهي الواجبة على كلّ مكلَّف في نفسه، من كونه مأمورًا "بحفظ دينه اعتقادًا وعملا، وبحفظ نفسه قيامًا بضرورية حياته، وبحفظ عقله حفظًا لمورد الخطاب من رَبَّهِ إليه، وبحفظ نسله التفاتًا إلى بقاء عوضه في عمارة الدار ... وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة". (٢) - وأما الضرورية الكفائية: فهي ما نيط فيها التكليف بعموم المكلفين لتتولى القيام بها والمحافظة عليها مجموعة مصطفاة منهم، وقد اعتبرت من باب الضروري لأنها مكملة للقسم الأول، وهي الضروريات العينية؛ ذلك أن الأحوال الخاصة لا تقوم إلّا باستقامة الأحوال العامة، والأحوال العامة لا تستقيم إلّا بالقيام بتلك الضروريات الكفائية. (٣) والملاحَظُ أن هذا النوع من المقاصد يرجع إلى العبادات وما يُقام به أصل الضروريات، وهي دائرة على حُكْم الوجوب، سواء بالجزء أو بالكلّ. ٢ - المقاصد التبعية: وهي المقاصد التي رُوعِي فيها حظ المكلّف بالقصد الأول، حيث يحصل له من جهتها مقتضى ما جُبِل عليه من نيل الشهوات، والإستمتاع

стр. 32

بالمباحات، وسَدِّ الخَلات، وجُعل للإنسان فيها حرية الإختيار بين الفعل وعدمه، وبين أنواع المشروعات ضمن حدود الشريعة وقوانينها. ومع مراعاة حظ المكلَّف بالقصد الأول في هذه المقاصد، فإنها محصلة أو خادمة ومكملة للنوع الأول، وهو المقاصد الأصلية، لكن بالتَّبَعَ لا بالأصل. (١) وغالب هذا النوع من المقاصد يرجع إلى الحاجيات والتحسينيات، وهي دائرة على حُكْم الإباحة بالجزء، أو بالجزء والكلّ معا، أو على حُكْم الإباحة بالجزء مع الكراهة أو المنع بالكلّ. (٢) العلاقة بين المقصد والحِكْمة: يرى محمد الطاهر بن عاشور أن الحِكَم المرعية في تشريع الأحكام تمثل جزءًا من المقاصد الشرعية، حيث يقول في تعريفه للمقاصد الشرعية الخاصة بالمعاملات: "ويدخل في ذلك كلُّ حِكْمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقدة الرهن ... ". (٣) ويمكن القول إن الحِكَم هي المقاصد ذاتها، فهي مرادف للمقاصد، (٤) ويتضح ذلك من خلال ما تقدم في تعريف المقاصد الشرعية، وتعريف الحِكْمة، حيث عُرِّفَت بأنها: "المعنى المناسب لشرع الحُكم"، (٥) وأنها "جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها". (٦)

стр. 33

العلاقة بين المقصد والعلة: أما العلاقة بين المقاصد والعلل، فإنه لَمَّا كانت العلة قد تكون هي نفسها الحِكْمة، وقد تكون مظنة تحقيقها، بأن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا يُظن عنده وجودُ الحِكْمة المقصودة للشارع من شرع الحكم المرتب عليها، (١) فإن العلة إذا

стр. 34

كانت هي الحِكْمة ذاتها فإنها تكون عند ذلك مرادفة للمقصد، أما إذا لم تكن كذلك بأن كانت وصفًا ظاهرًا منضبطًا مظنة لحكمة فإنها تكون مختلفة عن المقصد.

стр. 35

المبحث الثاني فائدة العلم بمقاصد الشارع تمهيد بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة تعرض الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإِسلامية بالنقد اللاذع للذين زعموا أن القواعد الأساسية لعلم أصول الفقه قطعية، ووصف محاولة الشاطبي إثبات ذلك بأنها لم تأت بطائل، (١) ودعا إلى تطوير فكرة التأليف في المقاصد الشرعية لتصل إلى مرتبة فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه وتأسيس علم تجمع فيه "أشرف معادن مدارك الفقه والنظر" (٢) تَتَّسِم مباحثُه بوصف القطعية ليكون مرجع المختلفين والحَكَم بين المشتجرين في الفروع الفقهية. أما عن قطعية مبادئ أصول الفقه فإن ابن عاشور نفسه قد أيَّدَ هذه الدعوة، ولكن من غير أن يبيِّن وجهة نظره في كيفية تحقيقها ويقدِّم البديل لما فشل فيه من سبقه، حيث قال بعد فراغه من انتقاد السابقين: "فينبغي أن نقول: أصول الفقه يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدوِّنُوا إلّا ما هو قطعيّ إما بالضرورة، أو بالنظر القوي"، (٣) ثم انتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من غير بيان لكيفية تحقيق هذه الدعوة. والواقع أن تكلُّفَ الإستدلال لكون كلّ قواعد ومباحث علم أصول الفقه قطعية مثل تكلُّف الإستدلال لكون مباحث المقاصد قطعية أَمْرٌ لا يأتي بكبير نتيجة، بل هو تكلُفٌ غير مطلوب أصلًا. فمباحث علم أصول الفقه فيها القطعي وفيها الظني، ووجود الظني فيها لا يضرُّ كونَها منهجًا للإستدلال والإستنباط، فليس

стр. 36

القطع مطلوبًا في كلّ قضايا الحياة العملية. لقد كان ابن عاشور مصيبًا في جزءٍ من انتقاده لعلم أصول الفقه بكون "معظم مسائله لا ترجع إلى خدمة حِكْمة الشريعة ومقصدها"، (١) وضآلة حجم المباحث المخصصة للمناسبة والإخالة والمصالح المرسلة -وهي مباحث في المقاصد- مقارنة بغيرها من المباحث، ولكن علاج هذا القصور ليس في وصف علم أصول الفقه بالعقم، ووصف مباحث المقاصد بالقطعية، والدعوة إلى تأسيس علم مستقل بها، ومحاولة جعلها بديلاً له؛ لأن ذلك لن يأتي بكبير فائدة. نعم، يمكن إفراد موضوع المقاصد بالتأليف والبحث وجعله فرعًا من فروع العلوم الشرعية، فلا مانع من ذلك أُسْوَة بغيره من فروع العلم؛ إذْ إنّ إفراد موضوع بالبحث والدراسة يسهم في كشف كوامنه وأسراره، ولفت الأنظار إليه، وإيصاله إلى درجة النضج. أما إمكانية صيرورته منهجًا لإستنباط الأحكام يحلُّ محلَّ أصول الفقه أو يكون موازيًا له فأمر فيه نظر. وأفضل عمل هو ما قام به الشاطبي من دمج مباحث المقاصد بمباحث الأصول، وإعطائها مكانة بارزة فيها بحيث تصير روحًا يسري فيه؛ فمباحث المقاصد مكملة لمباحث الأصول لابديلًا له، وليس من اللازم لإبراز أهمية المقاصد التقليلُ من شأن أصول الفقه. أما عن جعل قواعد المقاصد مَلْجَأَ المشتجرين، والفيصل بين المختلفين فإنه أمل عريض، لكنه عسير المنال؛ ذلك أن من رام رفع الخلاف في المسائل الفرعية فقد طلب مُحالاً، وإنما الذي يرجى هو تضييقُ دائرة الخلاف بالسعي إلى القضاء على التعصب المذهبي والاعتدادِ بالرأي ولو كان دليله ضعيفًا، والإتجاهُ إلى تحقيق المسائل العلمية وفق منهج يعتمد قوة الدليل وموافقة مقاصد الشارع بصرف النظر عن مدى موافقة النتيجة لهوى النفس واستجابتها للضغط النفسي الذي يفرضه الواقع المنحرف عن مبادئ الشرع ومقاصده، وأن لا يَزُجَّ بنفسه في هذه العملية من لم يكن مؤهلًا لها. وقد أشار ابن عاشور نفسه إلى هذا في صدر مقدمته لكتاب مقاصد

стр. 37

الشريعة الإِسلامية، حيث جعل من مقاصد كتابه التوسل إلى "إقلال الإختلاف بين فقهاء الأمصار, ودُرْبَة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض". (١) ولكنه لم يَسْلَم من الوقوع في المقدمات الخطابية التي عابها على الشاطبي؛ فمع أنه وصف مقاصد الشريعة بأنها تسهم في إقلال الإختلاف لا في رفعه كُلَّيَّة، وهو الصواب، إلّا أنه وصفها بعد ذلك بأنها "الفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب"، (٢) وشبَّه ما سيدوِّنه من مقاصد الشريعة بالأدلة الضرورية القطعية التي يحتكم إليها أصحاب العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي. أما عن وصف قواعد المقاصد بوصف القطعية فإنه يمكن القول إن المقاصد العامة للشريعة كلها قطعية لا يتنازع فيها أصحاب المذاهب والاتجاهات الفقهية المختلفة، ولكن السؤال هو هل قطعيَّةُ تلك القواعد المقصدية كفيلة برفع الخلاف الفقهي فيما يندرج تحتها من فروع؟ وهل قطعيتها تعني قطعية جزئياتها؟ لا شك أن الجواب سيكون بالنفي. فمثلًا كون "دين الله يسرًا" وأن من مقاصد الشريعة الإِسلامية التيسير أمر قطعي لا خلاف فيه، ولكن تطبيق هذه القاعدة على الفروع لا يمكن أن يتوفر فيه وصفُ القطعية في كل الحالات، ولا بُدّ أن يقع فيه خلاف بين أهل النظر: ما هو الحرج الذي يقتضي التيسير والذي لا يقتضيه؟ فهناك حَدٌّ يتّفق الكلّ على اقتضائه التيسير, وآخر يتفقون على عدم اقتضائه التيسير, ولكن بينهما درجات ستكون محلّ اختلاف في التقدير, ولا يمكن لأحد أن يقطع فيها بشيء. وكذلك كونُ الشارع قاصدًا إلى إبطال الغرر, ودفع الضرر, وسدِّ ذرائع الفساد، كلها مقاصد قطعية، ولكن على الجملة لا على التفصيل، ويقال فيها ما قيل في كون الشارع قاصدًا إلى التيسير وسيقع فيها الخلاف في التقدير كما يقع في تلك، وتكون الخلاصة أنه كما لم تتمكّن قواعد الأصول من رفع الخلاف فإن قواعد المقاصد لن تكون أحسن حالًا.

стр. 38

إن إدراك المقاصد الشرعية أمر مهم جدًّا في استنباط الأحكام، لكنه يبقى عنصرًا واحدًا من العناصر التي يحتاج إليها الإجتهاد، ولا يمكن أن يصير بمفرده منهجًا لإستنباط الأحكام؛ وذلك أن استنباط حُكْم من الأحكام الشرعية يتمّ عبر خطوات تتمثل في: فهم النص الذي يمكن أن تندرج تحته الواقعة محلّ الإجتهاد، وذلك يقتضي تمكُّنًا من اللغة العربية، ثم معرفة ما إذا كان ذلك النص ناسخًا أو منسوخا، ومعرفة سبب نزول الآية أو ورود الحديث إذا كان كلّ منهما لا يُفْهم إلَّا بمعرفة ذلك، ثم معرفة موقع ذلك النص من النصوص الشرعية الأخرى من حيث العموم والخصوص، والتقييد والإطلاق، ووجود ما يعارضه أو يعضده، ثم تحقيق مناط الحكم وهو معرفة الواقعة محلّ الإجتهاد معرفة دقيقة، ثم تقدير مآل الحكم هل يكون موافقًا لما قصده الشارع منه أم لا؟ وإذا لم يكن في الواقعة نصّ معيَّن بُحِثَ لها عن القاعدة العامة التي تنضوي تحتها وعن أشبه الأحكام بها. وتكون فائدة العلم بالمقاصد في الإجتهاد هي تحديد المعنى المراد من النص المحتمل، وترجيح إلحاق الواقعة بنظير يحقِّقُ مقاصدَ الشارع بَدَلَ إلحاقها بنظير آخر لا يحققها، والنظر في مآلات الأحكام بما لا يخرجها عن مقصود الشارع منها، والترجيح بين المصالح المتعارضة. (١) وفيما يأتي بيان أهم وجوه الإستفادة من المقاصد للفقيه الناظر في النصوص الشرعية، سواء في إعانته على فهمها، أو في تمكينه من حسن تنزيلها على الواقع. أولًا - الإستعانة بالمقاصد في مسائل التعارض والترجيح: ذلك أن حقّ المجتهد قبل إمضاء أي دليل لاَحَ له في مسألة من مسائل الفقه أن يبحث عن وجود المعارض، ليتأكد أن دليله هذا سَالِم من أن يُبطَل بأي دليل آخر: إمّا نسخًا، أو تخصيصًا، أو تقييدًا، أو رجحانًا عليه. وتكمن فائدة العلم بالمقاصد هنا في مناحي ثلاث: (٢)

стр. 39

الأولى: أن الباعث على المبحث عن المعارض يقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في ذهن المجتهد -وقت النظر في الدليل الذي بين يديه- من كونه مناسبًا لمقاصد الشارع أو غير مناسب، فإذا تبينت مناسبتُه لمقاصد الشارع ضعف احتمال وجود معارض قوي له، أما إذا خفيت المناسبة، أو بَانَ عدم مناسبته لمقاصد الشارع، فإن احتمال وجود المعارض يقوى، ومن ثَمَّ يكون الداعي إلى المبحث عنه قويا. الثانية: مدى اطمئنان الفقيه بعد المبحث عن المعارض: فكّلما كانت مناسبة الدليل لمقاصد الشريعة أقوى كان اطمئنان الفقيه إلى عدم وجود المعارض -بعد استنفاذ الوسع في المبحث وعدم العثور عليه- أقوى، وبالعكس. الثالثة: الترجيح بين الأدلّة المتعارضة استنادًا إلى المقاصد، فيرجح الدليل المحقق للمقاصد، أو الأقرب إلى تحقيقها على الدليل الذي لا يلائمها أصلاً، أو يقصر عن تحقيقها. أمثلة: ومن أمثلة المبحث عن المعارض حادثة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر ﵄ ثلاثًا، فلما لم يؤذن له رجع، فبعث عمر وراءه، فلما حضر عتب عليه انصرافه فأخبره أبو موسى بما سمعه من رسول الله ﷺ في ذلك. ولكن لما كان في هذا نوعُ معارضةٍ للقصد من الإستئذان وهو إعلام صاحب البيت بالقدوم وطلب الإذن في الدخول، وذلك لا يستدعي التحديد بعدد معين، كما أن فيه نوعَ معارضةٍ لأصل الإستئذان في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، الذي لم يُقيد بعدد محدد، كان شكُّ عمر قويًّا في صحة صدور هذا الحديث عن الرسول ﷺ ، وفي صلوحية كونه معارضًا لهذا الأصل، ولذلك طالبه بالبيّنة، (١) وشدد عليه في ذلك. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "كُنْتُ فيِ مَجْلِسٍ مِن مَجَالِسِ الأَنْصَار إِذْ جَاءَ أبُو مُوسى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ, فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَر ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن ليِ فَرَجَعْتُ، وقَالَ رَسُولُ الله

стр. 40

- ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَلْيَرْجِعْ"، فَقَال: والله لتُقِيمَنَّ عليه بَيَّنَة. أَمِنْكُم أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النبي ﷺ ؟ فَقَالَ أُبيّ بْن كَعْبٍ: والله لَا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أَصْغَر القَوْم، فَكُنْتُ أَصْغَر القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَر أَنّ النّبي ﷺ قَالَ ذَلِكَ". (١) وعلى عكس الحادثة السابقة نجد عمر ﵁ لم يتردد في الأخذ بحديث عبد الرحمن ابن عوف ﵁ في أخذ الجزية من المجوس، لعدم وجود أصل في ذلك، ولأن شكه في وجود معارض لهذا الحديث كان ضعيفًا، (٢) إذ قد جرى عرف الشارع بأخذ الجزية من أهل الأديان الأخرى إذا رضوا بالدخول تحت حكم الإِسلام، ومثل هذا موافق لمقصد الشارع في عدم إكراه الآخرين على اعتناق الإِسلام، والإكتفاء منهم بالتسليم له، والإنضواء تحت سلطانه، أو على الأقل مسالمته وعدم الوقوف في وجهه. ففي صحيح البخاري أن عمر ﵁ لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: "أَنّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَر (٣) ". (٤) وقد أخذ عمر ﵁ بالحديث مباشرة دون تردُّد، ودون مطالبة بالبيِّنة، كما كان الأمر في الحادثة السابقة. ثانيًا - الإستعانة بالمقاصد في فهم بعض الأحكام الشرعية: فإن بعض الأحكام الشرعية قد تبدو غامضة، ويقف الفقيه أمامها حائرًا، عاجزًا عن إدراك كنهها، مع تسليمه بصحتها ووجوب العمل بها. ومثال ذلك ما جرت به السنّة من عدم استلام الركنين اللذين يليان حجر إسماعيل، والإكتفاء بتقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني. فخصوصية الحجر الأسود واضحة، أما التفريق بين الركن اليماني والركنين الآخرين ففيه غموض. وقد
следующие страницы →