القطع مطلوبًا في كلّ قضايا الحياة العملية.
لقد كان ابن عاشور مصيبًا في جزءٍ من انتقاده لعلم أصول الفقه بكون "معظم مسائله لا ترجع إلى خدمة حِكْمة الشريعة ومقصدها"، (١) وضآلة حجم المباحث المخصصة للمناسبة والإخالة والمصالح المرسلة -وهي مباحث في المقاصد- مقارنة بغيرها من المباحث، ولكن علاج هذا القصور ليس في وصف علم أصول الفقه بالعقم، ووصف مباحث المقاصد بالقطعية، والدعوة إلى تأسيس علم مستقل بها، ومحاولة جعلها بديلاً له؛ لأن ذلك لن يأتي بكبير فائدة.
نعم، يمكن إفراد موضوع المقاصد بالتأليف والبحث وجعله فرعًا من فروع العلوم الشرعية، فلا مانع من ذلك أُسْوَة بغيره من فروع العلم؛ إذْ إنّ إفراد موضوع بالبحث والدراسة يسهم في كشف كوامنه وأسراره، ولفت الأنظار إليه، وإيصاله إلى درجة النضج. أما إمكانية صيرورته منهجًا لإستنباط الأحكام يحلُّ محلَّ أصول الفقه أو يكون موازيًا له فأمر فيه نظر. وأفضل عمل هو ما قام به الشاطبي من دمج مباحث المقاصد بمباحث الأصول، وإعطائها مكانة بارزة فيها بحيث تصير روحًا يسري فيه؛ فمباحث المقاصد مكملة لمباحث الأصول لابديلًا له، وليس من اللازم لإبراز أهمية المقاصد التقليلُ من شأن أصول الفقه.
أما عن جعل قواعد المقاصد مَلْجَأَ المشتجرين، والفيصل بين المختلفين فإنه أمل عريض، لكنه عسير المنال؛ ذلك أن من رام رفع الخلاف في المسائل الفرعية فقد طلب مُحالاً، وإنما الذي يرجى هو تضييقُ دائرة الخلاف بالسعي إلى القضاء على التعصب المذهبي والاعتدادِ بالرأي ولو كان دليله ضعيفًا، والإتجاهُ إلى تحقيق المسائل العلمية وفق منهج يعتمد قوة الدليل وموافقة مقاصد الشارع بصرف النظر عن مدى موافقة النتيجة لهوى النفس واستجابتها للضغط النفسي الذي يفرضه الواقع المنحرف عن مبادئ الشرع ومقاصده، وأن لا يَزُجَّ بنفسه في هذه العملية من لم يكن مؤهلًا لها. وقد أشار ابن عاشور نفسه إلى هذا في صدر مقدمته لكتاب مقاصد
стр. 37
الشريعة الإِسلامية، حيث جعل من مقاصد كتابه التوسل إلى "إقلال الإختلاف بين فقهاء الأمصار, ودُرْبَة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض". (١) ولكنه لم يَسْلَم من الوقوع في المقدمات الخطابية التي عابها على الشاطبي؛ فمع أنه وصف مقاصد الشريعة بأنها تسهم في إقلال الإختلاف لا في رفعه كُلَّيَّة، وهو الصواب، إلّا أنه وصفها بعد ذلك بأنها "الفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب"، (٢) وشبَّه ما سيدوِّنه من مقاصد الشريعة بالأدلة الضرورية القطعية التي يحتكم إليها أصحاب العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي.
أما عن وصف قواعد المقاصد بوصف القطعية فإنه يمكن القول إن المقاصد العامة للشريعة كلها قطعية لا يتنازع فيها أصحاب المذاهب والاتجاهات الفقهية المختلفة، ولكن السؤال هو هل قطعيَّةُ تلك القواعد المقصدية كفيلة برفع الخلاف الفقهي فيما يندرج تحتها من فروع؟ وهل قطعيتها تعني قطعية جزئياتها؟ لا شك أن الجواب سيكون بالنفي.
فمثلًا كون "دين الله يسرًا" وأن من مقاصد الشريعة الإِسلامية التيسير أمر قطعي لا خلاف فيه، ولكن تطبيق هذه القاعدة على الفروع لا يمكن أن يتوفر فيه وصفُ القطعية في كل الحالات، ولا بُدّ أن يقع فيه خلاف بين أهل النظر: ما هو الحرج الذي يقتضي التيسير والذي لا يقتضيه؟ فهناك حَدٌّ يتّفق الكلّ على اقتضائه التيسير, وآخر يتفقون على عدم اقتضائه التيسير, ولكن بينهما درجات ستكون محلّ اختلاف في التقدير, ولا يمكن لأحد أن يقطع فيها بشيء. وكذلك كونُ الشارع قاصدًا إلى إبطال الغرر, ودفع الضرر, وسدِّ ذرائع الفساد، كلها مقاصد قطعية، ولكن على الجملة لا على التفصيل، ويقال فيها ما قيل في كون الشارع قاصدًا إلى التيسير وسيقع فيها الخلاف في التقدير كما يقع في تلك، وتكون الخلاصة أنه كما لم تتمكّن قواعد الأصول من رفع الخلاف فإن قواعد المقاصد لن تكون أحسن حالًا.
стр. 38
إن إدراك المقاصد الشرعية أمر مهم جدًّا في استنباط الأحكام، لكنه يبقى عنصرًا واحدًا من العناصر التي يحتاج إليها الإجتهاد، ولا يمكن أن يصير بمفرده منهجًا لإستنباط الأحكام؛ وذلك أن استنباط حُكْم من الأحكام الشرعية يتمّ عبر خطوات تتمثل في: فهم النص الذي يمكن أن تندرج تحته الواقعة محلّ الإجتهاد، وذلك يقتضي تمكُّنًا من اللغة العربية، ثم معرفة ما إذا كان ذلك النص ناسخًا أو منسوخا، ومعرفة سبب نزول الآية أو ورود الحديث إذا كان كلّ منهما لا يُفْهم إلَّا بمعرفة ذلك، ثم معرفة موقع ذلك النص من النصوص الشرعية الأخرى من حيث العموم والخصوص، والتقييد والإطلاق، ووجود ما يعارضه أو يعضده، ثم تحقيق مناط الحكم وهو معرفة الواقعة محلّ الإجتهاد معرفة دقيقة، ثم تقدير مآل الحكم هل يكون موافقًا لما قصده الشارع منه أم لا؟ وإذا لم يكن في الواقعة نصّ معيَّن بُحِثَ لها عن القاعدة العامة التي تنضوي تحتها وعن أشبه الأحكام بها. وتكون فائدة العلم بالمقاصد في الإجتهاد هي تحديد المعنى المراد من النص المحتمل، وترجيح إلحاق الواقعة بنظير يحقِّقُ مقاصدَ الشارع بَدَلَ إلحاقها بنظير آخر لا يحققها، والنظر في مآلات الأحكام بما لا يخرجها عن مقصود الشارع منها، والترجيح بين المصالح المتعارضة. (١)
وفيما يأتي بيان أهم وجوه الإستفادة من المقاصد للفقيه الناظر في النصوص
الشرعية، سواء في إعانته على فهمها، أو في تمكينه من حسن تنزيلها على الواقع.
أولًا - الإستعانة بالمقاصد في مسائل التعارض والترجيح:
ذلك أن حقّ المجتهد قبل إمضاء أي دليل لاَحَ له في مسألة من مسائل الفقه أن يبحث عن وجود المعارض، ليتأكد أن دليله هذا سَالِم من أن يُبطَل بأي دليل آخر: إمّا نسخًا، أو تخصيصًا، أو تقييدًا، أو رجحانًا عليه. وتكمن فائدة العلم بالمقاصد هنا في مناحي ثلاث: (٢)
стр. 39
الأولى: أن الباعث على المبحث عن المعارض يقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في ذهن المجتهد -وقت النظر في الدليل الذي بين يديه- من كونه مناسبًا لمقاصد الشارع أو غير مناسب، فإذا تبينت مناسبتُه لمقاصد الشارع ضعف احتمال وجود معارض قوي له، أما إذا خفيت المناسبة، أو بَانَ عدم مناسبته لمقاصد الشارع، فإن احتمال وجود المعارض يقوى، ومن ثَمَّ يكون الداعي إلى المبحث عنه قويا.
الثانية: مدى اطمئنان الفقيه بعد المبحث عن المعارض: فكّلما كانت مناسبة الدليل لمقاصد الشريعة أقوى كان اطمئنان الفقيه إلى عدم وجود المعارض -بعد استنفاذ الوسع في المبحث وعدم العثور عليه- أقوى، وبالعكس.
الثالثة: الترجيح بين الأدلّة المتعارضة استنادًا إلى المقاصد، فيرجح الدليل المحقق للمقاصد، أو الأقرب إلى تحقيقها على الدليل الذي لا يلائمها أصلاً، أو يقصر عن تحقيقها.
أمثلة:
ومن أمثلة المبحث عن المعارض حادثة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر ﵄ ثلاثًا، فلما لم يؤذن له رجع، فبعث عمر وراءه، فلما حضر عتب عليه انصرافه فأخبره أبو موسى بما سمعه من رسول الله ﷺ في ذلك. ولكن لما كان في هذا نوعُ معارضةٍ للقصد من الإستئذان وهو إعلام صاحب البيت بالقدوم وطلب الإذن في الدخول، وذلك لا يستدعي التحديد بعدد معين، كما أن فيه نوعَ معارضةٍ لأصل الإستئذان في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، الذي لم يُقيد بعدد محدد، كان شكُّ عمر قويًّا في صحة صدور هذا الحديث عن الرسول ﷺ ، وفي صلوحية كونه معارضًا لهذا الأصل، ولذلك طالبه بالبيّنة، (١) وشدد عليه في ذلك. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "كُنْتُ فيِ مَجْلِسٍ مِن مَجَالِسِ الأَنْصَار إِذْ جَاءَ أبُو مُوسى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ, فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَر ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن ليِ فَرَجَعْتُ، وقَالَ رَسُولُ الله
стр. 40
- ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَلْيَرْجِعْ"، فَقَال: والله لتُقِيمَنَّ عليه بَيَّنَة. أَمِنْكُم أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النبي ﷺ ؟ فَقَالَ أُبيّ بْن كَعْبٍ: والله لَا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أَصْغَر القَوْم، فَكُنْتُ أَصْغَر القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَر أَنّ النّبي ﷺ قَالَ ذَلِكَ". (١)
وعلى عكس الحادثة السابقة نجد عمر ﵁ لم يتردد في الأخذ بحديث عبد الرحمن ابن عوف ﵁ في أخذ الجزية من المجوس، لعدم وجود أصل في ذلك، ولأن شكه في وجود معارض لهذا الحديث كان ضعيفًا، (٢) إذ قد جرى عرف الشارع بأخذ الجزية من أهل الأديان الأخرى إذا رضوا بالدخول تحت حكم الإِسلام، ومثل هذا موافق لمقصد الشارع في عدم إكراه الآخرين على اعتناق الإِسلام، والإكتفاء منهم بالتسليم له، والإنضواء تحت سلطانه، أو على الأقل مسالمته وعدم الوقوف في وجهه. ففي صحيح البخاري أن عمر ﵁ لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: "أَنّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَر (٣) ". (٤) وقد أخذ عمر ﵁ بالحديث مباشرة دون تردُّد، ودون مطالبة بالبيِّنة، كما كان الأمر في الحادثة السابقة.
ثانيًا - الإستعانة بالمقاصد في فهم بعض الأحكام الشرعية:
فإن بعض الأحكام الشرعية قد تبدو غامضة، ويقف الفقيه أمامها حائرًا، عاجزًا عن إدراك كنهها، مع تسليمه بصحتها ووجوب العمل بها.
ومثال ذلك ما جرت به السنّة من عدم استلام الركنين اللذين يليان حجر إسماعيل، والإكتفاء بتقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني. فخصوصية الحجر الأسود واضحة، أما التفريق بين الركن اليماني والركنين الآخرين ففيه غموض. وقد
стр. 41
كان ابن عمر ﵄ متحيرًا من ذلك إلى أن سمع حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "أَلَمْ تَرَيْ أنّ قَومَكِ لَمَّا بَنوا الكَعْبَة اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم؟ " فَقُلْت: يا رَسُول الله أَلاَ تَرُدُّها عَلَى قَوَاعَد إِبْرَاهيمَ؟ قال: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَومِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ"، وفي رواية أخرى أن عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ النبي ﷺ عَن الجَدْرِ (١) أَمِن الْبَيْتِ هُو؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَالَهُم لَمْ يُدْخِلُوُه فيِ البَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". وبناءً على رواية عائشة هذه فهم ابن عمر حكمة ذلك التفريق، وانثلج له صدره، وقال: "لَئِن كانَت عَائِشَة سَمِعَت هَذَا مِنْ رَسُولِ الله، مَا أُرَى رَسُولَ الله ﷺ تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذينِ يَلِيَانِ الحِجْر إلّا أَنّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّم عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم". (٢)
ثالثًا - الإستعانة بالمقاصد في فهم النصوص وتوجيهها:
ويكون هذا على الخصوص في النصوص ظنية الدلالة؛ إذْ يستعين المجتهد بالمقاصد في فهم النصوص واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد، وتوجيه معنى النص بما يخدمها، وقد يصل الأمر بالمجتهد إلى تأويل النص، وصرفه عن ظاهره في حال مخالفة ذلك المعنى الظاهر لمقاصد الشريعة وكلّياتها.
ومن أمثلة هذا ما ورد من نهي النبي ﷺ عن كراء الأرض، وموقف الصحابة والتابعين والفقهاء من بعدهم من أحاديث النهي هذه، وكيفية توجيههم لها تبعًا لما فهموه من مقاصد النهي. (٣)
الأحاديث الواردة في النهي:
من الأحاديث التي وردت في النهي عن كراء الأرض ما يأتي:
١ - ما رواه البخاري من حديث جابر ﵁ أنه قال: "كانت لرجال فضول من
стр. 42
أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ ليَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ". (١)
٢ - ما رواه مالك بن أنس في الموطأ عن رافع بن خديج ﵁: "أَنّ رَسُول الله ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ". (٢)
٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن رافع بن خديج أنه قال: "دَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ وقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ " قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبْعِ وعَلَى الأَوْسُق مِن التَّمْرِ والشَّعِير قَالَ: "لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا". قال رافع: قلتُ سمعًا وطَاعةً". (٣)
الآثار الدالة على الجواز:
فالأحاديث السابقة ظاهرة في النهي عن كراء الأرض، وفي الأمر بمنحها لمن يزرعها من غير مقابل، أو إمساكها. لكنها عارضت بعض الوقائع التاريخية الدالة على جواز كراء الأرض ومن ذلك:
١ - ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كُنْتُ أَعْلَمُ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ أَنّ الأَرْضَ تُكْرَى. ثُمّ خَشِيَ عَبْدُ الله أَنْ يَكُونَ النّبي ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فيِ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُن يَعْلَمُه، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ". (٤)
٢ - ما رواه البخاري عن نافع: "أَنّ ابنَ عُمر ﵄ كاَنَ يُكْرِي مَزَارِعَه عَلَى عَهْدِ النّبي ﷺ وأَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيّة". ثم حُدِّثَ عن رافع بن خديج: "أنّ النّبي ﷺ نَهى عَنْ كِرَاءِ المزَارِعِ، فَذَهَبَ ابنُ عُمَر إِلى
стр. 43
رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَه فَقَال: نَهَى النّبي ﷺ عَنْ كِرَاءِ المزَارِعِ، فَقَال ابنُ عُمَر: قَدْ عَلِمْتَ أَنّا كُنّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ بِمَا عَلَى الأَرْبِعاءِ (١) وبشَيْءٍ مِن التَّبْنِ". (٢)
موقف الفقهاء من دلالة النهي:
وقد ذهب فقهاء الصحابة والتابعين مذهبين في توجيه أحاديث النهي عن كراء الأرض، بناءً على فهم كلّ فريق لقصد الرسول ﷺ من النهي عن كراء المزارع:
ذهب فريق - ومنهم سالم بن عبد الله بن عمر, وسعيد بن المسيب، ورواية عن رافع بن خديج، والإمام مالك، وعروة بن الزبير - إلى أن علَّة النهي ما في هذا الكراء من مخاطرة وغرر, ويفسر ذلك ما رواه البخاري عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: "كُنّا أَكْثَرَ أَهْلِ المدِينَة مُزْدَرَعًا، كُنّا نُكْرِي الأَرْضَ بالنَّاحِيّةِ مِنْهَا مُسَمّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ فَمِمَّا يُصابُ ذَلِكَ وتَسْلمُ الأَرْضُ، ومِمّا يُصابُ الأرضُ ويَسْلمُ ذَلِكَ، فنُهِينا، وأَمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَومَئِذٍ". (٣) ولما كان قصد الشارع إبطال المعاملات التي تتضمن غررًا ومخاطرة، نهى الرسول ﷺ عن هذا النوع من المعاملات. ومن ثَمَّ قصر هذا الفريق النهي على كراء الأرض بما تنتجه ناحية مسماة منها، وأجازوا كراءها بالذهب والفضة. فقد روى مالك عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "سألت سعيد بن المسيب عن كراء الأرض بالذهب والورِق؟ فقال: لا بأس به". (٤)
وروى مالك عن الزهري أيضًا أنه سأل سالمًا بن عبد الله بن عمر عن كراء المزارع؟ فقال: لَا بَأْسَ بِهَا بالذّهَبِ والوَرِقِ". قال ابن شهاب: فقلت له: "أَرَأَيْتَ الحدِيثَ الّذِي يُذْكَرُ عَن رَافعِ بن خُدَيْج؟ فَقَالَ: أَكْثَرَ رَافِعٌ. ولَوْ كاَنَ لِي مَزْرَعَةٌ
стр. 44
أَكْرَيْتُهَا". (١)
وروى البخاري عن رافع بن خديج قال: "حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي ﷺ بما يَنْبُتُ على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم". (٢)
وذهب فريق ثان - ومنهم: ابن عباس، ورواية عن رافع بن خديج، والبخاري - إلى أن النبي ﷺ قصد من هذا النهي ترغيب الصحابة في مواساة ومساعدة بعضهم بعضًا، نظرًا للظروف الإقتصادية الصعبة التي كانوا يعيشونها في دار الهجرة، وعلى ذلك لا يكون النهي تحريمًا للمزارعة، بل مجرد تنفير للصحابة من ذلك، وترغيبهم في التبرع بها لمن يقدر على زرعها من إخوانهم. وقد دعموا توجيههم هذا لتلك النصوص بما رواه البخاري عن رافع بن خديج: "لَقَدْ نَهَانَا رُسُولُ الله ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا ... ". (٣) وما أورده البخاري أيضًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إِنّ النبي ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، ولَكِنْ قَالَ: "أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُم أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا". (٤)
فهذا الفريق - لَمّا رأى أن مقصد الرسول ﷺ لم يكن تحريم المعاملة، وإنما كان يقصد الترغيب في التعاون والتآسي بين الصحابة - أَوَّلَ الحديث ولم يأخذه على ظاهره بما يفيده من تحريم كراء الأرض، وإنما عَدَّ ذلك من باب الترغيب في التآسي، والتنفير من ضد ذلك.
رابعًا - أهمية المقاصد في توجيه الفتوى:
الهدف من الفتوى تنزيلُ النصوصِ على الوقائع، وتحقيق مقاصد الشارع في آحاد
стр. 45
المستفتين، ولَمَّا كانت مقاصد الشارع واحدةً لجميع المستفتين، وفي مختلف الظروف، وكان مدى تحقيق هذه المقاصد يخضع لحالة المستفتي، وظروف الفتوى، كان من اللازم على المفتي أن يتصرف في فتواه بما يحقق تلك المقاصد الثابتة والمشتركة، ومن ثَمَّ وجب مراعاة المرونة في الفتوى لتتغير بتغير ظروف وملابسات المفتي والواقعة محل الفتوى. فالمقصد ثابت ومشترك بين جميع الناس، والذي يتغير بتغير الشخص أو الظرف هو الفتوى، ويكون تغيرها بما يحقق ذلك المقصد.
ومن أمثلة ذلك قصة ابن عباس مع الرجل الذي استفتاه أَلِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ؟ فقد روي أنه: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أَلِمَن قَتَل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا، إلَّا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كُنْتَ تُفْتينا؟ كنت تفتينا أنَّ لِمَن قَتَلَ تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ؟ قال: إني لأحسبه مغضبًا، يريد أن يقتل مؤمنًا، قال: فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك". (١)
فلما كان قصد الشارع من الحضِّ على التوبة والترغيب فيها هو تطهير نفوس الناس، وردهم إلى طريق الحق والصواب، وتنفيرهم من الذنوب والمعاصي، وكان ذلك الرجل يريد التوسل بالتوبة إلى نقيض ما قصد الشارع منها، كان تحقيق المقصد من التوبة في سَدّ بابها في وجهه، فأفتاه ابن عباس بأن لا توبة له، لعلّ ذلك يردعه عمّا يريد الإقدام عليه، ويردُّه إلى طريق الصواب.
خامسًا - الحاجة إلى معرفة المقاصد في استنباط علل الأحكام الشرعية لِتُتَّخَذّ أساسًا للقياس:
ذلك أن العلل الشرعية تكون عادة ضابطة لحِكَمٍ، التي هي من المقاصد، فيكون معرفة المقاصد عونًا على تحديد العلل وإثباتها. وعلى رأي القائلين بجواز التعليل بالحِكْمة مطلقًا، أو بشرط انضباطها يكون الكشف عن المقاصد (التي منها
стр. 46
الحِكَم) كشفًا عن العلل ذاتها لِتُتَّخَذَ بعد ذلك مناطًا للقياس. (١) وأبرز المسالك التي يُحتاج فيها إلى معرفة المقاصد هي: مسلك المناسبة، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق.
سادسًا - تحكيم المقاصد في الإعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء
واستدلالاتهم:
فيؤخذ منها ما كان موافقًا ومناسبًا لمقاصد الشارع، ويترك ما كان خلاف ذلك، إذْ مخالفته لمقاصد الشريعة دليل ضعفه أو خطئه، فيطرح ويبحث عمَّا هو أقوى منه.
ويمكن التمثيل لذلك بما ذهب إليه جابر بن عبد الله ﵁ من أن نهي النبي ﷺ عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها لم يكن القصد منه تشريع إبطال هذا النوع من البيوع وإنما كان، من باب المشاورة فقط، أي أنه مجرد اقتراح من النبي ﷺ لحسم مادة النزاع بين الصحابة لَمَّا كثُر ذلك بينهم. ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "كاَنَ النَّاسُ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ يَبْتَاعُونَ الثَّمَارَ فَإِذَا جَذّ (٢) النّاسُ وحَضَرَ تَقَاضيهم قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثّمرَ الدَّمَان، (٣) أَصَابَهُ مُرَاض، (٤) أَصَابَهُ قُشَام (٥) - عَاهَاتُ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ في ذَلِكَ: فَإِمّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتّى يَبْدُوّ صَلاَحُ الثّمر, كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِم". (٦)
فَرَأْيُ زيد بن ثابت أن هذا كان من باب المشورة، وليس من باب التشريع الملزم. ولكن لما كان في هذا خلاف لقصد الشارع من تحريم هذا النوع من البيوع، وهو دفع ما فيه من خطر وغرر وحسم مادة النزاع بين المسلمين، ولما وردت نصوص أخرى تفيد تحريم هذا النوع من البيوع، فإن كثيرًا من الفقهاء لم يأخذوا بتأويل
стр. 47
جابر هذا، (١) كما أنه هو نفسه كان ملتزما بالعمل بظاهر الحديث، كما في صحيح البخاري عن أبي الزناد قال: "وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا، فيتبين الأصفر من الأحمر". (٢)
سابعًا - الحاجة إلى العلم بالمقاصد في التعامل مع أخبار الآحاد:
من المعلوم أن السنّة النبوية قد وقع فيها شيء من الدخل من قِبَل الوضاعين، ومن ساء حفظهم واختلطت عليهم مروياتهم، ولذلك نجد من السنّة: الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، كما أنه قد وقع فيها نسخ، وقد يُعلم الناسخ والمنسوخ، وقد يخفى أحيانًا على البعض. وبسبب ما سبق ذكره نجد أحيانًا شيئًا من التعارض سواء بين نصوص السنّة نفسها، أو بينها ونصوص القرآن الكريم، أو بينها والمقاصد العامة للشريعة وأصولها وكلّياتها. ومن هنا نهض العلماء المحققون لتمحيص السنّة بتخليصها من الدخيل، وبيان ناسخها ومنسوخها، والترجيح بين المتعارض منها. وقد سلك العلماء في ذلك مسالك متعددة، واتخذوا لذلك وسائل متنوعة، منها الإستعانة بمقاصد الشارع الحكيم في تمحيص أحاديث الآحاد، والترجيح والتوفيق بينها والنصوص الأخرى أو الأصول والمقاصد العامة للشريعة.
ويجب التنبيه بداية إلى أن هذا الموضوع في غاية الحساسية والصعوبة، وهو مزلَّة أقدام، وموطن انحراف أفهام، وقد وقع فيه خلاف كبير وكان وما زال مدخلاً لكثير من ذوي الأفهام القاصرة والنوايا المشكوك فيها لإسقاط بعض النصوص والأحكام الشرعية؛ لذلك وجب معالجته بحذر وليس هذا مجال التفصيل فيه لأنه ليس من صميم المبحث، وإنما القصد هو ذكر خلاصة له، وبيان أهمّ الضوابط التي يجب مراعاتها عند التعامل معه.
لقد رُدَّت أحاديثُ كثيرة بحجة مخالفتها للأصول العامة للشريعة، أو مخالفتها
стр. 48
لمقاصدها العامة أو بعض مقاصدها الأساسية، وعلة ذلك الرد كونُ تلك الأصول والمقاصد قطعية في الشريعة، أما أحاديث الآحاد فإنها ظنية، فإذا وقع تعارض بينهما رُجِّحَ القطعي على الظني. وقد عالج الإمام الشاطبي هذا في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة الشرعية في كتابه الموافقات معالجة تحسن الإشارة إليها، حيث قسم أحاديث الآحاد في علاقتها بكلّيات الشريعة وقطعياتها إلى ثلاثة أقسام: (١)
القسم الأول: أحاديث الآحاد (الظنيات) الراجعة إلى أصل قطعي، أي التي تمثل بيانًا لتلك الأصول كأحاديث الطهارة، والصلاة، والحج، والصوم، والبيوع، والربا، وغيرها. وإعمالها ظاهر لكونها مستندة إلى أصل قطعي، فتصير في حكم القطعي، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
القسم الثاني: أحاديث الآحاد (الظنيات) المعارضة لأصل قطعي، ولا يشهد لها أصل قطعي، أما شهادة أصل ظني لها فغير معتبرة، لأن الظني ولو كان أصلاً لا يقف في وجه - الأصل القطعي. ويرى الشاطبي أن هذا النوع مردود بلا إشكال. واستدلّ على ذلك بدليلين:
الأول: أن مخالفتها لأصول الشريعة تجعلها خارجة عنها، وما هو خارج عنها لا يمكن اعتباره منها، وبالتالي فهو مردود غير مقبول، والثاني: أنه ليس له ما يشهد بصحته، وما كان كذلك فهو ساقط الإعتبار.
ولكن الشاطبي أدرك خطورة هذا الإطلاق فعاد ليستدرك عليه بجعل هذا القسم على ضربين: أحدهما أن تكون مخالفته للأصول قطعية، فلا بُدّ من ردِّه، والآخر أن تكون المخالفة ظنية، وتكون هذه الظنية من ناحيتين: إما من ناحية كون الأصل أو المقصد المخالَف غير قطعي عند التحقيق، ومن ثَمَّ يصير التعارض بين ظنيين تُحكَّم فيه قواعد الترجيح، وإما من ناحية كون الدليل الظني (خبر الآحاد) غير مقطوع بمعارضته للأصول أو المقاصد القطعية، فيمكن الجمع بينهما بضرب من أضرب التأويل، بحمل الظني على معنى لا يخالف القطعي. وهذا الضرب
стр. 49
محل اجتهاد للعلماء. (١)
ومن هنا يتبين أنه لا ينبغي المجازفة بردّ أحاديث الآحاد لمجرد ما يبدو من تعارض بينها والمقاصد الشرعية، بل ينبغي أثناء افظر التَّقَيُّدُ بالضوابط الآتية:
١ - يجب النظر في مدى قطعية المقصد المخالَف، إذْ ليست كلّ المقاصد قطعية، بل منها القطعي ومنها الظني.
٢ - وإذا ثبتت قطعية المقصد المخالَف لَزِمَ النظرُ في قطعية التعارض بين الخبر والمقصد، إذْ قد يكون التعارض ظاهريا غير مقطوع به، بمعنى أنه يمكن الجمع والتوفيق بينهما بوجه من أوجه الجمع والتوفيق، فَيُحْمَلُ الخبر الظني على معنى لا يعارض المقصد القطعي.
٣ - إذا كان المقصد قطعيًّا، وكان التعارض قطعيًّا ولم يمكن الجمع والتوفيق بين المقصد والخبر بأي ضرب من أضرب الجمع والتوفيق لزم في هذه الحال ترجيح المقصد أو الأصل العام على الخبر، ولا يُعدُّ ذلك ردًّا للخبر إذا ثبتت صحته، بل يمكن اعتباره من باب الترجيح بين المتعارضين.
ومن أمثلة هذا عدم عمل الإمام مالك بحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المُتَبَايِعَانِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخيَّارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلاّ بَيْعَ الخِيَّارِ". (٢) قال مالك: "وليس لهذا عندنا حَدٌّ معروف، ولا أمر معمول به فيه". (٣)
وفسر ابن العربي هذا بما في القول بخيار المجلس من غرر وخطر لما في المجلس من جهالة المُدَّة. (٤) فلم يعمل الإمام مالك بالحديث ورأى أن المراد بالتفرق التفرق
стр. 50
في الأقوال، لا التفرق بالأبدان.
ووَجْهُ مخالفة هذا الحديث لمقصد الشارع أن الشارع قصد إلى رفع الغرر والخطر من المعاملات، ولأجل ذلك حرَّم بيوع الغرر ولما كان الخيار هنا غير محدد المدة، دخله الغرر, فَأُبْطِلَ. هذا مذهب الإمام مالك وللفقهاء الآخرين رأي مخالف، فلينظر في مظانه؛ (١) إذ الغرض هنا مجرد التمثيل لحالة تعارض الخبر الظني مع مقاصد الشارع.
ومن ذلك أيضًا عدم أخذ الإمام مالك بن أنس بحديث إكفاء القدور في غزوة خيبر, ففي صحيح البخاري عن ابن أبي أوفى ﵄ قال: "أَصَابَنَا مَجَاعَة لَيَالي خَيْبَر, فَلَمّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَر وَقَعْنَا في الحُمُرِ الأَهْليّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمّا غَلَت القُدُورُ نَادَى مُنَادِي رُسُول الله ﷺ : أَكْفِئُوا القُدُورَ فَلَا تَطْعَمُوا مِن لُحُوم الحُمُر شَيْئًا". (٢)
وقد ذهب الإمام مالك إلى أنه يجوز الأكل من لحوم الإبل والبقر والغنم قبل قسمتها إذا احتاج إلى ذلك المجاهدون، وفي ذلك يقول: "لا أرى بأسًا من أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدوّ من طعامهم، ما وجدوا من ذلك كلّه قبل أن يَقَعَ في المقاسم"، (٣) ويقول: "وأنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام، يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو, كما يأكلون من الطعام ... فلا أرى بأسًا بما أُكِل من ذلك كلّه، على وجه المعروف، ولا أرى أن يدَّخر أَحَدٌ من ذلك شيئًا يرجع به إلى أهله". (٤)
وقد علل مذهبه هذا بقوله: "ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم، ويقسم بينهم، أضر ذلك بالجيوش". (٥)
стр. 51
فعلى رأي من رأى أن النهي عن أكل لحوم الحمر والأمر بإكفاء قدورها إنما كان لأنها لم تُخَمَّسْ بَعْدُ، يكون الإمام مالك لم يأخذ بظاهر الحديث لأن منع الجند من الأكل يؤدي إلى إضعافهم، وذلك يؤدي إلى عجزهم عن تحقيق مقاصد الشرع من الجهاد. أما على قول من قال إن النهي كان تحريمًا لها ألبتة، (١) وليس لكونها لم تُخَمّس فإن هذا المثال لا يتوجه في هذا الباب.
وقد كره الإمام مالك صيام ستة أيام من شهر شوال، واستند في ذلك إلى أمرين:
الأول: أنه لم يَرَ أهل العلم في المدينة يصومونها، ولم يصح عنده أن أحدًا من السلف كان يصومها.
الثاني: مخالفة ذلك لمقصد من مقاصد الشارع، وهو سدّ ذرائع الفساد ومنها ذرائع البدعة، وفي ذلك يقول: "وإن أهل العلم يكرهون ذلك [أي صيام ست من شوال]، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك". (٢)
وبغض النظر عن مدى قوة حجة مالك هذه، ومدى صحة مذهبه، فإن الغرض هنا هو بيان كيفية التعارض بين خبر الآحاد والمقاصد الشرعية، وترجيح المقاصد على مقتضى خبر الآحاد.
القسم الثالث: حديث الآحاد (الظني) الذي لا يشهد له أصل قطعي، ولا يُعَارِضُ أصلاً قطعيًّا، فهو محلُّ نظرِ واجتهادِ العلماء، وهو من باب المناسب الغريب. فقد يرفضه البعض بحجة أنه شرع على غير ما عُهِدَ في مثله، ولأن الاستقراء يدلّ على أنه غير موجود، ولأنه من حيث لم يشهد له أصل قطعي يُعتبر معارضًا لأصول الشرع، إذْ عدم الموافقة يُعَدّ مخالفة، وكلّ ما خالف أصلاً قطعيًّا فهو مردود. وقد يقبله البعض من باب أنه وإن لم يكن موافقًا لأصل فلا مخالفة فيه أيضًا، فإن عضَّد الردَّ عدمُ الموافقة، عضَّد القبولَ عدمُ المخالفة، فيتعارضان، ويبقى أصل العمل بالظن في الشرع
стр. 52
قائما، وهذا فرد من أفراده فيلزم العمل به. (١) وهذا الأخير هو الرأي الأسلم والأرجح، والله أعلم.
ثامنًا - استنباط الأحكام للوقائع المستجدة مما لم يدلّ عليه دليل، ولا وُجِد له نظير يقاس عليه:
ومن ذلك الإحتجاج بالمصالح المرسلة. وبيان ذلك أن معرفة مختلف أنواع المصالح التي قصد الشارع إلى تحقيقها يحصل لنا منه يقينٌ بصورٍ كلّية من أنواع تلك المصالح، فنجعلها بعد ذلك أصولاً كلّية نقيس عليها ما يَجِدُّ من حوادث ليس له حكم ولا نظير يقاس عليه في أحكام الشريعة، فنُدخلها تحت تلك الصور الكلّية، ونُثبِت لها مثل أحكامها. وهذا النوع من الإلحاق أَوْلى بالاعتبار من القياس، الذي هو إلحاق جزئي بجزئي آخر بجامع علة، غالبًا ما تكون مظنونة، في حين أن الإلحاق في المصلحة المرسلة يكون بكلّية ثابتة في الشريعة قطعا، أو ظنًّا قريبًا من القطع، بما تظافر من أدلّة كثيرة على اعتبار تلك الكلّيات. (٢)
стр. 53
الفصل الثاني
استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص
تمهيد
طرق إفادة الكلام
ينقسم الكلام المفيد من حيث مدى استقلاله بالإفادة إلى ثلاثة أقسام:
١ - إمّا أن يكون مستقلاً بالإفادة من كلّ وجه، وهو النص، (١) مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فهذه النصوص تستقل بإفادة تحريم الزنا وقتل النفس وإيذاء الوالدين بالتأفيف.
والظاهر (٢) -أيضًا- من أنواع الألفاظ التي تستقل بالدلالة على معناها، ذلك أن اللفظ الظاهر هو الذي لا يتوقف فهم المراد منه على قرينة خارجية، وإنما يتضح مدلوله المراد منه من الصيغة نفسها. (٣)
стр. 54
ومع أن كلًّا من النص والظاهر يستقل بإفادة معناه من كلّ وجه، إلّا أن الفرق بينهما أن النص يستقل بالإفادة بإطلاق، أما الظاهر فإنه يستقل بالإفادة بشرط عدم ثبوت ما يصرفه عن ظاهره، فإذا وُجِدَ ما يصرفه عن ظاهره صار مؤَوَّلاً.
٢ - ما يستقل بالإفادة من وجه دون وجه، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإيتاء حق المنتوج الزراعي يوم حصاده بإخراج زكاته معلوم، ولكن مقدار هذا الحق غير معلوم من هذا النص. وفي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، نجد أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية معلوم من هذا النص، لكنه لا يستقل بالدلالة على مقدار الجزية.
فهذه الآيات نصوص في بعض المعاني، ومجملة في أخرى تحتاج في بيانها إلى نصوص أخرى.
٣ - ما لا يستقل بالإفادة إلّا بقرينة، وهو كلّ لفظ مشترك ومبهم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإن الذي بيده عقدة النكاح يُطْلَقُ على ولي المرأة وعلى الزوج، ولا يتحدد المقصود منهما هنا إلّا بالقرائن، وكذلك لفظ القرء مشترك بين الحيض والطهر ولا يمكن تعيين واحد منهما بكونه مقصود الشارع إلّا بالقرائن (١).
وبناءً على هذا، يمكن القول إن استخلاص المقاصد إما أن يتمّ من ظواهر النصوص الشرعية، وهي التي تستقل بإفادة معناها، وإما أن يكون من خلال
стр. 55
الإستعانة بالقرائن بما تتضمنه من سياق ومقام، وذلك في النصوص الشرعية التي لا تستقل بإفادة معناها تمامًا أو من وجه دون وجه. وعلى ذلك ستتم دراسة الجانب الأول (استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص) في هذا الفصل، والجانب الثاني (وظيفة السياق والمقام في تحديد مقاصد النصوص الشرعية) في الفصل التالي.
стр. 56
المبحث الأول
استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص
الأصل فيما يُبِينُ عن مقاصد المتكلّم هو ظاهر خطابه؛ إذ اللغة إنما وضعت للتفاهم بين البشر ولمّا كان الكلام يُقْصَد به تيسير التفاهم بين الناس فإن الأصل فيه أن يُحمل على ما يتبادر إلى الأذهان من معانيه، وهو الظاهر, إلّا إذا دلّت قرائن لغوية أو حالية على أن الظاهر ليس هو المقصود في هذا المقام فنلجأ عند ذلك إلى التأويل. ومن هنا تقررت القاعدة القائلة بأن الأصل في الكلام الحقيقة، لأن الحقيقة ثابتة والمجاز طارئ. وتقرير هذه القاعدة ضروري لضمان انضباط التفاهم بين الناس، إذْ إهمالها يؤدي إلى تعذُّر التفاهم بينهم، وعدم انضباط معاملاتهم، بل وفسادها؛ إذْ يُفتح الباب لكلّ عابث لأنْ يتنكر لكلّ الالتزامات التي تفهم من ظاهر كلامه بحجة أنه لم يقصد ظاهرها، وإنما قصد أمرًا آخر, فلا تنضبط بعد ذلك عقود، ولا تثبت التزامات، وتهدر الحقوق، وتشيع الفوضى، ولا يمكننا إلزام أَحَدٍ بما يصدر منه. كما أن ذلك يكون طريقا لكلّ قاصد إلى هدم الشريعة، بأن ينسب إليها كلّ ما يهواه وبسقط منها كلّ ما يخالف هواه.
ومن هنا جاء اتفاق من يُعتدّ برأيه من الأصوليين على وجوب العمل بما دلّ عليه النص والظاهر (١) حتى يقوم دليل التأويل أو التخصيص أو النسخ، وإن اختلفوا بعد ذلك في هذا الوجوب هل هو على سبيل القطع أم على سبيل الظن فقط، بناءً على اختلافهم في الإحتمال البعيد الناشئ عن غير دليل هل يطعن في قطعية الدليل أم لا؟ (٢)
стр. 57
وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: "فكلّ كلام كان عامًّا ظاهرًا في سنّة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعلم حديث ثابت عن رسول الله -بأبي هو وأمي- يدلّ على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض". (١)
ويقول في موضع آخر: "والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به". (٢)
وقال في معرض حديثه عن حديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها في كبد السماء، وأن ذلك يحتمل أن يكون المراد به كلّ الصلوات، ويحتمل أن يراد به النوافل فقط: "وهكذا غيره من حديث رسول الله ﷺ هو على الظاهر من العام حتى تأتي الدلالة عنه كما وصفتُ، أو بإجماع المسلمين أنه على باطنٍ دون ظاهرٍ, وخاص دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة عليه، ويطيعونه في الأمرين جميعًا". (٣)
وبناءً على ذلك فإنه لا داعي إلى صرف اللفظ عن ظاهره إلّا في حالة معارضته لنصوص شرعية أخرى، أو لأصول الشريعة ومبادئها العامة، أو معارضة معناه لصريح العقل.
فالأصل -إذًا- أن يُنْظَر في ظاهر النصوص فإذا وجدت قرائن تصرف النص عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله صُرِف به، وإن لم يوجد شيء من ذلك فاللفظ باقٍ على ظاهره، ويكون ظاهره هو المعنى المقصود للشارع. ولا يضرّ بعد ذلك القول بأن الظاهر يفيد مجرّد الظن فقط، لأن هذا الظن منشؤه ما يمكن أن يوجد من قرائن صارفة له عن ظاهره، فإذا لم توجد هذه القرائن - وإنْ كُنَّا لم نصل إلى درجة القطع بعدمها - فذلك كافٍ في الأخذ بظاهره، لأن القطع العقلي غير مطلوب في مثل هذه الأمور.
стр. 58
المقصود بالأخذ بظواهر النصوص:
ليس المقصود بالقول بالأخذ بظاهر النص الإكتفاء بالمعنى الذي يفهم من ظاهر النص (عبارة النص) (١) مع نفي إمكانية استنباط معاني أخرى تفهم من النص بدلالة الإشارة (٢) أو الإقتضاء (٣) أو الدلالة، (٤) وإنما المقصود عدم إهمال المعنى المأخوذ من ظاهر النص (عبارة النص) بحجة أن المعنى المقصود من النص غير ذلك، إلّا إذا دلَّ دليل على صرف اللفظ عن ذلك الظاهر.
стр. 59
المبحث الثاني
نماذج تطبيقية لإستخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الشرعية
النموذج الأول: استخلاص المقاصد من النص والظاهر:
تبيّن عند الحديث عن طرق إفادة الكلام أن من الكلام ما يستقل بإفادة المعنى، وهو ما اصطلح عليه الأصوليون بالنص -بالدرجة الأولى- ويُلحَق به الظاهر ولذلك نص الأصوليون على أن النص والظاهر يوجبان العمل بمقتضاهما، ولا يشك فيما يُفهم من ظاهرهما إلّا من أراد أن يدخل الشك على نفسه، أو أراد أن يخرج باللغة من التعامل المعتاد إلى السفسطة.
فمثلا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يفيدان كون الشارع قاصدًا التيسير ورفع الحرج عن المكلّفين، ولكن المقصود باليسر المطلوب والحرج المرفوع في الشرع والمجالات التي يدخلها التيسير تحتاج في معرفة تفاصيلها وضوابطها إلى استقراء ما ورد في الموضوع من نصوص وأحكام أخرى لتحديد ذلك.
وقول الرسول ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (١) ظاهر في كون الشارع قاصدًا إلى منع الإضرار بالنفس وبالغير, وإيجاد توازن بين المصالح المتعارضة وما قد ينتج عنها من أضرار بدفع الضرر الأكبر في مقابل تحمّل الضرر الأصغر.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ظاهر في قصد الشارع إلى إثبات المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة، فلا يتحمل الإنسان وِزْرَ غيره الذي لم يشارك في فعله ولا تسبب فيه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾
стр. 60
[البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] نصوص في قصد الشارع إلى تحريم الربا وإلغائه من معاملات الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] نصان في قصد الشارع إلى معاقبة وإيلام اللصوص بقطع أيديهم، والزناة بجلدهم، وإن بدا في ذلك شدّة وصرامة، ولذلك عَقَّبَ الله تعالى على العقوبة الأولى بقوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وعلى الثانية بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
النموذج الثاني: دلالة الأمر والنهي:
تنقسم الأوامر والنواهي -باعتبار الصيغة- إلى قسمين:
١ - الأوامر والنواهي الصريحة:
والأمر الصريح هو ما كان بصيغة فعل الأمر, مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
والنهي الصريح هو ما كان بصيغة لا تفعل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
والأمر الصريح والنهي الصريح كلاهما يفيد بظاهره قصد الشارع إلى امتثال ما ورد فيهما من أوامر ونواهي.
стр. 61
٢ - الأوامر والنواهي الضمنية: وهي على نوعين:
أ - ما كانت له صيغة: فالأوامر الضمنية هي ما كان بصيغة تتضمن أمرا، ولم تكن بصيغة فعل الأمر, ومن ذلك ما ورد بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر, مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أو ما ورد منها مورد الإخبار عن تقرير الحكم مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أو ما جاء مجيء المدح، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]، أو الذم له أو لفاعله، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، أو ترتيب الثواب والعقاب، مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]، أو الإخبار بمحبة الله تعالى في الأوامر, مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، والكراهية أو عدم الحب في النواهي، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
والنواهي الضمنية هي كلّ ما يجري مجرى النهي ولم يكن بصيغة "لا تفعل" مثل الأمر الدال على الكف كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، ومادة النهي كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وكما في الجمل الخبرية المستعملة في النهي كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
стр. 62
الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وهذه الصيغ تأخذ حكم الصريح في كونها ظاهرة في كون الشارع قاصدًا إلى
إيقاع ما يتعلق منها بالأوامر واجتناب ما يتعلق منها بالنواهي. (١)
ب - لازم الأمر والنهي: وهو ما يتوقف عليه كلّ منهما، أي هل الأمر بالشيء يلزم منه النهي عن ضده، ووجوب ما لا يَتِمُّ الواجب المأمور به إلّا بتحصيله مع كونه في قدرة المكلّف؟ والنهي عن الشيء هل يلزم منه الأمر بضده، والنهي عن الذرائع الموصلة إلى ذلك المنهي عنه؟ وهذا النوع فيه خلاف مشهور بين الأصوليين ليس هذا موضع تفصيله. (٢)
وقد قيَّد الشاطبي الأوامر والنواهي التي يُعرف منها كون الشارع قاصدًا إلى إيقاع المأمور به واجتناب المنهي عنه بالأوامر والنواهي التصريحية الإبتدائية. وتقييدهما بقيد "التصريحية" إخراج للأوامر والنواهي الضمنية فإنها خفية في الدلالة على قصد الشارع؛ إذْ لا تفيده مجردة وإنما بما يحفّ بها من قرائن، أما تقييدها بكونها "ابتدائية" فلإخراج الأوامر والنواهي التي لم تُقصد بالقصد الأول، مثل: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ والنهي عن الشيء هل هو أمر بضده أم لا؟ ومسألة وجوب ما لا يتم الواجب إلّا به. (٣)
ووجه إدراج صيغتي الأمر والنهي في باب استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص أن كلًّا منهما إذا ورد مطلقًا ولم ترد أي قرائن تصرفه إلى معنى من المعاني التي يمكن أن يُصرف إليها كلّ منهما فإنه يفيد بظاهره قصد الشارع إلى وجوب امتثال ما أمر به ووجوب اجتناب ما نهى عنه، وهذا جريا على رأي الجمهور القائلين
стр. 63
بأن الأمر حقيقة في الإيجاب والنهي حقيقة في التحريم ولا يصرفان عنهما إلّا بقرائن صارفة.
وقد استدلّ الشاطبي على كون الأمر الصريح والنهي الصريح يفيدان بظاهريهما قصدُ الشارع إلى إيقاع المأمور به، واجتناب المنهي عنه، أن الأمر والنهي كلاهما يستلزم أمرين:
الأول: الطلب، أي طلب فعل المأمور به، أو طلب ترك المنهي عنه.
الثاني: الإرادة (١)، أي إرادة إيقاع المأمور به، وإرادة عدم إيقاع المنهي عنه، والدليل على ذلك:
١ - أن جوهر الأمر أو النهي ومقتضى كلّ منهما القصدُ إلى إيقاع المطلوب أو عدم إيقاع المنهي عنه، فالقول بعدم قصد الآمر أو الناهي مقتضى كلّ منهما تجريد لهما عن جوهرهما، وفي ذلك يقول: "الأمر بالمطلقات يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعها، كما أن النهي يستلزم قصده لترك إيقاعها؛ وذلك أن معنى الأمر والنهي اقتضاء الفعل واقتضاء الترك، ومعنى الإقتضاء الطلب، والطلب يستلزم مطلوبًا والقصدَ لإيقاع ذلك المطلوب، ولا معنى للطلب إلّا هذا". (٢)
٢ - كما أن تجريد الأمر أو النهي عن مقتضى كلّ منهما بِتَصَوُّرِ وُرُودِ أمرٍ مع تَصَوُّرِ القصد لعدم إيقاع المأمور به، وأن يَرِدَ نهي مع القصد لإيقاع المنهي عنه يُخْرِجُ الأمر عن كونه أمرًا، والنهي عن كونه نهيًا، ويُذهب لكلّ منهما خاصته التي تميزه عن غيره من صيغ التكليف ومراتبه، وبذلك يصح أن يصير الأمر نهيًا أو إباحة أو كراهة، وبالعكس، وهذا محال، فلزم المحافظة على مقتضى كلّ صيغة من صيغ
стр. 64
التكليف. (١)
٣ - أن الأمر والنهي من غير قصد إلى إيقاع المأمور به وترك المنهي عنه كلام من لا يدري ما يقول كالساهي والمجنون، وذلك لا يُعدّ أمرًا ولا نهيا. (٢)
دلالة ظاهر الأمر على الوجوب والنهي على التحريم:
اختلف الأصوليون في دلالة فعل الأمر إذا تجرد عن القرائن: هل يُستفاد من ظاهره الوجوب، أم الندب، أم الإباحة، أم أنه لا يدلّ على أيّ منها، ومن ثَمّ ينبغي التوقف فيه؟ على مذاهب أبرزها ما يأتي:
١ - ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف عنه إلى غيره إلّا بقرينة، ومن ثَمّ فإن الأمر الذي تعرّى عن القرائن الصارفة يدلّ بظاهره على الوجوب، وصاغوا لذلك قاعدة "الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف". (٣) واستدلّوا على مذهبهم هذا بموقف أهل اللغة والسلف من صيغ فعل الأمر المطلق بأخذها على ظاهرها وإجرائها على الوجوب، وباستقراء مجموعة من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية التي يؤخذ منها ذلك. (٤)
٢ - ذهب البعض إلى أن الأمر حقيقة في الندب، وهو منسوب إلى عامة المعتزلة، وبعض الفقهاء. (٥)
٣ - ذهب فريق ثالث إلى التوقف في تعيين مدلول الأمر حقيقة، وذلك بناءً على كونه مشتركًا بين أكثر من معنى. ثم اختلفوا بعد ذلك: فمنهم من جعله مشتركًا بين
стр. 65
الوجوب والندب، وهو قول الغزالي، ومنهم من جعله مشتركًا بين الوجوب والندب والإباحة، ومنهم من جعله مشتركًا بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد. (١)
وقد نصر الإمام الشاطبي مذهب القائلين بالتوقف، حيث يرى أن دلالة الأمر والنهي المطلقين يُرجع فيهما إلى الدليل مما يحفّ بالصيغة من قرائن مقالية أو حالية. وما لم يظهر دليله، وهو الأمر المطلق أو النهي المطلق يصعب القول فيه بأنه للوجوب، أو الندب أو غيرهما، وأن أقرب الأقوال إلى الصواب قول الواقفية. واستدلّ على ذلك بأنه "ليس في كلام العرب ما يرشد إلى اعتبار جهة من تلك الجهات دون صاحبتها"، (٢) وبقوله: "فالأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الإقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمرُ وجوبٍ أو ندبٍ، وما هو نهيُ تحريمٍ أو كراهةٍ لا تُعلم من النصوص، وإن عُلِمَ منها بعض فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلّا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح، وفي أي مرتبة تقع؟ وبالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلَّا لزم في الأمر أن لا يكون في الشريعة إلّا على قسم واحد، لا على أقسام متعددة، والنهي كذلك أيضًا". (٣)
فالأمر لكونه محتملاً للوجوب ولغيره ينبغي النظر فيه بداية من خلال ما يحفّ به من قرائن هل هو باق على ظاهره؟ أم أنه مصروف عنه؟ فإذا ثبت بقاؤه على ظاهره عُلِمَ أن قصد الشارع منه هو الإتيان بالمأمور به، وكذلك النهي.
وما قيل عن مذاهب العلماء في دلالة الأمر المطلق يقال عن دلالة النهي المطلق، فالمواقف نفسها، والأدلّة أيضًا نفسها.
وقد حدّد الشاطبي الطريق السليم لفهم المقصود - الشرعي من الأوامر والنواهي بالنظر في أمور ثلاثة: أحدها استقراء ما ورد في المسألة موضوع الأمر أو النهي من نصوص في الكتاب والسنّة لِيَتِمّ استخلاص المعنى المشترك بين جميع تلك النصوص.
стр. 66
والثاني النظر في القرائن الحالية والمقالية المصاحبة للأمر أو النهي. وثالثها محاولة استخلاص علّة ذلك الأمر أو النهي -إن وُجِدَت- ومن خلال هذه الخطوات الثلاث يتمّ تحديد المقصود الشرعي من الأمر أو النهي. (١)
стр. 67
النموذج الثالث
دلالة العام (١)
هل يمكن أن يُستفاد من ظاهر اللفظ الوارد بصيغة العموم أن الشارع قاصد إلى تعميم الحكم على كلّ فرد يشمله ذلك العام إلّا أن يدلّ دليل على صرفه عن عمومه أم لا؟
اختلفت كلمة الأصوليين في ذلك على ثلاثة مذاهب رئيسة، هي (٢):
стр. 68
١ - مذهب أرباب الخصوص: يرى أصحاب هذا الإتجاه أن ما ذُكِر من صيغ العموم إنما وُضِع للخصوص، وهو أقل الجمع: إما اثنان أو ثلاثة، ولا يقتضي العموم فيما فوق ذلك إلّا بقرينة، وهو منسوب إلى محمد بن شجاع البلخي من الحنفية (١)، ولكن الجصاص أورد اتفاق الحنفية على القول بالعموم في الأوامر والنواهي والأخبار, حيث قال: "ولم يُحْكَ عن أحدٍ من أصحابنا خلاف ذلك فدلّ أنه قولهم جميعا"، (٢) والجبائي من المعتزلة. (٣) فحاصل مذهبهم أنه لا يمكن استفادة قصد الشارع من ظاهر العام، وإنما الذي يحدد ذلك هو ما يحفّ به من قرائن.
٢ - مذهب الواقفية: وهم القائلون بأن ما يطلق عليه صيغ العموم مشترك يصلح للإستغراق وللإقتصار على الأقل ولتناول صنف أو عدد بين الأقل والاستغراق، ومن ثَمّ يجب التوقف فلا يحمل على واحد من ذلك إلّا بما يؤيده من قرائن، أما أقل الجمع فإنه داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو منسوب إلى الباقلاني وأبي الحسن الأشعري، وبعض المتكلّمين. (٤)
والقول بالتوقف إن كان القصد منه التوقف مطلقًا فهو مردود لا محالة لأنه يؤدي إلى تعطيل عمومات الشرع، ومن ثَمّ تعطيل جزء كبير من النصوص الشرعية، أما إذا قُصِد منه النظر في وجود صوارف تصرف العام عن عمومه قبل القول بمقتضاه فهو محلّ اتفاق بين أهل العلم؛ ذلك أن اللفظ العام لا يمكن أن نعلم بقاءه على عمومه إلّا بعد علمنا بعدم وجود ما يصرفه عن عمومه، كما أن اللفظ الظاهر لا يمكن أن نعرف بقاءه على ظاهره إلّا إذا علمنا بعدم وجود ما يصرفه عن ظاهره، واللفظ المطلق لا يمكن أن نعلم بقاءه على إطلاقه إلّا إذا علمنا عدم وجود ما يقيده، وكون الأمر للإيجاب لا يمكن التحقق منه إلّا إذا علمنا انتفاء الصوارف
стр. 69
التي يمكن أن تصرفه عن ذلك، وكذلك كون النهي للتحريم لا يحكم فيه بذلك إلّا مع انتفاء ما يصرفه عن ذلك. ومن أجل ذلك نجد أهل العلم جميعًا يحذرون من التسرع في الفتوى بمجرد الإطلاع على نص واحد، أو بما يتبادر إلى الذهن من ظاهر نص من النصوص قبل معرفة موقع هذا النص من الأدلّة الشرعية الأخرى، وما يحمله - النص ذاته من قرائن، والمقام الذي صدر فيه، بل إن الإمام الشاطبي عدّ ذلك من باب اتباع المتشابهات، حيث يقول: "من اتّباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، وبالعمومات من غير تأمّل هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس، بأن يكون النص مقيَّدا فيطلق، أو خاصًّا فيعمّ بالرأي من غير دليل سواه. فإن هذا المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيّد، فإذا قُيِّد صار واضحًا، كما أن إطلاق المقيَّد رأي في ذلك المقيَّد معارض للنص من غير دليل". (١)
٣ - مذهب أرباب العموم: وهم القائلون بأن صيغ العموم تفيد الشمول والإستغراق لكلّ ما تصلح له بدلالة الوضع، وأنها إنما تستعمل في الخصوص مجازا. فهم يرون إمكانية دلالة ظاهر صيغة العموم على قصد الشارع إلى تعميم الحكم ليشمل كلّ ما يصلح له اللفظ بالوضع، فهذا هو الأصل ولا يصرف عنه إلى خصوص إلّا بقرينة. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، والظاهرية.
وقد استدلوا على إفادة صيغ العموم الإستغراق بأن ذلك يقتضيه تفريق العرب في الوضع - اللغوي بين المفرد والمثنى والجمع، وأن هذا من ضرورات التخاطب بين الناس؛ إذْ من غير تفريق بين هذه يعسر التفاهم، ثم إن تعامل الناس من قديم جارٍ على هذا، فإذا خاطب إنسانٌ آخرَ بصيغة عموم لم يحسن منه فهمها على الخصوص إلّا إذا دلّت على ذلك قرائن، واللغة إنما وضعت لتيسير التفاهم بين الناس. (٢) ولولا كون
стр. 70
النصوص العامة على عمومها لما وُجِد التخصيص، فإنما وجد هذا لوجود ذاك.
ولا يضر القولَ بأن صيغ العموم تفهم على عمومها ما لم يرد ما يخصصها كونُ دلالة العام على أفراده ظنيّة قبل التخصيص -كما هو رأي الجمهور من الأصوليين- لأن كونها ظنية لا يتعارض مع كون ظاهرها مقصودًا للشارع، فمنشأ الظنية هنا هو احتمال تخصيصها، وهو أمر يبقى مجرد احتمال نظري إلى أن يثبت وجود المخصص فيصرف به العموم عن ظاهره. والأحكام الشرعية والعادية لا تخلو من ظن، وذلك غير مؤثر في وجوب العمل بها.
стр. 71
الفصل الثالث
وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي
تمهيد
طبيعة النص الشرعي ومستويات فهمه
النص (١) الشرعي نص لغوي في أصله، ومن ثَمّ فهو محكوم بقواعد اللغة وقوانينها. ففهمه يعتمد أساسًا على اللغة، واللغة بحكم كونها أداة التخاطب والتفاهم بين الناس تكون محكومة بما تواضع عليه أهل تلك اللغة من معان في استعمال ألفاظها، وبما اعتادوه من أساليب للتعبير عن مقصوداتهم، وبالظروف والملابسات التي تحفّ بالخطاب. ولمّا كان أي نصّ من النصوص مركّبًا من مجموع كلمات صدرت في مقام من المقامات، وقَصَد بها قائلها التعبير عن معنى أو مجموعة من المعاني، فإننا لا يمكن أن نفهم النص فهمًا سليمًا إلّا من خلال التدرّج في ثلاثة مستويات:
الأول: هو التعامل مع الكلمات على المستوى الإفرادي بمعرفة "المعنى المعجمي" (٢) لكل كلمة من كلمات النص، وهو عادة ما يكون معنى متعدِّدا.
الثاني: التعامل مع الكلمات على المستوى التركيبي، ويكون ذلك على محورين: الأول تحديد "المعنى الوظيفي" (٣) للكلمة، ويتمّ ذلك من خلال تحديد قرائن التعليق
стр. 72
(العلاقات السياقية بين كلمات النص)، والثاني تحديد "المعنى الدلالي" (١). ومهمة هذا المستوى من التعامل هي حصر معاني الألفاظ في أضيق نطاق ممكن بتقوية معنى أو أكثر من المعاني المعجمية لِلَّفْظِ، واستبعاد معنى للفظ هو وضعه في "مقال" صادر في ضوء "مقام". فالذي ينفي عن معناها التعدد هو فهمها في ضوء السياق الذي وردت فيه؛ لأن الكلام لا بُدَّ أن يحمل من القرائن المقالية (اللفظية)، والمقامية (الحالية) ما يعيّن معنًى واحدًا لكل كلمة. (٢)
وكذلك المعنى الوظيفي الذي تعبِّر عنه المباني الصرفية يتّسم -بطبعه- بالتعدد والاحتمال، فالمبنى الصرفي الواحد صالح لأن يُعَبِّر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامةٍ ما في سياقٍ ما. فالمصدر مثلاً يمكن التعبير به عن عدة معاني: فهو ينوب عن الفعل مثل قولنا إكرامًا زيدا، أي أكرم زيدا، ويؤكد الفعل كأكرمته إكراما، ويبيّن سبب الفعل كأكرمته احتراما، وينوب عن اسم المفعول نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]، أي مكذوب، وينوب عن اسم الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]، أي غائرا، ويكون بمعنى الظرف نحو آتيك طلوع الشمس. وما تكون موصولة، ونافيّة، وكافّة، ومصدريّة ظرفيّة، واستفهاميّة، وتعجبيّة، وشرطيّة. (٣) والذي يحدد معنى المبنى الصرفي في النص هو القرائن اللفظية، والمعنوية، والحالية.
وبعد التعرف على المعنى المعجمي، والمعنى الوظيفي للكلمة يتكون لدينا المعنى اللفظي أو"معنى المقال"، ولكن الفهم الكامل للنص لا يمكن أن يتحقق إلّا بعد
стр. 73
التعرُّف على المعنى المقامي الحاصل من خلال ضمّ القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية، ليتكوَّن من ذلك كله ما يسمى بالمعنى الدلالي.
فالمعنى الدلالي -إذًا- هو حصيلة تركيب المعنى الوظيفي مع المعنى المعجمي مع القرائن الحالية التي صاحبت الخطاب. ويمكن صياغته في القانون الآتي:
المعنى الدلالي = المعنى المعجمي + المعنى الوظيفي + المقام (القرائن اللفظية والحالية).
ومع كل هذا، يبقى المعنى المستنبط -في أكثر الأحيان- ظنيّا؛ لذلك قيل إن أكثر كلام العرب من قبيل الظاهر, وأن النص -بمعناه الأصولي- قليل فيه، ولذلك نجد أكثر الأدلّة الشرعيّة إِمَّا مِنْ قَبِيل الظاهر أو المجمل لما يتطرق إليها من احتمالات. أمّا المجمل فإنه يحتاج إلى مبيِّن يبيِّنه، وأما الظاهر فإن الأصلَ فيه أن يُحمل على ظاهره، لكنه لمّا كان يقبل التأويل فإنه قد يدخله التأويل، والذي يحدد المعنى المقصود منه هو ما يحفّ به من قرائن مقالية وحالية. (١)
стр. 74
المبحث الأول
العناصر التي تتحكم في فهم الخطاب
من أجل بيان وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من النصوص الشرعية لا بُدّ من الحديث عن العناصر التي تتحكم في فهم خطابٍ ما.
يمكن تحديد العناصر المتحكمة في فهم الخطاب وتحديد المقصود منه في أربعة عناصر, هي: الخطاب، أي نص الخطاب وهو راجع إلى طبيعة اللغة التي تَمَّ بها التخاطب، وحال المخاطِب، وحال المخاطَب، ومقام الخطاب. يقول الإمام الشاطبي: " ... معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطَبين، وبحسب غير ذلك ... ". (١)
المطلب الأول
لغة الخطاب
العنصر الأول الذي يتحكّم في فهم المقصود من الخطاب هو نوع اللغة التي تَمّ بها الخطاب، من حيث مدى وضوحها أو غموضها. فكلّما كانت لغة الخطاب أكثر سهولة ووضوحًا كان إدراك المقصود منها أيسر, وبالعكس. ويتحكم في مدى وضوح لغة الخطاب أو غموضها عاملان:
الأول: نوع الكلمات التي يختارها المخاطِب والأسلوب الذي ينظمها فيه، ومدى قدرته على الإفصاح عن مقصوده بأيسر طريق، وسيتم الحديث عن هذا في العنصر الثاني من العناصر المتحكمة في فهم الخطاب، أي المخاطِب.
والثاني: هو طبيعة اللغة نفسها، فليست كلّ أساليب اللغة تدلّ دلالة واحدة لا تحتمل شكًّا في مقصود المتكلم من لفظه، بل الواقع أن دلالة اللفظ الواحد أو العبارة الواحدة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في تطرّق الإحتمال إلى المراد بها، فمنها ما يحتمل معنى
стр. 75
واحدًا (وهو المصطلح عليه في أصول الفقه بالنص)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى على التساوي (وهو المصطلح عليه بالمشترك) (١)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى بعضها أرجح من الآخر (وهو المصطلح عليه بالظاهر)، ومنها ما يُشْكِل المراد منه ويحتاج إلى بيان من المتكلم نفسه، (٢) أو من خلال المبحث عن قرائن خارجية (٣) كما هو مُبَيَّنٌ في مراتب دلالة الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء في مباحث علم أصول الفقه. (٤)
فهم اللغة على معهود العرب:
لَمّا كانت اللغة -سواء بمفرداتها أو بتراكيبها- تمثّل تواضع أصحاب اللغة على