← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16884

طرق الكشف عن مقاصد الشارع

نعمان جغيم

Полный текст (338 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المطلب الأول التعليل بين القائلين به والرافضين له اختلف قول المتكلمين في التعليل على ثلاثة مذاهب: (١) مذهب المعتزلة الذين قالوا بوجوب تعليل أحداً الله تعالى وأفعاله، والماتريدية الذين قالوا بتعليلها بمصالح العباد، لكن لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل التفضل والإحسان، والأشاعرة الذين رفضوا القول بفكرة التعليل كما هو مذهبهم في إنكار التحسين والتقبيح العقليين. ولإعطاء خلاصة عن هذه الموضوع أترك المجال للشيخ محمد الطاهر بن عاشور حيث يقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. "وفي هذه الآية فائدتان: الأولى أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس، وفي هذا تعليل للخلق، وبيان لخمرته وفائدته، فتثار عنه مسألة تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض. والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافاً يشبه أن يكون لفظيّا، فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار وعلى وفق علمه، (٢) وأن جميعها مشتمل على حِكَم ومصالح، وأن تلك الحِكَم هي ثمرات لأفعاله تعالى ناشئة عن حصول الفعل فهي لأجل حصولها عند الفعل تثمر غايات، هذا كله لا خلاف فيه. وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضاً وعللاً غائية أم لا؟ فأثبت ذلك جماعة استدلالاً بما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومنع من ذلك أصحاب الأشعري فيما عزاه إليهم الفخر في التفسير مستدلين بأن الذي يفعل لغرض يلزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك ضرورةَ أن وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه، فيكون مستفيداً من تلك الأولوية ويلزم من كون ذلك

стр. 142

الغرض سببًا في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته محتاجًا إلى حصول السبب. وقد أُجِيب بأن لزوم الإستفادة والإستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل، وأما إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا". (١) هذه خلاصة لآراء المتكلمين في مسألة تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، وتحرير لمحل النزاع. فالكلُّ متَّفقٌ على رفض التعليل بالمعنى الفلسفي الذي يؤول إلى سلب الذّات الإلهية صفة الإرادة، والكل متَّفقٌ على أن أفعال الله تعالى -ومنها أحكامه- مشتملة على حِكَم ومقاصد وهو المعنى بالدرجة الأولى في هذا المبحث، وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضاً وعللاً أم لا. فأثبت المعتزلة وصفها بذلك، وهو فرع قولهم بالتحسين والتقبيح الذاتيين، ورفض الأشاعرة ذلك مطلقاً، وتوسط الماتريدية فقالوا بأنها معللة، لكن تفضلاً من الله تعالى لا على الوجوب كما هو رأي المعتزلة. وقد في ابن عاشور على الأشاعرة ما ينتج عن موقفهم من تناقض؛ حيث إنهم يسلمون بأن "أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحِكمة ويمنعون أن تكون تلك الحِكَم عللاً وأغراضاً مع أن ثمرة فعل الفاعل العالم بكل شيء لا تخلو من أن تكون غرضاً؛ لأنها تكون داعيّاً للفعل ضرورةَ تحقق علم الفاعل وإراداته". (٢) ووصف دليلهم على منع التعليل بأنه "يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين: أولاهما قولهم إنه لو كان الفعل لغرض لَلَزِمَ أن يكون الفاعل مستكملاً به، وهذا سفسطة شُبِّه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل والراجع إلى ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه. الثانية قولهم إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سببًا يقتضي عجز الفاعل، وهذا شُبِّه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العلم، وكلاهما يطلق عليه سبب". (٣)

стр. 143

كما يتبيَّن مما سبق أن النزاع في مسألة التعليل قضية كلامية في أساسها، جلبها المتكلمون معهم إلى ميدان الأصول. ولذلك نجدها لا تصمد كثيرًا في مجال الفقه وأصوله، حيث نجد الكلَّ يقول بالتعليل -باستثناء الظاهرية- لأنهم جميعاً يقولون بالقياس، والقياس مبناه على التعليل، فالقول بالقياس قولٌ بالتعليل. ويبدو أن القول بتعليل الأحكام الشرعية شائع ومألوف بين الفقهاء إلى درجة أن ادعى فيه البعض الإجماع، ومن ذلك قوله الآمدي: "أئمة الفقه مجمعة أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود". (١) وقول القرطبي: "لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قُصِد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية". (٢) وبغض النظر عن مدى صحة انعقاد هذا الإجماع، (٣) فإن هذا يدلّ على شيوع التعليل بين الفقهاء والأصوليين وتقرُّرِه، وأن ما شاع حوله من خلاف بين المتكلمين لا يكاد يوجد له أثر بينهم. المطلب الثاني تعليل العبادات قد يقول قائل: ما دام هذا هو موقف الفقهاء والأصوليين من تعليل الأحكام، أَلا يكون هذا معارضاً لما تقرر عندهم من أن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل. فكيف يكون الأصل في العبادات عدم التعليل مع القول بأن أحداً الله تعالى كلها -بما فيها العبادات- إنما شرعت لحِكَم ومقاصد، ظهر منها ما ظهر، وخفي منها ما خفي، ومع ملاحظة ما ورد في القرآن الكريم والسنة

стр. 144

النبوية من تصريح بتعليل كثير من العبادات؟ (١) وحل هذا الإشكال يكون في النقاط الآتية: أولاً: التَّفريق بين مستويات التعليل: بداية لابُدّ من التفريق بين ثلاثة أنواع من التعليل: النوع الأول: التعليل الفلسفي الذي اشتهر بين الفلاسفة والمتكلمين بالعلة الغائية، وهو -كما سبقت الإشارة إليه في كلام ابن عاشور- مرفوض في أساسه من قِبَل كل علماء المسلمين. وحتى المعتزلة الذين شَطُّوا في عباراتهم بإيجاب فعل الأصلح على الله تعالى، والقول بوجوب التعليل، لم يقصدوا التعليل الفلسفي الذي يسلب الإرادة عن الذات الإلهية. وينبغي التنبيه هنا على أن الذي دفع منكري التعليل -الأشاعرة على الخصوص- إلى موقفهم ذلك هو خوف الوقوع في هذا المحذور؛ لأنهم رأوا أن القول بالتعليل مدخل إلى الوقوع في القول بالعلة الغائية والقولِ بالتحسين والتقبيح الذاتيين. النوع الثاني: التعليل بمعناه العام، وهو أن لكل حُكم من الأحكام الشرعية حِكْمة أو مقصد قصد الشارع إلى تحقيقه للناس من وراء ذلك الحُكم، وهذا النوع من التعليل يُعدّ فرعَ اتصاف الله تعالى بالحِكْمة واللطف والتنزّه عن العبث. وهذا هو النوع الذي يُحْمَل عليه قول القرطبي: إنه لا ينبغي أن يختلف فيه العقلاء، وهو الذي ادُّعيَ فيه الإجماع. ومعنى العلة هنا لا يقتصر على معناها الإصطلاحي عند الأصوليين، بل يُرَاد به المعنى العام الذي يشمل الحِكْمة والثمرة من تشريع الحُكم الشرعي وتطبيقه.

стр. 145

النوع الثالث: التعليل بمعناه الخاص، وهو التعليل القياسي عند الأصوليين؛ أي وجود علة صالحة لأن تُتخذ أساساً للقياس، مع إمكان التعرف عليها بمسلك من مسالك العلة المذكورة عندهم. وهذا النوع من التعليل محلّ اتفاق بين القائلين بالقياس، وهو الذي يقع فيه التَّفريق بين العبادات والمعاملات، وسيأتي بيانه فيما بعد. ثانياً: خفاء علل كثير من العبادات: فالأحكام الشرعية غير العبادات معللة ومعقولة المعنى إلّا ما ندر، أما العبادات، فمع الإقرار بكونها إنما شُرعت لحِكَم ومقاصد أرادها الشارع الحكيم، إلّا أنّ كثيرًا منها مما يخفى على العقول معناه. (١) فربما من هذا الباب نسبت إلى عدم التعليل. ولكن ينبغي التنبيه هنا على أن عدم معرفة الشيء والإطلاع عليه لا يعني عدمه، فعدم إدراكنا لحِكَم وعلل بعض الأحكام لا يعني كونها غير معللة، بل ذلك إما لقصور عقولنا، أو لحِكْمة أرادها الله تعالى من حجب ذلك العلم عنا. ثالثاً: مقصود الأصوليين والفقهاء من قاعدة التعليل في العبادات والمعاملات: لعل التعبير بأن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل، تعبير غير دقيق، (٢) وأن الأدق والأضبط هو ما ذهب إليه الشاطبي من أن "الأصل في العبادات بالنسمبة إلى المكلف التعبد، دون الإلتفات إلى المعاني. والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني". (٣) وقد تضمنت قاعدة الشاطبي هذه ثلاثة عناصر كفيلة بتجلية الغموض الذي يكتنف مسألة التعليل في العبادات ويرفع النزاع حولها.

стр. 146

أولها: تقييد هذه القاعدة بكلمة "الأصل" أي القاعدة العامة، ومعنى ذلك أنه قدى توجد استثناءات سواء في مجال العبادات، أو في مجال العادات، وأنه لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الإستثناء سببًا لنقض القاعدة العامة. وثانيها: نسبة الأمر إلى المكلف لا إلى الشارع؛ أي أن كون بعض العبادات غير ظاهرة العلل إنما هو بالنسبة للمكلَّف، أما الشارع فإنه لم يشرع حُكْماً إلَّا لحِكْمة ومقصد سام، ظهر منها ما ظهر للمكلفين، وخفي منها ما خفي. وثالثها: توجيه القاعدة إلى الإلتفات عند العمل، لا إلى أصل الوضع؛ أي أن الأحكام- عبادات كانت أو معاملات- بالنسبة لله تعالى؛ أي في أصل وضعها، معللة، ولم تُشْرع إلَّا لحِكَم ومقاصد من غير تفريق. أما بالنسبة للمكلفين فهم مطالبون بالتفريق بين العبادات والعادات من حيث ما يُبْنَى عليه العمل. فهم مطالبون في العبادات بالإلتفات إلى جانب التعبد؛ أي تحقيق العبودية لله تعالى بالالتزام بتلك العبادات، بغض النظر عن عللها، عُرفت أم لم تُعرف، عُلِم تحقُّقُها من القيام بتلك العبادات أم لم يُعْلَم. فالعبادات قائمة على أساسين: الأول أنها توقيفية، بمعنى أنه لا يُقْدَمُ عليها إلّا بإذن، فلا يمكن الزيادة عليها بحجة أن ما يزاد يحقق نفس العلة التي شُرِعت من أجلها عبادة من العبادات، كما لا يجوز الإنقاص منها أو تركها بحجة أنها لم تتوفر علتها أو أنها لم تحقق الحكمة منها. فليس لقائل -مثلًا- أن يقول إن فلانًا لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ومن ثَمّ لا يجب عليه الإلتزام بها. والثاني أنها قائمة على الابتلاء، والابتلاء يقتضي تنفيذ كلّ ما جاء من الشارع الحكيم دون تردُّد ولا اعتراض. هذا في العبادات، أما في العادات فإن الإلتفات يكون إلى المعاني، وذلك بالبحث عن العلل وإجراء الأحكام على وفقها. لأن العادات هي مَبْنَى أمور الحياة الدنيا، وأمور الحياة تقوم على التدبير القائم على فهم وإدراك المقاصد والعلل، ويمكن الزيادة في المعاملات ما أمكن، ما لم تخالف ما جاء به الشرع، لأن الأصل في العادات الإذن حتى يدلّ الدليل على خلافه. (١)

стр. 147

ثم إن التعليل المنفي في العبادات ليس هو مطلق التعليل، أي التعليل بمعناه العام، فهذا متفق عليه بين الفقهاء، وإنما المنفي هو التعليل القياسي. فالقول بعدم تعليل العبادات موجَّه أساساً إلى إنكار خضوعها للقياس؛ فالذي ينكر -مثلاً- جواز إخراج قيمة الشاة في الزكاة بناءً على كون العبادات غير معللة، ليس معناه أنه ينكر كون الزكاة شرعت لتحقيق حِكَم ومقاصد. فهو لا ينكر مطلق التعليل، وإنما يرى أن المقدار والصنف الذي يخرج على وجه الزكاة عبادة توقيفية لا يجوز تخطيها، وأن الشارع ما خصها بالتشريع إلّا لكونها محققة للحِكْمة التي قصدها من الزكاة. وقد أشار الشاطبي إلى هذا عند تفسيره لمعنى التعبد عند الفقهاء حيث قال: "ومعنى التعبد عندهم أنه ما لا يعقل معناه على الخصوص" (١)، أي أن التعبد نفي العلل الخاصة التي تصلح أن تكون أساساً للقياس، لا نفي التعليل بمعناه العام الذي لا يخلو منه حُكْم شرعي. (٢) وينبغي الإشارة إلى أنه حتى مع القول بالتعليل في العبادات استناداً إلى ما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية من حِكَم ومقاصد لتلك العبادات فإن القول بالتعليل فيها يلاحظ عليه أمران: الأول: أنه باستثناء ما نص عليه الشارع من علل وحِكَم لِمَا شرع من عبادات، فإن ما اجتهد فيه الباحثون عن أسرار التشريع يبقى أمراً مظنوناً ومجرد تخمين، وقد أدت المبالغة في ذلك بالبعض إلى المجيء بالغرائب، ومن هذا المنطلق جاءت كراهية البعض للمبالغة في المبحث عن تلك الأسرار. الثاني: أنه مع التسليم بالقول بتعليل كثير من العبادات، فإن هذا التعليل لا يُغْني في عملية الإجتهاد الفقهي في استنباط الأحكام الشرعية؛ فمع التسليم -مثلاً- بتعليل فرض الصلاة عموماً وأجزائها من ركوع وسجود خصوصاً بما ذكره العلماء

стр. 148

من حِكَم وأسرار، فإن ذلك يبقى لمجرد تعرف على ما ينتج عن الصلاة من فوائد، وما تحققه من مقاصد، ولا يمكن اعتبار تلك الحِكَم والأسرار "العلل القياسية" التي من أجلها شرعت الصلاة. فمع معرفة تلك الحِكَم والأسرار -التي هي في حقيقتها ثمرات الإلتزام بتلك العبادات- يبقى السؤال: ما علة تخصيص هذا النوع من العبادات بالذات وبهذه الكيفيات المحددة لتحقيق هذه الأسرار والحِكَم؟ ولماذا لم يُشرع غيرها وبكيفيات غير الكيفيات المعروفة؟ وهذه هي العلة القياسية التي إذا استطعنا أن نعرفها، نستطيع بعد ذلك أن نقيس عليها غيرها من العبادات. وعدم معرفة مثل هذه العلة هو المراد بكون مثل هذا الحِكَم تعبديّا توقيفيّا، يوقف فيه عند ما جاء من عند الشارع من غير استبدال، ولا زيادة، ولا نقصان. وكذلك الأمر في الحدود والكفارات، فعلتها العامة (الحِكْمة من شرعها) الزجر، ولكن العلة الخاصة في تقدير حدّ الزنا للبكر -مثلاً- بمائة جلدة، وحدّ القذف بثمانين، والصيام في بعض الكفارات بثلاثة أيام، وفي بعضها بشهرين متتابعين، وغير ذلك من الحدود والكفارات غير معلومة. وعلى ذلك يمكن القول إن هذه العبادات والحدود والكفارات معللة من قِبَل الوجه الأول، لكنها غير معللة من قِبَل الوجه الثاني ومن هنا جاء القول بعدم جريان القياس فيها. والخلاصة أن العبادات محددة النوع والكيفية، وذلك التحديد غير معلل بالنسبة لنا. أما كونها إنما شُرِعت لحِكَم ومقاصد فهو أمر غير مشكوك فيه؛ لأن ذلك فرع كمال الذات الإلهية وتنزهها عن العبث. أما المعاملات فإن الشارع اكتفى فيها بوضع ضوابط ومبادئ تحدد دائرة الحرام التي لا ينبغي دخولها، وما وراء ذلك فهو مباح وبابه مفتوح، وللناس أن يخترعوا من أنواع وكيفيات المعاملات ما يخدم المقاصد والعلل المشروعة.

стр. 149

المبحث الثاني مسالك العلة ووظيفتها في الكشف عن مقاصد الشارع المراد بمسالك العلة الطرق التي يتعرف المجتهد من خلالها على علل الأحكام الشرعية. وهذه العلل إما أن يكون الشارع قد نص عليها صراحة في نصوصه وأحكامه، وإما أن يكون قد ترك استنباطها للمجتهد من خلال القرائن اللفظية والمعنوية والعقلية، والمناسبة. وما دام موضوع المبحث ليس في مسالك التعليل ذاتها، لا سيما وأنها قد بُحثت كثيراً (١) فسوف لن يطيل الباحث فيها، وسيكتفي بإعطاء ملخص عمّا قاله الأصوليون في تعريف كلّ منها وبيان أقسامه، ثم يكون التركيز بعد ذلك على بيان ما هو مناسب منها لأن يكون كاشفاً عن مقاصد الشارع، وكيفية الإستدلال به على ذلك. أولاً- النص: وهو أهمها، حيث إنه ناطق عن إرادة الشارع وقصده، وإذا استطعنا أن نعرف مقصد الشارع من خلال منطوق خطابه فتلك الغاية. وقد عرّفه الآمدي بقوله: "هو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال". (٢) وقد قُسِّم النص إلى قسمين (٣): ١ - ما يدلّ على العلية دلالة قاطعة: وذلك كأن يقال: لعلة كذا، أو لسبب كذا،

стр. 150

أو لأجل كذا، وكي. (١) ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. ٢ - ما يدل على العلِّيّة دلالة ظاهرة، وقد اختُلِفَ في عددها، فجعلها الإسنوي ثلاثة، (٢) هي: اللام: مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وإِنَّ، ومثال ذلك قوله ﷺ في المُحْرِم الذي وقصته ناقته: " ... وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي"، (٣) والباء، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤]. وجعلها الآمدي خمسة، هي: اللام، والكاف، و"مِنْ"، و"إِنّ"، والباء. (٤) وزاد البعض "أنْ"، و"إِنْ"، و"أنَّ"، والفاء، ولعل، و"إذْ"، و"حتى". (٥) والأصح أن يقال: إن كل ما رُتِّب على حرف من الحروف التي تفيد التعليل كان ظاهراً في التعليل من غير داعٍ إلى حصرٍ في حروف معينة. والفرق بين القسمين: الأول والثاني أنّ القاطع هو الذي لا يحتمل غير العلِّية، والظاهر هو الذي يحتمل غيرها احتمالًا مرجوحًا؛ وذلك بسبب استعمال تلك الحروف أحياناً في معان أخرى غير التعليل. (٦) فإذا صرح الشارع بصيغة من الصيغ الموضوعة للتعليل -والتي لا تحتمل غيره- بأن أمراً ما يُعدّ علّة تشريعِ حكمٍ من الأحكام كان ذلك دليلاً على أن ما في تلك العلة

стр. 151

من حِكْمة هو مقصد من مقاصد الشارع، خاصة إذا علمنا أن أغلب ما صرح به الشارع من علل إنما هو من باب الحِكَم التي تُعدّ في ذاتها مقاصد للشارع من تلك الأحكام. وصيغ النص القاطع التي ورد التعليل بها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هي: "من أجل"، و"كي". ومثال الأولى: قوله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ"، (١) فهو صريح في أن قصد الشارع من فرض الإستئذان هو منعُ التجسس على الناس، وستر حرماتهم وأسرارهم، فكل ما أدى إلى خرق ذلك فهو ممنوع. وقوله ﷺ : "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ" وذلك فيما أخرجه مسلم عن عَائِشَةَ ﵂ قالت: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يا رَسُولَ الله إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقَالَ: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا". (٢) فبيّن فيه ﷺ أن مقصوده من نهي الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي في تلك السنة إنما كان لدفعهم إلى التصدق بما هو زائد عن حاجتهم اليومية لتحقيق التكافل الإجتماعي بين أفراد المجتمع بإطعام الجائعين وسدّ خلّة المحتاجين، وهو صريح في أن مساعدة المحتاجين وتحقيق التكافل الإجتماعي مقصد من مقاصد الشريعة ينبغي السعي إلى تحقيقه، ولو كان ذلك بفرض قيود على حقوق أصحاب الفضل ليعودوا بفضلهم على المحتاجين، وأنه لوليّ الأمر أن يفعل ذلك، ولكن شريطة أن يكون ذلك بالمعروف وبما لا يخرق القواعد والأحكام الشرعية الأخرى التي تحفظ على

стр. 152

الناس أموالهم وحقوقهم. ومثال الثانية: قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. فهو نصٌّ في أن قصد الشارع في الأموال إشاعتها بين الناس وإعادة توزيع الثروة بما يمنع احتكارها في أيدي فئة محدودة من أفراد المجتمع. والآية جاءت في معرض بيان المقصد من خصِّ طبقة الفقراء والمساكين بجزء من مال الفيء. (١) فهو نصّ في قصد الشارع إلى إعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة تحفظ حقوق الأغنياء والفقراء جميعا. أمّا ما يدلّ دلالة ظاهرة على المقصد الشرعي فكل ما ورد مرتّباً على حرف من الحروف التي تفيد التعليل، ومن أبرز ما ورد منه في القرآن الكريم: ١ - ما وردت الإشارة إليه بلام التعليل، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فالآية صريحة في أن المقصد من تكليف الرسل بتبليغ الوحي الإلهي إلى الناس هو جعل ذلك الرسول وسيلة لبيانه، والبيان هنا بمعناه الواسع الذي يكون بالقول والفعل والقدوة، حتى يسهل على الناس فهمُ الوحي الإلهي والتزامه في واقع الحياة. ٢ - ما صُدِّرَ بحتى التي للتعليل مثل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩]. فقد دلّت الآية على أن المقصد من قتال الكفار المحاربين هو جعل السيادة في الأرض للدين الحق، وحماية الناس أن يفتنوا في دينهم من قِبَل أهل الكفر والفساد، لا مجرد القتال المهلك للنفوس المتلف للأموال. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، فدلت الآية على أن المقصد من ابتلاء المؤمنين بالحرب ونقص الأموال والأنفس

стр. 153

والثمرات هو تمحيص إيمانهم ليتميَّز الصادق من الكاذب. ثانياً - الإيماء والتنبيه: وضابطه "الإقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا، فيُحْمَل على التعليل دفعاً للإستبعاد". (١) وقد جعله كل من الرازي والبيضاوي خمسة أنواع، (٢) وجعله الآمدي (٣) ستة، وأوصله الشوكاني إلى تسعة، (٤) وهو راجع إلى القسمة العقلية، وأبرزها: ١ - ترتيب الحكم على العلة بفاء التعقيب والتسبيب. وهو على أربعة أوجه: إما أن يدخل حرف الفاء على الوصف في كلام الشارع، أو أن يدخل على الوصف في كلام الراوي، أو أن يدخل على الحكم في كلام الشارع، أو أن يدخل على الحكم في كلام الراوي. ومثال الأول: الحديث المتقدم في المحرم: " ... وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي". (٥) والثاني: لم يظفروا له بمثال. ومثال الثالث: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ومثال الرابع: قول الراوي: " ... أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ". (٦) ٢ - أن يحكم الشارع على شخص بحكم عقب علمه بصفة صدرت منه؛ فإنه

стр. 154

يدل على كون ما حديث علة لذلك الحكم. ومثال ذلك: قوله ﷺ لمن جامع في نهار رمضان: "فَأَعْتِقْ رَقَبَةً" (١) ٣ - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا لو لم يُقَدّر التعليل به لما كان لذكره فائدة، وهو أربعة أقسام، انظرها في مواطنها. (٢) ٤ - أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر وصف لأحدهما فيعلم أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلاّ لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة. (٣) ٥ - النهي عن فعل يكون مانعاً لما تقدم وجُوبُه علينا. كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإنه تعالى لما أوجب السعي إلى الصلاة ونهى عن البيع علمنا أن علة النهي عن البيع هي تفويت الواجب. (٤) هذا خلاصة ما فرعه الأصوليون على الإيماء والتنبيه، وهو راجع إلى القسمة العقلية، ولذلك لم يظفروا لبعض فروعه بأمثلة شرعية. ويبدو أن أنسب تعريف للإيماء والتنبيه هو ما عرفه به صاحب مسلَّم الثبوت بأنه "ما يدل على عليّة الوصف بقرينة من القرائن"، إذْ الإيماء نوع من التنبيه والإشارة إلى كون معنى من المعاني أو حِكْمة من الحِكَم هي مقصود الشارع من

стр. 155

خطابه أو من تشريع حُكم من الأحكام، وأداة التنبيه في ذلك هي قرينة من القرائن، سواء كان ذلك حرف الفاء أو غيره. فقول الرسول ﷺ : "لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (١) فيه إيماء إلى أن علة النهي عن القضاء في حال الغضب هي تشويش ذهن القاضي بما يؤدي إلى عدم سلامة الحُكْم الذي يصدره في تلك الحال، وهذا يدلّ على أن الشارع قاصد إلى دفع ما ينتج عن تشويش ذهن القاضي من فساد في الأحكام، وذلك بتوفير الظروف الملائمة -سواء كانت ذاتية أو موضوعية- لسلامة أحكام القاضي وعدالتها. ومن الإيماء والتنبيه على المقصد الشرعي ذِكْر الحكم مقروناً بسببه مثل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، فإنه يفهم منه أن من مقاصد شرع القتال دفعُ الظلم الواقع على المؤمنين. ومنه أن يأمر الشارع بالشيء مبيِّناً مصالحه، أو ينهى عنه مبيِّناً مفاسده، فيعلم أن جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة من مقاصد الشارع. ومن أمثلة ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإرهاب الأعداء وصرفهم حتى عن مجرد التفكير في التعرض للإسلام والمسلمين مقصد شرعي من مقاصد الأمر بإعداد العُدّة والظهور بمظهر القوة؛ فيحقق ذلك للمسلمين غايتين: سيادة الإِسلام وأهله، ودفع الحرب المهلكة للنفوس المخربة للديار. ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فتعظيم الرب وصون اسمه من التعرض لأي قبيح مقصد شرعي يجب المحافظة عليه ولو أدى ذلك إلى ترك التعرض لأي المشركين ومعتقداتهم. كما أن في هذه الآية تنبيه إلى أن دفع أعظم المفسدتين بالتجاوز عن أيسرهما مقصد من مقاصد الشارع.

стр. 156

ثالثاً - الإجماع: وهو"أن يُذْكَرَ ما يدلّ على إجماع الأمة في عصر من الأعصار على كون الوصف الجامع علة لحكم الأصل: إما قطعا، أو ظنا". (١) وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغيرة في المال، فيقاس عليه ثبوت الولاية عليها في النكاح. والإجماع في الحقيقة لا يُعدّ مسلكاً مستقلاًّ للكشف عن العلة، إذْ الإجماع لا يكون من فراغ، بل لا بُدّ له من مُسْتَنَد عرف المجمعون من خلاله العلة المجمع عليها، وهو إما النص، أو الإيماء والتنبيه، أو المناسبة. فالإجماع إنما يأتي مؤكدا لعليّة ذلك الوصف أو لمقصدية حِكْمة من الحِكَم ليرتفع بها من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين، ومن ثَمّ فهو لا يستحقّ أن يُبحث بوصفه مسلكاً مستقلاًّ من مسالك الكشف عن المقاصد. رابعاً - الشبه: وهو ما ألحق فيه الفرع بالأصل لجامع يشبهه فيه، وقد اختلف الأصوليون في تعريفه وبيان حقيقته على أقوال (٢) أبرزها: ١ - هو"تردُّدُ فرع بين أصلين شبهه بأحدهما في الأوصاف أكثر". (٣) ٢ - هو"الوصف الذي لا تظهر فيه المناسبة بعد المبحث التام، ولكن أُلِف من الشرع الإلتفات إليه في بعض الأحكام، فهو دون المناسب، وفوق الطردي، ولأجل شبهه بكل منهما سمي الشبه". (٤) ٣ - هو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم بذاته، لكنه يستلزم ما

стр. 157

يناسب الحكم. (١) ومن خلال ما سبق يتبيَّن أن الشبه خاص بالقياس؛ إذْ هو يدور حول إلحاق فرع بأشبه الأصول به، ومن ثَمّ فهو من أنواع القياس وليست له علاقة بالكشف عن مقاصد الشارع. خامساً - الدوران: ويسمى أيضاً الطرد والعكس، وهو عبارة عن وجود الحُكْم بوجود الوصف، وانعدامه بعدمه. (٢) ويمكن أن يكون الدوران مسلكاً من مسالك التعرف على كون حِكْمة من الحِكَم مقصداً للشارع في أحكامه، فإذا رأينا تلازماً بين نوعِ أو جنسِ حِكْمة من الحِكم ونوعِ أو جنسِ حُكْم من الأحكام الشرعية حيث يوجد الثاني بوجود الأول وينعدم بانعدامه حصل لنا ظن راجح بأن الشارع قاصد إلى تحصيل تلك الحِكْمة. ومثال ذلك دوران الحُكم بالتيسير مع وجود المشقة، حيث يدلُّنا تَتَبُّعُ الأحكام الشرعية على أن الشارع ينحو منحى التيسير حيث توجد المشقة التي لا تُحْتَمل عادة، وهذا ثابت في رخص العبادات كما هو في رخص المعاملات. وسيأتي مزيد تفصيل في هذا عند الحديث عن الاستقراء. وينبغي التنبيه على أن هذا المسلك -مثل غيره- لا ينبغي أخذه على إطلاقه، فليس مطلق الملازمة والدوران يفيد المقصدية، وإنما مع مراعاة الضوابط الشرعية الأخرى بتخصيص ما خصه الشارع واستثناء ما استثناه، فالأحكام والنصوص والقواعد الشرعية ينبغي أن يُنْظر إليها بوصفها وحدة متكاملة.

стр. 158

سادساً - السّبر والتقسيم: السبر معناه الاختبار، والتقسيم هو استقراء ما يحتمل أن يكون علَّةً لِشَرْعِ الحُكْم أو مقصداً له، وهو عملية سابقة للسبر. وسمي بذلك لأن المستنبط يقسم بداية الأوصاف التي تحتمل العليّة، ثم يختبر كل واحد منها ليرى هل يصلح للعلية أم لا؟ (١) وهو على نوعين: ١ - التقسيم الحاصر: وهو الذي يكون دائراً بين النفي والإثبات، مثل قول الشافعي في ولاية الإجبار على النكاح: إما أن لا تكون معللة أصلا، وإما أن تكون معللة. وعلى تقدير تعليلها: إما أن تكون معللة بالبكارة أو الصغر أو بغيرها. والأقسام كلها باطلة سوى الثاني؛ وهو تعليلها بالبكارة. (٢) ٢ - التقسيم المنتشر: وهو التقسيم الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات. ومثال ذلك قول المعلل: حُرْمَةُ الربا في البُرِّ إما أن تكون معللة بالطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال. والكل باطل إلّا الطعم، فيتعين التعليل به. (٣) والسبر والتقسيم في الحقيقة لا يمكن أن يكون مسلكاً مستقلاًّ من مسالك الكشف عن العلة، وإنما هو وسيلة أو طريقة من الطرق المتبعة للتحقّق من عليّة الوصف بناءً على مسلك من المسالك الحقيقية، وهي: النص، والإيماء والتنبيه، والمناسبة. فهو مركّب من التقسيم وهو تجميع للأوصاف أو الحِكَم التي يحتمل كل منها أن يكون علة لحُكْم أو مقصداً شرعياً له، ثُمّ بعد ذلك يكرُّ المجتهد على ما افترضه بالاختبار، فيلغي ما ألغاه الشارع ويستبعد ما عُهِد من الشارع استبعاده ليستقر في الأخير على ما كان مناسبا منها لذلك الحُكْم أو ما عُهِد من الشارع

стр. 159

اعتباره في جنس ذلك الحكم، وعماده في ذلك الاختبار النص والإيماء والتنبيه والإجماع والمناسبة، فهي في الحقيقة الأدوات الكاشفة عن علّيّة الوصف أو مقصديّة الحِكْمَة، وإنما السبر والتقسيم طريقة لإعمال تلك الكواشف. سابعاً - المناسبة: ويُعبَّر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبرعاية المقاصد. (١) والمناسب في اللغة هو الملائم، يقال: هذا الشيء مناسب لهذا، أي: ملائم له. (٢) أما اصطلاحاً فهناك اتجاهان في تعريفه: الإتجاه الأول: يعرفه بأنه "الملائمُ لأفعال العقلاء في العادات". (٣) والاتجاه الثاني: يعرفه بأنه "الوصف الذي يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من جلب منفعة أو دفع مضرة". (٤) وقد نسب الرازي التعريف الأول إلى الذين لا يقولون بتعليل أفعال الله تعالى، والثاني إلى القائلين بتعليل أفعال الله تعالى. (٥) أما الغزالي فقد عرفه بأنه ما كان "على منهاج المصالح، بحيث إذا أُضِيف الحُكْم إليه انتظم"، (٦) أي الموافق للمقاصد العامة للشريعة. ومادام المناسب هو الوصف الذي يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة، وتحقيق المصلحة مقصد من المقاصد الأساسية للشارع فإن المناسب يكون طريقاً إلى التعرف على المقاصد الشرعية.

стр. 160

أقسام المناسب: قسم الأصوليون المناسب إلى أقسام متعددة وباعتبارات مختلفة، اتفقوا في بعضها واختلفوا في بعض آخر اختلافَ اصطلاحٍ أو اختلافَ تفريعٍ وإجمال. (١) ولعل أجمعها -وهو ما استقر عليه المتأخرون- تقسيمه إلى حمسة أقسام: المناسب المؤثر والمناسب الملائم، والمناسب الغريب، والمناسب الملغي، والمناسب المرسل. ووجه الحصر- أنا المناسب إما أن يثبت اعتبارُه شرعاً، أو يثبت إلغاؤُه، أو لا يعلم هذا ولا ذاك. الأول معتبر بالنص أو الإجماع، وهو المؤثر والثاني بترتيب الحُكْم على وفقه وإن لم ينص عليه صراحة أو لم يثبت بالإجماع، وهو الملائم، فإن شهد لاعتباره أصله المعين فقط دون أن يوجد لجنسه شاهد فهو الغريب، وما ثبت إلغاؤه فهو المناسب الملغي، وما لم يثبت اعتباره ولا إلغاؤه فهو المناسب المرسل. ١ - المناسب المؤثر: وهو الذي دلّ النص أو الإجماع على مناسبته، وصلاحيته لأن يكون علة تُبنى عليها الأحكام الشرعية. (٢) وما يثبت من المقاصد بهذا الطريق يُعدّ من المقاصد الثابتة بالنص أو الإجماع، وتكون إما مأخوذة من ظواهر النصوص مباشرة أو بالإستعانة بما يحفّ بها من قرائن، وقد سبقت دراسته ضمن ما ثبت بالنص أو بالإيماء والتنبيه. وإدراج هذا النوع من المناسب ضمن مقاصد الشارع متفق عليه بين العلماء. (٣) ومثال هذا النوع من المناسب النص من الشارع على أن التيسير والتخفيف هو المقصد الشرعي من رخص العبادات والمعاملات، (٤) وأن تطهير النفوس من الشُّحّ وتحقيق التكافل الإجتماعي هو المقصد من تشريع الزكاة، (٥) وأن الإستدامة على طاعة

стр. 161

الله تعالى وتجنيب العلاقات بنِن أفراد المجتمع أسباب البغضاء والعدواة من المقاصد الشرعية لتحريم الخمر. (١) ٢ - المناسب الملائم: وهو الذي لم يرد فيه نص ولا إجماع بعينه، لكن الشارع رتَّب الحُكْم عليه في محل آخر واعتبر جنسه في عينه وبالعكس، أو جنسه في جنسه بنص أو إجماع. والأخذ به محلّ اتفاق بين العلماء إجمالاً (٢) وإن اختلفوا في بعض الجزئيات هل هي داخلة ضمن الملائم أم ضمن غيره. (٣) ويمثل لهذا النوع بمسائل سَدّ الذرائع، فهناك بعض الذرائع نصّ الشارع على سدِّها لِمَا تؤدي إليه من مفسدة كالنهي عن سَبِّ آلهة المشركين إذا أدى ذلك إلى سَبِّ الذات الإلهية، (٤) وتحريم الخلوة لأنها ذريعة إلى الفاحشة، (٥) وتحريم البيوع التي هي من ذراءع الربا كبيع العينة، (٦) وصفقتين في صفقة، (٧) والنفع الناتج عن قرض (٨).

стр. 162

وهناك ذرائع كثيرة لم يرد في عينها نص ولا إجماع، ولكنها عند النظر فيها يتبيّن ما تؤدي إليه من فساد راجح على ما يرجى منها من مصالح فيُفْتَى بسدِّها وإن لم يرد في عينها نص ولا إجماع، ويكون مستَنَدُ ذلك ملاءمة ذلك المنع لما عُهِد من الشارعَ مِنْ منعٍ في جنس الذرائع المقطوع أو الغالب على الظن أنها تؤدي إلى حرام أو ينتج عنها مفسدة أعظم مما يُتَذَرَّع به من مصلحة. وبستخلص من ذلك كون الشارع قاصداً إلى سدّ هذا النوع من الذرائع. ٣ - المناسب الغريب: وقد عرفه الغزالي بأنه "الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع". (١) وعرفه البيضاوي بأنه "ما أثر نوعه في نوع الحكم ولم يؤثر جنسه في جنسه". (٢) فهو المناسب الذي لم يشهد باعتباره سوى أصله المعين، دون أن يوجد شاهد لجنسه، ولذلك سمي غريباً؛ لأنه شهد لنوعه حكم واحد. ومثلوا له بتوريث المطلقة ثلاثاً في مرض الموت معاملة للزوج بنقيض قصده، لأنه إنما قصد من تطليقها طلاقاً باتّاً حرمانها من الميراث، ولم يكن الطلاق لسبب مشروع. ووجه غرابته أن مثل هذه المعاملة (المعاملة بنقيض القصد) لم تُعْهَد في تصرفات الشارع إلّا في حالة واحدة هي حرمان القاتل من الميراث معاملة له بنقيض قصده إذْ استعجل الميراث بقتل مورثه. ولم يُعْهَد من الشارع في غير هذا الموضع معاملة المتصرف بنقيض قصده. وهذا المثال فيه نظر، فإن معاملة الوارث القاتل بنقيض قصده إنما قَصَد منه الشارع سدّ ذرائع سفك الدماء، فهو في الواقع فرع من فروع باب سدّ الذرائع، وسدّ الشارع لذرائع الفساد ليس غريباً في نصوصه وأحكامه، بل هو منتشر انتشاراً واسعاً في نصوص القرآن والسنة وأحكامهما وفي اجتهادات الفقهاء بعد ذلك. وقد فهم سيدنا عثمان ﵁ هذا المقصد فقال بتوريث المطلقة ثلاثاً في مرض الموت (٣)

стр. 163

لَمَّا رأى أن الناس صاروا يتخذون هذا الطلاق ذريعة لحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم. ٤ - المناسب الملغي: وهو المناسب الذي ظهر إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في جميع صوره. ومثاله تحصيل الربح من طريق الفوائد الربوية، فمن المقاصد الشرعية للمعاملات المالية تحصيل الربح، والتعامل الربوي -ولا شك- محصِّلُ للربح بالنسبة لصاحب رأس المال، وقد يحصِّلُ فائدة لبعض المقترضين، وقد يقول قائل -بناءً على ذلك- إن التعامل الربوي محقِّق لمقصد من مقاصد المعاملات المالية وهو الربح لرب المال، ودفع حاجة المقترض وبناء على ذلك يمكن التعامل به إذا حقق هذا المقصد. ولكن مهما قيل في هذا فإنه غير صالح للإحتجاج به، أوَّلاً: لأن الشارع قد ألغى هذه المناسبة والمصلحة بنصوص صريحة، وثانياً: لما يترتب على ذلك من مفسدة أكبر وكذلك يقال فيما قد يوجد من مصالح في الخمر والقمار وغيرها من المحرمات. ٥ - المناسب المرسل: هناك اتجاهان في تريف المناسب المرسل: (١) الإتجاه الأول: أن المناسب المرسل هو الذي لم يشهد الشرع لا لبطلانه ولا لاعتباره، بمعنى أنه ليس هناك نص يشهد بالاعتبار لنوع هذه المصلحة ولا لجنسها، كما أنه لا يوجد نص يشهد ببطلانها. (٢) والواقع أنه عند التدقيق يصعب أن نجد مصلحة مناسبة -لم يثبت إلغاؤها- لا يشهد لها شاهد من المقاصد العامة للشريعة. نعم، قد لا نجد ما يشهد لنوعها أو جنسها القريب، أما أن لا نجد ما يشهد لجنسها -ولو العالي- فهو أمر غير وارد وما يعرف بالمصالح المرسلة، وإن لم يشهد لنوعه أو جنسه القريب نص أو إجماع، إلّا أنه عند إرجاعه إلى المقاصد والمبادئ العامة للشريعة نجده لا يخرج عنها، بل يندرج فيها. وعن هذا المعنى للمناسب المرسل يقول الغزالي: "والصحيح أن الإستدلال المرسل في الشرع لا يُتَصَوَّر حتى نتكلم فيه بنفي أو إثبات؛ إذْ الوقائع لا حصر لها، وكذا

стр. 164

المصالح، وما من مسألة تفرض إلّا وفي الشرع دليل عليها، إما بالقبول أو بالرد". (١) وبعد أن استعرض نماذج مما اعتُبِر من المصلحة المرسلة، خلص إلى القول: "فقد تبيّن أن كلّ مصلحة مرسلة فلا بُدّ أن تشهد أصول الشريعة لردها أو قبولها". (٢) الإتجاه الثاني: أن المناسب المرسل هو المصلخة التي اعتبر الشارع جنسها، كما فعل الصحابة في إعطاء الشارب حدّ القاذف؛ لأن الشرب مظنة القذف فأقاموا مظنة القذف مقام القذف بناءً على ما عُهِد من الشارع في إقامة مظنة الشيء مكن الشيء نفسه، فهو مناسب شهد الشارع لجنسه. (٣) وبناءً على ذلك يحون الإرسال الموصوف به هذا النوع من المناسب ليس معناه الإرسال الحقيقي والخلو التام عن أيّ شاهد بالاعتبار أو الإلغاء، وإنما المقصود عدم وجود أصل تتوفر فيه جميع شروط الأصل المقيس عليه ليقاس عليه، فمن تلك الجهة سُمي مرسلاً؛ أي لعدم وجود أصل يضبطه. وعلى هذا يكون المناسب المرسل هو الذي لم يشهد له أصل معين، لكنه يشهد له أصل كلي، وهو تعريف الشاطبي، حيث عرَّفه بقوله: "أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين". (٤) وقال عنه في الموافقات: "كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائماً لتصرفات الشرع، ومأخوذا معناه من أدلته، فهو صحيح يُبْنَى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعاً به ... ويدخل تحت هذا الضرب الإستدلال المرسل الذي اعتبره مالك والشافي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعياً قد يساوي الأصل المعين، وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه ... ". (٥)

стр. 165

وبذلك يتبيّن أن مجرّد المناسبة (أي تلتي العقل السليم بالقبول لمصحلة من المصالح) وحدها لا تحني في عدِّ مصلحة من المصالح مقصداً من مقاصد الشارع المعتبرة، كما أنه لم يكتفِ الأصوليون بالمناسبة وحدها في الحكم على وصف من الأوصاف بكونه العلة، وإنما لا بُدّ أن ينضاف إلى المناسبة شهادةُ الشرع شهادةً خاصة بدلالة النص أو الإجماع على قبولها أو بملاءمتها لأحكام الشارع، أو شهادة عامةً بأن يشهد لجنسها -ولو العالي- شاهد من الشرع. (١) وما اشترطه الغزالي ومن تبعه في المصلحة المرسلة حتى تكون معتبرة من كونها ضرورية كليّة قطعيّة، (٢) إنما هو محاولة لضبط باب المصالح حتى لا ينسب كلُّ مدَّعٍ ما شاء مما يظنه مصلحة إلى الشارع الحكيم. (٣) وهي في الحقيقة لا يمكن اعتبارها شروطاً للمصلحة المرسلة، وإنما هي شروط لِتَحَقُّقِ معنى الضرورة التي يبطل بها الحظر طبقاً للقاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات"، فالمصلحة التي ينبغي تقييدها بهذه الشروط هي المصلحة التي ورد ما يعارضها في الشرع أو التي لم تَجْرِ لها وفق معهود الشرع في تشريعه، ومع ذلك اضطر الناس إليها أو مسّت حاجتهم إليها فعند ذلك يُشترط فيها لتقديمها على النص ما اشترطه الغزالي من كونها عامة وكليّة وضرورية، وعندئذ لا تصير من باب تقديم المصلحة على النص، وإنما من باب "الضرورات تبيح المحظورات". ويتضح هذا من خلال المثال الذي مثّل به الغزالي لهذا النوع من المرسل، وهو مثال تَتَرُّسِ الكفار بمجموعة من المسلمين، حيث لا يمكن دفع الكفار إلّا بقتل المسلمين المتتَرَّس بهم. (٤) فقتل المسلمين في أصله حرام ودفع الكفار حال الخوف من تسلطهم على المسلمين واجب، ومصلحة دفع الكفار يترتب عليها ارتكاب محرَّم -بل كبيرة من الكبائر- وهو قتل نفوس مؤمنة، فلذلك احتيج في مثل هذه المصلحة

стр. 166

إلى الشروط المذكورة. أما إذا كان المرسل بمعنى الذي يشهد لجنسه -ولو العالي- شاهد من مقاصد الشرع ومبادئه العامة وليس فيه ارتكاب محرّم ولا معارضة معتبرة لنص شرعي، فلا معنى عند ذلك لحصره في الضروريات فقط، أو في الضروريات والحاجيات، ما دامت هذه المصلحة من باب المعاملات القائمة على التعليل، ولم يرد ما ينقضها أو يعارضها في الشرع، بل يمكن أن تتعدى إلى التحسينيات أيضا، ولا يشترط فيها أن تكون كليّة ولا عامّة. ويتضح هذا في مثال اتخاذ الدواوين وجمع القرآن الكريم -وهما مثالان لما عمل به الصحابة من المصالح المرسلة- فمصلحة اتخاذ الدواوين لا يترتب على الأخذ بها أية مخالفة للنصوص الشرعية أو ارتكاب لمحظور بل هي من باب النفع المحض، وكذلك الأمر في الجمع الأول للقرآن الكريم، ومن ثَمّ لا يُشترط في مثل هذه المصلحة أن تكون كلية عامة ضرورية أو حاجية، فللناس أن يتخذوا من وسائل جلب النفع ودفع الضرر ما شاءوا وفي جميع مجالات الحياة بما فيها التحسينيات مادامت لا تؤدي إلى أي محظور فإذا تبين أنها تؤدي إلى محظور أو تخرم مقاصد الشريعة وقواعدها العامة احتيج عند ذلك إلى ضبطها بالضوابط التي ذكرها الغزالي. ومن هنا يتضح أن ما اصطلح عليه باسم المصلحة المرسلة في معناه العام تنقسم إلى قسمين: ١ - ما كان مصادماً لنص أو قاعدة شرعية عامة، أو لم يَجْرِ على وفق مقاصد الشريعة، فهذه تُعدّ في حقيقتها من باب المناسب الملغي وتخضع لشروط الضرورة، وقواعد التعارض والترجيح. وليست كلّ مصلحة عارضت نصا فهي ملغاة، وإنما التي يُقْطَع بإلغائها هي التي تعارض نصّاً بمعناه الأصولي، أي الذي لا يحتمل التأويل -سواء كان التأويل بصرفه عن ظاهره، أو بتخصيصه، أو بتقييده- أما إذا كانت المصلحة لها شاهد من الشرع وعارضت ظاهراً يحتمل التخصيص أو التقييد فإنها تكون محلّ نظر واجتهاد. فإذا

стр. 167

كانت المصلحة المعارضة للظاهر من نوع المناسب المؤثر أو الملائم المعمول بهما اتفاقاً فإنها لا تردّ مباشرة، وإنما تخضع للقواعد الشرعية في الجمع والترجيح كما هو الحال عند تعارض نص ظني مع قياس صحيح. (١) ولذلك نجد أن الغزالي قد قيّد المصلحة الملغاة بأنها "ما يصادم في محلٍّ نصّاً للشرع فيتضمن اتباعُهُ تَغْيِيرَ الشرع، فهو باطل عندنا". (٢) فالمصلحة المتفق على إلغائها لا تعارض فقط ظاهر نص من النصوص، بل تعارضه بوجه يؤدي العملُ بها إلى إلغاء النص وتغيير الشرع. ٢ - ما لم يكن مصادماً للنصوص والقواعد الشرعية العامّة، ولم يكن في باب التعبدات التي ثبت أن الشارع قاصد إلى الإكتفاء فيها بما شرع من غير زيادة عليه ولا إنقاص منه، فللناس أن يتخذوا منه ما شاءوا من غير قيد. وما دام قد ثبت أن المقصد الأعلى للشريعة هو المحافظة على مصالح الخلق بدفع المفاسد وجلب المصالح، فإن المصلحة التي تتلقاها العقول بالقبول ويشهد لنوعها أو جنسها شاهد من الشرع أو على الأقل لا تثبت مخالفتها لنصوص الشريعة وقواعدها العامة ومقاصدها المستخرجة من تلك النصوص تُعدّ مقصداً شرعيا. ومع القول بأن المناسبة يمحن أن تدلّ على أن المناسب الذي توفرت فيه الشروط المذكورة مقصدُ من مقاصد الشارع، إلّا أن الشاطبي يرى أن طريق المناسب المرسل لا يصح أن يُستنبط من بابه شيءُ من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل. (٣) ومعنى ذلك أن المقاصد الأساسية للشرع تثبت بالنص عليها - سواء كان النص صريحاً أو بأن قشهد لجنسها نصوص الشارع وما يستنبط منها من قواعد عامّة- أما ما يمكن إثباته بطريق المناسبة فهو المقاصد التبعيّة التي تكون خادمة للمقاصد الأصلية أو وسيلة إليها، ولا تعارض بين قسميتها وسائل واعتبارها مقاصد، فهي

стр. 168

وسيلة بالنسبة إلى ما فوقها من مقاصد، وهي في الوقت ذات ٥ مقاصد في نفسها أو بالنسبة إلى ما هو دونها. وقد ثبت أن ما لا تتحقق المقاصد الأصلية إلّا به وكان مناسباً لم يثبت إلغاؤه فالشارع قاصد إلى تحصيله، فيصير في ذاته مقصداً شرعيا. (١) ورأي الشاطبي هذا هو الذي يشهد له الواقع؛ ذلك أن المقاصد الأساسية للدين تمثل القواعد التي يُبنى عليها الدين والضوابط التي تضبطه وتحدِّد حدوده، ومثل هذا لا يصح أن يثبت بالمناسب المرسل؛ لأن المناسب المرسل لا يثبت في ذاته إلّا بشهادة تلك الأصول، فهو فرع عنها ولا يمكن أن يصير أصلاً لها، وإنما يثبتُ مثلُ هذه المقاصد بالنصوص الشرعية والإجماع.

стр. 169

الفَصْلُ الخَامَسِ سكوت الشارع ودلالته على مقاصده المبحث الأول أنواع سكوت الشارع تحتاج معرفة دلالة سكوت الشارع الحكيم على مقاصده إلى معرفة القرائن المصاحبة لصدور الأمر المسكوت عنه؛ إذْ إن سكوت الشارع عن الحكم في أمر من الأمور قد يكون مع توفر الدواعي إلى معرفة ذلك الحكم، وقد يكون لعدم توفر الدواعي إلى ذلك، وقد يكون لمانع. والمسكوت عنه قد يكون واقعة -قولاً كانت أو فعلاً- وقعت أمام النبي ﷺ فسكت عن الإنكار، أو واقعة وقعت في غيبته ثُمّ نُقلت إليه، أو سؤالاً يحتاج إلى جواب ولم يجب عنه، أو تصرفاً انتشر العمل به في زمن التشريع ولم يصدر فيه حكم، أو أمراً لم يظهر في زمن التشريع وسكت الشرع عن إعطاء حكم فيه. وبناءً على ما سبق يمكن تقسيم سكوت الشارع إلى ثلاثة أقسام أساسية، هي: ١ - سكوت الشارع مع توفر الدواعي لإصدار الحكم. ٢ - سكوت الشارع عند عدم توفر الدواعي لإصدار الحكم. ٣ - سكوت الشارع لمانع. وفيما يأتي تفصيلها، وبيان دلالة سكوت الشارع في كل حال من تلك الأحوال. أولاً: السكوت مع توفر الدواعي: وهو ما يصطلح عليه بالترك الوجودي، وهو أن يقع الشيء ويوجد المقتضي له، ولا يصدر عن الشارع (سواء عن طريق الوحي أوعن طريق سنّة النبي ﷺ ) قولُ ولا فعلُ لبيان حكمه. وهو إما سكوتُ عن قول أو فعل وقع في حضور النبي ﷺ ، أو في

стр. 170

غيبته ونُقِل إليه فسكت عنه، أو سكوتُ عن تعامل شائع بين الناس في بيئته ﷺ مع تحقق علمه به، أو ترك الإستفصال في حكايات الأحوال. أ - السكوت عن قول أو فعل وقع في حضور النبي ﷺ ، أو في غيبته ونقل إليه: وهو المصطلح عليه عند الأصوليين والمحدثين بالإقرار وهو: "أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول أو فعل قِيل أو فُعل بين يديه، أو في عصره وعلم به". (١) ويكون الإقرار بالسكوت عن الإنكار، أو بالكف عن الفعل. (٢) هل حجية الإقرار في ذات السكوت؟ لا تكمن حجّية الإقرار في مجرد السكوت عن الإنحار والكفّ عن التغيير إذْ الإقرار لا يعني دائماً الرّضا بالأمر المُقَرِّ وإنما ينظر فيه: فإن تضمن هذا الإقرار الرضا والموافقة فهو إقرار يُحتجّ به، وإن لم يتضمن ذلك فهو غير مُعتدّ به. فالضابط -إذاً- ليس هو مجرد السكوت، وإنما ما يحفّ به من قرائن الحال، ولذلك اشترط الأصوليون لحجية الإقرار شروطاً خلاصتها: ١ - أن يتأكّد علمُ النبي ﷺ بالفعل، سواء حصل العلم بسماعه أو مشاهدته مباشرة، أو نُقِل إليه نقلاً. (٣) ومثال الأول إقرار خالد بن الوليد على أكل الضب، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ (٤) فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا: هُوَ ضَبُّ يا رَسُولَ الله، فَرَفَعَ

стр. 171

يَدَهُ. فَقُلْتُ: أَحَرَامُ هُوَ يا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ". قَالَ خَالِدُ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ". (١) ومثال الثاني ما نُقِل إليه من خبر اختلاف الصحابة ﵃ -في تأخير صلاة العصر يوم بني قريظة فأقرّ الفريقين على اجتهادهم في فهم خطابه ﷺ . فقد أخرج البخاري عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ الْعَصْرَ إِلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ". (٢) ٢ - أن يكون الشخص الذي أُقِرّ على الفعل مسلماً منقاداً للشرع، أما إذا كان كافراً أو منافقاً معلوم النفاق -كما هو الحال في عبد الله بن أبيّ بن سلول- فإن إقراره على الفعل لا يُعدّ إباحة لذلك الفعل أو رضاً به، وذلك كإقراره ﷺ أهل الكتاب -وأهل الذمة عموماً- على معاملاتهم وشعائرهم وعقائدهم، وسكوته ﷺ عن بعض ما فعله عبد الله ابن أبيّ بن سلول. فمثل هذا السكوت لا يُعدّ إقراراً ولا حُجّة على جواز تلك الأفعال لِمَا صاحَبَه من قرائنَ تدلّ على عدم الرضا به، ولكونه إحالة على ما هو معلوم من تشريعات في تلك الأفعال وأمثالها. (٣) ٣ - "أن لا يكون قد عُلِمَ من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه حتى يستقر ذلك شرعاً ثابتاً، وحكماً راسخاً لا يحتمل التغيير ولا النسخ". (٤) ٤ - أن لا يؤديّ الإنكارُ إلما إغراء الفاعل بشرّ مما هو عليه، وإلى أن يترتب عليه مفسدة أكبر من المصلحة التي ترجى من الإنكار. وهذا الشرط متفق عليه في حال كون المنكِر غير الرسول ﷺ ، أما بالنسبة لذات

стр. 172

الرسول ﷺ فقد اختُلِف فيه؛ فنُسِبَ إلى المعتزلة القول به، ونُسِبَ إلى الأشعرية منعه في حقه ﷺ بحجة أن إنكاره ضروري لإزالة توهّم الإباحة بوصفه مشرعاً يشرِّعُ بالسكوتِ والتَّرْكِ كما يشرِّع بالقول والفعل. (١) وهذا الأخير هو الراجح، ودليلُ رجحانه التفريق بين مقامي الإنكار والتغيير فالإنكار- بِبَيَانِ حُكْمِ الفعل- ضروريّ ليُعرَف حكمُ الشرعِ فيه، ولا يمكن أن يسكت عنه الرسول ﷺ بأيّ حال، أما تغيير المنكر بتطبيق الحكم الشرعي فيمكن التخلي عنه إذا كان يؤدي إلى مفسدة أعظم، كما حديث في عدم معاقبة النبي ﷺ لرأس النفاق عبد الله ابن أبي بن سلول على نفاقه وعلى كثير من جرائمه، فلم يكن ذلك إقراراً منه ﷺ لأفعاله، بل قد ظهر منه إنكارها، ولم يشكّ أحد في ذلك، ولكنه لم ينفذ العقوبات المستحَقّة عليه دفعاً للمفاسد التي قد تترتب على ذلك. والخلاصة أن الإقرار إنما يُعدّ حجة دالّة على الجواز إذا تضمن الرضا ولم يوجد مانع معتبر يمنع من الإنكار والتغيير فإذا وُجِد مانع صحيح من البيان بالقول أو الفعل، أو تبيّن عدم تضمنه الرضا من الشارع الحكيم لم يُعدّ السكوت حُجَّة، ولا دالاًّ على أن قصد الشارع تشريع الأمر المقرّ عليه. ب - السكوت عن تعامل شائع بين الناس: وهو أن يسكت الشارع- سواء كان الرسول ﷺ أو الوحي- عن أمر شائع بين الناس ومعاين من قول أو فعل. ويكون عدم الإنكار عليه وبيان فساده دالاًّ على رضا الشارع عنه. وذلك مثل ما كان شائعاً بين الناس في زمن الرسالة من معاملات، ومآكل ومشارب، وملابس، كانوا يستديمون مباشرتها؛ ذلك أنما الشارع لا يمكن أن يسكت عن منكر محظور ويقرّ الناس عليه، لأن وظيفة الشارع هي البيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ

стр. 173

الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧]. (١) ومن هنا يكون هذا النوع من السكوت دليلاً على الإباحة الأصلية، وربما عُدّ نوعاً من أنواع السنّة التقريرية. (٢) والداعي إلى بيان الحُكْم في مثل هذا النوع من التصرفات هو انتشارها بين الناس ومن ثَمَ حاجتهم إلى معرفة حُكْم الشرع فيها. وإذا كان تأخُّرُ نزولِ حُكْمِ فعلٍ من الأفعال الشائعة بين الناس قد يكون أحياناً تدرجاً في التشريع -خاصة في العصر الأول للرسالة- كما حديث مع الخمر والربا ونكاح المتعة وغيرها، فإن استمرار سكوت الشارع عن ذلك إلى انقضاء عصر الرسالة يُفسَّر بكون الشارع قاصداً إلى إقرار ذلك الفعل. وقد عَدّ الأصوليون من أنواع بيان الضرورة البيانُ بدلالة حال الساكت الذي وظيفته البيان. (٣) وفي هذا النوع من التصرفات يقول الإمام الشاطي: " ... أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله ﷺ فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه، فلا سبيل إلى مخالفته؛ لأن تركهم لما عمل به هؤلاء (أي الرسول ﷺ وصحابته) مضاد له، فمن استلحقه صار مخالفاً للسنّة". (٤) وقد فهم جابر بن عبد الله ﵁ من هذا النوع من السكوت دلالته على الإباحة، فاستدل به على جواز العزل، حيث إنهم كانوا يعزلون والوحي ينزل ومع ذلك لم يَرِدْ تحريمه، فدلّ على أن سكوت الشارع عنه دليل على كونه قاصداً إلى إباحته. أخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ". زَادَ إِسْحاقُ قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كاَنَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ". (٥)

стр. 174

وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ الله ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا". (١) وقد يُخْتَلَفُ في اندراج بعض أنواع السكوت تحت هذا الباب، كما هو الحال في زكاة الخضراوات؛ فإن الرسول ﷺ بيّن الأصناف التي تجب فيها الزكاة من الزروع والثمار، وسكت عن الخضراوات مع انتشارها ووجود الداعي لبيان حُكْمها. فهل تُعدّ من هذا النوع من المسكوت عنه، فيكون السكوت عنها دليلاً على عدم وجوب الزكاة فيها؟ أم أنها لا تندرج تحت هذا النوع؟ بل هي من باب السكوتِ إحالةً على ما ورد في ما تجب فيه الزكاة من نصوص عامة فيكون السكوت فيها من باب السكوت لعدم توفر الداعي، وتأخذ حكم الزروع والثمار الأخرى وفقاً لعلّة إيجاب الزكاة فيها. وسيأتي مزيد تفصيل في هذه المسألة عند الحديث عن مسألة: هل السكوت عن النقل ينزّل منزلة نقل السكوت؟ ج - ترك الإستفصال في حكايات الأحوال: ويندرج لم تحت هذا مسألتان: ١ - إذا حكم الشارع في مسألة -ذات جزئيات تحتمل الوقوع على أكثر من وجه- بحكم مطلق من غير استفصال عن تلك الجزئيات ولا عن الجهة التي وقعت عليها فهل يُعدّ ذلك تعميماً من الشارع للحكم حتى يشمل كل الجزئيات والوجوه المحتملة؟ أم أنه لا يدلّ بذاته على عموم الحكم؟ فيُقْصَر على الجزئيات التي ورد بشأنها، ولا يتعدّى إلى ما يشمله عموم ذلك الدليل إلّا بدليل آخر. ذهب بعض الفقهاء وعلى رأسهم الإمام الشافعي إلى القول بأن ترك الإستفصال في حكايات الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. (٢) واعترض الجويني على إطلاق هذه القاعدة بأن ما اعتُبِر تركاً للإستفصال غير مُسَلَّم، إذْ قد يكون النبي ﷺ عالماً

стр. 175

بالتفاصيل فلم يحتج للسؤال عنها وأطلق جوابه بناءِ على ما عرف، من غير حاجة إلى ذكر ذلك للسائل، وذلك ما يجري عادة في الفتاوي، حيث يُطلِق المفتي جوابَه إذا علم بانطباقه على الحادثة المستفتى فيها. أما إذا تحققنا من استبهام الحال على الرسول ﷺ ومع ذلك نجده أطلق جوابه فإن ذلك يحون دليلاً على جريان الحكم على التفاصيل والأحوال كلها. (١) ومثال ذلك ما روته أم سلمة ﵂ في المستحاضة. فني الموطأ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً كانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُول الله ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامَ الَّتِي كاَنَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصلاة قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي". (٢) فاستدل الحنفية بهذا الحديث على أن المستحاضة إذا كانت لها عادة معلومة فإنها ترجع إلى تلك العادة مطلقاً سواء كانت مميزة -تميز دم الحيض من غيره- أم لم تكن مميزة. (٣) ووجه عدم تفريقهم بين المميزة وغير المميزة قاعدة ترك الإستفصال المذكورة آنفاً، إذْ إن النبي ﷺ أفتاها باعتماد عادتها من غير استفصال عن حالها هل هي مميزة أم غير مميزة، فدلّ ذلك على استواء الحالين في الحكم. فحكمه من غير استفصال عن حال السائلة ينزل منزلة العموم لكلتا الحالين. وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى التفريق بين المميزة وغير المميزة. فَتَعْتَمِدُ المميزة على التفريق بين نوعي الدم، فتمسك عن الصلاة مدة خروج دم الحيض، فإذا انقطع وظهر دم الإستحاضة اغتسلت وباشرت الصلاة وغيرها من العبادات، أما

стр. 176

العادةُ فَتُعْتَمَدُ عند عدم التمييز (١) واستدلوا على ذلك بنفس القاعدة، حيث ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﷺ استفصل عن الحال وفرق بينهما، ففي سنن النسائي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كاَنَ ذَلِكَ فَأَمْسِكيِ عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي". (٢) وبناءً على هذا التفريق فإن ما ورد في الحادثة الأخرى من عدم الإستفصال يُحَالُ على هذه الرواية ولا ينزل منزلة العموم. ٢ - إذا سئل النبي ﷺ عن حكم واقعة، أو حدثت أمامه فبيّن بعض أحكامها وسكت عن أخرى، هل يدلّ سكوته عن تلك الأحكام على انتفائها؟ مثال ذلك حديث البخاري أَنَّ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كاَنَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ الله ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ, قَالَ: فَبَيْنَا النبي ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ (٣) وَعَلَيْهِ ثَوْبُ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيُّ عَلَيْهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّحُ بِطِيبٍ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النبي ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ. فَقَالَ: "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنعُ فَي حَجِّكَ". (٤)

стр. 177

فأمره بنزع الجبة وغسل الطيب ولم يأمره بالكفارة؛ فهل سكوته عن الكفارة يدلّ على بقاء الحكم على الأصل، وهو أنه لا كفارة على الجاهل؟ أم أنه إنما سكت عن ذلك إحالةً على ما ورد من نصوص أخرى في وجوب الفدية على خرق محظورات الإحرام؟ ذهب المالكية والحنفية (١) إلى وجوب الكفارة بناءً على أن السكوتَ هنا إحالةُ على ما ورد من نصوص في حُكْم خرق محظورات الإحرام. وذهب الشافعية والحنابلة (٢) إلى أن السكوت هنا دليل على عدم وجوب الفدية على الجاهل. واستدلوا على ذلك بأن الأعرابي الذي يجهل حرمة لبس الجبة والتطيب على المحرم حريّ به أن يكون جاهلاً بلزوم الفدية، ولا شك أن الرسول ﷺ كان مدركاً لذلك، ومع ذلك سكت عن حكم الفدية فدلّ ذلك على عدم وجوبها. (٣) المثال الثاني: قصة الرجل الذي وطئ زوجته في نهار رمضان فأمره النبي ﷺ بالتكفير وسكت عن حكم المرأة -حسب الروايات الواردة- فهل يدلّ ذلك على أنه لا كفارة على المرأة؟ أم أن سكوته ذلك إحالة على ما عُلِمَ من استواء الرجل والمرأة في أحكام كفارات الإفطار في رمضان؟ روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: "أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لا. قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بعَرَقٍ فِيهِ تَمْرُ -وَهُوَ الزَّبِيلُ (٤) - قَالَ: "أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ". قَالَ: عَلَى

стр. 178

أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: "فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". (١) فذهب الشافعية -في أظهر القولين (٢) - ورواية عن أحمد (٣) إلى اعتبار السكوت دليلاً على عدم وجوب الكفارة على المرأة، وذهب الجمهور (٤) إلى خلاف ذلك بناءً على كون السائل عالماً بأحكام الدين، واستواء الرجال والنساء في أحكام المفطرات. (٥) ودلالة السكوت في المثال الأخير أضعف منها في المثال الأول؛ لأن ظاهر الحديث الأول أن الأعرابي كان جاهلاً بحرمة فعله، والحكمُ أيضاً كان مجهولاً له ولغيره من المسلمين، بدليل أن رسول الله ﷺ انتظر نزول الحكم لإنشاء حكم للمسألة، فلو كانت عليه كفارة لأخبره بها حتى لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، أما قصة الأعرابي الذي انتهك حرمة شهر رمضان فظاهرها يفيد أن الأعرابي كان عالماً بحرمة فعله؛ ففي بعض الروايات أنه جاء ينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، كما أن حكم فعله؟ ن معلوماً للرسول ﷺ وأصحابه، إذْ أفتاه الرسول ﷺ مباشرة بما هو ثابت من حكمٍ في المسألة، فربما بيّن له ﷺ حكمه هو، وأحاله على ذلك الحكم بالنسبة لزوجته، فما دام الجرم واحداً فالكفارة واحدة، خاصة وأنه لم يرد أن الرجل سأل عن حكم زوجته، فلا يكون عدم النص على حكم المرأة نصّاً على سقوط الكفارة عنها، إذْ يجوز أن يكون الجواب على قدر السؤال، والسؤال كان عن حكم الرجل وحده. ويستخلص من هذين المثالين التفريق بين كون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح ويفترض في المستفتي أن يكون عالماً به، فلا يدلّ السكوت في هذه الحال على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، وأن يكون المسكوت عنه مما لم يرد فيه

стр. 179

حكم من قَبْلُ، أو مما يتردد حكمه، أو يلتبس على المستفتي فيمكن أن يكون السكوت عنه دليلاً على انتفائه. (١) ثانياً: السكوت مع عدم توفر الدواعي: ويندرج تحته: أ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه ﷺ من حوادث، أو عَمّا وُجِدَ في بيئات أخرى غير بيئته ولم يطّلع عليه. ب - السكوت عَمّا عُلِمَ حكمهُ إحالة على ما هو معلوم من حكمه. أ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه ﷺ -أو عَمّا وُجِد في بيئة أخرى ولم يطّلع عليه: وهو الذي يصطلح عليه بالترك غير المقصود، وهو أن لا يفعل النبي ﷺ فعلاً لعدم وجود دواعيه، بأن لا يكون موجوداً أصلاً في زمانه، وإنما حديث بعد زمان الرسالة، أو مما كان موجوداً في بيئات أخرى غير بيئته ﷺ وثبت أنه لم يطّلع عليه. ومثل هذا الترك لا يدلّ على حكم أصلاً، إذْ هو عدم دليل لا استدلالُ بالترك والسكوت، فإذا وُجِدَت مظنة العمل به بعد انقضاء زمن التشريع احتاج الأمر إلى حُكْم جديد يلائم تصرفات الشارع في مثله. وهو الذي قال فيه الشاطبي عند حديثه عن أنواع المسكوت عنه: "أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ ، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم، كجمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك مما لم يَجْرِ له ذكر في زمن رسول الله ﷺ ، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها

стр. 180

موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال". (١) ومثال هذا ما أورده ابن تيمية في الردّ على المستدلين على عدم جواز دخول الحمامات بكون الرسول ﷺ وخلفائه من بعده لم يفعلوه، حيث يقول: "ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي ﷺ لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمّام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخوطا فلم يدخلوها. وقد عُلِم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمّام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الإستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان. "وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كلّ نوع منه كان موجوداً في الحجاز فلم يأكل النبي ﷺ من كلّ نوع من أنواع الطعام: القوت والفاكهة، ولا لبس من كلّ نوع من أنواع اللباس. ثم إن من كان من المسلمين بأرض أخرى: كالشام، ومصر واليمن، وخراسان ... وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم، أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الإنتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة؛ لكون النبي ﷺ لم يأكل مثله، ولم يلبس مثله؛ إذْ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله: كأمره ونهيه وإذْنه، ومن قول الله تعالى هي أقوى وأكبر ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية". (٢) ب - السكوت عَمّا عُلِم حكمه إحالةً على النصوص الشرعية: إذا سكت النبي ﷺ عن فعل قد عُلِم حكمه بنص من الكتاب أو السنّة، فإن
следующие страницы →