العادةُ فَتُعْتَمَدُ عند عدم التمييز (١) واستدلوا على ذلك بنفس القاعدة، حيث ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﷺ استفصل عن الحال وفرق بينهما، ففي سنن النسائي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كاَنَ ذَلِكَ فَأَمْسِكيِ عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي". (٢)
وبناءً على هذا التفريق فإن ما ورد في الحادثة الأخرى من عدم الإستفصال يُحَالُ على هذه الرواية ولا ينزل منزلة العموم.
٢ - إذا سئل النبي ﷺ عن حكم واقعة، أو حدثت أمامه فبيّن بعض أحكامها وسكت عن أخرى، هل يدلّ سكوته عن تلك الأحكام على انتفائها؟
مثال ذلك حديث البخاري أَنَّ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كاَنَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ الله ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ, قَالَ: فَبَيْنَا النبي ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ (٣) وَعَلَيْهِ ثَوْبُ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيُّ عَلَيْهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّحُ بِطِيبٍ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النبي ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ. فَقَالَ: "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنعُ فَي حَجِّكَ". (٤)
стр. 177
فأمره بنزع الجبة وغسل الطيب ولم يأمره بالكفارة؛ فهل سكوته عن الكفارة يدلّ على بقاء الحكم على الأصل، وهو أنه لا كفارة على الجاهل؟ أم أنه إنما سكت عن ذلك إحالةً على ما ورد من نصوص أخرى في وجوب الفدية على خرق محظورات الإحرام؟
ذهب المالكية والحنفية (١) إلى وجوب الكفارة بناءً على أن السكوتَ هنا إحالةُ على ما ورد من نصوص في حُكْم خرق محظورات الإحرام. وذهب الشافعية والحنابلة (٢) إلى أن السكوت هنا دليل على عدم وجوب الفدية على الجاهل. واستدلوا على ذلك بأن الأعرابي الذي يجهل حرمة لبس الجبة والتطيب على المحرم حريّ به أن يكون جاهلاً بلزوم الفدية، ولا شك أن الرسول ﷺ كان مدركاً لذلك، ومع ذلك سكت عن
حكم الفدية فدلّ ذلك على عدم وجوبها. (٣)
المثال الثاني: قصة الرجل الذي وطئ زوجته في نهار رمضان فأمره النبي ﷺ بالتكفير وسكت عن حكم المرأة -حسب الروايات الواردة- فهل يدلّ ذلك على أنه لا كفارة على المرأة؟ أم أن سكوته ذلك إحالة على ما عُلِمَ من استواء الرجل والمرأة في أحكام كفارات الإفطار في رمضان؟
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: "أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لا. قَالَ: "أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لا. قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بعَرَقٍ فِيهِ تَمْرُ -وَهُوَ الزَّبِيلُ (٤) - قَالَ: "أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ". قَالَ: عَلَى
стр. 178
أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: "فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". (١)
فذهب الشافعية -في أظهر القولين (٢) - ورواية عن أحمد (٣) إلى اعتبار السكوت دليلاً على عدم وجوب الكفارة على المرأة، وذهب الجمهور (٤) إلى خلاف ذلك بناءً على كون السائل عالماً بأحكام الدين، واستواء الرجال والنساء في أحكام المفطرات. (٥)
ودلالة السكوت في المثال الأخير أضعف منها في المثال الأول؛ لأن ظاهر الحديث الأول أن الأعرابي كان جاهلاً بحرمة فعله، والحكمُ أيضاً كان مجهولاً له ولغيره من المسلمين، بدليل أن رسول الله ﷺ انتظر نزول الحكم لإنشاء حكم للمسألة، فلو كانت عليه كفارة لأخبره بها حتى لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، أما قصة الأعرابي الذي انتهك حرمة شهر رمضان فظاهرها يفيد أن الأعرابي كان عالماً بحرمة فعله؛ ففي بعض الروايات أنه جاء ينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، كما أن حكم فعله؟ ن معلوماً للرسول ﷺ وأصحابه، إذْ أفتاه الرسول ﷺ مباشرة بما هو ثابت من حكمٍ في المسألة، فربما بيّن له ﷺ حكمه هو، وأحاله على ذلك الحكم بالنسبة لزوجته، فما دام الجرم واحداً فالكفارة واحدة، خاصة وأنه لم يرد أن الرجل سأل عن حكم زوجته، فلا يكون عدم النص على حكم المرأة نصّاً على سقوط الكفارة عنها، إذْ يجوز أن يكون الجواب على قدر السؤال، والسؤال كان عن حكم الرجل وحده.
ويستخلص من هذين المثالين التفريق بين كون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح ويفترض في المستفتي أن يكون عالماً به، فلا يدلّ السكوت في هذه الحال على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، وأن يكون المسكوت عنه مما لم يرد فيه
стр. 179
حكم من قَبْلُ، أو مما يتردد حكمه، أو يلتبس على المستفتي فيمكن أن يكون السكوت عنه دليلاً على انتفائه. (١)
ثانياً: السكوت مع عدم توفر الدواعي:
ويندرج تحته:
أ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه ﷺ من حوادث، أو عَمّا وُجِدَ في بيئات أخرى غير بيئته ولم يطّلع عليه.
ب - السكوت عَمّا عُلِمَ حكمهُ إحالة على ما هو معلوم من حكمه.
أ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه ﷺ -أو عَمّا وُجِد في بيئة أخرى ولم يطّلع عليه:
وهو الذي يصطلح عليه بالترك غير المقصود، وهو أن لا يفعل النبي ﷺ فعلاً لعدم وجود دواعيه، بأن لا يكون موجوداً أصلاً في زمانه، وإنما حديث بعد زمان الرسالة، أو مما كان موجوداً في بيئات أخرى غير بيئته ﷺ وثبت أنه لم يطّلع عليه. ومثل هذا الترك لا يدلّ على حكم أصلاً، إذْ هو عدم دليل لا استدلالُ بالترك والسكوت، فإذا وُجِدَت مظنة العمل به بعد انقضاء زمن التشريع احتاج الأمر إلى حُكْم جديد يلائم تصرفات الشارع في مثله. وهو الذي قال فيه الشاطبي عند حديثه عن أنواع المسكوت عنه: "أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ ، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم، كجمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك مما لم يَجْرِ له ذكر في زمن رسول الله ﷺ ، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها
стр. 180
موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال". (١)
ومثال هذا ما أورده ابن تيمية في الردّ على المستدلين على عدم جواز دخول الحمامات بكون الرسول ﷺ وخلفائه من بعده لم يفعلوه، حيث يقول:
"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي ﷺ لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمّام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخوطا فلم يدخلوها. وقد عُلِم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمّام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الإستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان.
"وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كلّ نوع منه كان موجوداً في الحجاز فلم يأكل النبي ﷺ من كلّ نوع من أنواع الطعام: القوت والفاكهة، ولا لبس من كلّ نوع من أنواع اللباس. ثم إن من كان من المسلمين بأرض أخرى: كالشام، ومصر واليمن، وخراسان ... وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم، أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الإنتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة؛ لكون النبي ﷺ لم يأكل مثله، ولم يلبس مثله؛ إذْ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله: كأمره ونهيه وإذْنه، ومن قول الله تعالى هي أقوى وأكبر ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية". (٢)
ب - السكوت عَمّا عُلِم حكمه إحالةً على النصوص الشرعية:
إذا سكت النبي ﷺ عن فعل قد عُلِم حكمه بنص من الكتاب أو السنّة، فإن
стр. 181
مثل هذا السكوت لا يُعدّ إقراراً للفعل على الإطلاق، وإنما يُفَرَّقُ بين كون الفاعل مسلماً، أو غير مسلم: منافقاً كان أو كافراً. فإذا كان الفاعل مسلماً فإن سكوته ﷺ يدلّ على الإباحةِ إن لم يسبق تحريمه، ونسخِ الحظر أو الوجوب السابق إن كان هناك واحد منهما. ودليل هذا أن النبي ﷺ مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيَبْعُدُ أن يكون سكوتُه إحالةً على ما هو معلوم من ححم ذلك الفعل من وجوب أو حظر؛ إذْ في ذلك إقرار للمنكر ولا يمكن أن يقع منه ﷺ ذلك. ونسب إلى القاضي الباقلاني القول بأن السكوت لا يدلّ على الجواز ولا على النسخ؛ لأن السكوت وعدم الإنكار مُحْتَمِل، (١) فقد يكون سكوته ﷺ لعلمه بأن الفاعل حديث عهد بالإسلام لم يبلغه التحريم بعد فلم يكن الفعل عليه إذْ ذاك حراماً، وقد يكون سكوته لأنه أنكر عليه من قَبْلُ فعاند ولم ينزجر فرأى ﷺ أن تكرار الإنكار عليه غير مُجْدٍ.
وما ذكره هؤلاء من احتمالات غير مؤسس، لأن احتمال عدم علم الفاعل بالتحريم لا يستدعي السكوت عليه، بل تبليغه وتعليمه، (٢) وهي مهمة الرسول ﷺ ، واحتمال كونه أنكر عليه من قَبْل فلم ينتهِ غير مُسَلَّم أيضاً؛ إذْ عدم الإنتهاء لا يستلزم ترك الإنكار والتذكير كيف والله تعالى يقول له: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
أما إذا كان الفاعل منافقاً معلوم النفاق، أو كافراً فإن سكوته ﷺ لا يدلّ على إقرار الفعل وإنما هو إحالة على ما عُلِم من أحكام تلك الأفعال، كما وقع منه ﷺ من إقرار أهل الكتاب على ممارسة عقائدهم وشعائرهم الشركيّة، فليس في ذلك إقرار لذات الأفعال وتصحيح لها، وإنما إحالة على ما ظهر واستفاض من أحكام الشريعة في تلك العقائد والشعائر فالسكوت عنها من باب عدم توفر داعي الإنكار (٣)
ومن هذا النوع من السكوت سكوتُ الشارع عما يفهم بمفهوم الموافقة، أو
стр. 182
مفهوم المخالفة، فإنهما يُعدّان من أنواع المسكوت عنه، لكن إفادة كلٍّ منهما لمقتضاه لا تكون من جهة السكوت لذاته، وإنما لمدرك آخر هو إما اللغة أو القياس -على خلاف مشهور بين الأصوليين- في مفهوم الموافقة، وحكم عقلي في مفهوم المخالفة، هو ثبوت خلاف حكم الشيء لخلافه، فتخصيص شيء بالحكم يقتضي إثبات خلاف ذلك الحكم لخلاف ذلك الشيء، وإلاّ لم يكن لتخصيصه بالحكم فائدة، ويتم ذلك بشروط اشترطها القائلون بمفهوم المخالفة. (١)
ثالثا: السكوت لمانع:
ويكون ذلك في السكوت انتظاراً للوحي. (٢) فإذا سأل سائل النبي ﷺ عن مسألة ليس فيها حكم وسكت انتظاراً للوحي لبيان حُكْمِها فإن ذلك السكوت لا دلالة له على حكم، وإنما يؤخذ الحكم من موقفه بعد نزول الوحي. ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالاً وَلا تُنْكَحَانِ إِلاّ وَلَهُمَا مَالُ. قَالَ: "يَقْضِي الله فِي ذَلِكَ". فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: "أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ". (٣)
стр. 183
المبحث الثاني
الفرق بين دلالة سكوت الشارع في العبادات وسكوته في المعاملات
لمّا كانت العبادات شعائر يُقصَد بها تعظيم الله تعالى والتعبّد له، كان له جلَّ شأنه أن يختار من الشعائر ما يشاء لِيَتَعَبَّدَنَا به، ولم يكن لأحد الحقُّ في أن ينشئ شيئاً من العبادات ليتقرب بها إلى الله تعالى، لأنه لا أحد يعلم الحِكْمة من اختياره جلّ شأنه عبادات بعينها دون غيرها، ومن ثَمّ لا يمكن أن يُعبَد إلّا بما شرع.
أما المعاملات فهي الوسائل والتدابير التي يتخذها البشر لتسيير شؤونهم الحياتية، وتلبية رغباتهم واحتياجاتهم الفردية والجماعية، ولذلك تكون واسعة ومتشعبة سعة وتشعب حاجات الفرد والمجتمع، وتتجدد بتجدد مطالب الناس الفردية والجماعية، وتتطور بتطورها، وتتسع باتساعها. ولما كان الإنسان -بما وهبه الله تعالى من وسائل الإدراك والتفكير- أهلاً للتصرف فيها إنشاءً وتطويراً فقد أَوْ كَلَهَا الله تعالى إليه، واكتفت الشرائع في ذلك بتوجيه الإنسان وتقويمه.
وبناءً على ما سبق كانت القاعدة: أن الشريعة تأتي مُنْشِئَةً في العبادات، في حين تأتي ضابطةً ومقنِّنةً للمعاملات.
وصفة الإنشاءِ الأمرُ (إيجاباً وندباً)، أما صفةُ الضبطِ والتقنينِ فهي النهيُ (تحريماً وكراهةً)، ولذلك نجد الشعائر التعبديّة إما واجبة أو مستحبة، في حين لا نجد في المعاملات واجبات إلّا على الجملة، أي أن تكون المعاملات واجبة بالكلية من حيث يجب القيام بها لإقامة المجتمع وحفظه، ولا تكون واجبة على الأعيان إلّا في حالات الضرورة حيث يؤدي إهمالها إلى إهدار كُلِّيٍّ من الكليات الخمس، وإنما نجد أكثر الأحكام الشرعية الواردة في المعاملات من باب النواهي، سواء كان ذلك على وجه التحريم أو الكراهة. فإذا تأملت -مثلاً- أحكام البيوع لا تجد شيئاً اسمه البيوع الواجبة أو المستحبة، في حين تجد البيوع المحرمة، والمكروهة، والفاسدة، والباطلة؛ ذلك أن المعاملات بما فيها من نفع عاجل للإنسان، وبما فيها من إشباع لشهوات النفس ورغباتها تجعل الإنسان ميَّالاً إلى القيام بها والتوسع فيها بما قد يدفعه إلى
стр. 184
تخطي الحدود المشروعة والوصول إلى الإضرار بنفسه أو بالآخرين، فتأتي الشريعة لتكبح من جماحه، وتخفف من غلواء شهواته، فتضع الضوابط التي ينبغي على الإنسان أن ينضبط بها، والحدود التي لا يحلّ له أن يتخطاها.
لذلك فإنما سكوت الشارع في مجال المعاملات لا يُعدّ قصداً إلى منع الزيادة على الواقع أو الإنقاص منه، إذْ إن قصد الشارع في هذا المجال ليس هو الإقتصار على ما كان موجوداً من معاملات، وإنما هو قاصد بالدرجة الأولى إلى ضبط وتقنين معاملات الناس بما يوافق أحكام الشريعة ومقاصدها، في حين يُعدّ سكوت الشارع في العبادات دليلاً على قصده إلى عدم الزيادة على ما شرعه أو النقصان منه، فيكون الأصل في العبادات الإكتفاء بما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو المعنيّ بقول الرسو ﷺ "وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ وَكُلُّ بدْعَةٍ ضَلاَلَةُ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ". (١)
هل السكوت وحده دليل التوقيف في العبادات؟
وبناءً على ما سبق يتبيّن عند التحقيق أن سبب عدم جواز الزيادة على ما شُرِع من العبادات أو الإنقاص منه ليس هو سكوت الشارع لوحده، وإنما هو ما يبنى عليه ذلك السكوت من أن الأصل في العبادات التوقيف وأن الشارع قاصد إلى التفرّد بالتشريع فيها، ومنع أي إنشاء أو ابتداع من قِبل خلقه. فبناءً على هذا الأصل يتقرر كون سكوت الشارع دليلاً على الإكتفاء بما شرعه.
ويرى الشاطبي أن العمل في المسكوت عنه في الأمور العبادية هو الإقتصار على ما ورد في زمن التشريع من غير زيادة حتى وإن كان إطلاق الأدلة لا ينفيها، لأن إطلاق تلك الأدلة يتقيد بالعمل، أي عمل الرسول ﷺ وعمل الصحابة والسلف
стр. 185
الصالح، فاقتصار عملهم على بعض ما تشمله تلك الأدلة يُعَدّ تقييداً لإطلاقها، ورفع ذلك التقييد يحتاج إلى دليل في إعمال الوجه الجديد. ويكون العمل على الوجه الذي لم يَجْرِ به عمل الرسول ﷺ -أو السلف الصالح من قبيل المعارض لما مضى عليه عملهم، وفي ذلك يقول: "فالحاصل أن الأمر أو الإذْن إذا وقع على أمر له دليل مطلق، فرأيت الأولين قد عنوا به على وجه واستمر عليه عملهم، فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه" (١)
стр. 186
المبحث الثالث
علاقة سكوت الشارع بمرتبة العفو
مرتبة العفو -على رأي القائلين بها- هي مرتبة تقع بين الحلال والحرام، والدليل على وجودها ما ورد في القرآن الكريم من نهي الصحابة ﵃ عن سؤال النبي ﷺ عما سكت عنه الشرع في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ونهي النبي ﷺ أيضاً عن ذلك فيما رواه الدارقطني عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا". (١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: كانَ رَسُولث الله ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالى فَرَضَ عَلَيْكُم الحَجَّ"، فَقَامَ رَجُلُ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يا رَسُولَ الله؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَجَعَلَ يُعْرضُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُم عَلَى أَنْبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوه". (٢)
فظاهر هذه النصوص أن هناك أشياء سكت عنها الشارع من غير نسيان لها، وإنما رحمة بالناس، فهي عفو باقية على الإباحة الأصلية. ويتبيّن من هذا أن سكوت الشارع عن ذكر أحكام بعض الأشياء إنما هو عفو عنها، وليس غفلة عن حكمها.
وقد قسم الشاطبي مرتبة العفو إلى ثلاثة أقسام:
١ - العمل بمقتضى أحد الدليلين المتعارضين وإن قوي المعارِض، وذلك في الحالات الآتية: (٣)
стр. 187
- عند عدم إمكان الجمع بينهما، فإن إهمال أحد الدليلين -وإن كان الدليل المُهمَل قد يكون في نفسه أرجح من المعمول به- لا بُدّ أن يكون معفوّاً عنه لإستحالة التكليف بالعمل بهما معاً، لأنه يصير من باب التكليف بما لا يطاق.
- العمل بالعزيمة وإن كان دليل الرخصة متوجِّهاً.
- العمل بالرخصة وإن ترجح جانب العزيمة.
- المجتهد المخطئ في اجتهاده، فإنه معفو عمّا يقع فيه من خطأ إذا استجمع شروط الإجتهاد ولم يقصر في شيء من لوازمه.
٢ - الخروج عن مقتضى الدليل من غير قصد، أو عن قصد لكن بتأويل سائغ. ومثال ذلك عمل الشخص على خلاف دليل لم يبلغه، فإنه معفو عن خطأه ذلك، وكذلك عمل الشخص على وفق دليل بلغه لكنه غير صحيح أو منسوخ، ومن ذلك العمل على خلاف الدليل خطأً، أو نسياناً، أو إكراهاً، (١) لقوله ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". (٢)
٣ - العمل بما هو مسكوت عن حكمه.
ولكن قد يُعقرض على إدخال المسكوت عن حكمه ضمن مرتبة العفؤ إذْ الثابت من قواعد الشريعة أن أحكام الأشياء تثبت إما بالنص عليها، وإما بإلحاقها بالمنصوص عليه، فلا نازلة إلّا ولها في الشريعة حكم، ومن ثَمّ فإن ما يسمى "المسكوت عنه" داخل ضمن دائرة الإجتهاد التي أساسها إلحاق المجهول حكمه بما هو معلوم الحكم، خاصة المنصوص عليه منها. ويكون مؤدى هذا نفي عَدِّ المسكوت عنه من باب العفو.
وفي المقابل نجد النصوص التي سبق ذكرها في أدلة اعتبار مرتبة العفو تشير إلى أن المسكوت عنه قد يدخل في باب العفو وقد رجح الشاطبي هذا الأخير، وقسّم
стр. 188
المسكوت عنه الذي يُعدّ من باب مرتبة العفو إلى ثلاثة أنواع:
أ - ترك الإستفصال مع وجود مظنتة، أي إصدار الشارع حكماً عامّاً دون تفريق بين جزئيات المحكوم عليه مع علمه بها. ومثال ذلك إحلال طعام أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فإن عموم كلمة الطعام تشمل ضمن ما تشمل قرابينهم التي يذبحون لأعيادهم وكنائسهم. فهل ما في تلك الذبائح من زيادة تنافي مبادئ الإِسلام يجعلها مستثناة من الإحلال؟ أم أنّها تحون عفواً فتدخل ضمن ما أُحِلّ بناءً على أن الشارع تعالى كان عالماً بها ولم يفصل لها حكماً خاصّاً بها؟ وقد رُوِي عن مكحول أنه لما سئل عنها قال: "كُلْهُ، قد علم الله ما يقولون وأحل ذبائحهم". (١)
ب - ما حرّمه الإِسلام من عادات الجاهلية بالتدرج، فإن ما ارتُكِبَ منه أثناء التدرج في التحريم وقبل صدور الحكم النهائي يُعدّ معفوّاً عنه، وذلك مثل ما شُرِب من الخمر وأُكِل من الربا قبل صدور التحريم المطلق، ويشهد لذلك قوله تعالى في الخمر: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. وقوله في الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٢)
ج - ما عمل به الناس من عبادات ومعاملات موروثة عن ملّة إبراهيم ﵇، أو مما جرت به أعرافهم قبل أن يأتي الشرع بإقرار ما أقر منه ونسخ ما نسخ، وتقويم ما قوَّم، فكل ما عمل به على ذلك فهو عفو (٣)
وبناءً على ما تقدّم يمكن أن يفهم أن الشاطبي يرى أن المسكوت عنه الذي يدخل ضمن دائرة العفو -بعد استقرار الشريعة وتمامها- ينحصر في نوع واحد، هو ترك الإستفصال مع وجود مظنته.
стр. 189
المبحث الرابع
هل السكوت عن النقل نقل للسكوت (هل ترك النقل ينزل منزلة نقل الترك) ؟
ذهب البعض إلى أن عدم نقل الصحابة ﵃ لما لو فعله النبي ﷺ لتوفرت هممهم ودواعيهم لنقله يُنَزّل منزلة نقلهم لتركه ﷺ لذلك الأمر ومن ثَمّ يُستدل به على عدم مشروعية العمل على خلاف ذلك الترك.
وقد نصر ابن قيم الجوزية هذا الرأي، وجعل عدم النقل هذا طريقاً من طرق نقل الترك، وسنّة من السنن، حيث يقول: "والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم-أو أكثرهم أو واحد منهم-على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدَّث به في مجمع أبداً عُلِم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنيّة عند دخوله في صلاة الصبح، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات ... فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدّاً عن معرفة هَدْيِه وسنّته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِل لاستحبّ لنا مُسْتَحِبُّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبّ لنا مستحِبُّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ... ". (١)
ويرى ابن العربي أن عدم النقل قد يُنزَّل منزلة عدم الدليل، لا وجود الدليل، وهو ما استدل به على ردّ هذهب المالكية في عدم وجوب الزكاة في الخضروات، كما سيأتي بيانه.
والقول بأن كل ما لم ينقل عن النبي ﷺ فعله فهو مسكوت عنه وينزّل منزلة النص على أن حكمه الإباحة أمر خطير؛ إذْ قد يؤدي إلى منع إجراء العموم على عمومه ليشمل ما لم يثبت عن النبي ﷺ فعله، وكذلك يقتضي منع القياس، ومقتضى هذا أن تحصر أفراد العام فيما نقل عن الرسول ﷺ فعله فقط، وهذا فيه ما فيه. (٢)
стр. 190
والذي يبدو هنا أن الضابط ليس مجرد ترك النقل، ولا حتى نقل الترك لوحدهما، إذْ أن كليهما لا يدلّ مستقلاً عن القرائن على حكم، وإنما الضابط هو ما يحفّ بذلك الترك من قرائن، وأساس ذلك ثلاثة أمور:
١ - التفريق بين الشعائر التعبديّة والمعاملات، بكون الأصل في الأولى التوقيف، فلا يدخلها -بناءً على ذلك- الإجتهاد والقياس لعدم معقوليّة المعنى الذي خُصّت من أجله بالتشريع دون غيرها من الشعائر وفي الثانية الإجتهاد فيدخلها القياس.
٣ - ورود عموم قولي يشمل المتروك وغيره، فإذا لم يرد عموم قولي يشمل المسكوت عنه، وكان المسكوت عنه تعبديّاً عتُبِر السكوتُ بمثابة قصد الشارع إلى عدم الزيادة على المسكوت عنه ولا النقصان منه، أما إذا ورد عموم قولي يشمل المسكوت عنه وغيره، أو كان المسكوت عنه ليس تعبدياً فإن السكوت لا دلالة له على منع الزيادة أو الإنقاص. ويتضح هذا من خلال المثال الآتي في التفريق بين المسكوت عنه في العبادات وفي إخراج الزكاة من الخضروات.
٣ - النظر في سبب السكوت، هل كان سكوتَ رضا وإقرار, أم أنه كان سكوتاً لعدم توفر دواعي البيان بالقول أو الفعل، أم أنه كان سكوتا لمانع، كما سبق تفصيله.
سكوت الشارع عن إخراج الزكاة من الخضروات:
من المسائل التي اختلف الفقهاء في دلالة سكوت الشارع عنها مسألة إخراج الزكاة من الخضروات. فقد ذهب المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أنه لا زكاة فيها بحجة أنها كانت شائعة بين الناس في زمن الرسول ﷺ ولم يثبت عنه أنه أخذ الزكاة منها ولا أمر عماله بذلك، فدلّ على أنه لا زكاة فيها، وأن عدم نقل ذلك ينزل منزلة نقل ترك
أخذ الزكاة فيها وأن هذا مخصص لعموم ما ورد في الزكاة من نصوص (١).
وذهب أبو حنيفة ومن تبعه إلى القول بوجوب الزكاة فيها (٢). واحتجوا بأن عدم
стр. 191
النقل لا يُعدّ دليلاً على عدم وجوب الزكاة فيها، وإنما هو عدم دليل فيحال على ما في نصوص القرآن والسنة من أدلة أخرى. وقد وردت نصوص عامة في القرآن والسنة تفيد وجوب إخراج الزكاة مما أخرجت الأرض، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
٣ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
٤ - قوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِياً الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (١).
واعتماداً على ذلك قال ابن العربي: "فإن قيل: فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة وخيبر؟ قلنا: كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها لنقل. قلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه" (٢).
ومما يدعم الرأي الثاني -القائل بعدم حصر الزكاة في المنصوص عليه بالسنّة- ما ثبت في السنّة من وجوب الزكاة في أربعة أصناف (٣) فقط: الحنطة، والشعير والتمر والزبيب (٤).
стр. 192
وسكتت السنّة عن كلّ ما عدا هذه الأربعة، (١) ومع ذلك اتفق أصحاب المذاهب الأربعة -ومنهم المانعون للزكاة في الخضراوات- على أن ما تجب فيه الزكاة معلّل وليس توقيفيّاً، بمعنى أنه وإن كان أداء الزكاة في نفسه عبادة فإن ما تجب فيه الزكاة من أصناف مُعلّل وخاضع للقياس، ولذلك نجدهم قد عَدَّوْا الحكم إلى أصناف أخرى غير الأربعة الواردة في السنّة، كلّ بحسب ما رآه علّة لإيجاب الزكاة. وكان الأحرى بالقائلين بعدم وجوب الزكاة في الخضروات لعدم النص عليها الإقتصار على الأصناف المذكورة، وجعل ذلك توقيفيّاً غير معلل، فالقول بتعليل هذا الحكم وتعديته إلى غير الأصناف المذكورة يفسح المجال لتعديته إلى كلّ ما هو مسكوت عنه بما في ذلك الخضروات إذا توفرت فيها العلة.
ونظير هذه المسألة مسألة الربا، فما ورد عن الرسول ﷺ أنه أجرى فيه الربا محصور في الأصناف الستة الواردة في الأحاديث، ولم يثبت عنه أنه أجرى الربا في غيرها، ومع ذلك لم يَعُدّ جمهور العلماء ذلك حصراً للربا في تلك الأصناف، وإنما اعتبروه حكماً معلّلاً يتعدى إلى ما يشترك معها في العلة، كلّ على حسب العلّة التي علّل بها الحكم. (٢)
ويمكن التوفيق بين الحصر الوارد في السنّة وعموم ما ورد في القرآن الكريم من وجوب إخراج الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض، بأن الرسول ﷺ لم يفرض في الخضروات الزكاة لعدم شيوعها وقلة شأنها في ذلك الوقت، وكون ما تنتجه لا يضل عادة إلى النصاب، فلذلك لم ينص عليه ضمن الأصناف التي تجب فيها الزكاة، أو يحمل على أنه إحالة لهم على عموم النصوص.
стр. 193
البَابُ الثَّاني
استخلاص المقاصد من طريق الاستقراء
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: مفهوم الاستقراء وأنواعه
الفصل الثاني: الاستقراء في القرآن الكريم والعلوم الشرعية
الفصل الثالث: الاستقراء عند الإمام الشاطبي
الفصل الرابع: الاستقراء عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور
الفصل الخامس: دراسة تقييمية للإستدلال الإستقرائي
الفصل السادس: دراسة تطبيقية لمسلك الاستقراء
стр. 194
الفَصْلُ الأَوّل
مفهوم الاستقراء وأنواعه
تَمْهِيد
الإستدلال الإستقرائي من مناهج الإستدلال التي ثار حول جدواها في المبحث العلمي نقاش طويل، بين مهوِّن من قيمته، ورافع من شأنه إلى مرتبة إفادة اليقين. والمتتبع للسير التاريخي لهذا الإستدلال يجد أنه شهد تطورات منذ عهد أرسطو إلى عصرنا هذا، سواء في مفهومه أو في ميادين استخدامه.
ويهدف هذا المبحث إلى دراسة القضايا الأساسية الآتية: بيان مفهوم الاستقراء في المنطق القديم والحديث بحكم أن الاستقراء في أساسه مبحث منطقي، وأهم التطورات التي شهدها الإستدلال الإستقرائي، وهل الاستقراء دليل يمكن أن يوصل إلى نتائج يقينية، أم أنه لا يعدو مرتبة التعميمات الظنية؟ ثم تتناول الدراسة الإستدلال الإستقرائي عند علماء المسلمين، مع تخصيص كل من الشاطبي، ومحمد الطاهر بن عاشور بالدراسة، ثم محاولة استجلاء الفروق بين الاستقراء في مجال العلوم الطبيعية التجريبية، والاستقراء في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية.
والغرض من بحث هذه القضايا هو: أولا: تحقيق القول في معنى الاستقراء، وأهميته في المبحث العلمي، وثانيا: الإجابة عن كثير من الإشكالات والإعتراضات الواردة على استخدام الاستقراء في العلوم الشرعية بصفة عامة، وفي الكشف عن مقاصد الشارع بصفة خاصة.
ثم تختم الدراسة بنماذج تطبيقية للإستقراء بوصفه مسلكاً من مسالك الكشف عن مقاصد الشارع.
стр. 195
المبحث الأول
مفهوم الاستقراء
تعريف الاستقراء لغةً:
الاستقراء لغة مأخوذ من الفعل الثلاثي "قرأ"، الذي من معانيه الجمع والضم. جاء في لسان العرب: "قرأت الشيء قرآناً: جمعته وضممت بعضه إلى بعض". (١)
والاستقراء على وزن الإستفعال، مصدر استفعل، وهو أحد أوزان الفعل الماضي الثلاثي المزيد فيه ثلاثة أحرف، ومن معانيه الطلب، نحو استرحمت الله تعالى، أي طلبت إليه الرحمة. (٢)
وعلى هذا يكون الاستقراء مصدر استقرأ، أي طلبُ الجزئيات وتتبعها، وضمُّ
بعضها إلى بعض للحصول على نتيجة كلية.
تعريف الاستقراء اصطلاحاً:
يلاحظ الناظر في تعريف الاستقراء اصطلاحاً وجود اتجاهين في ذلك: اتجاه المنطق القديم الذي يجعل الإستدلال الإستقرائي موازيّاً أو قسيماً للإستدلال الإستنباطي بجعل الأول يسير من الجزئيات إلى الكليات، والثاني يسير في الإتجاه المعاكس، أي من الكليات إلى الحزئيات، أما الإتجاه الثاني فيتزعمه بعض رواد المنطق الحديث، وهو اتجاه يسعى إلى توسيع مفهوم الاستقراء ومجال تطبيقه.
أولاً: الاستقراء في اصطلاح المنطق اليوناني:
يمثِّل أرسطو المؤسس الفعلي للمنطق اليوناني، ومن ثَمَّ فإن أي تعريف بالاستقراء في المنطق اليوناني ينبغي أن يستند إلى أعماله. والناظر في أعمال أرسطو المنطقية يجد أنه لم يحتفِ بالاستقراء احتفاءه بالبرهان والقياس، ذلك أنه جعل الإستدلال
стр. 196
الإستقرائي استدلالًا ساذجًا يستعمل مع العوام، حيث يقول: "والاستقراء هو أكثر إقناعًا وأَبْيَن وأعرف في الحس، وهو مشترك للجمهور فأما القياس فهو أشد إلزامًا للحجة، وأبلغ عند المناقضين"، (١) ويقول: "وقد ينبغي أن فستعمل في الجدل: أما على الجدلين فنستعمل القياس أكثر من استعمالنا إياه مع العوام من الناس، ويجري الأمر في الاستقراء بالعكس: بأن نستعمله في أكثر الأحوال مع العوام". (٢)
وقد عرَّف أرسطو بالاستقراء التام في كتاب "التحليلات الأولى" بجعله يتألف من علاقة قياسية بين حَدٍّ وآخر عن طريق الحدِّ الأوسط، حيث قال: "والاستقراء هو أن يبرهن بأحد الطرفين أن الطرف الآخر في الواسطة موجود، ومثال ذلك أن تكون واسطة (أ) و (ج) هي (ب)، وأن تبين بـ (ج) أن (أ) موجودة في (ب) ... ومثال ذلك أن يكون (أ) طويل العمر و (ب) قليل المرارة، و (ج) الجزئيات الطويلة الأعمار كالإنسان، والفرس، والبغل. ف (أ) موجودة في كل (ج -)؛ لأن كل قليل المرارة فهو طويل العمر و (ب) -أي القليل المرارة - موجود في كل (ج) ". (٣) وبيان هذا المثال في الشكل القياس الآتي:
١ - الإنسان والحصان، والبغل ... إلخ. طويلة العمر
٢ - الإنسان والحصان والبغل .... إلخ. هي كل الحيوانات قليلة المرارة.
٣ - كل الحيوانات قليلة المرارة طويلة العمر
ودليل كون المقصود بهذا النوع من الاستقراء هو الاستقراء التام أنه أشار بعد هذا المثال إلى ذلك، حيث قال: "وينبغي أن نفهم من (ج) جميع جزئيات الشيء العام، لأن الاستقراء لجميع جزئيات الشيء العام يبين النتيجة". (٤)
стр. 197
وفي كتاب الجدل يقدم تعريفًا لما يمن اعتباره الاستقراء الناقص، حيث عرفه بأنه: الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، وذلك في قوله: "الطريق من الأمور الجزئية إلى الأمر الكلي. مثال ذلكُ أنه إن كان الربان الحاذق هو الأفضل، فالأمر كذلك في الفارس، فيصير بالجملة الحاذق في في كل واحد من الصنائع هو الأفضل"، (١) وقوله: " ... أما في حال استعمالك الاستقراء فإنك تتدرج من الأشياء الجزئية إلى القضية الكلية، ومن الأشياء المعروفة إلى التي هي غير معروفة". (٢) فهذا هو الاستقراء الناقص الذي هو انتقال من الجزئيات المعروفة، أي التي شملها الاستقراء، إلى القضية الكلية التي تشمل الجزئيات المعروفة والتي تشبهها مع عدم شمول الاستقراء لها.
ثانيًا: الاستقراء في اصطلاح علماء المسلمين:
الناظر في تعريفات المناطقة المسلمين للإستقراء يجد أنه لا يخرج عن الإطار العام الذي وضعه فيه المنطق اليوناني، وهو الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، لنصل إلى الحكم على الكلي بما وُجِد في الجزئيات. وليس هذا بالغريب إذ إن أعمال أكثر الفلاسفة المسلمين في المنطق هي ترجمات لأعمال أرسطو وشروح وتعليقات عليها. وإن كانت تلك الأعمال لم تخل من انتقادات وتعديلات، وبعض الإضافات، إلَّا أنها في إطارها العام تبقى دائرة في فلك المنطق اليوناني بصفة عامة، والأرسطي بصفة خاصة.
فقد عرفه ابن سينا بأنه: "الحكم على كل بما وُجِد في جزئياته الكثيرة، مثل حكمنا بأن كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الأسفل استقراءً للناس، والدواب البرّية، والطير. (٣)
وقريب من هذا التعريف تعريف أبي حامد الغزالي له بأنه: "أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كل، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات، حكم على
стр. 198
ذلك الكلي به". (١)
وهذه التعريفات -كما سيتبين فيما بعد- هي تعريفات لنوع واحد فقط من أنواع الاستقراء، وهو الاستقراء الناقص.
والملاحظ من خلال التعريفات السابقة سواء عند أرسطو أو عند الفلاسفة المسلمين أنها تمثل اتجاهًا واحدا، وهو الإتجاه الذي يقصر الاستقراء على السير بالإستدلال في جهة واحدة: مما هو أقل كلية إلى ما هو أكثر كلية، فهو ينطلق من دراسة جزئيات أو أفراد تجمعها خصائص مشتركة، وتنضوي تحت كلي واحد، ليصل من خلال ذلك إلى اكتشاف حكم مشترك تتم صياغته في شكل تعميم كلي يشملها ويشمل ما يُشبهها، ويشترك معها في الخوع أو الصنف.
ثالثًا: الاستقراء في اصطلاح المنطق الغربي الحديث:
يرى أصحاب هذا الإتجاه أن تعريفات المنطق اليوناني للإستقراء ناقصة، ولا تمثل إلَّا مرحلة من مراحل العملية الإستقرائية، والاستقراء في رأيهم عملية أوسع من ذلك. وفيما يأتي تعريفات لبعض أعلام هذا الإتجاه:
١ - عرفه جون ستوارت ميل (J.S.Mill) بأنه: "عملية اكتشاف وبرهنة القضايا العامة". (٢) وفي معناه
تريف ويليامز دونالد (Williams Donald) بأنه: "ذلك الضرب
من ضروب الإستدلال، الذي يكشف لنا عن قانون عام، أو يبرهن عليه". (٣)
٣ - أما عند جون ديوي فـ "الاستقراء اسم يطلق على مجموعة طرائق تقرر بها عن حالة معينة أنها تمثل غيرها، وهي عملية يعبر عنها كونُ تلك الحالة المذكورة
стр. 199
نموذجًا أو عيِّنة". (١)
وينتقد جون ديوي المفهوم الشائع للإستقراء من كونه مجرد انتقال من الجزئيات إلى التعميمات الكلية عن طريق الملاحظة ويَسِمُه بالقصور ويراه موروثًا من المنطق القديم لم يَعُد مناسبًا للمناهج العلمية التي يتبناها المنطق الحديث.
فالمنطق القديم (اليوناني) في تطبيقه للمنهج الإستقرائي يكتفي بأخذ الأشياء وصفاتها "كما هي قائمة" (٢) دون أن يُحدث فيها أي تغيير أي أنه يعتمد مجرد الملاحظة أما في المنطق الحديث فإن المستقرئ لا يكتفي بأخذ الأشياء على ما هي عليه، بل كثيرًا ما يتدخل في مرحلة التجربة بإجراء تحويرات تجريبية للأشياء وصفاتها يحوطا بها عن حالتها الطبيعية التي جاءتنا بها. (٣) ويرى جون ديوي أن هذا التدخل عنصر أساس في عملية الاستقراء، وأن أي نظرية تهمل مثل هذه الإجراءات التحويرية نظرية معيبة من أصلها. (٤)
يتبين من خلال تعريفات أصحاب هذا الإتجاه أن الاستقراء في مجال العلوم التجريبية يتم عبر مرحلتين متعاكستي الإتجاه، المرحلة الأولى: يتم فيها ملاحظة وتجميع الجزئيات على حالتها الطبيعية للخروج بفرضية، أو ما يمكن أن نسميه التعميم الإستقرائي، وهذه المرحلة يتم فيها الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، وهي متفقة مع مفهوم الاستقراء عند أصحاب الإتجاه الأول، أما المرحلة الثانية: فتجري في خط معاكس للأول، حيث تتم عملية إثبات التعميم المتوصل إليه في المرحلة الأولى بإجراء سلسلة من التجارب على جزئيات مُعَدَّة إعدادًا للبحث من خلال إخضاعها لظروف وشروط مختلفة، ويكون ذلك التعميم بمثابة الموجه لِمَا عسانا أن نقوم به في هذه المرحلة من مشاهدات وتجارب. وعلى هذا تصير الفروض التعميمات المتوصل إليها
стр. 200
ليست غاية في ذاتها، بل وسائل إلى تحديد المفردات تحديَدًا تجريبيًّا باعتباره الغاية المتحققة بتلك الوسائل. وهذه المرحلة فيها نوع من السير من الكلي إلى الجزئي.
ويرى جون ديوي أن المرحلة الثانية هي الأهم في الإستدلال الإستقرائي، وهي التي تتمثل في إعادة تكوين المفردات التي كانت أساسًا للتعميم إعادة موجهة بغرض تقرير ما يحدث خلال التفاعل الذي يقع في الحالة المفردة الواحدة من خلال فحصها في ظروف متباينة، وتحت شروط متنوعة للوصول إلى الحالة الواحدة التي تمثل عيِّنة نموذجية لمجموعة من التفاعلات أو الإرتباطات، فكأن الاستقراء في هذه المرحلة يسعى إلى اكتشاف القانون العام من خلال عيِّنة نموذجية ليتم تعميمه بعد ذلك على الحالات المشابهة لها. (١) وهذا يشبه عملية تنقيح المناط في مسالك العلة.
وينبغي التنبيه هنا على أن الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الثاني لا يمكن تطبيقه بكامل عناصره على القضايا التاريخية والتشريعية، إذ لا يمحن في مثل هذه الحالات التدخل في الجزئيات المندرجة تحت التعميم الإستقرائي لتوفير عينات معدة إعدادًا خاصًّا للبحث بإيجادها في ظروف مختلفة وتحت شروط معينة؛ إذ هي بالنسبة للحوادث التاريخية حوادث مضت وانقضت، ولا يمكن استرجاعها، وبالنسبة للشرائع، أحكامها ونصوصها قد صدرت، ولا يمكن استنزال نصوص جديدة، وإنما هو الإجتهاد فيها لإعطاء أحكام لما يستجدّ من أحداث، وغاية ما يمكن عمله في هذين المجالين هو تطبيق الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الأول، أي استقراء الجزئيات الموجودة للخروج بنتيجة كلية.
وهنا يتبين أن الاستقراء بمفهومه الثاني هو استقراء خاص بالعلوم الطبيعية والتجريبية، ولا يصلح تطبيقه في العلوم الشرعية.
العلاقة بين الاستقراء والإستنباط.
يسلك العقل البشري في التعرف على الحقائق وإثباتها مسلك الإستدلال، ويتم
стр. 201
هذا الإستدلال وفقًا لأحد طريقين رئيسين: أحدهما الإستدلال الإستنباطي، والثاني الإستدلال الإستقرائي. وقبل الحديث عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط يحسن التعريف بالإستنباط، وتحديد مفهومه بداية لتسهل المقارنة بعد ذلك.
يُعرَّف الإستدلال الإستنباطي بأنه: "انتقال الذهن من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات إلى قضية أخرى هي النتيجة وفق قواعد المنطق". (١)
فالسير الفكري في الإستدلال الإستنباطي يكون من الكلي إلى الجزئي، أو من العام إلى الخاص، ويلاحظ أن النتيجة فيه تكون عادة مستبطَنَة في المقدمات، لذلك فهي دائمًا إمَّا مساوية، أو أصغر من تلك المقدمات. ويمثل الإستدلال القياسي الصورة النموذجية للدليل الإستنباطي. (٢)
وقد أُثِيرَت عدة اعتراضات على هذا التعريف الشائع للإستنباط، من كون سير الإستدلال فيه يكون دائمًا مِمَّا هو أعم إلى ما هو أقل تعميما. وليس هذا موضع مناقشة هذا التعريف ولا الاعترضات الواردة عليه، وتكفي الإشارة هنا إلى أن هذا التعريف ينطبق عادة على الإستنباط في قضايا العلوم الإجتماعية والإنسانية، لكنه ليس كذلك في موضوع الإستدلال الرياضي، الذي نجد فيه نتيجة الإستنباط قد تكون أضيق مفهومًا من المقدمات، وقد تكون مساوية لها، وقد تكون أوسع منها. (٣)
أما عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط، فإن بينيما جملة من الفروق، منها أننا في الاستقراء ننتقل عادة من الجزئيات إلى القانون العام الذي يحكمها، في حين
стр. 202
أننا في الإستنباط نسير سيرًا معاكسًا، أي من القوانين العامة إلى الجزئيات التي تندرج تحتها، وبناءً على هذا يرى البعض تحامل الاستقراء والإستنباط، حيث نقوم عن طريق استقراء المعطيات الجزئية باستنتاج قانون عام، ثم نقوم باختبار هذا القانون العام عن طريق استنباط معطيات منه؛ فإذا تمكَّنَّا من الإستنباط بدون عائق وبدون تناقضات تكون قد تمت البرهنة على صدق ذلك القانون، (١) وعلى ذلك يمكن أن يوصف منطق الاستقراء بأنه منطق الاكتشاف، ومنطق الإستنباط بأنه منطق البرهان.
ومنها أن نتيجة الاستقراء نصل إليها بعد القيام بسلسلة من الملاحظات والتجاوب، وبتعبير جون ديوي يمثل الاستقراء: الإجراءات التي تكون بها تعميمات وجودية، في حين يمثل الإستنباط الإجراءات المختصة بالعلاقات التي تربط القضايا الكلية المجردة في مجرى التفكير النظري. (٢)
ومنها أن نتيجة الإستدلال الإستنباطي يُجزم عادة بصدقها منطقيًّا إذا صحت مقدماتها، ويحون التبرير المنطقي لذلك الجزم تأسيسًا على مبدأ عدم التناقض؛ ذلك أنه لما كانت النتيجة مستبطَنَة في المقدمات، وكانت مساوية لها أو أصغر منها، وجب أن ينتج عن صدقِ المقدمات صدقُ النتيجة ضرووة، لأن افتراض صدق المقدمات دون النتيجة يمثل تناقضًا منطقيّا طبقًا لمبدأ: صدق الكل يقتضي صدق أجزائه، وإلَّا كان ذلك تناقضًا، بخلاف نتيجة الاستقراء الناقص فإنه لا يمكن تبريرها وفق هذا المبدأ. (٣)
ومهما يكن من فروق بين الاستقراء والإستنباط فإن ذلك لا يعني إقامة حد فاصل بينهما، وأن كلًّا منهما يعمل بمعزل عن الآخر بل هما منهجان متعاونان، وفي كثير من الأحيان يحتاج أحدهما للإستكمال بالآخر ويرى جون ديوي أن تكاملها
стр. 203
يتم على النحو الآتي:
يبدأ الباحث بالقيام بعملية الملاحظة وتجميع المعطيات للخروج ببعض الفروض الأولية، وهذه المرحلة استقرائية في طبيعتها، وبعد ذلك يتم تطوير معاني تلك الفروض عن طريق خطوات استنباطية تسير في تفكير نظري مرتب لخصل إلى تعميم استقرائي يمثل فرضية محتملة للصدق، وهذه المرحلة استنباطية في طبيعتها، ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي مرجلة استقرائية، حيث يتم إجراء تجارب عديدة على جزئيات مختلفة في ظروف وشروط مختلفة، منها ما يكون في حالته الطبيعية، ومنها ما يكون قد أدخلت عليه تحويلات تجعله مادة مُعدَّة للبحث. وهدف المرحلة الأخيرة هو اختبار مدى صحة النظرية (التعميم الإستقرائي) التي تم التوصل إليها من خلال المرحلتين الأولى والثانية. (١)
العلاقة بين الاستقراء والقياس المنطقي:
القياس المنطقي هو: "قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا، لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارا". (٢)
ويختلف الاستقراء عن القياس من ناحيتين: من حيث التكوين، ومن حيث الغاية.
أما من ناحية التكوين، فإننا في القياس نستخلص النتائج الجزئية من المقدمات الكلية، أما في الاستقراء فإننا نستخلص النتائج الكلية من الدراسة الإستقرائية للجزئيات.
وأما من حيث الغاية، فإن القياس -بكونه نوعًا من أنواع الإستدلال الإستنباطي- تكون نتائجه يقينية مطلقة إذا صححت المقدمات، أما الاستقراء
стр. 204
الناقص فتكون نتائجه عادة ظنية. (١)
ويرى المنطق الأرسطي أن هناك تعارضًا بين الاستقراء والقياس، حيث يقول أرسطو: "والاستقراء من جهة يعارض القياس، لأن القياس بالواسطة يبيّن وجود الطرف الأكبر في الأصغر، وأما بالاستقراء فيبيّن بالطرف الأصغر وجود الأكبر في الأوسط". (٢)
وفي المثالين الآتيين توضيح للفرف بين طريقتي إنتاج كل من الاستقراء والقياس:
١ - مثال القياس:
هذا الحجر مادة ... الحد الأصغر
وكل مادة تتعرض للجاذبية ... الحد الأوسط
إذًا فهذا الحجر يتعرض للجاذبية ... الحد الأكبر
فالنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأصغر (الحجر).
٣ - مثال الاستقراء:
هذه الأفراد تتعرض للجاذبية .... الحد الأصغر
وهذه الأفراد هي كل أجزاء المادة ... الحد الأوسط
إذًا فكل أجزاء المادة تتعرض للجاذبية .... الحد الأكبر
والنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأوسط (المادة).
تكامل الاستقراء والقياس:
مع ما يراه المنطق الأرسطي من تعارض بين الاستقراء والقياس، إلَّا أنه في الواقع تعارض في طريقة الإنتاج فقط، وليس معناه التعارض المطلق بينهما، بل هما
стр. 205
منهجان -على ما بينهما من فروق- متكملان في الإستدلال، ولا يستغني الواحد منهما عن الآخر في عملية المبحث عن الحقيقة. فالقياس في حاجة إلى استقراء سابق لإثبات مقدماته الكلية، كما أن الاستقراء يحتاج في النهاية إلى عملية قياسية لإثبات النتيجة والتحقق من صدقها، ويتم تكاملهما في جانبين:
الأول: أن الاستقراء هو الذي يمدُّ القياس بمقدماته الكبرى، ومن هذه الناحية
يكون الاستقراء سابقًا للقياس.
وهذه الحقيقة أثارت مشكلة منطقية في نتيجة القياس، إذ المشهور عند المناطقة أن القياس يفيد عادة القطع واليقين إذا سلمت مقدماته، وأن الاستقراء الناقص لا يفيد إلَّا الظن، ولما كانت المقدمات الكبرى للقياس ناتجة في الغالب عن استقراء ناقص -وهي تفيد مجرد الظن- كان القول بإفادة القياس اليقين أمرًا غير مسلَّم، إذ كيف يُنْتج ما بُنِي على ظني يقينًا؟ وربماكان هذا هو الذي دفع ابن سينا إلى إنكار كون المقدمات الأولية للقياس ثابتة بالاستقراء، وإنما هي -في رأيه- ثابتة على أساس وضوحها الذاتي. (١) ولكن هذا المخرج غير مسلَّم، إذ مِنْ أين يأتي هذا الوضوح الذاتي؟ فمصدره في الحقيقة لا يعدو أن يكون إمَّا معارف عقلية قبلية أو بدهيات يسلم بها العقل، وإما أن يكون ناتجًا عن الخبرة التاريخية للإنسان الناتجة عن مشاهدة تكرر هذا الحادث (وهو الاستقراء) حتى صارت هذه القضية من باب المسلمات الواضحة ذاتيًّا، ولا يهم ما آلت إليه هذه القضية، إنما المهم أنها في أصلها نتيجة عملية استقرائية. ثم الواقع يدلنا على أن أصل أكثر مقدمات الأقيسة نتائج استقرائية وإن لم يصرح بذلك، بل هي نتائج استقراءات ناقصة.
وينبني التنبيه هنا على أنه مع كون أكثر المقدمات الكبرى للقياس المنطقي عمومات استقرائية ظنية، لأنها ناتجة عن استقراءات ناقصة، ومن ثم فإن نتيجة القياس ستكون تابعة لصدق هذه المقدمات، إلَّا أن الأمر مختلف في الأقيسة
стр. 206
الشرعية، إذ المقدمات الأولية للأقيسة الشرعية ليست كذلك، فمع كونها في بعض الأحيان عمومات وكليات، لكنها لم تثبت بالاستقراء، وإنما بحكم الشارع، فمثلا القياس الآتي:
كل مسكر خمر ... مقدمة صغرى
كل خمر حرام ... مقدمة كبرى
إذًا فكل مسكر حرام ... النتيجة
إذ انظرنا في التعميمين: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، نجد أن الشارع هو الذي سمى كل مسكر خمرا، وهو الذي حكم على كل خمر بالحرمة. (١)
الثاني: وهي الحالة التي يحتاج فيها الاستقراء إلى القياسي، الذي يأتي ليبني على ما وصل إليه الاستقراء، وليكمل مسيرته ليصل بالنتائج إلى مرحلة أكثر تقدُّمًا من حيث قوة الصدق واليقين. (٢) وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن الفرق بين الاستقراء والتجربة.
العلاقة بين الاستقراء والتواتر:
ينطلق التواتر -كما هو الشأن في الاستقراء- من مصادرة تمثِّل تصديقًا أوليًّا مفاده امتناع تواطؤ عدد كبير من الناس على الكذب، وهو شبيه بما ينطلق منه الاستقراء من كون الإتفاق لا يكون دائمًا ولا مطردا. وهذا التصديق الذي ينطلق منه الإستدلال بالتواتر -باعتباره صرفة عقلية قبلية- هو في الحقيقة تصديق استقرائي وليس تصديقًا عقليًّا أوليّا. ومن هنا يتبين أن القضية المتواترة في الحقيقة ليست إلَّا قضية استقرائية تقوم على أساس المناهج الإستقرائية في الإستدلال. (٣)
стр. 207
ومع كون التواتر يفيد القين في المنطق الأرسطي كما هو الشأن عند علماء الإِسلام، إلَّا أننا نجد علماء أصول الفقه لم يكتفوا بمطلق الشواتر الذي هو"تتابع الخبر عن جماعة مفيدًا للعلم بمخبره"، (١) بل قيدوه بشروط، هي: (٢)
١ - أن يكون كل واحد من المخبرين قد أخبر عن علم لا عن ظن.
٣ - أن يكون علمهم ضروريًّا مستندًا إلى محسوس.
٣ - أن يستوي طرفاه وواسِطته في هذه الصفات.
٤ - أن يتوافر في روايته العدد الذي توقن النفس عادة باستحالة تواطئهم على الكذب.
стр. 208
المبحث الثاني
أنواع الاستقراء
يُقسم الاستقراء إلى تام وناقص، وأساس هذا التقسيم أن الدليل الإستقرائي يُبنى على تعداد الحالات والأفراد، فإذاكان التعداد مستغرقًا لجميع أفراد أو حالات النوع محل الاستقراء اعتُبِر الاستقراء تامًّا، أما إذا لم يشمل التعداد كل الأفراد والحالات فإنه يُعتبر استقراءً ناقصًا.
أولًا: الاستقراء التام
تعريفه: الاستقراء التام هو: "أن يستدل مجميع الجزئيات ويحكم على الكل". (١)
فهو الاستقراء الذي يتم فيه استيعاب جميع جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع الحث، بالنظر والدراسة العلمية، للوصول من خلال ذلك إلى حكم كل يحكم به على جميع تلك الجزئيات.
نتيجة الاستقراء التام:
تكون -عادة- نتيجة الاستقراء التام يقينية إذا توافرت شروط ذلك. وهناك عاملان يتحكمان في يقينية نتيجة الاستقراء التام، هما: الأول: مدى قطيعة ثبوت الحكم للجزئيات المستقرأة عند إجراء عملية الاستقراء، أي هل الحكم المنسوب إلى كل جزئية من الجزئيات المستقرأة مقطوع به أم لا؟ والثاني: مدى إمكانية الجزم بعدم وجود جزئي آخر غير الجزئيات المستقرأة. فإذا كان ثبوت ذلك الحكم لتلك الجزئيات قطعيًّا، وجزمنا بعدم وجود جزئي آخر غير تلك التي تَمَّ استقراؤها كانت نتيجة الاستقراء يقينئة، أما إذا كان ثبوث الحكم للجزئيات ظنيًّا، وكان القول بعدم وجود جزئيات أخرى ظنيًّا أيضًا، أو كان أحد العامبين فقط ظنيًّا، فإن نتيجة
стр. 209
الاستقراء ستكون ظنية (١)
إمكانية وجود الاستقراء التام:
يرى البعض أنه من العسير الوصول إلما استقراء تام لأن استقراء الأفراد مهما كان شاملًا ومستوعبًا فإنه لا يمتد خارج نطاقا الأفراد الموجودة فعلا، أما الأفراد الممكنة الوجود، أي التي لم توجد بعد ويحتمل وجودها في المستقبل، فإنها غير مشمولة يهذا الاستقراء، ووجودها يؤدي إلى خروج الاستقراء عن كونه تامّا (٢). كما أن شمول الاستقراء الكامل محدود زمانًا باللحظات التي تَمَّ فيها الاستقراء، ولا يمتد إلى الأوقات الأخرى التي يمكن أن يتغير فيها الحكم على الأفراد تبعًا لتغيَر حالاتها. وإذا أردنا أن نحكم بثبوت هذا الحكم ونقطع به فإننا نحتاج في ذلك إلى استقراء آخر لكل فرد من الأفراد المستقرأة في جميع أوقات وجوده لنتأكد من عدم تغير حكمه بتغير الزمن، وهو أمر عسير وقد يؤدي إلى توقف عملية الاستقراء.
نقد الاستقراء التام:
فضلًا عن التشكيك في إمكانية وقوع الاستقراء التام، فقد انتُقِدَ بكونه استقراءً شكليا، لا يقصد منه سوى زيادة عدد إلى عدد، وتركيب لشيء فوق الشيء، ليسهل اقعبير عنها جميعًا. فنحن لا نضيف بهذا النوع من الاستقراء علمًا جديدًا إلى معلوماتنا، وإنما الأمر لا يعدو تجميع الجزئيات المستقرأة، والتعبير عنها جميعًا بكلمة واحدة. وعلى الرغم من أنه يعطينا صورة استدلالية، إلَّا أنها لا تعطينا القدرة على التنبؤ بما يقع في المستقبل من حوادث وعلاقات، وتلك في الأصل هي الغاية من الاستقراء. (٣)
فالاستقراء التام لا تفيد نتيجته معرفة جديدة، بل هي مجرد تلخيص لما هو
стр. 210
موجود في المقدمات، أو هي تقرير لما سبق تتبعه وملاحظته.
ومن هنا ذهب البعض إلى أن الاستقراء التام لا يعتبر في الحقيقة استقراء، بل هو استنباط، لأن النتيجة فيه تجيء مساوية لمقدماتها، ومن ثم ليس فيه انتقال من الخاص إلى العام. (١)
والواقع أنه مع كون نتيجة الاستقراء الكامل مساوية لمقدماتها إلَّا أن فيه نوعًا من الإنتقال من الخاص إلى العام، إذ يتم فيه الإنتقال من آحاد الأفراد والحالات المستقرأة إلى حكم يعمُّ كل تلك الأفراد، فنحن نَتَتَبَعّ صفة معيَّنة في مجموعة من الأفراد، ثم نتتبَّع تلك الأفراد في انتمائها لنوع واحد، لنستخلص من ذلك أن تلك الصفة ملازمة لجميع أفراد النوع. (٢) ولئن كانت نتيجة الاستقراء التام أقل عمومًا من نتيجة الاستقراء الناقص، إذ هي الاستقراء التام تشمل الحالات المستقرأة فقط، وفي الاستقراء الناقص تشمل الحالات المستقرأة وما هو موجود أو يمكن أن يوجد من مثيلاتها، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه نوعًا من أنواع الاستقراء.
ويمكن القول بأن الانتقادات المشككة في جدوى الاستقراء التام، إنما تصدق على مجال المبحث في العلوم الطبيعية، وليس معنى ذلك أنه لا يفيد في ميادين العلم الأخرى، خاصة العلوم الشرعية.
فوائد الاستقراء التام:
مع ما وجه للإستقراء التام من انتقادات فإنه يحقق فوائد تتمثل في الآتي:
١ - التثبت من أن ما سبقت ملاحظته في آحاد جزئياتِ كل ما تعمّ كل جزئياته.
٢ - تحقيق الإقتصاد في التفكير بتجميع الجزئيات وإدراجها تحت قاعدة عامة، ولولا وجود الاستقراء الإحصائي لأصبحنا نعيش في فوضى الجزئيات التي لا ضابط لها ولا رابط.
стр. 211
٣ - مساعدته في الإستعمالات الرياضية التي تفكك الوقائع وتُحِيلُهَا إلى كميات تخضع للعمليات الرياضية المختلفة، ويمكن قياسها بمختلف المقاييس مما يساعد على تحصيل نتائج أدق وأوثق. (١)
ثانيًا: الاستقراء الناقص:
تعريفه: الاستقراء الناقص هو أن يستدل بأكثر الجزئيات فقط، ويحكم من خلالها على الكل. (٢) فهو"الذي تدرس فيه بعض جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع المبحث، وتعتبر فيه النماذج المدروسة أساسًا تقاس عليه بقية الأجزاء أو الجزئيات". (٣)
مشكلة الاستقراء الناقص:
لما كان الاستقراء الناقص انتقالًا من جزئيات محدودة إلى نتيجة كلية تشمل تلك المقدمات وزيادة، ثار السؤال الآتي: هل صدق الجزئيات المستقرأة يقتضي ضرورةً صدق النتيجة الكلية؟ ولا شك أن الجواب المنطقي سيكون بالنفي؛ إذ الزيادة على المقدمات التي تشتمل عليها النتيجة قد تكون صادقة، وقد تكون غير ذلك، وليس هناك دليل قطعي على صدقها، ومن ثم يبقى صدق التعميم الإستقرائي ظنيًّا. (٤) ولا يمكن أن يُبَرَّر صدق نتيجة هذا النوع من الاستقراء بمبدأ عدم التناقض، لأنه لا تناقض بين صدق المقدمات المستقرأة وخطأ النتيجة، إذ قد يكون مرجع الخطأ إلى الزيادة التي لم تتضمنها المقدمات.
ومن هنا كانت نتيجة الاستقراء الناقص تفيد الظن فقط، نظرًا للفجوة التي يتركها القفز من مجموعة من الجزئيات إلى تعميم كلي، الأمر الذي جعل البعض يقلل من أهمية هذا النوع من الاستقراء في مجال الكشف عن الحقائق واكتساب المعارف.
стр. 212
وهو الأمر الذي اشتهر عند المناطقة وعلماء المناهج باسم "مشكلة الاستقراء".
وبناءً على ما سبق تعرض الإستدلال الإستقرائي إلى عدة طعون يمكن إرجاعها إلى أمرين:
الأول: اعتماده على مصادرات غير مبرهنة، وإنما مأخوذة باعتبارها معارف عقلية قبلية مسلَّمة، ووجود مثل هذه المعارف القبلية أمر غير مسلَّم لدى بعض المذاهب الفلسفية، مثل المذهب التجريبي.
الثاني: كون بعض الاستقراءات إحصائية ظاهرية، مبنية على مجرب الطرد دون اعتبار لمبدأ السببية والعلية، وهي استقراءات يسهل خرقها بتخلف كثير من الأفراد عن الدخول تحت نتائجها.
ويمكن تلخيص ما اصطلح على تسميته (مشكلة الاستقراء) فيما يأتي:
إنه منِ أجل إعطاء مصداقيّة علميّة لنتيجة الاستقراء، حيث يمكين اعتمادها
قانونًا عامًّا يجب التأكد من توافر ثلاثة مبادئ:
١ - يحب إثبات مبدأ السببية العامة، أي إثبات أن لكل ظاهرة طبيعية سببًا، إذ من غير ذلك يصبح من المحتمل أن يكون تلازم شيئين من الجزئيات المستقرأة (كتلازم تمدد الحديد ووجود الحرارة مثلًا) غير مرتبط بأي سب، وإنما هو وجود تلقائي، وإذا كان وجوده طرديًّا فليس من الضروري أن يتكرر.
٢ - ولا يكفي إثبات مبدأ السببية العامة، وإنما ينبغي على الدليل الإستقرائي -بعد إثبات ذلك- أن يثبت أن سببًا بعينه هو الذي كان وراء هذه الظاهرة (مثل كون الحرارة وحدها السبب في تمدد الحديد)، لأن مجرد الإقتران لا يكفي دليلًا على كونه السبب الحقيقي أو الوحيد، بل يحتمل أن يكون وجوده قد صادف تأثير السبب الحقيقي.
٣ - إثبات مبدأ التناسق والإطراد، الذي يقتضي بأن الكون يسير على نسق واحد لا يتغير، وأن ما حديث في الماضي بعلة من العلل سيتكرر في الحاضر والمستقبل على
стр. 213
نفس النحو مع وجود نفس العلة. (١)
ولما كان الاستقراء الناقص وسيلة من أبرز وسائل المبحث، لا يمكن الاستغناء عنه سواء في المبحث العلمي أو في الحياة العملية اليومية كان محل عناية من قبل المناطقة، والفلاسفة، وعلماء المناهج، محاولين إيجاد حلول منطقية للمشكلات التي تحول دون الوصول بنتيجته إلى العلم اليقيني أو إلى ما يقرب من ذلك.
وفيما يأتي فرض لخلاصة موقف مختلف المذاهب الفلسفية من هذه المشكلة، والمنهج الذي اتبعه كل مذهب لمحاولة حل هذه المشكلة، وبالتالي الوصول إلى تسويغ منطقي لصدق نتيجة الاستقراء الناقص.
أولًا: موقف الفكر الأرسطي من مشكلة الاستقراء:
لقد أدرك الفكر الأرسطي عُسر إيجاد جواب منطقي شاف ومقنع لهذه المشكلة، فاتجه في حلها إلى افتراض قضايا عقلية قبلية غير مبرهنة، وذلك بناءً على إيمانه بوجود معارف عقلية قبلية مستقلة عن الحس والتجربة.
- أما العنصر الأول من مشكلة الاستقراء فقد حله الفكر الأرسطي بالقول بمبدأ السببية الذي يقتضي أن لكل حادثة سببا، واعتباره مبدأً عقليًا لا يحتاج إلى إثبات أو برهان.
- أما العنصر الثاني منها فقد استعان في حله بمبدأ عقلي قبلي ينفي أن يكون اقتران الظاهرتين مجرد صدفة، ومفاده أن الإتفاق (الصدفة) لا يكون دائميًّا ولا أكثريّا، بمعنى أنه إذا تحرر اقتران شيئين في جميع الأحيان أو أكثرها، فإن ذلك لا يمكن أن يكون لمجرد الإتفاق (الصدفة)، بل لوجود رابطة سببيّة، فكلما وُجد هذا السبب أنتج مسبَّبَه.
- أما العنصر الثالث منها فقد حله باعتماد قضية عقليّة مستنبطة بطريقة برهانية من مبدأ السببيّة، مفادها أن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج
стр. 214
متماثلة. (١)
التجربة والاستقراء الناقص في الفكر الأرسطي:
مع كل ما سبق من محاولات لتخطي مشكلة الاستقراء الناقص، إلَّا أن المنطق الأرسطي بقي على رأيه في أن الاستقراء الشاقص لا يفيد سوى الظن، فهو منهج استدلالي قاصر، ومن ثَمَّ كان الفكر البشري في حاجة إلى منهج يصل بالإستدلال إلى مرتبة تحصيل نتائج يقينية أو قريبة من ذلك. ومن أجل الحصول على ذلك حاول المنطق الأرسطي التقدم بنتيجة الاستقراء مرحلةً أخرى ليصل إلى ما اصطلح على تسميته "التجربة".
والتجربة في الفكر الأرسطي تتكون من استقراء تلازم شيئين في جميع الحالات أو أغلبها، واستنتاج وجود رابطة سببية بينهما اعتمادًا على المبدأ العقلي القبلي القائل بأن الصدفة لا تكون دائميّة ولا أكثريّة، ثم يجمع بينهما باستدلال قياسي صورته:
اقتران (أ) بـ (ب) دائما أُو كثير ... صغرى القياس (ثبتت بالاستقراء)
الإتفاق بين شيئين لا يكون دائميًّا ولا أكثريًّا ... كبرى القياس (ثبتت بمبدأ عقلي قبلي)
إذًا لابد أن يكون (أ) سببًا لـ (ب) ... نتيجة القياس
فالتجربة في المنطق الأرسطي تتلخص في القانون الآتي:
التجربة = استقراء مبدأ عقلي قبلي قياس منطقي كامل
ومن ثَمَّ يكون الاستقراء الناقص مجردَ تعبير عددي عن العيِّنات التي كانت محل الاستقراء، (٢) في حين تجمع التجربة بين نتيجة الاستقراء ومبادئ عقلية قبليَّة في شكل قياس منطقي كامل يثمر نتيجة كلية. (٣)
ويرى أتباع المنطق الأرسطي أن التجربة بهذا المفهوم تفيد العلم واليقين، على
стр. 215
عكس الاستقراء الناقص الذي لا يفيد إلَّا الظن، وفي ذلك يقول الرازي في تعليقه على شرح الإشارات والتنبيهات: "عسى سائل أن يقول: ليست التجربة إلَّا مشاهدات متكررة، كما أن الاستقراء أيضًا مشاهدات متكررة، فكيف أفاد التجربة اليقين دون الاستقراء؟ فالجواب: إنه إذا تكررت المشاهدات على وقوع شيء، وعلم بالعقل أنه ليس اتفاقيًّا، إذ الاتفاقات لا تكون دائمة ولا أكثرية، كانت التجربة مفيدة لليقين، وإن لم يعلم ذلك واستدل بمجرد المشاهدات الجزئية بدون ذلك القياس على الحكم الكلي كان استقراءً ولا يفيد اليقين". (١)
والخلاصة أن المنطق الأرسطي لا يعتبر الاستقراء الناقص بمفرده مفيدًا للعلم ولا سبيلًا يمكن التوصل به إلى التعميم، ولكنه يمكن أن يكون كذلك إذا دعم بمبادئ عقلية قبلية، ليشكل المجموع قياسًا منطقيًّا كاملًا يبرهن على وجود علاقة سببية، ليثبت حكمًا كليًّا يقينيًا وصالحًا للتعميم على كل الحالات المماثلة. وهكذا يتبين أن كل استدلال استقرائي مرده إلى قياس يشتمل على مقدمتين: كبراهما عقلية قبلية، وصغراهما تمثل نتيجة استقراء مجموعة من الأفراد أو الحالات. ومعنى هذا أن الوظفية المباشرة للإستقراء الناقص -في رأي المنطق الأرسطي- هي تقديم صغرى القياس.
ثانيًا: موقف المذهب التجريبى من مشكلة الاستقراء:
المراد بالمذهب التجريي: المذهب الذي يعتبر التجربة والحس المصدر الأساس للمعرفة، وهو بهذا المعنى يعتبر مقابلًا للمذهب العقلي. (٢)
وأهم ما يميز المذهب التجريبي عن المذهب العقلي أن الأول لا يؤمن بوجود معارف ومبادئ عقلية قبلية مستقلة عن التجربة والمعرفة الحسية، في حين يؤمن الثاني بإمكانية وجودها.