← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16884

طرق الكشف عن مقاصد الشارع

نعمان جغيم

Полный текст (338 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثالث وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي تمهيد طبيعة النص الشرعي ومستويات فهمه النص (١) الشرعي نص لغوي في أصله، ومن ثَمّ فهو محكوم بقواعد اللغة وقوانينها. ففهمه يعتمد أساسًا على اللغة، واللغة بحكم كونها أداة التخاطب والتفاهم بين الناس تكون محكومة بما تواضع عليه أهل تلك اللغة من معان في استعمال ألفاظها، وبما اعتادوه من أساليب للتعبير عن مقصوداتهم، وبالظروف والملابسات التي تحفّ بالخطاب. ولمّا كان أي نصّ من النصوص مركّبًا من مجموع كلمات صدرت في مقام من المقامات، وقَصَد بها قائلها التعبير عن معنى أو مجموعة من المعاني، فإننا لا يمكن أن نفهم النص فهمًا سليمًا إلّا من خلال التدرّج في ثلاثة مستويات: الأول: هو التعامل مع الكلمات على المستوى الإفرادي بمعرفة "المعنى المعجمي" (٢) لكل كلمة من كلمات النص، وهو عادة ما يكون معنى متعدِّدا. الثاني: التعامل مع الكلمات على المستوى التركيبي، ويكون ذلك على محورين: الأول تحديد "المعنى الوظيفي" (٣) للكلمة، ويتمّ ذلك من خلال تحديد قرائن التعليق

стр. 72

(العلاقات السياقية بين كلمات النص)، والثاني تحديد "المعنى الدلالي" (١). ومهمة هذا المستوى من التعامل هي حصر معاني الألفاظ في أضيق نطاق ممكن بتقوية معنى أو أكثر من المعاني المعجمية لِلَّفْظِ، واستبعاد معنى للفظ هو وضعه في "مقال" صادر في ضوء "مقام". فالذي ينفي عن معناها التعدد هو فهمها في ضوء السياق الذي وردت فيه؛ لأن الكلام لا بُدَّ أن يحمل من القرائن المقالية (اللفظية)، والمقامية (الحالية) ما يعيّن معنًى واحدًا لكل كلمة. (٢) وكذلك المعنى الوظيفي الذي تعبِّر عنه المباني الصرفية يتّسم -بطبعه- بالتعدد والاحتمال، فالمبنى الصرفي الواحد صالح لأن يُعَبِّر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامةٍ ما في سياقٍ ما. فالمصدر مثلاً يمكن التعبير به عن عدة معاني: فهو ينوب عن الفعل مثل قولنا إكرامًا زيدا، أي أكرم زيدا، ويؤكد الفعل كأكرمته إكراما، ويبيّن سبب الفعل كأكرمته احتراما، وينوب عن اسم المفعول نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]، أي مكذوب، وينوب عن اسم الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]، أي غائرا، ويكون بمعنى الظرف نحو آتيك طلوع الشمس. وما تكون موصولة، ونافيّة، وكافّة، ومصدريّة ظرفيّة، واستفهاميّة، وتعجبيّة، وشرطيّة. (٣) والذي يحدد معنى المبنى الصرفي في النص هو القرائن اللفظية، والمعنوية، والحالية. وبعد التعرف على المعنى المعجمي، والمعنى الوظيفي للكلمة يتكون لدينا المعنى اللفظي أو"معنى المقال"، ولكن الفهم الكامل للنص لا يمكن أن يتحقق إلّا بعد

стр. 73

التعرُّف على المعنى المقامي الحاصل من خلال ضمّ القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية، ليتكوَّن من ذلك كله ما يسمى بالمعنى الدلالي. فالمعنى الدلالي -إذًا- هو حصيلة تركيب المعنى الوظيفي مع المعنى المعجمي مع القرائن الحالية التي صاحبت الخطاب. ويمكن صياغته في القانون الآتي: المعنى الدلالي = المعنى المعجمي + المعنى الوظيفي + المقام (القرائن اللفظية والحالية). ومع كل هذا، يبقى المعنى المستنبط -في أكثر الأحيان- ظنيّا؛ لذلك قيل إن أكثر كلام العرب من قبيل الظاهر, وأن النص -بمعناه الأصولي- قليل فيه، ولذلك نجد أكثر الأدلّة الشرعيّة إِمَّا مِنْ قَبِيل الظاهر أو المجمل لما يتطرق إليها من احتمالات. أمّا المجمل فإنه يحتاج إلى مبيِّن يبيِّنه، وأما الظاهر فإن الأصلَ فيه أن يُحمل على ظاهره، لكنه لمّا كان يقبل التأويل فإنه قد يدخله التأويل، والذي يحدد المعنى المقصود منه هو ما يحفّ به من قرائن مقالية وحالية. (١)

стр. 74

المبحث الأول العناصر التي تتحكم في فهم الخطاب من أجل بيان وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من النصوص الشرعية لا بُدّ من الحديث عن العناصر التي تتحكم في فهم خطابٍ ما. يمكن تحديد العناصر المتحكمة في فهم الخطاب وتحديد المقصود منه في أربعة عناصر, هي: الخطاب، أي نص الخطاب وهو راجع إلى طبيعة اللغة التي تَمَّ بها التخاطب، وحال المخاطِب، وحال المخاطَب، ومقام الخطاب. يقول الإمام الشاطبي: " ... معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطَبين، وبحسب غير ذلك ... ". (١) المطلب الأول لغة الخطاب العنصر الأول الذي يتحكّم في فهم المقصود من الخطاب هو نوع اللغة التي تَمّ بها الخطاب، من حيث مدى وضوحها أو غموضها. فكلّما كانت لغة الخطاب أكثر سهولة ووضوحًا كان إدراك المقصود منها أيسر, وبالعكس. ويتحكم في مدى وضوح لغة الخطاب أو غموضها عاملان: الأول: نوع الكلمات التي يختارها المخاطِب والأسلوب الذي ينظمها فيه، ومدى قدرته على الإفصاح عن مقصوده بأيسر طريق، وسيتم الحديث عن هذا في العنصر الثاني من العناصر المتحكمة في فهم الخطاب، أي المخاطِب. والثاني: هو طبيعة اللغة نفسها، فليست كلّ أساليب اللغة تدلّ دلالة واحدة لا تحتمل شكًّا في مقصود المتكلم من لفظه، بل الواقع أن دلالة اللفظ الواحد أو العبارة الواحدة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في تطرّق الإحتمال إلى المراد بها، فمنها ما يحتمل معنى

стр. 75

واحدًا (وهو المصطلح عليه في أصول الفقه بالنص)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى على التساوي (وهو المصطلح عليه بالمشترك) (١)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى بعضها أرجح من الآخر (وهو المصطلح عليه بالظاهر)، ومنها ما يُشْكِل المراد منه ويحتاج إلى بيان من المتكلم نفسه، (٢) أو من خلال المبحث عن قرائن خارجية (٣) كما هو مُبَيَّنٌ في مراتب دلالة الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء في مباحث علم أصول الفقه. (٤) فهم اللغة على معهود العرب: لَمّا كانت اللغة -سواء بمفرداتها أو بتراكيبها- تمثّل تواضع أصحاب اللغة على

стр. 76

استعمال ألفاظ مخصوصة في معاني مخصوصة والتعبير عنها بتراكيب مخصوصة، وكان ذلك يختلف من لغة إلى أخرى، كان من اللازم فهم كلّ لغة على وفق معهود أصحابها. (١) والقول بلزوم فهم النصوص الشرعية على معهود العرب في لغتها لا يكون فقط في معاني الألفاظ بأن لا تُحْمل على غير ما تعارف عليه العرب من معاني لها، بل في إدراك أساليب العرب في خطابها أيضًا. فمعرفة ما تواضعت عليه العرب من معاني للألفاظ يعين في الوصول إلى المعنى الإفرادي للألفاظ، ومعرفة ما تواضعت عليه العرب من أساليب في الخطاب يعين على تحديد المعنى التركيبي لنصوص القرآن الكريم والسنّة المطهرة. وقد اختلف اللغويون والأصوليون في دلالة الكلام المركّب: هل هي وضعيّة، بمعنى أن كلّ الصيغ التركيبية وضعها أهلُ اللغة ويجب الإلتزام بها، أم أنها عقلية، بمعنى أن تركيب الكلمات لأداء معنًى ما يتم بإدراك العقل وباختيار المتكلّم، لا بالنقل والسماع، والتحقيق هو ما ذهب إليه الزركشي من أن أنواع المركبات وضعية، أما جزئيات تلك الأنواع فهي عقلية يختار منها المتكلّم ما يناسب مقصوده. (٢) والمقصود بأنواع المركبات أساليب التعبير والعلاقات السياقية (قرائن التعليق) مثل وضع باب الفعل لإسناد كلّ فعل إلى من صدر منه، وتقديم الفعل على المفعول به، وأساليب الإستفهام، والحصر, والتعجب، وغيرها. ولمّا كان القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وكان في غاية البيان واليسر لهم مصداقا لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، كان من اللازم أن يكون مفهومًا للعرب، ولا تفهمه العرب إلّا إذا كان على معهودها في التخاطب، فمن رَامَ فهمه على غير ذلك السَّنَنِ فقد شطّ.

стр. 77

ومعرفة معهود العرب في التخاطب مُهِمّ في فهم كثير من النصوص القرآنية، خاصة فيما يتعلق بالعموم والخصوص، والتقديم والتأخير والظهور والخفاء، والإضمار والحذف، والتأكيد والإستثناء، وغير ذلك. فَمِمّا عهدته العرب في خطابها -مثلاً- استعمال اللفظ العام وقصد الخصوص، واستعمال اللفظ العام وقصد الخصوص من وجه والعموم من وجه آخر, وغير ذلك مما أشار إليه الإمام الشافعي في رسالته، حيث يقول: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها عك ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وإن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًّا ظاهرًا يُراد به العام الظاهر ويُستغنى بأول هذا منه عن آخره. وعامًّا ظاهرًا يُراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامًّا ظاهرًا يُراد به الخاص. وظاهرًا يُعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكلّ هذا موجودٌ عِلْمُه في أوّل الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يُبِينُ أوّلُ لفظِها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يُبِينُ آخرُ لفظِها منه عن أوَّله. وتكَلَّمُ بالشيء تُعرِّفُه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تُعرِّفُ الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جهالتها. وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالإسم الواحد المعاني الكثيرة. وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به -وإن اختلفت أسباب معرفتها- معرفةً واضحةً عندها، ومستنكرًا عند غيرها، ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلّفَّ القولَ في علمها تكلُّفَ ما يجهَلُ بعضه. ومن تكلَّف ما جهل وما لم تُثْبِتْه معرفتُه: كانت موافقتُه للصواب -إنْ وافقه مِن حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ

стр. 78

معذورٍ, إذْ ما نطق فيما لا يحيطُ علمهُ بالفرق بين الخطأ والصواب فيه". (١) ومن هنا عُدَّ العلم باللغة العربية وثقافة أهلها شرطًا فيمن يتصدى لتفسير كلام الله تعالى وبيان المقصود منه، يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: "إن القرآن الكريم كلام عربي فكانت قواعد اللغة العربية طريقًا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم ... ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي، وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو, والمعاني والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المُتَّبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين". (٢) والمقصود بكون القرآن الكريم عربيًّا أنه عربيٌّ لفظًا ومعنى، بمعنى أنه لا يمكن أن يؤخذ منه من المعاني إلّا ما يقتضيه كلام العرب؛ إذ المعنى تابع لِلَّفْظِ وهو مدلوله، ولا يوصف كلام بكونه عربيًّا لمجرد موافقة رسمه رسمَ الخط العربي. فالنسبة إنما هي رابط بين شيئين، فإذا انعدم الرابط صارت النسبة افتراء، ومن ثَمّ فإن كلّ معنى يُنسب إلى لفظ أو تركيب وهو لا يحتمله لا يكون أولى من نسبة ضده

стр. 79

إليه. (١) فلا يمكن أن يؤخذ من اللفظ معنى إلّا إذا كان ذلك المعنى مستعملاً عند العرب في مثل ذلك اللفظ. وقد مَثّل الشاطبي لذلك بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فتفسير السُّكر بالسُّكر الحقيقي أو سُكْر النوم مقبول، لأن اللفظ مُسْتَعْمَل عند العرب في كليهما: في الأول بالحقيقة، وفي الثاني بالمجاز, أما لو فُسِّر على أنه سُكْر الغفلة والشهوة وحُبّ الدنيا لم يكن هذا التفسير مقبولا، وكذلك لو فُسِّر لفظ الجنابة هنا بالتدنس بالذنوب، ولفظ الإغتسال بالتوبة، فهو غير معتبر؛ "لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع ولا عهد لها به" (٢) والقرآن أنزل بلسان العرب. وتتضح أهمية معرفة أساليب العرب في الخطاب في الإستعانة بذلك في الترجيح بين الإحتمالات الواردة في معنى نص من النصوص، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. فعطف ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾ على ﴿قَوْمٌ﴾ يحتمل أن يكون عطفَ مباين، أو عطفَ خاص على عامّ. وقد دعّم من رجّح كونه عطفَ مباين -أي كون "قوم" هنا خاصة بالرجال- مذهبه بقول زهير بن أبي سلمى: وما أدري وسوف إِخَالُ أدري ... أَقَوْمٌ آل حِصْن أم نساء (٣) وكذلك في بيان ما قد يشكل من ألفاظ، ومن ذلك أنه لما أشكل على عمر بن الخطاب ﵁ معنى "التخوّف" في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧]، سأل الحضور من أهل اللسان فأجابه شيخ من هذيل قائلاً: هذه لغتنا،

стр. 80

التخوف التنقص (١) فقال عمر: وهل تعرف العرب ذلك في كلامها؟ قال: نعم. قال أبو كبير الهذلي، يصف ناقة تنقّص السيرُ سنامها بعد تَمْكِهِ واكتنازه: تَخَوَّفَ الرَّجُل منها تَامِكًا قَرِدًا ... كما تَخَوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٢) فقال عمر: "أيها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم". (٣) المطلب الثاني المخاطِب (المتكلّم) يمثل المخاطِب العنصر الثاني من العناصر المتحكمة في فهم الخطاب، فهو الذي يتحكّم إلى حدّ كبير في مدى وضوح خطابه أو غموضه، وذلك من خلال جوانب أربعة: أولها: قدرة المخاطِب على التعبير عمّا يريد تبليغه للمخاطَبين، فالمتكلمون يتفاوتون في مدى القدرة على البيان، وتضمين الخطاب ما يحتاجه السامع من علامات مساعدة على تحديد المقصود منه، فعلى قدر تمكّن المخاطِب من ناصية اللغة يكون بيانُه، ومن هنا وُصِفَ بعض المتكلّمين بالفصاحة والبلاغة. وهذا العنصر متوفِّر بكماله في كلًّ من النصوص القرآنية والحديثية. فالقرآن الكريم هو المعيار في اللغة، ويكفيه أنه أعجز العرب عن الإتيان بمثله، والرسول ﷺ كان أفصح العرب، وقد أُوتِيَ جوامع الكَلِم. وثانيها: نوع الألفاظ التي يختارها المخاطِب، فالألفاظ تتفاوت في مدى وضوحها

стр. 81

بدءًا من أعلى رتبة وهي النص إلى أدناها وهو المتشابه، (١) وبينهما الظاهر والخفي، والمشكل، والمجمل. فكلّما تحرّى المخاطِب الألفاظ التي دلالتها أكثر وضوحًا كان إدراك المقصود من خطابه أيسر, وبالعكس. ولكن -كما سبقت الإشارة- فإنه لمّا كانت معظم نصوص اللغة العربية محتملة، وكان النص (بمعناه الأصولي) فيها عزيزا، فإنه مهما تحرّى المخاطِب الوضوح في الألفاظ فإنه لا يمكن التخلص من عنصر الإحتمال. وبالنسبة لهذا العنصر, فمع أن النصوص الشرعية لم تَقْصِد إلى الإغراب في الكلام، إلّا أن طبيعة اللغة ذاتها من جهة، وورود ألفاظ القرآن الكريم على لغةِ أكثرَ من قبيلة من قبائل العرب من جهة ثانية جعل ألفاظه لا تخلو مما قد يُشْكِل معناه على بعض أصحاب اللغة أنفسهم، مثل ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في لفظ "الأبّ" في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٢)، و"التخوّف" في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٣). وقد تنشأ الغرابة من نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى شرعيّ، فيصير اللفظ مُجمَلاً يحتاج إلى بيان من قِبَل الشارع نفسه، كما هو الحال في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها. وثالثها: إرادة المخاطِب، فمع أن الأصل في المخاطِب أن يسعى قدر الإمكان إلى إفهام المخاطَبين بأن يكون معنى كلامه محدّدًا، إلّا أنه قد يقصد أحيانًا إلى استعمال بعض الألفاظ المبهمة التي يتعذر إدراك حقيقة معناها، أو بعض الألفاظ المحتملة لأكثر من معنى لحكمة يريدها الشارع. ومثال الأول ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ متشابهة في مجال العقيدة بغرض اختبار إيمان المخاطبين، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ

стр. 82

مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. وينبغي التنبيه هنا إلى أن ما ورد في الشرع من نصوص متشابهات لا يتعلق بفهم المقصود منها تكليفٌ، والتكليف إنما هو بالإيمان بها والتسليم لها على ما هي عليه من تشابه. ومثال الثاني ما يستعمله الشارع من ألفاظ محتملة لأكثر من معنى سواء في حال كونها مفردة أوفيما وردت فيه من سياق، وذلك -كما قيل- لتكثير المعاني التي يمكن أن تؤخذ من القرآن الكريم. (١) ورابعها: حال المخاطِب، فحال المخاطِب أثناء الخطاب لها مكانة بارزة في فهم المقصود من خطابه، حيث إن المخاطِب عادة ما يصاحب خطابَه علاماتٌ تظهر عليه، وإشاراتٌ تصدر منه تساعد في فهم الخطاب. فاللغة عادة أضيق من الفكر، ومن ثَمَّ يلجأ المتكلّم أحيانًا إلى الإشارات والحركات للتعبير عن بعض المعاني، أو استكمال ما قد يشعر به من قصور في الألفاظ عن التعبير عمّا يقصده، كما أن الرغبة في التأكيد، أو الإختصار، أو التعبير عن الشعور الداخلي، أو إظهار أهمية الشيء وعظمته قد تستدعي من المتكلّم إشفاع خطابه بحركات، وإشارات، وعلامات تظهر على الوجه لتبليغ ما يريد إبلاغه للسامع. ومعرفة حال المخاطِب عند صدور الخطاب ضرورية لحسن إدراك مقصود المتكلّم من كلامه، وقد وردت إشارات كثيرة إلى ذلك في السنة النبوية، حيث اعتنى الرواة بنقلها إدراكًا منهم لأهميتها في فهم الخطاب. أما بالنسبة للقرآن الكريم فإن هذا العنصر غير متوفِّر لتنزُّه الذات الإلهية عن ذلك، ولعدم صدور الوحي في شكل خطاب مباشر بين الله تعالى وعباده. ومما روي في السنّة المطهرة من بيان حال النبي ﷺ أثناء صدور الخطاب ما يأتي:

стр. 83

١ - رَوَى البُخَاريّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكاَءَهَا (١) أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا (٢) ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ (٣) فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: "لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ". (٤) فالغضب واحمرار الوجه علامة يفهم منها التشديد في النهي عن التقاط ضالة الإبل ما دام عدم التقاطها لا يعرضها لخطر. ٢ - روى البخاري عن عبد الله، قال: قَسَم النبي ﷺ يَوْمًا قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ الله. قُلْتُ: أَمَا والله لآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلأ فَسَارَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: "رَحْمَةُ الله عَلَى مُوسَى أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ". (٥) فالغضب واحمرار الوجه علامة على عِظَم حرمة التشكيك في عدل النبي ﷺ والطعن في حكمه، وتأذيه ﷺ من ذلك، لأن النبي ﷺ لم يكن يغضب لنفسه، فإذا غضب فإنما ذلك لإنتهاك حرمات الله تعالى. ٣ - أخرج الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول الله ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ فَقَالَ: "أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَ تَتَنَازَعُوا فِيهِ". (٦)

стр. 84

٤ - روى البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ". (١) ٥ - روى البخاري أن رَسُول الله ﷺ قال: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى يا رَسُولَ الله. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بالله وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ". (٢) فتغيير الجلسة تنبيه للسامعين أن ما سيقوله بعد ذلك أمر جلل، وأن خطورته تستدعي الإستواء له جالسا، ويأتي بعد ذلك تكرار ذكر الكبائر علامة أخرى لتأكيد عِظَم حرمتها وتحذير المسلمين من مَغَبَّة الوقوع فيها. وكثيرًا ما روي عنه ﷺ الإكتفاء بالتعبير بالإشارة عوضًا عن الكلام، ومن ذلك: ١ - ما أخرجه البخاري عن كَعْب بْن مَالِكٍ أَنَّهُ تَقَاضى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ في عهد رسول الله ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ (٣) حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "يا كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قُمْ فَاقْضِهِ". (٤) ٢ - وما أخرجه البخاري أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ". (٥)

стр. 85

٣ - ومنها ما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الجمُعَةِ فَقَالَ: "فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا". (١) ٤ - وما أخرجه البخاري عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قال: "خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا (٢) كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا". (٣) فلولا ما ذكره الراوي من إشارته ﷺ بيده إلى المدينة لتعذّر علينا معرفة على ماذا يعود ضمير الغائب في لفظ "لابتيها". ٥ - ما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ هَا هُنَا"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ "وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ (٤) عِنْدَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ". (٥) وقد يكتفي النبي ﷺ بالإشارة في تفسير لفظ من الألفاظ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الجهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ" قِيلَ: يا رَسُولَ الله وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ". (٦)

стр. 86

المطلب الثالث المخاطَب (السامع) فالسامعون يتفاوتون في مقدار الإستفادة من الخطاب الوارد إليهم بحسب تفاوت قدراتهم العقلية، ومدى استجماع المخاطَب لأدوات فهم النص ولوازم ذلك، وممارسته لأساليب اللغة وكلام ذلك المتكلّم؛ إذْ طول الممارسة لكلام متكلَّمٍ ما تكسب صاحبها دُرْبَة بأساليبه في الخطاب ومقاصده فيه. ويشهد لذلك قوله ﷺ : "نَضّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلّغَهَا، فَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْر فَقِيه، ورُبّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهَ مِنْهُ"، (١) وقوله ﷺ : "لِيبلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّه رُبّ مُبَلغَّ يَبلُغُهُ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِع". (٢) ولذلك امتاز الصحابة عن غيرهم في القدرة على فهم النصوص الشرعية، وإدراك مقاصد الشارع منها، كما نجد الصحابة أنفسهم يتفاوتون في ذلك. والناظر في النصوص الشرعية يجد أنها على مستويين: مستوى يتمكن من فهمه كلُّ مَنْ عرف اللغة العربية؛ ففهمه متيسر لعامة الناس، ومستوى يعسر فهمه على عامة الناس، ويحتاج إلى أهل الاختصاص لإدراك مراميه والإحاطة بمعانيه. ومن هنا اشتُرِط في مَنْ يتصدى للاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية -من هذا النوع الثاني من النصوص- شروطٌ في خلاصتها تمثِّل الأدوات اللازمة لحسن فهم النص واستثمار الأحكام الشرعية منه: مِنْ تمكُّنٍ من ناصيّة اللغة العربية، وتمرُّسٍ على التعامل مع النصوص الشرعية بما يُكسب صاحبه دُرْبَة بأساليب الشارع في الخطاب ومقاصده العامة من التشريع، وعلمٍ بقواعد الأحكام وأصولها، واطلاعٍ على اللازم معرفته من أسباب النزول وأسباب ورود الحديث الشريف. فلا يمكن لمن لم يستجمع شروط النظر الصحيح في النصوص الشرعية أن يدعي قدرته على إدراك مقاصد الشارع من تشريعاته وأحكامه.

стр. 87

ومع التسليم بأن ما سبق ذكره من فروق في قدرات وإمكانات المتصدين لفهم النص الشرعي -أو غيره من النصوص- تُعدّ من أهم أسباب الإختلاف في فهم النصوص، وأنها أمر طبيعي في الحياة لا يمكن التخلص منه كليّة، إلّا أن القول بأن قراءة النص والمعاني المستخلصة منه تختلف باختلاف الناظر في النص علمًا وثقافة وزمانًا ومكانًا لا يكون صحيحًا على إطلاقه، وذلك من وجهين: الأول أنه ليست كلّ النصوص تختلف فيها الأفهام، فما كان منها واضح المعنى تمام الوضوح فإنه لا يحتمل اختلافا، ومخالفته تُعدّ شذوذًا مردودًا على صاحبه، والثاني أن الإجتهاد في فهم النص يجب أن يكون خاضعًا لقواعد موضوعية لا يصح تجاوزها، وذلك بأن يكون المعنى المستنبط يحتمله الكلام الذي استنبط منه، وأن لا يكون السياق الخاص أو العام للنص (١) مخالفًا لما يدَّعيه المستنبط من معنى؛ إذْ إعطاء النص أيّ معنى من المعاني على خلاف السياق الوارد فيه (سواء أكان السياق بمعناه الخاص أم بمعناه العام) يُعدّ ادعاء لا دليل عليه.

стр. 88

المطلب الرابع سياق الخطاب وهو على نوعين: ١ - السياق اللغوي، أي الجمل المكوِّنة والسابقة واللاحقة لنص الخطاب المرادُ تفسيره واستخلاصُ المقصود منه. فالنص القرآني أو الحديث النبوي لا يمكن -عادةً- أخذه مبتورًا عن النصوص الأخرى، سواء النصوص الواردة في السياق اللغوي بمعناه الخاص، أي الجمل السابقة واللاحقة له، أو بمعناه العام، أي النصوص الأخرى التي لها علاقة ما بهذا النص مع ورودها في مواضع وأزمنة مختلفة عما ورد فيه ذلك النص، حيث يكون استحضار تلك النصوص معينًا على فهم هذا النص، إِمَّا لكونها مُبَيِّنَةً له، أو مكمِّلة لمعناه، أو مخصِّصة لعمومه، أو مقيِّدة لإطلاقه. ٢ - السياق الإجتماعي، وهو الذي يسمى بالمقام، وتدخل فيه أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث، والظروف النفسية والإجتماعية السائدة وقت ورود النص الشرعي. أولاً - القرائن المقالية (السياق اللغوي) وأهميتها في فهم المقصود من الخطاب القرائن المقالية: هي القرائن التي يتضمنها الكلام، أي تؤخذ من مبني الخطاب والعلاقات بين ألفاظه، ويمكن أن تكون قرائن داخلية، أي متضمَّنة في نفس الخطاب، أو تكون خارجية، أي واردة في نص آخر مستقل. والقرائن التي يتضمنها مبني النص نفسه على نوعين: معنوية ولفظية. أ - القرائن المعنوية: وهي العلاقات السياقية بين كلمات الجملة سواء منها

стр. 89

الجملة الإسمية أو الجملة الفعلية، مثل الإسناد، (١) والتخصيص، (٢) والنسبة، (٣) والتبعية، (٤) والمخالفة. (٥) ب - القرائن اللفظية: وهي المتعلقة بحالة اللفظ نفسه، مثل: العلامة الإعرابية، (٦) والرتبة، (٧)

стр. 90

والصيغة، (١) والمطابقة، (٢) والربط. (٣) وهذه القرائن كلها بتضامَّها مع القرائن المعنوية تسهم في تحديد معنى المقال للنص. ووظيفة القرائن المقالية (اللفظية والمعنوية) هي تحديد المعنى النحوي للكلمات، فهي المسؤولة عن وضوح المعنى وأمن اللبس الذي قد ينتج عن تعدّد المعنى الوظيفي للكلمات. وتحديد المعنى النحوي ينتج عنه تحديد "معنى المقال"، أي المعنى اللغوي المجرد للنص، ثُمّ يُعرض هذا المعنى اللغوي على المقام الذي ورد فيه الخطاب ليتبيّن بعد ذلك هل هذا المعنى اللغوي (ظاهر النص) هو المقصود، أم أن المقصودَ غيره، حيث تؤدي القرائن الحالية والسياق العام للنص الوظيفة الأساسية في تحديد المقصود منه. فالقرائن المقالية تحدَّد المعنى النحوي (المعنى اللغوي) للكلمات، ولكن هذا المعنى مع تحديده من قِبَل القرائن المقالية قد يبقى فيه احتمالُ أكثرَ من معنى، أو بتعبير آخر يبقى النص صالحًا لأن يُستعمل في أكثر من معنى، فتأتي القرائن الحالية لتعيننا على تحديد المراد منه: هل هو كلّ المعاني التي يصلح لها؟ أم أنه مخصوص بمعنى من المعاني التي يحددها المقام؟ ولذلك يعرِّف ابن قيم الجوزية الفقه بأنه: "فهم مراد المتكلّم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم". (٤)

стр. 91

ومن أمثلة الخطاب الذي تبيِّن القرائن اللفظية المقصودَ منه قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. فصدر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ يُفهم منه أن السؤال عن القرية ذاتها، ولكن قوله بعد ذلك ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ قرينة لفظية دلّت على أن المراد السؤال عن أهل القرية؛ لأن ضمير الجمع في "يعدون" يصرف المعنى المراد عن القرية إلى أهلها، ولأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة. (١) ثانيًا: المقام (السياق الإجتماعي) وأهميته في فهم المقصود من الخطاب: سبق تعريف المقام بأنه حصيلة الظروف الإجتماعية والطبيعية والنفسية السائدة وقت صدور الخطاب، والتي يُتوقعّ أن يكون لها تأثير في صيغة الخطاب وتوجيهه وفهمه. ومقامات الخطاب بما تشتمل عليه من علاقات اجتماعية وعقلية وذوقية وعاطفية وعُرفيّة -سواء بين طرفي الخطاب، أو بينهما واللغة نفسها- يجعلها من العسير على غير أبناء تلك البيئة واللغة الإحاطة بها والتفاعل معها، ولا يمكن الحصول على كلّ ذلك من مجرد قراءة تاريخ هذا المجتمع وأدبه، "ذلك بأن إطار الثقافة الإجتماعية لكلّ أمّة يفرض من تلك العلاقات والارتباطات بالمواقف وبالموضوعات ما لا يفهمه تمامًا إلّا الناشئون في المجتمع ذاته والثقافة ذاتها، ولو أن المتخصص الأجنبي تمكّن من تحصيل فهم الإرتباطات العقليّة أو حتى الاجتماعيّة بالموضوعات والمواقف فكيف يتسنى له مهما حاول أن يفهم الإرتباطات الذوقيّة والعاطفية في المجتمع". (٢)

стр. 92

ولا غرابة بعد هذا أن نجد عشرات التفسيرات الخاطئة من قِبَل المستشرقين والكتّاب الغربيين للنصوص الشرعية وأحداث التاريخ الإِسلامي، ففضلاً عَمّا يمكن أن يكون فيها من سوء نية وتحامل، فإن عجزهم عن فهم البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم والتي انتشر فيها الإِسلام بعد ذلك، وعجزهم عن فهم الأثر التغييري الهائل الذي يتركه الإِسلام في حياة من اعتنقه بصدق وإخلاص، جعلهم عاجزين عن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية والأحداث التاريخية، مع أن بعضهم بلغ من المعرفة باللغة العربية والتاريخ الإِسلامي ما لا يدركه كثير من المسلمين أنفسهم. فالذي نشأ في بيئة يحكُمُها الصراع السياسي، وعلاقات الناس فيها تقوم على تبادل المصالح، لا يستطيع فهم ترشيح عمر بن الخطاب أبا بكر ﵄ للخلافة في سقيفة بني ساعدة، ثم وصية أبي بكر بالخلافة لعمر بعد ذلك إلّا على أنها من باب التحالف السياسي وتبادل المصالح، فهذا رشحه هنا والآخر أوصى له بعد ذلك. ولا يمكن لمثل هذا أن يفهم مرتبة الإيثار التي وصل إليها الصحابة ﵃، ومدى إخلاصهم لدينهم، وإيثارهم للحق ومصلحة الإِسلام والمسلمين على مصالحهم الشخصية، واعترافهم بالفضل لأهله. وتأتي فائدة القرائن الحالية والمقالية في إزالة الإحتمالات التي تعرض للسامع في مقصود المخاطِب من خطابه، وكلّما كان استحضار القرائن التي حفّت بالكلام أشمل كان فهم مراد المتكلّم من كلامه أدقّ، وبالعكس، ولذلك نجد أن الكلام المشافه به أوضح دلالة على مراد المتحدث من الكلام الذي بلَّغه عنه مبلِّغ، أو نُقِلَ كتابةً بسبب ما يفتقده من قرائن حالية تعين على دفع الإحتمالات التي تتطرق إلى الكلام ولا يقصدها المتكلم. وإهمال القرائن كلّها أو بعضها يؤدي إلى نقص في فهم الخطاب، أو إلى الخطأ الكامل في الفهم، وفي ذلك يقول الشاطبي: "وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه". (١)

стр. 93

هل كلّ كلام يحتاج إلى قرائن حالية؟ ليس من اللازم أن يحتاج كلّ كلام إلى قرائن حالية لفهم معناه، فالكلام المفيد التّام المعنى يمكن أن يُفهم معناه من غير حاجة إلى قرائن حاليّة؛ إذْ ليس كلّ كلام وارد في مقام خاص، بل منه ما يكون على سبيل التوجيه والإرشاد العامين، كما هو الحال فيما نزل من القرآن الكريم من غير سبب خاص، وما ورد في السنّة كذلك. وإنما الذي يكون في حاجة إلى الإطلاع على المقام لتحديد معناه هو ما ورد في مقام خاص. ولا حُجّة فيما اشتهر عن العرب من أن "لكلّ مقام مقال" إذ المراد بهذا تخيُّر الكلام المناسب لكلّ مقام، وعدم إلقاء الكلام على عواهنه دون اعتبار للمقام الذي يقال فيه. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن المقام يتنوع إلى نوعين: مقام خاص، ومقام عام. فالمقام الخاص هو القرائن الحاليّة والظروف التي تحفّ بصدور خطابٍ ما، والتي صاحبته وصبغته بصبغتها. أما المقام العام فهو الحالة العامّة، أو الهدف العام الذي اقتضى مجيء الخطاب ككون القرآن الكريم نزل لهداية الناس وإرشادهم إلى طريق الحق. مزيد تفصيل في هذا عند الحديث عن أسباب النزول. ولمّا كانت الشريعة الإِسلامية عامّة زمانًا ومكانًا وأشخاصًا، فإننا نجد أغلب نصوص الشارع تميل إلى التجرّد عن المقام الخاص والإعتماد على المقام العام، وإن كان ولا بُدّ من مقام خاص فغالبًا ما يكون مما يمكن أن يتكرر في مختلف الظروف والأزمان. ومما يدلّ على ميل الشارع إلى التجرد من تأثيرات المقام الخاص اتجاهه في كثير من الأحيان إلى تعميم الخطاب، وإغفال الحالة الخاصة التي استدعت تشريع الحكم. فمثلاً تشريع حكم السرقة يروى أن الآيات التي نزلت به نزلت في حادثة معيّنة (١)،

стр. 94

ولكنّنا نجد الآيات لا تلتفت إلى خصوص الحادثة، وإنما وردت بصيغة عامة ومطلقة تجنُّبًا لتأثيرات المقام التي قد تؤدي إلى حصر النص في شخص معين، أو تقييده بمقام معين. ونفس الأمر بالنسبة لحكم اللعان. (١) كذلك نجد الرسول ﷺ يتّجه في كثير من الأحيان هذا الإتجاه، فإذا وقعت واقعة وأراد أن يُصدر فيها حكمًا أو خطابًا توجيهيًّا، لم يركّز على خصوص الحالة التي دعت إلى ذلك، إنما يعمّم الحكم، فيخطب في الناس قائلاً: "ما بال أقوام ... "، "أيها الناس ... "، ومن أمثلة ذلك: ١ - أخرج أبو داود عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كاَنَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا". (٢) ٢ - أخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها "أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ". (٣) ٣ - أخرج البخاري عن قَتَادَة أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلاَتِهِمْ"، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: "ليَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ". (٤)

стр. 95

٤ - أخرج البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحاجَةِ". (١) وقد ورد خطاب النبي ﷺ بلفظ "أيها الناس" في أكثر من ٣٩٨ حديثًا في الكتب التسعة فقط. (٢) أنواع القرائن الحالية من حيث اقترانها بالنص: القرائن الحالية -بحكم كونها شيئًا زائدًا عن الخطاب- لا تكون متضمَّنة في الخطاب، بل تحتاج إلى نقل مستقل، أي إلى التعبير عنها بجمل مستقلة. وهذا النقل إما أن يكون مقارنا لنفس الخطاب، أو أن يكون غير مقارن. ١ - القرائن الحالية المقترنة بالخطاب: وذلك بأن يذكر الراوي ضمن روايته بعض القرائن الحالية التي صاحبت الخطاب، والتي يراها مهمة في تحديد المقصود منه، ومن أمثلة ذلك: أ - ما ورد في تفسير الهرج، فيما رواه البخاري عن أَبي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ". قِيلَ: يا رَسُولَ الله وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ". (٣) فعبارة "فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل" نقل من الراوي للقرينة الحالية التي صاحبت كلام الرسول ﷺ ، وأبانت عن مقصوده بالهرج. ب - ما ورد في حديث النهي عن شهادة الزور فيما رواه البخاري أن رَسُول الله ﷺ قال: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قُلْنَا: بَلَى يا رَسُولَ الله. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بالله

стр. 96

وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ". (١) فحال الرسول ﷺ من كونه جلس بعد أن كان متكئًا قرينة حالية نقلها الراوي لما لها من أهمية في فهم عِظَم حرمة شهادة الزور. ٢ - القرائن الحالية المنفصلة عن الخطاب: وهي التي يَرِد ذكرها في نصوص أخرى غير مقترنة بالنص محلّ الدراسة، ويكون هذا عادة في أسباب النزول، وأحيانًا في أسباب ورود الحديث. أولاً - أسباب النزول: تعريفه: سبب النزول هو: "ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبيِّنة لحكمه أيام وقوعه. والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي ﷺ ، أو سؤال وُجَّه إليه، فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة، أو بجواب هذا السؤال". (٢) أسباب النزول بين العموم والخصوص: ينبغي الإشارة بداية إلى أن السبب الحقيقي في نزول القرآن الكريم هو إصلاح أوضاع المجتمع البشري اعتقادًا وسلوكا، وهداية الناس إلى أَقْوَمِ السُّبُل لتحقيق الفوز في الدنيا والآخرة. أما الأسباب الخاصة التي تروى لنزول كثير من الآيات فهي في الغالب مجرّد مناسبات اختارتها الحكمة الإلهية لتكون توقيتًا لنزول تلك الآيات حتى يكون ذلك أبلغ في الإصلاح والإفهام، فهي وسائل تربويّة بمثابة وسائل الإيضاح المُعِينَة على الإفهام، أو هي من باب تَخَوُّلِ المناسبات المُعِينة على التأثير في النفوس، وقد أوضح ذلك شاه ولي الله الدهلوي بقوله: "وقد ربط عامة المفسرين كلّ آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزولها، وظنوا أنها هي

стр. 97

سبب النزول. والحقُّ أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال الفاسدة. "فالسبب الحقيقي -إذاً- في نزول آيات المخاصمة هو وجود العقائد الباطلة في نفوس المخاطَبين. وسبب نزول آيات الأحكم إنما هو شيوع المظالم ووجوب الأعمال الفاسدة فيهم ... أما الأسباب الخاصة والقصص الجزئية التي تَجَشَّم بيانَها المفسرون فليس لها دخل في ذلك إلّا في بعض الآيات التي تشتمل على تعريض بحادث من الحوادث في عهد النبي ﷺ أو قبله، بحيث يقع القارئ بعد هذا التعريض في ترقّب وانتظار لما كان وراءه من قصة أو حادث أو سبب، ولا يُزَال تَرَقُّبُه إلّا ببسط القصة وبيان سبب النزول". (١) ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: " ... ولكني لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فأثبتوها في كتبهم ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفاً، حتى أوهموا كثيرًا من الناس أن القرآن لا تُنَزَّل آياته إلّا لأجل حوادث تدعو إليها، وبئس هذا الوهم فإن القرآن جاء هادياً إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام". (٢) وليس معنى هذا إنكار أهمية أسباب النزول في فهم معاني القرآن الكريم أو التقليل من شأنها في ذلك، فعامّة المفسرين على أن لأسباب النزول أهمية كبيرة في فهم معاني القرآن الكريم -كما سيأتي بيانه- وإنما ينبغي أن يكون المقصود منه عدم قصر معاني الآيات التي وردت في أسباب خاصة على تلك الخصوصيات إلَّا إذا ثبت بالدليل خصوصها بها، والإنكار إنما يكون على من يذهب هذا المذهب. فمع الإهتداء بتلك الأسباب في فهم معاني الآيات فإن ذلك لا يمنع من إعطائها ما تحتمله من معاني غير تلك الخصوصيات.

стр. 98

وبناءً على السبب العام لنزول القرآن الكريم تقررت قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، (١) إذْ الأحكام الشرعيّة إنما شرعت لضبط حياة الناس وهدايتهم إلى أقوم السبل، أما أسباب النزول فهي مناسبات اختارتها العناية الإلهية لتكون مناسبة لتشريع الحُكم لما سبقت الإشارة إليه من حِكَم، ما لم تقم قرينة تدلّ على قصر الحكم الذي وردت به الآية على سبب النزول، فإذا قامت تلك القرينة كان الحكم مقصوراً على سببه بإجماع العلماء. (٢) مفهوم سبب النزول في عرف الصحابة والتابعين: الناظر في استعمال الصحابة ﵃ لعبارة "نزلت الآية في كذا" يجد أنه غير مقصور على أسباب النزول الخاصة، بل يتعداها إلى إطلاقات أخرى يوضحها ما دكره ابن تيمية في فتاويه (٣) وأورده شاه ولي الده الدهلوي في كتابه الفوز الكبير في أصول التفسير، من أن استقراء كلام الصحابة والتابعين في مفهوم سبب النزول عند قولهم: "نزلت الآية في كذا" يشير إلى أنهم يطلقون ذلك على عدة معاني أهمها: ١ - "المعنى الحقيقي لسبب النزول، وهو بيان الحادث الذي وقع في عهد النبي ﷺ ، وكان سببًا لنزول تلك الآية. ٣ - "بيان ما تنطبق عليه الآية مما حديث في عهد النبي ﷺ أو بعده، فهو بيان لصورة من الصور التي تصدق عليها الآية. وفي هذه الحال يكون المقصود بقولهم "نزلت في كذا" نزلت في مثل هذا، أو في بيان حكم هذا وأمثاله". (٤)

стр. 99

الحالات التي يلزم فيها معرفة أسباب النزول لفهم المقصود من الخطاب: يرى الإمام شاه ولي الله الدهلوي أن كثيرًا مما يروى من أسباب النزول لا تدعو الحاجة إليه في تفسير القرآن الكريم، وأن اعتبار الإحاطة به شرطًا من شروط التفسير فيه تفويت لحظ النَّفس من كتاب الله تعالى، وحرمان من إدراك روحه وجوهره، وأن ما فعله البعض من محاولة تقصي سبب نزول لأكثر آيات القرآن الكريم يُعدّ من باب الإفراط. (١) وإذا أخذنا أسباب النزول بمفهومها العام عند الصحابة والتابعين ﵃ الذي سبق ذكره - فإن النصوص القرآنية التي يتعذّر فهمها بغير الإطلاع على أسباب النزول تنحصر في حالين: ١ - "معرفة القصص التي تتضمن الآيات القرآنية التعريض بها؛ فإن فهم إيماء هذه الآيات وإشارتها لا يتيسر إلَّا بمعرفة تلك القصص"، (٢) فالآية في مثل هذه الحالة تكون مبهمةً يتوقَّف فهم المراد منها على العلم بسبب النزول، ومثال ذلك قوله الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]. ٣ - سبب النزول الذي يفيد تخصيصاً لعام، أو تقييدًا أطلق، أو بياناً لمجمل، أو يدفع تشابهاً، وأمثال ذلك مما يُصْرَفُ فيه الكلام عن ظاهره المتبادر منه، إذْ إنّ فهم مقاصد الآيات ومراميها لا يتأتى بدون ذلك. (٣) والخلاصة أن ما كان من الآيات تَامّ المعنى بعموم صيغته مستقلاًّ فَهْمُهُ عَمّا يُورَدُ بشأنها من أسباب النزول، وعن الحادث الذي كان سببًا للنزول فإنه لا يُحتَاج في التعرف على مقصوده إلى استحضار أسباب النزول، وإنما يفتقر إلى استحضار ذلك ما

стр. 100

وقع فيه تعريض بخصوص الحادث ومتعلقاته، إذْ تكون الحاجة إذ ذاك ماسةً إلى معرفة سبب النزول للتمكن من معرفة سياق الحادث وخلفياته، ومن ثَمَّ حُسْن فهم النص وإدراك مقاصده. وهو ما عبَّر عنه شاه ولي الله الدهلوي بالإطلاع على فوائد بعض القيود وأسباب التشديد والتأكيد في بعض المواضع التي تتوقف معرفة حقيقتها على معرفة أسباب النزول". (١) بين عموم الرسالة وخصوص سبب النزول: قد يبدو أن هناك شيئاً مَن التعارض بين عموم أحكام الشريعة الإِسلامية، وكون كثير من الآيات نزلت في مناسبات خاصة مما قد يَفهم منه البعضُ قصر تلك الآيات على ما نزلت بسببه من أحداث ووقائع، بل إن مثل هذا الإلتباس قد وقع لبعض الصحابة ﵃ في فهم بعض الآيات كما سيأتي بيانه عند الحديث عن بعض التطبيقات التي تبيِّن مدى أهمية معرفة سبب النزول في فهم النصوص الشرعيّة. وقد تنبه علماء المسلمين إلى هذه القضية منذ القرون الأولى، فبحثوها فيما اشتهر بمسألة "هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟. وبداية يجب التنبيه إلى أن القرآن من حيث سبب النزول على قسمين: قسم نزل ابتداءً من غير سبب خاص، وإنما اكتفاء بالسبب العام، وقسم نزل بسبب خاص. أما الأول فلا خلاف في عمومه لكل الناس، أما الثاني فهو على أقسام: القسم الأول: أن يكون اللفظ مكافئاً لسبب النزول من حيث العموم والخصوص، بأن يكون كلّ منهما عامّاً أو خاصًّا. ويكون حكمُ اللفظ هنا مساواةُ السبب، فإن كان السبب عامًّا وَاللفظ عامًا كان اللفظ العام متناولاً كلّ أفراد سببه في الحكم، ومثال ذلك آيات سورة الأنفال التي نزلت في غزوة بدر وآيات سورة آل عمران التي نزلت في غزوة أحد. وإذا كان اللفظ خاصًّا وَنازلاً في سبب خاص فإن حكمه مقصور على شَخْصِ سببه الخاص، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا

стр. 101

الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] فقد قيل إنَّها خاصة في أبي بكر الصِّديق على اعتبار"ال" في "الأتقى" للعهد، والمعهود هو الصِّديق ﵁. (١) القسم الثاني: أن يكون السبب خاصًّا واللفظ عامًّا، وهذا الذي اختلف فيه العلماء: هل العبرة بخصوص السبب أم بعموم اللفظ؟ نُسِبَ إلى أبي الحسن الأشعري والمزني وأبي ثور والشافعي وبعض أصحابه القول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، (٢) أي أن الآيات التي نزلت في أسباب خاصة تثبت أحكامها لمن نزلت فيهم حصرًا ولا تعمّ غيرهم. ولكن لمَّا كان هؤلاء يقرُّون بعموم الشريعة لكلّ النّاس، وحاجة الناس إلى نصوص تحكم تصرفاتهم، فقد قالوا إن ثبوت الأحكام التي نزلت بها تلك الآيات لما يشبه الحالات التي نزلت فيها إنما يكون بدليل آخر وهو إما القياس بشروطه، بأن يقاس بقية الناس على سبب النزول، أو قول الرسول ﷺ "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". (٣) وقد استدل هذا الفريق بأدلة لا داعي لإيرادها في هذا المقام، ومن أراد تفصليها فلينظرها في مواطنها. (٤) أما جمهور العلماء فقد ذهبوا إلى أنه مادام اللفظ عامّاً فإن الحكم يتناول كلّ أفراد اللفظ، سواء منها أفراد سبب النزول، وغيرها مما يمكن أن ينطبق عليه. (٥)

стр. 102

وأقوى دليل على ما ذهب إليه الجمهور من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو أن الشريعة قد نزلت عامة زماناً ومكاناً وأشخاصاً، (١) دلّ على ذلك نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وكونها هي الشريعة الخاتمة يؤكد ذلك. وما دامت الشريعة عامة فلا يعقل حصر نصوصها في أسباب محدودة وأشخاص معدودين، وإنما يكون الأصل عموم أحكامها إلّا ما دلَّ دليل على خصوصيته فإنه يقصر على ما جاء خاصّاً فيه. وإنما أسباب النزول الخاصة -كما سبقت الإشارة- في أغلبها مناسبات اختارتها العناية الإلهية لتكون مناسبة لتنزيل بعض الأحكام ليكون ذلك أبلغ في التأثير والإفهام. وقد استدل الجمهور على مذهبهم بأدلة أبرزها احتجاج الصحابة رضوان الله عليهم بعموم تلك الألفاظ مع ورودها على أسباب خاصة من غير لجوء إلى القياس أو إلى أي دليل خارجي لتعدية الحكم من سبب النزول إلى ما يشبهه. (٢) والخلاصة أن الفريقين متفقان على أن ما نزل من الأحكام بصيغة العموم فهو على عمومه ولو كان وارداً في سبب خاص، وإنما الخلاف في طريقة تعديّة الحكم: هل هو بعموم اللفظ مباشرة دون حاجة إلى دليل خارجي، أم بواسطة دليل آخر؟ وفي ذلك يقول ابن تيمية: "والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنَّها تختص بنوع ذلك الشخص، فيعمّ ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معيَّن إن كانت أمراً أو نهياً فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته". (٣)

стр. 103

نماذج تطبيقية من أمثلة النصوص التي تحتاج إلى معرفة أسباب النزول لإدراك المقصود منها ما يأتي: ١ - فهم النصوص التي وردت في التدرج في التّشريع، مثل الآيات الواردة في تحريم الخمر والربا. إذ الناظر فيها من غير معرفة بأسباب نزولها يجد فيها شيئاً من التضارب؛ فمنها ما ينص على الحرمة قطعاً، ومنها ما يقتصر على مجرد التنفير مما يفهم منه مجرد الكراهة. وإدراك أسباب النزول يبين كيفية ترتيبها، وأن الحكم هو ما ورد في آخرها نزولاً، وإنما وقع فيها ما وقع تيسيراً على النّاس في التدرج بهم للتخلص من أَسْرِ تلك المحرمات التي تجذّرت فيهم ويصعب التخلي عنها دفعة واحدة. ٢ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فعبارة "لا أجد ... إلَّا" تفيد الحصر، أي حصر المحرمات فيما ذكر، ولكن الناظر في النصوص الشرعيّة الأخرى يرى أن هذه المحرمات تمثل جزءًا فقط من المطعومات المحرمة. ومما يدل دلالة قاطعة على أن الحصر في هذه الآيات غير مقصود ثبوت حرمة الخمر قطعًا بالقرآن والسنة، وهي غير مذكورة في هذه المحصورات. وقد اختلف أهل العلم من زمن الصحابة - رضوان الله عليهم - في هذه الآيات: هل يُؤخذ بما يفيده ظاهرها من حصر المحرمات في هذه الأربعة، ومن ثَمَّ عدم الأخذ بما ورد في السنة من تحريم كلّ ذي ناب من السباع، والحُمُر الأهلية وغيرها، أم لا يؤخذ به؟ وإذا أُخِذ بما ورد في السنة من محرمات هل يكون ذلك ناسخاً للآيات باعتباره زيادة فيها مخالفة لما ورد في الآية من حصر أم لا؟ فمنهم من اعتبر الحصر في الآية حقيقياً فلم يقل بحرمة غيرما ورد فيها مما جاء تحريمه في السنة، ومنهم من أخذ بما ورد في السنة وذهب إلى أن الزيادة عليها لا تُعدُّ فسخاً لها، وفي ذلك نقاش طويل لا حاجة لعرضه هنا. (١) ويرى ابن عاشور أن الحصر هنا حقيقي، ولكنه بحسب

стр. 104

ما كان محرماً يوم نزول هذه الآية، فهي مكيّة، ولم يحرم بمكة غيرها من الحيوان. (١) ويبدو أن أفضل توجيه للآية هو ما نقله السبكي (٢) عن الشافعي أنه قال ما معناه: "إنّ الكفار لمَّا حرَّموا ما أحلَّ الله، وأحلُّوا ما حرَّم الله، وكانوا على المضادَّة والمحادّة جاءت الآية مناقضة لغرضهم. فكأنه قال: لا حلال إلَّا ما حرمتموه، ولا حرام إلَّا ما أحللتموه. نازلاً منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلَّا حلاوة، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: "لا حرام إلَّا ما أحللتموه من الميتة، والدم، ولحم الخنزيز وما أُهِلَّ لغير الله به" ولم يقصد حِلَّ ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم، لا إثبات الحِلّ". (٣) فمع هذا التوجيه لا تكون هناك حاجة إلى القول بالنسخ، ولا إلى الخوض في الزيادة على النص هل هي فسخ أم لا؟ وغير ذلك مما ثار من نقاش حول كيفية التوفيق بين الحصر الوارد في الآية والسنة الواردة بتحريم أشياء زائدة على ذلك. وفي ذلك قال إمام الحرمين: " ... ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كُنَّا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إلى حصر المحرمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات". (٤)

стр. 105

٣ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. فقد يفهم من ظاهر الآية مجرد جواز السعي بين الصفا والمروة لا وجوبه؛ إذْ إنّ عبارة "لا جناح" تفيد مجرد رفع الإثم؛ أي الجواز. وقد أشكل على عروة بن الزبير ﵁ الجمع بين هذه الآية وكون السعي من أركان الحج، ولم يَزُلْ إشكاله هذا حتى بيَّنت له عائشة ﵂ سبب نزول الآية. ففي صحيح البخاري أنه سألها: "أَرَأَيتِ قَولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَوَالله مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاح أَنْ لَا يَطوفَ بِالصّفَا والمَرْوَة. قَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ يا ابْن أُخْتِي، إِنّ هَذِه لَوْ كانتْ كَمَا أوَّلْتها عَلَيهِ كانَت "لَا جُنَاح عليه أن لَا يَتَطوّفَ بِهِما"، ولَكِنّها أُنْزِلت في الأَنْصَار، كانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّون (١) لِمَنَاة الطّاغية التي كاَنُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ (٢) فَكانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرّجُ أَنْ يَطوفَ بِالصّفَا والمرْوَة. فَلَمّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ الله ﷺ عَن ذَلِكَ، قَالُوا: يا رَسُولَ الله إنا كنَّا نَتَحَرّجُ أَنْ نَطُوفَ بين الصَّفَا والمرْوَة، فَأنْزَل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية. قالت عائشة: وقَدْ سَنَّ رَسُولُ الله ﷺ (أيْ شَرَعَ) الطّوَافَ بَيْنَهمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا". (٣) وعن عاصم بن سليمان قال: "سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصفا والمروة فقال: كُنَّا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإِسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ [البقرة: ١٥٨] ". (٤) فسبب نزول الآية بصيغة نفي الجناح هو ما وَقَرَ في أذهان الأنصار يومئذٍ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية؛ نظرًا إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له "إِسَاف"، وكان على المروة صنم يقال له "نَائِلَة"، وكان المشركون إذا سَعَوْا بينهما تمسحوا

стр. 106

بهما. فلما ظهر الإِسلام وكسر الأصنام، تحرّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فترلت الآية تخبرهم بأن السعي بينهما من شعائر الإِسلام ولا يخرجه عن ذلك كونه جزءًا من شعائر الحج في الجاهلية، ومن ثَمَّ فإنّ الإتيان به ليس فيه أي جناح. (١) ٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. فظاهر الآية لا يفهم منه معنى للربط بين الشرط والجزاء، فكيف يكون خوف عدم الإقساط في اليتامى دافعاً إلى نكاح ما طاب من النساء مثنى وثلاث ورباع؟ ولكن معرفة سبب النزول يبيِّن هذه العلاقة، ويزيل هذا الغموض. فقد روى البخاري عن عائشة ﵂: "أنّ رجلاً كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق (٢) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله". وعن عروة بن الزبير -أيضاً- أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: "يا ابْنَ أخْتِي هَذِه اليتِيمَةُ تَكونُ في حِجْر وَلِيِّهَا تشْرَكُه في مَاِلهِ، ويُعْجِبُه مَالُهَا وجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزوَّجَها بِغَيْر أَنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا فَيُعْطيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْرُه، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنّ إلَّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنّ ويَبْلُغُوا لَهُنّ أَعَلى سُنَّتهِنّ في الصّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنّ. قَالَ عُروة: قَالَت عَائِشَة: وإن النّاسَ اسْتَفْتَوا رَسُولَ الله ﷺ بَعْدَ هَذِه الآيةِ فَأنْزَل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت عائشة: وقَوْل الله تعالى في آيةٍ أُخْرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبَةَ أَحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِه حِينَ تَكونُ قَلِيلَة المَالِ والجَمَالِ، قَالَت: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِه وجَمَالِه فِي يَتَامىَ النِّسَاءِ إلّا بِالقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهم عَنْهُنّ إذَا كانَّ قَلِيلات المالِ والجَمَالِ" (٣).

стр. 107

ويكمل هذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: "هُوَ الرّجُلُ تَكونُ عِنْدَه اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّها ووَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْه فَي مَالِهِ حَتّى فِي العَذْق فَيَرْغَب أَن يَنْكِحَها ويَكرَهُ أَنْ يُزَوِّجَها رَجُلاً فَيَشْرَكَهُ في مَالِه بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزلتْ هَذِه الآية". (١) ٥ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩]. فظاهر الآية لا يفهم منه الربط بين البِرّ وعدم إتيان البيوت من ظهورها، فإذا عُرِف سبب النزول اتضح المعنى، وذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: "كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلّا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له ذلك، فترلت هذه الآية: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ". (٢) ٦ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. فظاهر الآية قد يفهم منه أن من آمن وعمل صالحاً واتقى وكان من المحسنين ليس عليه جناح فيما طعم ولو كان محرماً، ولكن إذا عُلِم سبب النزول تبيّن خطأ ذلك. فني صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً فنادى، فقال أبو طلحة: أخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي أَلاَ إنّ الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة. قال: وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ،

стр. 108

فقال بعض القوم: قُتِلَ قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ". (١) وما روى الترمذي عن البراء بن عازب ﵁ قال: "مات ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يشربون الخمر، فلما نزلت تحريمها قال ناس من أصحاب النبي ﷺ : فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال: فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية". (٢) فسبب النزول هنا مخصص لما يفهم من عموم الآية في رفع الجناح عمن اتصف بصفات الإيمان والتقوى والإحسان فيما طَعِم ولو كان محرَّماً، وقَصْرُ ذلك على من مات قبل استقرار تحريمها. ٧ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. فربط عدم الإكراه بشرط إرادة التحصن قد يفهم منه بالمخالفة جواز إكراههن إذا انعدمت إرادة التحصن. ومثلُ هذه الآية لا يتجلى معناها تماماً إلّا إذا عُرِف سبب نزولها، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ "أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مُسَيْكَة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﵁ فأنزل ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ". (٣) وبناءً على ذلك اتفق المفسرون على أن قيد ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا يراد بالشرط فيه "عدم النهي عن الإكراه على الغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن، بل كان الشرط خرج مخرج الغالب" وذلك إما "لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إِذْ كنَّ يحببن التعفف، أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة

стр. 109

التحصن"، وأن "الداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإِسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن". (١) ويرى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أن الآية جاءت توطئة لتحريم البغاء وإبطاله من باب ما ورد في التمهيد لتحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. (٢) والذي يميل إليه الباحث أن الآية لم تأت لتحريم البغاء نفسه، وإنما هي في تحريم إكراه الإماء عليه، ودليل ذلك ما يأتي: ١ - أن البغاء نوع من أنواع الزنى، وأنه حُرِّم بما حُرِّم به الزنى من أوائل سورة النور، والآيات المحرمة للزنى سابقة في النزول على هذه الآية. ٣ - فائدة ذكر التحصن -الذي هو هنا بمعنى التعفف عن الزنى أو البغاء- أن الإكراه لا يتحقق إلّا مع عدم الرغبة والرضا، فلو كانت الأَمَةُ راضية بالبغاء أو راغبة فيه لما اعْتُبِر طلبُ سيدها منها البغاءَ إكراها. ومع أن النهي عن الإكراه يمكن أن يتم من غير ذكر "إن أردن تحصنا" فإن ذكر هذه الحال -كما يقول ابن عاشور- لزيادة التبشيع. (٣) ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] دليل على أن الزنى- ومنه البغاء- قد سبق تحريمه، إذ المغفرة بعد الإكراه إنما تكون إذا كان الفعل المكْرَه عليه محرماً، فلو كانت الآية توطئة لتحريم البغاء لما كان لذكر المغفرة هنا محل. وإنما خصت الآية الإماء بالنهي عن إكراههن على البغاء لما قد ينشأ عن الملك من شبهة، إذْ قد يظن المالك أن ملكه للأمة قد يبيح له التصرف فيها باستئجارها للبغاء بغرض التكسب، وأنها إن امتنعت حق له إكراهها على ذلك بما له من سلطة

стр. 110

عليها وحرية التصرف فيها. وبناءً على هذا التوجيه للآية تفسير معرفة سبب النزول غير لازمة لصرفة المقصود من الآية، والله أعلم بمراده. ثانيًا - أسباب ورود الحديث: تُعَدّ معرفة أسباب ورود الحديث عاملاً مهماً في فهم المعنى المقصود من الحديث. والأحاديث النبوية من حيث أسباب الورود على نوعين: أحاديث قيلت لسبب خاص، وأخرى ليس لها سبب خاص، وإنما جاءت خدمة للسبب العام الذي جاءت الرسالة من أجله، وهو إصلاح حال البشرية وهدايتها إلى أقوم السُّبُل. والأحاديث التي وردت في سبب خاص تحتاج إلى معرفة سبب الورود لفهمها وتحديد المقصود منها من حيث المعنى، ومن حيث الأفراد الذين تنطبق عليهم: هل هي خاصة بمن صدرت فيهم؟ أم تَعُمّهم هُم وغيرهم ممن يصلحون للدخول تحتها، وذلك بحسب ما يحفّ بالحديث من قرائن. أما الأحاديث التي جاءت من غير سبب خاص فإنها تكون عامّة لجميع الأمة، ولا تكون في حاجة إلى معرفة سبب الورود لفهم المقصود منها، ولكنها مع ذلك قد تحتاج إلى معرفة نوع آخر من أسباب الورود، وهو المقام الذي صدرت فيه؛ أي بأي وصف صدرت عن النبي ﷺ : هل بوصف ٥ مبلِّغاً، أم بوصفه إمامًا مدبِّراً لشؤون الأمة، أم بوصفه بشراً عادياً يجتهد في أمور الدنيا كما يجتهد غيره؟ وقد يكون الجهل بسبب ورود الحديث مورثاً للغلط في تحديد معناه، لذلك نجد الرواة يهتمون -عادةً- بنقل سبب ورود الحديث، خاصة إذا رأوا فيه أهمية لصرفة المقصود منه. وقد يغيبا أحياناً سبب ورود الحديث -الذي يكون مخصصاً لعموم الحديث، أو مقيدًا لإطلاقه، أو صارفاً للأمر فيه عن الوجوب إلى الندب أو غير ذلك- عن البعض فيؤدي ذلك إلى التحيّر في فهم الحديث أو إلى سوء فهمه، وربما يطلع بعض العلماء على السبب ويخفى ذلك على البعض الآخر فيؤدي إلى الإختلاف بينهم.
следующие страницы →