← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مع المشككين في السنة تأليف أ. د/ عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى الخميسي أستاذ الحديث وعلومه - جامعة صنعاء اعتنى به وحققه وخرج أحاديثه/ فاروق يحيى محمد الحاج ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

стр. 2

مع المشككين في السنة للأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى الخميسي أستاذ الحديث وعلومه - جامعة صنعاء اعتنى به وحققه وخرج أحاديثه/ فاروق يحيى محمد الحاج الفاروق للمراجعة العلمية والتحقيق رقم الواتساب (٠٠٩٦٧٧٧٣٠٧٢٨٥٢) نسخة ثانية

стр. 3

ترجمة مختصرة للمؤلف أولاً: الاسم والمولد ومحل الإقامة والأولاد: • الاسم: عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى. • اللقب: الخميسي؛ نسبة إلى قرية: "الخميسين" التي وُلد فيها والده. • مولده: وُلد الدكتور عام (١٣٧٩ هـ) الموافق (١٩٥٩ م) في قرية: "الدّيّر" التابعة لمديرية: "حيران" -بالحاء المهملة- في محافظة: "حجة"، إحدى محافظات: "الجمهورية اليمنية". • محل الإقامة الحالي: يسكن الدكتور حاليًا في: مدينة "صنعاء" عاصمة: "الجمهورية اليمنية". • الأولاد: للدكتور اثنا عشر ولدًا ذكورًا وإناثًا. ثانيًا: النشأة العلمية: نشأ الدكتور في المملكة العربية السعودية، وفيها تلقى تعليمه النظامي ابتداءً من المرحلة الابتدائية وانتهاءً بالدكتوراه، وكانت دراسته كالتالي: ١ - درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية "الأساسي" في مدارس وزارة التربية في "مكة المكرمة". ٢ - ثم التحق بمعهد الحرم المكي -ومقره داخل المسجد الحرام-، وحصل منه على الشهادة الثانوية عام (١٣٩٧ هـ) بتقدير ممتاز. ٣ - درس المرحلة الجامعية البكالوريوس في قسم أصول الدين في كلية الشريعة وأصول الدين في "أبها"، وحصل منها على شهادة البكالوريوس عام (١٤٠١ هـ-١٤٠٢ هـ) بتقدير ممتاز، وكان ترتيبه الأول على دفعته. ٤ - نال شهادة الماجستير في السنة وعلومها من كلية أصول الدين في "الرياض" بتقدير ممتاز. وكانت أطروحته فيها: تحقيق جزء من كتاب "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي. ٥ - نال شهادة الدكتوراه في السنة وعلومها من كلية أصول الدين في "الرياض" مع مرتبة الشرف الأولى. وكانت رسالته فيها: "زوائد رواة البيهقي في السنن الكبرى على رواة الكتب العشرة (١) جمعًا ودراسة، من أول الكتاب إلى آخر باب الترغيب في الأذان من كتاب الصلاة".

стр. 4

ثالثًاً: العلماء الذين درس على أيديهم: درس الدكتور على يد كوكبة من العلماء المصريين والنجديين والسوريين والموريتانيين ومن القارة الهندية، وهم: ١ - الدكتور أحمد معبد عبد الكريم. ٢ - الدكتور عبد الرحيم الطحان. ٣ - الدكتور محمد أديب الصالح. ٤ - الدكتور محمد علي عثمان. ٥ - الدكتور محمود الحريري. ٦ - الشيخ أحمد الأمين الشنقيطي. ٧ - الشيخ بديع الدين شاه السندي. ٨ - الشيخ عبد العزيز السبيل "وهو أخو إمام الحرم محمد السبيل". ٩ - الشيخ عبد الفتاح أبو غدة. ١٠ - الشيخ عبد القادر السندي. ١١ - الشيخ عبد الله بن حميد "رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية، ومؤسس معهد الحرم المكي". ١٢ - الشيخ محمد الأمين الشنقيطي "وهو غير صاحب أضواء البيان". ١٣ - الشيخ يحيى بن عثمان المكي. رابعًا: المؤهلات الأكاديمية: يحمل الدكتور المؤهلات الأكاديمية التالية: ١ - دكتوراه في السنة وعلومها. ٢ - أستاذًا مشاركًا في السنة وعلومها. ٣ - أستاذًا في السنة وعلومها. خامسًا: الإجازات العلمية: للدكتور ثبت بإجازات علمية من طريق الشيخ قاسم بحر حفظه الله -وهو أحد علماء تهامة- إلى مجموعة كبيرة من العلماء في داخل اليمن وخارجها.

стр. 5

سادسًا: الوظائف التي يشغلها: يعمل الدكتور حاليًا: ١ - أستاذًا في "كلية التربية" في: "جامعة صنعاء" في: "الجمهورية اليمنية". ٢ - مشرفًا على بعض الرسائل الجامعية. سابعًا: الإنتاج العلمي "البحوث والمؤلفات ": للدكتور العديد من المؤلفات، كالتالي: • أولًا: المؤلفات المطبوعة: ١ - معجم علوم الحديث النبوي. طبع ونشر: دار الأندلس الخضراء، جدة، عام (٢٠٠٠ م). ٢ - مع المشككين في السنة. وهو هذا الكتاب، وهو سلسلة ردود على بعض منكري السنة والطاعنين فيها. ٣ - معاصي النساء "كتيب". طُبع في: صنعاء. ٤ - رياض الصائمين "كتيب حديثي". طُبع في: صنعاء. ٥ - شرح عقيدة السلف في ضوء الكتاب والسنة. طُبع في: صنعاء. ٦ - تهذيب سيرة الخلفاء الراشدين. طُبع في: صنعاء. ٧ - مظاهر الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة "بحث منشور في مجلة علمية مُحكَّمّة خارجية". ٨ - رواة الحديث من أهل ذمار إلى نهاية القرن الثالث الهجري "بحث منشور في مجلة علمية مُحكَّمّة داخلية". ٩ - الإمام ابن الديبع الشيباني وجهوده في الحديث "بحث قُدم لمؤتمر زبيد الذي أقامته كلية الآداب في جامعة الحديدة"، ونشر ضمن منشورات المؤتمر. ١٠ - علم التخريج ودراسة الأسانيد "بحث قُدم للنشر في مجلة علمية محلية، وتم قبوله". ١١ - هدي النبي ﷺ اليومي "بحث قُدم للنشر في مجلة علمية محكمة محلية، وتم قبوله ونشره". ١٢ - إجلال النبي ﷺ بين الحق والخلق "بحث علمي قُدم للنشر في مجلة علمية مُحكَّمّة خارجية، وتم قبوله ونشره". ١٣ - دفاع عن الصحيحين "طُبع قديمًا مستقلًا". وهو الفصل الثالث من هذا الكتاب، والذي هو بعنوان: "دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء". ١٤ - المرأة في ظل الإسلام "نُشر في مجلة محلية".

стр. 6

١٥ - رحلة الحج إلى بيت الله الحرام "كتيب". ١٦ - تسامح النبي ﷺ مع اليهود والنصارى. • ثانيًا: المؤلفات المخطوطة "غير المطبوعة ": ١ - كتاب الردة وأثرها على الفرد والمجتمع "مخطوط". كتاب تحت الطبع. ٢ - كتاب الكبائر "مخطوط". ٣ - المحرمات في الكتاب والسنة "مخطوط". وهو كتاب مرتب على الأبواب الفقهية ومجرد من الأدلة، وهو كالمتن، وقد حاول المؤلف استيعاب المحرمات فيه قدر الاستطاعة. ٤ - الصحابة في القرآن الكريم "مخطوط". ٥ - الثوابت وحكم الانتقاص منها "كتيب" "مخطوط". ٦ - طبقات علماء أهل الظاهر "مخطوط". • ثالثًا: مؤلفات الدكتور المنشورة على صفحته في الفيس بوك، ولم تطبع بعد: ١ - رحلة الذكريات. وهو سيرة ذاتية. ٢ - الأربعون في المبشرات النبوية للأمة المحمدية "كتيب حديثي". ٣ - الأربعون السلطانية "كتيب حديثي". ٤ - الأربعون في حقوق الخلق "كتيب حديثي". ٥ - الأربعون في الإخوة الإسلامية "كتيب حديثي". ٦ - مفاتيح الدعوة إلى الله تعالى "كتيب". ٧ - إلى الدعاة ما لهم وما عليهم "كتيب". ٨ - الرقية الشرعية حجيتها وضوابطها وصورها "كتيب". ٩ - أخبار الشحاتة والشحاتين "كتيب". ١٠ - ضوابط الحرية في الإسلام "كتيب". ١١ - حقيقة الإرهاب وصوره "كتيب". ١٢ - الإسلام والاختلاط "كتيب". ١٣ - منزلة الشريعة في الإسلام "كتيب". ١٤ - محبوبات النبي ﷺ "كتيب". ١٥ - مصطلحات غير شرعية "كتيب". ١٦ - ما استثناه الشرع من المحرمات "كتيب".

стр. 7

١٧ - آداب المسلم "كتاب". ويشتمل على ثلاثين أدبًا. ١٨ - المعارضة السياسية في الإسلام "كتيب". ١٩ - كتاب الجامع. وهو سلسلة منشورات متنوعة في مجالات كثيرة، ولعله يبلغ أكثر من مجلد. • رابعًا: المشاركات العلمية للدكتور في مواقع التواصل الاجتماعي غير الفيس بوك التي يمكن جمعها في مؤلفات مستقلة: ١ - فتاوى الدكتور عبد الرحمن الخميسي. وهي الفتاوى التي سئل عنها عبر قناته في التليجرام. وقد بلغت إلى الآن أكثر من (٢٤٠٠ فتوى)، ولعلها تكون في مجلدين أو أكثر. ٢ - تعبير الأحلام. وهي التعبيرات للرؤى المنامية التي سئل عنها الأستاذ الدكتور في قناته في التليجرام، وقد بلغت إلى الآن أكثر من (١١٣٠ تعبيرًا)، ولعلها تكون في مجلد ضخم (١).

стр. 8

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم هي المصدر الموازي للتشريع مع القرآن الكريم، بل قد استقلت عنه بتشريعات كثيرة لم ترد فيه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ولذلك فقد حفظها الله تعالى في الجملة بأن سخر لها رجالًا ينفون عنها تحريف الغالين وكذب الوضاعين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، يحفظونها في صدورهم ومسطورهم، ويميزون صحيحها من سقيمها، وسليمها من معلولها، فوصلت إلينا ناصعة جلية، ومكتوبة بينة. ولم يشكك فيها أحد ممن سبق إلا الزنادقة والرافضة (١)، فتصدى لهم العلماء الجهابذة قديمًا وحديثًا، وبينوا زيف ادعاءاتهم وتهافت شبهاتهم. هذا ويجب العمل بالسنة سواءً كانت قولية أو عملية عند العلماء جميعًا -غير من ذكرنا (٢) - بغير استثناء، ولا تفريق بين قولية وعملية منها؛ لأن الجميع مصدره واحد. ومن يفرق بين السنة القولية والسنة العملية أو يثير حولها الشبهات ويدعي تعارضها مع القرآن أقول له ولأمثاله: «إن في قلوبكم وعقولكم وأفهامكم مرضًا». إذ لم يزل المسلمون منذ القرن الأول وإلى اليوم يعملون بالسنة القولية والعملية والقرآن معًا، ولم يجدوا بينهم تناقضًا ولا تعارضًا، وكانوا مع ذلك سادة الدنيا والدين، هزموا الكفار والملاحدة، والقرامطة والباطنية، والخوارج وسائر الفرق الضالة بالسنان والبرهان، وردوا على أهل الكلام والفلاسفة ومن على شاكلتهم، وهزموهم كذلك، ودحضوا حججهم. وبقي الإسلام والمسلمون وعلماء الحديث وسائر أهل العلم تقرأ بينهم كتب الحديث وتتداول، وكانت محل إجلال وعمل، حتى جاء هذا العصر وظهرت العلمانية وانبعثت الباطنية من جديد؛ لتفصم بين المسلمين ودينهم، وتشكك في أخلاقهم وعقيدتهم.

стр. 9

سؤال لكل من يشكك في السنة النبوية: السؤال الذي يطرح نفسه على أي مشكك في السنة النبوية: هل ما تطرحه أنت شبهات أم حقائق؟ فإن كانت شبهات فاعلم أن الشبهة هي في رأسك فقط (١)، ولها حل إذا كنت تريد الحق، وإن كانت حقائق كما تزعم فيلزم من ذلك أن المسلمين كانوا جميعًا منذ القرن الأول على ضلال وباطل، وأنت فقط على الحق.؟ وهذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، مما يدل بل ويبطل جميع شبهاتك وضلالاتك وإفكك.

стр. 10

ودليل آخر: هل هذا الذي تقوله قاله المتقدمون قبلك أم لا؟ فإن كانوا قد قالوا به فأين مصدره إن كنت صادقًا؟ وإن لم يقولوا به فهذا يدل على أن ما تقوله مجرد شبهات ضالة، طرأت عليك أنت فقط؛ لمرض في قلبك وفساد في عقلك وعقيدتك، فاذهب وأصلح قلبك وعقيدتك، وإلا فالمصير لك محتوم، والعاقبة بالسوء معلومة (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣، والزمر:٢٣، والزمر:٣٦، وغافر:٣٣].

стр. 11

سبب تأليف الكتاب نشر شخص يدعي بأنه مستشار ومحام وباحث إسلامي (١) ترهات وأكاذيب وشبهات حول السنة في منشور له طويل باسم: "صور من الضياع الفقهي للفقهاء" (٢). كشف فيه عن جهله المركب بالقرآن والسنة، وعن حقده الدفين على علماء الحديث، وخاصةً الإمام البخاري، وعن سوء معتقده وانحرافه الفكري. ومحصلة منشوره هو ما يلي: إنكار السنة القولية بدعوى: ١ - تعارضها مع القرآن الكريم. ٢ - اتهام المحدثين باختلاقها. وقد صح عندي العزم على الرد على هذا المنشور باختصار وإيجاز؛ كونه قد انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وتسبب في بعض التساؤلات عند البعض وربما الحيرة، مما يحتم القيام بهذا الواجب الكفائي، والحمد لله الذي شرح صدري لذلك بعد أن كنت أرفض الردود على الشبهات؛ لعدم جدواها عند مثيريها، لكنها مفيدة جدًا لغيرهم. فاستعنت بالله تعالى في الرد عليه من أجل: أولًا: الدفاع عن الحق وعن السنة المطهرة ورواتها. ثانيًا: إزالة ما ترسخ من شبهات في عقول بعض طلاب العلم. ثالثًا: بيان جهل هذا المفتري الأفاك بالقرآن والسنة، وأنه لا صلة له بالعلم لا من قريب ولا من بعيد. وكنت في أول الأمر قد نشرت هذه الردود في سلسلة منشورات على صفحتي في الفيس بوك، وقد بلغ عدد هذه المنشورات -بما فيها المقدمة والخاتمة- (٥٦) منشورًا. ثم لما اطّلع أحد الإخوة (٣) على هذه المنشورات قام بجمعها وترتيبها في كتاب جزاه الله خيرًا؛ من أجل أن تعم به الفائدة، مما استدعى مني إعادة النظر فيها، وتعديل أو إضافة ما رأيته صالحًا لذلك، وأصلحت فيه ما يلزم؛ حتى خرج على هذا النحو. وحتى تتم الفائدة من الكتاب رأيت أن أضيف إليه: ١ - بحث كنت نشرته قديمًا في إحدى المجلات العلمية، وهو بعنوان: "خصائص السنة المطهرة". ٢ - بعض الردود التي لديَّ على بعض الشبه التي يثيرها منكرو السنة، وكنت قد كتبتها -أيضًا- قديمًا، ونُشر بعضها في إحدى الجرائد المحلية وبعضها لم يكن قد نُشر بعد، وهي بعنوان: "دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء"، رددت فيها على "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" لعدنان الجُنيد. ولذلك جاء الكتاب في ثلاثة فصول، كالتالي: الفصل الأول: خصائص السنة المطهرة. وهو كالتمهيد للكتاب. الفصل الثاني: الرد على شبهات منشور: "صور من الضياع الفقهي للفقهاء". الفصل الثالث: دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء. والله تعالى أسأل أن يرزقني الإخلاص والسداد في القول والعمل، وأن يتقبله مني؛ وهو سبحانه الهادي والموفق والمجيب. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود:٨٨].

стр. 12

الفصل الأول خصائص السنة المطهرة ويشتمل على: مقدمة. أولًا: الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن. ثانيًا: خصائص السنة التي انفردت بها.

стр. 13

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للثقلين، سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإننا متعبدون بالسنة المطهرة المنقولة عن نبينا ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا كما أننا متعبدون بالقرآن؛ وذلك لأنها وحي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ ، وتنزل بها جبريل كما تنزل بالقرآن، إلا أن الفرق بينهما أن القرآن الكريم معجزة باقية حتى تقوم الساعة، محفوظ من التغيير والتبديل، متواتر اللفظ في جميع كلماته وحروفه، ونزل بوحي جلي، بخلاف السنة، فإن معناها من الله وأحيانًا من النبي ﷺ ، ولفظها من النبي ﷺ ، وقد تكون بوحي وبغير وحي. والقرآن الكريم متعبد بتلاوته، ويتعين قراءته في الصلاة، وتحرم روايته بالمعنى، بخلاف السنة. وللسنة خصائص أخرى شاركت فيها القرآن، وخصائص انفردت بها عن سائر العلوم. ولأهمية هذا الموضوع فقد أفردته بالبحث هنا تحت مسمى: "خصائص السنة المطهرة". وقسمته كالتالي: أولًا: الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن، وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: كون السنة وحيًا من الله تعالى. المبحث الثاني: تسمية السنة بـ"الكتاب". المبحث الثالث: نقل السنة بالإسناد المتصل. المبحث الرابع: وجوب العمل بالسنة. المبحث الخامس: كون منكر السنة كافرًا. المبحث السادس: حفظ السنة في الجملة. المبحث السابع: خطر التهاون بالسنة. ثانيًا: خصائص السنة التي انفردت بها، وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: انفراد السنة بالتشريع. المبحث الثاني: انفراد السنة ببيان القرآن الكريم. المبحث الثالث: قواعد وشروط قبول السنة. المبحث الرابع: تسمية السنة بـ"الحكمة".

стр. 14

المبحث الخامس: كثرة الصلاة على النبي ﷺ من المشتغل بالسنة. المبحث السادس: دعاء النبي ﷺ لمن يتعلم السنة بالنضارة. وقد جاء القسم الأول أطول من الثاني؛ وذلك بسبب غزارة مادته العلمية، ولو أراد الباحث أن يطيل النفس فيه لجاء بأضعاف ما كُتب، بخلاف القسم الثاني، فالمادة العلمية الموجودة فيه قليلة جدًا. ولكون هذا مما قد لا ينتبه له القارئ الفطن فقد لزم التنبيه عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 15

أولاً الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: كون السنة وحيًا من الله تعالى. المبحث الثاني: تسمية السنة بـ"الكتاب". المبحث الثالث: نقل السنة بالإسناد المتصل. المبحث الرابع: وجوب العمل بالسنة. المبحث الخامس: كون منكر السنة كافرًا. المبحث السادس: حفظ السنة في الجملة. المبحث السابع: خطر التهاون بالسنة.

стр. 16

المبحث الأول كون السنة وحيًا من الله تعالى السنة وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، وتنزل بها الأمين جبريل ﵇ كما تنزل بالقرآن الكريم، غير أنه تنزل بالقرآن الكريم بلفظه ومعناه من الله تعالى، وأما السنة فتنزل بمعناها، وأما لفظها فمن النبي ﷺ ، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٣ - ٤]. قال الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي في تفسيره في معنى هذه الآية: «أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان» (١)، ثم أورد بعض الأحاديث التي تدل على أن ما يقوله أو يفعله حق، وليس عن هوى أو غرض (٢). وقال الإمام محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره: «وفيها أيضًا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل» (٣). وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني: «أي: ما يصدر نطقه عن الهوى، لا بالقرآن ولا بغيره، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، أي: ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه» (٤). فهذه أقوال بعض أئمة التفسير تدل على: أن السنة من الوحي المنزل. وجزم بذلك بعض أئمة التابعين، وهو حسان بن عطية المحاربي الدمشقي، فقال: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، يُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ» (٥).

стр. 17

وبنحو هذا قال قتادة بن دعامة السدوسي، فقد روى عنه ابن جرير الطبري في معنى الآية السابقة أنه قال: «قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]: «أَيْ: مَا يَنْطِقُ عَنْ هَوَاهُ»، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، قال: «يُوحِي اللَّهُ ﵎ إِلَى جَبْرَائِيلَ، وَيُوحِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (١)» (٢). ورأى بعض أئمة التفسير أن المقصود بالوحي في الآية هو: "القرآن خاصة". وممن قال بهذا: ١ - إمام أهل التفسير في عصره محمد بن جرير الطبري، حيث قال: «يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]، يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه» (٣). ٢ - أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم:٣] يريد: محمدًا ﷺ أنه ليس يتكلم عن هواه، أي: بهواه وشهوته. وقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة. ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور، كما قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ﴾ [الجاثية:٢٩] (٤). وأسند الفعل إلى القرآن الكريم ولم يتقدم له ذكر؛ لدلالة المعنى عليه.

стр. 18

وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤] يراد به: القرآن بإجماع» (١). وما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من أن المراد بالوحي في الآية هو "القرآن" لا شك ولا خلاف فيه، غير أنه لا يمتنع أن يراد به مطلق الوحي على النبي ﷺ ، فيشمل: القرآن، والسنة. وهذا المراد هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل تأويلًا غيره. وقد جاء تفسير هذا المراد عن النبي ﷺ نفسه في أحاديث كثيرة، وقد بينت هذه الأحاديث أن ما يقوله ﷺ هو حق تلقاه من الله تعالى. ومن هذه الأحاديث: ١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (٢). وفي رواية عند الإمام أحمد: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا حَقًّا) (٣). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَاّ حَقًّا) (٤). ٣ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنِّي لَأَمْزَحُ، وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) (٥).

стр. 19

٤ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِنِّي لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا) (١). ٥ - عن أبي أمامة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ -أَوْ: مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ- رَبِيعَةَ وَمُضَرَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَ مَا رَبِيعَةُ مِنْ مُضَرَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ) (٢). ومعنى قوله: (إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ) أي: إنما أتكلم بما علمني الله وأنطقني، وليس هو من عند نفسي ولا باجتهاد مني. قال الإمام المبارك بن محمد الجزري المعروف بـ"ابن الأثير" في معنى قول سعيد بن المسيب لما سئل: «ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: أقول ما قوّلني الله» (٣). قال ابن الأثير: «يقال: قوَّلتني وأقولتني، أي: علمتني ما أقول وأنطقتني وحملتني على القول» (٤). ٦ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ) (٥).

стр. 20

ومعنى قوله: (أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) كما قال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي: «يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أن يكون معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو. ويحتمل: أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحيًا يتلى وأوتي من البيان، أي: أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعم ويخص وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن» (١). ٧ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ. وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) (٢).

стр. 21

المبحث الثاني تسمية السنة بـ «الكتاب» ما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظ "كتاب الله" أن المقصود به هو "القرآن الكريم" هذا لا شك فيه، غير أنه قد ورد عن النبي ﷺ تسمية السنة بـ"كتاب الله"، ومن ذلك: ١ - حديث: (لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ). وقضى بالقرآن والسنة، وذلك في قصة العسيف (١) التي رواها الشيخان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ قَالَا: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ (٢)، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ (٣) - فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) (٤). وفي لفظ في الصحيحين: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ! عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) (٥). والرجم والتغريب في السنة وليسا في القرآن. فدل على هذا على: صحة تسمية السنة بكتاب الله. قال ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني في بيان المراد بـ"كتاب الله" في الحديث: «والمراد بكتاب الله: ما حكم به وكتب على عباده. وقيل: المراد: القرآن. وهو المتبادر.

стр. 22

وقال بن دقيق العيد: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله (١). قيل: وفيما قال نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي ﷺ أن السبيل: جلد البكر ونفيه، ورجم الثيب. قلت (٢): وهذا أيضًا بواسطة التبيين. ويحتمل أن يراد بكتاب الله: الآية التي نسخت تلاوتها، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" ... وبهذا أجاب البيضاوي، ويبقى عليه التغريب. وقيل: المراد بكتاب الله: ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، فلذلك قال: (الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ رَدٌّ عَلَيْكَ). والذي يترجح: أن المراد بكتاب الله: ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره» (٣). قلت: والذي يترجح لي: أن المراد بكتاب الله في هذه القصة هو: القرآن والسنة، ففيهما أمر الله وحكمه وما كتبه على عباده والأمر باتباع رسوله ﷺ وطاعته، وجلد البكر والنهي عن أكل المال بالباطل، وفي السنة وحدها نفي الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن، والآية المنسوخة الواردة في رجمه قد ثبتت بالسنة، ولم تثبت قرآنًا. ٢ - حديث عائشة ﵂: (أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي؛ فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) (٤).

стр. 23

فقول النبي ﷺ : (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) يريد به: القرآن والسنة؛ بدليل قوله ﷺ : (إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)؛ لأن هذا اللفظ والحكم ثابت في السنة، وليس في القرآن. وإلى هذا نحا ابن بطّال علي بن خلف القرطبي، حيث قال: «قوله: (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (١) معناه: في حكم الله وقضائه من كتابه وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة» (٢). ٣ - قال عمر بن الخطاب ﵁ وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ) (٣). فقوله: (وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ) أي: أصله، ثم بينه النبي ﷺ بقوله وفعله. وقال ابن حجر في معنى قول عمر ﵁ هذا: «أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي ﷺ أن المراد به: رجم الثيب، وجلد البكر، كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف» (٤). وفي تسمية السنة بـ"كتاب الله" دلالات عظيمة، منها: ١ - زيادة الاعتناء بها وأهميتها، وعظم شأنها ومكانتها في التشريع الإسلامي، وكونها وحيًا من عند الله . ٢ - مساواة أحكامها لأحكام القرآن الكريم، وعدم جواز التفريق بينهما في ذلك.

стр. 24

٣ - وجوب العمل بما ثبت منها كالقرآن الكريم، سواء كان الثابت آحادًا أو متواترًا، وسواء في العقائد والأحكام وغيرهما. ٤ - وجوب التقاضي إليها والحكم بها كما يتقاضى إلى القرآن الكريم ويحكم به. ٥ - وجوب إجلالها واحترامها وتوقيرها، وإن ذلك من إجلال النبي ﷺ وتوقيره واحترامه. ٦ - حرمة تنقصها وازدرائها، كما يحرم تنقص وازدراء القرآن الكريم.

стр. 25

المبحث الثالث نقل السنة بالإسناد المتصل الإسناد هو أحد ركني الحديث الذي يتوقف عليهما قبول الحديث ورده، وقد كان العلماء في بداية الأمر يتساهلون فيه، فيقبلون الحديث بدونه، حتى كثرت الأهواء بين الناس وتعددت مشاربهم وأوغلوا في الفتن، وقد أدى ذلك إلى ظهور الكذب فيهم، فعند ذلك طالبوا كل محدث بالإسناد، وامتنعوا عن قبول أي حديث لا يشتمل عليه. قال محمد بن سيرين: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١). وأجمع المحدثون على: أن الرواية بالإسناد عن فلان عن فلان إلى منتهاه من الدين الذي أمر الناس به. قال محمد بن سيرين أيضًا: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» (٢). وقال عبد الله بن المبارك المروزي: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (٣). والإسناد من خصائص هذه الأمة؛ إذْ أننا لم نجد عند أي أمة من الأمم السابقة فيما يروونه من دينهم: "حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، إلى أن يصل الإسناد إلى النبي أو إلى من دونه"، وإنما نجد مثل هذا عند هذه الأمة منذ الصدر الأول إلى اليوم، ونقلت جميع علوم ذلك الصدر فمن بعده إلى نهاية عصر الرواية بالإسناد المتصل، فالقرآن نقل بالإسناد المتواتر، والسنة نقلت بالإسناد المتواتر والآحاد، وحتى الأخبار التاريخية والشواهد اللغوية نقلت بالإسناد. فعند أي أمة من الأمم السابقة نجد مثل هذا؟ قال ابن حزم علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي: «نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين، دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه. قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى.

стр. 26

قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص» (١). وقال أبو علي الجياني الحسين بن محمد الأندلسي: «خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء ولم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب» (٢). وقال أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس الحنظلي: «لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة» (٣). وقال محمد بن المظفر البغدادي: «إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر؛ حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا. فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة. نستوزع الله شكر هذه النعمة» (٤). وبهذا تتجلى لنا أهمية الإسناد، ويمكن أن نجملها فيما يلي: ١ - أنه من الدين، أي: من حيث الأمر به وطلبه، والرواية به، وعدم جواز تركه إذا لزم. ٢ - أنه من خصائص الأمة الإسلامية. ٣ - أنه يتوقف عليه صحة الحديث من عدمه. ٤ - أنه تتميز به أنواع الحديث المقبول من متواتر وصحيح لذاته وصحيح لغيره وحسن لذاته وحسن لغيره. ٥ - أنه تتميز به أنواع الحديث الضعيف من موضوع ومنكر وشاذ ومعلل ومضطرب ونحو ذلك.

стр. 27

٦ - أنه يتميز به كلام النبي ﷺ من غيره، فيعرف بالإسناد كون الحديث مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا. ٧ - أنه يعرف به الإسناد العالي من الإسناد النازل. ٨ - أنه يعرف به قوة الرواة من ضعفهم من حيث تفاوت الضبط والعدالة فيما بينهم. ٩ - أنه تتميز به أنواع كثيرة من علوم الحديث المتعلقة به، كـ: رواية الآباء عن الأبناء وعكسه، ومعرفة الصحابة ﵃ والتابعين، والإخوة والأخوات، ورواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الأقران والمدبج، والسابق واللاحق، وغير ذلك.

стр. 28

المبحث الرابع وجوب العمل بالسنة ينبع القول بوجوب العمل بالسنة مما تشتمل عليه السنة من استقلالية في الأحكام وبيان مفصل للقرآن الكريم، إذ لو قال قائل أو نادى منادٍ بالاستغناء عنها والاكتفاء بالقرآن عنها لأبطل معظم الدين، ولما اهتدي إلى القيام بكثير من فرائضه وأحكامه. على أن مثل هذه المناداة لم تكن معروفة في السلف، وإنما وجدت بعدهم بين الزنادقة ثم في عصرنا الحاضر من المستشرقين وأذنابهم من المستغربين ومن يطلق عليهم بـ"القرآنيين" ممن لا يعرفون من القرآن إلا التلاوة التي تكاد لا تجاوز حناجرهم، بل إن كثيرًا منهم لا يحسنها، وإذا أحسنها فإنها لا يعرفها، وإذا عرفها فإنه لا يعمل بها. وقد دل على وجوب العمل بالسنة: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع. أولاً: الأدلة من القرآن الكريم: يدل على وجوب العمل بالسنة من القرآن: آياته الدالة على وجوب اتباع الرسول ﷺ وطاعته والاحتكام إلى سنته والرد إليها، وهي كثيرة جدًا، منها: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر:٧]. ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩]. ٤ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١]. ٥ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. فهذه الآيات وغيرها مما في معناها تدل دلالة واضحة على: وجوب العمل بالسنة؛ لكون ذلك من طاعة الرسول ﷺ ومحبته والاقتداء به والتسليم لأمره والانقياد لحكمه، ومن لم يعمل بالسنة فليس مطيعًا للرسول ﷺ ولا محبًا له ولا مقتديًا به ولا ممتثلًا لأمره ولا مجتنبًا لنهيه، بل هو عاصٍ لله ولرسوله ﷺ على اختلاف درجات المعصية، مستحق لما توعده الله به ورسوله ﷺ في الآخرة، وعلى هذا دل الكتاب والسنة، ومن ذلك:

стр. 29

١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب:٣٦]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣]. ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (١). ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية: وردت في السنة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ توجب العلم بسنته، منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ السابق: أن رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ قُلْتُ: "نَعَمْ" لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ) (٣). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) (٤). ٤ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ! وَيَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ. وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (٥).

стр. 30

٥ - عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ! فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (١). ٦ - عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) (٢). وفي رواية عنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) (٣). ٧ - عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) (٤).

стр. 31

٨ - عن مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي. وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ) (٢). ٩ - عن أنس ﵁: (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (٣). ١٠ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) (٤).

стр. 32

١١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) (١). وفي رواية: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٢). ١٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) (٣). ثالثًا: الدليل من الإجماع: أجمع المسلمون منذ الصدر الأول إلى اليوم على وجوب العمل بالسنة، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة وبعض الفرق الضالة ممن لا يعتد بها ولا بخلافها عند أهل العلم. وممن نقل الإجماع على هذا: ١ - ابن حزم، حيث قال: «فصل فيه أقسام الإخبار عن الله تعالى: قال أبو محمد (٤): جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال ففرضٌ اتباعُه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله. ثم اختلف المسلمون في الطريق المؤدية إلى صحة الخبر عنه ﵇ بعد الإجماع المتيقن المقطوع به على ما ذكرنا وعلى الطاعة من كل مسلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩]» (٥).

стр. 33

٢ - العلامة محمد بن علي الشوكاني، حيث قال: «اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على: أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)، أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن» (١).

стр. 34

المبحث الخامس كون منكر السنة كافرًا لم يختلف العلماء فيما بينهم أن من أنكر السنة وردها جملة وتفصيلًا وجحد ورودها عن النبي ﷺ بالكلية أنه كافر زنديق؛ وذلك لأنه: ١ - مكذب لله ولرسوله ﷺ . ٢ - منكر لأمر قطعي معلوم من الدين بالضرورة. ٣ - مؤمن ببعض الكتاب وكافر ببعض. ٤ - مستهزئ بالنبي ﷺ . ٥ - متبع لغير سبيل المؤمنين. وتفصيل ذلك كالتالي: ١ - أما كونه مكذبًا لله ولرسوله ﷺ فلأن الله تعالى أخبر: أن السنة وحي من عنده، وأنها مبينة للقرآن ومستقلة عنه في التشريع، وأنه يجب الانقياد لذلك والأخذ به، وأكد النبي ﷺ ذلك بقوله وفعله. فقال المنكر للسنة: إن الأمر ليس كذلك. ٢ - وأما كونه منكرًا لأمر قطعي فلأنه لا خلاف في ذلك بين جمهور المسلمين حتى أصبح ذلك معلومًا لكل أحد، ومثل هذا هو الذي يسميه العلماء: "المعلوم من الدين بالضرورة" الذي يحكم على منكره بالكفر. ٣ - وأما كونه مؤمنًا ببعض الكتاب وكافرًا ببعض فلأنه فرق بين القرآن والسنة في الإيمان والعمل، وهما عند المسلمين في هذا شيء واحد بالإجماع، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة:٨٥]. ٤ - وأما كونه مستهزئًا بالنبي ﷺ فظاهر من عدم إيمانه بالسنة وعدم قبوله لها، وتركه للعمل بها استخفافًا. وهذا كفر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. ٥ - وأما كونه متبعًا لغير سبيل المؤمنين فلأن المؤمنين صدرًا بعد صدر وجيلًا بعد جيل على الإيمان بالسنة والعمل بها، فمن أنكرها لم يكن منهم، ولا هو متبع لسبيهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء:١١٥].

стр. 35

وقد نقل الإجماع على كفر منكر السنة غير واحد من أهل العلم، منهم: ١ - الإمام ابن حزم، حيث قال: «مسألة: وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي ﷺ أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي ﵇ فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥]» (١). وقال كذلك: «فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة. ولو أن امرءًا قال: "لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن" لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك. وقائل هذا كافر مشرك، حلال الدم والمال. وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم» (٢). وقال أيضًا: «وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى:١٠]. فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام نبيه ﷺ على ما قدمنا آنفًا. فلم يسمع (٣) مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر على رسول الله ﷺ ، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق. وأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما فهو كافر شك (٤) عندنا في ذلك. وقد ذكرنا (٥) محمد بن نصر المروزي: أن إسحاق بن راهويه كان يقول: "من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر". ولم نحتج في هذا بإسحاق، وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا منفردون بهذا القول. وإنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله ﷺ بقول الله تعالى مخاطبًا لنبيه ﷺ : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. قال علي (٦): هذه كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه ووصيته الواردة عليه.

стр. 36

فليفتش الإنسان نفسه، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله ﷺ في كل خبر يصححه مما قد بلغه أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله ﷺ ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان أو قياسه واستحسانه وأوجد (١) نفسه تُحَكّم فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله ﷺ متى صاحت فمن دونه -فليعلم أن الله تعالى قد أقسم -وقوله الحق-: إنه ليس مؤمنًا. وصدق الله تعالى. وإذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث» (٢). ٢ - الإمام جلال الدين السيوطي، حيث قال: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشرَ مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكَفَرَة» (٣). ٣ - ابن حجر العسقلاني، فقد ذكر ذلك عند بيانه لضابط البدعة المكفرة التي ترد بها رواية قائلها، فقال: «فالمعتمد أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله» (٤). قلت: وعلى هذا فمنكر السنة كافر؛ لأنها متواترة عن النبي ﷺ في العموم معلومة من الدين بالضرورة، وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وقد سأله إنسان (٥) عن الصلاة في السفر: (رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ) (٦).

стр. 37

المبحث السادس حفظ السنة في الجملة لقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من أن تمتد إليه يد التحريف بزيادة أو نقصان، وتولّى سبحانه حفظه، ولم يكل ذلك إلى أحد سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩]. ولما كان هذا القرآن الكريم يشتمل على أحكام وفرائض وحدود وأوامر ونواه مجملة ومطلقة وعامة ومبهمة فقد أوجب الله تعالى على رسوله ﷺ تبيينها وتوضيحها للناس؛ حتى لا يلتبس عليهم دينهم وكتاب ربهم، فقام ﷺ بذلك أحسن قيام، وذلك فيما يعرف بين المسلمين بـ"السنة". وعلى هذا الاعتبار فلم يكن من المجازفة القول: إن من تمام حفظ القرآن حفظ السنة كذلك؛ لأنه لا يعبد الله حق عبادته بدونها، ولا يعبد كما شرع - جل وعلا -. ولأجل هذا فقط حفظ الله تعالى سنة نبيه ﷺ في الجملة، وذلك من خلال تسخيره لها رجالًا يحفظونها في صدورهم وكتبهم، وينفون عنها تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. طُرق حفظ السنة النبوية: يمكن أن تُجمل العوامل التي حُفظت بها السنة في الآتي: أولاً: الكتابة: وتعني: كتابة الحديث وجمعه لا على سبيل الاستقصاء والتبويب. وقد ابتدأت كتابة السنة في عهد النبي ﷺ (١)، وأشهر من كان يكتب الحديث في هذا العهد: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ويدل لذلك: ١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (٢). ٢ - عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ قال: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» (٣).

стр. 38

وقد جمع عبد الله بن عمرو ﵄ حديثه عن النبي ﷺ في صحيفة سماها: "الصادقة"، وقد روى عنه مجاهد أنه قال ﵁: (مَا يُرَغِّبُنِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا الصَّادِقَةُ وَالْوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا الْوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا) (١). ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاض ﵄ هو الذي يكتب الحديث عن النبي ﷺ فقط، بل كان يكتب عنه غيره من الصحابة ﵃، ومما يدل على ذلك: ١ - حديث علي بن أبي طالب ﵁، فقد جاء عن أبي جُحيفة قال: (قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (٢) وَفَكَاكُ الأَسِيرِ (٣) وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) (٤). ٢ - حديث عبد الله بن عمرو ﵄ نفسه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، بَلْ مَدِينَةُ هِرَقْلَ أَوَّلًا) (٥).

стр. 39

فقوله ﵁: (نَكْتُبُ) فيه دلالة على عدم اختصاصه ﵁ بالكتابة عن النبي ﷺ ، وأنه كان يكتب غيره معه ﵁. ٣ - ومما يدل على فشو وكتابة الحديث في عهد النبي ﷺ : حديث أبي هريرة ﵁ في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح، وفيه: (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ (١) لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (٢). فهذه الخطبة كانت في فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وقد سمعها الآلاف من الصحابة ﵃. وفي هذا الحديث وغيره مما سبق: دلالة واضحة على نسخ النهي الوارد عن النبي ﷺ في كتابة الحديث، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) (٣). وقيل أيضًا في التوفيق بين هذا الحديث والأحاديث التي قبله: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك. أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما. أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس. وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك (٤).

стр. 40

ولأجل هذا التعارض الظاهر بين الأحاديث وقع الاختلاف في كتابة العلم بين السلف من الصحابة ﵃ والتابعين، فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، كما قال القاضي عياض (١). ولولا كتابة العلم لاندرس وذهبت معالمه وآثاره، قال الحافظ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في الصدر الأول في جواز كتابة الحديث: «ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (٢). وقد نقلت قبله نقل النووي عن القاضي: أن السلف من الصحابة ﵃ والتابعين اختلفوا كثيرًا في كتابة العلم (٣)، ثم قال القاضي: «ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف» (٤). ثانيًا: الحفظ: والمقصود به هنا: حفظ السنة في الصدور. وقد هيأ الله تعالى لهذه السنة في عصر النبي ﷺ ثم في العصور التي بعده إلى نهاية عصر الرواية رجالًا حفظوها في صدورهم كما كانوا يحفظون السورة من القرآن. وقد اشتهر هؤلاء الرجال في الأمة حتى عرفوا بين الناس بـ"الحفاظ" مع تفاوتهم في ذلك، وكان باعثهم في ذلك عدة أمور:
следующие страницы →