← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فليفتش الإنسان نفسه، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله ﷺ في كل خبر يصححه مما قد بلغه أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله ﷺ ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان أو قياسه واستحسانه وأوجد (١) نفسه تُحَكّم فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله ﷺ متى صاحت فمن دونه -فليعلم أن الله تعالى قد أقسم -وقوله الحق-: إنه ليس مؤمنًا. وصدق الله تعالى. وإذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث» (٢). ٢ - الإمام جلال الدين السيوطي، حيث قال: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشرَ مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكَفَرَة» (٣). ٣ - ابن حجر العسقلاني، فقد ذكر ذلك عند بيانه لضابط البدعة المكفرة التي ترد بها رواية قائلها، فقال: «فالمعتمد أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله» (٤). قلت: وعلى هذا فمنكر السنة كافر؛ لأنها متواترة عن النبي ﷺ في العموم معلومة من الدين بالضرورة، وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وقد سأله إنسان (٥) عن الصلاة في السفر: (رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ) (٦).

стр. 37

المبحث السادس حفظ السنة في الجملة لقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من أن تمتد إليه يد التحريف بزيادة أو نقصان، وتولّى سبحانه حفظه، ولم يكل ذلك إلى أحد سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩]. ولما كان هذا القرآن الكريم يشتمل على أحكام وفرائض وحدود وأوامر ونواه مجملة ومطلقة وعامة ومبهمة فقد أوجب الله تعالى على رسوله ﷺ تبيينها وتوضيحها للناس؛ حتى لا يلتبس عليهم دينهم وكتاب ربهم، فقام ﷺ بذلك أحسن قيام، وذلك فيما يعرف بين المسلمين بـ"السنة". وعلى هذا الاعتبار فلم يكن من المجازفة القول: إن من تمام حفظ القرآن حفظ السنة كذلك؛ لأنه لا يعبد الله حق عبادته بدونها، ولا يعبد كما شرع - جل وعلا -. ولأجل هذا فقط حفظ الله تعالى سنة نبيه ﷺ في الجملة، وذلك من خلال تسخيره لها رجالًا يحفظونها في صدورهم وكتبهم، وينفون عنها تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. طُرق حفظ السنة النبوية: يمكن أن تُجمل العوامل التي حُفظت بها السنة في الآتي: أولاً: الكتابة: وتعني: كتابة الحديث وجمعه لا على سبيل الاستقصاء والتبويب. وقد ابتدأت كتابة السنة في عهد النبي ﷺ (١)، وأشهر من كان يكتب الحديث في هذا العهد: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ويدل لذلك: ١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (٢). ٢ - عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ قال: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» (٣).

стр. 38

وقد جمع عبد الله بن عمرو ﵄ حديثه عن النبي ﷺ في صحيفة سماها: "الصادقة"، وقد روى عنه مجاهد أنه قال ﵁: (مَا يُرَغِّبُنِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا الصَّادِقَةُ وَالْوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا الْوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا) (١). ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاض ﵄ هو الذي يكتب الحديث عن النبي ﷺ فقط، بل كان يكتب عنه غيره من الصحابة ﵃، ومما يدل على ذلك: ١ - حديث علي بن أبي طالب ﵁، فقد جاء عن أبي جُحيفة قال: (قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (٢) وَفَكَاكُ الأَسِيرِ (٣) وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) (٤). ٢ - حديث عبد الله بن عمرو ﵄ نفسه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، بَلْ مَدِينَةُ هِرَقْلَ أَوَّلًا) (٥).

стр. 39

فقوله ﵁: (نَكْتُبُ) فيه دلالة على عدم اختصاصه ﵁ بالكتابة عن النبي ﷺ ، وأنه كان يكتب غيره معه ﵁. ٣ - ومما يدل على فشو وكتابة الحديث في عهد النبي ﷺ : حديث أبي هريرة ﵁ في خطبة النبي ﷺ يوم الفتح، وفيه: (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ (١) لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (٢). فهذه الخطبة كانت في فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وقد سمعها الآلاف من الصحابة ﵃. وفي هذا الحديث وغيره مما سبق: دلالة واضحة على نسخ النهي الوارد عن النبي ﷺ في كتابة الحديث، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) (٣). وقيل أيضًا في التوفيق بين هذا الحديث والأحاديث التي قبله: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك. أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما. أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس. وهو أقربها مع أنه لا ينافيها. وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك (٤).

стр. 40

ولأجل هذا التعارض الظاهر بين الأحاديث وقع الاختلاف في كتابة العلم بين السلف من الصحابة ﵃ والتابعين، فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، كما قال القاضي عياض (١). ولولا كتابة العلم لاندرس وذهبت معالمه وآثاره، قال الحافظ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في الصدر الأول في جواز كتابة الحديث: «ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (٢). وقد نقلت قبله نقل النووي عن القاضي: أن السلف من الصحابة ﵃ والتابعين اختلفوا كثيرًا في كتابة العلم (٣)، ثم قال القاضي: «ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف» (٤). ثانيًا: الحفظ: والمقصود به هنا: حفظ السنة في الصدور. وقد هيأ الله تعالى لهذه السنة في عصر النبي ﷺ ثم في العصور التي بعده إلى نهاية عصر الرواية رجالًا حفظوها في صدورهم كما كانوا يحفظون السورة من القرآن. وقد اشتهر هؤلاء الرجال في الأمة حتى عرفوا بين الناس بـ"الحفاظ" مع تفاوتهم في ذلك، وكان باعثهم في ذلك عدة أمور:

стр. 41

١ - قصد طلب العلم للفوز بنعيمه وثمرته وفائدته ورتبته في الدنيا والآخرة. ٢ - قصد التبليغ الذي أمرت به الأمة، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (١). وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل، وفيه:- أنه قال: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) (٢). ٣ - الفوز بدعاء النبي ﷺ الوارد في حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) (٣). ٤ - العلم بما اشتملت عليه الأحاديث من أمور الدين المختلفة. وهذا هو غاية طلب العلم وفائدته وثمرته. • أشهر حفاظ الحديث من الصحابة ﵃ ومن بعدهم: اشتهر حفاظ الحديث في كل عصر، من عصر النبي ﷺ ثم مرورًا بعصر التابعين ومن بعدهم إلى نهاية عصر الرواية. • أولاً: أشهر حفاظ الحديث من الصحابة ﵃ -: من أشهر حفاظ الحديث في عصر النبي ﷺ (٤): ١ - أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁. روى عن النبي ﷺ (٥٣٧٤) حديثًا. ٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي ﵄. روى عن النبي ﷺ (٢٦٣٠) حديثًا.

стр. 42

٣ - أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁. روى عن النبي ﷺ (٢٢٨٦) حديثًا. ٤ - أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂. روت عن النبي ﷺ (٢٢١٠) أحاديث. ٥ - عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ﵄. روى عن النبي ﷺ (١٦٦٠) حديثًا. ٦ - جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄. روى عن النبي ﷺ (١٥٤٠) حديثًا. ٧ - أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ﵁. روى عن النبي ﷺ (١١٧٠) حديثًا (١). • ثانيًا: أشهر حفاظ الحديث من التابعين ومن بعدهم: من أشهر حفاظ الحديث في عصر التابعين ومن بعدهم (٢): ١ - أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي. ٢ - أبو سعيد الحسن بن يسار البصري. ٣ - أبو بكر محمد بن سيرين البصري. ٤ - أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الشعبي الكوفي. ٥ - أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني. ٦ - أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري. ٧ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الدمشقي. ٨ - أبو بسطام شعبة بن الحجاج الواسطي الأزدي العتكي. ٩ - أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي. ١٠ - أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي المصري. ١١ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي المروزي. ١٢ - أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي. ١٣ - أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري. ١٤ - أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري. ١٥ - أبو زكريا يحيى بن معين البغدادي. ١٦ - أبو الحسن علي بن عبد الله السعدي المدني.

стр. 43

١٧ - أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، المعروف بـ"ابن راهويه". ١٨ - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي. ١٩ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، صاحب الصحيح. ٢٠ - أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري. ٢١ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. ٢٢ - أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي. ٢٣ - أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي. ٢٤ - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني. ٢٥ - أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي البغدادي (١). وغير هؤلاء كثير من الحفاظ، والذين يبلغون آلافًا، وقد ذكرهم الذهبي في مصنفاته، وذكرهم غيره كذلك. ثالثًا: التدوين: والمقصود به: جمع السنة على سبيل الاستقصاء والتبويب لها. وقد ابتدأ تدوين السنة بهذا المعنى في عهد الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز الأموي، حيث إنه كتب إلى عماله في الآفاق: أن يكتبوا ما وصل إليهم من حديث الرسول ﷺ . ومن هؤلاء الذين كتب إليهم بذلك عامله على المدينة: أبو بكر بن حزم، قال الإمام البخاري: «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ . وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا» (٢). قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: «قوله: «فَاكْتُبْهُ» يستفاد منه: ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز -وكان على رأس المائة الأولى- من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاءً. وقد روى أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" هذه القصة بلفظ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ» (٣)» (٤). وممن جمع السنة كذلك بأمر عمر بن عبد العزيز: الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، فقد جاء عنه أنه قال: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا. فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ دَفْتَرًا» (٥).

стр. 44

رابعًا: التصنيف: بعد التدوين الرسمي للسنة تتابع التصنيف فيها من قبل أفراد العلماء. • أشهر العلماء المصنفين في الحديث الذين وصلتنا مصنفاتهم فيه: اشتهر طائفة من العلماء بالتصنيف في السنة، سواء كانت مصنفاتهم فيها على الأبواب أو على الأسماء. • أولًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأبواب: من أشهر العلماء الذين صنفوا في السنة على الأبواب ممن وصلت إلينا مصنفاتهم (١): ١ - أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة. له: "الموطأ" على الأبواب. ٢ - أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني الحميري مولاهم. له: "المصنف" وغيره على الأبواب. ٣ - أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن شيبة العبسي الكوفي. له: "المصنف" وغيره على الأبواب. ٤ - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي. له: "السنن"، وتسمى: "المسند" تجوزًا؛ على اعتبار أن أحاديثه مسندة. ٥ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي مولاهم. له: "الصحيح" على الأبواب. وهو أول من صنف في الصحيح المجرد، وكتابه "الصحيح" أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. ٦ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. له: "الصحيح" على الأبواب، ويأتي في الرتبة بعد "صحيح البخاري". ٧ - أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة القزويني. له: "السنن" على الأبواب. ٨ - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. له: "السنن" على الأبواب. ٩ - أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. له: "الجامع" على الأبواب. ١٠ - أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي. له: "السنن" على الأبواب. ١١ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري. له: "الصحيح" على الأبواب. ١٢ - أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي. له: "الصحيح" على التقاسيم والأنواع. ١٣ - أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني. له: "السنن" على الأبواب.

стр. 45

١٤ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه ابن البيّع النيسابوري. له: "المستدرك على الصحيحين" على الأبواب. ١٥ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. له: "السنن الكبرى" وغيرها على الأبواب. • ثانيًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأسماء: من أشهر العلماء الذين صنفوا في السنة على الأسماء ممن وصلت إلينا مصنفاتهم (١): ١ - أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، المعروف بـ"ابن راهويه". له: "المسند" على الأسماء. ٢ - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، أحد الأئمة. له: "المسند" وغيره على الأسماء. ٣ - أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني. له: "المعجم الكبير" على أسماء الصحابة، و"المعجم الأوسط" و"المعجم الصغير" على أسماء شيوخه. هذه أهم كتب السنة، وعليها مدار الإسلام. وهناك كتب حديثية غيرها كثيرة تبلغ المئات، ذكرها أصحاب الفهارس، ويصعب الإحاطة بها في هذه العجالة. وقد حفظت لنا هذه المدونات: "السنة"، كما جاءت عن النبي ﷺ . خامسًا: جرح وتعديل الرواة: وهذا أحد العوامل البارزة في حفظ السنة؛ إذ أنه بجرح الراوي أو تعديله تعرف حاله من عدالة أو ضعف، ومن ثم يقبل حديثه أو يرد. وعلى هذا الأساس قبل حديث الثقة والصدوق، ورد حديث الضعيف والمتروك والكذاب. وقد كان العلماء في غاية النزاهة والأمانة والإنصاف في هذا الجانب، فلم يكونوا يقبلون جرحًا صادرًا عن جهل أو هوى أو ضعف أو اختلاف في العقيدة أو إذا كان مبهمًا، وإذا كان في الراوي جرح وتعديل لم يكونوا يقتصرون على ذكر الجرح فيه فقط، بل كانوا يذكرون الجرح والتعديل فيه معًا، ولم يحابوا أحدًا من المجروحين ولو كان أقرب الناس إليهم. قال الحافظ البيهقي: «ومن أنعم (٢) النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة وما يُقبل من الأخبار وما يُرد علم أنهم لم يألوا جهدًا في ذلك،

стр. 46

حتى إذا (١) كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال. والحكايات عنهم في ذلك كثيرة» (٢). ولأهمية هذا العلم في حفظ السنة فقد أفرده العلماء بالتصنيف، وصنفوا في كل نوع من أنواعه: - فمنهم من صنف في حقيقته وضوابطه وعباراته وأقسامه. - ومنهم من صنف في المجروحين والثقات من رواته وما قيل فيهم من جرح أو تعديل بإفراد كل نوع عن الآخر في بعض المصنفات، وبدمج الجميع في البعض الآخر. سادسًا: نقد متن الحديث: أي: معرفة علله من شذوذ ونكارة، ووقف وتصحيف، وزيادة وإدراج، ونحو ذلك. إذ أن الحديث له شقان: الإسناد، المتن. وقد يصح أحدهما دون الآخر، وإن كان في الأغلب أنه إذا صح الإسناد صح المتن، لكن أحيانًا قد يصح الإسناد عند العلماء ولا يصح المتن. ومن أمثلة ذلك: ١ - الشذوذ في المتن (٣). ٢ - ما وقع تصحيف أو تحريف في متنه (٤). ٣ - المنسوخ (٥). ٤ - مختلف الحديث الذي لا يمكن الجمع بين لفظيه افتراضًا (٦). ٥ - ما في متنه علة (٧). ٦ - المنكر من الأحاديث (٨). ٧ - مقلوب المتن (٩). ٨ - المدرج في أول المتن أو اثنائه أو آخره (١٠).

стр. 47

٩ - المضطرب في متنه (١). ومما نقد العلماء متنه كذلك: الموضوع، وله أمارات، منها: ١ - مخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة أو العادة. ٢ - وكمنافاته لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. ٣ - ومنها: ركة لفظه ومعناه. ٤ - ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير. ٥ - ومنها: أن يروي الخبر في زمن قد استقرئت فيه الأخبار ودونت، فيفتش عنه فلا يوجد في صدور الرجال ولا في بطون الكتب. ٦ - ومنها: كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل أهل البيت أو في ذم من حاربهم. إلى غير ذلك (٢). ولم أورد الأمثلة على ذلك خشية الإطالة، واكتفاء بذكر العلماء لها في المصادر المشار إليها.

стр. 48

المبحث السابع خطر التهاون بالسنة جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم وكذلك أيضًا أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في الأمر باتباع سنة النبي ﷺ ، والحث على طاعته، والتحذير من مخالفته ﷺ . وجاء فيهما كذلك العديد من النصوص المبينة لخطر مخالفة سنته ﷺ . أولاً: أمر الله - جل وعلا - باتباع السنة وتحذيره من التهاون بها: لقد عظم الله تعالى السنة، وذلك من خلال: ١ - أمره باتباع نبيه ﷺ . ٢ - أمره بطاعته ﷺ استقلالًا ومقرونًا بطاعته - جل وعلا -. ٣ - التحذير من معصيته ﷺ وبيان مغبّة ذلك. ٤ - نفي الإيمان عمن لم يُحَكّم شرعه وسنته ﷺ وينقاد لذلك أتم الانقياد. ٥ - بيان أن صفة المؤمنين السمع والطاعة لسنة النبي ﷺ . وقد ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف:١٥٧ - ١٥٨]. ٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران:٣١]. ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩]. ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور:٥٦]. ٥ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر:٧]. ٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب:٣٦]. ٧ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣].

стр. 49

٨ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء:١٤]. ٩ - قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣]. ١٠ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. ١١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور:٥١]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ثانيًا: تحذير النبي ﷺ من التهاون بالسنة: جاءت الأحاديث النبوية بعقوبات مختلفة في حق من يتهاون بالسنة، ومن تلكم العقوبات: ١ - تصلّب اليد. فعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) (١). ٢ - المسخ، وهو: تحويل الإنسان من صورته إلى صورة حيوان. وقد وقع هذا في الأمم السابقة، وسيقع أيضًا في هذه الآمة في آخر الزمان، كما أخبر النبي ﷺ . فعن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ -أَوْ: يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ-) (٣)؟ ٣ - الخسف، وهو: انشقاق الأرض وابتلاعها وتغييبها لشخص فيها بأمر الله تعالى. وقد خسف الله تعالى في الأمم السابقة بقارون وغيره، وسيقع أيضًا في هذه الأمة بأقوام. فعن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: (اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ-، فَذَكَرَ-: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ) (٤).

стр. 50

٤ - القذف بالحجارة. وقد وقع مثل هذا لقوم لوط ﵇ وأصحاب النيل، وسيقع أيضًا في هذه الأمة في آخر الزمان. فعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ. قِيلَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ) (١). ٥ - الحمل بالريح. فعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: (غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا. وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) (٢). وفي رواية ابن إسحاق قال: (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا (٣)،

стр. 51

وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ (١)، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا (٢)، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ. فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إلَّا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي

стр. 52

طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ. فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ (١)، وَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ (٢)، حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طيِّئ (٣). فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ)؟ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الْآخَرُ الَّذِي وَقَعَ بِجَبَلَيْ طيِّئ فَإِنَّ طيِّئا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) (٤).

стр. 53

٦ - الوعيد بالمخالفة بين الوجوه. فعن النعمان بن بشير ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) (١). قال النووي عن معنى هذا الحديث: «قيل: معناه: يمسخها ويحولها عن صورها؛ لقوله ﷺ : (يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) (٢). وقيل: يغير صفاتها. والأظهر -والله أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه عليَّ. لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن» (٣).

стр. 54

٧ - العقوبة في الأهل. فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا، فانْسلَ رَجُلَانِ إِلَى أَهْلَيْهِمَا، فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) (١).

стр. 55

ومثل هذه: قصة عُويمر العجلاني ﵁، فقد نهى الله تعالى ورسوله ﷺ عن السؤال عما لم يقع؛ خشية أن يكون فيه ضرر على السائل أو غيره من المسلمين، فأبى عُويمر ﵁ إلا أن يسأل، فابتُلي ﵁ بما سأل عنه، فعن سعيد بن جبير: أنه لما سئل "عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا" ولم يدرِ بما يجيب ذهب إلى ابن عمر ﵄ في منزله بمكة ولما دخل عليه سأله: (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ) (١)، إلى آخر الحديث.

стр. 56

وكذلك قال عاصم بن عدي ﵁، فعن ابن عباس ﵄ قال: (أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ (١) عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلَّا لِقَوْلِي) (٢)، إلى آخر الحديث. ٨ - الفشل والهزيمة والتراجع وذهاب الريح. فعن البراء ﵁ قال: (لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ (٣)، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا. فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا تَبْرَحُوا. فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا. وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي) (٤). فقوله: (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: الطاعة والامتثال لرسول الله ﷺ في أحد بلزوم مكانهم وألا يبرحوه على أي حال كانت وجهة المعركة صُرفت وجوهم وعُوقبوا بالقتل والتراجع والفشل، وهو ما أشار قوله تعالى إليه في الآية:

стр. 57

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران:١٥٢].

стр. 58

ثانيًا خصائص السنة التي انفردت بها وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: انفراد السنة بالتشريع. المبحث الثاني: انفراد السنة ببيان القرآن الكريم. المبحث الثالث: قواعد وشروط قبول السنة. المبحث الرابع: تسمية السنة بـ"الحكمة". المبحث الخامس: كثرة الصلاة على النبي ﷺ من المشتغل بالسنة. المبحث السادس: دعاء النبي ﷺ لمن يتعلم السنة بالنضارة.

стр. 59

المبحث الأول انفراد السنة بالتشريع استقلت السنة بأحكام كثيرة وجملة كبيرة من التشريعات لم ينص عليها القرآن، وهذه الأحكام والتشريعات التي جاءت في السنة وإن كانت تندرج عند بعض العلماء تحت الأصول العامة للقرآن الكريم -كـ: الأمر بطاعته واتباعه ﷺ والاقتداء به، والحذر من معصيته ومخالفته- إلا أن أكثر العلماء يرون غير ذلك، فهم يرون أن العمومات لا تكفي في الدلالة على القضايا الخاصة والتي تحتاج في ثبوت حكمها إلى نص خاص بعينها. ومن تلك التشريعات على سبيل المثال لا الحصر: ١ - في الطهارة: المسح على الخفين، وحرمة الصلاة والصوم والطواف والمكث في المسجد على الحائض والنفساء، والسواك. ٢ - في الصلاة: صلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء. ٣ - في الزكاة: زكاة الفطر. ٤ - في البيوع: الحوالة، والشفعة، واللقطة، والمساقاة، وغيرها. ٥ - فيما يُطعم: الأضحية، والعقيقة، وتحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وتحريم أكل السباع وكل ذي مخلب من الطيور. ٦ - في الأنكحة: تحريم نكاح المتعة والتحليل والشغار، والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، وإحداد المعتدة. ٧ - في الوصايا والفرائض: العُمرَى والرُقبَى، وإرث الجدة، وغير ذلك. ٨ - في الحدود: حد الخمر، وحد الرجم، وحد الردة. ٩ - في الجنايات: القسامة. وغيرها. قال الإمام الشافعي محمد بن إدريس مبينًا خلاف العلماء في استقلال السنة بالتشريع: «فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان: أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيّن رسول الله مثل ما نص الكتاب. والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيّن عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.

стр. 60

فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسنّ فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسنّ سُنّة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنّ من البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. فما أحل وحرم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بين الصلاة. ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأَثبتت سنته. ومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سنّ، وسنته: "الحكمة" الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما أُلقي في روعه سنته» (١). وقد علق الدكتور مصطفى السباعي على هذا الخلاف الذي ذكره الإمام الشافعي بعد أن ذكر حجج الفريقين بقوله: «ويتلخص الموقف بين الفريقين في: أنهما متفقان على وجود أحكام جديدة في السنة لم ترد في القران نصًا ولا صراحة. فالفريق الأول يقول: إن هذا هو الاستقلال في التشريع؛ لأنه إثبات أحكام لم ترد في الكتاب. والفريق الثاني -مع تسليمه بعدم ورودها بنصها في القران- يرى: أنها داخلة تحت نصوصه بوجه من الوجوه -التي ستذكر فيما بعد-. وعلى هذا فهم يقولون: إنه لا يوجد حديث صحيح يثبت حكمًا غير وارد في القران إلا وهو داخل تحت نص أو قاعدة من قواعده، فإن وجد حديث ليس كذلك كان دليلًا على أنه غير صحيح ولا يصح أن يعمل به. وأنت ترى أن الخلاف لفظي، وأن كلًا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القران، ولكن أحدهما لا يسمي ذلك: "استقلالًا"، والآخر يسميه. والنتيجة واحدة» (٢).

стр. 61

المبحث الثاني انفراد السنة ببيان القرآن الكريم لم يختلف العلماء في أن السنة جاءت مفسرة للقرآن ومبينة وشارحة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. من أقوال السلف في كون السنة مبينة ومفسرة للقرآن الكريم: مما ورد عن العلماء في أن السنة جاءت مفسرة للقرآن ومبينة وشارحة له: ١ - عن أبي نضرة عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال لرجل: (إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لَا تَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟ ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوَ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا، وَإِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ) (١).

стр. 62

وكان هذا الرجل قد اعترض على عمران ﵁ وهو يحدث عن النبي ﷺ وطلب منه أن يقتصر على القرآن، فلذلك غضب ﵁، فعن الحسن قال: (بَيْنَمَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ! حَدَّثَنَا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، أَكُنْتَ مُحَدِّثِي عَنِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا وَحُدُودِهَا؟ أَكُنْتَ مُحَدِّثِي عَنِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَأَصْنَافِ الْمَالِ؟ وَلَكِنْ قَدْ شَهِدْتُ وَغِبْتَ أَنْتَ. ثُمَّ قَالَ: فَرَضَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزَّكَاةِ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ الرَّجُلُ: أَحْيَيْتَنِي أَحْيَاكَ اللَّهُ. قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى صَارَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ) (١). ٢ - عن أيوب السختياني: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٢). ٣ - قال مكحول: «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ» (٣).

стр. 63

٤ - قال حماد بن زيد: «إِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ» (١). ٥ - قال يحيى بن أبي كثير: «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ» (٢). وسئل الإمام أحمد ابن حنبل عن الحديث الذي روى أن: «السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ» فقال: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٣). قال أبو عمر يوسف ابن عبد البر: «والبيان منه ﷺ على ضربين: بيان المجمل في الكتاب، كـ: بيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج،

стр. 64

قال ﷺ إذ حج بالناس: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) (١)؛ لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك. وبيان آخر، وهو زيادة على حكم الكتاب، كـ: تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها» (٢). أنواع بيان السنة للقرآن الكريم: بيان السنة للقرآن على وجوه، كما ذكر ذلك العلماء. ومن هذه الوجوه: ١ - تفصيلها لمجمل القرآن: ومن ذلك: أ- فرض الله تعالى الصلاة ولم يبين عددها ولا كيفياتها ولا أوقاتها ولا شروطها، وبيّن ذلك كله النبي ﷺ بقوله وفعله، فبيّن أنها خمس صلوات في اليوم والليلة، وبين عدد ركعات كل صلاة والكيفية التي تؤدى بها، والأوقات، والشروط التي لا تصح إلا بها، وغير ذلك مما يتعلق بأحكامها. ب- الحج فقد فرضه الله تعالى وأجمل الأمر به، وبيّن أن النبي ﷺ مواقيته الزمانية والمكانية، وشروطه وكيفيته التي يجب أن يؤدى بها من إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة ومبيت بمزدلفة ورمي الحجار والنحر والحلق والوداع، وغير ذلك، وقال ﵊ مؤكدًا هذا البيان كما في حديث جابر ﵁ قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (٣).

стр. 65

٢ - تخصيصها لعامه: ومن ذلك: أ- تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. فهذا حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم، فيثبت في كل أصل مورث وكل ولد وارث، ثم خصت السنة المورث بغير الأنبياء ﵈ بقوله ﷺ ، فعن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (١). ب- وخصت فيه أيضًا الوارث بغير القاتل، ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) (٢). ٣ - تقييدها لمطلقه: وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. فهذا حكم مطلق لم يقيد بموضع خاص من اليد، فيحتمل قطع اليد كلها من الكتف، ويحتمل قطع جزء منها، وجاء تقييد هذا الإطلاق في السنة، وتبيين أن موضع القطع يكون من الرسغ، فقد ثبت عنه ﷺ : (أنه قطع يد سارق من مفصل الكف) (٣).

стр. 66

٤ - توضيحها لمبهمه ومشكله: ومن ذلك: أ- توضيحه ﷺ لمعنى "الظلم" المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢]. فإنها لما نزلت شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فوضح لهم رسول الله ﷺ أن المراد بالظلم في آية الأنعام هو: الشرك، وليس أي ظلم آخر. فعن عبد الله بن مسعود ﵁: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]) (١). ب- توضيحه ﷺ لمعنى ﴿الْحُسْنَى﴾ و"الزيادة" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]. حيث فسر النبي ﷺ (الْحُسْنَى) بـ: الجنة، و"الزيادة" بـ: النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 67

وجاء في بعض الأحاديث تفسيره ﷺ للزيادة فقط بأنها: الجنة. وفي بعضها تفسيره لهما جميعًا. فعن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) (١). وجاء في بعض الأحاديث جمعه تفسيره ﷺ لكل من (الْحُسْنَى) و"الزيادة"، وأن (الْحُسْنَى): الجنة، و"الزيادة": النظر إلى وجه الله (٢).

стр. 68

المبحث الثالث قواعد وشروط قبول السنة اصطلح المحدثون على شروط معينة لقبول السنة المطهرة، لا يوجد مثلها في أي علم من العلوم، ولا عند أي أمة من الأمم غير الأمة الإسلامية. وقد ألهم الله تعالى العلماء والمحدثين وضع هذه الشروط تحقيقًا لما وعد به من حفظ كتابه العزيز، ومن تمام حفظه عند العلماء حفظ السنة المطهرة؛ لأنها المبينة له والشارحة له، وبدونها لا يُعرف العام ولا المطلق، ولا المجمل ولا المشكل في القرآن، كما سبق توضيحه. بل إن وعد الله تعالى بحفظ الذكر يشملها؛ لأنها من الذكر، كما قال ابن حزم (١). ولقد سبق المسلمون الأمم الأخرى إلى بيان هذه الشروط، بل إنها لا توجد عند غيرهم من الأمم، ومهما فتشت وبحثت في كتب الأمم الأخرى عنها فلن تجد عندهم منها شيئًا. وهذا مما يدل على حقيقة هذه الخاصية وأهميتها وانفراد السنة بها. وقد اتفق العلماء على هذه الشروط التي وضعوها لقبول الحديث، وأي حديث لا تتوفر في هذه الشروط فإنهم لا يقبلونه. وهذه الشروط هي: ١ - اتصال السند: ويقصد به: أن يكون كل راوٍ من رواة الحديث قد سمع من شيخه، من أول السند إلى منتهاه، بحيث يقول: "سمعت" أو "حدثني" أو "أخبرني" فلان. أو يقول: "قال فلان" أو "عن فلان" أو "أن فلانًا" قال كذا، بشرط ألا يكون مدلسًا في صورة العنعنة هذه، ويمكن لقاؤه بشيخه، على رأي الجمهور إن لم يثبت أنه اجتمع به. وذهب البخاري وعلي بن المديني إلى: أنه لا يحكم في ذلك بالاتصال إلا إذا ثبت أن الراوي لقي شيخه وسمع منه مباشرة ولو مرة في الدهر (٢).

стр. 69

والصواب: رأي الجمهور. وقد شنع الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري على المخالفين لرأي الجمهور، وبين أنه رأي مّطرح وقول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه. وعقد في مقدمة صحيحه بابًا في صحة الاحتجاج بالحديث المُعنعن؛ للرد عليهم (١). ٢ - عدالة الرواة: والعدالة عند العلماء: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة (٢). والمراد بالمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (٣). ويرجع في معرفتها إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبلدان (٤). وإذًا: فالمراد بخوارم المروءة هي: فعل كل ما يعيب الشخص في دينه وخلقه شرعًا أو طبعًا. ويمثل له بعض العلماء بـ: الأفعال التي تعارفت عليها بعض المجتمعات أنها حقيرة، كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، والتعري أمام الخلق، ومصاحبة أراذل القوم، والإفراط في المزاح، والإصرار على الصغائر، وتطفيف حبة، وسرقة لقمة، ومصافحة أجنبية، ونحو ذلك (٥). والعدل هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة (٦). ويكون الشخص فاسقًا بارتكابه للمعصية الكبيرة وإصراره على الصغيرة (٧).

стр. 70

ولا بد أن يكون كل راو متصفًا بصفة العدالة على ما ذكر في تعريف العدل، ومتى ما انخرم شرط من شروطها الخمسة لم تقبل روايته. ثم ليست البدعة على إطلاقها مما يخرج الراوي عن مسمى العدل، فهناك رواة وصموا بها وهم مخرج لهم في الصحيحين، وإنما الذي يخرجه عن كونه عدلًا هي البدعة المكفرة بلا خلاف، والبدعة التي في مرتبة الكبيرة على الراجح ولم يتب منها (١). ٣ - ضبط الرواة: والمقصود به: أن يكون كل راوٍ من رواته قد اتصف بكونه حافظًا لما يرويه أن حدث من حفظه، غير مغفل، قد جمع ما حفظه في صدره بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، مع علمه بما يحيل المعاني إن روى بالمعنى، وإن حدث من كتابه فيصونه لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه بحيث لا يدخله تبديل ولا تحريف ولا زيادة ولا نقص (٢). والضبط نوعان: تام، وقاصر. فمن تم ضبطه فحديثه صحيح، ومن قصر عنه فحديثه حسن. ٤ - عدم الشذوذ في الإسناد أو في المتن: والمراد به: ألا يخالف الراوي المقبول من هو أولى منه (٣). وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ. وعرفه الإمام الشافعي بأنه: «أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس» (٤). وأبعد أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في تعريفه فقال: إنه «حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (٥). والسبب في إبعاده -أي: إبعاد الحاكم-: أن تفرد الثقة لا يعتبر شذوذًا على الصواب؛ لوجود أحاديث أفراد كثيرة خرجها أصحاب الصحيح وليس لها متابعات، مثل:

стр. 71

١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١)، الحديث. ٢ - حديث النهي عن بيع الولاء والهبة (٢). ٣ - حديث أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) (٣). وغيرها. والفرق بين التعريف المعتمد للشاذ وتعريف الإمام الشافعي: أن الأول يدخل فيه الثقة والصدوق، بخلاف تعريف الشافعي، فإنه يخرج الصدوق منه. ٥ - عدم وجود علة في الإسناد أو المتن: والعلة عند العلماء: سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث (٤). وقال ابن الصلاح: «الحديث المعلل هو: الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» (٥). وقال: «قد تقع العلة في إسناد الحديث -وهو الأكثر- وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من

стр. 72

غير قدح في صحة المتن» (١). ثم مثل ابن الصلاح لما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن بـ: إبدال ثقة مكان ثقة، كمن أبدل عبد الله بن دينار بعمرو بن دينار، وكلاهما ثقة. ومثل للعلة القادحة في المتن بـ: حديث نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الذي رواه مسلم (٢) (٣). وختم كلامه عن العلة بقوله: «اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح» (٤). المبحث الرابع تسمية السنة بـ «الحكمة» فسر كثير من الأئمة الحكمة التي وردت في آيات متعددة من القرآن الكريم بـ: السنة، ومن هذه الآيات التي فسرت فيها الحكمة بـ: السنة: ١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة:١٢٩]. ٢ - قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة:١٥١]. ٣ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ

стр. 73

اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة:٢٣١]. ٤ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤]. ٥ - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء:١١٣]. ٦ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب:٣٤]. ٧ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢]. ومن هؤلاء الأئمة الذين فسروا الحكمة بـ: السنة: ١ - الحسن البصري. ٢ - قتادة بن دعامة السدوسي. ٣ - مقاتل بن حيان البلخي. ٤ - يحيى بن أبي كثير اليمامي. ٥ - الإمام محمد بن إدريس الشافعي. وغيرهم (١). قال الشافعي: «سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله» (٢). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]: «ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد» (٣).

стр. 74

المبحث الخامس كثرة الصلاة على النبي ﷺ من المشتغل بالسنة الصلاة على النبي ﷺ من أفضل الأذكار وأحب الأعمال إلى الله تعالى، ويكفي في بيان فضل هذا الذكر: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا) (١). وأهل الحديث كما قال السيد صديق حسن خان القنوجي: «لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي ﷺ ، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلًا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا تزال تجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين يتردد في حلق وسط جنانهم. فعلاقة باطنهم بباطنه العلى متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة. فهم أهل المواليد حقًا عدلًا وصدقًا، فأكرم بهم من كرام، يشاهدون عظمة المسمى حين يذكر الاسم، ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم» (٢). وقال قبل ذلك مباشرة: «ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله ﷺ "» (٣). وأهل الحديث أكثر الناس صلاة على النبي ﷺ ؛ وذلك لكثرة قراءتهم لأحاديثه ﵊، فكلما ذكر اسمه في الحديث صلوا عليه، واستحقوا بذلك أن يصلي الله عليهم وأن يكونوا أولى الناس به ﵊ يوم القيامة، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) (٤). وقال ابن حبان البستي عقب تخريجه هذا الحديث في صحيحه: «في هذا الخبر دليل على: أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة يكون أصحاب الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه ﷺ منهم» (٥).

стр. 75

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: «وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا رُوَاةُ الْآثَارِ وَنَقَلَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِعِصَابَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْرَفُ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ نَسْخًا وَذِكْرًا» (١). وقال أبو اليمن ابن عساكر: «لِيَهْنِ أهل الحديث كثرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتم الله تعالى نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم ﷺ ، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم ودروسهم. فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية» (٢).
следующие страницы →