← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1691

السلفيون وقضية فلسطين في واقعنا المعاصر

مشهور آل سلمان

Полный текст (114 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الّذِي خَلَقَكُم مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما بعد: فإن هذه الرسالة (*) نادرة وهامة، وذلك من وجوه عديدة: الوجه الأول: أنها من تأليف المجاهد الفلسطيني (١) محمد عز الدين القسام

стр. 2

الوجه الثاني: أنها تُثْبتُ شيئاً مجهولاً عند مترجمي (القسام) ، لم أر من ركز عليه منهم؛ وهو: أنه (سَلَفي) ، ولا سيما في منهجه واستدلاله، وكل سطر فيها يدل على ذلك، وهذه مقتطفات من هذه الرسالة؛ تدل على ذلك: قال المؤلفان في الرد على خزيران وشيخه الجزار بعد كلام: «وكُنّا نودُّ أن نرشدَ الأستاذ الجزَّار وتلميذَه إلى الاستفادة من هذا الكتاب -يريدان «الاعتصام» (١) للشاطبي- الذي لا ندّ له في بابه، ولكنا خشينا أن يرميا مؤلِّفَه بالنَّزْعة (الوهابيَّة) (٢) -التي هي حجة العاجز لترويج الباطل، وإضاعة الدين- التي رميانا بها، وإنْ تقدَّمَ زمن ذلك الإمام الشاطبي العظيم على زمن محمد بن عبد الوهاب ما يقرب من (٥٠٠ سنة) !! لأنه لا يبعد أن يعلّلا ذلك بأنه من باب أخذ المتقدِّم عن المتأخِّر!!» (٣) . وأشارا إلى ذلك -قبل-، فقالا عن خزيران (المردود عليه) :

стр. 3

«ورمانا - عفا الله عنه- بالزَّيغ والضلال (١) ، لاتّباعنا السنة الموروثة عن النبي ﷺ ، في الأقوال والأفعال ... » (٢) . وقالا في الرد على قول خزيران: «ما عدا مَن أزاغ اللهُ قلوبَهم من الاقتصار على أصل المنقول عن النبي ﷺ » ما نصه: «يعلم أنَّ ذلك الدَّعي في العلم يعدُّ العملَ بسنَّة الرسول ﷺ زيغاً، والعياذ بالله -تعالى-» (٣) . قال أبو عبيدة: الأصل: أن لا نخرج عن ظاهر النصوص إلا بقرائن قويّة، إذ دلالة الظاهر قويّة، نقل ابن حجر (٤) في ترجمة أبي حيان الأندلسي، قوله:

стр. 4

«محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من عَلق بذهنه» . وقالا - أيضاً-: «ونحن من أشد الناس تمسّكاً به- أي: بخطاب النبي ﷺ ... وأكبر دليل على تمسّكنا بسنَّة نبيِّنا، وسنة الشَّيخين من بعده: نهينا الناس عن مخالفة سنَّة الخلفاء الراشدين في تشييع الجنازة برفع الصَّوت» (١) . وقالا: «فهل يرضى أهلُ الاختصاص أن يتركوا سنّة الرسول ﷺ ، ويتركوا ما كان عليه الصحابة والأئمة المجتهدون، وما كان عليه السلفُ الصالح، ثم يتبعوا بدعةً ... » (٢) . وذكرا -أيضاً- ضرورة الاستدلال بالصحيح من قوله ﷺ ، ونبذ الضعيف، والواهي، والموضوع (٣) . وقد شهد بمضمون (سلفيّته) جمعٌ ممن قرظ هذه الرسالة، كما تراه في آخرها وأشار إلى ذلك جمع (٤) ، وتأثر بذلك تلاميذه، فإنهم انطبعوا بطابع التربية

стр. 5

الإيمانية، سلوكاً وأقوالاً، وإن العقيدة السلفية الصحيحة، والثقافة الإسلامية المقتبسة من القرآن والسنة أثرت فيهم تأثيراً بالغاً، قال أحمد الشقيري (١) واصفاً أصحاب القسام وتلاميذه: «لم تجر على ألسنتهم تعابير (الكفاح المسلح) و (الحركة الوطنية) و (الاستعمار والصهيونية) ، فقد كانت تعابيرهم -على بساطتها (٢) - تنبع من ينبوع أروع وأرفع، هو «الإيمان والجهاد في سبيل الله» ، لقد كانوا قوماً مؤمنين، صنعهم الإيمان، فصفت نفوسهم، وتآلفت إراداتهم، وتعاظمت عزائمهم، وأحسوا أن حبلهم مع الله قد أصبح موصولاً، وأن الباب بينهم وبينه قد بات مفتوحاً» (٣) . وذكرت الكتب التي ترجمت له: أن همَّ القسام الأول: تخليص الدين من الشوائب، وإخلاص العقيدة لله وحده؛ لأنّ العقيدة الخالصة لله هي مصدر القوة، ففي سبيل إخلاص العقيدة لله وحده، وطلب العون منه، حارب القسام حج النساء إلى (مقام الخضر) (٤) ، على سفوح جبال الكرمل، لذبح الأضاحي

стр. 6

شكراً على شفاء من مرض أو نجاح في مدرسة، وكنّ -بعد تقديم الأضحية- يرقصن حول المقام الموهوم، فدعا القسامُ الناسَ إلى أن يتوجَّهوا بنذورهم وأضاحيهم إلى الله -تعالى- فقط؛ لأنه -وحده- القادر على النفع والضرّ، وأما أصحاب القبور فلا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف ينفعون الآخرين؟! وفي سبيل الاستفادة من السيرة النبويّة، أنكر القسامُ قراءةَ المولد النبوي بالغناء والتمطيط، والمبالغة بتوقيعه على ألحان الموسيقا، والاكتفاء بسيرة الولادة فقط، مع ما أدخل فيها من الأمور التي لم تثبت، ودعا إلى العناية بالنبي ﷺ أحواله وشمائله، والسنّة العملية من سيرته؛ لتكون نبراساً يستضيء به المسلمون (١) . وبالجملة؛ فإن العقيدة السلفية الصحيحة، والمنهج السلفي في التلقي والاستدلال، هو الذي كان عليه القسام ورفيقه، وهذا ظاهر للعيان في كتابه هذا، وفي دعوته ونشاطه وتلاميذه، والله الموفق. (السلفيون وقضية فلسطين) يؤمن السلفيون بأن قضية فلسطين من القضايا التي يجب العناية بها، وأن تحريرها من الأمور الشرعية الواجبة، وذلك لما لها من منزلة في الشرع الحنيف، وقد تتابع السلفيون على بيان ما لها من حقوق، وأبدوا -كغيرهم (٢) - توجّعاً

стр. 7

وتألّماً لما يجري -قديماً وحديثاً- لأهلها وعلى أرضها، ولا سيما الأحداث الجسام، والتي نلخّصها بالآتي: أولاً: المذابح، وأشهرها: مذبحة دير ياسين في ٩/٤/١٩٤٨م، التي بقرت فيها بطون الحبالى، وذُبّحت الأطفال، وقطعت الأوصال، وشوّهت الأجسام، وقذفت في بئر في القرية، وذهل (ليز) مندوب (الصليب (١) !!!) الأحمر آنذاك لما عد أعوانه (٢٥٠) جثة، ولم يكملوا العدّ -بعد-، فأغمي عليه! ومن المذابح -أيضاً-: مذبحة شرفات في ٧/٢/١٩٥١م، ومذبحة عيد الميلاد (!!) في ٦/١/١٩٥٢م، ومذبحة قبية في ١٤/١٠/١٩٥٣م، ومذبحة قتل الأطفال في ٢/١١/١٩٥٤م، ومذبحة غزة في ٢٨/٢/١٩٥٥م، ومذبحة شاطئ طبريا في ١١/٢/١٩٥٥م، ومذبحة غزة الثانية في ٥/٤/١٩٥٦م، ومذبحة غرندل في ١٣/٩/١٩٥٦م، ومذبحة حوسان في ٢٥/٩/١٩٥٦م، ومذبحة قلقيلية في ١٠/١٠/١٩٥٦م، ومذبحة كفر قاسم في ٢٨/١٠/١٩٥٦م. وانتهاءً في تاريخنا الحديث بمجموعة من المذابح، من مثل: مذابح صبرا وشاتيلا في لبنان في ١٧/٩/١٩٨٢م، وقبلها مذبحة تل الزعتر والكرنتينا في ١٠/ ٨/١٩٧٦م، وهاتان المذبحتان من أبشع وأشنع ما سُجّل في التاريخ الحديث، إذ قدمت جثث الموتى للكلاب، وتم فيها اغتصاب النساء، وحرق

стр. 8

الشباب، على صورة تقشعر منها الأبدان، وتشيب بسببها الصبيان! ثم مذبحة عيون قارة في ٢٠/٥/١٩٩٠م، ثم مجزرة الأقصى الشهيرة في ٨/١٠/١٩٩١م، إذ قُتل المصلّون جملة، ولم يراعوا حق ضعيف أو كبير أو امرأة، وبارك شياطينهم من الحاخامات بهذه المجزرة، وطالبوا بالمزيد! وعملوا على المباركة! ولا تنسى أبداً مجزرة المسجد (١) الإبراهيمي بالخليل بقيادة اليهودي الطبيب النجس باروخ غولدشتاين في ٢٥/١٠/١٩٩٤م، وكانت-أيضاً- ضد المصلين، وباركها (!!) -أيضاً- كثير من الحاخامات، ولا سيما الذي تولى كبره منهم (غورون) و (دروكمان) ، ونصب لمنفذها (غولدشتاين) تمثالاً (!!) إعجاباً وحباً! (٢) ويزداد التوجع والتألم؛ لما نسمع ونقرأ تصريحات هؤلاء المعتدين، فمثلاً: سأل أحد الصحفيين الضابط اليهودي (مالينكي) عمَّا ارتكبه في بعض هذه المذابح: هل أنت نادم على ما فعلت؟ قال: بالعكس؛ لأنّ الموت لأيِّ عربي في إسرائيل (٣)

стр. 9

معناهُ الحياة لأي إسرائيلي (٣) . ثانياً: اغتصاب الأرض، وإخراج أهلها منها عنوةً. عبر مسلسل دموي، وتخطيط محكم، وتنفيذ دقيق، استطاع اليهود سرقة (فلسطين) على دفعات، وكان ذلك بمباركة ودعم الغرب الكافر، وغفلة كثير من الشعب الفاجر (١) ، وكان ذلك على دفعتين: سنة ١٩٤٨م احتلوا فيها فلسطين، وسنة ١٩٦٧م احتلوا فيها الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف، والمسجد الأقصى، وسيناء، والجولان.

стр. 10

* استطراد له صلة بإخراج أهل فلسطين، وفتوى الشيخ الألباني في ذلك أذكر هنا إفاضة وإضافة لها صلة بـ (السلفيين وقضية فلسطين) ، وهي فتوى دندن حولها كثير من الشانئين، وأوقعت بعض المحبين في حيرة، وهي فتوى لشيخنا محدث العصر الألباني -رحمه الله تعالى- حول قضية خروج أهل فلسطين منها! فقد ضمّ الشيخ ﵀ وآخر مثله في السِّنّ -لا في العلم- مجلس، وسأل المسنُّ القادمُ من فلسطين الشيخَ ﵀ عن مسائل، وقع ضمنها توجّع وشكاية وتألم من حال المسلمين الساكنين في فلسطين، فأفتى الشيخ - كعادته وبصراحته وجرأته فيما يعتقد- أن مكة خير من فلسطين، وأن النبي ﷺ لما لم يستطع إقامة الدين فيها هاجر منها، فعلى كل مسلم لا يستطيع أن يقيم دينه في أي بقعة أن يتركها وينتقل إلى بلدة يستطيع فيها ذلك، فكان ماذا؟ وقعت هذه الفتوى لبعض (الأشاعرة) (الصوفيين) في بلادنا، وأخذ يدندن فيها، متهماً الشيخ بأنه (يهودي) ! مستدلاً بكلامه هذا! وأثارت (الصحف) و (الجرائد) هذه القضية، وكتب فيها العالم والجاهل، والسفيه والحقير والوضيع، وصرح بعضهم أنه لا يبغض (الألباني) ولا يعاديه! وإنما يعمل على محاربة (منهجه) فحسب! اللهم يا مقلب (العقول) ثبت (عقلي) على دينك وسنة نبيك ﷺ . ويا ليت هؤلاء تكلموا بأدلة، أو بلُغَة أهل العلم، وإنما بلغة (الجرائد) (١) : السباب، وعرض (العضلات) ، وعدم التعرض للمسألة: بتأصيل أو تكييف أو تدليل أو تأريخ، وإنما لامست شيئاً في نفوسهم من نفور أو

стр. 11

(حسد) أو (حقد) ، ففرَّغوا ما فيها، فارتاحوا وانتعشوا، وظنوا أنهم نهوا وأمروا! وفازوا وظفروا! حقاً؛ إنها -أي: المقالات- مكتوبة بلغة، لا يربأ صاحب القلم الحر العلمي إلا السكوت عنها، أو القول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومع ذلك؛ فقد تصدّى أخونا الشيخ حسين العوايشة لما شاع وذاع، وأخذ في التنقيب والبحث، وجمع ما ورد في مسألة (الهجرة) من آثار، وكلام للعلماء الربانيين، فخرجت معه دراسته المنشورة المعنونة بـ «الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين» ، وإنما هو في الحقيقة في سلسلة للعلماء -على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وأعصارهم وأمصارهم- قد نصوا على ذلك، فها هو شيخنا حماد بن محمد الأنصاري، له كتاب مطبوع بعنوان «إعلام الزمرة بأحكام الهجرة» ، في فتاوى كثيرة، تطلب من مظانها (١) ، وأكتفي بنقل (٢) فتوى توافق مشرب المشغّب الذي عامله الله بما استحق، من إطفاء نجمه، وأُفول ظله، وطمس صوته، وهي (فتوى ابن عربي (٣) الصوفي الحاتمي الطائي) ، قال ما نصه: «وعليك بالهجرة ولا تقم بين أظهر الكفار، فإن في ذلك إهانة دين الإسلام، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، فإن الله ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت، واعلم أن المقيم بين أظهُرِ الكفار -مع تمنكه من الخروج من بين ظهرانيهم- لا حظ له في الإسلام (!!) ، فإن النبي s

стр. 12

قد تبرأ منه، ولا يتبرأ رسول الله ﷺ من مسلم، وقد ثبت عنه أنه s قال: «أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين» ، فما اعتبر له كلمة الإسلام، وقال الله -تعالى- فيمن مات وهو بين أظهر المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (١) [النساء: ٩٧] ، فلهذا حجرنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس والإقامة فيه؛ لكونه بيد الكفار، فالولاية لهم والتحكم في المسلمين، والمسلمون معهم على أسوأ حال -نعوذ بالله من تحكم الأهواء-، فالزائرون اليوم البيت المُقدَّس، والمقيمون فيه من المسلمين، هم الذين قال الله فيهم: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] ، وكذلك فلتهاجر عن كل خلق مذموم شرعاً قد ذمه الحقُّ في كتابه، أو على لسان رسول الله ﷺ » . وأخيراً؛ نحيل على دراسات مفردة لمن رام الاستزادة في هذا الموضوع، وهي مهمة: الأولى: لمصطفى بن رمضان البولاقي (ت ١٢٦٣هـ - ١٨٤٧م) : «رسالة فيما إذا كان يحل للمسلمين العيش تحت حكم غير المسلمين والتعايش معهم» . الثانية: لعلي الرسولي رسالة في الموضوع نفسه، وبالعنوان السابق، وهي والتي قبلها ضمن مجموع منسوخ في القرن (١٣هـ/١٩م) في جامعة ييل بأمريكا، تحت رقم [٤٠٥ - L (٩٧٠) ] . انظر «المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ييل» (١٠٦) .

стр. 13

الثالثة: لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت ٩١٤هـ - ١٥٠٨م) : «أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر» ، نشرت بتمامها في «المعيار المعرب» (٢/١١٩-١٤١) ، ونشرها -قديماً- حسين مؤنس في صحيفة «معهد الدراسات الإسلامية في مدريد» (المجلد ٥) ، سنة ١٩٧٥م، (ص١٢٩-١٨٢) ، وأعاد نشرها المحقق نفسه في مجلة «معهد المخطوطات العربية» (مجلد ٥/الجزء ١/ ذو القعدة/١٩٥٩) (ص ١٤٧-١٨٤) ، ثم ظهرت عن دار البيارق في طبعة رديئة! غير مقابلة على نسخ خطية، ومنها نسخة في شنقيط [٣٧٠ أش] في (١٧ ورقة) ، كما في «فهرس مكتبة شنقيط وودان» (١٦٠) ، وأخرى في مكتبة قاريونس، تحت رقم (٨٤٥) ، كما في «فهارس مكتبة جامعتها» (٢/٣١) . الرابعة: «بيان وجوب الهجرة وتحريم موالاة الكفرة ووجوب موالاة مؤمني الأمة» لعثمان بن محمد بن فودي، منه ثلاث نسخ في نيجيريا في جامعة أحمد وبلو، بأرقام [١/١٢٧P. و٦/٨P. و٤٣/٧ K.] ، ورابعة في قاريونس/ ليبيا في (٧٧ ورقة) ، تحت رقم (١٩١٧) ، كما في «فهرس مكتبة جامعة قاريونس» (٢/٢٧) . الخامسة: «سفر المسلمين إلى بلاد النصارى» ، منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، ضمن مجموع [١٦٣] في (٧) ورقات. السادسة: «الشمس المنيرة الزهرا في تحقيق الكلام فيما أدخله الكفار دارهم قهرا» للحسين بن ناصر المهلاّ، منه نسخة في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، تحت رقم (١٤٧١) في (٢١) ورقة. في رسائل لآخرين، وقد نوهنا -قريباً- أن غير واحد من المعاصرين ألَّف في هذا الباب.

стр. 14

تحرير فتوى الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى - نرتب فتوى الشيخ ﵀ بأجزائها المتفرقة المؤتلفة في نقاط واحدة محددة (١) :

стр. 15

- الهجرة والجهاد ماضيان إلى يوم القيامة. - ليست الفُتيا مُوَجَّهةً إلى بلدٍ بعينِه، أو شَعْبٍ بذاتِه. - وقد هاجر أشرف إنسان وأعظمه محمدٌ ﵊، من أشرف بُقعة وأعظمها؛ مكَّةَ المكرمة، وكلُّ إنسان -منذ خلق الناس وإلى الساعة- دون محمد ﵊ منزلةً، وكل بقاع الأرض دونها شرفاً وقُدسيّةً. - وتجب الهجرة حين لا يجد المسلمُ مُستَقَرّاً لدينه في أرض هو فيها امتُحن في دينه، فلم يعد في وُسعه إظهارُ ما كلَّفه اللهُ به من أحكام شرعيّةٍ، خَشْيَةَ أن يُفتَنَ في نفسه من بلاء يقع عليه، أو مسِّ أذى يُصيبُه في بدنه فينقلب على عَقِبَيه. وهذه النقطة هي مناطُ الحُكم في فتوى الشيخ، والمُرتَكزُ الأساسُ فيها - لو كانوا يعقلون! - وبها يرتبطُ الحُكمُ وجوداً ونفياً. ولكن -وللأسف الشديد- قد غيَّبَ ذلك وأخفاهُ وكَتَمَهُ الناقِدون الحاقِدون الحاطِبون في مُحاضراتهم و (ملاحِمِهم) المنبريَّة الانتخابية!! قال الإمامُ النَّووي في «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢) : «المسلم إذا كان ضعيفاً في دار الكُفر، لا يقدرُ على إظهار الدين حَرُمَ عليه الإقامةُ هناك، وتجبُ عليه الهجرةُ إلى دار الإسلام ... » . - وحين يجدُ المسلمُ موضعاً -داخل القطر الذي يعيش فيه- يأمنُ فيه على نفسه ودينِه وأهلِه، ويَنْأَى فيه عن الفِتنة التي حلَّت به في مدينته أو في قريته، فعليه -إن استطاع- أن يُهاجرَ إلى ذلك المكان داخلَ قُطره نفسِه، وهذا أَوْلى -ولا شك- مِن أن يُهاجِرَ إلى خارج قُطرِه، إذ يكون أقربَ إلى بلده لِيُسرعَ بالرجوع إليه بعد زوال السببِ الذي من أجله هاجر.

стр. 16

وهذه نقطة أخرى -أيضاً- قد غيَّبها أولئك (القوم) الذين لم يَرْقبُوا في الشَّيخ، والعلمِ، والنّاسِ، إلاًّ ولا ذِمَّةً - إذن؛ فالهجرةُ كما أنَّها مشروعةٌ من قُطر إلى قُطر، فهي مشروعةٌ مِن قرية أو مِن مدينة إلى قرية أو مدينةٍ داخل القُطر نفسه، والمهاجرُ يعرفُ مِن نفسِه ما لا يعرفُه منه غيرُه. وهذا -ثالثاً- قد غيَّبه أولئك المُهَرِّجون على المنابر، والراقصون على الصحائف! زاعمين أنَّ الشَّيخَ يأمُرُ أهلَ فلسطين بالخروج منها!! نعم؛ هكذا ... -واللهِ- من غير تفصيلٍ أو بيان!! ولكن: فما يَبْلُغُ الأعداءُ مِن جاهِلٍ ... مَا يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسِه! - والهجرةُ من قُطرٍ إلى قُطر لا تُشرَعُ إلاّ بدواعيها وأسبابها مِن مثل ما كرنا في فقرة مَضَتْ؛ ومن أعظم هذه الأسباب: أن تكون الهجرةُ للإعداد واتِّخاذ الأُهبة التي أمر الله بها ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ... ﴾ ؛ لإجلاء الأعداء عن أرضٍ مِن أرضِ المسلمين، وتَخليصِها من أيديهم؛ ليعودَ إليها حُكمُ الإسلام كما كان مِنْ قَبلُ. فالهجرةُ -إذن- من الإعداد الذي أمر اللهُ به وحَضَّ عليه، ومَنْ أبطأ فيها -وقد تَهَيَّأت أسبابُها ودواعيها- فقد عصى اللهَ، ونأَى بجانبِه عن أمره. فإِنْ عَلِمَ المسلمُ أو المسلمون أنَّهم ببقائهم في ديارهم يزدادون وَهْناً إلى وَهْن وضَعفاً إلى ضعف، وأنَّهم إنْ هاجروا ذهبَ الوَهْنُ عنهم، وزال الضَّعفُ منهم، وبَقُوا -بعد علمهم هذا- ولم يُهاجروا -إن استطاعوا-؛ فهم آثمون عاصون أَمرَ الله، ورُبَّما عُوقبوا بمعصيتهم هذه عقوبةً أعظمَ وأشدَّ نُكراً، تتلاشى فيها شخصيتُهم، وتغيبُ معها صورتُهم، وتَضِلُّ بها عقيدتُهم، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً. وما صار إليه المسلمون في الأندلس، وفي غيرها من البلاد، شاهدٌ منظورٌ

стр. 17

يقُص علينا من نبئه ما يبعث مَنسِيَّ الشَّجَن، ويُنسي لذَّة الوَسَن، يُذَكِّر محظورَ السُّنن! فهل مِن مُدَّكِر؟ - ومِمّا لا شك فيه -مما كتمه -أيضاً- ناقلو الفُتيا المُشِيعون لها- أنَّ هذا كلَّه مَنُوطٌ بالقدرة والاستطاعة؛ لقوله -تعالى-: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، ولقوله -سبحانه-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ، فإن لم يَجِد المسلمُ أرضاً يأوي إليها غير الأرض التي هو فيها؛ يَأمَنُ فيها على دينه، وينجو من الفتنة الواقع فيها، أو حيلَ بينه وبين الهجرة بأسباب مانعةٍ قاهرةٍ لا يستطيعُ تذليلَها، أو استوت الأرضُ كلُّها في الأسباب والدَّواعي الموجبة للهجرة، أو عَلِمَ في نفسه أنَّ بقاءَه في أرضه آمَنُ لدينه ونفسِه وأهلِه، أو لم يكن من مُهاجَر إلاّ إلى أرض يُحكَم فيها بالكُفر الصُّراح علانيةً، أو كان بقاؤه في أرضه المأذونِ له بالهجرة منها مُحَقِّقاً مصلحةً شرعيّةً، سواءٌ أكانت هذه المصلحةُ للأمَّة، أم بإخراج أهل الكفر من كفرهم، وهو لا يخشى الفتنةَ على نفسه في دينه، فهو في هذه الأحوال كلِّها، وفي الأحوال التي تُحاكيها، ليس في وُسعه إلا أن يبقى مُقيماً في أرضه، ويُرجَى له ثوابُ المهاجرين، فراراً بدينهم، وابتغاءَ مرضاةِ ربِّهم. قال الإمامُ النَّوويُّ في «الرَّوضة» (١٠/٢٨٢) -مُتَمِّماً كلامه الذي نقلتُه عنه-قَبْلُ-: « ... فإن لم يَقْدِر على الهجرة فهو مَعذورٌ إلى أن يَقدِرَ» . - ويُقالُ في أهل فلسطينَ -خصوصاً- ما يُقال في مثل هؤلاء جميعاً، فلقد سُئل الشيخُ -حفظه الله- عن بعض أهل المدن التي احتلّها اليهود عام ١٩٤٨م، وضَرَبوا عليها صبغةَ الحُكم اليهودي بالكليّة، حتى صار أهلُها فيها إلى حالٍ من الغُربة المُرْمِلَةِ في دينهم، وأضْحَوا فيها عَبَدَةً أذلاّءَ؟ فقال: هل في قُرى فلسطين أو في مُدُنِها قريةٌ أو مدينةٌ يستطيع هؤلاء أن يَجِدُوا فيها دينَهم،

стр. 18

ويتخذوها داراً يدرءون فيها الفتنةَ عنهم؟ فإن كان؛ فعليهم أن يُهاجروا إليها، ولا يخرجوا من أرض فلسطين، إذ إنَّ هِجرَتَهم من داخلِها إلى داخلِها أَمرٌ مَقْدُورٌ عليه، ومُحَقِّقٌ الغايةَ من الهجرة. وهذا تحقيقٌ علميٌّ دقيقٌ يَنقُضُ زَعمَ مَنْ شَوَّشَ وهَوَّشَ مُدَّعياً أنَّ في فُتيا الشيخ إخلاءً لأرض فلسطين من أَهلِها، أو تنفيذاً لِمُخَطَّطاتِ يهود!! ﴿مَا لَكُم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ » . أُفٍّ لكم أيُّها الناقدون الحاقدون! هل علمتم هذا التَّفصيلَ أم جهلتموه؟! إن كنتم علمتوه فَلِمَ أَخفَيتُموه وكَتَمتُموه؟! وإنْ كنتُم جهلتموه! فلماذا رَضِيتُم لأنفسكم الجهلَ، وللشيخ الظُّلمَ، وللناس التَّضليلَ؟! أم أنَّ هذه تجارتُكم تَخشَوْنَ كسادَها؟! بِئسَتِ البضاعةُ، وبئست التجارةُ! - وَليَعلَمِ المسلمُ أنَّ الحِفاظَ على الأرض والنَّفس، ليس أولى من الحفاظ على الدين والعقيدة، بل إنَّ استلابَ الأرضِ -مِمَّن يظلُّ مُقيماً فيها رجاءَ الحفاظ عليها، غيرَ واضعٍ في حسابه الحفاظَ على دينه أولاً- قد يكون أَيسَرَ، وأشدَّ إيذاءً، وأعظمَ فتنةً. والعدوُّ الكافر الذي يحتلُّ أرضاً -وأهلُها مُقيمون فوقَها- يملكُ الأرضَ ومَن عليها وما عليها، فالكفرُ لا يَحفظُ للإسلام عهداً، ولا يرعى للمسلمين إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يُقيم لهم في أرضهم وخارج أرضهم وَزناً. قال أبو عبيدة: وتكلم الشيخ -رحمه الله تعالى- على هذه المسألة بإسهاب في كتابه «السلسلة الصحيحة» عند حديث رقم (٢٨٥٧) ، وهذا نصه: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم من الغنائم الخمس وسهم النبي ﷺ ،

стр. 19

.. والصفي (١) -وربما قال: وصفيَّة-؛ فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله» (٢) . وتعرض للفتنة التي ألمت به، وصرح بموقفه من المسألة ببيانٍ ناصع، وحجة واضحة، وشدّ فهمه للنصوص بكلام بعض العلماء المحققين، وهذا كلامه بحرفه ونصّه وفصّه: «قلت: في هذا الحديث بعض الأحكام التي تتعلق بدعوة الكفار إلى الإسلام، من ذلك: أن لهم الأمان إذا قاموا بما فرض الله عليهم، ومنها: أن يفارقوا المشركين ويهاجروا إلى بلاد المسلمين، وفي هذا أحاديث كثيرة، يلتقي كلها على حضّ من أسلم على المفارقة، كقوله ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما» ، وفي بعضها أن النبي ﷺ اشترط على بعضهم في البيعة أن يفارق المشرك، وفي بعضها قوله ﷺ : «لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» . إلى غير ذلك من الأحاديث، وقد خرجت بعضها في «الإرواء» (٥/٩-٣٣) ، وفيما تقدم برقم (٦٣٦) . وإن مما يُؤْسَفُ له أشد الأسف، أن الذين يُسْلمون في العصر الحاضر ... -مع كثرتهم والحمد لله- لا يتجاوبون مع هذا الحكم من المفارقة، وهجرتهم

стр. 20

إلى بلاد الإسلام، إلا القليل منهم، وأنا أعزو ذلك إلى أمرين اثنين: الأول: تكالبهم على الدنيا، وتيسّر وسائل العيش والرفاهية في بلادهم بحكم كونهم يعيشون حياة مادية ممتعة، لا روح فيها، كما هو معلوم، فيصعب عليهم عادة أن ينتقلوا إلى بلد إسلامي قد لا تتوفر لهم فيه وسائل الحياة الكريمة في وجهة نظرهم. والآخر -وهو الأهم-: جهلهم بهذا الحكم، وهم في ذلك معذورون، لأنهم لم يسمعوا به من أحد من الدعاة الذين تذاع كلماتهم مترجمة ببعض اللغات الأجنبية، أو من الذين يذهبون إليهم باسم الدعوة؛ لأن أكثرهم ليسوا فقهاء، وبخاصة منهم جماعة التبليغ، بل إنهم ليزدادون لصوقاً ببلادهم، حينما يرون كثيراً من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم إلى بلاد الكفار! فمن أين لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل هذا الحكم والمسلمون أنفسهم مخالفون له؟! ألا فليعلم هؤلاء وهؤلاء أن الهجرة ماضية كالجهاد، فقد قال s: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» ، وفي حديث آخر: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» ، وهو مخرج في «الإرواء» (١٢٠٨) . ومما ينبغي أن يعلم، أن الهجرة أنواع ولأسباب عدة، ولبيانها مجال آخر، والمهم هنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مهما كان الحكام فيها منحرفين عن الإسلام، أو مقصرين في تطبيق أحكامه، فهي على كل حال خير بما لا يوصف من بلاد الكفر أخلاقاً وتديناً وسلوكاً، وليس الأمر -بداهة- كما زعم أحد الجهلة الحمقى الهوج من الخطباء: «والله لو خُيّرت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود وبين أن أعيش في أي عاصمة عربية، لاخترت أن أعيش في القدس تحت احتلال

стр. 21

اليهود» ! وزاد على ذلك، فقال ما نصّه: «ما أرى إلا أن الهجرة واجبة من الجزائر إلى (تل أبيب) » !! كذا قال فضّ فوه، فإن بطلانه لا يخفى على مسلم مهما كان غبياً! ولتقريب ما ذكرت من الخيرية إلى أذهان القراء المحبين للحق الحريصين على معرفته واتباعه، الذين لا يهولهم جعجعة الصائحين، وصراخ الممثلين، واضطراب الموتورين من الحاسدين والحاقدين من الخطباء والكاتبين: أقول لأولئك المحبين: تذكروا على الأقل حديثين اثنين لرسول الله ﷺ : أحدهما: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. والآخر: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» ، وهو حديث صحيح متواتر رواه جماعة من الصحابة، وتقدم تخريجه عن جمع منهم برقم (٢٧٠ و١١٠٨ و١٩٥٥ و١٩٥٦) ، و «صحيح أبي داود» (١٢٤٥) ، وفي بعضها أنهم «أهل المغرب» ؛ أي: الشام، وجاء ذلك مفسراً عند البخاري وغيره عن معاذ، وعند الترمذي وغيره مرفوعاً بلفظ: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي ... » الحديث. وفي هذه الأحاديث إشارة قوية إلى أن العبرة في البلاد إنما هي بالسكان وليس بالحيطان، وقد أفصح عن هذه الحقيقة سلمان الفارسي ﵁ حين كتب أبو الدرداء إليه: أن هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلمان: «إن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه» (١) .

стр. 22

(موطأ مالك ٢/٢٣٥) . ولذلك فمن الجهل المميت والحماقة المتناهية -إن لم أقل وقلِّة الدين- أن يختار خطيب أخرق الإقامة تحت الاحتلال اليهودي، ويوجب على الجزائريين المضطهدين أن يهاجروا إلى (تل أبيب) ، دون بلده المسلم (عمّان) مثلاً، بل دون مكة والمدينة، متجاهلاً ما نشره اليهود في فلسطين بعامة، و (تل أبيب) و (حيفا) و (يافا) بخاصة من الفسق والفجور والخلاعة، حتى سرى ذلك بين كثير من المسلمين والمسلمات بحكم المجاورة والعدوى، مما لا يخفى على من ساكنهم، ثم نجاه الله منهم، أو يتردد على أهله هناك لزيارتهم في بعض الأحيان. وليس بِخَاف على أحد أوتي شيئاً من العلم ما في ذاك الاختيار من

стр. 23

المخالفة لصريح قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٩٧-١٠٠] . قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (١/٥٤٢) : «نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدِّين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية» . وإن مما لا يشكُّ فيه العالم الفقيه، أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة من بلاد الكفر، وقد صرَّح بذلك الإمام القرطبي، فقال في «تفسيره» (٥/٣٤٦) : «وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها، وتلا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ » . وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/١٧٤/١) بسند صحيح عن سعيد، وأشار إليه الحافظ في «الفتح» ، فقال (٨/٢٦٣) : «واستنبط سعيد ابن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية» . وقد يظن بعض الجهلة من الخطباء والدكاترة والأساتذة، أن قوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» (١) ناسخ للهجرة مطلقاً، وهو جهل فاضح بالكتاب

стр. 24

والسنة وأقوال الأئمة، وقد سمعت ذلك من بعض مدعي العلم من الأساتذة في مناقشة جرت بيني وبينه، بمناسبة الفتنة التي أثارها عليّ ذلك الخطيب المشار إليه آنفاً، فلما ذكرته بالحديث الصريح في عدم انقطاع التسوية المتقدم بلفظ: «لا تنقطع الهجرة ... » إلخ ... لم يحر جواباً! وبهذه المناسبة أنقل إلى القراء الكرام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديثين المذكورين، وأنه لا تعارض بينهما، فقال في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٨١) : «وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه؛ وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب؛ فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام، ودخلت العرب في الإسلام، صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: «لا هجرة بعد الفتح» ، وكون الأرض دار كفر ودار إيمان، أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها: بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا، وتبدَّلت بغيرهم فهي دارهم. وكذلك المسجد إذا تبدَّل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة، يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجداً يعبد الله فيه -جل وعز- كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقاً والكافر يصير مؤمناً أو المؤمن يصير كافراً أو نحو ذلك، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال، وقد قال -تعالى-: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ الآية، نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهي مازالت في نفسها خير أرض الله، وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها،

стр. 25

فقد روى الترمذي مرفوعاً أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت» (١) ، وفي رواية: «خير أرض الله وأحب أرض الله إلَيّ» ، فبيّن أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم؛ ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة، كما ثبت في «الصحيح» : «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً مات مجاهداً وجرى عليه عمله، وأجرى رزقه من الجنة، وأمن الفتان» (٢) . وفي «السنن» عن عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (٣) . وقال أبو هريرة (٤) : لأن أرابط ليلة في سبيل الله، أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أَطْوَعَ لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، إنما يقدس العبدَ عملُه. وكان النبي s قد آخى بين سلمان وأبي

стр. 26

الدرداء، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا. وقد قال الله -تعالى- لموسى ﵇: ﴿سُأُرِيكُم دَارَ الفَاسِقِينَ﴾ وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين، وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة، وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل، فأحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلماً وتارة كافراً، وتارة مؤمناً، وتارة منافقاً، وتارة برّاً تقياً، وتارة فاسقاً، وتارة فاجراً شقيّاً. وهكذا المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة؛ كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة، والله -تعالى- قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ [مِن بَعْدُ] وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] . قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] (١) يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل. والله أعلم» . فأقول: هذه الحقائق والدرر الفرائد من علم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يجهلها جهلاً تاماً أولئك الخطباء والكتّاب والدكاترة المنكرون لشرع الله ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ، فأمروا الفلسطينيين بالبقاء

стр. 27

في أرضهم وحرموا عليهم الهجرة منها، وهم يعلمون أن في ذلك فساد دينهم ودنياهم، وهلاك رجالهم وفضيحة نسائهم، وانحراف فتيانهم وفتياتهم، كما تواترت الأخبار بذلك عنهم بسبب تجبّر اليهود عليهم، وكبسهم لدورهم والنساء في فروشهن، إلى غير ذلك من المآسي والمخازي التي يعرفونها، ثم يتجاهلونها تجاهل النعامة الحمقاء للصياد! فيا أسفي عليهم إنهم يجهلون، ويجهلون أنهم يجهلون، كيف لا وهم في القرآن يقرؤون: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ ! وليت شعري ماذا يقولون في الفلسطينيين الذين كانوا خرجوا من بلادهم تارة باسم لاجئين، وتارة باسم نازحين، أيقولون فيهم: إنهم كانوا من الآثمين، بزعم أنهم فرغوا أرضهم لليهود؟! بلى. وماذا يقولون في ملايين الأفغانيين الذين هاجروا من بلدهم إلى (بشاور) ، مع أن أرضهم لم تكن محتلة من الروس احتلال اليهود لفلسطين؟! وأخيراً ... ماذا يقولون في البوسنيين الذين لجأوا في هذه الأيام إلى بعض البلاد الإسلامية، ومنها الأردن، هل يحرِّمون عليهم -أيضاً- خروجهم، ويقول فيهم -أيضاً- رأس الفتنة: «يأتون إلينا؟ شو بساووا هون؟!» . إنه يجهل -أيضاً- قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ، أم هم كما قال -تعالى- في بعضهم: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ ؟! ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأنباء من لم تزود» انتهى. قال أبو عبيدة: متى أفتى العالم المشهود له بالعلم من قبل المعتبرين، واستخدم قواعد

стр. 28

العلماء في الاستنباط، ولم يصادم نصّاً صريحاً صحيحاً، ولم يخرق إجماعاً معتبراً، فقوله يدور بين الأجر والأجرين، ولا يجوز أن يتَّهم في نيّته، وأن يسفّه رأيه، وإنما يناقش مناقشة علمية، بالحجّة والبرهان، وتراعى حرمته ومنزلته، ولا تهدر حسناتُه وجهوده (١) .

стр. 29

وبناءً عليه؛ فإن منزلة الشيخ الإمام المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني غير خافية على كل من له عناية وصلة بالكتاب الشرعي، فضلاً عن طلبة العلم، أو المتخصصين في سائر العلوم، ولا سيما علم الحديث

стр. 30

النبوي (١) . ومما يخفى على كثير من محبّيه، والمتتبعين لأخباره وأحواله: جهاده في فلسطين. قال الشيخ زهير الشاويش -حفظه الله- في مقالة (٢) له بعنوان: (نقاط يسيرة من سيرة عطرة للشيخ الألباني مع الحديث النبوي الشريف) بعد كلام: «وحتى في الإعداد للجهاد في فلسطين، وقد أعدّ الشيخ ناصر نفسه لمقاومة الاستيطان الصهيوني، وكاد أن يصل إلى فلسطين، لولا المنع الحكومي للمجاهدين» . قلت: وصل الشيخ فلسطين سنة ١٩٤٨م، وصلّى في المسجد الأقصى، ورجع مرشداً دينياً للجيش السعودي بعد ما سموه بالنكسة، وقد تاهوا في الطريق، وله في تفصيل ذلك كتاب ماتع محفوظ، اسمه «رحلتي إلى نجد» (٣) . أفلا يشفع له عزمه وهمُّه هذا عند هؤلاء، ولم يكن ذلك -فيما نحسب، والله حسيبه- إلا دفاعاً عن المستضعفين في سبيل الله -تعالى-، أم أن منهج هؤلاء تصيُّد العيوب، والفَتْش عن القوادح، حتى تحول دون وصول دعوة الكتاب والسنة بفهم السلف إلى شباب الأُمَّة، وعلى أيّ: فالحقيقة قويّة، ولا بد

стр. 31

أن تظهر ولو بعد حين، وحبل الكذب قصير. ومن بديع كلام الإمام ابن القيم ﵀: «ومن لهُ علمٌ بالشَّرع والواقع؛ يعلمُ قطعاً أنَّ الرَّجُلَ الجليل، الذي له في الإسلام قدمٌ صالحٌ، وآثارٌ حسنةٌ، وهُو من الإسلام وأهله بمكانٍ قد تكون منه الهفوةُ والزَّلَّةُ، هو فيها معذُورٌ ومأجُورٌ لاجتهاده، فلا يجُوزُ أن يُتبع فيها، ولا يجُوزُ أن تُهدر مكانتُهُ وإمامتُهُ ومنزلتُهُ مِن قُلُوب المُسلمين» (١) . ويزداد عجبي -بل لا ينتهي- عندما نجد المسوّغات بالجملة، وتحسين الظن يكبر ويكثر حتى يصل إلى حد السذاجة، والمروق عن قواعد المنطق والعلم في حق المتساهلين في الدين، والخارجين عن السبيل والدليل، ولما يصل الأمر إلى الشيخ الألباني وتلاميذه، ينعكس الحال، وتتّهم النوايا، وتحمّل الأقوال والأفعال فوق ما تحتمل، وما هذا -في حقيقة الأمر- إلا الحقد والحسد، وإخراج لما في النفوس، فالويل لأصحابها إن أبقوها على تدنيسها! ولم يعملوا على تزكيتها! * فتوى العمليات: هل هي انتحارية أم استشهادية ؟ من أسباب نقمة بعض المتحمسين أو الحزبيين أو المتأثرين بالجرائد وحديث المجالس: زعم بعض الكاذبين -هداهم الله- على الشيخ الألباني، أنه يفتي بأن القائمين بالعمليات في فلسطين الحبيبة -أعادها الله إلى حظيرة الإسلام والمسلمين- هم في النار، وتنطبق عليهم النصوص الواردة في حق المنتحرين! وبعضهم يزيد -كذباً وزوراً- أنه ﵀ يقول عنهم: (فطايس) !!

стр. 32

قلت: والله الذي لا إله إلا هو: إن هذا كذب على الشيخ، لم يخطر بباله، فضلاً عن أن ينطق به فاهُ، أو يخطه بنانه. وفتوى الشيخ بالجملة: أنه كان يقول عنهم: أمرهم إلى الله ، ونسأل الله أنْ يتقبّلهم. وأما فتواه بالتفصيل، فسيأتي نقلها -إن شاء الله تعالى- والتعليق عليها. * مقدمات وضوابط وقيود للعمليات الفدائية: هل هي استشهادية أم انتحارية ؟ سئل الشيخ -رحمه الله تعالى- في كثير من مجالسه العلمية عن حكم هذه العمليات؟ وأجاب تارة بالتفصيل، وتارة بالإجمال، ومُنْعِمُ النظر في الشروط عند التفصيل يجد أن العمليات الحاصلة اليوم في بلاد المسلمين المغتصبة (١) -عنده- قريبة من الحظر لا الجواز! وأُراني -قبل ذكر كلامه- مضطراً إلى التنبيه إلى أمور: أولاً: هذه مسائل علمية نظرية، يتكلم فيها العلماء بعامة، على وفق ما ترجّح لهم من نصوص الشرع ومقاصده، ولا يعنون حَدَثاً ما، أو فئة معيّنة، أو عمليات قائمة في بلد معين. ثانياً: أن من أسباب التوسعة في الخلاف في المسائل الفقهية: (ازدحام المصالح والمفاسد) في (المحل الواحد) ، والمجتهد يرجّح بعد (تحقيق مناط) المسائل -أي: معرفة واقعها من حيثُ المصلحةُ والمفسدةُ-، فلا مجال لاتّهام النوايا ألبتة! ولا لتطويل الألسنة في أولياء الله -تعالى- (٢) .

стр. 33

ثالثاً: إن لمعرفة هذه المصالح والمفاسد: تصوراً دقيقاً، وضبطاً وتحريراً وتقديراً، لا بد من الاستعانة بأهل الخبرة في هذا الباب، والعلماء المتخصصون في العلوم العسكرية يقررون: أن هذه العمليات بمثابة (وخز الدبوس) ، فهي لا تهزم عدواً، ولا تعمل على فنائه أو غلبته، بل هي تثوِّر أعصابه، وتغيّر مسار تخطيطاته، وتجعل عنده ردود فعل سريعة غير مضبوطة ولا مخطط لها، فضلاً عن (الروح المعنوية) التي تكون عند الجنود، ولذا؛ لا يجني ثمار هذه العمليات -من وجهة نظر عسكرية- إلا الجيش والعسكر الذي يحيط بالعدو، أما إفراد هذه العمليات دون جيوش ودساكر وعساكر، فإن فائدتها -أكثر ما تظهر- في التأديب العاجل، وشفاء الصدور من أهل الباطل، أما أن تُحَقِّقَ المقاصد الشرعية الأصلية المعتبرة من الحروب والجهاد، فلا، بل قد يترتب عليها أحياناً مضار أكثر منها، فهي من هذه الحيثية في هذه الحالة، تتنزل بين مرتبتين، وتشبهها حالتين من حالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هما: الأولى: بمثابة المنكر الذي إذا تغيَّر، ترتّب عليه منكر أكبر منه، فهذا ممنوع. الثانية: بمثابة المنكر الذي إذا أُنكر (قلّ أو زال) ، ترتب عليه منكر بقدر زواله، وهذا محل نظر. رابعاً: المُقْدِمُ على هذه العمليات مقصدُه يدور على تغيير ما هو واقع بالأمة أصالة، وتقديم روحه وبذلها من أجل نيل ثواب الشهادة، وليس في باله (الانتحار) و (قتل نفسه) ، إذ لذاك -لو أراد- طرق أخرى كثيرة. ولا شك أن لنيته أثراً على الحكم من حيث المآل، والمصير عند الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر حرمة قتل الإنسان نفسه بالكتاب والسنة والإجماع، قال: «فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان قتل

стр. 34

نفسه، أو تسببه في ذلك، وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين أنفسهم، وأموالهم له، كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ﴾ ، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يبيع نفسه. والاعتبار في ذلك بما جاء به الكتاب والسنة، لا بما يستحسنه المرء أو يجده، أو يراه من الأمور المخالفة للكتاب والسنة، بل قد يكون أحد هؤلاء كما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بجهل، أفسد أكثر مما يصلح. ومما ينبغي أن يعرف: أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس، وحملها على المشاق، حتى يكون العمل كل ما كان أشق كان أفضل، كما يحسب كثير من الجهال: أن الأجر على قدر المشقة، في كل شيء، لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته» (١) . ولكن النية وحدها لا تكفي، ولا بد من مراعاة الأحكام الشرعية الأخرى. خامساً: من هذه الأحكام -وهي مقررة في المدوَّنات والكتب الفقهية-: عدم قتل من لم ينصب نفسه للقتال، من النساء والشيوخ والصبيان، أو ما يسمّى اليوم بـ (المدنيين) (٢) . سادساً: من الصور المشروعة، التي لا خلاف فيها، وتشهد لها نصوص كثيرة، ووقائع عديدة من حياة الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الصالحين (٣) : أن ينغمس العدد القليل، أو الفرد الواحد، في صفوف الكثيرين

стр. 35

من المقاتلين، ويغلب على ظنه الموت، فهذه صورة مشروعة مستثناة من صور الخلاف فضلاً عن المنع، بل هي من أفضل الأعمال المقربة إلى رضوان الله- ، وأصحابها بائعو أنفسهم لله ، كما سبق قريباً في كلام ابن تيمية ﵀. وقال -أيضاً-: «وقد روى مسلم في «صحيحه» (١) عن النبي s قصة أصحاب الأخدود، وفيها: «أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين» ؛ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه: إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر. فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره: كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا، الذي لا يندفع إلا بذلك أولى، وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطاً من دينار، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من قتل دون ماله فهو شهيد،

стр. 36

ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمه فهو شهيد» (١) ، فكيف بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام، المحاربين لله ورسوله، الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم، فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين: في أنفسهم، وأموالهم، وحرمهم، ودينهم، وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها، ومن قتل دونها فهو شهيد، فكيف بمن قاتل عليها كلها» (٢) . نعم؛ الخلاف فيها مذكور، ولكن الجماهير على الجواز، وبعضهم يقيد مشروعيتها ببعض القيود، يظهر ذلك من كلام أبي حامد الغزّالي وغيره، قال ﵀ في «الإحياء» (٣) في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) : «لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز -أيضاً- ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقْتل حتى يَقْتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم» .

стр. 37

وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل في «شرح مسلم» (١) الاتفاق عليه، ذكره في (غزوة ذي قرد) . وقال في قصة عمير بن الحمام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: «إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة» ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. قال النووي: «فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء» (٢) انتهى. وقال البيهقي في «سننه» (٣) : (باب من تبرع بالتعرض للقتل) : «قال الشافعي (٤) -رحمه الله تعالى-: قد بورز بين يدي رسول الله ﷺ ، وحمل رجل من الأنصار حاسراً على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الخير، فقتل» . قال البيهقي: «هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق» ، ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام، وأنس بن النضر، وغير ذلك. وقال أبو عبد الله القرطبي في «تفسيره» (٥) : «اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنيّة خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من

стр. 38

التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم (١) ، وذلك بَيِّنٌ في قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] . وقال ابن خوايز منداد (٢) : «فأما أن يحمل الرجل على مئة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يقتل، ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثراً ينتفع به المسلمون فجائز -أيضاً-، ولما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحَجَفَة وألقوني إليهم، ففعلوا، فقاتلهم وحده وفتح الباب» . قال القرطبي: «ومن هذا: ما روي، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أرايت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً؟ قال: «فلك الجنة» ، فانغمس في العدو حتى قتل (٣) . ونقل ما في «صحيح مسلم» (٤) عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي ﷺ : «ما أنصفنا أصحابنا» ، قال: «هكذا الرواية: «أنصفنا أصحابنا» ، وروي بفتح الفاء ورفع

стр. 39

الباء، ويرجع إلى من فرّ عنه من أصحابه» ، قال: «وقال محمد بن الحسن (١) : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه؛ لأن فيه نفعاً للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه إذا كان فيه نفع للمسلمين، فَتَلَفُ النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٢) انتهى كلام القرطبي. ومثله ما نقله ابن حجر في «الفتح» (٣) عن المهلب قوله: «وقد أجمعوا على جواز المهالك في الجهاد» . وقال ابن حجر -أيضاً- في موطن آخر: «وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم» (٤) .

стр. 40

وقال ابن المناصف: «واختلف أهل العلم في حمل الرجل وحده على الجيش والعدد الكثير من العدو. فأقول: أحوال الذي يحمل وحده ثلاث: - حال اضطرار وقلّة: حيث يحيط به العدو، وهو يخاف تغلَّبهم عليه، وأسرَهم إياه، فذلك جائز أن يحمل عليهم باتفاق. - وحال يكون فيها في صفّ المسلمين ومعهم، فيحمل إرادة السُّمعة والاتصاف بالشجاعة، فهذا حرام باتِّفاق. - وحال يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غضباً لله، محتسباً نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم من كره حمله وحده، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التّهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واستحسنه، إذا كانت به قوة، وفي فعله ذلك منفعة، إما لنكاية العدو، أو تجرئة المسلمين حتى يفعلوا مثل ما فعل، أو إرهاب العدو، ليعلموا صلابة المسلمين في الدين. وبالجملة؛ فكل من بذل نفسه لإعزاز الدين، وتوهين أهل الكفر فهو المقام الشريف الذي تتوجه إليه مدحة الله -تعالى-، وكريم وعده، في قوله ... -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ [التوبة: ١١١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ » (١) . قال أبو عبيدة: من الصور التي تخرج على هذا النوع في زماننا: أن يتسلل المجاهد إلى معسكر من معسكرات العدو، أو أن يدخل مجمعاً لهم بسلاحه الآلي، أو بمجموعة قنابل، ويقوم بقتلهم حتى تنفد ذخيرته، فيلقون
следующие страницы →