← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1691

السلفيون وقضية فلسطين في واقعنا المعاصر

مشهور آل سلمان

Полный текст (114 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمه فهو شهيد» (١) ، فكيف بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام، المحاربين لله ورسوله، الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم، فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين: في أنفسهم، وأموالهم، وحرمهم، ودينهم، وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها، ومن قتل دونها فهو شهيد، فكيف بمن قاتل عليها كلها» (٢) . نعم؛ الخلاف فيها مذكور، ولكن الجماهير على الجواز، وبعضهم يقيد مشروعيتها ببعض القيود، يظهر ذلك من كلام أبي حامد الغزّالي وغيره، قال ﵀ في «الإحياء» (٣) في كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) : «لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز -أيضاً- ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقْتل حتى يَقْتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم» .

стр. 37

وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل في «شرح مسلم» (١) الاتفاق عليه، ذكره في (غزوة ذي قرد) . وقال في قصة عمير بن الحمام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: «إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة» ، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. قال النووي: «فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء» (٢) انتهى. وقال البيهقي في «سننه» (٣) : (باب من تبرع بالتعرض للقتل) : «قال الشافعي (٤) -رحمه الله تعالى-: قد بورز بين يدي رسول الله ﷺ ، وحمل رجل من الأنصار حاسراً على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي ﷺ إياه بما في ذلك من الخير، فقتل» . قال البيهقي: «هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق» ، ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام، وأنس بن النضر، وغير ذلك. وقال أبو عبد الله القرطبي في «تفسيره» (٥) : «اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنيّة خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من

стр. 38

التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم (١) ، وذلك بَيِّنٌ في قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] . وقال ابن خوايز منداد (٢) : «فأما أن يحمل الرجل على مئة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يقتل، ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثراً ينتفع به المسلمون فجائز -أيضاً-، ولما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحَجَفَة وألقوني إليهم، ففعلوا، فقاتلهم وحده وفتح الباب» . قال القرطبي: «ومن هذا: ما روي، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أرايت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً؟ قال: «فلك الجنة» ، فانغمس في العدو حتى قتل (٣) . ونقل ما في «صحيح مسلم» (٤) عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي ﷺ : «ما أنصفنا أصحابنا» ، قال: «هكذا الرواية: «أنصفنا أصحابنا» ، وروي بفتح الفاء ورفع

стр. 39

الباء، ويرجع إلى من فرّ عنه من أصحابه» ، قال: «وقال محمد بن الحسن (١) : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه؛ لأن فيه نفعاً للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه إذا كان فيه نفع للمسلمين، فَتَلَفُ النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (٢) انتهى كلام القرطبي. ومثله ما نقله ابن حجر في «الفتح» (٣) عن المهلب قوله: «وقد أجمعوا على جواز المهالك في الجهاد» . وقال ابن حجر -أيضاً- في موطن آخر: «وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين، والله أعلم» (٤) .

стр. 40

وقال ابن المناصف: «واختلف أهل العلم في حمل الرجل وحده على الجيش والعدد الكثير من العدو. فأقول: أحوال الذي يحمل وحده ثلاث: - حال اضطرار وقلّة: حيث يحيط به العدو، وهو يخاف تغلَّبهم عليه، وأسرَهم إياه، فذلك جائز أن يحمل عليهم باتفاق. - وحال يكون فيها في صفّ المسلمين ومعهم، فيحمل إرادة السُّمعة والاتصاف بالشجاعة، فهذا حرام باتِّفاق. - وحال يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غضباً لله، محتسباً نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم من كره حمله وحده، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التّهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واستحسنه، إذا كانت به قوة، وفي فعله ذلك منفعة، إما لنكاية العدو، أو تجرئة المسلمين حتى يفعلوا مثل ما فعل، أو إرهاب العدو، ليعلموا صلابة المسلمين في الدين. وبالجملة؛ فكل من بذل نفسه لإعزاز الدين، وتوهين أهل الكفر فهو المقام الشريف الذي تتوجه إليه مدحة الله -تعالى-، وكريم وعده، في قوله ... -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ [التوبة: ١١١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ » (١) . قال أبو عبيدة: من الصور التي تخرج على هذا النوع في زماننا: أن يتسلل المجاهد إلى معسكر من معسكرات العدو، أو أن يدخل مجمعاً لهم بسلاحه الآلي، أو بمجموعة قنابل، ويقوم بقتلهم حتى تنفد ذخيرته، فيلقون

стр. 41

القبض عليه ويقتلوه، والملاحظ هنا، أن احتمال نجاة هذا المجاهد قليلة، بسبب كثرة العدو، وقوات أمنه ودورياته، ففي هذه الحالة يموت بيد أعدائه، مع أن في فعله نكاية شديدة بالعدو (١) . والخلاصة: إن هذه الصورة مقيدة بقيود، اختلف العلماء في التعبير عنها، والمعنى والفحوى والمضمون -في الجملة- واحد؛ وهو: «أن يعلم أنه لا يُقْتل حتى يَقْتل» ، أو «لو علم أن لهجومه نكاية على الكفار» ، أو «علم أنه يكسر قلوب الكفار (٢) بمشاهدتهم جرأته» ، أو أنه «سينكي نكاية أو يؤثر أثراً ينتفع به المسلمون» ، أو «لا يترتب على ذلك وهن في المسلمين» .

стр. 42

وهذه القيود متوفّرة في (العمليات) المبحوثة السابقة، إلا أنه ينبغي الوقوف بتأمل مع قول محمد بن الحسن: «إذا كان يطمع في نجاة» ! ومما ينبغي التنبه له: أن القتل بالتغرير بالنفس الجائز في النصوص والنقولات السابقة هو ما يقع على أيدي الكفار وسلاحهم، ولذا لا إشكال في جواز هذه العمليات الفدائية (١) ، وأنها من قبيل العمليات الاستشهادية. سابعاً: أما العمليات التي فيها القتل المحتّم لنفسه بنفسه، من خلال وضع حزام فيه متفجرات على بدنه، أو في سيارة، ويُظهر استسلاماً للأعداء الكفار، أو يعمل بداية على الدخول بينهم للقضاء عليهم، كما يقوم به بعض أبناء فلسطين المحتلة -أعادها الله إلى حظيرة الإسلام والمسلمين- باليهود، فهذا مما اختلفت فيه وجهات نظر العلماء، بين موسع ومضيّق ومتوسط: فالمجوز بإطلاق، دون شروط أو مراعاة لأيّ قيود، ليس بـ (فقيه النفس) ، ولا يوجد مسوّغ شرعي للنظر في المصالح فحسب، دون النظر إلى (مآلات الأفعال) والمفاسد المترتبة عليها! وبهذا الكلام يفتي المتحمّسون من الشباب، وهو أشبه ما يكون بـ (المراهقة الفكرية) . والمضيّق بإطلاق، راعى نصوصاً، ووقف عند ألفاظها، وأهمل المعاني، ولم يلحق المسألة بأشباهها ونظائرها! ولم يفرق بين (المنتحر) و (المغامر) (٢) ، إذ

стр. 43

همُّ الأول الخلاص من حياته، وهمُّ الثاني إلحاق الضرر بعدوِّه، ولو غامر بنفسه! وعمل على هلاكها. ومما ينبغي ذكره بهذا الصدد أمور: أولاً: إن فتاوى المعاصرين في هذه المسألة موجزة غير مفصلة، وكل منهم يتكلَّم على هذه العمليات من جهة، وبعض هذه الفتاوى تقتصر على واقعة معينة، أو يكون صاحبها واضعاً في حسبانه شيئاً معيناً، ولذا يجب مراعاة هذه الأمور، فقد تختلف الفتاوى باختلاف الحالات، أو بتعدد البلدان، واختلاف الزمان والأوان، فهي تدور على المصلحة المتوخاة، المضبوطة بقواعد الشرع ومقاصده، وجوداً وعدماً. ثانياً: إن الاختلاف في هذه المسألة يقع بين العلماء بناءً على اختلاف تصوّراتهم عنها، فقواعدهم واحدة، وتحقيق مناطها بينهم مختلف، ولو اتفقت أنظارهم لاتّحدت فتاويهم، وهذا النوع من الخلاف فيه سعة، إذ لا يوجد فيه تعدٍّ على النصوص، فالحقّ مع الطرفين، ولكن ينقص المخطئ العدل (١) ! وهذا النوع يقع بين أصحاب المدرسة الواحدة، والمشرب والمذهب الواحد! ثالثاً: هنالك فرق بين ما يستدل به المجوّزون من نصوصٍ وحوادثَ وقعت للمجاهدين في العصور السابقة، وبين هذه العمليات، وأهم هذه الفروق: أن في تلك الأحداث موتاً على أيدي الأعداء، والطمع في النجاة حاصل، ولو باحتمال ضئيل، بخلاف ما في هذه العمليات، إذ الموت محقق، وهو بيد صاحبها! وقد عبر عن ذلك بعض المعاصرين بقوله: «فمن ألقى بنفسه في الهلاك

стр. 44

لصالح دينه، أو لصالح المسلمين، فقد فدى دينه وإخوانه بنفسه، وذلك غاية التضحية وأعلاها، وكم للمسلمين الأوائل من مواقف مشهودة كلها تضحية وفداء، وبذلك تستطيع أن تجيز ما يعمله الفدائي المسلم في عصرنا هذا، من أعمال يذهب هو ضحيتها بعد أن يكون قد نكل بالعدو وقتل ودمر، وذلك مثل: إغراق سفينة بمن فيها من الأعداء وهو معهم، احتلال فندق لقتل من فيه من المقاتلين وهو يعلم أنه يُقتل معهم، وضع المتفجرات في معسكر، أو في مصنع حربي، أو في إدارة عسكرية للقضاء على من فيها، وهو يعلم أنه لا نجاة له، إلى آخر مثل هذه الأمور، ولكن لا يجوز أن يلتف بحزام ناسف لينسف نفسه ومن بجواره، والفرق أن الأصل في الحالة الأولى أنه يقتل عدوه، وجاء قتله تبعاً لذلك، ولذلك لو استطاع الهروب من القتل والنجاة بعد التفجير وجب عليه ذلك. أما الحالة الثانية فالأصل فيها قتل نفسه أولاً ليقتل غيره، وقد لا يقتل هذا الغير لسبب من الأسباب، وإقدامه على قتل نفسه ابتداءً لا يحل في مثل هذه الظروف» (١) . رابعاً: الذي أُراه راجحاً في هذه العمليات: الجواز مع شروط وقيود (٢) ؛ إعمالاً للمعاني (٣) ، وإلحاقاً للمسألة بأشباهها ونظائرها عند الفقهاء.

стр. 45

ولا بد من (الشروط) و (القيود) ؛ لأنّ المحافظة على النفس من المقاصد الشرعية الكبرى، فكيف يتعمد مسلم في إزهاق نفسه ليقتل عدوه؟ والمحافظة على بقاء المسلم مقدم على إزهاق روح الكافر، ولما كانت هذه العمليات خلاف هذا الأصل، احتجنا إلى قيود وشروط لتجويزها. وأما (المعاني) ، فقد وجدنا الفقهاء يجوزون قتل المسلمين إذا تترس بهم الكفار، حفظاً لبيضتهم، ومن المعلوم أن قتل الجماعة أشد وأعظم إثماً من قتل الواحد، وقتل الغير أعظم من قتل النفس، وقد جوّز الفقهاء ذلك بناءً على المصلحة المترتبة، قال ابن تيمية ﵀: «وقد اتفق العلماء على أنّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر، إذا لم يُقاتلوا، فإنهم يُقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم» (١) . فإذا جاز لدرء الضرر قتلُ الجماعة من المسلمين، فقتل المجاهد نفسه جائز من باب أولى، وقد نوّه الحافظ ابن حجر في شرحه (باب: ما جاء في قاتل النفس) بذلك، وأورد البخاري تحته أحاديث قتل المسلم نفسه، فقال ابن حجر: «أراد -أي: البخاري- أن يُلْحِقَ بقاتل نفسه قاتلَ غيره من باب الأولى؛ لأنه إذا كان قاتلُ نفسه لم يتعدَّ ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد، فأولى مَنْ ظَلَم غيرَه بإفاتة نفسه» (٢) . فإذا كان الأعظم إثماً، وقتل الأكثر عدداً جائزاً في هذه الصورة لمعنىً

стр. 46

- وهو: تفادي الضرر الشديد- فإنه من باب أولى يجوز الأخف وزراً، وقتل الأقل عدداً (١) ، إن تحققت العلّة والضرر نفسه أو ما هو أشد منه، والله الموفق. ويلحق بهذا المعنى ما ذكره العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في «فتاويه» (٢) ، قال: «الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب، ويستعملون «الشرنقات» (٣) إذا استولوا على واحد من الجزائريين، ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر، فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا. وهذه الإبرة تسكره إسكاراً مقيداً، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط، فهو يختص بما يبينه بما كان حقيقة وصدقاً.

стр. 47

جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة، ويقول: أموت أنا وأنا شهيد -مع أنهم يعذبونهم بأنواع العذاب-؟ فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله: «آمَنَّا بِرَبِّ الغُلام» ، وقول بعض أهل العلم: إن السفينة ... إلخ. إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، وهو مقتول ولا بد» (١) انتهى. قلت: قوله: «وقول بعض أهل العلم: إن السفينة ... » ؛ يريد: مثالاً مشهوراً في كتب الفقه، يؤكّد ما نحن بصدده من إعمال (المعاني) ، وهذه نصوص من كتب العلماء توضح المومئ إليه: جاء في «المدونة» (٢) للإمام مالك: «- (أي: سحنون يسأل ابنَ القاسم، تلميذَ الإمام مالك) - أرأيتَ السفينةَ إذا أحرقها العدوُّ وفيها أهلُ الإسلام، أكان «مالكٌ» يَكرَهُ لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال: بلغني أنَّ «مالكاً» سُئل عنه، فقال: لا أرى به بأساً، إنَّما يفرّون من الموت إلى الموت! قال ابنُ وَهْب: قال ربيعةُ: أيُّما رَجُلٍ يَفِرُّ من النار إلى أمر يعرِف أنَّ فيه قَتْلَه، فلا ينبغي له، إذا كان إنما يفرُّ من موت إلى موت أيسرَ منه، فقد جاء ما لا يَحِلُّ له، وإنْ كان إنما تحاملَ في ذلك رجاءَ النجاة ... فكلُّ

стр. 48

مُتحامل لأمر يرجو النجاة فيه فلا جُنَاحَ عليه، وإنْ عَطَبَ فيه. قال: وبلغني عن ربيعةَ أنه قال: إنْ صبر فهو أكرمُ -إن شاء الله-» . وقال ابن جزي: «وقد اختُلف في المركب يُلقى عليه النارُ، هل يُلقي الرجلُ نفسَه ليغرق أم لا؟ وأمَّا إنْ قوتل فلا يُغرق نفسَه، بل يقف للقتال حتى يموت» (١) . وقال الدردير: «وجاز انتقالٌ من سبب موت لآخر؛ كحرقهم سفينة إن استمرَّ فيها هلك، وإن طَرَحَ نفسَه في البحر هلك، ووجب الانتقالُ إن رجا به حياةً، أو طولَها، ولو حصل له معها ما هو أشدُّ من الموت! لأنَّ حفظ النفوس واجبٌ ما أمكن!» (٢) . وعَلَّقَ الدُّسُوقي على ما سبق، فقال: «فَرضُ المسألة استواءُ الأمرين؛ أي: يعلمُ أنه إنْ مكث (أي: في السفينة المحترقة) مات حالاً، وإنْ رمى نفسَه في البحر مات حالاً، وأمَّا إنْ علم أنه إنْ نزل البحر مكث حياً، ولو درجةً، أو ظنَّ ذلك، أو شَكَّ فيه! وإنْ مكث (أي: في السفينة المحترقة) مات حالاً: وجب عليه النزولُ في البحر!» (٣) . وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي: «وإذا ألقى الكفارُ ناراً في سفينة فيها مسلمون، فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامةُ فيه من بقائهم في

стр. 49

مركبهم، أو إلقاء نفوسهم في الماء، فالأولى لهم فِعلُه، وإن استوى عندهم الأمران، فقال أحمد: كيف شاء يصنع. قال الأوزاعي: هما مَوْتتان، فاختر أيسرَهما! وقال أبو الخَطَّاب: فيه روايةٌ أخرى أنهم يلزمهم المُقام؛ لأنهم إذا رَمَوْا نفوسَهم في الماء كان موتُهم بِفِعلهم، وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم» (١) . ومما يؤكد إعمال (المعاني) في هذا الباب، ما ذكره العز بن عبد السلام في اختلاف الإثم في قتل النفوس، قال بعد كلام: «وليس مَن قتل فاسقاً ظالماً من فُسَّاق المسلمين بمثابة مَن قتل إماماً عدلاً أو حاكماً مقسطاً أو والياً منصفاً؛ لما فوَّته على المسلمين من العدل والإقساط والإنصاف، وعلى هذا حَمَل بعضُهم قوله -تعالى-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] . لَمّا عمت المفسدةُ في قتل أحد هؤلاء، جُعِلَ إثمُها كإثم مَنْ قتل الناسَ جميعاً؛ لِمَا فَوَّتَهُ على الناس من مصالح بقائه، ولَمَّا عمَّت المصلحةُ في إنقاذ ولاة العدل والإقساط والإنصاف من المهالك، جُعِل أجرُ مُنْقِذِها، كأجر من أنقذ الناس من أسباب الهلاك جميعاً؛ لعموم ما سعى فيه من المصالح» . وكذلك قوله: «وليس قطعُ العالم أو الحاكم أو المفتي أو الإمام الأعظم لسان نفسه، كقطع من لا يُنتَفَعُ بلسانه لسانَ نفسِه» . قال: «والمدارُ في هذا كله على رُتَب تفويت المصالح وتحقيق المفاسد، فكل عضوٍ كانت منفعتُه أَتَمَّ، كانت الجنايةُ عليه أعظمَ وزراً، فليست الجنايةُ على العقل واللسان كالجناية على الخناصر والآذان» . قال: «من قتل إماماً عَدْلاً، أو حاكماً مُقسِطاً، أو مفتياً مُبرِّزاً، كان عليه

стр. 50

إثم القتل، وإثم ما فوَّت على المسلمين مما كانوا يقومون به من جَلْب المصالح ودَرْء المفاسد» . قال: «وكذلك من قتل أباه، أَثِمَ إثْمَ القتل وإثْمَ العقوق؛ لتحقيقه المفسدتين بفعل واحد» (١) . * نماذج من فتاوى علماء العصر الربانيين ثامناً: هذه نماذج من فتاوى علماء العصر، يظهر من خلالها أن المنع لما يترتب على هذه الفتاوى من أضرار، فأطلق المانعون الحرمة لهذا الاعتبار، لا لحرمة العدو، إو إقراراً له على احتلاله واغتصابه، وقتله وبطشه! ويمكن أن نجعل هذه المحاذير بمثابة قيود للحل! فتضيق الهوة بين المختلفين، وتتقارب وجهات نظرهم، وينحصر (٢) الخلاف بينهم! * فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - للشيخ ابن عثيمين ﵀ كلام في أكثر من مكان على هذه العمليات، المتأمل فيه يجد أن الشيخ يمنع العمليات القائمة في بلاد فلسطين وغيرها، تقديراً منه على أن الأضرار فيها غالبة على وجه ظاهر عنده، ومن أنعم النظر في كلامه يجد أن هذه العمليات -عنده- لها وجود بقيود في الشرع، فإدراجه ضمن المانعين لها بإطلاق ليس بصحيح (٣) . قال في «شرح رياض الصالحين» (١/١٦٥-١٦٦) في شرح حديث قصة أصحاب الأخدود، محدِّداً الفوائد المستنبطة منه: «إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامَّة للمسلمين، فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به

стр. 51

ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته ... إلخ. قال شيخ الإسلام: «لأنَّ هذا جهاد في سبيل الله، آمَنَت أمَّة وهو لم يفتقد شيئاً؛ لأنَّه مات، وسيموت آجلاً أو عاجلاً» . فأمَّا ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدّم بها إلى الكفار، ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي ﵊ (١) . لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام؛ لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يُسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويُوغر صدره هذا العمل، حتى يفتك بالمسلمين أشدّ فتك. كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات، وقتل ستة أو سبعة، أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فُجرت المتفجرات في صفوفهم. ولهذا نرى أنَّ ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نرى أنه قتل للنفس بغير حق، وأنَّه مُوجب لدخول النار -والعياذ بالله-، وأن صاحبه ليس بشهيد، لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولاً ظاناً أنه جائز، فإننا نرجو أن يَسلَم من الإثم، وأمَّا أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريق الشهادة، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر» انتهى كلامه. إذاً؛ الشيخ ابن عثيمين ﵀ يرى أن النتائج المترتبة على هذه

стр. 52

العمليات، هي التي تقرر مشروعيتها من عدمها، وأن في تقدير الشيخ أن ما يقوم به أهل فلسطين ممنوع؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة في حق سائر أفراد الشعب، وقد صرح بذلك في «اللقاء الشهري» (٢٠) ، وهذا نص السؤال والجواب بالحرف: «السؤال: فضيلة الشيخ! علمت -حفظك الله- ما حصل في يوم الأربعاء من حادث قُتل فيه أكثر من عشرين يهودياً على يد أحد المجاهدين، وجرح فيه نحو خمسين، وقد قام هذا المجاهد فلفّ على نفسه المتفجرات، ودخل في إحدى حافلاتهم ففجَّرها، وهو إنما فعل ذلك: أولاً: لأنه يعلم أنه إن لم يقتل اليوم قُتل غداً؛ لأنّ اليهود يقتلون الشباب المسلم هناك بصورة منتظمة. ثانياً: إن هؤلاء المجاهدين يفعلون ذلك انتقاماً من اليهود الذين قتلوا المصلين في المسجد الإبراهيمي (١) . ثالثاً: إنهم يعلمون أن اليهود يخططون هم والنصارى للقضاء على روح الجهاد الموجودة في فلسطين. والسؤال هو: هل هذا الفعل منه يعتبر انتحاراً أو يعتبر جهاداً؟ وما نصيحتك في مثل هذه الحال، لأننا إذا علمنا أن هذا أمر محرّم لعلنا نبلغه إلى إخواننا هناك، وفقك الله؟ الجواب: هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة

стр. 53

كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزاً. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام، الغلام المؤمن الذي كان في أمة يحكمها رجل مشرك كافر، فأراد هذا الحاكم المشرك الكافر أن يقتل هذا الغلام المؤمن، فحاول عدة مرات، مرة ألقاه من أعلى جبل، ومرة ألقاه في البحر، ولكنه كلما حاول ذلك نجى الله ذلك الغلام، فتعجب هذا الملك الحاكم، فقال له الغلام يوماً من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلت هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي، واجعله في القوس، ثم ارمني به، قل: بسم الله ربّ الغلام. وكانوا إذا أرادوا أن يسموا، قالوا: باسم الملك، لكن قال له: قل: بسم الله رب هذا الغلام. فجمع الناس في صعيد واحد، ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضعه في القوس، وقال: بسم رب هذا الغلام، وأطلق القوس، فضربه، فهلك، فصاح الناس كلهم: الرب ربّ الغلام، والربّ ربّ الغلام، وأنكروا ربوبية هذا الحاكم المشرك؛ لأنهم قالوا هذا الرجل الحاكم فعل كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام، ولم يستطع إهلاكه، ولما جاءت كلمة واحدة: بسم الله رب هذا الغلام، هلك، إذاً مدبر الكون؛ هو: الله، فآمن الناس. يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفع كبير للإسلام. وإن من المعلوم، أن الذي تسبب في قتل نفسه هو هذا الغلام لا شك، لكنه حصل بهلاك نفسه نفع كبير؛ آمنت أمة كاملة، فإذا حصل مثل هذا النفع، فللإنسان أن يفدي دينه بنفسه، أما مجرد قتل عشرة أو عشرين دون فائدة، ودون أن يتغير شيء ففيه نظر، بل هو حرام، فربما أخذ اليهود بثأر هؤلاء فقتلوا المئات، والحاصل أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى فقه وتدبر، ونظر في العواقب، وترجيح أعلى المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، ثم بعد ذلك تقدّر

стр. 54

كل حالة بقدرها» (١) . وسئل الشيخ -رحمه الله تعالى- بما يلتقي مع الجوابين السابقين، وفيه زيادة في حكم من فعل ذلك مجتهداً وقد أخطأ في تقدير المصالح والمفاسد، وهذا نص السؤال والجواب: السؤال: ما الحكم الشرعي فيمن يضع المتفجرات في جسده، ويفجر نفسه بين جموع الكفار نكاية بهم؟ وهل يصح الاستدلال بقصة الغلام الذي أمر الملك بقتله؟ الجواب: «الذي يجعل المتفجرات في جسمه من أجل أن يضع نفسه في مجتمع من مجتمعات العدو، قاتل لنفسه، وسيعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً فيها مخلداً، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ فيمن قتل نفسه في شيء يعذب به في نار جهنم. وعجباً من هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات، وهم يقرؤون قول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، ثم فعلوا ذلك، هل يحصدون شيئاً؟ هل ينهزم العدو؟! أم يزداد العدو شدة على هؤلاء الذين يقومون بهذه التفجيرات، كما هو مشاهد الآن في دولة اليهود، حيث لم يزدادوا بمثل هذه الأفعال إلا تمسكاً بعنجهيتهم، بل إنا نجد أن الدولة اليهودية في الاستفتاء الأخير نجح فيها (اليمينيون) الذين يريدون القضاء على العرب. ولكن من فعل هذا مجتهداً ظاناً أنه قربة إلى الله فنسأل الله -تعالى- ألا يؤاخذه؛ لأنه متأول جاهل ... وأما الاستدلال بقصة الغلام، فقصة الغلام حصل فيها دخول في الإسلام، لا نكاية في العدو، ولذلك لما جمع الملك الناس، وأخذ سهماً من كنانة

стр. 55

الغلام، وقال: باسم الله رب الغلام، صاح الناس كلهم، الرب رب الغلام، فحصل فيه إسلام أمة عظيمة، فلو حصل مثل هذه القصة لقلنا إن هناك مجالاً للاستدلال، وأن النبي ﷺ قصها علينا لنعتبر بها، لكن هؤلاء الذين يرون تفجير أنفسهم إذا قتلوا عشرة أو مئة من العدو، فإن العدو لا يزداد إلا حنقاً عليهم وتسمكاً بما هم عليه» (١) . * فتوى الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى - لشيخنا محدث هذا العصر محمد ناصر الدين الألباني ﵀ كلام حول حكم هذه العمليات، مفاده ومؤداه لا يخرج عما سبق تقريره في فتوى الشيخ ابن عثيمين (٢) ، وقد أخطأ عليه كثير من الشانئين، فأكلوا لحمه، وأقاموا عليه الدنيا وما أقعدوها، كشأنهم في حرب الخليج، ولما هدأت الأحوال، تبيَّن لهم أن صنيعهم رماد، وأنهم علقوا الناس بسراب، وأنهم متعجِّلون، وهيهات لهم -في وقت الأحداث الجسام- أن يمسكوا ألسنتهم، لأنه لا وجود لهم إلا بها، ووجودهم صياح وعويل، دون ثمرة أو تأصيل، وزمن (العواطف) ولَّى أو كاد، ولن يبقى الوجود -إن شاء الله تعالى- إلا للأصيل، الذي أحكم تصوراته وأفعاله وأقواله بالدليل، على قواعد أهل العلم والتبجيل، وهذا أول النصر، لا سيما لهذا الجيل. إن فتوى الشيخ -رحمه الله تعالى- تدور على الجواز بشروط، من أهمِّها: أن يقع تقدير المصالح المترتبة عليها من أمير للجيش، وإلا دبَّت الفوضى. وأن تقدير الشيخ ﵀ في العمليات التي وقعت في (فلسطين) -أعادها الله إلى حضيرة الإسلام والمسلمين- لم تترتب عليها الآثار المتوخّاة في الشرع، ولهذا

стр. 56

فهو يمنعها (١) ، مع قوله -فيما سمعتُ منه-: «إنَّ مآل أصحابها إلى الله ، أرجو الله أن يتقبَّلهم» (٢) . وهذا نص كلامه -رحمه الله تعالى- في هذه العمليات: السائل: بعض الجماعات تقر الجهاد الفردي مستدلة بموقف الصحابي أبي بصير، وتقوم بما يسمى بعمليات استشهادية (وأقول: انتحارية) ، فما حكم هذه العمليات؟ فأجاب الشيخ بالسؤال: كم صار لهم ... ؟

стр. 57

السائل: أربع سنوات. فقال الشيخ ناصر: ربحوا أم خسروا؟ السائل: خسروا. فقال الشيخ ناصر: من ثمارهم يعرفون (١) . السائل: بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل ... فهل يعد هذا انتحاراً؟ الجواب: لا يعد هذا انتحاراً؛ لأنّ الانتحار؛ هو: أن يقتل المسلم نفسه خلاصاً من هذه الحياة التعيسة ... أما هذه الصورة التي أنت تسأل عنها، فهذا ليس انتحاراً، بل هذا جهاد في سبيل الله ... إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فردياً شخصياً، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش ... فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربح كبير من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى ولو لم يرض هذا الإنسان فعليه الطاعة ... الانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام؛ لأنّ ما يفعله إلا غضبان على ربه ولم يرض بقضاء الله ... أما هذا فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة يهجم الرجل على جماعة (كردوس) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت، وهو صابر؛ لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة ... فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة (٢) . (ا. هـ)

стр. 58

كما نعرض هنا لنص الفتوى التي أفتى بها الشيخ ناصر الدين الألباني، رداً على سؤال وجه إليه حول العمليات، فأجاب ﵀: «إن العمليات الانتحارية التي تقع اليوم تجوز ولا تجوز» ، وتفصيل هذا الكلام الذي يوهم التناقض ظاهر أنها تجوز في النظام الإسلامي، في الجهاد الإسلامي، الذي يقوم على أحكام الإسلام، ومن هذه الأحكام أن لا يتصرف الجندي برأيه الشخصي، وإنما يأتمر بأمر أميره؛ لأنّ النبي s كان يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني» ، فإذا كان هناك -ونرجو أن يكون قريباً- جهاد إسلامي، على النظام الإسلامي وأميره لا يكون جاهلاً، وإنما يكون عالماً بالإسلام، خاصة الأحكام المتعلقة بالجهاد في سبيل الله، هذا القائد أو هذا الأمير المفروض أنه يعرف، وأخذ مخطط ساحة المعركة وتصورها في ذهنه تماماً، يعرف -مثلاً- إذا كانت هناك طائفة من الجيش لها نكاية في الجيش الإسلامي، ورأى أن يفادي بجزء من جنوده. ثم قال: وهذا مثال، وأنا لست عسكرياً، لكن الإنسان يستعمل عقله، فكلنا يعلم أن الجنود ليسوا في البسالة والشجاعة سواء، وليسوا في مرتبة واحدة في معرفة أصول القتال وأحكام القتال، فأنا أتصور أن هذا القائد سيأخذ رجلاً، من الذين يصلحون للطبخ والنفخ، من الذين لا يصلحون للقتال؛ لأنه لا يحسن القتال، ليس عنده شجاعة، ويقول له: تسلح بالقنابل أو اركب الطائرة، واذهب بها إلى الجماعة الموجودين في الأرض الفلانية ... هذا انتحار يجوز، أما أن يأتي واحد من الجنود كما يفعلون اليوم، أو من غير الجنود وينتحر في سبيل قتل اثنين أو ثلاثة أو أربعة من الكفار فهذا لا يجوز؛ لأنه تصرف شخصي ليس صادراً عن أمير الجيش، وهذا التفصيل هو معنى قولنا: يجوز ولا يجوز. وهذا كلام آخر للشيخ ﵀ حول هذه العمليات، نختم به النقل عنه: السائل: ما حكم الذين يموتون في عمليات جهادية على الحدود مع

стр. 59

اليهود؟ الجواب: أولاً: إذا قصدوا الجهاد في سبيل الله فهو بنياتهم؛ للحديث المعروف في «صحيح البخاري ومسلم» ، وهو من الأحاديث التي افتتح البخاري كتابه «الصحيح» به، وأخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد؛ لبيان أن الجهاد لا يكون جهاداً في سبيل الله إلا إذا خلصت النية لله ﵎، وقد كنا ذكرنا في جلسة سبقت، أنه يشترط في العمل الصالح الذي يرفعه الله مقبولاً لديه شرطان اثنان: أن يكون على وجه السنة، وأن يكون خالصاً لله . ولا شك أن الجهاد هو من الأعمال الصالحة التي فرضها الله ؛ تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، وأناط بالجهاد بقاء العز للأمة المسلمة، وعلى العكس من ذلك إذا أهملوا الجهاد في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح: «سلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه -لا يرفعه عنهم- حتى يرجعوا إلى دينهم» . فلا داعي لإثبات أن الجهاد عبادة -وعبادة عظيمة جداً-، ولكن هذه العبادة لا تقبل عند الله -عز ووجل- إلا إذا خلصت لله وليس لحزبية، أو دفاع عن أرض، والأرض كلها لله، يملّكها من يشاء من عباده، ذلك الحديث الذي افتتح الإمام البخاري كتابه «الصحيح» -كلكم يسمعه-، ولكن من الظن العمل به، قال ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . هذا الحديث صريح جداً؛ لأنّ الهجرة التي ذُكرت في هذا الحديث، والمقصود بها هو الجهاد في سبيل الله ، إنما يقبله ربنا ﵎ إذا كان بنية خالصة لله، لا يريد من وراء ذلك شيئاً من حطام الدنيا،

стр. 60

أو مما يتعلق بها، قال ﵇-على سبيل المثال-: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . ذكر المرأة والمال يصيبه الإنسان في الجهاد، لا يبتغي من وراء هذه إلا الله، فهو ونيته. قلت: ذكر ذلك على سبيل المثال، وإلا فالنية تُفسَد بكثير من الأمور، ليست امرأة ينكحها، أو دنيا يصيبها فحسب، فقد يكون يريد من جهاده ومن قتاله أن يقال: إنه مجاهد، لا يريد مالاً ولا يريد امرأة في السبي، وإنما يريد أن يقال: فلان مجاهد، فهذا هو ونيته؛ أي: ليس له جهاد. فالجواب إذن: إذا خلصت النية من المجاهد لله، لا شك أنه يثاب على ذلك لما يستحقه، ولكن هذا الجهاد الذي جاء السؤال عنه، ليس هو الجهاد الذي أمر الله به، فأنا أقول: هو ونيته؛ لأنه قصد الجهاد، لكن الجهاد يجب أن يُعد له عدته، كما قال الله -تعالى- في الآية المعروفة: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، هذا هو الجهاد حين يعلن وتتخذ له العدة، هو الذي لا يجوز التخلف عنه، أما الجهاد بمعنى ثورة أفراد، يثورون ولو انتقاماً لأرضهم، فذلك ليس جهاداً، نعم؛ يكون الدفاع عن الأرض واجباً، أما هذه الهجمات التي في أكثر الأحيان تكون الخسارة المترتبة عليها أكثر من الربح -كما هو مشاهد- في كثير من أمثال هذه الهجمات، فليس هذا هو الجهاد الذي يوجب على المسلمين كافة أن ينفروا ... -كما جاء في القرآن-، إنما هو الجهاد الذي أشار الله إليه في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ ، ولذلك فعلى المسلمين -كما صرحنا بهذا في أكثر من مناسبة- أن يعودوا إلى أنفسهم، وأن يفهموا شريعة ربهم فهماً صحيحاً، وأن يعملوا فيما فهموا من شرع الله ودينه عملاً صادقاً خالصاً، حتى يتكتلوا ويتجمَّعوا على كلمة سواء؛ حينئذ يفرح

стр. 61

المؤمنون بنصر الله ﵎. (١) ا. هـ. تاسعاً: نخلص مما تقدم إلى ما يلي: أولاً: إن مشايخ الدعوة السلفية (الألباني، ابن عثيمين، وغيرهما) لا يمنعون العمليات لذاتها (٢) ، وإنما يعلِّقون حكمها بما يترتَّب عليها، ومن نقل عنهم خلاف ذلك فهو مخطئ. ثانياً: إنهم يفرقون بين مفرداتها، وينظرون إلى ملابساتها وظروفها، واختلاف أزمنتها وأمكنتها بحسب الحالة التي تقع فيها هذه العمليات: هل هي حالة ضرورة لا غنى عن القيام بها، أم لا؟، ويفرقون -أيضاً- بين حكمها ومآل القائمين عليها عند الله . ثالثاً: إن (أمر قائد الجيش) من شروط القيام بهذه العمليات، إذ هي من (جهاد الطلب) ، ولا يتصور ذلك إلا بأمير، أما (جهاد الدفع) فلا يحتاج إلى أمير ولا إلى إذنه، سمعتُه من شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- أكثر من مرة.

стр. 62

رابعاً: تقدير المشايخ في هذه العمليات التي جرت على أرض فلسطين، أن النتائج السلبية المترتبة عليها أكثر من مصالحها، فهم يمنعونها لهذا الملحظ، ومناقشتهم ينبغي أن تحصر في هذا المطلب، وأن يكون بالحجج والبراهين، مع معرفة قدر هؤلاء الربانيين، دون تبجح واتّهام، وإلا -والله- (على نفسها تجني براقش) ! وأما تقدير المجوزين (١) للمصالح فيها، وتغليبها على المفاسد، فهو (حقٌّ) من وجهة نظرهم، ولكن ... ينقصه (العدل) ، ولله سنن لا تحابي أحداً، والسعيد والموفّق من انشغل بواجب الوقت، وأحسن فيما يستطيع من القيام به من واجبات، وتوسَّع فيها، وتوصل من خلال هذا التوسع إلى الذي كان لا يستطيعه، وأما ترك ما نستطيع، بحجة إيجاد ما لا نستطيع، فهذا يضيِّع الأمرين، ويهمل الواجبين، وهو من صنيع المخذولين المحرومين. والحق -الذي أُراه- في هذه الجزئية -وهو عقدة المسألة في نظري-: تقرير وتقدير الخبراء في العلوم العسكرية المتخصصين في هذا الباب، وقد سبق أن أومأنا إلى رأيهم (٢) .

стр. 63

وأما على فرض أن هذه العمليات: «توفر على المسلمين جهداً كبيراً، وتدفع عنهم ذلاً لا يعلمه إلا الله، وذلك حينما يضحي البعض بنفسه من أجل الكل، بل إن الكفار يستعملونها -كما حصل مع اليابانيين في معاركهم مع العالم الغربي في خليج الخنازير-، وهذه العمليات الاستشهادية تحطم معنويات قوات العدو، وتلقي فيها الرعب من المجاهدين، فتحيا النفوس المسلمة، وتثير فيها العزة بقوة الإسلام» (١) ، فلا مجال للقول بمنعها، ولكن هل العمليات التي جرت على أرض فلسطين السليبة الحبيبة هكذا؟ وهل الجيوش مرابطة حواليها، لترتفع معنويات وتلقي الرعب في قلوب الأعداء؟! أم أننا نحس ونشعر أن الأضرار المترتبة عليها أكثر بألف مرة من النتائج التي تشفي صدور المؤمنين، من قتلٍ جزئيٍّ لبعض أفراد اليهود؟ فالمانعون لهذه العمليات، إنما صرحوا بذلك تخوّفاً على المسلمين من إلحاق الأذية بهم، على وجه أبشع وأشنع، ليس إلا، فإن أخطأوا في هذا التقدير، فهم مأجورون على اجتهادهم هذا، أما عدُّهم في صف الأعداء، والتندُّر بهم، والتنقُّص منهم، والهجوم وتجريء العوام والسفهاء عليهم، فلا يقع هذا إلا ممن خَفَّ دينُه، وطاش عقله، وزال يقينه، أو ممن يعمل على

стр. 64

الانتصار لاسمه وحزبه، وعقد سلطان الولاء والبراء عليه، ولو على حساب دينه، والوقوع في أعراض العلماء، والكذب عليهم! فلا يبالي بما خرج من رأسه، وسطر قلمه! عاشراً: لا تجوز هذه العمليات إلا بقيود؛ منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وهي على النحو التالي: أولاً: أن يقصد بها النكاية في الكفار بما لا يُمكن إلا بقتل نفسه، وأن تكون نيته الجهاد لإعلاء كلمة الله -تعالى-. فإن وجد سبيلاً وطريقاً آخر للنكاية بهم، فلا تجوز هذه العمليات مع قتل النفس بيد صاحبها! وكذلك إذا لم يترتب عليها نكاية في العدو، كما سبق نقله عن بعض الفقهاء (١) ، وهذان نقلان عن عالمين محررين مدققين، يوضحان ضرورة هذا الشرط: الأول: قال العز بن عبد السلام: «التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إن علم أنَّه يُقتل في غير نكاية في الكفار، لأنّ التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية، وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة» (٢) . والآخر: قال الشاطبي: « ... فإن كانت المفسدة اللاحقة له دنيوية لا يمكن أن يقوم بها غيره، فهي مسألة الترس وما أشبهها، فيجري فيه خلاف كما مر، ولكن قاعدة (منع التكليف بما لا يطاق) شاهدة بأنه لا يكلف بمثل هذا، وقاعدة (تقديم المصلحة العامة على الخاصة) شاهدة بالتكليف به، فيتواردان على هذا المكلف من جهتين، ولا تناقض فيه، فلأجل ذلك احتمل الموضع

стр. 65

الخلاف، وإن فرض في هذا النوع إسقاط الحظوظ فقد يترجح جانب المصلحة العامة، ويدل عليه أمران: أحدهما: قاعدة الإيثار المتقدم ذكرها، فمثل هذا داخل تحت حكمها. والثاني: ما جاء في نصوص الإيثار في قصة أبي طلحة في تتريسه على رسول الله ﷺ بنفسه وقوله: «نحري دون نحرك» ، ووقايته له حتى شلت يده، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ (١) ، وإيثار النبي ﷺ غيره على نفسه في مبادرته للقاء العدو دون الناس؛ حتى يكون متّقىً به (٢) فهو إيثار راجع إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير، ووجه عموم المصلحة هنا في مبادرته ﷺ بنفسه ظاهر؛ لأنه كان كالجُنَّة للمسلمين. وفي قصة أبي طلحة أنه كان وقى نفسه مَنْ يعمُّ بقاؤه مصالح الدين وأهله، وهو النبي ﷺ ، وأما عدمه؛ فتعمّ مفسدته الدين وأهله، وإلى هذا النحو مال أبو الحسين النوري حين تقدّم إلى السياف، وقال: «أوثر أصحابي نجاة ساعة» (٣) في القصة المشهورة» (٤) .

стр. 66

ثانياً: أن تكون هذه العمليات مخططاً لها، مدروسة بإحكام من قبل القائمين عليها، غالباً على ظن القائمين بها أنَّ مصالحها مقدّمة على مفاسدها، وأن تكون المصلحة مضبوطة بقواعد العلماء وفتاويهم، مع عرض ذلك على الخبراء الحاذقين العارفين، ولا بد هنا من التنبه لأمور: الأول: أن بعض هذه العمليات، يمكن أن تورط أصحابها بأعمال تفوق إمكاناتهم، وتعرض عناصرها لبلاء لا يطيقونه، وهذا له أثر على الحكم الشرعي لها. الثاني: أن هذه العمليات موجعة مقلقة للأعداء، إلا أنها متقطّعة، ولذا لا تأتي بثمارها عند العسكريين في غالب صورها إلا مع وجود جيش مقابل جيش ليجني ثمارها، إذ هي بنفسها غير شاملة ولا مستمرة ولا مدمّرة، ولا أستطيع إبداء رأي موضوعي حول (الأضرار) و (المفاسد) من جهة، و (المصالح) و (المكاسب) من جهة أخرى؛ ذلك أنَّ رأياً من هذا النوع يتطلب دراسة عميقة شاملة، لا أظنه موجوداً -على الوجه الذي يرضي- حتى عند من يجيزها ويدافع عنها (مزاودة) -ليس إلا-، ليكسب أصوات الرأي العام في الانتخابات وما شابه، وليدغدغ عواطف الشباب، وليوظفها في ترسيخ الحزبيات، من خلال تعميق الشعور بتحقيق ذاته في هذا المضمار، فتجده يتكلم عليها ويدافع عنها، ويحرص على تبنِّيها بدوافع نفسية فحسب، وهذه الأمور الخطيرة لا تحتاج إلى هذه الدرجة من الفعالية، وعلى المتحمسين أن يعلموا أنهم والمفتون بمنعها من ناحية (عملية) سواء!! الثالث: نعم؛ هناك نواحٍ إيجابية مهمة لها (١) ، تؤخذ بعين الاعتبار؛ من

стр. 67

أهمها: إرادة التصميم على القتل والاستشهاد، وإبقاء هذا الصوت حياً في

стр. 68

الأمة من غير إخماد، والأضرار المادية في الأرواح والأموال والعتاد، والعمل على الحدّ من الهجرة إلى هذه البلاد، وإجبار الموجودين على مغادرتها إلى غيرها قدر المكنة، وإسماع صوت الفلسطينيين المحتلين المظلومين إلى العالم. الرابع: لكن الموازنة بين آثار هذه العمليات، يختلف من حين إلى حين، ومن مكان إلى آخر، والواقع المحسوس، والأثر الملموس، هو أكبر شاهد عليه. الخامس: إذا لم تضبط هذه العمليات برأي أهل الخبرة، وبالأناة والدراسة الشاملة، فإنها -بلا شك- ستكون مؤذيةً جداً، وستؤدي إلى إيذاء الشعب، وإلحاق الضرر البالغ به. السادس: مما يزيد من تعقيد الموازنة بين (المصالح) و (المفاسد) المترتبة على هذه (العمليات) : أنها تقع بغتة، والقرار المترتب على إثرها بيد الأعداء، وبإمكانهم أن يفعلوا ما يريدون، ولهم أثر على كتمان هذه الآثار أو تضخيمها، أو تحجيمها، على حسب خدمة مصالحهم، والرأي العام -من خلال الإعلام وغيره- بأيديهم. يقول بعض الباحثين: «إنَّ لكل حرب حدوداً تتم بالموافقة الضمنية بين المتنازعين، لقد تكلمت عنها كل النظريات العسكرية، وقد عمل بهذا المبدأ خلال الحروب الأخيرة، حتى التي كانت أشدها عنفاً، أن سبب هذه الحدود واضح، فكل فريق إذا ما اتخذ هذا القرار وهذا التدبير، أو استعمل ذلك الأسلوب، يعرف أن العدو يمكنه بدوره استعمال طرق مماثلة، واتخاذ تدابير مضادة تبطل مفعول الأعمال قيد الدرس، أو حتى تسيء بمصالح الفريق الأول الذي يكون قد استعملها، ولذلك -مثلاً- في الحرب العالمية الأخيرة، لم يستعمل أحد الغازات السامة، في حين أنها كانت لدى جميع الجيوش، والمرة الأخيرة التي استعملت فيها هذه الغازات حدثت في حرب الحبشة من قبل الإيطاليين، والسبب الأكيد في ذلك هو أنهم كانوا يعلمون أن باستحالة

стр. 69

الأحباش الخوض في مثل هذه الحرب، أو حتى اتخاذ أي تدبير معاكس، وكذلك خلال حرب كوريا لم يشن الأميركيون هجوماً على الصين بالرغم أن فرقاً صينية ذات أهمية دخلت الحرب إلى جانب الكوريين الشماليين، إن الأمثال في هذا المجال عديدة جداً، وفي بعض الأحيان عجيبة وغريبة، مثلاً أداء -والحرب دائرة- ثمن شهادات الاختراع من أحد المتخاصمين إلى الآخر (بصورة غير مباشرة) بغية استعمال اختراعات الطرف الثاني، إذا استعرضنا قائمة الروابط التي استمرت بكل سرية بين المتنازعين خلال الحربين العالميتين الأخيرتين نندهش لعددها ومداها، وبالأخص لا أظن خلال الحروب الأخيرة حاول المتنازعون إصابة خطوط العدة الجوية المدنية التي كانت مستمرة في العمل، ولم يحصل ذلك محبة بالعدو، بل بعد أخذ حسنات وسيئات هذه العمليات بعين الاعتبار، إنني أرى أن القواعد التي كانت تطبق وقت حرب بهذا القدر من الشدة والعنف، جديرة بأن تطبق -أيضاً- على النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، والنزاع الإسرائيلي - العربي» (١) . ويكشِف لك -هذا النقل- عن نظرية مقررة عند العسكريين؛ وهي: مدى خطورة وقساوة ردة الفعل المترتبة من العدو جراء هذه العمليات، وهذا يسوّغ ما ذكرناه من ضرورة الأناة وتقدير أهل الخبرة، والدراسة الشاملة لها قبل التورط فيها! السابع: لا أمير في العلم، ولا سلطان عليه، ولا أثر للعواطف في

стр. 70

أحكامه، فمتى تبرهن من خلال (التصوّرات) أو (المشاهدات) ، أنّ هذه الأضرار غالبة، فالقول بالمنع أقوى، وهو أحرى وأجدى وأولى، وهذا ما وقع في كلام مشايخنا السابق، وإلا فالنزاع معهم -كما قررنا- في تحقيق هذه الجزئية فحسب، والله الموعد. الثامن: في غياب البنيان العقدي الصحيح، والمنهجيِّ السليم، يغدو من المستحيل -من وجهة نظر شرعية- النصر، وهو من أهم وسائله بعد الإعداد، فالأصل أن يسبق هذا تلك العمليات، على وجه ملحوظ، ويكون له في المجتمع أثر ملموس. التاسع: مما ينبغي أن يُعلم -على ضوء ما سبق-: أن أنصاف الحلول هي أسوأ من انعدام الحلول في كثير من الأحايين، فالارتجال والفشل في إحكام هذه العمليات هو أسوأ بكثير -في نظري- من الامتناع عن القيام بها. العاشر: وأخيراً ... ليست جميع المعلومات متوافرة في متناول الباحثين، وهذه ملحوظات عابرة، ومما لا شك فيه أن هذه العمليات تجني بعض الفائدة المادية والمعنوية، وأما بالنسبة للحكم على أبعادها على مستوى الرأي العام، فإنه يخضع لاعتبارات الدعاية والإعلام، وأما على المستوى العسكري، فإنه لا يبدو لي أن المكاسب التي جنتها هذه العمليات حتى الآن بمقدار خسائرها الحقيقية، ومن المفارقات العجيبة أن تكون هذه العمليات ضحية السعي في سبيل الدعاية ليس إلا، ولا يجوز تغليب (الدعاية) على الثمار الحقيقية الموجهة صوب أهداف واضحة، فالركض وراء (الدعايات الفارغة) المصنوعة من (أعدائها) ، والمدائح الطنانة، الحاصلة من (منافقيها) ، ليست من المصلحة الحقيقية الشرعية، وإنما هي أصداء وأضواء كاذبة، وتعليقات فيها مبالغات جوفاء، ومظاهر خادعة، وأخطر ما فيها إشغال الشباب، وسرق أنظارهم عن الاتجاه الصحيح الواجب عليهم سلوكه، والنقد الصريح لما يشعرون به من

стр. 71

أخطاء تحيط بهم، والواجب عليهم نقدُها وتغييرها، والعاقل يقيس الأمور بنتائجها. تلك بعض التفصيلات التي تخص (المصالح) و (المفاسد) التي تكتنف هذه العمليات على حسب محدودية معرفتي في هذا المجال، وعلى كل؛ فإن تفهم قناعات حملة الرأي الآخر بالتفصيل في هذا المحل (١) ، يقود إلى مزيد من الصواب ومزيد من النفع -إن شاء الله تعالى-. ثالثاً: الكلام على هذه العمليات من حيث الأضرار والمصالح، حاصل مع ما يحيط بالأُمة من شرور وويلات، وإلا فالجهاد في سبيل الله هو السبيل الشرعي لإعادة المحتلّ من الديار، ولا يجوز أن تنشغل الأمة عما يوصل إليه، فهو باب لا يفتحه الله إلا إلى خاصة أوليائه، حتى يصطفي منهم، ويجتبي إليه من يشاء، فعلى الأمة أن تكون فيها (أئمة دين) ، ولا تنال هذه المرتبة إلا بـ (الصبر) و (اليقين) ، مصداقاً لقول رب العالمين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ، والنبي ﷺ بعث مزكياً معلماً، وحددت له هاتان المهمتان قبل خلقه، بدعاء أبيه إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، فامتنّ الله على هذه الأمة بهذه الاستجابة، ... بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ (٢) مُّبِينٍ﴾ ... [الجمعة: ٢] ،

стр. 72

ولا سبيل إلى حصول (التزكية) إلا بـ (التربية) ، ولا اليقين إلا بـ (التصفية (١)) ، وعند تحقق هذين الأمرين تسعد الأمة وتصعد، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤-٥] ، ولا بد من هذا الشرط (٢) ؛ حتى نبقى نسير في الاتجاه الصحيح الموصل إلى نصر الله . رابعاً: أن لا يترتب على هذه العمليات محاذير شرعية، من قتل الأبرياء من المدنيين، نعم؛ دفع الكفار، وإيذاؤهم، وإلحاق الضرر بهم مشروع، ولكن ... لا يُقتل المدنيون، إلا إذا أعانوا على القتال بنفس أو رأي، أو لم يمكن التمييز حال اختلاطهم بالأعداء، على تفصيل تراه في كتب أهل العلم (٣) . ونذكر هذا الشرط؛ لأننا بصدد التأصيل، والدراسة الشرعية لهذه العمليات باختلاف أزمنتها وأمكنتها وملابساتها.

стр. 73

خامساً: لا بد من (مراعاة الخلاف) (١) في بعض الصور، وبعض الملابسات، ويقضي هذا: الفصل (٢) بين (حكمها الشرعي) ومآل (القائمين) عليها، إذ مدار التقدير على الاجتهاد. سادساً: جميع ما سبق، هو محاولة تأصيل لهذه (العمليات) على وفق قواعد الشرع ومقاصده، على ضوء ما قرره أهل العلم، والكلام هذا في (نازلة) جديدة لم تكن معروفة قديماً بجميع حيثياتها وتفصيلاتها، وأما تنزيل الأحكام على واقعة معينة، وإعمال تطبيقاتها وتحقيق المناط فيها، فإنه من عمل العلماء المعتبرين، وأهل الفتوى الراسخين، يخرجون كل واقعة بعينها على قواعدها، مراعين نتائجها وثمارها، بعد إحكام تصورها، ومعرفة واقعها، وبالاستعانة بتقرير أهل الخبرة والمعرفة من المجاهدين من حيث أضرارها ومفاسدها، والله المستعان، لا ربّ سواه. * من كلمات العلماء السلفيين في قضية فلسطين هذه كلمات مبثوثة في بطون الكتب والمجلات، جمعتُها من هنا وهناك، يلمس فيها قارؤها حقائق مريرة، وتومئ إلى قضايا خطيرة، وأفكار رئيسة، وهي بمثابة (الدبابيس) تارة، و (أحكام فقهية) تارة أخرى، وفي بعضها (ما يجب علينا) تجاهها، وفي بعضها الآخر (كلمات) في مؤتمرات، وفيها -أيضاً- (قواعد) لا تتغيّر بتغيّر الأحداث والزمان، عملت على جمعها ونشرها على حد الحكمة القائلة: (من كتم داءه قتله) ، وعلى الرغم من ذلك، فسنعمل على سردها دون شرح -ولو كان في بعضها جرح- وهي جميعاً لأئمة من العلماء السلفيين العاملين المتأخّرين، والله الموفّق للصالحات، والهادي إلى الخيرات.

стр. 74

* قال محمد البشير الإبراهيمي ﵀: «إن فلسطين وديعة محمد ﷺ عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون» (١) . * وقال -أيضاً-: «أيها العرب! إن قضية فلسطين محنة، امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنها حق في نفسها، وليست تنال بالهوينا والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيّات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة. إن الصهيونية وأنصارَها مصممون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن به. وكونوا حائطاً لا صدع فيه ... وصفّاً لا يُرقَّعُ بالكسالى» (٢) * وقال -أيضاً-: «يا بخس فلسطين! ... أيبيعها من لا يملكها، ويشتريها مَن لا يستحقها ... ؟ يا هوان فلسطين! ... يقولون: إن فلسطين منسك للأديان السماوية الثلاثة، وإنها قبلة لأهل تلك الأديان جميعاً، فإن كان ما يقولون حقاً -وهو حق في ذاته- فإن أحق الناس بالائتمان عليها العرب؛ لأنهم مسلمون، والإسلام يوجب احترام الكتب والكتابيين، ويوجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، ويضمن إقامة الشعائر لليهود والمسيحيين، لا اليهود الذين كذّبوا الأنبياء وقتلوهم، وصلبوا -بزعمهم- المسيح الصادق، وشرّدوا حواريِّيه من

стр. 75

فلسطين، وكفروا بمحمد ﷺ بعد ما جاءهم بالبينات» (١) . * وقال -أيضاً- «ووالله -يميناً برَّة- لو أن القوى -روحيَّها وماديَّها- انطلقتْ من عُقُلها وتظافرت، وتوافتْ على فلسطين وتوافرت، لدفنت صهيون ومطامعه وأحلامَه إلى الأبد، ولأزعجتْ أنصارَه المصوتين إزعاجاً يطيّر صوابَهم، ويُحبط ثوابهم، ويطيل حماتهم، ويكبت أصواتهم، ولأحدثت في (العالم الغربي) تفسيراً جديداً لكلمة (عربي) » (٢) . * وقال -أيضاً-: «هل من الصحيح أن التفجيع والتوجّعَ والتظلّم والتألّم والأقوال تتعالى، والاحتجاجات تتوالى، هي كل ما لفلسطين علينا من حقّ؟ وهل من المعقول أن التفجّع وما عطف عليه -مجتمعات في زَمن، مقترِنات في قرن- تنفع حيفاً، أو تفلّ لظلم سيفاً، أو ترُدّ عادية عاد، أو تسفّه حلم صهيون في أرض الميعاد؟! لا ... والذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» (٣) . * وقال -أيضاً-: «إن الواجب على العرب لفلسطين يتألّف من جزأين: المال والرجال، وإن حظوظهم من هذا الواجب متفاوتة بتفاوتهم في القرب والبعد، ودرجات الإمكان وحدود الاستطاعة ووجود المقتضيات وانتفاء الموانع، وإن الذي يستطيعه الشرق العربي هو الواجب كاملاً بجزأيْه؛ لقرب الصريخ، وتيسُّر الإمداد، فبين فلسطين ومصر غلوة رام، وبينها وبين أجزاء الجزيرة خطوط وهمية خطَّتها يدُ الاستعمار، وإذا لم تمحُها الجامعة فليس للجامعة معنى؟ وإذا
следующие страницы →